الفصل الرابع

من حفظ السلام إلى بناء السلام

«من المؤكد أن فكرة وجود قوة شرطة دولية فعالة ضد أي جهة تُخل بالسلام تبدو اليوم مستعصية على التحقيق إلى حد السخف.» صدرت تلك العبارة غير المتوقعة من ليستر بي بيرسون كجزء من خطبة تسلمه جائزة نوبل للسلام في ديسمبر عام ١٩٥٧. فعلى أي حال، يعد حفظ السلام من أبرز الأدوار التي تلعبها الأمم المتحدة في كل قارة (عدا أمريكا الشمالية). ففي صيف عام ٢٠٠٨، كانت اثنتان وعشرون بعثة نشطة منفصلة، مدعومة بقرابة التسعين ألف جندي من أكثر من مائة دولة. لكن كما أشار بيرسون — الذي يتضمن تاريخه المهني الرائع العمل وزير خارجية ورئيس وزراء لكندا — فإن الثقة في نجاح مثل هذه العمليات لم تكن دائمًا مرتفعة للغاية.1
في حقيقة الأمر، لم تحقق الأمم المتحدة التوقعات العالية التي حملها مؤسسوها، وهو ما أدركه بيرسون — الذي كان في وقتها المندوب الكندي بالأمم المتحدة، والذي يُنسب له فضل إنشاء أول قوة واسعة النطاق لحفظ السلام في عام ١٩٥٦ (لحماية قناة السويس) — منذ نصف قرن. توضح إحدى الإحصائيات هذه الحقيقة: فبين عامي ١٩٤٨ و١٩٨٨، أجازت الأمم المتحدة ثلاث عشرة بعثة لحفظ السلام فقط، وفي الفترة نفسها نشب عدد متزايد من الحروب، سواء بين الدول أو داخل الدولة نفسها (حروب أهلية) في أنحاء العالم. وفي عام ١٩٨٢ وحده نشب أكثر من أربعين صراعًا داخليًّا.
fig10
شكل ٤-١: حين فاز ليستر بيرسون، مندوب كندا بالأمم المتحدة، بجائزة نوبل للسلام في عام ١٩٥٧، كان ضمن ما جاء في التنويه في الثناء عليه تحليه المستمر ﺑ «توجه إيجابي وواقعي … إن رؤية ليستر بيرسون ليست رؤية شخص حالم. إنه ينظر إلى الحياة وإلى ظروف العالم كما هي، ويبني أحكامه على الحقائق».2

تفسر ضغوط الحرب الباردة، وتحديدًا عجز مجلس الأمن عن الاتفاق حول شئون الحرب والسلام في سياق الصراع المحموم بين الغرب والشرق، جزءًا من هذا السجل غير المثالي. لكن بعد انتهاء الحرب الباردة، واجهت عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة مشكلات عديدة حطمت صورة الخير والحياد التي يفترض بالمنظمة الدولية أن تعكسها. ففي التسعينيات، وقعت عمليات الإبادة الجماعية (في رواندا) والتطهير العرقي (في يوغوسلافيا السابقة) بالرغم من وجود قوات حفظ السلام ذات الخوذات الزرقاء في تلك المناطق.

في الواقع، تواجه قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة اليوم تحديات أكبر بكثير من تلك التي واجهتها حين بدأت هذا النشاط للمرة الأولى في الخمسينيات. السبب الرئيسي لهذا هو أن حفظ السلام لم يعد يقتصر فقط على الوقوف بين الطرفين المتناحرين من أجل تهدئة الحرب وتمكين الدبلوماسية من أخذ مجراها. فأنشطة حفظ السلام اليوم — أو «عمليات السلام» — أكثر تعقيدًا بكثير في طبيعتها؛ فحفظ السلام لا يتساوى مع صنع وبناء السلام.

(١) ميثاق الأمم المتحدة وحفظ السلام

لا يشير ميثاق الأمم المتحدة نفسه إلى «حفظ السلام»، لكن هذا المفهوم تطور (وصار جزءًا أساسيًّا من برنامج عمل الأمم المتحدة) في السنوات اللاحقة. يرجع سبب هذا في جزء منه إلى الحقيقة البسيطة التي مفادها أن الدول الواحدة والخمسين المؤسِّسة للأمم المتحدة رفضت فكرة تدخل المنظمة في الشئون الداخلية لأي دولة. وعلى هذا فإن حفظ السلام — الذي يعني في النهاية وضع قوات عسكرية داخل حدود دولة ما بغرض وقف أعمال العدوان — يمكن بسهولة أن يعد خرقًا للسيادة القومية. تحسبًا لهذا الاحتمال فإن عمليات حفظ السلام «التقليدية» — التي عادة يشار إليها ﺑ «الجيل الأول» — لم تكن ممكنة إلا بموافقة أطراف القتال. ومع الأسف يمكن أن يكون لهذا أثر عكسي؛ فالدولة «المضيفة» يحق لها المطالبة بسحب قوات حفظ السلام من أراضيها (كما حدث من جانب مصر عام ١٩٦٧)، أو ببساطة رفض دخولها من الأساس.

أيضًا لم تملك الأمم المتحدة الوسائل التي تمكنها من الاضطلاع بمهام حفظ سلام واسعة، ففكرة وجود قواعد دائمة للأمم المتحدة موزعة حول العالم، التي جرى تصورها في الأساس في المادة ٤٣ من ميثاق الأمم المتحدة، لم يُكتب لها النجاح. ومع أن السبب الأساسي لهذا الفشل كان ظهور التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في السنوات التالية على الحرب مباشرة، فإنه ارتبط أيضًا بحقيقة أن عالم عام ١٩٤٥ كانت تحكمه إمبراطوريات افترضت أن لها الحق في لعب دور القوة الشرطية التي تحفظ النظام داخل «محيطها». فدول كبريطانيا وفرنسا اعتبرت أن ممتلكاتها الاستعمارية تقع داخل حدود سيادتها القومية. وبفضل تمتعها بحق النقض داخل مجلس الأمن، كانت في موقف يمكِّنها من منع تأسيس أي قوة دولية للتدخل السريع.

