الأصالة والتجديد في الثقافة العربية المعاصرة

١

صميم الثقافة العربية — لا فرق في ذلك بين قديمها وحديثها — هو أنَّها تُفرِّق تفرقةً حاسمة بين الله وخلقِه، بين الفكرة المطلَقة وعالم التحوُّل والزوال، بين الحقيقة السرمدية وحوادث التاريخ، بين سُكونية الكائن الدائم ودينامية الكائن المتغيِّر؛ فالأول جوهرٌ لا يتبدَّل، والثاني عَرَض، يظهر ويختفي، على أنَّها تفرقةٌ لا تجعل الوجودَين على مستوًى واحد، بل تتَّخذ من عالم الحوادث رمزًا يُشير إلى عالم الخلود، فمهما تكن طبيعة الواقع والأحداث، مما يقع عليه البصرُ والسمع، فليست هي إلا علاقاتٍ تُشير — لصاحب البصيرة النافذة — إلى الكائن الروحانيِّ الكامن وراءها، إلى مُبدعها ومُجريها، وسواءٌ نظرنا إلى الإنسان باعتباره عالَمًا صغيرًا، أو نظرنا إلى الكون كلِّه باعتباره إنسانًا كبيرًا — وهي مقابلة يكثر ورودُها في ثقافة العرب الأقدَمين — فإن مادة الجسم في كِلتا الحالتَين، إنما هي ستارٌ يستر وراءه روحًا يمتنع على الفناء.

تلك التفرقة الفاصلة بين ظاهر الأمر وباطنه، هي المنبتُ العميق الذي يوضِّح لنا ما يُقسِّم رجالَ الثقافة عندنا في فترات التحوُّل، قسمين، أطلق عليهما حينًا (في عشرينيَّات هذا القرن وثلاثينياته) أسماء القديم والجديد، وحينًا آخر (في أيامنا هذه) أسماء الرجعيَّة والتقدمية؛ وذلك أنَّ رجال الثقافة هؤلاء، كلما عصَفَت بهم رياحُ الحوادث، ونظروا حولهم فإذا هذا الهيكل الصوريُّ راسخٌ كالجبال العاتية التي لا تنال منها الرياح، ظنَّ منهم فريقٌ أنَّ النجاة هي في اعتصامهم بأركانه، وظنَّ فريقٌ آخر ألَّا نجاة إلَّا في الخروج منه لِيَلوذوا بهيكلٍ ثقافيٍّ آخَر، أقامته حضارةٌ أخرى، أثبتَ العصر نجاحها، ومهَّد لها سبيلَ السطوة والسيادة، فأنصارُ القديم أو الرجعيُّون هم — في كِلتا الفترتين — الذين يلوذون بالمبادئ نفسِها، وبالقواعد نفسِها، وبالصورة نفسِها التي ميَّزَت الثقافة العربية الكلاسيكية، والتي قلنا عنها إنَّها في صميمها تفرقةٌ بين عالم الأزل وعالم الزوال، وأمَّا أنصار الجديد، أو التقدميون، فهم الذين يوَدُّون لو بتَروا الشجرة من جذورها، فلا يعود الظاهرُ مردودًا إلى الباطن، ولا الحاضر منسوبًا إلى الماضي، ولا الأحداثُ محكومةً بمبادئَ سوى المبادئِ التي نُقررها نحن المعاصرين لها، حتى لا نتركَ قيادة الأحياء للموتى.

ولم يكن ذلك البناء الهيكلي للثقافة العربية في صميمها، ليكون ذا معنًى، لولا أنَّ جانب الثبات والدوام من بنائه، بالقياس إلى جانب التغيُّر والزوال، يشتمل على مجموعة «القيم» التي يُناط بها توجيهُ السلوك والمفاضَلة بين الأفعال، فليست معاييرُ الإنسان التي يحتكم إليها من صُنعه — بِناءً على هذه النظرة الثقافية — بل هي مفروضةٌ عليه، وإنَّما فُرضت عليه لأنَّها بمنزلة «الحق» الموضوعي الذي لا قِبَل للإنسان أن يُغيره أو يُحوِّره، فهل في وُسْع الإنسان أن يُغيِّر من طبيعة المثلَّث أو المربَّع، فيجعل المثلثَ مَحوطًا بخمسة أضلاع إذا شاء؟ كلا، فهكذا المثلث بحُكم تعريفه، أن تُحيط به ثلاثةُ أضلاع، وكذلك قل في العدل والصدق وغيرِهما من معايير السلوك، ثم نتوسَّع قليلًا في هذه المعايير الثابتة، فإذا هي المبادئ كلُّها والقواعد كلها، التي تَهدي الإنسانَ في نشاطه، كائنًا ما كان ذلك النشاط، من عبادة المتعبِّد، إلى فُروسية الفارس، ومن توقيعات الموسيقى والغناء، إلى زخرفات الفنان وتفعيلات الشاعر … معاييرُ هي التي في مجموعها تصنع «الذَّوق» العربي على جميع مستوياته، من «الذوق» الصوفي إلى «ذوق» الناقد الأدبي، وهي معاييرُ لو حلَّلتَها ألْفَيتَها على تنوُّعها تلتقي في نهاية الأمر عند نقطةٍ مشتركة، وهي أنَّ الوقائع الجزئية الماثلة على مَرْأى البصر، أو على مَسْمع الأذن، تنتهي بك — لو تعقَّبتَها إلى أصولها الأولى — إلى فكرةٍ مطلقةٍ ثابتة، لا يوصَل إليها عن طريق التجريد والتعميم من خبرات الحياة الجارية، بل هي فكرةٌ «أولية» — باصطلاح الفلاسفة في ذلك — يجدُها الإنسانُ مغروزةً في فطرته إذا هو استبطَن فِطرته، أو يستدلها من ظواهر الكون إذا هو نفَذ خلال تلك الظواهر إلى جوهرها الباطن.

ومن هنا كان بين الأُسُس العميقة في بناء الثقافة العربية الصميمة أن تكون «للإرادة» أولويةٌ منطقية على «العقل»؛ فالإرادة «فعل»، والفعل باطنه «قيمة» تُوجِّهه، وما دامت مجموعةُ القيم قائمةً أمامنا، لم نصنَعْها، بل نَشْخَص إليها لنحذوَ حذْوَها؛ فلم يبقَ «للعقل» إذن مهمةٌ يؤدِّيها إلا أن يَرسُم الطريق المؤديةَ إلى تحقيقِ ما تقتضيه تلك النماذج العُلْيا المنصوبةُ أمامنا، ومعنى ذلك أنَّ مجال «العقل» منحصرٌ في دنيا التنفيذ، بحيث نلتمس به السُّبل المؤديةَ إلى الغاية المطلوبة، أما الغاية نفسُها فلا شأن له بها؛ لأنها تنتمي إلى عالم القيم، فليختلف الناسُ كيف شاءوا في أي الطرُق يسلكون، لكن الغايات مرسومةٌ لهم، تُسدد الخطى كأنَّها أنجُم السماء تهدي السائرين في تِيه الفلاة.

وواضحٌ أنَّ أداة الإنسان في إدراكه للغايات التي «ينبغي» عليه بلوغُها، غيرُ أداته في إدراك الخطوات التي تؤدي إلى تلك الغايات؛ فهذه الخطوات هي تخطيطٌ «عقلي» تَتتابعُ فيه المقدماتُ والنتائج، وأمَّا تلك الغايات فإدراكها يكون «بالحَدْس» — وهذا مصطلحٌ فلسفي — وإذا شئتَ فقل عنه إنَّه إدراكٌ بالبصيرة، أو بالقلب، أو بالوجدان، أو بإلهام، أو بما تختاره من لفظٍ يؤدي معنى الإدراك الذي يتمُّ بصورةٍ مباشرةٍ بين الذات العارفة والشيء الذي تعرفه، وإذن تكون الثقافة العربية الأصيلة — بِناءً على هذا التحليل — قائمةً على دعامتين: الإلهام والعقل؛ بالأول نُدرك ما «ينبغي»، وبالثاني نُحقق ما انبَغى.

