الفصل العاشر

طبائع الاستبداد

هذا الكتاب الذي يعد آية الكواكبي، يتألف من سلسلة مقالات نشرها لأول مرة في صحيفة «المؤيد»، وتناول في كل مقالة منها عارضًا من عوارض الاستبداد التي يُشاهد أثرها في أحوال الأمم والأفراد، وانتهى الكتاب وقد بحث فيه جملة العوارض الاجتماعية التي تصاحب الاستبداد في أحوال الدين والعلم والمجد والثروة والأخلاق والتربية والتقدم، ومهَّد للمقالات بتعريف الاستبداد، ثم عقَّب عليها بوسائل الخلاص منه والغلبة عليه.

ومقالات الكتَّاب جميعًا تنبئ عن دراسة وافية للعوارض التي شرحها أو أجمل القول فيها، وتدل على تأمل طويل في موضوعاتها يستفاد من النظر والتجربة كما يستفاد من الاطلاع والمراجعة؛ ولهذا خطر للأستاذ أحمد أمين — مترجِم زعماء الإصلاح — أنها نتيجة دراسته بعد أن «ساح في سواحل إفريقية الشرقية وسواحل آسية الغربية ودخل بلاد العرب وجال فيها واجتمع برؤساء قبائلها ونزل بالهند وعرف حالها، وفي كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية وحالتها الزراعية ونوع تربتها وما فيها من معادن ونحو ذلك، دراسة دقيقة عميقة، ونزل مصر وأقام بها، وكان في نيته رحلة أخرى إلى بلاد المغرب يتم فيها دراسته ولكنه عاجلته منيته … نشر نتيجة دراسته في مقالات كُتبت في المجلات والجرائد، ثم جمعت في كتابين اسم أحدهما طبائع الاستبداد، والآخر أم القرى …»

والواقع أن الكواكبي درس موضوعات الكتابين قبل رحلته المطولة في البلاد الشرقية وقبل هجرته من حلب إلى القاهرة، وقد عني حفيده الدكتور عبد الرحمن الكواكبي بالتنبيه إلى ذلك في مقدمة الطبعة الأخيرة من كتاب أم القرى التي طبعت هذه السنة «١٩٥٩م» فقال إنه: «لا بد في هذه المناسبة من الإشارة إلى حقيقة تاريخية تلقي ضوءًا على موضوع هذا الكتاب، وهي أن جدي — رحمه الله — ألَّف «أم القرى» وطبائع الاستبداد قبل هجرته إلى مصر، وكان عمي الدكتور أسعد الكواكبي يتولى تبييض أم القرى له في حلب، كما أخبرني أيضًا عالم حلب الثقة المرحوم الشيخ راغب الطباخ أن المؤلف أطلعه عليه قبل سفره إلى مصر، ولما كان السيد الفراتي لم يغادر حلب خلال مقامه فيها إلا إلى إستانبول، ولم يقم بجولاته إلى العالم الإسلامي إلا بعد رحيله إلى مصر، فإن المؤتمر الذي عُقد في مكة، ويدور عليه موضوع الكتاب إنما هو مؤتمر تخيله المؤلف ليعرض فيه آراءه …»

ويطابق هذا القول ما رواه الأستاذ الغزي للأستاذ سامي الكيالي صاحب مجلة الحديث كما نشره في مجلة الكتاب «سنة ١٩٤٧م»؛ إذ يقول: «… وقبل سفره بيوم واحد زارني في منزلي يودعني، وأخبرني أنه عازم في غده على السفر إلى إستانبول لتبديل نيابته؛ أي نيابة قضاء رأشيا. وكنت عالمًا بكتابه «جمعية أم القرى»، وقد شعرت منه العزم على طبعه، فوقع في نفسي أنه سيعرج على مصر لطبعه ونشره؛ إذ لا يمكنه أن يطبعه في غيرها، وحذَّرته من ذلك وقلت له: «إياك يا أخي والسفر إلى مصر؛ فإنك متى دخلتها تعذَّر عليك الرجوع إلى وطنك؛ لأنك تُعد في الحال من الطائفة المعروفة باسم «جوز تورك»، ولا يتأخر وسمك بهذه السمة قيد لحظة؛ لما اشتُهرتَ وعرفتَ به من شدة المعارضة وانتقاد الأحوال الحاضرة!» فقال: «لم أعزم إلا على السفر إلى إستانبول للغرض الذي ذكرته لك.» وقد كتم سر سفره حتى عن أعز أصدقائه، ثم ودعني ومضى، وأنا أسأل الله تعالى أن يرعاه بعين رعايته، وأن يجعل التوفيق رائده والنجاح مرشده وقائده، وكانت مبارحته حلب في أوائل سنة ١٣١٦ هجرية «هكذا» … وبعد أن مضى على مبارحته حلب نحو بضعة عشر يومًا لم نشعر إلا وصدى مقالاته في صحف مصر، وأخذت جريدة المؤيد تنشر تفرقة كتاب طبائع الاستبداد الذي لم يطلعنا عليه مطلقًا بخلاف كتاب «جمعية أم القرى»، فقد أطلعنا عليه مرارًا، ثم إنه طبع الكتابين المذكورين وقام لهما في المابين السلطاني ضجة عظيمة، وصدرت إرادة السلطان بمنع دخولهما إلى الممالك العثمانية … بيد أنهما رغمًا عن ذلك كله وصلا إلى حلب على صورة خفية، وقرأناهما في سمرنا المرة بعد المرة.»

