الفصل الحادي والعشرون

وسيلة التنفيذ

عرضنا فيما تقدم برنامج الإصلاح في دعوة الكواكبي من أهم جوانبها السياسية والاجتماعية.

ويبدو من النظرة العاجلة — كما يبدو في إطالة النظر في هذه البرامج — أنها خطة ثورية لقلب نظام الحكم المطلق في بلاد العرب، وإقامة الحكم القومي على أساس الشورى في تلك البلاد.

فما هي وسيلة الكواكبي إلى تحقيق تلك الخطة الثورية؟

إنه لم يكتمها وإن أخفى غايتها التي لا خفاء بها مع العلم بمقدماتها …

وسنرى أنه كان «واقعيًّا عمليًّا» في وسيلته، كما كان «واقعيًّا عمليًّا» في دعوته، فإن وسيلته التي اطمأن إليها كافية لتحقيق الغاية القصوى كما يريدها، وعلينا أن نتذكر تلك الغاية القصوى ونحصرها في نطاقها؛ لكي نعلم كفاية الوسيلة لتحقيق الغاية منها.

علينا أن نذكر أنه كان يريد قلب نظام الحكم المطلق في بلاد العرب، ولم يكن ذلك موقوفًا على قلب هذا النظام في الدولة العثمانية أو قلب نظام الحكم في القسطنطينية عاصمة السلطان العثماني ومركز الحكومة التركية، فإن قلب الحكومة المستبدة في الدولة التركية قد يحتاج إلى وسيلة غير وسيلته المختارة لتحرير بلاد العرب واستقلالها بشئونها، سواء تم هذا الاستقلال دفعة واحدة أو جاء على درجات تترقى من الحكم الذاتي إلى تمام الاستقلال.

كان «الكواكبي» عربيًّا بتفكيره وشعوره في ثقته الكبرى «بقوة الكلمة» أو قوة الدعوة المنتظمة، وتتراءى هذه الثقة القوية بفعل الكلمة في إيقاظ الشعوب من عنوان كتاب «طبائع الاستبداد» الذي أردفه على الغلاف بسطر يقول فيه إنه «كلمات حق وصيحة في وادٍ، إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غدًا بالأوتاد».

ومن ثقته بفعل الدعوة المنتظمة قوله في مقدمة أم القرى: «أيقنوا أيها الإخوان أن الأمر ميسور وأن ظواهر الأسباب ودلائل الأقدار مبشرة أن الزمان قد استدار ونشأ في الإسلام أقطاب أحرار وحكماء أبرار، يعد واحدهم بألف وجمعهم بألف ألف، فقوة جمعية منتظمة من هؤلاء النبلاء كافية لأن تخرق طبل حزب الشيطان وتسترعي سمع الأمة مهما كانت في رقاد عميق، وتقودها إلى النشاط وإن كانت في فتور مستحكم عتيق … لأن الجمعيات المنتظمة يتسنى لها الثبات على مشروعها عمرًا طويلًا يفي بما لا يفي به عمر الواحد الفرد، وتأتي بأعمالها كلها بعزائم صادقة لا يفسدها التردد، وهذا هو سر ما ورد في الأثر من أن يد الله مع الجماعة، وهذا هو سر كون الجمعيات تقوم بالعظائم وتأتي بالعجائب، وهذا هو سر نشأة الأمم الغربية، وهذا هو سر النجاح في كل الأعمال المهمة؛ لأن سنة الله في خلقه أن كل أمر — كليًّا كان أو جزئيًّا — لا يحصل إلا بقوة وزمان متناسبَيْن مع أهميته، وأن كل أمر يحصل بقوة قليلة في زمان طويل يكون أحكم وأرسخ وأطول عمرًا مما إذا حصل بمزيد قوة في زمان قصير، وكلنا يعلم أن مسألتنا أعظم من أن يفي بها عمر إنسان لا ينقطع، أو مسلك سلطان لا يطَّرد، أو قوة عصبية حضرية حمقاء تفور سريعًا وتغور سريعًا …»

قال: «ولا ينبغي الاسترسال مع الوهم إلى أن الجمعيات معرَّضة في شرقنا لتيار السياسة فلا تعيش طويلًا — ولا سيما إذا كانت فقيرة — ولم تكن كغالب الأكاديميات؛ أي المجامع العلمية، تحت حماية رسمية؛ بل الأليق بالحكمة والحزم الإقدام والثبات وتوقع الخير إلى أن يتم المطلوب.»