٢

ويحكي لنا التاريخُ حكايةً مفصَّلة عن هذا الهيكل العامِّ للثقافة العربية، ماذا كان من أمره حين ألفى نفسَه وجهًا لوجه مع ثقافة «غربية» قديمة، هي ثقافة اليونان، فقد نُقلت هذه الثقافة إلى العربية، في القرن التاسع، بأمرٍ من الدولة وبتدبيرها وبأموالها، على نحوٍ يكاد المرءُ يلمح فيه رائحةَ السياسة وأهدافَها، لكن ذلك ليس من شأننا في هذا المجال، وحسبُنا أن نعلم أنَّ خاصة المثقفين عندَئذٍ قد وجَدوا أمامهم هذا الوافدَ الجديد، الذي هو «الفلسفة» اليونانية خاصة، وإذا قلنا «الفلسفة» فقد قلنا «منطق العقل» فكيف استجابوا له؟

استجابوا له على طريقتين؛ ففريقٌ حاول أن ينتفعَ به لأغراضه، وفريق آخر وقف منه موقفَ الرفض الصريح، فأمَّا أوَّل الفريقين فنراه في المعتزلة من المتكلمين وفي الفلاسفة، فحاول فريقُ المعتزلة أن يستخدموا أداةَ المنطق العقلي في الوصول إلى صيغةٍ تدفع عن الدين كلَّ شبهة، وتصون للفرد الإنساني في الوقت نفسِه حُريتَه في الاختيار، ومسئوليته عمَّا يختار، فركزوا أنظارهم على مِحورَين؛ هما وحدانية الله من جهة، وحرية إرادة الإنسان في دُنيا الفعل من جهةٍ أخرى، فسَلِمَت لهم بذلك أركانُ الهيكل الثقافي العتيد، الذي يحرص على التمييز الواضح بين المطلَق في ثباته، والجزئيِّ في تغيُّره، مع اصطناعهم للثقافة اليونانية الوافدة وسيلةً يتوسَّلون بها، لا غايةً يقفون عندها، وأمَّا الفريق الثاني — فريق الفلاسفة — فقد كانت طريقتهم أن يُحاولوا التوفيق بين الوافد والمقيم، بين الطارف والتليد، بين ما يؤدِّي إليه منطقُ العقل، وما قد هبَط به الوحي، بين حكمة الفلسفة وشريعة الدين؛ ليُبيِّنوا أنْ لا اختلافَ على الحقائق وإن تعدَّدَت المناهج، وهكذا اتفَق الفريقان: فريق المعتزلة من المتكلِّمين، وفريق الفلاسفة، على أن قَبولهم للثقافة اليونانية المنقولة إليهما، لا يؤدِّي إلى تنازلهما عن أيِّ شيء من مقوِّمات الثقافة العربية الأصيلة، بل قد يَزيدها رسوخًا بما يُضْفيه إليها من براهين التوكيد والتأييد.

لكن تلك الوقفة المعتدلة المتسامحةَ اقتصرَت على جماعةٍ من خاصة المثقفين، ولا أظنُّها قد تسرَّبَت لِتَسريَ في حياة الناس، وأمَّا الذي بدأ بجماعةٍ من خاصة المثقَّفين كذلك، ثم سرى في جمهور الناس جيلًا بعد جيل، فهو وقفةٌ أخرى رفَض بها أصحابها فلسفةَ اليونان المنقولة، ورأَوها دخيلةً على ثقافتهم وربما أفسَدَتها، فعند هؤلاء الرافضين أنَّ «علوم الأوائل» — هكذا أسْمَوا ثقافةَ اليونان — لا تكاد تصلحُ لشيءٍ في «علوم العرب»، وعلوم العرب هذه لا تخرج عندهم عن عقيدةٍ دينية وشريعة ولغة عربية، فكيف يمكن لهذه الفروع الثلاثة أن تُفيد من علوم قِوامها «طبيعيات ورياضيات وإلهيات» تدور في مجالٍ آخَر وبأسلوب آخر؟ إنَّ هذه العلوم الوافدة — في رأيهم — هي على أحسَنِ الفروض «حِكمة مَشوبة بكُفر» أو هي «حقٌّ مَشوب بباطل».

وحسبنا أن نذكر من هذا الفريق الرافض للفلسفة اليونانية، الإمام الغزالي، ليُدرك القارئُ كم كان لوقفتِه هذه من أثرٍ لم يقتصر على خاصة المثقفين، بل اتَّسع مَداه حتى أصبح مُقومًا هامًّا من مقومات الثقافة الشعبية — إذا صحَّ هذا التعبير — فقد كتب الغزالي كتابه المشهور «تهافُت الفلاسفة»، ليُبين — من وجهة نظره — كيف أنَّ الفلسفة الأرسطية بصفةٍ خاصة، منطويةٌ على كلام ينقض بعضُه بعضًا، نعم .. إنَّ الغزاليَّ قد أمسَك بزِمام نفسِه، فلم تجرفه المبالَغات، بدليلِ أنَّه أخذ يُميز من جملة الثقافة اليونانية التي سلَّط عليها نقْدَه، جوانبَ يراها مفيدة، ولا ضيرَ على العقيدة الدينية منها؛ كالرياضيَّات، والمنطق الخالص، ومع ذلك فقد كان يخشى على الناس أن يقرَءوا للفلاسفة الأقدَمين أشياءَ صحيحةً كهذه، فيتوهَّموا أنَّ كل ما قاله الفلاسفة لا بُدَّ أن يكون صحيحًا كذلك.

لا، لم يكن النظر العقلي — عند الغزالي — هو وسيلةَ إدراك الحق، والحقُّ هو الله سبحانه، وإنَّما الوسيلة لذلك هي الحَدْس الصوفي، فكان بقوله هذا بمثابةِ مَن واجهَتْه ثقافة «العقل» الدَّخيلة، فلاذ بما قد ألِفه واستراح إليه ووجَد فيه الدفء، ألا وهو القلب ونبضته، والوحي وهدايته.

٣

ويُخطئ مَن يظنُّ أنَّ قوائم الهيكل الثقافي الأصيل قد غيَّرها الزمَن، حتى وإن تغيَّرَت جميعُ القضايا المطروحة للنظر، فإذا تحدَّثنا عن «الثقافة العربية الحديثة» فلا بد من التفرقة الواضحة بين «المنظار» من جهة، و«الموضوع» الذي ننظُر إليه من جهة أخرى؛ فهنالك موضوعاتٌ للنظر أثارتها مشكلاتُ العصر لم يكن لنا بُدٌّ من التعرُّض لها؛ لأنَّها تمسُّ حياتنا في الصميم، ومن تفكيرنا فيها توالَدَت «الثقافة العربية الحديثة»، لكنَّنا نسأل هنا: بأيِّ منظار نظرنا، وعن أي موقفٍ فكري صدَرْنا؟ وتلك هي «المواجهة».

وإنَّني لَأزعم أنَّ الموقف الفكري الذي صدَرْنا عنه في مواجهتنا للعصر، هو نفسُه الموقف الفكري الذي صدر عنه أسلافٌ لنا عندما فوجئوا بثقافةٍ جاءتهم من اليونان: ففريقٌ أراد أن يجعل من الثقافة الجديدة أداةً ينتفع بها في حلِّ مشكلاته، وفريقٌ آخرُ رفَضها رفضًا، وكان الرافضون هم الفئةَ التي استجابت لها عامةُ الناس طَوال القرون التالية، نعم، إنَّ هنالك فريقًا ثالثًا ثار على الهيكل نفسِه، وخرج منه، بل خرَج عليه، وحاول العيشَ مع الغرباء؛ بُغْية أن يتبعَه الآخرون، لكن سرعان ما تبيَّن لهؤلاء وللناس، أنَّهم إنَّما فرَضوا على أنفسهم عُزلةً قد تُفيدهم إلى حين، ولكنها لن تكونَ جزءًا باقيًا من «الثقافة العربية الحديثة».

أريد أن أكونَ في هذا الموضع واضحًا غايةَ الوضوح؛ فلستُ أدافع ولا أهاجم، ولكنني أصف، فأقول إنَّ الثقافة العربية الحديثة إذا واجَهَت العصرَ بمقولاتها، لم تجد مقولاتُها تلك مُعَدةً كلَّ الإعداد لتلقِّي مادة العصر، فانقسَم رجال الثقافة عندنا ثلاثة مذاهب: مذهبٌ وجد الصيد نافرًا من القفص، لكنه لم يزَل به حتى طوَّعه بعضَ التطويع، فاستكان له ولو إلى حين، وفي رحاب هذا المذهب تقعُ الكثرة الغالبة من أعلام الأدب والفكر في تاريخنا الحديث: محمد عبده، والعقَّاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وغيرهم، فهؤلاء جميعًا — على اختلاف نزعاتهم وأذواقهم — لم يرفضوا العصر، لكنَّهم حاوَلوا أن يَصوغوه في قوالبِ الثقافة العربية الأصيلة، مع تفاوُتٍ بينَهم في درجة النجاح، ومع هؤلاء القادة يذهب معظمُ المثقفين. ومذهبٌ آخر وجد الصيدَ نافرًا من القفص، فاستغنى عن الصيد، واحتفظ بالقفص يضعُ فيه من كائناته المألوفة ما يجدُه حاضرًا بين يديه، وفي هذا المذهب تقعُ جماعةٌ لا حصر لعددها، ممَّن ملَئوا أوعيتهم من كتب التراث، وغضُّوا أنظارهم غضًّا عن العصر بكل ما يضطربُ به من قضايا ومشكلاتٍ فكرية، ومع هذه الجماعة تذهب عامة الناس من غير المثقفين. ومذهبٌ ثالث وجد الصيد نافرًا من القفص، فحطَّم القفص، وجرى مع الصيد حيث جرى، وهؤلاء قلةٌ قليلة، لا تجد بأسًا في أن نمحوَ صفحتنا محوًا، لِنَملأَها بثقافة العصر وحده، كما هي معروفةٌ في مصادرها، بغير تحريفٍ ولا تعديل. فمِن ذلك ترى جماعتَين من الجماعات الثلاث، هما اللتان تصدَّتا للعصر؛ إحداهما بتعديله ليُلائم قالَبَنا الموروث، والأخرى بغير تعديلٍ فيه، مُلقِيةً في اليمِّ القالبَ الموروث، وأمَّا الجماعة الثالثة فقد لاذت بالهروب في حُصونها، فلا مواجهة بينها وبين العصر، ومن ثَم فلنا أن نُسقِطَها من حسابنا، برغم كثرة عددها، وبرغم أنَّها هي التي ظفرَت بتأييد الجماهير.