فالدراسة التي توفَّر عليها في الكتابين كانت من مطالعاته وتجاربه ومشاهداته في حلب والآستانة وغيرهما من بلاد الدولة العثمانية، وهي كافية لمن كان في مثل فطنته للإحاطة بظواهر الاستبداد وخوافيه، والعلم بأثر الاستبداد في أحوال الأمم الكثيرة التي كان من اليسير عليه أن يتصل بها بين موطنه وعاصمة السلطنة الكبرى، وليس عليه أن يبحث في غير تجربة واحدة ليعلم كل ما أثبته في الكتاب من أثر الاستبداد في الدين والعلم والمجد والأخلاق والثروة وعوامل التقدم، وتلك هي تجربته لمساعي «أبي الهدى الصيادي» ووسائله في الاستئثار بنقابة الأشراف ومنصب شيخ المشايخ في الدولة، مع ذلك الجاه الذي كان يعينه على اللعب بمظاهر المجد ومداورات السياسة كما يشاء.

وقد صادف الكواكبي التوفيق في موعد وصوله إلى القاهرة، فإنه وصل إليها وهي في فترة من فترات الجفاء المتداولة بين «يلدز» و«عابدين»، ولولا ذلك لتعذر نشر المقالات في صحيفة المؤيد لسان القصر الخديوي، وهو يتحفظ غاية التحفظ في الإشارة إلى الدولة بكلمة تؤيد وشاية الجواسيس فيما اتهموا به الأسرة الخديوية غير مرة من التطلع إلى الخلافة والعمل على إثارة الفتنة في البلاد العربية، ولكن «المؤيد» يومئذ كان في حلٍّ من ذلك التحفظ الشديد، ليعرب عن استياء الخديو من خطة الدولة، ويومئ إلى سادة «يلدز» بالمساومة على مواضع الخلاف.

ومع هذا لم يستغنِ الكاتب عن بعض المصانعة عند عابدين وحاشيتها لتهوين الأمر على الصحيفة وتيسير مقامه في البيئة التي اختارها ولم يكن له بد من اختيارها، فقد حرص على هذه المصانعة إلى أن فرغ من نشر المقالات وأظهرها في أول طبعة، فقال في تقديمها: «أقول وأنا المضطر للاكتتام حسب الزمان، الراجي اكتفاء المطالعين الكرام بالقول عمن قال إنني في سنة ثماني عشر وثلاثمائة وألف وجدت زائرًا في مصر على عهد عزيزها ومعزها حضرة سميِّ عم النبي العباس الثاني الناشر لواء الحرية على أكناف ملكه، فنشرتُ في بعض الصحف الغراء أبحاثًا علمية سياسية في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، منها ما درسته ومنها ما اقتبسته، غير قاصد بها ظالمًا بعينه ولا حكومة مخصصة، إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، عسى يعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار ولا على الأقدار …»

ولقد كان في وسع الكواكبي أن ينشر مقالاته في صحيفة من صحف الاحتلال التي كانت تجاهر بمحاربة السيادة العثمانية خدمة للسيادة البريطانية، ولكنه لو فعل ذلك لخرج عن صفته الإصلاحية الإسلامية، وعرَّض نفسه لشبهات الدعاية الأجنبية، ووطَّن العزم على القطيعة الدائمة بينه وبين البلاد المشمولة بسيادة الدولة والمطالِبة بالولاء لها في جوازاتها وشروط الإقامة فيها والرحلة منها وإليها، ويظهر من كتمان اسمه وتوقيعه بالحرف الأول منه أنه لم يكن قد وطَّن العزم على ذلك عند وصوله إلى القاهرة، وأنه أراد أن يختبر الحالة فيما حوله قبل أن يقطع بالعزم الأخير على المسلك الذي لا رجعة فيه.