إلا أن التفكك السلس للإمبراطوريات الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية أوجد مشكلات وصراعات استلزمت نوعًا جديدًا من قوى حفظ النظام؛ ففي عامي ١٩٤٧ و١٩٤٨ أكدت المجازر التي وقعت على خلفية تقسيم الهند وباكستان — إلى جانب أولى الحروب العربية الإسرائيلية‎ وظهور مشكلة اللاجئين الفلسطينيين — بما لا يدع مجالًا للشك أن الأمم المتحدة بحاجة لتسليح عسكري إذا رغبت في التخفيف من حدة الصراعات في العالم. نتج عن هاتين الأزمتين إنشاء أطول بعثتين دائمتين لحفظ السلام: ففي مايو ١٩٤٨ أُنشئت «هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة» في الشرق الأوسط، ومقرها القدس، وفي يناير ١٩٤٩ نُشر «فريق مراقبي الأمم المتحدة العسكريين في الهند وباكستان» لمراقبة وقف إطلاق النار في إقليم كشمير. كانت البعثتان — وستظلان — بعثتي مراقبة محدودتي النطاق، ولا يعد استمرارهما لهذه الفترة الطويلة إشارة طيبة عن أي من المنطقتين.

شهد الصراع الكوري نشر أكبر قوة تابعة للأمم المتحدة في منطقة للصراع، بيد أن هدف المهمة التي قادتها الولايات المتحدة كان صد الهجوم الذي وقع بالفعل، وليس الحفاظ على سلام هش. ومن الحقائق التي لا يعلمها سوى قليلين أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ظلت على جانب كوريا الجنوبية من المنطقة منزوعة السلاح حتى عام ١٩٦٧، حين تسلمت القوات الأمريكية وقوات كوريا الجنوبية زمام الأمور.

إن ميلاد قوات حفظ السلام — «أول قوات حفظ أمن دولية بحق»، كما عبر عنها بيرسون — لم يحدث إلا في منتصف الخمسينيات.

قرار الجمعية العامة رقم ٩٩٨‎

في الرابع من نوفمبر عام ١٩٥٦ تبنت الجمعية العامة الاقتراح الكندي الذي طلب «كضرورة ملحة، من الأمين العام أن يقدم إليها — وفي غضون ثمان وأربعين ساعة — خطة لإنشاء قوات طوارئ دولية تابعة للأمم المتحدة‎، بموافقة الدول المعنية؛ لتأمين ومراقبة وقف القتال» على امتداد قناة السويس. تبنت الجمعية هذا القرار بموافقة ٥٧ دولة ولم تعترض أي دولة مع امتناع ١٩ دولة عن التصويت. من بين الدول التي امتنعت عن التصويت مصر وفرنسا وإسرائيل والمملكة المتحدة والاتحاد السوفييتي وعدد من دول أوروبا الشرقية.

(٢) السويس وحفظ السلام

تبع تأميم مصر لقناة السويس في صيف عام ١٩٥٦ غزو إسرائيلي وتدخل عسكري إنجليزي فرنسي. ونظرًا لعجز مجلس الأمن عن اتخاذ أي إجراء، اعتمدت الجمعية العامة قرارًا تاريخيًّا (القرار ٩٩٨) في الرابع من نوفمبر عام ١٩٥٦ يخول الأمين العام السويدي، داج همرشولد، لإنشاء ونشر قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة، تكون مسئولة أمام همرشولد ويرأسها مسئول عسكري محايد. بدأ الاقتراح في الأساس من جانب ليستر بيرسون، الذي عرض في البداية أن تتكون القوات من جنود كنديين بالأساس. بيد أن المصريين كانوا متشككين في السماح لدولة من دول الكومنولث بالدفاع عنهم ضد بريطانيا العظمى وحلفائها. وفي النهاية، جرى الاعتماد على مجموعة متنوعة من القوات الدولية لضمان التنوع الكافي. وقد فاز بيرسون في عام ١٩٥٧ بجائزة نوبل للسلام لدوره، وهو يعد اليوم أبًا روحيًّا لعمليات حفظ السلام الحديثة.

كان الغرض من وجود قوة حفظ سلام قوية متعددة الجنسيات مكونة من ٦ آلاف فرد بسيطًا: أن تقيم حاجزًا ماديًّا بين إسرائيل ومصر. وقد نجح الأمر، وإن لم يدم سوى عقد واحد. اعتمد وجود قوات الطوارئ الدولية على موافقة الدول الإقليمية (أو المضيفة). وفي عام ١٩٦٧ طلب الزعيم المصري جمال عبد الناصر من قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة المغادرة قبل وقت قصير من حرب الأيام الستة، التي احتلت خلالها إسرائيل شبه جزيرة سيناء (إلى جانب مرتفعات الجولان والضفة الغربية).

الدلالة الرئيسية لأزمة السويس من منظور الأمم المتحدة هي أنها كانت النموذج الأولي لعمليات حفظ السلام الحديثة. وفي صراعات عديدة أخرى بعد عام ١٩٥٦، وصلت القوات ذات الخوذات الزرقاء، التي يرتديها في الأساس جنود الدول التي لا تنتمي للقوى الخمس العظمى، ووفرت درعًا لوقف أي عمليات اقتتال مستقبلية، وليس مسموحًا لهذه القوات باستخدام الأسلحة إلا للدفاع عن نفسها.

إن قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة — كما يوحي اسمها — أُنشئت بغرض تهدئة المواقف الطارئة. لم تكن وظيفتها هي حل الأصول الأعمق للصراع أو فرض تسوية دائمة. إضافة إلى ذلك، كان من الممكن أن يُطلب من الجنود ذوي الخوذات الزرقاء المتمركزين على الجانب الغربي من شبه جزيرة سيناء المغادرة من جانب الدولة المضيفة، مصر، في أي لحظة. بعبارة أخرى، لا يمكن الحفاظ على السلام على نحو دائم إلا إذا وجد طرفا الصراع أن ذلك يصب في مصلحتيهما. وبعد انتهاء صراع السويس بعشر سنوات طلبت مصر من قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة المغادرة في ليلة حرب الأيام الستة. وقد رسمت حرب عام ١٩٦٧ خلفية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يبدو بلا نهاية.