وكذلك نستطيع أن نُسقط من حسابنا — في موضوعنا هذا — تلك القِلَّة القليلة التي، وإن تكن قد شاركَت العصرَ في مشكلاته الفكرية وقضاياه؛ فإنَّها قد شارَكَته كما يُشاركه رجالُ الفكر من أصحاب الحضارة الغربية نفسِها، فكأنَّ هذه الجماعة المستغرَبة تنظر إلى الأمور بعينٍ أوروبية أو أمريكية، وكل ما لها من انتماء إلى الثقافة العربية الحديثة هو أنَّها تكتب ما تكتبه باللغة العربية، ولعل أهمَّ ما قامت به في صَنيعها ذاك، هو أنَّها عرَضَت على الأمة العربية ثقافةَ الغرب، لا عن طريق الترجمة المباشرة، بل عن طريق تَمثُّلها لتلك الثقافة ثم عرضِها بأسلوبٍ حيٍّ، فيه روحُها وشخصيتها، فلئن كانت الفئةُ الكبيرة التي لاذت بالماضي بغير تعديل، قد خرَجَت من ميدان المواجهة بالفرار؛ فإنَّ هذه الفئةَ الصغيرة التي دمَجَت نفسَها في حاضر الغرب كما هو، قد خرَجَت هي الأخرى من ميدان المواجهة بالذوبان في عالم غيرِ عالمهم، وتبقى بين أيدينا جماعةٌ واحدة، هي التي اضطَلَعَت بالمواجهة الثقافية بكلِّ ما في هذه الكلمة من أبعاد، وأعني تلك الجماعةَ التي تستقطبُ جمهور المثقفين، والتي جعلت همَّها أن تُسوِّق ثقافة العصر في مقولات الثقافة العربية كما عرَفَها التاريخ.

٤

ولكن ما هي ثقافة العصر التي نُواجهها أو لا نواجهها؟ أحسبُ أنَّنا في هذا الموضوع مطالَبون بشيءٍ من التحديد؛ فأغلب الظن أن تمرَّ كلمة «العصر» على قارئها أو سامعها، فيَعُدَّها اسمًا كالأسماء التي نُسمي بها الأشياء لنُميز بعضَها من بعض، وحقيقة الأمر غير ذلك؛ لأنَّ «العصر» ليس شيئًا محددًا يُشار إليه بقولنا هذا هو، وإنَّما هو خِضمٌّ من الأحداث والكائنات تتشابكُ حينًا وتتفكَّك حينًا آخَر، وهي ما تنفكُّ في حركة دائمة تحذف منها وتُضيف إليها، فإذا تذكَّرنا أنَّنا فوق ذلك كلِّه نتحدثُ عن فترة زمنية بلَغَت ثلاثة أرباع القرن؛ أدركنا كم هو جُزَافٌ أن نُرسل القول الواحد ليُشير إلى هذا المُرَكَّب كلِّه دفعةً واحدة.

فأقلُّ درجات الحَيْطة والحذَر، تقتضينا ألَّا نُطلق التعميم الواحد ليشملَ أهلَ هذا العصر جميعًا؛ وذلك لأنَّ «العصر» ليس واحدًا بالنسبة للجميع، فقد يعيش رجلان في محيطٍ واحد، وفي لحظة واحدة، فإذا كلٌّ منهما قد انصرَف بانتباهه إلى جانبٍ غير الجانب الذي انصرف إليه زميلُه؛ فينتج عن ذلك أن يكون لكلٍّ منهما عصرُه، برغم اشتراكهما في أرضٍ واحدة تُظلُّهما لحظةٌ بعينها، والأمثلة مِن حولنا تُعدُّ ألوفًا لأفرادٍ من الناس يعيشون معًا في محيطٍ زمني واحد، ومع ذلك فقد اكتفى أحدُهم من ذلك المحيطِ بطعامه وثيابه، وأمَّا فكرُه فقد اختار أن يُقيم في فترةٍ زمنية سلَفَت، بينما استدبرَ غيرُه ذلك الذي سلَف، لا يكاد يدري من أمره شيئًا، ليعيشَ بفكره مع ما تُصدِرُه مطابعُ اليوم عن مشكلات اليوم، أنقول عن هذين إنَّهما يعيشان في عصرٍ فكري واحد؟! خُذ مذاهبَ الفلسفة — مثلًا — تجد لكلِّ مذهب عرَفَه الناس داعيًا ونصيرًا في عصرنا هذا، فما يزال بيننا دارسون هم مِن أعظم الدارسين، قصَروا أنفسهم على الفلسفة الأفلاطونية، أو الأرسطية، أو على مذاهب المتكلمين، أو المتصوفة من المسلمين، أنقول عنهم إنَّهم ليسوا من أبناء العصر دون أن نُجاوز الحق؟!

وإنَّ الأمر في ذلك لَتشبيهٌ «بالبيئة» الطبيعية التي تُحيط بعددٍ من الناس، فيُظنُّ للوهلة الأولى أنَّ هؤلاء جميعًا يعيشون في بيئةٍ واحدة، فإذا ما أمعَنتَ النظر قليلًا ألفَيْتَ كلًّا منهم قد اتجهَ بنظره واهتمامه إلى جانبٍ من البيئة غير ما اتَّجه إليه جارُه؛ فقد يكون هذا الجارُ فلاحًا يُتقن زراعةَ أرضه، ثم لا يُهمه بعد ذلك شيء، على حينِ أنَّ صاحبَنا الأول دارسٌ للآثار، أو باحثٌ عن البترول، أو فنان جاء ليرسم لوحاتِه من وحي هذا المكان، فالمكانُ واحد، لكنه بالنسبة للرجلين بيئتان مختلفتان.

ونعود إلى سؤالنا الأول: ما ثقافة العصر التي نُواجهها أو لا نواجهها؟ إنَّها يقينًا ليست كلَّ فكرة جرى بها قلمٌ في صحيفةٍ أو كتاب، بل هي مختاراتٌ من تلك الحصيلة الكبرى، وجدناها ذاتَ صلة مباشرة بحياتنا ومَصيرنا، فوقفنا عندها قَبولًا أو رفضًا أو تحليلًا ينتهي بتعديلٍ وتبديل، إنَّ الحدث الواحد قد يكون أضخمَ حدثٍ بالنسبة لسوانا، ولكننا حِيالَه متفرِّجون، وهل في هذا العصر ما هو أضخمُ من إطلاق الصواريخ التي تغزو الفضاء؟! فلعلِّي أَفْجَأُ القارئ إذا ما زعمتُ له بأنَّ هذه الضجة الكبرى تكاد لا تكون جزءًا من ثقافةِ عصرنا نحن، التي نُواجهها أو لا نواجهها، لكنْ قارن ذلك بحدثٍ آخَر، هو إقحامُ إسرائيل على أرضنا، وانظر بأيِّ معنًى وإلى أيِّ مدًى قد دخَل هذا الجانبَ من الاستعمار الذي هو من علامات العصر، في دنيانا الثقافية، بحيث لم يعد منَّا واحدٌ يستطيع أن يغضَّ عنه النظر.

فالعصر إذن من الوجهة الثقافية، وبالنسبة إلى الثقافة العربية الحديثة على وجهِ التحديد، هو تلك الأفكارُ والأحداث التي مسَّت حياتَنا فأثارَت اهتمامنا عن إخلاصٍ لا تكلُّف فيه، ولا جدال في أنَّ أخطرَها جميعًا وأعمَّها شمولًا وأعمَقها أثرًا، هو القفزة الهائلة التي قفزَتْها العلومُ الطبيعية في عصرنا، بكل ما تَبِعها من نتائج، كانت إحداها سُعار المستعمرين، وكانت الأخرى خشيةً منَّا على الدين أن تهتزَّ مكانته في نفوس المؤمنين، فلو تقصَّينا ما كتبه الكاتبون حول هذين المحورَين: ما كتبوه دفعًا للمستعمِر ودفاعًا عن الحرية، ثم ما كتبوه بيانًا لقوة الدين أمام غزواتِ العِلم الجبَّارة؛ تارةً بالتدليل على أنَّ الدينَ والعلم لا يتناقضان، وتارةً أخرى بالتقليل من شأنِ العلم بالقياس إلى الدِّين؛ أقول إنَّا لو تقصَّينا ما كتَبه الكاتبون حول هذين المحورين، لوَجَدناه قد ملَأ رُقعةً فسيحة من مجال نشاطنا الثقافي الحديث.

