الفصل الرابع

الحرارة

(١) الأفاعي الجرسيَّة المَيِّتة

تُمثل الأفاعي الجرسية خطرًا على الإنسان بسبب سُمِّيَّتها العالية. عادة ما تُقتَلُ هذه الأفاعي عندما يُكتَشَفُ وجودها في المناطق السكنية، إلَّا أن موت إحدى هذه الأفاعي لا يُقلِّل من خطرها على الفور. في الواقع، لقد ارتكب العديد من الناس خطأ الاقتراب من أفعى مَيِّتة للإمساك بها وإزاحتها بعيدًا. فعلى الرغم من أنه قد يكون مرَّ على موتها ثلاثين دقيقة، إلا أنها لا تزال بإمكانها مُهاجمة الشخص وغرس أنيابها في يدِه الممدودة وإفراغ سُمِّها فيها. كيف يمكن لأفعى جرسية مَيِّتة أن تُهاجم أيَّ يدٍ تقترِب منها؟

الجواب: تعمل التجاويف الموجودة بين عينَي الأفعى وأنفها كأجهزة استشعارٍ ترصد الإشعاع الحراري. على سبيل المثال، عندما يقترِب فأر بالقُرب من رأس الأفعى الجرسية، يستثير الإشعاع الحراري المُنبعث من الفأر أجهزة استشعارها، وهو ما يتسبَّب بدَوره في أن تقوم الأفعى بردِّ فعلٍ مُنعكس تُهاجم فيه الفأر بأنيابها وتبثُّ سُمَّها فيه. ومِن ثَمَّ، يمكن للأفعى الجرسية أن ترصد الفأر وتقتُله حتى في الليالي غير المُقمِرة؛ لأنَّ هذه العملية لا تتطلَّب وجود ضوءٍ مرئي.

يمكن أن تتسبَّب اليد البشرية الممدودة نحوَ الأفعى في نفس الفعل المنعكس، حتى لو كانت الأفعى قد ماتت بالفعل منذ فترة، إذ يُواصِل جهازها العصبي العمل لفترة. ينصح أحد خبراء التعامُل مع الثعابين بأنه إذا كان عليك إزالة أفعى جرسية قُتِلَت مُؤخرًا، فعليك استخدام عصا طويلة بدلًا من استخدام يدَيك.

fig105
شكل ٤-١: بند ٤-١.

(٢) الخنافس كاشفة الحرائق

تُعرَف خنافس «ميلانوفيلا» صغيرة الحجم بسلوكٍ غريب، إذ تطير نحوَ حرائق الغابات وتتزاوَج بالقُرب منها، ثم تطير الإناث لتضع بيوضها تحت لحاء الأشجار المُحترقة. تُعدُّ هذه هي البيئة المثالية بالنسبة ليَرقات الخنافس التي تفقس من البيض، إذ إنَّ الشجرة لم يَعُد بإمكانها حماية نفسها من اليَرَقات من خلال الطرق الكيميائية أو مادة الراتينج الصنوبري. إذا كانت الخنفساء مُتواجِدة في مُحيط الحريق، فسيُصبح استشعاره سهلًا بكلِّ تأكيد. ومع ذلك، يمكن لهذه الخنافس استشعار حريقٍ كبير على بُعْد ١٢ كيلومترًا، فكيف تفعل الخنافس ذلك؟ الأمر الأكيد هو أنَّ الخنافس لا ترى ولا تَشُمُّ الحريق على مسافةٍ كهذه.

الجواب: تمتلك الخنفساء عضوَين كاشفَين للأشعة تحت الحمراء بطول جانبَي جسمها، ويحتوي كلُّ عضو على حوالي سبعين جهاز استشعارٍ صغيرًا يُشبِه كلٌّ منها النتوء. يَتمدَّد جسم كروي داخل جهاز الاستشعار بمقدارٍ ضئيل للغاية وهو يمتصُّ ضوء الأشعة تحت الحمراء الصادرة من الحريق، ويضغط هذا التمدُّد إلى أسفل على أحد الخلايا الحسِّية. تعمل هذه الآلية حينئذٍ كآليةٍ لتحويل الطاقة من الأشعة تحت الحمراء إلى طاقة جهاز ميكانيكي. يمكن للخنفساء تحديد موقع الحريق عن طريق توجيه جسمها بطريقةٍ تجعل أعضاءها الأربعة المسئولة عن كشف الأشعة تحت الحمراء تتأثَّر بالأشعة الصادرة من الحريق، ثم تطير باتجاه الحريق بحيث تزداد استجابة هذه الأعضاء.