فهذه الوسيلة — وسيلة الكلمة الحية والدعوة المنتظمة — كافية صالحة لتحقيق غايتها، مفضلة على الوسائل الأخرى التي قد يستخدمها الدعاة لقلب الدول وإقامة النظم وقيادة الشعوب من حال إلى حال.

فإذا انتشرت الفكرة بين قادة الرأي في البلاد العربية فقد تحققت نتيجة لا شك فيها ولا حاجة إلى نتيجة أكبر منها، وهي تصعيب كل حكم للعرب يخالف الدعوة وإحراج الدولة الحاكمة في بلادهم سواء عوَّلت في حكمها على التعاون معهم أو اعتمدت على السطوة وحدها لإخضاعهم وتطويعهم، وكلاهما مطلب عسير لا يطول عليه صبر الحاكم الأجنبي ولا تطول فيه المحكومين.

أكان الكواكبي يزهد في الثورة الدموية أو يحجم عنها خوفًا من أخطارها؟ كلا … فقد فكر طويلًا في هذه الثورة وبحث كثيرًا في أحوالها، كما يظهر من استقصائه لجميع هذه الأحوال في خاتمة كتاب طبائع الاستبداد، فوقر في خلده أن تدبير هذه الثورة قبل إعداد العدة لما بعدها خطلٌ في الرأي ومضيعة للجهود ومجازفة بالنتيجة المرجوة، ووقر في خلده — مع هذا — أن العامة لا يثورون في الأغلب الأعم إلا لأسباب محصورة قلما تجتمع في وقت واحد.

«فلا يثور غضبهم على المستبد إلا عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد على مظلوم يريد الانتقام لناموسه، أو عقب حرب يخرج منها المستبد مغلوبًا … أو عقب تظاهر المستبد بإهانة الدين … أو عقب تضييق شديد عام مقاضاة لمال كثير لا يتيسر إعطاؤه … أو في حالة مجاعة أو مصيبة عامة لا يرى فيها الناس مواساة ظاهرة من المستبد … أو عقب تعرض المستبد لناموس العِرض أو حرمة الجنائز أو تحقير الشرف الموروث … أو عقب تضييق يوجب تظاهر عدد كبير من النساء … أو عقب الظهور بموالاة شديدة لمن تعتبره الأمة عدوًّا لشرفها …»

والمستبد — كما قال — لا تخفى عليه هذه المزالق مهما كان غبيًّا لا يغفل عن إتقانها.

وقد كاد الكواكبي يستقصي كل سبب يثير العامة ويهيج سخطهم على الحاكم لساعتهم على غير هدى منهم لغايتهم أو لعمل ينفعهم، ويدل استقصاء الكواكبي لهذه الأسباب على طول تفكيره في تدبير الثورة العامة حيث ترجى الفائدة من نشوبها، وهي — في الواقع — لا ترجى لها فائدة قبل اتضاح الخطة التي تعقبها وتستقر عليها، وقبل تعميم الدعوة إلى تلك الخطة بين القادرين على تحقيقها؛ «فإن معرفة الغاية شرط طبيعي للإقدام على كل عمل، كما أن معرفة الغاية لا تفيد شيئًا إذا جهل الطريق الموصل إليها، والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقًا؛ بل لا بد من تعيين المطلب والخطة تعيينًا واضحًا موافقًا لرأي الكل أو لرأي الأكثرية …»

