الفصل الثالث

لما ارتاح الفارسان من مشقة الطريق وفرغا من الطعام، ألبسا فرسيهما عدتيهما وتعاونا على لبس سلاحهما، ثم شرب الفارس وقال: «حبذا لو علمت اسم هذا الينبوع؛ لأنني لم أر مثل مائه لتبريد ظمأ العطاش.» فقال الأمير: «اسمه عندنا درة القفر.» فقال الفارس: «نعمَّا، فقد وافق الاسم المسمى.» ثم ركبا فرسيهما وانسابا في تلك الفيافي، وكانت الشمس قد مالت عن الزوال وخفت وطأة الحر. فالتفت الأمير إلى رفيقه وقال له: «سألتني عن اسم الينبوع، أفلا يليق بي أن أسأل عن اسم من شاركني اليوم في السراء والضراء؟!» فقال الفارس: «إن اسمي لا يستحق أن يشهر الآن، ولكن إذا كان لا بد لك من معرفته فهو وليم صاحب النمر الرابض، هذا هو الاسم الذي أدعى به بين الجنود، وأما في بلادي وبين قومي فلي اسم آخر وألقاب أخرى. وأنت من أي قبائل العرب تكون؟ وما هو اسمك بين قومك؟» فأجاب الأمير: «أنا لست من العرب بل من الأكراد، واسمي شيركوه (أي أسد الجبل).»

فتأمله الفارس ثم قال له: «بلغني أن سلطانكم صلاح الدين كردي الأصل أيضًا، فهل ذلك صحيح؟» فأجاب الأمير: «نعم، وذلك فضل من الله علينا؛ فقد شرَّف جبالنا حتى أخرج منها مَن عَقَدَ النصرَ باسمه. وأنت بِكَم من الرجال خرجت من بلادك؟» فقال الفارس: «بعشرة فرسان وخمسين راميًا، وهذا كل ما بلغتْ إليه مقدرتي ومعونة أصدقائي، ولكن لم يبق معي إلا رجل واحد والبقية فارقوني قتلًا وموتًا وهجرًا.»

فنظر إليه الأمير متعجبًا وقال: «هو ذا خمسة سهام في جعبتي، فإذا أرسلت سهمًا منها إلى خيامي خرج إلي ألف فارس، وإذا أرسلت سهمًا آخر خرج إلي ألف آخر، وهكذا إلى السهام الخمسة. وإذا أرسلت قوسي خرج إلي عشرة آلاف فارس. فكيف أتيت بخمسين رجلًا لتتغلب على بلاد أنا من أقل حماتها؟! بل كيف تأمن لي دمي في معسكر قومك وأنت لا مال معك ولا رجال؟!»

قال الفارس: «إذا نال الواحد منا رتبة فارس، أو كان من الأشراف ساوى المَلك مرتبة في كل شيء إلا المُلك. فلو أن ريكارد ملك الإنكليز نفسه أهان فارسًا منا، ودعاه ذلك الفارس إلى المبارزة لاضطر أن يبارزه.»

فقال الأمير: «أود أن أرى كيف تعطون الواحد منطقة من جلد ومنخاسين فيتساوى مع ملوك الأرض؟» (أشار بذلك إلى الوسم بسمة الفرسان الذي كان يوسم به أبطال الإفرنج.)

فقال الفارس: «اعلم أنه لا ينال هذه الرتبة إلا من كان حرًّا باسلًا.» فقال الأمير: «أيستطيع بهذه الرتبة أن يرى نساء أسياده وبناتهم؟» أجاب الفارس: «نعم، ويحق لكل فارس أن يهوى أية أميرة كانت، ولو من بنات الملوك، ويقف لها سيفه وشهرته وعواطف قلبه.» فقال الأمير: «يظهر لي أنك علي الهيام، فهل لك أن تبوح لي باسم التي أنت هائم بها؟»

فاحمر الفارس خجلًا وقال: «ما الإباحة من مذهبي، وحسبك أن تعلم أني علي الهيام كما قلت، فإذا أردتَ أن تزيد علمًا عن الحب والهيام فادخل مخيم الصليبيين تسمع ما يلذ به مسمعك وترَ ما يقر به ناظرك:

ترَ الظبي خاطراتٍ في معالمنا
والأسْد تحمي الحمى بالبيضِ والسُّمُرِ»

فلما سمع الأمير هذا الكلام، قال: «حبذا الأُسْد وحبذا البيض والسمر.» ثم ترنح طربًا وأنشد قول عنترة العبسي:

أحن إلى ضرب السيوف القواضب
وأصبو إلى طعن الرماح اللواعب
ويطربني والخيل تعثر بالقنا
حداة المنايا وارتهاج المواكب
وضربٌ وطعنٌ تحت ظل عجاجةٍ
كجنح الدجى من وقع أيدي السلاهب
لعمرك إن المجد والفخر والعلى
ونيل الأماني وارتفاع المراتب
لمن يلتقي أبطالها وسراتها
بقلبٍ جسورٍ عند وقع المضارب
ويبني بحدِّ السيف مجدًا مشيدًا
على فَلَك العلياء فوق الكواكب

وكان للفارس سنتان في بلاد الشام، فكان يفهم كلام العرب وأشعارهم، فقال للأمير على سبيل المزاح: «ذكرت السيف والرمح ولم تذكر فأس الحرب، فلو رأيت فأس الملك ريكارد ما ذكرت غيرها من أدوات الحرب والجلاد.»

فقال الأمير: «طالما سمعت عن هذا الملك، فهل أنت من رعيته؟»

فأجاب الفارس: «أنا من رفاقه في هذه الحملة ومن خدمه أيضًا، ولكني لست من رعيته مع أني مولودٌ في جزيرته، بل أنا من الشعب الاسكتسي.» فسأله الأمير: «أيملك عليكم ملكان في جزيرة واحدة؟» فقال: «نعم، والحرب بين هذين الملكين لا ينطفئ سعيرها، ولكنهما يدٌ واحدةٌ على العدو، ولذلك خرجنا معًا لنخلص هذه البلاد من أيديكم.»

فقال الأمير: «يمين الله إنكم لفي ضلال مبين، وإني لأعجب من هذا الملك، كيف أنه يجرد جنوده لمهاجمة هذه القفار ويترك في بلاده ملكًا آخر ينازعه الملك؟! فلا بد من أنكم قد خضعتم له جميعًا قبل مجيئه إلى هنا.»

فاعترضه الفارس قبل أن يتم كلامه، وقال له: «لا وحق نور السماء، بل لو أراد ريكارد إخضاعنا قبل قيامه على الشام لبقيت الشام في حوزتكم أبد الدهر.» قال ذلك ثم ندم على ما قال متمثلًا بقول القائل:

أبحت العدى سمعًا فلا كانت العدى
إذا وجدوا خرقًا أرادوا اتساعه

فعلم الأمير من هذا الكلام أن ملوك النصارى منقسمون فيما بينهم كملوك المسلمين، ولكن أبت شهامته وعزة نفسه أن يتخذ ذلك فرصة لتوسيع الخرق، فتغاضى عما سمع كأنه لم يفهم منه شيئًا. ثم قطعا الغور ووصلا إلى نجدٍ من الأرض كثير الآكام والحزون والشواهق والكهوف، فأخذ الأمير يقص على الفارس نوادر الضواري واللصوص التي تسكن تلك المغاير، فلم يحفل الفارس بها كثيرًا؛ لأنه حسب نفسه بمأمن منها كلها، ثم خطر له أنه في القفر الذي جُرِّب فيه السيد المسيح أربعين يومًا فأفزعته أفكاره، وخيل له أن الأرض مسكونة بالجن والشياطين، فجعل يصلي ويتعوذ بالله.