•••

والمرجح عندنا أنه طوى كتاب طبائع الاستبداد في حلب ولم يُطلع عليه أصدقاءه لسبب غير التحرج من خطره والحذر من إفشاء خبره وإعنات أصحابه بكتمان سره، فإنه أطلعهم على كتاب أم القرى وفيه من المحذورات ما لا يقل عن أخطر المحذورات في كتاب طبائع الاستبداد، فقد صرَّح فيه بالدعوة إلى الخلافة العربية، وأنكر الخلافة على بني عثمان، ورماهم بالتواطؤ مع الدول على التنكيل بمسلمي الأندلس، ومسلمي الإمارات الآسيوية، وقد يَرِد على الخاطر أنه أغفل هذه المسائل في النسخة المخطوطة واكتفى فيها بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة دون الإسهاب، ولكن الكتاب يشتمل بعد إغفال هذه المسائل على مآخذ منكرة أخذها على الأمراء المستبدين، وعزا فيها تخلف المسلمين إلى مساوئهم وسوء سياستهم وتدليسهم على رعاياهم وتقريبهم للمفسدين والدجالين من الولاة ورجال الدين، ولم يقل عن المستبدين كلمة في طبائع الاستبداد إلا كان لها نظير في معناها ومرماها من فصول أم القرى على ألسنة المسلمين الترك والعثمانيين، وهو تصريح بالحكومة المقصودة لم يَرِد له نظير في طبائع الاستبداد؛ إذ يتيح له عموم القول أن يعلن في تقديم الطبعة الأولى أنه «لا يقصد ظالمًا بعينه ولا حكومة مخصصة».

فليست الحيطة سر كتمان الكتاب عن أصدقائه الذين أطلعهم على كتاب جمعية أم القرى، وإنما نرجح أنه طواه عنهم؛ لأنه لم يفرغ من وضعه في صيغة النشر والتلاوة، ووقف به عند تدوين العناوين ورءوس التعليقات وإعدادها للتوسع فيها وإفراغها في قالبها الأخير عند تقديمها للطبع أو للنشر في الصحف، ويتبين ذلك من المقابلة بين مقالات المؤيد ومقالات الطبعة الأخيرة بعد تنقيحها، فإن الاختلاف بينهما أشبه بالاختلاف بين عجالة التحضير وبين النسخة المتممة للنشر والتلاوة، وقد ظهرت الطبعة المنقحة في ضعفي صفحات الطبعة الأولى، وقال الدكتور عبد الرحمن الكواكبي حفيده إنه: «ينشر هذا الكتاب للمرة الأولى على العالم العربي منقحًا ومزيدًا بقلم المؤلف، وهو يختلف كثيرًا عن النسخة المطبوعة والمتداولة حتى اليوم.»

ويروي الأستاذ سامي الكيالي عن الدكتور أسعد الكواكبي ابن المؤلف أنه أخبره «بأن والده — رحمه الله — قد أضاف على الكتاب بعد طبعه إضافات كثيرة، والهوامش التي يحتفظ بها بقلم والده تؤلف كتابًا مستقلًّا بحجم الكتاب المطبوع، وهو يعتزم طبع هذه النسخة قريبًا ليطلع العالم العربي على ثمرة أفكار والده في الحرية الاستعباد».

ونجتزئ في المعارضة بين الطبعة الأولى وبين النسخة التي طبعها الدكتور أسعد وصدرت منذ سنتين، بالمقابلة بينهما في موضوع واحد يدل على سائر المواضيع: وهو كلامه على التربية.

ففي الطبعة الأولى وردت مقالة الاستبداد والتربية بالنص الذي ننقل منه ما يلي؛ إذ يقول:

خلق الله في الإنسان استعدادًا للصلاح واستعدادًا للفساد، فأبواه يصلحانه وأبواه يفسدانه؛ أي إن التربية تربو باستعداده جسمًا ونفسًا وعقلًا، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وقد سبق أن الاستبداد المشئوم يؤثر على الأجسام فيورثها الأسقام، ويسطو على النفوس فيفسد الأخلاق، ويضغط على العقول فيمنع نماءها بالعلم، بناء عليه تكون التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، فكل ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته، واستعداد الإنسان لا حد لغايته، فقد يبلغ في الكمال إلى ما فوق مرتبة الملائكة؛ لأنه هو المخلوق الذي يحمل الأمانة وقد أبتها كافة العوالم، ويصح أن تكون هذه الأمانة هي تخيير تربية النفس على الخير أو الشر، وقد يتلبس بالرذائل حتى يكون أحط من الشياطين، بل أحط من المستبدين؛ لأن الشياطين لا ينازعون الله في عظمته، والمستبدون ينازعونه فيها، ولكن لحاجة في النفس، والمتناهون في الرذالة قد يقبحون عبثًا لا لغرض، حتى قد يتعمدون الإساءة لنفسهم.

الإنسان في نشأته كالغصن الرطب، فهو مستقيم لَدِن بطبعه، ولكنها أهواء التربية تميل به إلى يمين الخير أو شمال الشر، فإذا شبَّ يبس وبقي على أمياله ما دام حيًّا؛ بل تبقى روحه إلى أبد الآبدين في جحيم الندم على التفريط أو نعيم السرور بإيفائه حق وظيفة الحياة، ما أشبه الإنسان بعد الموت بالفرح الفخور إذا نام ولذَّت له الأحلام، وبالمجرم الجاني إذا نام فغشيته قوارص الوجدان بهواجس كلها ملائم وإيلام.