والتشابُه — كما ترى — شديدٌ بين وقفتنا اليومَ في مواجهة العصر ومؤثراته، وبين وقفةِ أسلافنا في مواجهة مِثلها؛ ففي كِلتا الحالتين كان الوافدُ «عقلًا»، لولا أنَّ هذا العقل في الحالة السابقة تمثَّل في الفلسفة اليونانية، وهو في الحالة الحاضرة متمثِّلٌ في العلوم الطبيعية، لكنَّ جوهر المواجهة واحدٌ في الحالتين: في الماضي حاول أسلافُنا إمَّا أن يُدلِّلوا على أنَّ التوافُق تامٌّ بين نِتَاج العقل وإملاءِ الوحي، وإمَّا أن يُبينوا أنَّ الثقافة العقلية الدخيلة ليست بذاتِ نفع، إن لم تكن ضارةً بإيمان المؤمنين، وكذلك في حالتنا الراهنة قد وقَفْنا الوقفةَ نفْسَها أمام العلوم الغازيَة؛ فإمَّا — وهو الأغلب — جعَلْنا لها مَيدانًا وللدين مَيدانًا آخر، بحيث لا يتَعارضان، وإمَّا استخفَفْنا بمزاعم العلم، إيمانًا منَّا بأنَّ الروابط السببية التي يعتزُّ بها العلم، قد تنفصمُ بقدرة القادرين من أصحاب الخوارق ومَن إليهم.

ومهما يكن مِن أمر؛ فذَانِك عنصران من مقومات «العصر» التي واجهَتْها الثقافةُ العربية الحديثة: المطالَبة بالحرية السياسية، ثم بالحرية على إطلاقها في شتى الميادين، والدفاع عن الدين ضد أيِّ تشَكُّك محتمل نتيجةً لسيادة العلوم الطبيعية ونجاحها الذي خطَف الأبصار، تُضاف إلى هذين العاملَين عواملُ أخرى تتفرَّع عنها؛ منها ما قد أدى إليه الاقتصادُ الحديث القائم على العلم والصناعة من فجوةٍ هائلة بين الغنيِّ والفقير، سواءٌ كان ذلك على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمم؛ ما أنشأ موضوعًا خطيرًا تحدى رجال الفكر والأدب، ألا وهو المساواة العادلة بين الناس كيف تتحقَّق، وما صورة المجتمع التي تعمل على تحقيقها، ومن تلك العوامل أيضًا تلك المقارَناتُ العجيبة التي كثرَت وتنوَّعَت، في محاولة الكشف عن طبيعة الإنسان ما هي؟ أهو العقل أم الوجدان؟ أهو الشعور الواعي أم اللاشعور؟ وكذلك من العوامل التي تُحرِّك ثقافة العصر، فواجَهْناها نحن بالقَبول أو الرفض؛ تحديدُ العلاقة بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه، تُرى هل تفصل بينهما الفواصلُ بحيث يمكن القولُ بأنَّ الذات الإنسانية في طرَف والعالم في طرفٍ آخر، أم أنَّ الإنسان ظاهرةٌ طبيعية كأي ظاهرة أخرى؟ … تلك وأمثالُها أسئلةٌ ملَأَت ثقافةَ العصر، وردَدْنا عليها بمواجهات تنوَّعَت باختلاف المفكرين والأدباء.

على أن ذلك كلَّه إجمال، وسبيلُنا الآن أن نُفصِّله.

٥

يستهلُّ الشَّهرستانيُّ كتابه «المِلَل والنِّحَل» (القرن الثاني عشر الميلادي) بفقرةٍ يوضح فيها منهجَه في عرض المذاهب الفكرية التي ينوي عرضها، فيقول: إنَّ هنالك طريقتَين في الترتيب؛ الأولى أن نتَّخذَ من المسائل أصولًا، ثم نُورِدَ في كل مسألة مختلف الطوائف والرجال الذين تحدَّثوا فيها فنُقارن بينهم، والثانية أن نتَّخذ من الرجال والمؤلِّفين أصولًا، ثم نُورِد مذاهبَهم في مختلِف المسائل، ثم يقول إنَّه اختار لنفسه الطريقةَ الثانية.

وأراني أميلُ إلى الجمع بين الطريقتَين، بحيث تُكمل إحداهما الأخرى؛ فلقد أسلفتُ القول — بناءً على الطريقة الثانية — إنَّ رجال الثقافة العربية الحديثة ينقسمون طوائفَ ثلاثًا في مواقفهم من العصر وقضاياه: فطائفةٌ منها رفضَت العصر ولاذَت بالتراث وحدَه، كمَن تطرَّفوا في وجوب الأخذ بمبادئ الشريعة في تنظيم الحياة، وكمن تناوَلوا الفكر بمثلِ ما تناوله مصطفى صادق الرافعي، وطائفةٌ ثانية قَبِلَت العصرَ بحذافيره؛ فإذا تعارضَ مع أحوال التراث العربي رفَضوا التراث، مثل فرح أنطون، وسلامة موسى، وسعيد عقل، وأمَّا الطائفة الثالثة؛ فهي التي صنَعَت لنا ثقافتنا العصرية؛ لأنَّها هي التي زوَّدت نفسَها بكِلا الزَّادَين: الثقافة العربية الأصيلة، وثقافة عصرنا، وأخرجَت منهما مَزيجًا، هو الذي نُطلِق عليه بحقٍّ «الثقافة العربية الحديثة»، وفي مقدمة هؤلاء: طه حسين، والعقَّاد، وتوفيق الحكيم، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وسائر مَن سار على هذا النهج القويم.

وعلى أساس هذه الطائفةِ الثالثة وحدَها، نُطبِّق أول المنهجَين اللذَين ذكرَهما الشهرستاني، وهو المنهج الذي يتَّخذ من «المسائل» أصولًا له؛ فما علينا إلَّا أن نَعرِض لأمهاتِ القضايا التي جذبَت انتباهنا وأثارت اهتمامنا من مشكلات العصر؛ لنرى كيف عالجها رجالُ الطائفة الثالثة هؤلاء، فنعلم أنَّهم في معالجتِهم لها، كانوا عَرَبًا وكانوا مُعاصرين في آنٍ معًا؛ فقد كانوا عَرَبًا بما حافَظوا عليه في أنفسهم من أسُس هي نفسُها الأسسُ التي قام عليها البناءُ الثقافي العربي منذ قديم، وكانوا مُعاصرين بمادة الموضوعات التي تناولوها.

وأُولى القضايا هي قضية العلم، وما استتبعه من تقنية وصناعة؛ فمهما تكن لعصرنا هذا من خصائصَ تُميزه، فهو عصر العلم التقني بلا نزاع، وما كان أحدٌ منَّا ليتردَّد في قَبول هذا العلم النظري، من حيث نتائجُه، ولا من حيث تطبيقاتُه، وكيف له أن يتردَّد في حقائقَ من شأنها أن تقلبَ وجه الحياة المادية نحو الأصحِّ والأمتع والأيسَر؟! بل إنَّنا على مدار الخمسين عامًا الأخيرة، استطعنا أن نُحوِّل التعليمَ في مدارسنا وجامعاتنا، من تعليم كان أقلُّه عِلمًا وأكثرُه موادَّ إنسانية، إلى تعليم أصبح أكثرُه علمًا وأقلُّه تلك الموادَّ الإنسانية — كما يُسمونها.

إلى هنا ولا إشكال، ولكن ذلك كله — عند النظر الفاحص — لا يَعْدو السطحَ الظاهر إلى الباطن الخبيء، إنَّ أخذنا العلم من حيث نتائجُه وطرقُ تطبيقه في أجهزة نستخدمها في البيوت وفي المصانع؛ لم يُجاوز هذه القشرةَ العمَلية الظاهرة بحيث يتغلغلُ إلى الداخل فيُغيِّر من وجهة النظر؛ وذلك لأنَّنا أخذنا الثمرةَ ولم نأخذ الشجرة بجذورها، أخذنا النهايةَ ولم نأخذ المنهج الذي أدى إليها، والنظرة التي تضمَّنَتها؛ فالعلم العصري ينطوي على أُسسٍ ليست هي الأُسسَ التي عرَفناها في بنائنا الثقافي العربي، فكان لا بدَّ لنا من أحدِ أمرين: إما أن نرفض البناء الجديد كله أُسسًا وجُدرانًا، وبذلك نعزل أنفسَنا عن العصر عزلًا تامًّا، وإمَّا أن نقبله أُسسًا وجدرانًا كذلك، وبذلك نخرج على نظرتنا ذات الطابَع المتميز، وكان هذان الموقفان هما بالفعل موقفَ الطائفتين الأولى والثانية على التتابُع، من الطوائف الثلاث التي ذكرناها، لكنْ فاجَأتْنا الطائفة الثالثة — التي هي العمود الفِقري للثقافة العربية الحديثة — بموقفٍ وسط، فيه مرونة برغم ما فيه من مفارقة منطقية؛ وذلك أنَّ أصحابها قبلوا العلم ورفَضوا الأُسسَ التي ينطوي عليها، كأنَّما هم قَبِلوا الجدرانَ المقامة ورفَضوا الركائز التي أُقيمَت عليها هذه الجدران، ولا عليهم أن يُقال لهم إنَّ ذلك لا يتَّسق مع الصورة المنطقية الشكلية، ما داموا قد وجدوا في هذا الموقف ما يُريح الأنفس ويحلُّ الإشكال.