«أجيال» عمليات السلام

تطورت عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على نحو عظيم في أغراضها وفي درجة تعقيدها على مر السنين. ولهذا يقسم المراقبون هذه العمليات إلى ثلاث أو أربع مجموعات، يشار إليها عادة باسم «الأجيال». مع أن كلمة «أجيال» قد تشير على نحو خاطئ إلى تعاقب زمني واضح وليس إلى وجود متواز لأنواع متعددة من العمليات، فمن الممكن تحديدها على النحو التقريبي التالي (وليس هذا هو التقسيم الوحيد؛ إذ يتحدث آخرون عما يصل إلى ستة أجيال من عمليات حفظ السلام):

الجيل الأول من عمليات حفظ السلام (أو عمليات حفظ السلام التقليدية) يشير إلى العمليات التي استهدفت إقامة حاجز مادي بين الدولتين طرفي القتال — اللتين تحظى كل منهما باعتراف دولي — واللتين وافقتا على وجود قوات حفظ السلام. المثال التقليدي على هذا النوع من العمليات هو دور قوات الطوارئ الدولية في أعقاب حرب السويس عام ١٩٥٦.
الجيل الثاني من عمليات حفظ السلام (أو بناء السلام) يشير إلى تطبيق اتفاقات السلام المعقدة متعددة الأبعاد، عادة في أعقاب حرب أهلية. وهنا أيضًا تكون موافقة طرفي القتال مطلوبة، لكن في المعتاد لا يكون الطرفان (أو الأطراف، في حالة تعدد الأطراف) دولتين. وبالإضافة إلى الوظائف العسكرية التقليدية، تلعب قوات حفظ السلام دورًا في العديد من وظائف حفظ الأمن والوظائف المدنية. الهدف هنا هو إيجاد تسوية طويلة الأمد للصراع الأساسي. من أمثلة هذا النوع من العمليات عمليات حفظ السلام في كل من ناميبيا في عامي ١٩٨٩ و١٩٩٠ وكمبوديا بين عامي ١٩٩١ و١٩٩٣.
الجيل الثالث من عمليات حفظ السلام عادة ما يشير إلى عمليات إنفاذ السلام. تضم هذه الأنشطة عمليات عسكرية ذات مستوى منخفض، وإنفاذ وقف إطلاق النار، وإعادة بناء «الدول المنهارة». المشكلة المتعلقة باستخدام مصطلح «جيل» واضحة تمام الوضوح هنا: فمهمة حفظ السلام في الكونغو في أوائل الستينيات كانت في الأساس أول الأمثلة على عمليات إنفاذ السلام، وعلى هذا فقد سبق الجيل الثالث من عمليات حفظ السلام الجيل الثاني منها. ثمة مثالان آخران أحدث على هذه العمليات حَدَثَا في كل من يوغوسلافيا السابقة والصومال في التسعينيات.
الجيل الرابع من عمليات حفظ السلام (الذي نادرًا ما يسمى بهذا الاسم) يشير إلى عمليات بناء السلام بالوكالة، التي تحدث حين تعهد الأمم المتحدة بمختلف عمليات بناء السلام وحفظه إلى منظمات إقليمية مثلًا. ربما يكون أشهر مثال على ذلك هو دور حلف شمال الأطلسي في البوسنة منذ أواسط التسعينيات.

بالرغم من محدودية نجاح النموذج الأولي المستخدم في السويس على المدى البعيد، فإنه كان النموذج العام المستخدم في عمليات حفظ السلام خلال حقبة الحرب الباردة. السمات الخاصة بهذا النوع من عمليات «الجيل الأول» لحفظ السلام كانت الحيادية الصارمة والموضوعية بشأن الصراع القائم، وهو ما مكن الأمم المتحدة ودولها الأعضاء من الإحجام عن الانحياز لطرف بعينه. وفي حقبة اتسمت بالتنافس بين الشرق والغرب، كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة تقريبًا التي يمكن أن تحظى بها مهمة عسكرية دولية بدعم الدول المنتمية لطرفي الحرب الباردة. ومع هذا فإن التأكيد على مراقبة الموقف، وليس التأثير عليه، والحاجة إلى موافقة كل أطراف الصراع، وعدم استخدام القوة (إلا في حالة الدفاع عن النفس) تسبب في جعل نموذج السويس الأولي غير ملائم لجميع أنواع مواقف الصراع، خاصة صراعات الخلافات العديدة التي اندلعت في أعقاب انتهاء الاستعمار الأوروبي في الخمسينيات والستينيات.

(٣) مولد عمليات إنفاذ السلام: الكونغو

مع أن أزمة السويس أرست نموذج عمليات حفظ السلام الحديثة التابعة للأمم المتحدة في الصراعات بين الدول، فإن معضلة الكونغو مثَّلت نوعًا جديدًا من التحدي. لقد نتج عن الاستقلال المفاجئ للمستعمرة البلجيكية السابقة في أوائل عام ١٩٦٠ ليس فقط الدولة الأكبر مساحة في أفريقيا السوداء، بل أيضًا دولة تكتظُّ بالصراعات الداخلية على السلطة، وغنية بالموارد، وجاهزة للتدخل الأجنبي. أعلنت مقاطعة كاتانجا — أغنى منطقة في الكونغو — استقلالها بعد تلقِّيها الدعم من روديسيا وجنوب أفريقيا (وكلتاهما تخضعان لحكم أقلية بيضاء). وحين عادت القوات البلجيكية إلى الكونغو، التمس باتريس لومومبا — رئيس وزراء البلاد — عون الأمم المتحدة. لكن وصول قوات حفظ السلام لم يحلَّ الأزمة على الفور، وتناقش مجلس الأمن حول تداعيات التدخل في الشئون الداخلية للكونغو، التي صارت عضوًا بالأمم المتحدة منذ سبتمبر عام ١٩٦٠.