أما في الطبعة الأخيرة فهذه المقالة ترد على الصيغة التالية:

خلق الله في الإنسان استعدادًا للصلاح واستعدادًا للفساد، فأبواه يصلحانه وأبواه يفسدانه؛ أي إن التربية تربو باستعداده جسمًا ونفسًا وعقلًا، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وقد سبق أن الاستبداد المشئوم يؤثر على الأجسام فيورثها الأسقام، ويسطو على النفوس فيفسد الأخلاق، ويضغط على العقول فيمنع نماءها بالعلم … بناء عليه تكون التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، فكل ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته، وهل يتم بناء وراءه هادم؟! … الإنسان لا حد لغايته رقيًّا وانحطاطًا، وهذا الإنسان الذي حارت العقول فيه، الذي تحمَّل أمانة تربية النفس وقد أبتها العوالم، فأتم خالقه استعداده ثم أوكله لخيرته، فهو إن يشأ الكمال يبلغ فيه إلى ما فوق مرتبة الملائكة، إن كان هناك ملائكة غير خواطر الخير، وإن شاء تلبَّس بالرذائل حتى يكون أحط من الشياطين، إن كان هناك شياطين غير وساوس النفس بالشر، على أن الإنسان أقرب للشر منه للخير، وكفى أن الله ما ذكر الإنسان في القرآن إلا وقرن اسمه بوصف قبيح، كظلوم وغرور وكفَّار وجبَّار وجهول وأثيم، ما ذكر الله تعالى الإنسان في القرآن إلا وهجاه فقال: قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ، وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا، خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ.

ما وجد من مخلوقات الله مَن نازع الله في عظمته، فالمستبدون من الإنسان ينازعونه فيها، والمتناهون في الرذالة قد يقبحون عبثًا لغير حاجة في النفس، حتى وقد يتعمدون الإساءة لأنفسهم.

الإنسان في نشأته كالغصن الرطب، فهو مستقيم لَدِن بطبعه، ولكنها أهواء التربية تميل به إلى يمين الخير أو شمال الشر، فإذا شبَّ يبس، ويبقى على أمياله ما دام حيًّا؛ بل تبقى روحه إلى أبد الآبدين في نعيم السرور بإيفائه حق وظيفة الحياة، أو في جحيم الندم على تفريطه. وربما كان لا غرابة في تشبيه الإنسان بعد الموت بالإنسان الفرح الفخور إذا نام ولذت له الأحلام، أو بالمجرم الجاني إذا نام فغشيته قوارص الوجدان بهواجس كلها ملائم وآلام.

ولم تخلُ مقالة من مقالات طبائع الاستبداد من مثل هذا التنقيح أو مثل هذه الزيادة على قلَّةٍ في بعض المواضع وكثرة في غيرها، إلا أنه فارقٌ بين النسختين كالفارق بين المسودة المعدة للتذكير والتحضير والنسخة التي فرغ منها عمل التأليف.

على أن العبرة بروح الكتابة وما نسميه «نَفَس الكاتب» في كلتا النسختين، ولم تكن هذه «الروح» في المقالات ولا في الطبعة الأولى بأخفى منها في الطبعة التي ظهرت بعد وفاة المؤلف؛ بل نرى أن روح الكاتب كانت في «مسوداته ومذكراته» أبرز منها في طبعته الأخيرة، كما يتفق أحيانًا في الكتابة التي تمليها السجية عضو الخاطر والكتابة التي يدخلها التنقيح وتعمل فيها المراجعة، أو كما يتفق أحيانًا بين الكتابة «المركزة» المتجمعة وبين كتابة التبسيط والإفاضة، وقد أحسن السيد محمد رشيد رضا حين شبه المقالات في الحالتين بالأديم الممدود، فقال في المنار: إن «الكتاب كان مقالات مختصرة نُشرت في المؤيد ثم مدها صاحبها من الأديم العكاظي وزاد عليها، فكانت كتابًا حافلًا ينجلي له علمه الأول بصورة أوضح وأجلى».

نعم، أوضح وأجلى، ولكن الأديم هو الأديم، ولعله قبل مده كان أوثق وأقوى.

وسرعان ما تداول القراء مقالة بعد أخرى من هذه «المذكرات» التي هيَّأها صاحبها للنشر في الصحافة حتى أحسوا أنها طبقة في النقد الاجتماعي لم يعهدوها لعامة الكتَّاب في الصحف، وعلموا من مطلعها أنها بقلم رجل من رجال الدين فخطر لهم أنها لا تكون لغير رجل من رجلين: الأستاذ الإمام محمد عبده أو السيد محمد رشيد رضا تلميذه ومريده، ولسنا نحسب أنه خاطر يخطر لمن يعرف أسلوب الرجلين ويحسن التمييز بينه وبين أسلوب تلك المقالات، فإن بضعة أسطر من المقالات كافية للجزم بأنها أسلوب من الكتابة غير أسلوب الإمام وتلميذه الرشيد، ولكن شيوع هذا الخاطر يدل على المنزلة التي قدَّرها جمهرة القراء لصاحب تلك المقالات، فلن يكون في تقديرهم إلا عَلَمًا من أعلام الرأي والإصلاح.

