الخاتمة

قبل إصدار هذا الكتاب، كان المعروف والمتوارث والمنشور في معظم الكتابات المسرحية العربية؛ أن يعقوب صنوع هو رائد المسرح العربي في مصر منذ عام ١٨٧٠، هذا بالإضافة إلى بعض الأمور، التي أصبحت — بفضل ما كُتب عنه — من الحقائق الراسخة في أذهان معظم الدارسين؛ ومنها: أن يعقوب صنوع كان مُدرسًا حكوميًّا في المهندسخانة، وأنه كوَّن «محفل التقدم» و«جمعية محبي العلم»، وأن صحيفته «أبي نظارة» تمت مُصادرتها، ومن ثم تمَّ نفيه إلى فرنسا عام ١٨٧٨.

وهذه الحقائق الراسخة، استطعنا تفنيدها وإثبات عدم مصداقيتها، بالأدلة المنطقية، والبراهين الموثقة، ووصلنا إلى بعض النتائج، نُجملها في النقاط الآتية:
  • (١)

    عدم وجود أية إشارة عن صنوع كرائد مسرحي مصري، منذ عام ١٨٧٠ وحتى عام ١٩١١. والسبب في ذلك أن يعقوب صنوع هو المصدر الوحيد لكل ما كُتب عنه، خصوصًا ريادته للمسرح العربي في مصر.

  • (٢)

    محمد عثمان جلال، هو أول مصري كتب المسرحيات باللغة العربية في مصر، وباللهجة المصرية الدارجة في عامي ١٨٧٠ و١٨٧١، عندما كتب ونشر مسرحيات: «لابادوسيت»، «مزين شاويلة»، «الفخ المنصوب للحكيم المغصوب».

  • (٣)

    سليم خليل النقاش اللبناني هو صاحب أول فرقة مسرحية عربية، تعرض المسرحيات باللغة العربية في مصر عام ١٨٧٦.

  • (٤)

    في الفترة من عام ١٨٧٠ إلى عام ١٩٠٥، تحدث كل من: أبو السعود أفندي، محمد أنسي، بشارة تقلا، سليم تقلا، عبد الله النديم، جرجي زيدان؛ عن بدايات المسرح العربي في مصر، ولم يذكروا يعقوب صنوع كمسرحي في مصر بإشارة واحدة، على الرغم من معرفة بعضهم بصنوع، ومعرفة صنوع بهم، والكتابة عنهم في صحفه!

  • (٥)

    دوريات قديمة، تحدثت بأقوال صريحة — في الفترة من عام ١٨٧٥ إلى عام ١٩٤٥ — عن ريادة سليم النقاش للمسرح العربي في مصر، دون أن تذكر يعقوب صنوع كمسرحي بأية إشارة؛ ومنها: «الجنان»، «الأهرام»، «الشتاء»، «مرآة الشرق»، «المقتبس»، «الأخبار»، «الدليل الفني».

  • (٦)

    أسماء لامعة في النقد والتاريخ والمسرح، تحدثت — في الفترة من عام ١٨٩٥ إلى عام ١٩٥٣ — بأقوال صريحة عن ريادة سليم النقاش للمسرح العربي في مصر، دون أن تذكر يعقوب صنوع كمسرحي بأية إشارة؛ ومن هذه الأسماء: محمود واصف، بطرس شلفون، محمد تيمور، جورج طنوس، خليل مطران، د. طه حسين، أحمد ضيف، أحمد أمين، علي الجارم، عبد العزيز البشري، أحمد الإسكندري، د. محمد فاضل، عبد الرحمن الرافعي، أحمد شفيق قسطندي رزق، عبد الرحمن صدقي، د. محمد غنيمي هلال.

  • (٧)

    أسماء لامعة في الصحافة والدين والتاريخ، تحدثت — في الفترة من عام ١٨٧٨ إلى عام ١٩٥٠ — عن صنوع كصحفي فقط، دون الإشارة إلى أي نشاط آخر له، خصوصًا نشاطه المسرحي في مصر؛ ومن هذه الأسماء: سليم تقلا، بشارة تقلا، جمال الدين الأفغاني، الشيخ محمد عبده، أحمد شفيق باشا، د. محمد صبري، عبد الرحمن الرافعي، محمد لطفي جمعة، د. عبد اللطيف حمزة.