ولم يكن هذا الثائر المتمكن من قواعد الثورة ليجهل فعل القوة العسكرية في تبديل النظم وتقويض الحكومات، فقد كان يقول لصحبه ومن يخاطبهم بدعوته: «لو ملكت جيشًا لقلبت حكومة عبد الحميد في أربع وعشرين ساعة!» وكان قصاراه من البيان في هذا الصدد أن يفضي به إلى ثقاته حيث لا يتأتى إعلانه في الصحافة المنشورة ولا جدوى من إعلانه ونشره، وممن صرح لهم بهذا الرأي «إبراهيم سليم النجار» الذي قال عنه في مجلة الحديث إنه لو لم يكن شيخًا دينيًّا لكان قائد جيش فاتح …

نعم هكذا كان ينبغي أن يفكر في تدبير الوسيلة لقلب حكومة عبد الحميد في القسطنطينية؛ لأن دعوته إلى النهضة العربية لا تغني شيئًا في محاربته السلطان القائم بالأمر في العاصمة التركية ما لم تسعفه قوة السلاح، ولكنه في دعوته التي تجرَّد لها لا يلفي بين يديه وسيلة أنفع من وسيلته، ولا يصل إلى نتيجة مرموقة أفضل من النتيجة التي يصل إليها بالكلمة الحية والجماعة المنتظمة، وحسبه أن يبلغ بها حد الإقناع في قومه ليسقط كل حكومة تسوسهم في عقر دارهم على غير اعتقادهم واختيارهم، وإنما المسألة هنا مسألة وقت مقدور لا شك بعد انقضائه في الغاية التي يئول إليها.

•••

وأيًّا كان القول الفصل في كفاية الدعوة وحدها لاستقلال العرب بالحكم الذاتي أو بالانفصال من الدولة العثمانية، فالحقيقة التي لا خلاف عليها أن الدعوة ألزم وسيلة من وسائل العمل النافع حين يكون المقصود إقناع أصحاب الحق بحقهم وتعزيز الثقة بأنفسهم وبإمكان الظفر بأمنيتهم، قبل التغلب بوسيلة من الوسائل على غاصب الحق أو المعارض فيه، فإن زوال القوة الغاصبة قبل اتفاق أصحاب الحق عليه وعلى الغاية من إدراكه، قد يفتح أبواب الفتنة على مصاريعها ويمهد الطريق لغاصب طارئ بعد غاصب معزول.

ويقل الخلاف في مسألة الخلافة وكفاية الدعوة لإقامتها على الصورة التي تداولتها آراء الكواكبي بألسنة المتكلمين في أم القرى، وبخاصة حين يكون الخليفة إمامًا روحيًّا محدود السلطان في شئون الدولة، فليس للسلطان العثماني في هذه الحالة وجه من الوجوه لإبطال بيعة الخلافة بالقوة العسكرية لو استطاعها مع جميع الأمم الإسلامية، المستقلة وغير المستقلة، وهو لا يستطيعها ولو تهيأت له الذريعة الشرعية لاستخدام قوته العسكرية.

على أن الراجح في تقديرنا أن الكواكبي إنما أراد شيوع الفكرة بين المسلمين ببطلان دعوى الخلافة العثمانية؛ لأن بقاء هذه الفكرة على شيوعها في العالم يومئذ قد يشل حركته ويضعف حجته، ويمثله للناس كأنه محارب للخلافة الإسلامية مؤيد للغارة عليها من جانب الدول الاستعمارية، فإذا ارتفعت هذه الشبهة فهو قمين أن يكسب الرأي العام إلى صفِّه، وأن يتقي دسائس الدول التي لا يعييها أن تبثها بين الأمم التابعة لها إحباطًا لمسعاه؛ بل لعل هذه الدول ترحب بالخلافة المنعزلة عن الدولة وتفضلها على الخلافة التي تعترضها في ميادين السياسة الدولية.

•••

ويحق لمن يترجم الكواكبي أن يتنبه إلى رأيه عن الدعوة في مقام حرج من مقامات الترجمة له وتقديره على حسب أعماله ومساعيه.