ولم تنقطع الظنون عند وقوف المطلعين على سر مقالات المؤيد، فقد كان من اليسير على الكثيرين أن يفهموا أن محمد عبده وتلميذه الكبير لا يتسع لهما صدر «المؤيد» مع ما بينهما وبين القصر الخديوي من الجفوة والقطيعة، ولم يكن من اليسير على قراء ذلك العهد أن يفهموا كيف يتسنى هذا البحث لكاتب شرقي عرفوا أنه لا يعلم من اللغات غير اللغات الشرقية، ولا يحسن القراءة في غير لغته واللغتين التركية والفارسية.

قال السيد رشيد: «كنا على وفاق في أكثر مسائل الإصلاح، حتى إن صاحب الدولة مختار باشا الغازي اتهمنا بتأليف الكتاب عندما اطلع عليه.»

ثم قال: «وقد زعم زاعمون أن معظم ما في الكتاب مقتبس من كتاب لفيلسوف إيطالي، ومن كان له عقل يميز بين أحوال الإفرنج الاجتماعية وأحوالنا، وذوقهم في العلم وذوقنا؛ يعلم أن هذا الوضع وضع حكيم شرقي يقتبس علم الاجتماع والسياسة من حالة بلاده حتى كأنه يصورها تصويرًا …»

وقال الأستاذ إبراهيم سليم النجار: «سبق لي أن قرأت في شبابي كتاب (الكوانترا-سوسيال)؛ أي العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، ثم انقطعت عن الرجوع إليه، فلما قرأت كتاب طبائع الاستبداد أعاد إلى ذاكرتي كتاب الكاتب الإفرنسي العظيم، ولو كان الشيخ العربي يعرف ولو قليلًا اللغة الفرنسوية لاعتقدت أنه أخذ عنه أو احتذى حذوه، ولكن الحقيقة أن العقول النيرة والقلوب الكبيرة نيرة وكبيرة مهما اختلفت لغاتها وبلادها وأقاليمها …»

وإن الكواكبي نفسه ليُعفي القراء والنقاد من مئونة الظن في اقتباسه واطلاعه على وصف الاستبداد وعوارضه الاجتماعية في كتب غيره، فإنه قد ذكر ذلك في كلامه، وتبرَّع به دون أن تدعوه الضرورة إلى ذكره، فكل ما يُفهم من قراءة «طبائع الاستبداد» أن صاحبه على علم واطلاع في موضوعه، وتلك بداهة لا حاجة إلى التنبيه إليها؛ إذ كان من الغفلة أن يطالب الكاتب بالتأليف في موضوع لم يكن على علم به واطلاع فيه.

أما أن يكون الاقتباس على مثال ما نسميه بالسرقة المقصودة، فذلك إسراف في الظن لا مسوغ له، سواء رجعنا بالمعارضة والمضاهاة إلى الكتب التي سرد الكواكبي أسماءها أو إلى الكتب التي أفاضت في هذا الموضوع ولم يكن في وسعه أن يطلع عليها أو يسمع بأسمائها.

قال الكواكبي: «لا خفاء أن السياسة علم واسع جدًّا يتفرع إلى فنون كثيرة ومباحث دقيقة شتى، وقلما يوجد إنسان يحيط بهذا العلم، كما أنه قلما يوجد إنسان لا يتحكك فيه، وقد وُجد في كل الأمم المترقية علماء سياسيون تكلموا في فنون السياسة ومباحثها استطرادًا في مدونات الأديان أو الحقوق أو التاريخ أو الأخلاق أو الأدب، ولا تُعرف للأقدمين كتب مخصوصة في السياسة لغير مؤسسي الجمهوريات في الرومان واليونان، وإنما لبعضهم مؤلفات سياسية أخلاقية ككليلة ودمنة ورسائل غوريغوريوس، ومحررات سياسية دينية كنهج البلاغة وكتاب الخراج، وأما في الشئون المتوسطة فلا تؤثر أبحاث مفصلة في هذا الفن لغير علماء الإسلام، فهم ألَّفوا فيه ممزوجًا بالأخلاق كالرازي والطوسي والعلائي وهي طريقة الفرس، وممزوجًا بالأدب كالمعري والمتنبي وهي طريقة العرب، وممزوجًا بالتاريخ كابن خلدون وابن بطوطة وهي طريقة المغاربة.