من ثم صارت الكونغو أول حالة تنخرط فيها الأمم المتحدة في مهمة «إنفاذ للسلام». واجهت قوة عمليات الأمم المتحدة في الكونغو المؤلفة من ٢٠ ألف فرد معوقات طبيعية، وتعرضت لهجمات مستمرة من الجماعات المحلية. وفي العام ذاته أُسر باتريس لومومبا وقُتل على يد خصومه داخل البلاد. عمت الاضطرابات أرجاء البلاد حتى عام ١٩٦٤، حين توحدت الدولة من جديد — في الوقت الحالي — وتولت حكومة مركزية بزعامة موبوتو سيسي سيكو السلطة في كينشاسا. غادرت آخر قوات للأمم المتحدة الكونغو في صيف عام ١٩٦٤. وتعد قوة عمليات الأمم المتحدة في الكونغو أكثر عمليات حفظ السلام أثناء الحرب الباردة تكبدًا للخسائر، وذلك بسبب مقتل ٢٥٠ فردًا من أفرادها. ومن بين القتلى كان الأمين العام للأمم المتحدة؛ إذ تحطمت طائرة الأمين العام داج همرشولد على نحو مأساوي في عام ١٩٦١ وكان يجري جولات مكوكية بالمنطقة في محاولة للتوسط لإنهاء الصراع.

اتسمت تبعات دور الأمم المتحدة في الكونغو بالتضارب؛ فمع أن قوة عمليات الأمم المتحدة في الكونغو لعبت دورًا في ضمان بقاء الدولة الجديدة كدولة موحدة، فإنها لم تفعل سوى القليل لحل أسباب أي اضطراب أو عدم استقرار مستقبلي. لقد ولى الاستعمار، وحفظ تدخل الأمم المتحدة وحدة الدولة التي بدت وكأنها «دولة منهارة». لكن النتيجة كانت دولة ديكتاتورية فاسدة. وعلى مر العقود الثلاثة التالية ثبت أن موبوتو ديكتاتور لا يرحم، وأنه زاد من ثرواته الشخصية وحابى قاعدة مؤيديه، وكان يختبئ خلف واجهة الدولة القومية المستقرة. وفي نهاية التسعينيات، اندلعت حرب أهلية طويلة وأطيح بموبوتو. وإذا كانت عمليات حفظ السلام — كالتي جرت في السويس — تركت الباب مفتوحًا أمام الصراعات بين الدول، فإن عمليات إنفاذ السلام كالتي جرت في الكونغو لم توفر أي أساس للتناغم الداخلي المستقبلي.

(٤) عمليات حفظ السلام وقيود الحرب الباردة

كانت السويس والكونغو مثالين على ما يمكن أن يطلق عليه «النماذج الأولية» لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ومهام إنفاذ السلام. كانت هذه العمليات مقيدة بقدرة الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن على الاعتراض على أي فعل إذا بدا متناقضًا مع مصالحهم القومية. وعلى الرغم من أن أزمة السويس بينت أنه حتى في حال تورط اثنتين من الدول العظمى، فإن الأمم المتحدة قادرة بالفعل على العمل بقدر ما، فإنها بينت أيضًا أنه دون الضغوط الأمريكية والسوفييتية المهولة لم يكن بالإمكان فعل شيء لتحجيم التدخل البريطاني والفرنسي.

ظلت أزمة السويس حالة استثنائية في هذا الصدد؛ فخلال معظم حقبة الحرب الباردة، تعذَّر على الأمم المتحدة القيام بعمليات حفظ السلام وإنفاذ السلام في عدد من المناطق؛ على سبيل المثال: خلال الصراع الدموي في الجزائر، عجزت الأمم المتحدة عن التدخل بسبب قدرة فرنسا على منع أي فعل. أيضًا مرت حربا فيتنام — سواء التي تورطت فيها فرنسا (١٩٤٦–١٩٥٤) أو الولايات المتحدة (١٩٦٠–١٩٧٥) — دون أن تلعب الأمم المتحدة أي دور فعال. وحين غزا السوفييت أفغانستان عام ١٩٧٩، وحين هاجم الصينيون فيتنام‎ في العام نفسه، عجزت الأمم المتحدة عن فعل شيء باستثناء عرض الوساطة. والمهمة الوحيدة في نصف الكرة الأرضية الغربي — وهي المنطقة التي استمرت الولايات المتحدة في الهيمنة عليها — حدثت في جمهورية الدومينيكان في مايو من عام ١٩٦٥، في أعقاب التدخل العسكري أحادي الجانب من قبل ٢٠ ألف جندي من مشاة البحرية الأمريكية. استمرت «مهمة ممثل الأمين العام في جمهورية الدومينيكان» حتى أكتوبر من عام ١٩٦٦، حين سُرحت «بنيتها الأساسية» (اثنان من المراقبين العسكريين وهيئة موظفين مدنيين صغيرة).

ومع هذا؛ فقد توسعت القوات ذات الخوذات الزرقاء في عملياتها خلال الحرب الباردة. وبين الستينيات والثمانينيات، أُرسلت قوات حفظ السلام إلى العديد من مناطق الصراع، وتحديدًا إلى الشرق الأوسط. وقد صار بعض هذه العمليات جزءًا من المشهد الطبيعي لتلك الأقاليم؛ على سبيل المثال: ظلت «قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام في قبرص» حاضرة في جزيرة شرق المتوسط منذ عام ١٩٦٤، وأنشئت «قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك»؛ لمراقبة الحدود بين إسرائيل وسوريا في عام ١٩٧٤، ولا تزال موجودة في مكانها. والأكثر إثارة للدهشة على الأرجح هو تمديد عمل «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)»، ذات الاسم غير الملائم، في صيف عام ٢٠٠٦ في أعقاب الصراع بين إسرائيل وحزب الله؛ ذلك الصراع الذي هدد بتدمير جهود لبنان في الانتقال نحو شكل من أشكال الحياة الطبيعية. وقد تأسست قوة اليونيفيل بالأساس في عام ١٩٧٨. يا لها من قوة «مؤقتة» بحق!

إجمالًا، نُفذت ثماني عشرة مهمة لحفظ السلام خلال الحرب الباردة. وخلافًا للمهام القليلة المذكورة سابقًا، أغلبها كان ذا مدة قصيرة نسبيًّا. والعديد من هذه المهام كانت بالأساس مهام مراقبة، وتعد مهمة جمهورية الدومينيكان مثالًا متطرفًا على هذا. الخبر الطيب هو أن معدل الوفيات كان منخفضًا على نحو نسبي؛ إذ إنه بين عامي ١٩٤٨ و١٩٩٠ توفي ٨٥٠ فردًا من قوات حفظ السلام. علاوة على ذلك، نزعت قوات الأمم المتحدة فتيل عدد من الصراعات العنيفة، أو «جمَّدتها»، وعلى أقل تقدير، مكنت من إجراء المفاوضات بين الأطراف المتصارعة. وبهذا أنقذت حياة الكثيرين، ودعمت قضية السلام في مجملها، وإقرارًا بهذا الدور مُنحت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة جائزة نوبل للسلام عام ١٩٨٨، وهو التقدير الذي تأخر كثيرًا.