  • (٨)

    لم يتحدث صنوع عن تفاصيل مسرحه، خصوصًا تشجيع الخديو إسماعيل لهذا المسرح، ومنح صنوع لقب «موليير مصر»، ومن ثم إغلاقه لمسرح صنوع، إلا بعد عزل الخديو إسماعيل عام ١٨٧٩!

  • (٩)

    كل من كتب من الأجانب المعاصرين لصنوع، عن ريادته للمسرح العربي في مصر، هم من أصدقائه، وكتبوا من خلاله ومن خلال أقواله المنشورة في صحفه، أمثال بول دوبنيير عام ١٨٨٦، أوجين شينيل عام ١٨٩٠، جاك شيلي ١٩٠٦.

  • (١٠)

    اللعبات التياترية المنشورة في صحف صنوع، والمنسوب كتابتها إليه، يُحيطها كثير من الشك، حيث كان صنوع يتلقى أغلبها من آخرين.

  • (١١)

    المسرحيات المنسوبة إلى صنوع، والمنشورة من قبل د. محمد يوسف نجم، لا يُوجد بها أي توثيق يثبت تاريخ كتابتها، أو تمثيلها، أو أن كاتبها هو يعقوب صنوع نفسه، بل إن خطها يثبت أنها لإنسان آخر غير صنوع.

  • (١٢)

    الفيكونت فيليب دي طرازي، هو أول من كتب — في العالم العربي — عن ريادة صنوع للمسرح المصري، في كتابه «تاريخ الصحافة العربية» عام ١٩١٣.

  • (١٣)

    المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي، هو صاحب أول مقالة باللغة العربية تُنشر في مصر، عن تاريخ صنوع عام ١٩٢٤، وخصوصًا عن ريادته للمسرح العربي في مصر.

  • (١٤)

    سليم قبعين — صديق المستشرق الروسي، ومدرس اللغة العربية في إحدى المدارس اليهودية، وأول صحفي أيَّد هجرة اليهود إلى فلسطين — هو صاحب مجلة «الإخاء» الماسونية، التي نشرت مقالة المستشرق عن صنوع في مصر عام ١٩٢٤!

  • (١٥)

    د. إبراهيم عبده، هو صاحب كتاب «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر»، الذي يُعتبر أول كتاب كامل عن صنوع، يُنشر في مصر عام ١٩٥٣. ذلك الكتاب الذي أدخل يعقوب صنوع في تاريخ مصر والعالم العربي من أوسع أبوابه!

  • (١٦)

    يعقوب صنوع لم يكن مدرسًا في المهندسخانة، ولم يُكوِّن محفل التقدم وجمعية محبي العلم، ولم تُصادَر صحيفته في مصر، ولم يُنفَ من مصر.

  • (١٧)

    قام يعقوب صنوع بإعادة صياغة أعداد صحفه الصادرة في مصر عام ١٨٧٨، وضمَّن الأعداد المُعادة بعض الأمور التي لم تكن موجودة في الأعداد الأصلية، ومنها ريادته للمسرح العربي في مصر.

  • (١٨)

    مذكرات يعقوب صنوع المخطوطة والمنشورة في كتاب د. إبراهيم عبده، غير صحيحة، وتم إعادة صياغتها، بعد تضمينها أشياء غير حقيقية، من خلال المعلومات المتوفرة عن صنوع، والمنشورة في صحفه.

وأمام هذه النتائج التي تخالف كل ما هو معروف عن يعقوب صنوع، يجب أن نجيب على أهم سؤال، وهو: لماذا أوهم صنوع العالم العربي بأنه رائد للمسرح المصري، وأنه مدرس في المهندسخانة، وأنه كوَّن «محفل التقدم» و«جمعية محبي العلم»، وأن صحيفته المصرية تمت مصادرتها، وأنه نُفي من مصر إلى فرنسا؟!