وذلك أنَّك لا تستطيع أخْذَ العلم النظري الحديث، دون أن تفطنَ إلى أنَّه قد انبنى على تغييرٍ في وجهة النظر، نقل الإنسان من البحث عن «أسباب» الظواهر، إلى البحث عن «قوانينها»، وقد كان البحث التقليدي عن الأسباب، ثم عن أسباب الأسباب، وهَلُمَّ جرًّا، ينتهي بالفلاسفة دائمًا إلى ما كانوا يُسمونه «بالعلة الأولى»، أو السبب الأول، وكانت هذه العلة الأولى — في تصورهم — لا تكتفي بذاتها إلا إذا كان من طبيعتها أن تُحرِّك سِواها، لكنها هي نفسها ساكنةٌ وثابتة، والقول بالعلة الأولى يتَّفق مع الإيمان الدينيِّ بوجود الله، وهو إيمانٌ رأَيْنا أنَّه يقعُ في الصميم من البناء الثقافي العربي على طول العصور، فإذا جاءت النظرة العِلمية اليومَ واستغنت عن الأسباب في تسلسُلِها، وقنَعَت بالصيغ الرياضية التي تؤلف مجموعةَ القوانين العِلمية، فقد انحصرَت في «الطبيعة» ذاتها؛ كيف تتفاعلُ عناصرها، وعلى أيِّ القوانين تسير؟ وطرَحَت من حسابها سؤالَين كان لهما فيما مضى كلُّ الخطر: ما الذي أحدث …؟ وإلى أيِّ غاية …؟

ها هنا يقع الحرجُ للمثقَّف العربي الذي لا يجد بُدًّا من مُسايرة العصر في علمه وتقنياته وتطبيقاته، وها هنا أيضًا وجَد رجال الطائفة الثالثة التي أشَرْنا إليها، الشجاعةَ والمهارة معًا ليُعلِنوا حُكمهم بأنَّ «العلم وحدَه لا يكفي» وعند هذه النقطة يكمن أعمقُ جذرٍ في مواجهة الثقافة العربية الحديثة للعصر؛ فليس منَّا واحدٌ لم يُحسَّ في نفسه القلقَ الشديد إذا طُولِب ببتر الطرفَين من مجال النظر: طرَف القوة التي أُحدِثَت، وطرف الغاية التي من أجلها أُحدِثَت؟ وفي يقيني أنَّه حتى أولئك الذين أرادوا أن يكونوا عِلميِّين تجريبيِّين بكل ما تقتضيه وجهةُ النظر الجديدة؛ لم يستطيعوا مُصالحةَ أنفسهم، وبقي القلقُ في ضمائرهم يؤرِّقها، إذن فهذه هي نظرتنا التي تُريحنا، وهي أن نُضيف إلى عالم الشَّهادة غيبًا مستورًا، وإذا كان عالم الشَّهادة بحاجةٍ إلى مُشاهَدة وتجرِبة لإدراكه، فالغيب إدراكُه يُبنى على إيمان.

ولك بعد ذلك أن تُطالع ما كتبه أعلام الثقافة العربية الحديثة من هذه الزاوية، لتجدَ صحائفهم مليئةً بهذا التطلُّع الذي يُجاوزون به المادة، دون أن يتنكَّروا للعِلم المؤسَّسِ على هذه المادة وطبيعتها؛ إيمانًا منهم بأنَّ التعلق بما وراء المادة، إضافة تنفع الإنسانَ ولا تنقص من العلم شيئًا، ويكفينا هنا مثالان أو ثلاثة، نسوقها من هؤلاء الأعلام:

كان طه حسين عقلانيًّا خالصًا، على نهج العلم والعلماء، حين أصدَر كتابه عن «الأدب الجاهلي» سنة ١٩٢٦م، حتى ظنَّ الناس أنَّه قد ذهب مع عقلانية العصر إلى المدى الذي يُنسِيه روحَ الثقافة العربية، حتى إذا ما أقبل على الناس عام ١٩٣٣م، أصدر لهم طه حسين رائعتَه الأدبية «على هامش السيرة» وفي مقدِّمة هذا الكتاب، يقول: «أنا أعلم أنَّ قومًا سيَضيقون بهذا الكتاب لأنهم مُحدَثون، يُكْبِرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنُّون إلا إليه؛ وهم لذلك يَضيقون بكثيرٍ من الأخبار والأحاديث التي لا يُسيغها العقلُ ولا يرضاها .. وأُحبُّ أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كلَّ شيء، وأن للناس ملَكاتٍ أخرى ليست أقلَّ حاجةً إلى الغذاء والرضى من العقل».

وأمَّا توفيق الحكيم، فتكاد كلُّ مسرحية من مسرحياته تُفصح عن هذه العقيدة، وهي عقيدةٌ طالما ساقَها الكاتب صريحةً لا تحتاج منك إلى استدلالٍ وبحث؛ فهو يؤمن أعمقَ الإيمان بوجود قوةٍ غيبية لا قِبَل للإنسان بردِّها، فإنْ أوهَمه عقلُه المحدود بأنَّه قادر على فرض إرادته، حدَثَت الفاجعةُ ونزلت المأساة، فلا مندوحةَ للإنسان عن حصر معرفته العقلية في حدودها، تاركًا لإيمانه ما وراء تلك الحدود، وإنَّا لنرى الكاتب في «عصفور من الشرق» يُخاطب الغرب، الذي أخذَه الغرورُ بعِلمه، فيقول: «ماذا صنَع لنا العلم؟ وماذا أفَدْنا منه؟ الآلات التي أتاحت لنا السرعة؟ وماذا أفَدْنا من هذه السرعة؟ البِطالة التي تُلِمُّ بعُمَّالنا، وإضاعة ما يَزيد من وقتِ فراغنا فيما لا ينفع …» ولكنه برغم هذه النبرة اليائسة من العلم وحضارته، لا يريدنا أن نستغنيَ عنه؛ فهو لا يَفْتأ يُذكِّرنا مسرحيةً بعد مسرحية، أنَّ على العقل أن يرتادَ الكون إلى آخِر مُستطاعه، ثم يُسلم الزِّمام بعد ذلك لإدراك الوجدان.

وتقرأ العقَّاد نثرًا أو شِعرًا، فترى العقيدةَ نفسَها؛ فالكون عنده روحٌ نلمسها بيدٍ من المادة؛ أي إنَّ الروح هي حقيقةُ الوجود، والمادة وسيلتُنا إلى معرفتها، وأنَّ هذه الطبيعة بكلِّ ما فيها لهي ألسنةٌ تنطق بالروح الكامنة وراءها؛ ولذلك فليس العقل، وليست الحواسُّ (وهذه هي أدوات العلم) بمستطيعةٍ وحدَها أن تدلَّنا على الحق، وإنَّما وسيلتنا إلى إدراك الحق هي الوجدان.

٦

ومن الأفكار التي ميَّزَت عصرنا، واستجابت لها الثقافةُ العربية الحديثة بضروبٍ شتى من المواجهة العنيفة التي بلَغَت حدَّ الثورات الشعبية الجارفة، فكرة «القومية»، وهي فكرةٌ تمتدُّ جذورها إلى أول يوم قامَت فيه تجمُّعاتٌ بشرية، لكنها اكتسبَت في عصرنا أبعادًا جديدة، جعَلَتها — مع التجوُّز — تُعَد من معالم العصر البارزة، فمِن أعجب المفارَقات أنَّ هذا العصر قد شهد من وسائل الاتصال ما لم يحلم به أيُّ عصر مضى، بحيث باتت أبعدُ مَطارح الأرض رهنًا بدفعةٍ صغيرة من إصبَع، فإذا أنت هناك، ومع ذلك؛ فقد فرَّقَت بين شعوب هذا العصر فواصلُ لم يشهدها عصرٌ آخر، فكأنَّما خشي الناسُ — من أبناء هذا الوطن أو ذاك — أن تغمرَهم موجةُ التقارب، فإذا هم قد أضاعوا خَصائصهم المميزة، فطفقوا يُشدِّدون القبضةَ على كل علائم التمييز: اللغة والعادات والثياب والفنون الشعبية، وغيرها وغيرها، فزاد ذلك من ظهور الفوارق القومية شِدَّةً، وكلما كان اللقاءُ بين الأمم على صعيدٍ دولي أوسع؛ كان الحرص على إبراز الخصائص القومية أشدَّ وأقوى.

ولقد تلازمَت فكرةُ القومية في بلادنا بفكرة الحرية السياسية، وكان ذلك أمرًا طبيعيًّا؛ لأننا وقد خرَجْنا من سلطان الأتراك لنقعَ في قبضات المستعمِر الغربي، لم نجد حافزًا يجمع قُوانا في حركةِ المقاومة أفعلَ أثرًا من الدعوة إلى ضمِّ صفوفنا تحت راية القومية، وإذن فنستطيعُ القول بأنَّ صِدامنا مع المستعمِرين، كان هو الذي ألهبَ شعورنا بقوميَّتنا، لكنها لم تكن «قومية» بمعنًى واحد على طول الطريق، بل بدأَت قومياتٍ إقليميةً، وانتهت إلى قومية عربية مشتركة، وتخلَّلَت هذه وتلك نداءاتٌ إلى قومياتٍ طائفية؛ كالفِرعونية في مصر، والفينيقيةِ في لبنان.