وكان الحَر قد زال وعاد الهواء إلى الاعتدال، فطابت نفس الأمير وتحركت فيه الشجون، فجعل ينشد الأشعار الغرامية ويشبب بربات الجمال ومخدرات الحجال، فتعوذ الفارس من شرِّه وقال في باله: «ما رفيقي إلا شيطان مَريد قد اقتفى أثري ليحول أفكاري عن التقوى ويحبب إلي حطام هذه الدنيا.» فحار في أمره ولم يدر كيف يتخلص منه؟ ولما رآه يزداد تصببًا وتشبيبًا قال له: «أيها الغبي، أما علمت أن إبليس اللعين يرصد الناس في هذه الكهوف والمغاير؟! فارعوِ عن غيك، ودع ذكر هواك وزهوك.» فأنكر الأمير هذا الخطاب ولكنه كظم الغيظ ولطَّف الجواب، فقال له: «أظنكم لا تتعلمون اللطف والأدب في بلادكم؛ فإنك التهمت أمامي فخذًا من لحم الخنزير وكرعت زقًّا من النبيذ، وكلاهما رجس في شريعتنا، فلم أردعك عن ذلك ولا شددت عليك النكير، وأنت يثقل عليك أن أخفف مشقة الطريق بنشيد الأشعار، والشعر ريحانة النفوس.»

فقال الفارس: «اعلم يا صاح أني لا أذم الشعر ولا الغناء؛ فإن لهاتين الصناعتين المقام الأرفع عندنا، ولكن الصلاة والتسبيح أجدر بهذا المكان من التصابي والتشبيب؛ لأنه ملجأ للجن والأبالسة.»

فقال الأمير مازحًا: «أوَتحتقر الجن ونحن من أبنائهم؟» قال الفارس: «وكيف ذلك؟!» فجعل الأمير يقص عليه قصة ملفقة، فقال: «إن ملكًا من ملوك الفرس طغى وتجبر وأكره رعيته أن تضحي له الضحايا من دماء الناس، وكان لأحد الحكماء سبع بنات كأنهن الدراري السبع فأصابتهن النوبة وجيء بهن إلى هذا الملك، فلما وقفن في الدهليز المؤدي إلى مسكنه انشقت الأرض وخرج منها سبعة رجال من مردة الجان، فحملوا البنات وأخذوهن إلى قصر مسحور في جبال كردستان وأولدوهن سبعة صبيان، فولدوا قبائل الأكراد السبع بين الإنس والجن.»

فلما سمع الفارس هذه القصة لم يشك في صحتها؛ لأن الأوهام كانت سائدة على عقول الناس في تلك الأيام، فقال للأمير: «هذا الذي ظننته من أمركم فإنكم أبطال أشداء كأبيكم إبليس! ولكنكم تفسدون في الأرض مثله.» فضحك الأمير من كلامه، وقال: «صدقت، فإن الشريعة المطهرة لم تغير من طباعنا شيئًا، وعندنا أن الله سبحانه سوف يرضى عن الجن والأبالسة ويردهم إلى المقام الذي سقطوا منه.» ثم أخذ يترنم بقصيدة من قصائد الفرس القدماء يمدح بها إله الخير وإله الشر، ومنها قوله:

إني أنادي بمدح السيد العلم
أهور مزد لمن يصغي إلى كلمي
وأهرمان إله الشر أمدحه
مخافة الشر أو حفظًا من الألم١

فقال الفارس: «إن الأمير يتغنى بمدح إبليس!» فاحتار بين أن يتركه ويبتعد عنه أو يدعوه إلى المبارزة ويغادره طعامًا لوحش الفلا. وبينما هو يزن الأمرين في باله إذا شبح طويل القامة نحيف الجسم مرتدٍ بجلود الحملان، يثب من صخر إلى صخر كأنه خيال من الأخيلة أو مارد من مردة الجان. فقال: «ما هذا إلا إبليس اللعين، بعينه قد سمع مدح رفيقي له في أشعاره فأقبل علينا.» فثارت فيه الحمية الاسكتسية واستل سيفه وعزم أن يوقع بالاثنين معًا. وللحال وقف الشبح أمام جواد الأمير وقبض على نضوه ودفعه دفعة تزحزح الجبال فسقط الجواد على الأرض، ووثب الأمير عن ظهره قبل أن يسقط فلم ينله مكروه، ثم إن الشبح ترك الجواد وقبض على الأمير كأنه يريد خنقه، فناداه الأمير باسمه وقال له: «تنح أيها المجنون من طريقي وإلا قبضت روحك بهذا الخنجر.» ثم التفت إلى الفارس وقال له: «هو ذا الناسك الذي أنت تطلبه.»

فنظر الفارس إلى الشبح ثم قال للأمير: «أما يكفي أنك تثير علينا أبالسة الجحيم حتى تهزأ بي أيضًا؟» فقال الأمير: «أتشك في صدق قولي؟ سله يخبرك.»