ولكي نجيب على هذا السؤال، لا بد أن نضع في الاعتبار عدة حقائق؛ منها: أولًا: أن يعقوب صنوع لم يذكر هذه الأشياء إلا بعد سفره إلى فرنسا. ثانيًا: وجود علاقة وثيقة وحميمة بين صنوع وبين الأمير عبد الحليم بن محمد علي. ثالثًا: مدرسة المهندسخانة تَخرَّج منها معظم قادة وضباط الثورة العرابية. رابعًا: انتشار المحافل الماسونية في مصر. خامسًا: مصادرة الصحف لا تتم إلا في حالة مخالفتها لسياسة الحاكم والدولة. سادسًا: نفي الأشخاص لا يتم إلا في حالة مخالفة الشخص لسياسة الحاكم والدولة.

وبناء على ذلك نقول: إن أسرة يعقوب صنوع كأسرة يهودية في مصر، كانت تُعامل معاملة الذميين عامة. وبالرغم من ذلك، كان الرأي العام يحتقر اليهود، مما جعل بعض اليهود يهربون من الرعاية العثمانية إلى رعاية الدول الأوروبية لينتفعوا بالامتيازات القانونية والحماية الفعلية. وهذا ما حدث بالنسبة إلى صنوع ووالده، حيث إنهما من رعايا الدولة الإيطالية!

وبسبب النظرة المتدنية لعنصر اليهود، ورغبة صنوع في إيجاد دور له، أضفى على نفسه عدة أدوار ريادية — بعد سفره إلى فرنسا — بَثَّها من خلال صحيفته؛ دافعه الأول فيها امتزاج شخصيته كيهودي في التاريخ العربي!

ومن هذا المنطلق لفكر اليهود، أوهم صنوع العالم العربي بأنه رائد المسرح العربي في مصر. ذلك المسرح الذي بث صنوع من خلاله أفكاره عن الحرية، ومقاومته لظلم الخديو إسماعيل، مما جعل الخديو يأمر بإغلاقه؛ وبذلك أقنع صنوع قراء جريدته أن اليهود هم أصحاب الريادة المسرحية في مصر، وأصحاب الآراء الحرة، التي تقاوم الظلم، والتي تُقابَل بالاضطهاد من قبل الحُكام المسلمين.

ومن هذا المنطلق لفكر اليهود، أوهم صنوع العالم العربي بأنه أحد مُعلمي مدرسة المهندسخانة، التي خرَّجت قادة وزعماء الثورة العرابية؛ وبذلك أقنع صنوع قراء جريدته أن اليهود هم أصحاب الفضل في تعليم وتخريج القادة والزعماء والثوار المصريين.

ومن هذا المنطلق لفكر اليهود، أوهم صنوع العالم العربي بأنه كوَّن ورأس «محفل التقدم»، و«جمعية محبي العلم»، ليبث من خلالهما آراءه السياسية. وبذلك أقنع قراء جريدته أن اليهود هم أصحاب الفضل في نشر الآراء السياسية، التي تبنَّاها مريدو المحفل والجمعية في مصر، أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وقادة الثورة العرابية، وكثير من علماء ومثقفي الأديان السماوية.

ومن هذا المنطلق لفكر اليهود أوهم صنوع العالم العربي بأن صحيفته «أبي نظارة» تمت مصادرتها لأنها صحيفة حرة كشفت للشعب أخطاء سياسة دولته، ومظالم حاكمه. وبذلك أقنع صنوع قراء جريدته أن اليهود هم أصحاب الآراء السياسية الجريئة في مصر، تلك الآراء التي تُقابَل بالاضطهاد والمصادرة من قبل الحُكام المسلمين.

ومن هذا المنطلق لفكر اليهود أوهم صنوع العالم العربي بأن نفيه من مصر كان بسبب أفكاره السياسية وموقفه الوطني، ضد سياسة الحاكم الظالم. وبذلك أقنع صنوع قراء جريدته أن اليهود مضطهَدون بسبب أفكارهم السياسية، من قِبَل الحكام العرب المسلمين.

وهذه الأدوار الريادية جعلت من اسم «يعقوب صنوع» شخصية أسطورية لا مثيل لها! وبطبيعة الحال لم يخلق صنوع هذه الأسطورة وحده، بل هناك من نسج معه خيوطها، وهناك أيضًا من ساعده في إبرازها، وهناك أخيرًا من حافظ على استمرارها حتى الآن، سواء بقصد أو بغير قصد!