(٣) كيف يقتُل النحل دبورًا عملاقًا؟

يتغذَّى الدبُّور الآسيوي العملاق على النحل الياباني، لكن إذا حاول أحد هذه الدبابير اقتحام خلية من خلايا النحل، تُشَكِّلُ عدة مئات من النحل كُرةً محكمةً حول الدبور بسرعة لتُوقِفه (يُقال إنها تُكَوِّرُ الدبور). يموت الدبور في غضون عشرين دقيقة تقريبًا، على الرغم من أنَّ النحل لا يلدغه أو يعضه أو يسحقه أو يخنقه، فلماذا إذن يموت الدبور؟

الجواب: بعد أن يُشكِّل المئات من النحل الياباني كُرةً مُحكمة حول الدبور الضخم الذي يحاول غزو خليته، يرفع النحل درجة حرارة جسمه بسرعة من درجة الحرارة الطبيعية البالِغة ٣٥ درجة مئوية إلى ٤٧ أو ٤٨ درجة مئوية. إذا لم يفعل ذلك سوى عددٍ قليل من النحل، فلن تكون الطاقة التي ستنتقل إلى الدبور ذات أهمية، وذلك لأن معظم الطاقة الحرارية المُتزايدة للنحل سوف تتشتَّت بعيدًا. ولكن حين يكون الدبور مُحاصرًا داخل كُرة مُحكمة مُكوَّنة من مئات النحل، تزيد هذه الكرة نفسها من درجة الحرارة وتنتقل طاقة حرارية كبيرة إلى الدبور المُحاصَر. تكون درجة الحرارة المُرتفعة قاتلة بالنسبة له، ولكنها لا تكون كذلك بالنسبة إلى النحل.

(٤) لماذا تتكدَّس الحيوانات معًا؟

لماذا تتكدَّس حيوانات الأرماديلو (ربما العشرات منها) معًا ليلًا؟ ولماذا تتكدَّس البطاريق الإمبراطورية (ربما الآلاف منها) خلال فصل الشتاء في القارة القطبية الجنوبية؟

الجواب: الأرماديلو والبطاريق الإمبراطورية والعديد من الحيوانات الأخرى ذات الدم الحار تتكدَّس معًا خلال الطقس البارد حتى تبقى دافئة. على سبيل المثال، إذا ظلَّ أحد البطاريق الإمبراطورية وحده يمكن أن يفقد قدرًا كبيرًا من الطاقة الحرارية عن طريق عملية التوصيل الحراري (منه إلى الأرض)، والحمل الحراري (إلى الهواء، خاصة إذا كان الهواء يتحرَّك)، والإشعاع الحراري (إلى البيئة الباردة، بما في ذلك السماء). يمكن أن تهلَك طيور البطريق الوحيدة نتيجة لفقدان الطاقة في البيئة القاسية للقُطب الجنوبي التي يُمكن أن تصل درجات الحرارة فيها إلى ٤٠ درجة مئوية تحت الصفر وسرعة الرياح إلى ٣٠٠ كيلومترٍ في الساعة. يُصبح التكدُّس أكثر أهمية عند تكاثر طيور البطريق خلال فصل الشتاء، إذ يحتضِن الأب البيضة وحدَه حصريًّا تقريبًا، ويُحافظ عليها من التجمُّد عن طريق الإبقاء عليها مُتوازنة فوق قدَمَيه لعدة أشهر. لذا لا بدَّ أن يصوم الأب أثناء فترة الحضانة، إذ إنَّ طعامه يكون موجودًا في الماء؛ ومِن ثَمَّ، مع عدم وجود أي مصدر للطاقة من الطعام، لا بُدَّ أن يبقى الأب ضمن مجموعة مُتكدِّسة من البطاريق وإلَّا سيدفعه فقدان الطاقة إلى التخلِّي عن البيضة ليذهب بحثًا عن الطعام.