ومع هذا، وكما يتأكد من الصراعات المستمرة لفترات طويلة في الشرق الأوسط، والوجود الدائم لمراقبي الأمم المتحدة في كشمير، يظل الأثر الذي أحدثته قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على الحل الفعلي للمنازعات محدودًا. بل صار الموقف أكثر تعقيدًا منذ أواخر الثمانينيات.

خطة للسلام، ١٩٩٢

في اجتماع مجلس الأمن في الحادي والثلاثين من يناير عام ١٩٩٢، في أول اجتماع للمجلس على مستوى رؤساء الدول، اعتُمدت ورقة العمل التي تقدم بها بطرس بطرس غالي — الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة — بعنوان «خطة للسلام»، التي قدمت تحليلًا وتوصيات على طريق تقوية وتحسين قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على السلام العالمي.

حددت «خطة للسلام» أربع مراحل متتابعة من العمل الدولي لمنع الصراعات أو السيطرة عليها، وهي: الدبلوماسية الوقائية، وصنع السلام، وحفظ السلام، وبناء السلام (والمقصود به تحديد ودعم البنى القومية التي ستساعد على تقوية السلام وترسيخه من أجل تجنب النكوص إلى الصراع).

عكست الورقة تطلعًا واسعًا لدور الأمم المتحدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، وتحديدًا في نطاق حفظ السلام؛ فبدلًا من الفصل بين جيوش الدول المتصارعة كما كان الحال خلال حقبة الحرب الباردة، زاد في التسعينيات استخدام عمليات حفظ السلام في مواقف الصراع الداخلي، الذي تضمن قوات غير حكومية وقوات متمردين (عادة ما تطلق على نفسها «حركات التحرر الوطني»). وباتت الأدوار التي على قوات حفظ السلام أن تلعبها أكثر تعقيدًا عما هو الحال في الصراعات التقليدية بين الدول. إضافة إلى ذلك، اقتضت ورقة عمل «خطة للسلام» أن تدخل الأمم المتحدة لم يعد مشروطًا بموافقة كل الأطراف المتورطة في الصراع نفسه. وهذا يفسر إلى حد بعيد الزيادة المفاجئة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في التسعينيات.

(٥) المبالغة في أهداف عمليات حفظ السلام

عقب نهاية الحرب الباردة، حدثت زيادة مهولة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؛ ففي عامي ١٩٨٨-١٩٨٩ — على سبيل المثال — أضيفت خمس عمليات حفظ سلام جديدة هي: مراقبة الحدود بين أفغانستان وباكستان، ووقف إطلاق النار بين العراق وإيران، ونهاية القتال في الحرب الأهلية الدائرة لوقت طويل في أنجولا، وإنهاء صراع ناميبيا من أجل الاستقلال، ووقف إطلاق النار بين الفصائل المتناحرة في أفريقيا الوسطى. وفي السنوات التالية زادت القائمة طولًا، وشهدت كل من غرب الصحراء الكبرى وكمبوديا والبوسنة والهرسك والصومال وموزمبيق ورواندا وهاييتي وغيرها من المناطق وصول قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

تطلبت المهام الجديدة هياكل تنظيمية جديدة وموارد إضافية، لخصتها خطة السلام التي عرضها الأمين العام للأمم المتحدة في يناير ١٩٩٢. وفي العام ذاته، أنشأت الأمم المتحدة «إدارة عمليات حفظ السلام» للتنسيق بين عمليات حفظ السلام المتعددة. زاد عدد الجنود ذوي الخوذات الزرقاء من حوالي ١٥ ألف جندي في عام ١٩٩١ إلى أكثر من ٧٦ ألف جندي في عام ١٩٩٤. وفي الفترة عينها زادت التكلفة المادية لعمليات حفظ السلام بنسبة تزيد على ٦٠٠ بالمائة، من قرابة ٤٩٠ مليون دولار في عام ١٩٩١ إلى ٣٫٣ مليارات دولار في عام ١٩٩٤. ومما لا يثير الدهشة أن الخسائر البشرية ارتفعت على نحو بالغ: فقد كانت هناك ١٥ حالة وفاة بين صفوف قوات حفظ السلام في عام ١٩٩١، لكن في عام ١٩٩٣ وصل العدد إلى ٢٥٢ (وهو أعلى معدل سنوي للخسائر البشرية في تاريخ عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة).

لم يؤت النشاط الكبير في عمليات حفظ السلام بعد الحرب الباردة النتائج المرغوبة دومًا. يرجع هذا في جزء منه إلى مدى تعقيد العمليات الجديدة. فعلى النقيض من «عمليات حفظ السلام التقليدية» بين الدول، دُفعت بقوات حفظ السلام في أتون عدد من الحروب الأهلية، وفوضت بإنفاذ تسويات قد تتقبلها الأطراف المتناحرة أو لا. وقد اتسم سجل هذه الجهود، سواء صنفت كعمليات سلام من الجيل الثاني أو الثالث أو الرابع، بالتضارب، خاصة في أوائل التسعينيات.
fig11
شكل ٤-٢: حجم قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بين عامي ١٩٤٧ و٢٠٠٦.
fig12
شكل ٤-٣: الأمين العام بطرس بطرس غالي برفقة أفراد قوة حفظ السلام المصرية في زيارة إلى سراييفو في ديسمبر عام ١٩٩٢.3

من العمليات الناجحة لحفظ السلام تلك التي جرت في كل من السلفادور وموزمبيق؛ حيث ساعدت قوات حفظ السلام على توفير الأمن الداخلي الضروري لإرساء السلام الدائم. عززت حالة السلفادور السعي الناجح لتحقيق السلام في أمريكا الوسطى، الذي أرسى دعائم الديمقراطية في المنطقة بصورة عامة. وبين عامي ١٩٩٢ و١٩٩٤ ساعد أكثر من ستة آلاف فرد من «قوة عمليات الأمم المتحدة في موزمبيق» في الإشراف على تحول هذه الدولة الواقعة في جنوب شرق القارة الأفريقية من حالة الحرب الأهلية إلى الديمقراطية النيابية. وفي وقت سابق على هذا، في عامي ١٩٨٩ و١٩٩٠، تمكن «فريق الأمم المتحدة للمساعدة في فترة الانتقال» من إرشاد ناميبيا نحو الانتقال من الصراع من أجل الاستقلال نحو تحقيق الاستقلال. المغزى هنا هو أنه في الفترة الانتقالية من نظام الحرب الباردة الدولي إلى نظام ما بعد الحرب الباردة، تمكنت عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة من إيجاد الاستقرار في العديد من مناطق الصراع في العالم.