فعلى سبيل المثال، نجد الأمير عبد الحليم بن محمد علي، من أكبر ممولي صنوع في إصدار صحفه. وفي مقابل ذلك كانت صحف صنوع تصدر تبعًا لتعاليم وتوجهات وأوامر هذا الأمير. لدرجة أن يعقوب صنوع كان المتحدث الرسمي، والمدافع الأول عن حقوق هذا الأمير، تلك الحقوق التي سلبها منه الخديو إسماعيل، وأيضًا ابنه الخديو توفيق. ومن الصعب أن نجد عددًا واحدًا من صحف صنوع طوال ٣٢ سنة يخلو من ذكر هذا الأمير!

تأتي دولة فرنسا في المرتبة الثانية، بعد هذا الأمير في تعضيد صنوع؛ حيث إنها كانت ترشح الأمير عبد الحليم لتولي الخديوية، بدلًا من إسماعيل وتوفيق، كي تقاوم نفوذ إنجلترا في مصر. ومن هنا كانت يد صنوع مطلقة بحرية في الهجوم على إسماعيل وتوفيق والإنجليز. ولكن عندما تولى الخديو عباس الحكم، وكانت تربطه بفرنسا علاقات طيبة، مدحه صنوع، رغم أنه ابن توفيق وحفيد إسماعيل؛ وذلك تبعًا لتوجهات فرنسا السياسية.

وتأتي الشخصيات العامة في المرتبة الثالثة لتعضد يعقوب صنوع. وقد بدأت هذه الشخصيات في مساندته، عندما تم الوفاق بين فرنسا وإنجلترا والدولة العثمانية عام ١٨٨٧، فوجدنا يعقوب صنوع يخفف من هجومه على إنجلترا، ويتجه بصحيفته إلى مدح الشخصيات العامة والحديث عنها، وإثبات صورها،١ كتعويض عن قصور مساندة فرنسا له، بعد وفاقها مع إنجلترا.

وتأتي الماسونية في المرتبة الرابعة، لتجد يعقوب صنوع كيهودي، أفضل مروِّج لأفكارها وتعاليمها في الدول العربية، خصوصًا وأنه صاحب جريدة مكتوبة باللغة العربية، تُعتبر أهم نافذة إعلامية تطل على الدول العربية في ذلك الوقت. والحق يُقال إن يعقوب صنوع كان مروجًا مثاليًّا للماسونية؛ فطالما تحدث عنها في صحفه بأحاديث تؤكد إيمانه بها، وتدعو للترويج لها، وتتحمس للدفاع عنها، مستغلًّا في ذلك مظهره الخارجي، الذي يوحي بسماحة الأديان. فبالرغم من يهودية صنوع إلا أنه كان يرتدي زي شيوخ الإسلام؛ العمامة، الجبة، القفطان، ويطلق على نفسه «الشيخ أبي نظارة»!

ويأتي في المرتبة الخامسة الفكر الصهيوني الداعي إلى هجرة اليهود من أوروبا للاستيطان في الدول العربية، كخطوة عملية للماسونية. وهذا الفكر وجد أيضًا في صنوع خير مناصر له. والحق يُقال أيضًا، إن يعقوب صنوع تبنى هذه الفكرة ودعا في صحفه إلى هجرة اليهود من الاضطهاد الأوروبي، ليستوطنوا في البلاد العربية، التي لا تتعصب للأديان والمذاهب. وقد أيد صنوع هذه الفكرة بكل وسيلة ممكنه في صحفه، سواء بالمقالات الصريحة، أو بإثبات بعض الجمل باللغة العبرية، أو بالرسوم الكاريكاتيرية، أو بعرض الكتب التي تؤيد الفكرة!٢

ومن غير المعقول أن تتوفر لصنوع هذه المقومات، ويقوم باستثمارها للغير، دون أن يستثمرها لصالحه! ومن هذا المنطلق استطاع صنوع أن يخلق لنفسه عدة أدوار ريادية، أوهم بها قراء جريدته، مستعينًا فيها ببعض الأصدقاء ممن كتبوا عنه وعن رياداته بإيعاز منه وبصورة متفق عليها. ولعل أصحاب هذه المقومات ساعدوه على مزاعمه، ليصبح جديرًا بأن يكون المتحدث باسم الأمير عبد الحليم، وأحد المحميين من قِبَل فرنسا، وأحد أصدقاء الملوك والرؤساء والشخصيات العامة، وأحد دعاة الفكر الماسوني الصهيوني … وهكذا تكونت أسطورة يعقوب صنوع!

figure
دعوة صنوع لهجرة يهود أوروبا إلى البلاد العربية ١٨٩٨.

