الفصل السابع عشر

النظام الاقتصادي

قدمنا في الكلام على النظام السياسي أن الكواكبي يعتبر التفاوت في الثروة دعامة من أقوى دعائم الاستبداد؛ لأنه يسمح لأصحاب النفوذ الديني أو الدنيوي — وهم لا يزيدون على الخمسة في المائة من جملة السكان — بأن يستأثروا لأنفسهم بنحو نصف الثروة العامة.

وهو ينكر مثل هذا الإنكار أن يحصل مثل هذا التفاوت بأية ذريعة من الذرائع ولو كانت ذريعة العمل والصناعة، فليس من الجائز أن يعيش إنسان واحد بمثل ما يعيش به المئات أو الألوف؛ لأنه يتفوق على غيره بعمل بارع أو صناعة نفيسة، ولا لأنه يحسن الوساطة والمداورة في سوق البيع والشراء أو في سوق الفكر والضمير، «فهناك أصناف من الناس لا يعلمون إلا قليلًا، إنما يعيشون بالحيلة كالسماسرة والمشعوذين باسم الأدب والدين …»

والمال على العموم «لا يجتمع في أيدي الأغنياء إلا بأنواع من الغلبة والخداع» … وليس من شأن التفاوت في القدرة والهمة أن تمنح إنسانًا واحدًا ما يقوم بنفقات الألوف من الناس، وليس هذا التفاوت مما يحتاج إليه العامل المقتدر لإتقان عمله أو يحتاج إليه المجتهد الطموح لاستنهاض همته وإشباع طموحه؛ بل ربما كان فيه مدرجة للغواية والبطالة ومدعاة إلى الإسراف والإسفاف.

وليس المطلوب أن يبطل التفاوت بين الناس في المعرفة والذكاء، ولا أن يبطل التفاوت بينهم في المساعي والجهود، فلا يقتضي الأمر — كما قال — «أن يتساوى العالم الذي صرف زهوة حياته في تحصيل العلم النافع أو الصنعة المفيدة بذلك الجاهل النائم في ظل الحائط، ولا ذلك التاجر المجتهد المخاطر بالكسول الخامل، ولكن العدالة تقتضي غير ذلك التفاوت؛ بل تقتضي الإنسانية أن يأخذ الراقي بيد السافل فيقربه من منزلته ويقاربه في معيشته ويعينه على الاستقلال في حياته».

وأيًّا كان جهد المجتهد وعلم العالم فلا يجوز أن يزيد الرزق على الحاجة تلك الزيادة المفرطة التي تسمح لطائفة من الأمة بتسخير جميع طوائفها؛ «لأن إفراط الثروة مهلكة للأخلاق الحميدة في الإنسان، وهذا معنى الآية: إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ … فضرر الثروات الإفرادية في جمهور الأمم أكبر من نفعها؛ لأنها تمكن الاستبداد الداخلي فتجعل الناس نصفين: عبيدًا وأسيادًا، وتقوي الاستبداد الخارجي فتسهل للأمم التي تغنى بغناء أفرادها التعدي على حرية واستقلال الأمم الضعيفة …»

•••

وتظهر لنا سعة اطلاع الكواكبي في مسائل الإصلاح من إحاطته بأوائل الأعمال والآراء التي كانت تحسب في أواخر القرن الماضي طليعة سابقة؛ بل طليعة متهجمة، في مجال الإصلاح الاقتصادي والمذاهب الاشتراكية، فذكر تحديد الملكية الزراعية وذكر تأميم المرافق العامة، ومضت بعده خمسون سنة قبل أن يتيسر تنفيذ هذه الآراء في بلادنا الشرقية.

قال: «هذه إيرلندة مثلًا قد حماها ألف مستبد مالي من الإنكليز ليتمتعوا بثلثي أو ثلاثة أرباع ثمرات أتعاب عشرة ملايين من البشر الذين خلقوا من تربة إيرلندة، وهذه مصر وغيرها تقرب من ذلك حالًا وستفوقها مالًا، وكم من البشر في أوروبة المتمدنة — وخصوصًا في لندن وباريس — لا يجد أحدهم أرضًا ينام عليها متمددًا؛ بل ينامون في الطبقة السفلى من البيوت حيث لا ينام البقر، وهم قاعدون صفوفًا يعتمدون بصدورهم على حبال من مسد منصوبة أفقية، يتلوون عليها يمنة ويسرة.»

قال: «وحكومة الصين المختلة النظام في نظر المتمدنين تحرِّم قوانينها أكثر من مقدار معين من الأرض لا يتجاوز العشرين كيلومترًا مربعًا؛ أي نحو خمسة أفدنة مصرية أو ثلاثة عشر دونمًا عثمانيًّا. وروسيا المستبدة القاسية في عُرف أكثر الأوروبيين وضعت أخيرًا لولاياتها البولونية والغربية قانونًا أشبه بقانون الصين، وزادت عليه أنها منعت سماع دعوى دَيْن غير مسجل على فلاح، ولا تأذن لفلاح أن يستدين أكثر من نحو خمسمائة فرنك، وحكومات الشرق إذا لم تستدرك الأمر فتضع قانونًا من قبيل قانون روسيا تصبح الأراضي الزراعية بعد خمسين عامًا، أو قرن على الأكثر، كإيرلندة الإنجليزية المسكينة …»

وقال بعد أن قرر أن الشرط الأول لإحراز المال أن يأتي من بذل الطبيعة أو بالمقايضة أو في مقابل عمل أو مقابل ضمان: والشرط الثاني ألا يكون للتموُّل تضييق على حاجيات الغير؛ كاحتكار الضروريات أو مزاحمة الصناع والعمال والضعفاء، والتغلب على المباحات؛ مثل امتلاك الأراضي التي جعلها خالقها ممرحًا لكافة مخلوقاته …