في الوقت ذاته تقريبًا، أشرف ١٥ ألف جندي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة — كجزء من «بعثة الأمم المتحدة المتقدمة في كمبوديا» (١٩٩١-١٩٩٢) و«سلطة الأمم المتحدة الانتقالية في كمبوديا» (١٩٩٢-١٩٩٣) — على تنفيذ «التسوية السياسية الشاملة للنزاع في كمبوديا» (الموقعة في باريس في ٢٣ أكتوبر ١٩٩١). كان هذا إنجازًا مثيرًا للإعجاب على نحو خاص، في ظل ما شهدته كمبوديا على مدار أكثر من عقدين من صراع أهلي متواصل وحملات إبادة جماعية على يد الخمير الحمر في أواخر السبعينيات أدت إلى مقتل أكثر من مليوني شخص. ومع أن سجل الأمم المتحدة لم يكن مثاليًّا، فإن العمليات في كمبوديا أوضحت الأثر المفيد الذي يمكن للمنظمات الدولية أن تملكه في تحويل المجتمعات التي مزقتها الحروب إلى مجتمعات مسالمة.

لكن لم يهم كثيرًا تحقيق الأمم المتحدة لعمليات سلام معينة ناجحة في أوائل التسعينيات. فبحلول منتصف هذا العقد، صار جليًّا أن حماس ما بعد الحرب الباردة بشأن دور الأمم المتحدة كصانع سلام عالمي بدأ يخبو، وكان هذا راجعًا بالأساس لثلاثة إخفاقات كبيرة.

اثنان من هذه الإخفاقات المأساوية حدثا في أفريقيا؛ فبين عامي ١٩٩٢ و١٩٩٥ فشلت اثنتان من عمليات السلام في الصومال (عمليات الأمم المتحدة في الصومال ١ و٢ في خلق بيئة آمنة في البلد الذي مزقته الحرب الأهلية وتحكمه الجماعات المسلحة، وفي عام ١٩٩٤ وقعت عمليات الإبادة الجماعية في رواندا، التي نتج عنها مقتل ما لا يقل عن ٨٠٠ ألف من قبيلة التوتسي على يد مجموعتين متطرفتين من الهوتو بين أبريل ويوليو، بالرغم من وجود «بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى رواندا». وبعد مرور أكثر من عقد على مغادرة بعثتي الأمم المتحدة في الصومال وبعثة الأمم المتحدة في رواندا، تظل الدولتان مفتقرتين للاستقرار السياسي، ومثالين تقليديين على عيوب عمليات إنفاذ السلام في فترة ما بعد الحرب الباردة.

الحدث الآخر المساوي في المأساوية تمثل في إخفاق الأمم المتحدة — أو أي قوة دولية أخرى — في منع أعمال التطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة. وأكثر هذه الأعمال ترويعًا كان مذبحة عام ١٩٩٥ التي راح ضحيتها ثمانية آلاف من البوسنيين المسلمين في سربرنيتشا، وهي المنطقة التي أعلن مجلس الأمن أنها «ملاذ آمن». لكن لم ينجح قرار بالإجماع من مجلس الأمن أو وجود ٤٠٠ من قوات حفظ السلام الهولندية في وقف أسوأ مذبحة شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

أسهمت البوسنة — إلى جانب كل من الصومال ورواندا — في إضعاف موقف من علَّقوا آمالًا كبيرة على قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وبالمثل، بعد التفاوض حول اتفاقيات السلام (اتفاقيات دايتون) التي أنهت الحرب في يوغوسلافيا السابقة في أكتوبر عام ١٩٩٥، لم يجز مجلس الأمن إرسال قوة تابعة للأمم المتحدة للإشراف على تنفيذها، وبدلًا من ذلك فوض كل المهام العسكرية لقوة التنفيذ التابعة لحلف شمال الأطلسي.

هذه الإخفاقات العلنية الواضحة لم تمح تمامًا الإيمان بالدور الإيجابي لعمليات السلام التي تعززت من واقع النجاحات السابقة في كل من أمريكا الوسطى وأفريقيا وآسيا. ومع ذلك، فبحلول منتصف التسعينيات، بدت النجاحات في الانزواء مقارنة ببعض الإخفاقات الكبيرة والقاتلة لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. تبع هذا عملية تقييم للوضع.

(٦) إعادة التقييم

كان التناقض واضحًا بين عمليات حفظ السلام التي نفذتها بالأساس قوة متعددة الجنسيات تابعة للأمم المتحدة والعملية العسكرية الهائلة في حرب الخليج في ١٩٩٠-١٩٩١ بزعامة الولايات المتحدة. فحجم العملية الأخيرة — التي سميت بعاصفة الصحراء — كان كبيرًا لدرجة استحال معها تنفيذ العملية بواسطة الموارد المتواضعة المتاحة للأمم المتحدة. أيضًا كان من المستحيل أن تسمح الولايات المتحدة — أو عدد من الدول الأخرى — بتسليم قيادة قواتها العسكرية لمنظمة دولية. قد تكون حرب الخليج تنفيذًا ناجحًا لأحد قرارات مجلس الأمن، لكن نظرًا لأن إجبار القوات العراقية على الانسحاب من الكويت لم يكن ممكنًا إلا باستخدام قوة عسكرية واسعة النطاق، كانت حرب الخليج أقرب إلى استعراض للقوة العسكرية الأمريكية بوصفها القوة العظمى‎ الوحيدة أكثر من كونه إشارة إلى دور الأمم المتحدة الجديد النشط في حماية السلم والأمن الدوليين.