أما المتأخرون من أهل أوروبة ثم أمريكا فقد توسعوا في هذا العلم وألفوا فيه كثيرًا وأشبعوه تفصيلًا، حتى إنهم أفردوا بعض مباحثه في التأليف بمجلدات ضخمة، وقد ميزوا مباحثه إلى سياسة عمومية وسياسة خارجية وسياسة إدارية وسياسة اقتصادية وسياسة حقوقية إلى آخره، وقسموا كلًّا منها إلى أبواب شتى وأصول وفروع، أما المتأخرون من الشرقيين فقد وُجد من الترك كثيرون ألفوا في أكثر مباحثه تآليف مستقلة وممزوجة؛ مثل أحمد جودت باشا، وكمال بك، وسليمان باشا، وحسن فهمي باشا، والمؤلفون من العرب قليلون ومقلون، والذين يستحقون الذكر منهم فيما نعلم رفاعة بك، وخير الدين باشا، وأحمد فارس، وسليم البستاني، والمبعوث المدني …»

•••

ومن أيسر نظرة يدرك القارئ المطلع أن الكواكبي أراد أن يسرد بعض الشواهد على مبلغ اهتمام الأقدمين والمحدثين بعلوم السياسة ومباحثها، ولم يُرِد أن يستقصي مراجع الاطلاع في هذه العلوم والمباحث ولا مراجع الاقتباس منها في «طبائع الاستبداد».

ولو أنه قصد إلى الاستقصاء لما فاته أن يذكر من كتب الأقدمين أهم ما كتبه فلاسفة اليونان وأفضله في بابه، وهما كتاب الجمهورية لأفلاطون وكتاب السياسة لأرسطو، وليس هذا ولا ذاك من رؤساء الجمهوريات، ولا فاته أن يذكر الماوردي صاحب «الأحكام السلطانية»، أو بدر الدين بن جماعة صاحب «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام»، أو ابن تيمية صاحب «السياسة الشرعية»، أو محمد بن علي بن طباطبا صاحب «الفخري في الآداب السلطانية»، أو ابن حمدون صاحب «التذكرة في السياسة والآداب الملكية»، وغيرهم وغيرهم ممن صنفوا وألفوا في هذه المباحث، ولا يفوت المؤرخ ذكرهم في مقام الاستقصاء.

ولا يلزم أن يكون الكواكبي قد اطلع على كتب المؤلفين الذين ذكرهم في مقدمة «طبائع الاستبداد»، وإنما نرجح أن بعض هؤلاء المؤلفين كان يستدعيه إلى قراءته بإغراء من سيرته ومناسبات تأليفه، فمن الصعب على باحث كالكواكبي يعرف التركية أن يُعرض عن قراءة «أحمد جودت» الصدر الأعظم الذي بلغ من عنايته بالعربية أن يؤلف في نحوها وبلاغتها ويعقِّب على التفسيرات القرآنية فيها، ولم يكن أرْوجَ من مصنفاته بين أدباء الترك والعرب بعد وفاته في أواخر القرن التاسع عشر «١٨٩٥» … ومن الصعب كذلك على كاتب مثله يعرف الفارسية أن يُعرض عن قراءة العلائي الملقب بالمحقق الثاني «١٤٦٣–١٥٣٤» وهو المستشار الأمين المأمون للشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي الذي ينتسب والكواكبي إلى أسرة واحدة، ولكننا نراجع هؤلاء المؤلفين ونراجع غيرهم من المذكورين في مقدمة «طبائع الاستبداد» فنعلم أنهم مؤرخون يروون أخبار الدول والحكومات، ويعقِّبون على عهود السلاطين والأمراء، ويتحدثون عن العدل والظلم وعن العادلين والظالمين في سياق هذه الأخبار، أو نعلم أنهم من فلاسفة السياسة الذين يفصِّلون القول في أوضاع الحكم ودساتير الديمقراطية والنظم النيابية، أو أنهم ناصحون من حكماء الدين والمعرفة يوصون بالخير ويحذرون من الشر ويعظون الساسة بما ينبغي وما لا ينبغي في حق الله وحق الرعية، ولم يستخرج أحد من كتبهم مبحثًا مفصلًا في تحليل عناصر الاستبداد، وتفسير عيوبه وأعراضه وآثاره في طوائف الرعايا على تعدد أطوارها وشواغلها، كهذا المبحث الذي استوحاه الكواكبي من تجاربه ودراساته ونظراته وتأملاته، ولا يعود الفضل فيه إلى غير فطنته وابتكاره واستقلاله بفهمه وصحة نظره، فإن هذه المطالعات قد اطلع عليها المئات كما اطلع عليها الكواكبي، ولم يستخرجوا منها الكتاب الذي انفرد به ولم يسبقه أحد إليه.