والذي يُهمُّنا في موضوعنا هذا، هو ما أحدَثَته هذه الحركةُ القومية بشتى مَعانيها وأهدافها، من صِلات ثقافية بيننا وبين مصادر الثقافة العصرية، وحسبُنا في هذا المجال أن نذكر أنَّ عشراتِ المؤلفين الذين كتَبوا مئات البحوث والكتب في موضوع القومية، يكادون جميعًا يكونون ممَّن استمَدُّوا ثقافتَهم من مَعِين الثقافة الغربية، ويَندُر جدًّا أن تجد مؤلفًا واحدًا ذا خطَرٍ في هذا الميدان ممن اقتصرَت ثقافتُهم على تراثنا العربيِّ وحدَه، فماذا يعني ذلك إلا أن تكون فكرةُ «القومية» من النقاط المهمة التي حدَثَت عندها مواجهةٌ ثقافية بيننا وبين عصرنا؟ لقد كنَّا في هذا الميدان كالمحارب الذي يستمدُّ سلاحه من عدوِّه ليُحاربه به، اقرأ مثلًا هذه الفقرة المأخوذة من خطابٍ لمفكِّر عربي ألقاه في مؤتمر عربي: «إنَّ الجماعات في نظر علماء السياسية لا تستحقُّ هذا الحقَّ (حق القومية الواحدة) إلا إذا جمَعَت — على رأي علماء الألمان — وحدةَ اللغة ووحدةَ العنصر، وعلى رأي علماء الطليان وحدةَ التاريخ ووحدة العادات، وعلى مذهب ساسة الفرنسيس وحدةَ المطمع السياسي. فإذا نظرْنا إلى العرب من هذه الوجوه الثلاثة، عَلِمنا أنَّ العربَ تجمعُهم: وحدةُ لغة، ووحدةُ عنصر، ووحدة تاريخ، ووحدة عادات، ووحدة مَطمَع سياسي؛ فحقُّ العرب بعد هذا البيان أن يكون لهم — على رأي كلِّ علماء السياسية دون استثناء — حقُّ جماعة، حقُّ شعب، حق أمة.» فلْنلحَظْ هنا كيف يبني المفكرُ العربي حقَّ العرب في أن يكونوا قوميةً واحدة، على مذاهب الغرب، ليكون مفهومًا لأبناء الغرب حين يتحدث إليهم بلغتهم.

وإنَّه لجديرٌ بالذكر هنا أن نقول إنَّه إذا كانت القومية حُلمًا يتغنَّى به الشعراءُ أو أئمةُ السياسة، فإن الفضل في ذلك درجةُ ثقافتهم، ولم تَعُد فكرة تقتصر على عِليَّة المثقفين، أو حلمًا يتغنَّى به الشعراء أو أئمةُ السياسة، فإن الفضل في ذلك هو لرجال الثقافة العربية الحديثة، الذين كتَبوا وكتبوا، وشرَحوا وشرحوا، حتى بلغَت الدعوة كلَّ فرد من أبناء الأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها، فلرُبما وجَدتَ هذه الأمة مختلفة على قادة السياسة، لكنك واجِدُها على اتفاقٍ يكاد يكون تامًّا على المثقفين، فالشاعرُ الكبير، والكاتب المرموق، يتخطَّى حدود إقليمه ليُصبح شاعرَ الجميع، وكاتبَ الجميع، بغير تمييز ولا تفرقة، فلا نقول عن أحمد شوقي إنَّه من مصر، ولا أمين الريحاني إنَّه من لبنان، ولا معروف الرصافي إنَّه من العراق، ثم لا نميز بالقومية الإقليمية طه حسين، أو العقَّاد، أو الزهاوي، إلا على سبيل استيفاء الملامح الفردية لكلٍّ منهم، وأمَّا من حيث الواحدُ منهم شاعرٌ أو كاتب، فهو عربي وكفى.

ولعلَّ فرعَين تفرَّعا من «القومية» بمعناها السياسي، أن يكونا أجدرَ باهتمامنا في موضوعنا، وهما: اللغة العربية، وهل نأخذ بعامِّيَّاتها المتنوعة، أو بفُصْحاها المشتركة؟ ثم اللغة العربية، وهل نكتبها بأحرفٍ عربية أو نكتبها بأحرفٍ لاتينية؟ فهاتان مشكلتان اشتجَرَ حولهما خلافٌ بين المثقَّفين، حتى لنراهما تُكوِّنان جانبًا ملحوظًا في تاريخنا الثقافي الحديث، نعم، إنَّ مشكلة الكتابة بأحرفٍ عربية أو لاتينية قد أوشكَت على الزوال، بعد أن اشتدَّ صُراخها في ثلاثينيَّات هذا القرن وأربعينياته، لكنَّ مشكلة الفصحى والعامية ما زالت قائمة على أشُدِّها، وربما كان ذلك بسبب النهضة المسرحية، التي استدعَت منَّا تفكيرًا جادًّا في لغة الكتابة المسرحية ماذا تكون، ثم تتَّسع المشكلة عند نفرٍ قليل، لتشملَ الكتابة على إطلاقها.

لقد ارتبطت فكرة «القومية» بالاهتمام باللغةِ ارتباطًا عضويًّا، لا يجعل إحداهما بمعزلٍ عن الأخرى، مهما يكن موقفُ الكاتب، لكننا نستطيع المجازفةَ بشيءٍ من التعميم المقبول، إذا قُلنا إنَّه كلما أحسَّ الكاتبُ رغبةً مخلِصة في تدعيمٍ للقومية العربية؛ أحسَّ بالتالي ضرورةَ أن تُحافظ اللغةُ الفصحى على مقوماتها، والعكس صحيح، فكلما أراد الكاتب — عن قصدٍ مباشر أو غيرِ مباشر — مُناهَضةَ القومية العربية لأي سبب من الأسباب — طائفيًّا كان السببُ أو ثقافيًّا — أراد بالتالي أن يلتمسَ وسيلةً يتذرَّع بها إلى التخلُّص من الفصحى وما يتبعها من أصولٍ وقواعدَ ومفردات، ولقد رأينا جميعَ مَن تناوَلوا القومية العربية بالبحث العلمي من كُتَّابنا — ساطع الحصري، وأنطون زريق، وحازم نسيبة، وغيرهم كثيرون — يختلفون حول العوامل المكوِّنة لتلك القومية، أيُّها يتقدَّم أيَّها في قوة الأثر، لكنَّهم يتَّفقون على أنَّ اللغة لها المكانة الأولى في بناء القومية العربية.

ومجرد الاهتمام باللغة — على أي وجه كان — هو اهتمامٌ بتجديد العلاقة بين حاضرِنا وماضينا، لكننا نَزيد الأمرَ تخصيصًا فنقول — مع إدوارد سابير في كتابه «اللغة» — إنَّ اللغة من حيث هي أداةٌ للثقافة، تقع في مستويَين؛ فهناك المستوى الذي تكون فيه العلاقة بين اللغة والواقع الحسيِّ علاقةً مباشرة، أو كالمباشرة، فإذا تحدَّث المتحدثُ كان السامع يُتابع حديثَه وعينُه على شئون الواقع، ليُطابق بين الرمز اللُّغوي من جهة، وأوضاع العالم الفعلية من جهةٍ أخرى، لكن هنالك مستوًى آخر للُّغة، وذلك حين يصوغ المتكلمُ أو الكاتب عبارته، فإذا بها تقع على أذن السامع وكأنَّها هابطةٌ من مصدر مجهول، وهنا ترانا نُصغي، ونُدرك الحق فيما نسمعه، دون أن يدور في خلَدِنا أن يكون مصدرُ هذا الحق ما حولنا من شئون الحياة الجارية، فكأنَّما أمثال هذه العبارات ليس لها صاحبٌ يحتكرها، أو كأنَّ الوجود كلَّه عندئذٍ هو الذي يتكلَّم العربيةَ بهذه العبارات، ليُصوِّر بها جوانبَ من الحقائق الأزلية الأبدية.