وهذه الأسطورة ظلت حبيسة صحف صنوع طوال ٣٢ سنة، ولم تخرج منها إلا في أضيق الحدود. وعندما توقفت صحف صنوع عن الإصدار عام ١٩١٠، كادت هذه الأسطورة تتلاشى، بتوقف متنفسها الوحيد عن الإصدار، وهنا اندفع صنوع ومعاونوه لإنقاذها بكل الوسائل، خصوصًا نشرها في العالم العربي — التي تكونت الأسطورة من أجله — وباللغة العربية.

وهكذا بدأت أسطورة صنوع تتسلل إلى تاريخ عالمنا العربي. وأول من ساهم في ذلك كان فيليب طرازي، عندما نشر في بيروت — باتفاق مسبق مع صنوع قبيل وفاته، أو مع معاونيه — مسرحية «موليير مصر وما يقاسيه» عام ١٩١٢، ثم نشر في بيروت أيضًا — وبعد وفاة صنوع — كتابه «تاريخ الصحافة العربية» عام ١٩١٣.

ولعل من خطط لاستمرار هذه الأسطورة في العالم العربي كان يعلم جيدًا تأثيرها على الدارسين إذا نُشرت في مصر. وبدأ تنفيذ المخطط بجعل مستشرق روسي يكتب أول مقالة عن صنوع تُنشر في مصر! وينشرها له صديق كان يشجع على هجرة اليهود إلى فلسطين، وتُنشر هذه المقالة في مجلة ماسونية عام ١٩٢٤.

ولم يكتفِ المخططون بنشر مقالة عن صنوع في مصر — أو بنشر عدة مقالات أو أجزاء من كتب — ولكنهم أرادوا إدخاله إلى تاريخ العالم العربي من أوسع أبوابه؛ وذلك من خلال كتاب ضخم يُكتب عنه، وساعدتهم الظروف على ذلك، عندما قامت ثورة يوليو ١٩٥٢، تلك الثورة التي أنهت الاستعمار الإنجليزي، ذلك الاستعمار الذي هاجمه صنوع في صحفه أكثر من ثلاثين سنة — سواء كان من أجل مصر، أو من أجل آخرين — هنا بدأ البحث عن الفارس الذي سيتولى مهمة إدخال صنوع إلى تاريخ العرب.

وقع الاختيار أخيرًا على د. إبراهيم عبده، باعتباره من أكبر المؤرخين في مجال الصحافة العربية، وأيضًا لأنه المصري الوحيد الذي كتب عن صنوع عدة صفحات في كتب ثلاثة ابتداءً من عام ١٩٤٤، فتم تسريب معلومات إليه، مفادها وجود كافة أعداد صحف ومخطوطات وصور ورسائل صنوع، تحتفظ بها ابنته «لولي»، وتستطيع أن تمنحها لمن يكتب عنها وينشرها!

وعلى الفور سافر د. إبراهيم عبده إلى فرنسا،٣ من منطلق اهتماماته العلمية بصحف صنوع، وبفترة إصدارها، وأيضًا من منطلق قوميته المصرية، لإثبات أن ريادة المسرح والصحافة في مصر؛ كانت لصنوع كمصري، ولا فضل للشوام فيها. ومن المؤكد أن د. إبراهيم كان غير واعٍ لما هو مُدبَّر في الخفاء! فأعطته لولي أعداد صحف صنوع التي صدرت في مصر، وسمحت له «فقط» بالنقل من مذكرات صنوع المخطوطة، وذلك بعد تضمين هذه الصحف وهذه المذكرات ما هو مخالف للحقيقة والتاريخ.

وهكذا خرج إلى النور كتاب «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر» عام ١٩٥٣، ليكون أول وأضخم كتاب عن صنوع يُنشر في مصر. ذلك الكتاب الذي كتب أسطورة يعقوب صنوع بحروف من النور، ما زالت تتلألأ في سماء العالم العربي حتى الآن!