وإنما يصدق وصف الاقتباس على مؤلف واحد لم يذكره الكواكبي في المقدمة، ولكنه ذكره واستشهد به في كلامه على التخلص من الاستبداد: «فتوريو ألفييري»، الذي أردف اسمه بنعت المشهور في قوله: «لهذا أذكر المستبدين بما أنذرهم به ألفييري المشهور حيث قال: لا يفرحنَّ المستبد بعظيم قوته ومزيد احتياطه، فكم من جبار عنيد جندله مظلوم صغير؟!»

ولا بد أن يكون هذا المؤلف هو المقصود فيما رواه صاحب المنار عمن ينسبون أفكار الكواكبي إلى «فيلسوف إيطالي» معروف، فإنه صاحب أشهر كتاب عن الاستبداد ظهر في أواخر القرن الثامن عشر «١٧٧٧»، وشاع بعد ذلك أيما شيوع بين أيدي الثوار الإيطاليين، ولا سيما جماعة الكربوناري — الفحامين — الذين أسسوا جماعتهم السرية معارضة لجماعة البنائين أو الماسون، وتسرب أعضاؤها إلى كل مكان يغشاه الإيطاليون في موانئ البحر الأبيض ومدن الشرق الأدنى، ومنها مدينة حلب التي كانت «مركزًا مهمًّا» لتجار البندقية والمتكلمين باللغة التوسكانية، وآوى إليها كثير من المثقفين والمهاجرين السياسيين منذ راجت فيها حركة التجارة على طريق الهند والأقطار الآسيوية.

وبين «الكواكبي» و«ألفييري» شبه قريب في السيرة والمنزع وظروف الحياة، فكلاهما تعوَّد الرحلة في طلب المعرفة بأحوال الأمم، وكلاهما اضطر إلى الكتابة في ظل الرقابة، وكلاهما نزل مختارًا أو مضطرًّا عن ثروته وعتاده، وزاد «ألفييري» فأسلم ما بقي له في الثروة إلى أخته لتسلمه منها نفقته التي يحتاج إليها، رغبة منه في التفرغ للرحلة والكفاح بالقلم والدعوة اللسانية.

وكتب «ألفييري» مقالاته عن الاستبداد Della Tirannide، فظهر فيها أثر اطلاعه على «روسو» و«منتسكيو» وعلى «مِكيافلِّي» من قبل، ولم يظهر فيها مذهب خاص يجيز للناقد أن يصفه بالفيلسوف كما وصفه القائلون بأن الكواكبي نقله بحروفه واعتمد عليه في تفصيل آرائه.

والتشابه بين رءوس الموضوعات بادٍ من النظرة العابرة إلى صفحات الكتابين، فقد كتب ألفييري في تعريف الاستبداد وتعريف المستبد، ثم كتب عن الخوف والتملق والطموح، ووزراء المستبد، ثم كتب عن الانحلال والدين والمقابلة بين الاستبداد القديم والاستبداد الحديث، وعن الشرف المزيف والمجد الكاذب، وعن نفوذ الزوجات في عهود الاستبداد، وعن وسائل المقاومة للاستبداد، وعن الشعوب التي لا تحس الطغيان، وعن الحكومات التي تركن إليه، ونظر في جميع هذه الموضوعات إلى أطوار الأمم الأوروبية على خلاف منهج الكواكبي في النظر إلى الأمم الشرقية والتعمق في وصف أحوالها، مما يجيز لنا أن نقول: إن مؤلف أم القرى كان خليقًا أن يكتب آراءه عن الاستبداد ولو لم يطلع على الرسالة الإيطالية.

ويتساءل الأستاذ أحمد أمين: كيف وصلت الرسالة الإيطالية إلى علمه؟ وهو سؤال لا جواب له غير الحيرة إن لم تكن للكواكبي وسيلة أخرى للعلم بألفييري غير العلم بلغته، إلا أننا نعلم من «طبائع الاستبداد» أن ألفييري كان مشهورًا عند الكواكبي في زمانه، ونعلم أن هذه الشهرة لا تُستغرب مع كثرة الإيطاليين في حلب ورغبة الكواكبي في الاستفادة من معلومات أصحابه الأوروبيين المثقفين وهو كثير الاتصال بهم، وهو يلقونه على الدوام في أعماله وأعمالهم، وقد كان اسم «إيطاليا الفتاة» على كل لسان بين طلاب الحرية العثمانيين، ومنهم جماعة «تركيا الفتاة» الذين استعاروا اسمهم من اسم الجماعة الإيطالية، وقد كان الإيطاليون يسعون في تلقين دعوتهم ولا ينتظرون من يسألهم عنها، وكانوا ينتشرون في سواحل البحرين الأبيض والأحمر وينشرون فيها أنديتهم السرية التي تنتمي إلى طوائف الفحامين، وتحاول أن تزاحم في ميادين السياسة طوائف الماسون — أو البنائين الأحرار — التي غلب عليها في الشرق نفوذ الإنجليز والفرنسيين. ومن تاريخ الكواكبي بعد الهجرة من حلب نعلم أنه كان يلتقي بوكلاء الحكومة الإيطالية في شواطئ بحر العرب، وينتقل على إحدى السفن الإيطالية بإذن من أولئك الوكلاء، فليس بالعسير بعد ذلك أن يعرف الكواكبي شيئًا عن الكاتب الإيطالي «المشهور» كما وصفه في كلامه، وأن يلم برءوس الموضوعات التي طرقها في رسالته عن الاستبداد وهو مشغول بمكافحة الاستبداد منذ صباه، وأن يعارض تلك الرسالة بما يقابلها معارضة الشاعر للشاعر في القصيدة المأثورة لديه، ولا ينقل منه شيئًا بهذه المعارضة غير الوزن والقافية، أو غير العنوان والمناسبة.