ونقول إنه مقام حرج؛ لأنه مقام النظر في النيَّات الخفية التي يتوقف عليها الشيء الكثير في موازين التقدير والحكم على الأعمال والأخلاق، وهي على لزومها لاستيفاء بحث المترجم وتصحيح نقده عرضة للمنازعة والمغالطة خفية المسلك على من يحسن النية وعلى من يسيئها في تقدير العظيم.

لم أكن قد لقيت الكواكبي ولا رأيته في زيارة من زياراته للقاهرة؛ لأن زيارتي الأولى كانت بعد وفاته بشهور، ولكنني لقيت من عرفوه وصاحبوه في بعض مجالس العالِم الإسلامي «محمود سالم بك» فيما أذكر، وهو ممن أقاموا زمنًا في باريس لنشر الدعوة الإسلامية والرد على أقوال الصحف والساسة في المسألة الشرقية، ومن هؤلاء الذين لقوه — حيث سكنتُ زمنًا بحي العباسية — شيخ متوقد الفطنة متتبع لأحوال الزعماء الدينيين خاصة فيما يدور حول العلاقة بين القاهرة والقسطنطينية، وبين المهاجرين من بلاد الدولة العثمانية، وبين حملة الأقلام وأقطاب الدين من المصريين. وكان حي العباسية وما جاوره في ذلك العصر ملتقى الكثيرين من زوار قصر الدمرداش وقصور الرؤساء المعتزلين وأصحاب الوظائف الكبرى في القصور الخديوية، ومنها قصر القبة مسكن الخديوي «عباس الثاني» يومذاك، وقلما يقيم في سواه.

قال لي ذلك الشيخ الفطن: إن أناسًا من أصحاب الكواكبي كانوا إذا سمعوا عنه أنه يعمل لحساب الخديوي ويهيئ الجو في بلاد العرب لمبايعته بالخلافة تبسموا وقالوا: والله ما يعمل الرجل إلا لحساب نفسه، ألا ترونه حريصًا على الخلافة العربية القرشية حريصًا على النسبة إلى قريش في بيت من بيوت الإمارة؟

ولم أعرف يومئذ موقع الصواب في هذه المظنة، ولكنني قرأت كتب الكواكبي بعد ذلك عن الدعوة فرأيت أن الرجل يدعو إلى غاية طويلة الأمد يعلم أنها لا تتم في حياة فرد واحد، ويوطِّن العزائم على ذلك بين قرائه وصحبه، وهو أحرى أن يطمعهم في سرعة الإنجاز وسرعة الجزاء، لو كان له مأرب يتعلق به ويعلق به آمال العاملين معه غير مضطر إلى التصريح بمراده.

وكل ما يُفهم من حرص الكواكبي على الخلافة العربية القرشية أنه لم يكن يعمل لمبايعة الخديوي عباس الثاني بالخلافة الإسلامية، وأنه ربما استعان به لإضعاف خلافة عبد الحميد والانتفاع بنفوذه في البلاد المصرية، ولكنه لا يستطيع أن يوفق بين خلافة عباس الثاني ودعوته إلى الخلافة العربية القرشية «الروحية» … ولا يرى من إشاراته إلى اختلال الأمن حول الأماكن المقدسة أنه كان يرشح أحدًا من بيت معلوم؛ بل ليس بين الإمارات العريقة في أواسط القرن التاسع عشر من تنفعه دعوة الكواكبي بشروطها المقررة في «أم القرى» سواء كانت دعوة إلى الخلافة أو إلى الدولة، ولكن دعوته — تلك — بشروطها من ناحية الدين وناحية السياسية تنتهي إلى غايتها إذا تفاهم الناس على شروطها وانخلعت بيعة العثمانيين في بلاد العرب، ثم قامت الجامعة الإسلامية بعد ذلك على أساس غير أساسها المرسوم في خطط عبد الحميد.

يكفي أن يقال إن الأمة العربية تبحث عن إمام عربي تبايعه بالخلافة الروحية ليبلغ الكتاب أجله، وتصبح المسألة بعد ذلك مسألة أسماء وأيام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