ونعود إلى الهيكل الصُّوري الذي أشرنا إليه في أولِ هذا المقال، زاعمين أنَّه بين قوائم الثقافة العربية الأصيلة، فقد كان أهمُّ ما ذكَرناه عندئذٍ، مقابلةً بين «المطلق» و«عالم الحوادث»، وما لم تكن وقفة المثقَّف العربي — مهما يكن ميدانه — وقفةً تجمع بين هذين الطرفَين، لا من حيث يكون «المطلق» استخلاصًا من عالم الحوادث الجزئية، بل من حيث هو موجودٌ واجب الوجود، يفرض نفسَه على مجرى الأحداث، فمِثل ذلك المثقَّف يبتر الصِّلة بينه وبين «الأصالة» بالمعنى الذي يردُّ «الأصالة» إلى الأصول الأُولى، وعلى أساس ذلك الهيكل الصوري للثقافة العربية، نقول إنَّ اللغة العربية التي كوَّنَت تراثنا الأدبي، هي لغةٌ صادرة عن المستوى الثاني — المستوى الأعمَق — الذي قلنا عنه إنَّ العبارة الصادرةَ عنه تجيء وكأنَّها لغير متكلمٍ فرد، أو كأنَّها قيلت بلسان الكون كلِّه، ولعله لا يصعب على المتعقِّب أن يُلاحظ أنَّ الفرق الجوهريَّ بين أنصار «القديم» وأنصار «الجديد» في حياتنا الثقافية الحديثة، هو في طريقة استخدام اللغة: استخدامها بالطريقة المبهَمة الموحية كما كان شأنها، وبذلك نجعلُها وكأنَّها هي صادرةٌ عن «المطلق» من فوق رءوس الحوادث، أم نستخدمها بالطريقة الواضحة المباشرة التي نتتبَّع بها حوادثَ الحياة الجارية، ووقائع الطبيعة المحسوسة؟ لو كانت الأولى كنَّا من أنصار «القديم»، ولو كانت الثانية كنَّا من أنصار «الجديد»، ونترك لصاحب الموهبة أن يلتمسَ لنفسه طريقًا يجمع بينهما، فيكون هو الكاتبَ الذي جمع التجديد إلى الأصالة، كما هي الحال مع طه حسين، وغيرِه من أعلام الأدب العربي الحديث.

٧

بدأ العالم العربي الحديثُ صِلاته بحضارةِ عصره، حين جاءته هذه الحضارةُ غازيةً غالبة متسلِّطة؛ فما هي إلا أن زالت عنه الدهشة، حتى أخذ يُحاول الخلاص؛ لذلك كانت فكرةُ «الحرية» نقطةَ تماس بين المقهور والقاهر، وكما هي الحال في سائر الميادين، أخذنا المبادئَ النظرية من الغرب الظافر، لنُحاربه بها، وإلا فلو اعتمدنا على محصولنا الموروثِ وحدَه في المطالبة بالحرية والاحتجاج لها؛ لَمَا وجدنا ما يُحقق الغاية.

بدأنا بفكرة الحرية السياسية، كما نرى عند مصطفى كامل، وأحمد لطفي السيد، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرِهم، لكن سرعان ما تفرَّع معنى الحرية وتعدَّدَت أوجهُه؛ من حرية المرأة عند قاسم أمين، إلى حرية الأديب والشاعر في اختيار مادتِه وأسلوبه، وفي هذا كان لكلِّ فترة رُوَّادها، فالعقَّاد وزميلاه، عبد الرحمن شكري وإبراهيم المازني، في الربع الأول من القرن، وجماعة الرومانسيين، التي أطلقَت على نفسِها جماعةَ أبولو في ثلاثينيَّات القرن، ثم دعوة إلى أن يكون الأدبُ هادفًا نحو عدالةٍ اجتماعية بين الناس؛ وذلك بعد الحرب العالمية الثانية، وما استُهِلَّ عَقد الخمسينيَّات حتى توالت الثوراتُ الشعبية، بادئةً بثورة مصر سنة ١٩٥٢م، ثم في العراق، وسوريا، والجزائر، واليمن، والسودان، وليبيا، من أقطار الوطن العربي، تعمل كلُّها على توسيع معنى الحرية، ليُجاوز الحريةَ السياسية ويشملَ الحرية الاجتماعية كذلك.

ولسنا نذكر هذه اللمحةَ الخاطفة عن موضوع «الحرية» وإلى أيِّ مدًى بعيدٍ شَغَل، وما زال يَشغل، الثقافةَ العربية بكلِّ أبعادها، أقول إنَّنا لا نذكر هذه اللمحةَ الخاطفة من موضوع «الحرية» لتؤدِّيَ ما يؤدِّيه تاريخٌ سياسي يُكتَب عن الوطن العربي في عصره الحديث، بل نذكرها لنسألَ على ضوئها: كيف كانت مواجهةُ الثقافة العربية للعصر في هذا الميدان؟

فضلًا عن مواجهة الصراع السياسيِّ الذي أنتج لنا مقالاتٍ سياسيةً ممتازة على أيدي كبار كُتَّابنا، مما لا أظنُّ القارئَ بحاجةٍ إلى مزيدٍ من معرفةٍ به، أودُّ أن أسوق ضربًا آخرَ من المواجهة في ميدان «الحرية» قد لا يرِدُ ورودًا سريعًا على الخواطر، وهو مواجهة «الشمولية» في السياسة وفي الصناعة، بموقفٍ يصونُ للأفراد حياتَهم، حتى لا تنجرفَ في التيار، نعم، إنَّ هذه المقاومةَ ملحوظةٌ أيضًا في ثقافة الغرب العصرية نفسِها، بما قد نشأ هناك من فلسفةٍ وجودية، تُعطي للفرد حقَّ الحياة المستقلة المسئولة بقراراتٍ يتَّخذها في المواقف التي تُصادفه، وتتطلَّب منه القرارَ على طريقٍ دون طريق، وهي وجوديةٌ تبدأ بالفلسفة لتنتشرَ إلى كلِّ ضروب الثقافة من أدبٍ وفن؛ حرصًا منها على ألَّا يتجانسَ الأفرادُ بفعلِ المحاكاة وحدَها، كأنَّما هم آلاتٌ صُبَّت في قالَبٍ واحد، فلو تركنا عواملَ العصر — سياسيةً كانت أم صناعية — تفعل فيها بغيرِ تدخلٍ منَّا، لأنتجَت الإنسان ذا البُعد الواحد — على رأي هربرت ماركيز في كتابه المعروف بهذا العنوان — وهذا البُعد الواحد هو ما يتجانس به الفرد مع سائر الأفراد، لكنَّ فِطرة الإنسان تدعوه في إلحاحٍ إلى أن يتميَّز من سواه، وإذن فلا بدَّ من إضافة عمق التمييز إلى سطح التجانس؛ ليجيء الإنسان بسطحه وبعمقه متكامِلَ التكوين، يُحقق الهدفين: التفرُّدَ بما يميزه، والتجانسَ مع غيره بما لا يميزه.

ولقد سارعَت الثقافة العربية المعاصرة إلى التقاط خيوط المذهب الوجودي، حتى قبل أن يُصاب الناس في الوطن العربي بكلِّ ما من شأنه أن يُصيبهم لو اكتملَت لهم حياةُ العصر من علمٍ تقني وصناعة، ولا غرابةَ أن نجد أطرافًا متناثرةً من المذهب الوجوديِّ على أقلام كُتَّابنا وشعرائنا، حتى لقد أصبح هذا المذهبُ جزءًا مألوفًا من ثقافة العامة، فضلًا عن الخاصة من المثقفين، لكننا لو وقفنا عند هذا الحد — وعند هذا الحد يقف أكثرُنا — نكون قد محَوْنا أصالتَنا؛ إذ لا يكون ثَمة فرقٌ بين عربيٍّ وفرنسي وإيطالي في وجهة النظر، ما داموا جميعًا يشتركون في صورة واحدة من مقاومة العصر في نُزوعه نحو طمسِ الفردية من الأفراد.

والذي حدث هو أنَّ رجالًا من الفئة الممتازة التي تصنع لنا الثقافةَ العربية الحديثة، لكي تجمَع بين الجديد والأصيل، لجأت إلى الإطار الثقافي العتيد، واستعانت به في توكيد الفردية للأفراد، فوجدته في ذلك — والحقُّ يُقال — خيرَ مُعِين؛ لأنَّه إطارٌ قائم أساسًا على موضوعية القيم، وأعني أنَّ طريق الإنسان في حياته — من حيث معاييرُ الصواب والخطأ — مرسومٌ له بمجموعة من المقاييس، أعطَت له إلهامًا ووحيًا، وهذه المقاييس المُوحى بها لتهدي عالمَ الحوادث، مشحونةً بما يُذكِّر الإنسانَ الفرد أنَّه فردٌ مسئول عمَّا يأخذ وعمَّا يدَع، باختياره الحر، وانظر إلى رجال الأدب والفكر جميعًا، واحدًا واحدًا، فلا تكاد تجد منهم أحدًا لم يلجأ إلى تصوير البطولات العربية التقليديَّة، تصويرًا يُراد به تجسيدُ القيم الأصيلة في تراثنا، وهي قيمٌ لا تدَعُ مجالًا لريبةِ مرتاب، في أنَّ حرية الفرد حقٌّ له وواجبٌ عليه في آنٍ معًا؛ فهو من ناحية حياته الخاصة مسئولٌ عن اختياره يومَ الحساب، وهو من ناحية حياته الاجتماعية مسئولٌ عن تقويم المُعْوجِّ حيثما رآه: العقاد ﺑ «عبقرياته» الكثيرة، وطه حسين بمن أرَّخ لهم من الخلفاء الراشدين، وكذلك هيكل والحكيم، وسائر أفراد الزُّمرة الكريمة من حمَلة الأقلام، التي لم يَكْفِها القديمُ وحدَه، ولم تندفع إلى الجديد وحدَه، بل صبَّت هذا في إطارٍ من ذاك، فكان لنا من المُرَكَّب ثقافةٌ عربية حديثة.