ونحن نرجح هذا الاحتمال على قول بعض المعاصرين إن الكواكبي اطَّلع على ترجمة تركية لطبائع الاستبداد من عمل كاتب من أحرار الترك المهاجرين إلى سويسرة يسمى «عبد الله أمين»، فإننا نشك في ذلك؛ لأن مثل هذه الترجمة لا تطبع يومئذ في البلاد العثمانية، وإذا طُبعت في مصر فلا بد أن تكون متداولة معهودة بين العثمانيين أصحاب الكواكبي، فلا يهمل ذكرها ولا يختلف الباحثون في أمرها عند السؤال عن مصدرها، ولا يخفى حقيقة هذا الأمر على مختار باشا الغازي وهو وكيل الدولة العثمانية المسئول عن أخبار هذه المنشورات التي تراقبها الدولة.

وأصاب السيد رشيد رضا إذ قال: إن مباحث طبائع الاستبداد لا يكتبها قلم أوروبي ولا يقتبسها شرقي من المراجع الأوروبية، ونزيد على هذا أن «ألفييري» نفسه لا يستطيع أن يصور عناصر الاستبداد كما صورها الكواكبي من وحي تجاربه وتأملاته في البلاد العثمانية وفي بلده وإقليمه بصفة خاصة؛ لأنه يحمل «مصورة» تريه ما يقع عليه حسه ولا تريه ما لم يشهده بعينيه.

فإذا كان جهل الكواكبي بالإيطالية يبعث على استغراب علمه بألفييري، فإن جهله بهذا الكاتب خاصة هو الغريب من رجل يعاشر الإيطاليين ويسمع بثورتهم ويسمع أن ثوار الترك يستعيرون منهم تنظيم حركتهم، ويسألهم ولا شك عن كاتبهم «المشهور» أو يتلقى منهم البيان عنه بغير سؤال.

وما كانت الشبهة أن اتصال الكواكبي بالإيطاليين قليل لا يسمح بهذه المعرفة، وإنما الشبهة أنها كانت تزيد على اللازم لهذه المعرفة، حتى خطر لبعضهم أنها تمتد من الصحبة إلى «التواطؤ» على السياسة الخفية، فلولا المصادفة التي وقعت على الرغم من الكواكبي، ولم تقع باختياره ولا بتدبيره لاستعصى على المُدافع عنه أن يدحضها بغير حسن الظن وصدق الفراسة.

«حدث في يوم ما أن قنصل دولة إيطاليا في حلب — السنيور أنريكو ويتو — بينما كان راكبًا عربته، مارًّا في محلة الجلوم، التي هي محلة السيد عبد الرحمن الكواكبي؛ إذ وقع على ظهره حجر عائر صدمه صدمة عنيفة تألم منها جدًّا، بحيث اضطرته أن يعود إلى منزله وأن يرسل إلى الوالي تقريرًا يطلب فيه منه البحث عن الضارب وإجراء العقوبة القانونية … هذه الحادثة فتحت للوالي بابًا يلج منه إلى إلصاق هذه الجناية بالسيد الكواكبي، لا سيما وقد كانت الحادثة في محلته وعلى مقربة من داره، وفي الحال أوعز إلى بعض شياطينه بأن يرفع إليه تقريرًا فحواه أن الكواكبي منضم إلى عصابة أرمنية — وكانت ثورات الأرمن في تلك الأيام كثيرة — وأنه قبل يومين أغرى بعض الناس فرشق على قنصل إيطاليا حجرًا أصاب ظهره، محاولًا بذلك إحداث ثورة بين الأرمن والمسلمين بحلب … وفي الحال أصدر الوالي أمره بإلقاء القبض على الكواكبي وزجَّه في السجن، وما أسرع ما أُخرج من السجن مخفورًا وأُجلس على كراسي المحكمة لإصدار الحكم عليه.»١

ويستوي اتهام الكواكبي في هذه القضية وبراءته منها في تكذيب الوشاة الذين رجموا بالظن فجعلوه صنيعة الإيطاليين، فإن الصنيعة لا يسلمه حماته المزعومون إلى الموت وهم ينظرون!

١  المجلد الثالث من مجلة الكتاب عدد يناير ١٩٤٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