١  ومن هذه الشخصيات: ميرزا أحمد خان، بيرزاده، مسيو كوين بافارو، ألفونس الثالث عشر ملك أسبانيا، كارلوس الأول ملك البرتغال، السلطان عبد الحميد، عبد الله سلطان أنجوان، السيد علي سلطان كومور، سعدي قرنة، الكونت دمنتيليو سفير فرنسا في الأستانة، جواد باشا الصدر الأعظم، سعيد باشا ناظر خارجية الأستانة، الغازي عثمان باشا، ثريا باشا، فليكس فور رئيس فرنسا، مهاب أجل شيخ خزعل خان، محمد ملك الهنزوان، فكتور عمانويل ملك إيطاليا. وللمزيد عن هذه الشخصيات، انظر على الترتيب: جريدة «أبو نظارة»، عدد، ١٠، ٢٣ / ١٠ / ١٨٨٧، وعدد١١، ٢٨ / ١١ / ١٨٨٨، وعدد ٢، ٢١ / ٣ / ١٨٩٠، وعدد ٣، ٢٢ / ٤ / ١٨٩٠، وعدد ٤، ٢٢ / ٥ / ١٨٩٠، وعدد ٧، ٨، ٧ / ٩ / ١٨٩٠، وعدد ٢، ٢١ / ٢ / ١٨٩١، وعدد ٨، ٧ / ٨ / ١٨٩١، وعدد ١٥، ٨ / ٩ / ١٨٩١، وعدد ٨، ٢٥ / ٤ / ١٨٩٢، وعدد ٢٢، ٢٥ / ١١ / ١٨٩٢، وعدد ٢، ٢٥ / ٢ / ١٨٩٣، وعدد ١٥، ١ / ١٢ / ١٨٩٣، وعدد ١، ٥ / ٢ / ١٨٩٥، و«المنصف»، عدد ٢، ربيع الآخر ١٣١٩، و«التودد»، عدد ٣، رجب ١٣١٩، و«أبو نظارة»، عدد ٥، ربيع الأول ١٣٢٢.
٢  ومن أقوال صنوع في هذا الشأن: «إن اليهود بأوروبا ابتدوا يحتفلون ويخطبون الخطب محثين بها بعضهم بعضًا على المهاجرة إلى الممالك المحروسة ليتخلصوا من الاضطهاد التعصبي الذي ثار نقمة في بعض أنحاء أوروبا وأرجائها، وبالفعل هاجر منهم جمٌّ غفير قاصدين التبعية العثمانية لعلمهم بعدم البحث والالتفات أو التعصب في الأديان والمذاهب؛ لأنهم رأوا بأن كرم مولانا السلطان — عزَّ نصره — لم يخص بدين ولا ملة، وقصد جلالته الوحيد راحة الجميع واستمرارهم في الهناء ومنع ما يجلب لهم الأذى والكدر؛ ولذلك رأينا في زمن يسير زاد عدد النفوس سكان الأقطار العثمانية — حرسها الله — وما هذا إلا من صفاء قلب مولانا الخليفة وشفقته وعلو همته ووضع الأمور كلها في نظام مجيد، فازدادت الأشغال، وراجت المتاجر، فنمت المحاصيل، وعلى هذا المنوال بمشيئته — تعالى — ستزداد في كل عام بل في كل يوم.» جريدة «التودد»، السنة ٨، عدد ٣، في ٢٤ ذي القعدة سنة ١٣١٦ (عام ١٨٩٨). وللمزيد عن رسومات وأقوال صنوع في هذا الأمر، انظر: جريدة «أبو نظارة»، عدد ١، ذو الحجة ١٣٢٣، وعدد ٣، ربيع أول ١٣٢٥.
٣  أكد لي د. خليل صابات، أن د. إبراهيم عبده سافر خصيصًا إلى فرنسا من أجل الحصول على صحف ومخطوطات صنوع من ابنته لولي؛ وذلك كي يكتب كتابًا كاملًا عن يعقوب صنوع (مكالمة تليفونية بيني وبين د. خليل صابات، يوم ٢٧ / ٤ / ٢٠٠٠).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