ومرةً ثانية؛ نَلفت الأنظارَ إلى أنَّ الثقافة العربية بموقفها هذا، هي بمنزلةٍ من رفض العصر في ركنٍ ركين من بنائه؛ ففي المرة الأولى أشَرْنا إلى ما تقتضيه عِلمية العصر من اكتفاءٍ بظواهر الطبيعة وقوانينها، فرفضَت ثقافتُنا مثلَ هذا الاكتفاء، وأضافت باطنًا إلى الظاهر، وغيبًا إلى الشَّهادة، وها هي ذي مرةً أخرى؛ تجد العصر — وهو عصر النسبية بلا جدال — قد استدبر كلَّ فكرة تأخذ بمطلقٍ من المطلَقات الكثيرة التي كانت تأخذ بها العصورُ الماضية، ومنها القيم — أخلاقيةً كانت أو جماليةً أو كائنةً ما كانت — فإذا كان المكانُ والزمان نِسبيَّيْن، تختلف عنهما الحقائقُ باختلاف موقع الرائي، فما بالك بتقديرات الإنسان عن الجيد والرديء والجميل والقبيح؟ إنَّها مسائلُ مرهونة كلها بما ينفع، بل ذهَب أصحاب التحليلات الفلسفية في عصرنا، وهم الذين عُنُوا بنقد الكلام لتمييز ما يكون منه ذا معنًى وما لا يكون، إلى أنَّ العبارات الدالةَ على قيمةٍ من القيم، هي عباراتٌ بغير «معنًى»، وذلك حين يُقصد ﺑ «المعنى» مقابلٌ خارجي تُشير إليه الجملة المعنيَّة .. هذا هو العصر في وقفتِه إزاء «القيم»، فتجيء ثقافتنا العربية المعاصرة (وقد غضَضْنا النظر عمَّن ينحاز منَّا نحو الثقافة العصرية كما هي قائمة في مصادرها، بغير تعديل) وترفض هذه الوقفةَ التي تُحيل كلَّ «قيمة» إلى وجهةِ نظر ذاتية، لا يؤيدها ولا يدحضها أن تجيءَ عند الآخرين وجهاتُ نظر تُوافقها أو تعارضها؛ فالقيم — بِناءً على إطارنا الثقافي الأصيل — هي كسائر الحقائق الروحية، أمورٌ ليست من صنعنا، إنَّما هي هناك، نَشْخَص إليها ببصائرنا كما نشخَصُ بأبصارنا إلى الشمس والقمر، وعلينا أن نهتديَ بهَدْيها، كما يهتدي الملَّاح بالنجم القُطبيِّ الثابت، وعلى المنحرف عن هديها تقع التبِعةُ يوم يكون الحساب.

كذلك تقف ثقافتنا العربية الحديثة موقفَ الرفض الصريح من معظم ما يذهب إليه العصرُ بالنسبة إلى حقيقة الإنسان؛ فأغلبُ الرأي الذي نراه منعكسًا في العلوم وفي كثيرٍ من التيارات الفلسفية التي تُساير العلوم (إذ هنالك تيارات فلسفية رافضة، موقفها شبيهٌ بموقفنا) هو أنَّ الإنسان ظاهرةٌ من ظواهر الطبيعة، نبحثه بالمنهج نفسِه الذي نبحث به سائرَ الظواهر؛ لأنَّه إذا اختلف عنها فهو اختلافٌ في درجة التركيب والتعقيد، لا في النوع، وإذا كانت فكرة «التطوُّر» في عصرنا هي الفكرةَ ذات السيادة في كلِّ التفسيرات العلمية والفلسفية على السواء — على اختلافهم في تحديد الخصائص الرئيسية للتطور — فإنَّ النتيجة التي تَلزم عن مبدأ التطور هذا، هي أن نُفسر الأعلى بالأدنى، بمعنى أنَّنا إذا أردنا إدراكًا صحيحًا لكائنٍ من الكائنات، أو لموقفٍ من المواقف، أو مرحلةٍ من المراحل، فعلينا أن نُحلِّلها إلى المكوِّنات البسيطة التي دخَلَت في تركيبها، وليس الإنسان بالشاذِّ في هذا التعميم، فإذا أردنا دراسةَ الإنسان دراسةً علمية دقيقة تغضُّ النظر عن «قيمته» وتحصر البحث في «حقيقته» الواقعة؛ كان حتمًا علينا أن نردَّه إلى أصوله التي نشأ عنها، وبالطبع قد كانت هذه الأصول، في مرحلةٍ من التطور، أسبقَ من الفروع التي نشأتْ عنها، فقد نردُّه إلى طبائعَ حيوانية، بل قد نردُّه آخِرَ الأمر إلى مجموعةٍ من تفاعلات كيماوية إذا استطعنا.

وتأسيسًا على هذه النظرة العصرية، وجَدنا مدارسَ علم النفس في دراستها للإنسان قد تختلف في الأصول التي تردُّ إليها سلوكه، لكنها تتَّفق في أنَّ هذا هو منهج النظر؛ فهذه مدرسة فرويد مثلًا تَردُّ السلوكَ الإنساني إلى أصولٍ دفينة من اللاشعور؛ أي إنَّها تُفسر الطبقةَ العُليا من كِيان الإنسان بالطبقة الدُّنيا، وبهذا ينحلُّ «العقل» إلى جذورٍ ضاربة في غرائز الحيوان، وهذه هي مدرسةٌ أخرى، أقربُ إلى روح العلم الحديث من فرويد، وأعني بها مدرسة «السلوكيين»، الذين يُحلِّلون السلوك تحليلًا يردُّه إلى أفعال منعكسة، ومرةً أخرى نُلاحظ أنَّ الطبقة السلوكية العُليا تُفسَّر بالطبقة السلوكية الفطرية الدنيا.

هذا هو العصر .. ولكننا بحكم إطارنا الثقافيِّ الأصيل، نشعر بالقلق الشديد، إذا نحن أنزلنا الإنسانَ هذه المنزلة التي تسلكه مع الطبيعة في عقدٍ واحد، وإذا نحن هبطنا «بالعقل» إلى درجة تجعله وظيفةً عُضوية كسائر الوظائف التي تؤديها أعضاء البدن؛ لأنَّ هذه النظرةَ من شأنها أن تؤدِّيَ بنا إلى إنكارِ ما بعد الموت، ومن ثَمَّ استمسكَت ثقافتنا العربية بنظرتها التقليدية الأصيلة، التي تُفرِّق بين بدنٍ وروح، لتكون هذه التفرقةُ مدخلًا إلى تفرقةٍ أعم، ولعلها أهم، بين دنيا ودين، بين حياةٍ أُولى وحياةٍ آخرة.

هما اتجاهان متضادان، تراهما في مختلِف الثقافات ومختلف العصور؛ فإمَّا أن يميلَ أصحاب النظر الفلسفي أو العِلمي إلى «تعقيل» الطبيعة، وإمَّا أن يَميلوا إلى «تطبيع» العقل، الأوَّلون «روحانيون»، والآخرون «ماديون»، والفكرة السائدة في عصرنا هذا هي أميلُ إلى تطبيع العقل؛ أي إلى جعل العقل ممكن التحليل، بحيث يرتدُّ إلى ظواهرَ طبيعيةٍ صرف .. وهو ما ترفضُه الثقافة العربية الحديثة من عصرها.

ونسأل بعدَ الذي قدَّمناه: ما موقف الثقافة العربية الحديثة في مواجهة العصر؟ فنجيب: هو موقف الرافض للمبادئ والجذور، ولا بأس عليه بعد ذلك أن يَقبل بعض النتائج مبتورةً عن مبادئها، ويقبل بعضُ الثمار مستغنيًا عن جذورها التي أنبتَتها.

فقد وجدنا العصرَ متميزًا بالعلم التقني، وهو علمٌ يقتضي وراء ذلك أن نحصرَ النظر فيما يخضعُ للتجرِبة من ظواهر الطبيعة، لا نمد البصر إلى ما كان قبل ذلك، ولا إلى ما سوف يكون بعد ذلك؛ فلا الأسباب الأولى تُهمنا في مجال العلم، ولا الغايات تَعنينا، فقَبِلنا من العصر نتائجَه العلمية النظرية، وأجهزتَه وآلاتِه، ورفضنا أن نحصر النظر في دُنيا الظواهر الطبيعية كما يحصرها.

ووجدنا العصرَ متميزًا بالنظرة النسبية التي ترفض المطلقات حتى في الحال العلمي الدقيق نفسه، بلْهَ أن يرفضها فيما هو نسبيٌّ بطبيعته كالقيم، فقَبِلنا النسبيةَ في الفيزياء وما إليها، لكننا تشبَّثْنا بالقيم المطلَقة الموضوعية، التي نزعم أنَّها حقائقُ أزليةٌ لا سبيل إلى الاختلاف عليها بين إنسانٍ وإنسان.

ووجدنا العصر أميلَ إلى أن يجعل الإنسان ظاهرةً كغيرها من ظواهر الطبيعة، يخضعُ للبحث العلميِّ بالطريقة نفسِها التي تخضع بها الفيزياء أو علوم الحياة، فرفَضْنا أن ننظر إلى الإنسان تلك النظرةَ التي تُسوِّي بينه وبين سائر الكائنات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