يمكن لمقارنة بين الموارد التي خُصصت لإخراج العراق من الكويت وتلك التي خُصصت لمهام حفظ السلام في السنوات الخمس الأولى من حقبة ما بعد الحرب الباردة أن توضح المقصود. بلغ عدد قوات التحالف في حرب الخليج، في ذروتها، ٦٦٠ ألف جندي، وتراوحت التكاليف المادية بين ٦١ و٧١ مليار دولار (منها حوالي ٥٣ مليار دولار من دول أخرى خلاف الولايات المتحدة، مع أن القوات الأمريكية مثلت أكثر من ثلاثة أرباع القوة المشتركة في القتال).

على النقيض من ذلك، في عام ١٩٩٣؛ العام الذي بلغت فيه تكاليف عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة ذروتها، بلغت الميزانية الإجمالية المخصصة لهذه العمليات ٣٫٦ مليارات دولار، وكان عدد الجنود ذوي الخوذات الزرقاء أقل من ٨٠ ألف جندي (موزعين على ثلاث عشرة مهمة في ثلاث قارات مختلفة). وشهدت نهاية التسعينيات انخفاضًا تدريجيًّا في العمليات وفي الاعتمادات المخصصة لها، إلى أن شهدت الألفية الجديدة ارتفاعًا جديدًا فيهما. كسر عدد قوات حفظ السلام حاجز المائة ألف في صيف عام ٢٠٠٨، فيما وصلت الميزانية إلى ٥٫٤ مليارات دولار.

من العسير الحكم هل كانت عمليات حفظ السلام تحظى بالتمويل الكافي أم لا. لكن من الواضح أن الأمم المتحدة لا تنفق سوى حصة ضئيلة من الإنفاق الدفاعي الوطني لأغلب القوى العظمى (قرابة الواحد بالمائة من الإنفاق الفرنسي مثلًا، وأقل من ٠٫١ بالمائة من الإنفاق الأمريكي). هذا التمويل المتواضع نسبيًّا قد يكون أحد الأسباب وراء عدم تحقيق عمليات حفظ السلام لأي نجاحات عظيمة في فترة التسعينيات. ومن قبيل المفارقة أن نمو تكاليف عمليات حفظ السلام يميل إلى اجتذاب المزيد والمزيد من الانتباه والنقد أكثر مما حدث مع حرب الخليج‎ الأولى التي كلفت أكثر بكثير.

أوضح التقرير المسمى بتقرير الإبراهيمي عن عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة (والمسمى على اسم السفير الأخضر الإبراهيمي من الجزائر، الذي يتمتع بمسمى وظيفي طويل على نحو يثير الدهشة هو «الرئيس التنفيذي، ووكيل الأمين العام للمهمات الخاصة المضطلع بها دعمًا لجهود الأمين العام في مجال الدبلوماسية الوقائية وصنع السلام»)، الذي خَرَّجَ للنور في عام ٢٠٠٠ العديد من المشكلات، فقد أشار التقرير إلى السبب الرئيسي وراء فشل مهام الأمم المتحدة في رواندا والصومال والبوسنة: هو أنها لم تُنشر في مواقف ما بعد الصراع، وإنما حاولت خلق بيئة ما بعد الصراع بالاستعانة بموارد محدودة. باختصار، كانت هناك حاجة لإنهاء الحرب قبل بناء السلام، لكن قوات الأمم المتحدة افتقرت للولاية وللموارد اللازمة لإنفاذ السلام.

أوضح تقرير الإبراهيمي أيضًا الفارق بين حفظ السلام وبناء السلام، مشيرًا إلى أن كلتا المجموعتين بحاجة إلى العمل معًا عن كثب إذا كنا نرغب في الوصول إلى السلام الدائم. ولتحسين الموقف، مضى التقرير في سرد ما لا يقل عن عشرين توصية لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. من بين التوصيات كانت الحاجة إلى العمل الوقائي، والولاية الواضحة الصريحة للمهام، والتمويل الإضافي والدعم اللوجستي، وقدرة معلوماتية عامة محسنة.

افتقرت التوصيات إلى البساطة التي كانت ستروق للعالمين بالسياسة. كانت التوصيات منطقية وقوية الحجة، لكن لم يتوقع منها قط أن تثمر عن نتائج فورية. دُعمت التوصيات من جانب الأمين العام كوفي عنان، الذي وصف إصلاح عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بالأمر الأساسي. ألح عنان أيضًا على أن الوقت قد حان أخيرًا لوضع حفظ السلام في قلب أنشطة الأمم المتحدة، لكن لتحقيق هذا الهدف كانت هناك حاجة إلى المزيد من التمويل؛ ومن ثم التمس عنان من الدول الأعضاء زيادة تمويلها لعمليات السلام التابعة للأمم المتحدة.

تقرير الإبراهيمي، ٢٠٠٠

سمي تقرير الإبراهيمي — واسمه الرسمي «تقرير الفريق عن عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة» — بهذا الاسم على اسم رئيس اللجنة التي صاغته، وهو الجزائري الأخضر الإبراهيمي، الذي عمل من قبل مبعوثًا للأمم المتحدة في هاييتي وجنوب أفريقيا. هذا التقرير — الصادر عام ٢٠٠٠ — جاء استكمالًا ﻟ «خطة السلام» لعام ١٩٩٢. ألقى تقرير الإبراهيمي نظرة نقدية على عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة في التسعينيات، وقدم قائمة بعشرين توصية. وبوجه خاص، دعا التقرير إلى إعادة هيكلة شاملة لإدارة عمليات حفظ السلام بحيث تضم وحدة جديدة للمعلومات والتحليل الاستراتيجي؛ تهدف إلى خدمة إدارات الأمم المتحدة المعنية بالسلم والأمن، وقوة عمليات موحدة بالمقر الرئيسي للتخطيط لكل مهمة لحفظ السلام ودعمها منذ بدايتها، إلى جانب استخدام نظامي أكثر لتكنولوجيا المعلومات.

في السنوات التالية، اتبعت الأمم المتحدة عددًا من هذه التوصيات من خلال إنشاء لجنة بناء السلام في عام ٢٠٠٦، وأيضًا إنشاء الفريق رفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير، الذي سلم أول تقاريره عن تحديات الأمن المستقبلية التي تواجه الأمم المتحدة في عام ٢٠٠٤.

