سيرة المخلص

بقدر الصمت الذي تعرفينه، لبِسَت البنت ضفيرة شعر مشاكسة على عجَل، النساء فاكهة الليل، يحتمين باللغة والاستعارات من شبح الموت، يُقَشِّرن لي البرتقال ويُطْعِمنه للسلاحف الكسولة، وهُنَّ يقرأن الكمسترا في المقاهي على جادة الطريق للمارة ولي، أنا لا أفهم في رؤية يوحنا أكثر مما وعيته من رسالة الغفران ومنامات الوهراني والكوميديا الإلهية، وكل ما يحاول أنْ يشوه علاقتي بالله، يتعذر عليَّ فهمه، حتى النساء — فاكهة الليل — حينما يتوقفن عن الكلام فإنهن يَقُلْن كل ما هو أكثر روعة، لم أَرَهُ، لم يكلمني، لم يرسل إليَّ رسلًا، ولا ملائكة ولا كتابًا، لا شجرًا ولم يهدني نجدًا واحدًا، ولكنني لسوء تقدير مني لم أقرأ، لقد ظلَّ كل شيء على ما هو عليه، هذا سر الحب الذي يربطني به، ليس الخوف، ليست التقوى، ولست طمعانًا في الجنة، وهواؤها أنقى مما أحتمل، ولست راغبًا في النار، أُحْرِقْتُ بها مرارًا، لا يعيبها شيء سوى الدفء.

كل شيء ظل كما هو.

لست تقيًّا، لست نقيًّا، طمعًا ولا أعرف شيئًا من العلم يُقَوِّي حجتي ويمهجني، مثلي ذرة من الغبار عالقة بما لا مكان، بغير إحداثيات ولا تاريخ ولا زمن ولا مستقبَل …

بهذا القدر من الإيمان، ظل كل شيء كما هو، وحدها عدم الطمأنينة سيدة الموقف، هي الأجمل، وهي التي أعطت معنًى لهذا القلَق النبيل، الذي يُهَدِّم في البيوت المتصدعة بفعل الطوفان، وحركت ما يبدو ثابتًا للسائحين، وحده الحب ينجيك من المهزلة، وادعاء أن الأشياء هي الأشياء …

ولن تنجو …

لا الحب ولا الجهل والسهر، لا الشعر كلا، سوف تسقط في الفخ بألف اسم وعنوان.

سوف يسقطون.

سيسقطون.

صغير هو الكون، إني أختنق الآن، أريد أنْ أُطِلَّ برأسي إلى الخارج، أبحث عن كوة ولو بحجم أنف واحدة، بحجم مليار أنف، إني أختنق الآن، تحاصرني النجوم والشموس والأقمار والمذنبات تخر، ما أضيق الكون يا حبيبتي!

سوف يسقط بعد قليل، دعي الأطفال يذهبون في النوم، تهدأ الفئران قليلًا، ويُسْكِت النعاس عازف الطبل والمغني وتيار الكهرباء، دعي الريح تسأل النوس الخجول.

من أجملهن حُبًّا؟

من أجملهن حُبًّا؟

الْتَقَيْنا أول مرة، هي ذاتها التي عرفتنا فيها الحية بالسبيل إلى الأرض، اللذة التي هي أعظم من الخُلد.

وقلت لي حينها: قد نمل الخلود.

ودفعٍتِ في فمي قبلة كبيرة من ثَمَر الزقوم.

فشاهدتُ.

شاهدتِ …

ضحكت الحية الجميلة، تُشيعُنا نحو الأرض، لقد استجاب الرب لدعاء الجسد.

نحمدك سبحانك على هذه اللعنة اللذيذة، على هذا السقوط البهي.

التقينا أول ما التقينا على طريق وعْرة وكُنْتِ نور عيني …

«لقد فقأ عينيَّ أوديب ظانًّا أنهما عيناه …»

وكنْتِ — وما زلت — نبْضَ قلبي.

«كنت ومحمود محمد طه على مشنقة واحدة.»

حبيبتي، لا يُلَام الجسد عندما يفعل عمل الجسد، ولا تلام الروح إذ تعشق.

مَنْ يَسْتَغْرب الريح إذا هَبَّتْ؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