فقال الشيخ: «نعم، أنا الناسك المقيم بعين جدي. أنا نصير الحق وعدو البطل. أنا سيف النقمة على أعداء الله.» قال ذلك وأخرج من تحت ثوبه نبوتًا كبيرًا، وجعل يضرب الصخور به فيفتتها تفتيتًا. فالتفت الأمير إلى الفارس وقال له: «هاك الولي الذي تطلبه.» فقال الفارس: «ما هذا إلا مجنون!» قال الأمير: «أَوَلَا تعلم أنه إذا اختل عقل الإنسان صار من أولياء الله؟» وحينئذٍ سمعا الناسك يترنم ويقول:

أنا الحبيس وعين الجدي لي وطن
والليث والنمر في غاري مبيتهما

ثم جعل يثب أمامهما كالظبي. فاحتار الفارس في أمره وظن نفسه في أرض مسحورة. فقال له الأمير: «إنه يدعونا لنبيت عنده، فأنا الليث لأن معنى اسمي ليث الجبل، وأنت النمر لأن النمر شعارك.» فتبعاه في ذلك الشِّعب، وكان قد سبقهما إلى غاره وأضاء لهما مشعلًا ليهتديا بنوره إليه، فبلغا الغار بعد مشقة شديدة وربطا فرسيهما عند بابه، ثم دخلاه فوجداه غرفتين كبيرتين منحوتتين في الصخر، وفيه مائدة معدة لهما. فترحب الناسك بهما، وكان قد غير أطواره وثاب إلى السكينة والوقار كأنه ملك من أجلاء الملوك منقطع إلى الزهد والعبادة. فجلسا حول المائدة وأكلا، والناسك واقف في خدمتهما لا ينطق بكلمة، ولما فرغا من الطعام قدم للأمير جامًا من الحلوى وللفارس كأسًا من الخمر وقال لهما: «كلا واشربا يا ولديَّ من عطايا الله واشكراه في قلبيكما.» ولما قال ذلك خرج إلى الغرفة الخارجية من الغار، فلحظ الفارس أن الأمير من معارفه فجعل يستخبره عن شأنه، ولم يكد يصدق أن هذا هو ثيودرك الشهير ناسك عين جدي الذي يكاتب البابوات والمجامع ببلاغة تفوق الوصف، وينهض همة ملوك أوروبا للزحف على الأرض المقدسة.

وكان الفارس مرسلًا إلى هذا الناسك بمهمة سياسية، فرأى من أطواره ما جعله يتردد عن تبليغه الأمر الذي جاء لأجله. وجملة ما أخبره به الأمير عنه أنه كان من الأبطال العظام الذين جاءوا بيت المقدس للإقامة فيه، ثم انفرد بنفسه إلى هذا المكان وعاش عيشة الزهد والتقشف، وأن جميع الأهالي من مسلمين ونصارى يكرمونه ويجلونه وأنه يظهر تارةً بمظاهر الجنون وطورًا بمظاهر العقل والحكمة فيقصده الأمراء والعظماء ليرتشدوا بإرشاده. وإن السلطان صلاح الدين أصدر أمرًا يمنع كل الناس من التعدي عليه. فلم ينجل الأمر للفارس وقال في نفسه: «قد يكون جنون هذا الناسك تظاهرًا منه لكي يقي نفسه من العدوان وقد يكون حقيقةً، فالأجدر بي أن لا أكاشفه بشيء حتى أكون على يقين منه.» وزاد ارتيابه فيه أنه رأى الأمير عارفًا من أمره أكثر مما أظهر، وسمع الناسك يدعوه باسم آخر غير الاسم الذي سمى نفسه به. وفيما هو يتأمل في ذلك دخل الناسك وقال: «سبحان من جعل لكم الليل لتسكنوا فيه!» فأجاباه: «سبحانه على كل حال!» ثم أشار إلى فراشين بسطهما لهما فخلعا أسلحتهما وصلى كل منهما إلى قبلته وانطرح في فراشه وأخذتهما سنة النوم.

١  هذه الأبيات مترجمة عن الأوستا كتاب الفرس القدماء. انظر المجلد السابع من المقتطف والصفحة ٧٢٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