كانت الاستجابة إيجابية، لكنها كانت تدريجية وغير منتظمة؛ فقد تراوح الإنفاق على عمليات حفظ السلام بين مليار دولار ومليار ونصف المليار دولار بين عامي ١٩٩٦ و١٩٩٩. وبحلول عامي ٢٠٠٢-٢٠٠٣ تضاعف الرقم، وفي عام ٢٠٠٥ أنفقت الأمم المتحدة أكثر من ٤٫٧ مليارات دولار (أكثر من ثلاثة أضعاف الإنفاق منذ عقد مضى). وفي عام ١٩٩٧ كانت هناك ثماني عشرة عملية لحفظ السلام يشارك فيها ٢٥ ألف جندي، ووصل العدد في عام ٢٠٠٥ إلى اثنتين وعشرين عملية يشارك فيها قرابة ٧٠ ألف جندي.

لكن وجود عدد أكبر من قوات حفظ السلام لم يكن معناه أن العالم صار أكثر أمنًا؛ ففي الواقع أشار ارتفاع أعداد قوات حفظ السلام إلى أن عدد مناطق الصراع في حقبة ما بعد الحرب الباردة صار أكبر من عددها إبان الحرب الباردة. وما يثير الضيق أكثر هو أن عددًا من مناطق الصراع ظل مشتعلًا بالحرب على الرغم من تدخل الأمم المتحدة في تلك المناطق لفترة طويلة. لا ريب أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أثبتت قيمتها عندما يتعلق الأمر بالفصل بين دولتين متقاتلتين رَأَتَا أن من مصلحتيهما إنهاء أعمال الاقتتال (كما حدث في السويس أو قبرص). ومن الجلي أن بمقدور قوات الأمم المتحدة، في سياقات معينة، إنفاذ السلام بنجاح داخل دولة ممزقة داخليًّا (كما حدث في الكونغو). لكن بناء السلام الدائم — أي بناء دولة ليست في حالة حرب مع نفسها — كان أكثر صعوبة.

(٧) تحدي بناء السلام

منذ منتصف الأربعينيات، احتلت عمليات حفظ السلام وإنفاذه أولوية عالية على جدول أعمال الأمم المتحدة، وهي تحتل المكانة ذاتها اليوم، ومن المرجح أن يظل الحال كذلك ما دامت الصراعات العسكرية مستمرة، ومن المرجح استمرارها بكل أسف في المستقبل. واعترافًا منها بهذه الحقيقة، وبالنجاحات المحدودة لعمليات حفظ السلام (كما أوضحها تقرير الإبراهيمي) إجمالًا، صوتت الجمعية العامة لإنشاء «لجنة بناء السلام» في أواخر عام ٢٠٠٥. عقدت اللجنة أول اجتماعاتها في صيف عام ٢٠٠٦، ومهمة اللجنة هي «تسخير الموارد لتكون تحت تصرف المجتمع الدولي من أجل اقتراح استراتيجيات متكاملة للتعافي بعد الصراع، وتركيز الانتباه على إعادة البناء وبناء المؤسسات والتنمية المستدامة في الدول الناجية من الصراع».4

كانت هذه فكرة رائعة، وقد عكست حقيقة أنه في الألفية الجديدة باتت عمليات حفظ السلام التقليدية، المشابهة لما حدث في السويس بعد عام ١٩٥٦، عتيقة الطراز، وأن إنفاذ السلام لم يعد ممكنًا إلا تحت ظروف معينة؛ حين لا توجد معارضة لمثل هذا الجهد من جانب الأعضاء الخمسة الدائمين بمجلس الأمن. وقد أوضح غزو العراق في عام ٢٠٠٣ بقيادة الولايات المتحدة بشكل أكبر عجز الأمم المتحدة عن منع قوة عظمى مثل الولايات المتحدة من استخدام قوتها العسكرية لأغراض تدميرية دون الحصول على مباركة الأمم المتحدة؛ ومع ذلك بينت نتائج حرب العراق الدور المحوري الذي يمكن للأمم المتحدة أن تلعبه في بيئة ما بعد الصراع. كان الهدف من عمليات حفظ السلام التقليدية توفير الوقت للدبلوماسية الدولية وحل الصراع، لكن دور قوات بناء السلام التابعة للأمم المتحدة هو توفير الوقت للفترات الانتقالية التي تبعت العديد من صراعات القرن الحادي والعشرين الداخلية في العالم.

إن تأسيس لجنة بناء السلام يعد خطوة حميدة نحو التماس طريق أكثر دقة ومرونة لمواجهة مستقبل أكثر مناطق العالم اضطرابًا، ومع ذلك ستعجز اللجنة وحدها عن تحقيق الكثير؛ فهي هيئة استشارية تتكون من واحد وثلاثين مندوبًا عن الدول الأعضاء بالأمم المتحدة (بما فيها القوى العظمى الخمس). وكما يعلن موقع اللجنة الإلكتروني فإن «سلطتها ستأتي من جودة نصائحها وثقل أعضائها».5 وبعبارة أخرى، هي تعمل باتفاق الآراء، ولن يمكنها عمل الكثير بخلاف تقديم النصح؛ فهي ليست حلًّا سحريًّا.

إذا كان مِن دَرْسٍ يمكن تعلمه من هذا التطور الأخير، فهو حقيقة أن هناك حاجة مستمرة للإجراءات التي تتجاوز مجرد منع الجانبين المتناحرين من الهجوم أحدهما على الآخر. ربما كان «حفظ» السلام هو الهدف الذي طمحت أولى عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة إلى تحقيقه، بيد أن التحدي الأشق بكثير هو «بناء» السلام. ولتحقيق ذلك، على لجنة بناء السلام أن «تجمِّع القدرات والخبرات المترامية للأمم المتحدة في منع الصراع والوساطة وحفظ السلام واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والمساعدة الإنسانية وإعادة البناء والتنمية طويلة الأمد».

وبناءً عليه يكون بناء السلام ممارسة شاملة تقر بكل من أهمية الدور الاقتصادي للأمم المتحدة وأيضًا مساهمات المنظمات الإنسانية المعروفة العديدة التي تشكل «الجانب الناعم» للأمم المتحدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