وعلى هذا السبق إلى الإحاطة بالآراء المستحدثة يتبين من ثنايا أقواله العامة في الاقتصاد أنه كان يتقصى معارفه الاقتصادية من أصولها التي تقدم بها الزمن أحقابًا طوالًا قبل عصر الميلاد، فلا شك في اطلاعه على قواعد الاقتصاد السياسي فيما كتبه أرسطو أو فيما نقل عنه، فإنه يحصر أسباب الرزق في مواردها الثلاثة؛ وهي الزراعة والصناعة والتجارة، ويعرف هذه الموارد كما عرفها أرسطو حيث يقول عن الزراعة إنها استخراج ثمرات الطبيعة، وعن الصناعة إنها تهيئة تلك المواد للانتفاع بها، وعن التجارة إنها توزيعها على الناس، «وكل وسيلة خارجة عن هذه الأصول وفروعها الأولية فهي وسائل ظالمة لا خير فيها …»

وعند الكواكبي أن الإنسان النافع لقومه لا بد أن يؤدي عملًا من هذه الأعمال في أصولها وفروعها التي لا تزال إلى اليوم مورد الرزق المشروع في عرف خبراء الاقتصاد والسياسة، وعلى كل فرد من أفراد الأمة «متى اشتد ساعده أو مَلَك قوت يومه، أو النصاب على الأكثر، أن يسعى لرزقه بنفسه أو يموت جوعًا».

ثم يعطف فيقول: «وقد لا يتأتى أن يموت الفرد جوعًا إذا لم تكن حكومته مستبدة تضرب على يده وسعيه ونشاطه …»

فإذا حدث العجز عن كسب الرزق لسبب قاهر غير الكسل والتقصير، فالأمة مسئولة عن إزالة هذا العجز، أو معونة المبتلين به على المعيشة التي لا يقدرون على تحصيلها؛ «فالعدالة المطلقة تقضي أن يؤخذ قسم من مال الأغنياء ويُردَّ على الفقراء بحيث يحصل التعديل، ولا يموت النشاط للعمل.»

وهذه سياسة تتحراها أمم الغرب الحديثة إيثارًا للسلامة بعد أن وضح لها وبال العاقبة من جراء الظلم في توزيع الثروة، ولكنها فريضة يقررها الإسلام دينًا ويعين عليها اتباع أحكامه؛ لأنه يقرر صرف العشور والزكاة في المصارف العامة؛ ومنها سداد الديون، «ولا يخفى على المدقق أن جزءًا من أربعين من رءوس الأموال يقارب نصف الأرباح المعتدلة باعتبار أنها خمسة بالمائة سنويًّا.»

ويقول الكواكبي — ولعله يجنح في ذلك إلى الأخذ بالمذهب الظاهري: «إن الأرض الزراعية ملك عام للأمة، يستنبتها ويستمتع بخيراتها العاملون فيها بأنفسهم فقط، وليس عليهم غير العشر أو الخراج الذي لا يجوز أن يتجاوز الخمس لبيت المال.»

فالمعيشة الاشتراكية — في حكم الدين والسياسة الرشيدة — هي «أبدع ما يتصوره العقل … لولا أن البشر لم يبلغوا بعدُ من الترقي ما يكفي لتوسيعهم نظام التعاون والتضامن في المعيشة العائلية إلى إدارة الأمم الكبيرة …»

وعلى هذا يتلخص برنامج الكواكبي الذي اختاره لتدبير الثروة العامة في الاشتراكية التي تقوم على المبادئ التالية:
  • (١)

    تعميم العمل المثمر بين أفراد الأمة وتحريم الكسب بغير عمل مشروع.

  • (٢)

    اجتناب التمييز بين أفراد الأمة بغير مزية لازمة للخدمة العامة.

  • (٣)

    اجتناب التفاوت المفرط في توزيع الثروة بين الأفراد أيًّا كان حظهم من التفاوت في الكفايات والأعمال.

  • (٤)

    قيام المجتمع على التعاون والتضامن بين العاملين فيه، وإزالة أسباب العجز عن الكسب أو معونة العاجزين عنه لضرورة من ضرورات المرض والحرمان.

  • (٥)

    تأميم المرافق العامة ومنع الاحتكار.

وبهذه المبادئ على عمومها يدخل الكواكبي في زمرة الاشتراكيين لا مراء، ويلتقي بأهم المذاهب الاشتراكية في أصل من أصولها الكبرى، ويكاد أن يجري مع القائلين بالتفسير الاقتصادي للتاريخ في مجال واحد، لولا فارق عظيم في تعريف المال ترتبط به فوارق كثيرة.

فالمال عن أصحاب التفسير الاقتصادي مقصور على العملة وما تشتريه، والمال عند الكواكبي هو «كل ما يُنتفع به في الحياة» … «فالقوة مال، والوقت مال، والعقل مال، والعلم مال، والدين مال، والثبات مال، والجمال مال، والترتيب مال، والشهرة مال …»

نعم … وكل ما يجري فيه المنع والبذل كما يقول صاحب القانون، أو تستعاض به القوة كما يقول صاحب السياسة، أو تُحفظ به الحياة الشريفة كما يقول صاحب الأخلاق، فهو مال.

«والمقصود من المال هو أحد اثنين لا ثالث لهما؛ وهما تحصيل لذة أو دفع ألم … والحكم العدل في طيب المال وخبيثه هو الوجدان الذي خلقه الله صبغة للنفس وعبَّر عنه في القرآن بإلهامها فجورها وتقواها.»

والوجدان هو مرجع الاختيار أولًا وآخرًا، بين المال الحلال والمال الحرام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