عن طريق التكدُّس، تُقلِّل طيور البطريق (التي يصِل عددُها إلى عشرة طيور بطريق لكلِّ متر مربع) بدرجةٍ كبيرة من متوسط فقدان الطاقة الحرارية الذي ينجم عن الحمل الحراري والإشعاع، إلا أن البطاريق التي تقف على الحدود الخارجية من الحشد لا تزال تُعاني من فقدانٍ كبير للطاقة، ولكنها تظلُّ تستفيد من وجود الطيور المجاورة بالقُرب منها. إليكم طريقة أخرى لشرح هذا الأمر: إذا وضعتَ العديد من «الأسطوانات الدافئة المُفرَدة» في بيئةٍ باردة، فيمكن أن يكون إجمالي فقدان الطاقة الحرارية هائلًا، وذلك لأنَّ مساحة السطح الكلية التي تُفقَدْ فيها الطاقة كبيرة. ومع ذلك، إذا جَمَّعتَ هذه الأسطوانات معًا لتُكوِّن أسطوانة واحدة كبيرة، ستكون مساحة السطح الكليَّة أقل؛ ومِن ثمَّ ستكون الطاقة المفقودة من خلال السطح أقل.

(٥) السير في الفضاء دون ارتداء بدلة فضائية

يفترِض بعض الباحثين أنه يمكن للإنسان أن يسير في الفضاء لفترةٍ وجيزة دون ارتداء بدلة الفضاء (كما فعل رائد الفضاء في فيلم «٢٠٠١: أ سبيس أوديسي»)، دون أن يموت. إذا كان رائد الفضاء يسير بعيدًا عن الشمس، فهل سيشعُر بالبرد؟ هل يُوجَد ما يُمثِّل خطرًا على حياة رائد الفضاء أكثر من مجرَّد نقص الأكسجين؟

الجواب: أحد الأسباب التي تجعل درجة حرارة الغرفة مُريحة هي أن الأشعَّة تحت الحمراء التي ترسلها إليك الجُدران والأشعة تحت الحمراء التي ترسلها أنت إليها بدَورك تكونان مُتساويتَين تقريبًا؛ ومِن ثمَّ، تحصل على الطاقة بنفس المعدَّل الذي تفقدها به تقريبًا. إذا انخفض الإشعاع الحراري الذي يصل إليك بصورةٍ ملحوظة، فستشعر بالبرودة. وبالمثل، إذا حدَث أن سِرتَ في الفضاء السحيق بعيدًا عن المركبة الفضائية؛ حيث لا تُوجَد جدران تُحيط بك، فستشعر بالبرد الشديد بسرعة. سيبلغ معدَّل فقدانك للطاقة الحرارية حوالي ٨٠٠ واط، ومع ذلك، سيكون نقص الأكسجين مصدر قلقٍ أكبرَ بكثير.

وأيضًا سيُشكِّل تعرُّضك للفراغ مصدرَ قلق. عندما يكون الماء مكشوفًا في الفراغ، يتعرَّض للغليان أولًا (ويتبخَّر بعضه)، ثم يتجمَّد بعد ذلك. وبما أن جسدك يحتوي على الكثير من الماء و… حسنًا، ربما يكون من الأفضل أن نفكِّر في شيءٍ أقلَّ رعبًا.

(٦) سقوط بعض قطرات الماء على مِقلاة ساخنة ولمْس الرصاص المصهور

إذا سُخِّنَت مقلاة إلى درجة حرارة أعلى من درجة غليان الماء ثم رُشَّت بعض قطرات الماء عليها، فستنتشِر القطرات وتظلُّ موجودة لمدة ثوانٍ فقط قبل أن تتبخَّر. ومن المُدهش أنه إذا كُرِّرَت هذه التجربة مرة أخرى على مقلاةٍ أكثر سخونةً (بدرجة حرارة أعلى من ٢٠٠ درجة مئوية) فستتجمَّع قطرات الماء على شكل خرزات وقد تدوم على حالها كما هي لعدَّة دقائق، فكيف يكون ذلك مُمكنًا والمقلاة أشدُّ سخونةً بكثير؟ يعرف هذا التأثير باسم تأثير «ليدنفروست»، نسبةً إلى يوهان جوتليب ليدنفروست الذي درس هذه الظاهرة في عام ١٧٥٦ (لم يكن عمل هيرمان بورهافا السابق في هذا المجال معروفًا بنفس القدر).

فأثناء تراقُص قطرات الماء الخرزية الشكل على سطح المقلاة الساخن، قد ترى القطرات الأصغر حجمًا تهتزُّ مكوِّنة أشكالًا شِبه هندسية، ستُظهر أي صورة ضوئية هذه الأشكال بكل سهولة. إذا كانت الاهتزازات ثابتة بما يكفي، يمكنك أن «تُجمِّدها» في مكانها عن طريق تعريضها لوامضٍ ضوئي باستمرار، أما القطرات الأكبر، فتتحرَّك مثل الأميبا البطيئة. وفي بعض الأحيان، سيُصدِر كِلا النوعَين من القطرات صوت طشطشةٍ عاليًا ونفخةً من بخار الماء، فما الذي يتسبَّب في هذه السلوكيات؟

هل لتأثير ليدنفروست علاقة بالعادة القديمة التي كان يقوم فيها الناس باختبار درجة سخونة المكواة عن طريق بلِّ أصابعهم باللعاب ثم لمسِها؟ لماذا لا يحترق الإصبع عندما يُلامس المعدن الساخن لفترةٍ وجيزة؟

اعتدتُ منذ عام ١٩٧٤ أن أُسلِّي طلَّابي بخدعة؛ إذ كنتُ أدسُّ أصابعي لفترةٍ وجيزة في الماء أولًا، ثم أدسُّها في رصاصٍ منصهر تبلغ درجة حرارته حوالي ٤٠٠ درجة مئوية. فكيف يُحافظ الماء على أصابعي؟ (لحماقتي، أهملتُ استخدام الماء في مرة من المرَّات، ولكنني أدركتُ الخطأ على الفور عندما لمستُ المعدن السائل المنصهر، فقد كان الألم شديدًا.)

قبل أن أكمل، لا بُدَّ أن أُحذِّر من أنَّ هذه التجربة في غاية الخطورة. كما هو واضح، يمكن أن تحترق إصبعي إذا لمست الرصاص المنصهر، وإذا كان الوعاء مائلًا فيمكن أن ينسكب عليَّ الرصاص المنصهر ويحرق جسدي بأكمله. ومع ذلك فهناك خطران آخران أقلُّ وضوحًا. إذا كان الرصاص قريبًا من نقطة الانصهار، فمن المُمكن أن يؤدِّي الوجود المُفاجئ لماء أبردَ بكثيرٍ وإصبع إلى أن يتصلَّب الرصاص الذي ستكون درجة حرارته ٣٢٨ درجة مئوية حول إصبعي، التي ستُصبح درجة حرارتها بالمثل بعد ثوانٍ قليلة. أما الخطر الثاني فهو أنه إذا كان الماء كثيرًا على الإصبع، فسيتبخَّر بعضٌ منه بقوةٍ شديدة بحيث يؤدِّي تمدُّده إلى تناثُر الرصاص المنصهر على وجهي. وقد عانَيتُ بالفعل من حروقٍ شديدة على وجهي وذراعيَّ جرَّاء هذه الانفجارات.

يظهر مثالٌ مُشابه لتأثير ليدنفروست في رواية روبرت روارك الأكثر مبيعًا «سَمثينج أوف فاليو»، إذ أجبرَتْ إحدى القبائل رجُلَين على لَعْق سكينٍ ساخنٍ للغاية لتكشف أي منهم يقول الحقيقة. كانت الفكرة وراء هذا الأمر هي أن الرجل الكاذِب سيكون لسانه جافًّا من الخوف؛ لذا سيحترِق لسانه، أما الصادق فسيكون لسانه رطبًا؛ ومِن ثمَّ لن يُصيبه أيُّ ضرَر. لم تكن تعلم القبيلة عن تأثير ليدنفروست بالاسم، ولكنها أدركَتْ مبادئ عمله.

إذا صُبَّ النيتروجين السائل على سطحٍ مستوٍ، فستتراقَص قطراتُه على السطح مثل تراقُص قطرات الماء على سطح المقلاة الساخن، وذلك على الرغم من أنَّ درجة حرارة النيتروجين تكون سالب ٢٠٠ درجة مئوية ويفترض أن يتبخَّر على الفور، إلا أنه يبقى كما هو. كيف يسمح تأثير ليدنفروست للنيتروجين بألا يتبخَّر؟

ولعلَّك شاهدتَ النيتروجين السائل مُستخدَمًا في تجربة علمية شهيرة؛ حيث تُغمَر فيه زهرة. وبعد أن تصِل الزهرة إلى درجة حرارة السائل، تُسحَب ثم تُصدَم بسطح الطاولة. تكون الزهرة المُجمَّدة هشَّةً جدًّا لدرجة أنها تتكسَّر إثر الاصطدام وتتناثَر على هيئة أجزاءٍ صغيرة في أنحاء الطاولة.

لسنوات اعتدتُ تقديم تجربة الزَّهرة في صفِّ الفيزياء ثم بأداءٍ مسرحي إلى حدٍّ ما، كنت أضع وعاء النيتروجين السائل على شفتي وأصبُّ كميةً كبيرة من السائل في فمي مع الحِرص على عدَم ابتلاعه. وبعد ذلك كنتُ أزفر من فوق السائل، فتخرُج سحابة دخانية كبيرة تُشبِه التِّنين منه. تكوَّنت السحابة الدُّخانية عندما مرَّ الهواء المُشبَّع بالرطوبة من رئتي فوق النيتروجين السائل وتكثَّفت بعض الرطوبة في الوسط البارد للنيتروجين مُكَوِّنَةً قطرات ماء جعلت السحابة الدخانية تظهر بوضوح، ولكن لماذا لم يتشقَّق لساني مثلما يحدُث للزهرة؟

مرة أخرى، ينطوي هذا الأمر على العديد من المخاطر، فقد كان من المُمكن أن تتجمَّد شفتاي، إذ أحيانًا ما تتجمَّد الشفتان عندما تلامِسان الوعاء المعدني، وتلتصقان بحافة الوعاء، وكنتُ سأعاني لاحقًا من تقرُّحاتٍ في هذه الأماكن التي تعرَّضت للتجمُّد. أما الأمر الأكثر خطورة فيتمثَّل في الميل الطبيعي للبلْع عند وجود شيءٍ داخل الفم. إذا ابتلعتُ النيتروجين السائل، كان حلقي ومعدتي سيتضرَّران بشدَّة جرَّاء تعرضهما للسائل البارد لفتراتٍ طويلة أولًا، ثم إلى غاز النيتروجين البارد الذي يتبخَّر من السائل ثانيًا.

فُوجِئتُ بخطرٍ آخَر في آخِر أداءٍ لي لهذه التجربة، إذ تسبَّبت برودة السائل أو الغاز على ما يبدو في انكماش سِنَّتَينِ من أسناني بما فيه الكفاية حتى تشقَّقت مينا السِّنَّتَين. لم ألاحظ شيئًا في ذلك الوقت، ولكن خلال جلسة فحص الأسنان التالية، أخبرَني طبيب الأسنان أنه بعد الفحص الدقيق صارت هاتَين السِّنَّتَين تُشبهان خرائط الطُّرق وأقنعَني بأن أتخلَّى عن أداء هذه التجربة.

الجواب: عندما تقترِب قطرة ماء من سطحٍ معدني ساخن، ولكن درجة حرارته أقل من ٢٠٠ درجة مئوية، تنتشر القطرة على سطح المعدن ولكنها تتبخَّر سريعًا. أما عندما تكون درجة حرارة السطح المعدني أعلى من ٢٠٠ درجة مئوية، فلا تنتشر قطرة الماء على السطح. فبينما تقترِب القطرة من السطح المعدني، يتبخَّر جزء من الماء الموجود على السطح السُّفلي ويُحدِثُ وسادةً ضيقةً من بخار الماء تستقرُّ عليها باقي القطرة. تتجدَّد هذه الوسادة باستمرارٍ كلَّما تبخَّر المزيد من السائل الموجود في قاع القطرة. ومِن ثَمَّ، بما أنَّ القطرة لا تلامِس السطح المعدني، فلا تسخن بسرعة نتيجة للحمل الحراري عن طريق البخار والإشعاع الحراري الصادر من المعدن، على العكس مما يحدُث عندما تلامِس السطح مباشرة فتسخُن بسرعة. وهكذا يمكن لقطرة الماء العائمة هذه أن تظلَّ موجودة لفترة أطول.

عندما أدسُّ أصابعي الرطبة في الرصاص المنصهر، يتبخَّر بعضُ أو كل الماء الذي يُغطيه، ومِن ثَمَّ تصير أصابعي مَحميَّةً مؤقتًا بقفازٍ من البخار؛ إذ إنَّ البخار يُبطِّئ من انتقال الحرارة. إذا لامس الرصاص المنصهر بشرتي، فسيكون انتقال الحرارة سريعًا للغاية بحيث قد تؤدِّي لمسة وجيزة إلى الإصابة بالحروق. لو أنني لمستُ بأصبعٍ مُبتلَّة قطعةً صلبة من المعدن شديدة السخونة، فستكون مُلامستي لها بلا احتكاك نظرًا لطبقة البخار التي تتشكل حينئذٍ. أخبرَني أحد الحدَّادين أن انعدام الاحتكاك هو ما يدفعه إلى إلقاء قطعة معدنية بالِغة السخونة من يدِه حينما يلتقطها دون قصدٍ بيده المُبلَّلة بالعرَق؛ إذ إنه إذا انتظر حتى يشعُر بالألم كي يترُكها، فستأتيه إشارة الشعور بالألم بعد فوَات الأوان واحتراق يدِه بشدَّة.

عندما يُسكَبُ النيتروجين السائل على أحد الأسطح، كما هو الحال في فمي، يتبخر جزء من السائل بطول الجانب السُّفلي ويدعم السائل المُتبقي، وهو عادة ما يمنع أي اتصال مباشر مع السطح. بعدئذٍ، تُستنزَف الطاقة الحرارية ببطءٍ من السطح إلى السائل عن طريق الحمل الحراري والإشعاع، لكن ليس بنفس سرعة التوصيل الحراري الذي يحدُث عند الاتصال المباشر.

يحدث تأثير «معاكس لتأثير ليدنفروست» عندما تسقط قطعة معدنية بالغة السخونة في الماء، إذ إنَّ الماء الذي يُلامِس القطعة الساخنة أولًا يتبخَّر، ثم يُغطِّي المعدن ويؤخِّر عملية تبريده. عندما تنخفض درجة حرارة سطح المعدن إلى ما دون ٢٠٠ درجة مئوية، يبدأ الماء في ملامسة السطح ويغلي حتى يتبخَّر.

قصة قصيرة

(٧) تجربة ابتلاع مُروِّعة

في عام ١٧٥٥، هزَّت عاصفة صَيفية فنار إيديستون بالقُرب من مدينة بليموث الإنجليزية. كان هنري هول هو الحارس الليلي المُكلَّف بمُراقبة شموع الفانوس التي تُضيء المياه من حولها. عندما صعد الدَّرَج الضيق في تمام الثانية صباحًا ليفحص الشموع، اكتشف أن جمرةً شاردة قد أضرمت النار في السخام والشحم، الذي تجمَّع على سطح الفانوس الذي كان مصنوعًا من رقائق الرصاص التي تدعمها عوارض خشبية.

على الرغم من أنَّ هول حاول بكلِّ ما أوتي من قوة أن يُخمد النيران بالماء، إلا أن النيران سرعان ما اشتدَّت حتى صار وكأنه في قلب الجحيم، إذ ابتلعَتْ ألسنة النار العوارض الخشبية وأذابت الرصاص. بعدئذٍ، وبينما كان هول يُلقي بالمزيد من الماء ليُخمد الحريق، انهارت داعمات السقْف وسُكِبَ الرصاص المصهور عليه، فاحترق وجهه وذراعاه، كما أنه شعر أيضًا بألمٍ مُبرِّح في حنجرته وبطنه. كان فمُه مفتوحًا على ما يبدو بينما كان يُلقي الماء على النار آخر مرة.

انتشر الحريق إلى باقي الفنار، وهو ما دفع هول وعاملَينِ آخرَين إلى الخروج إلى العاصفة هربًا. عندما أُنقِذوا أخيرًا وأُعيدوا إلى الشاطئ، تمكَّن هول من إخبارهم بأنه قد ابتلع جزءًا من الرصاص المُنصهر، ولكنهم اعتقدوا أنه قد كان في حالة صدمة من المصيبة التي ألمَّت به فحسْب، إذ كان في الرابعة والتِّسعين من عمره. طمأن الطبيب المحلي هول، ولكنه ظلَّ مُتشككًا في روايته، فكيف يمكن لأيِّ شخصٍ أن يبتلِعَ الرصاص المُنصهر ويبقى على قيد الحياة؟

ولكن في الواقع، لم يبقَ هول على قيد الحياة لفترةٍ طويلة، فبعد اثني عشر يومًا بدأ يُعاني من التشنُّجات ومات بعد ساعاتٍ قليلة. حينما أجرى الطبيب تشريحًا لجثمانه، وجدَ قطعة بيضاوية من الرصاص تَزِن حوالي سبع أوقيات داخل معدته.

(٨) السير على الجمر المُشتعِل

قمتُ بالسير على الجمر المُشتعل كجزءٍ من محاضراتي في الفيزياء قبل أن يُصبح الأمر موضة رائجة في الولايات المتحدة بفترةٍ طويلة. كنت أعدُّ موقدًا من قطع الأخشاب العادية التي تُستخدَم في المدافئ، وأسمح للطلَّاب بحرْق الأخشاب حتى تُصبح جمرًا مُشتعلًا ذا لونٍ أحمر زاهٍ، ثم أجرف الجمر داخل حوض خشبي مُبطَّن بالصفائح المعدنية ومُغطًّى بالرمل. وبعد ذلك، كنت أحمل الحوض (أنا وأحد المساعدين) بفخرٍ إلى صفِّي. كنت أحاضر عن تأثير ليدنفروست (انظر بند ٤-٦)، وأثناء خلعي لجواربي وحذائي، كنتُ أشرح للطلاب بإيجازٍ كيف أن تأثير ليدنفروست قد يُساعد على حماية قدمَيَّ من الاحتراق أثناء سيري على الجمر. سرتُ على الجمر ثلاث خطوات، وعلى الرغم من أنَّني شعرتُ ببعض الحرارة وبأن قدَماي اتسَّختا بالرماد، إلا أنني لم أُصَب بالأذى.

كرَّرتُ هذه الحركة الخطِرة لمدة عامَين وكنت أزداد ثقةً في كل مرة. كانت ثقةً غير مُبررة، لأنني عندما سرتُ على الجمر في المرة التالية عانيتُ من حروقٍ شديدة، وكان الألم شديدًا لدرجة أنَّ دماغي أوقَفَ هذه المعلومة من الوصول إلى وعيي حتى أتمكَّن من إكمال مُحاضرتي التي تستغرق ٥٠ دقيقة، ولكنني حينما ذهبت إلى المشفى، عاد الألم وأغرقَني كالطوفان.

في بعض «ورش العمل» التي تحظى بالشعبية؛ حيث يُمكن للناس أن يتعلَّموا كيفية السير على الجمر المُشتعِل (غالبًا بعد دفع مبلغٍ كبيرٍ من المال)، يكون التركيز الأساسي على التفكير في «الأفكار الملائمة». هل يمكن أن تُقلِّل أي فكرة من انتقال الطاقة الحرارية إلى القدَمين؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الذي يسمح بالسير الآمِن على الجمر؟ ولماذا تفشل هذه الخاصية أحيانًا، وهو ما يُجبِر الضحية على ألا يُعاني فقط من حروق شديدة، ولكن من احتمالية الإصابة بالالتهاب أيضًا؟

الجواب: على الرغم من أنَّني قلتُ في إحدى المرات إن تأثير ليدنفروست هو السبب الرئيسي للسلامة أثناء السير على الجمر، إلا أنَّ عالِم الفيزياء بيرني ليكيند أقنعَني في النهاية بأنَّ هناك شيئًا آخر أكثر أهمية من ذلك. حينما أضع إحدى قدميَّ على الجمر، تكون درجة حرارة سطحه مُرتفعة، ولكن لا تكون طاقتُه الحرارية كذلك. إذا كانت خطوتي قصيرة، فسيصل قدْرٌ قليل من الطاقة الحرارية إلى جلدي، ولذا قد لا تحترِق قدماي. ولكنني إذا أطلتُ الوقوف فستنتقل الطاقة الحرارية من داخل الجمر بكلِّ تأكيد إلى جلدي، ويُمكن أن تُصيبني حروق شديدة.

أما الجري فيُعتبَر تصرُّفًا أحمق لسببٍ عملي، وهو أنَّني قد أركل الجمر بحيث يسقط على مُقدِّمة قدمي ويظلُّ ملامسًا لجلدي لفترةٍ كافية تتسبَّب في احتراقه؛ لذا أكون حريصًا على السير بحرصٍ وبسرعة مُعتدِلة.

ولكن بالنسبة لتأثير ليدنفروست فهو خاصية أمان ثانوية. عندما مشيتُ فوق الجمر الساخن حرصت على أن تكون قدماي مُتعرِّقتَين، وقد ساعدني العرَق بثلاثِ طُرق. الأولى أنه أخمد سطح الجمرات الساخنة إلى حدٍّ ما، والثانية بأنه عمل على امتصاص بعض الطاقة الحرارية التي كانت في طريقي؛ والثالثة، أنه كان يتبخَّر في بعض المواضع ويوفر لي طبقة ليدنفروست تحميني لفترة وجيزة. قد تساعد أيٌّ من هذه العوامل إذا كانت خطوتي طويلة إلى حدٍّ ما، أو إذا كان الجمر شديد الحرارة. غالبًا ما أكون مُتوترًا للغاية؛ ومِن ثمَّ تكون قدماي مُتعرِّقَتَين بالفعل … فيما عدا اليوم الذي كنتُ أشعر فيه بالثقة التامَّة وبأن نجاح التجربة أمر مُسلَّم به، وكان من الواضح أنَّني كنتُ بحاجة إلى الحماية الإضافية التي لا يمكن لقدَمي الجافة أن توفرها لي. في بعض ورش العمل المخصَّصة لتعليم السير على النار، يتم تحفيز المشاركين انفعاليًّا، وهو ما قد يجعل أقدامهم تتعرَّق، وغالبًا ما يُقادون للسير على عُشبٍ رطب نتيجة رشِّه بخرطوم الحديقة أو بفعل الندى قبل أن يسيروا على الجمر.

(اقترحتُ منذ فترة طويلة أنه حتى يحصل الطلاب على درجة الفيزياء، ينبغي ألا يكون الامتحان النهائي امتحانًا تحريريًّا، بل يصير إلزاميًّا أن يسير المُمتحِنون على الجمر الأحمر الساخن. فإذا فكَّر دارسو الفيزياء في «الأفكار الصحيحة»؛ أي إذا كانوا يؤمنون حقًّا بالفيزياء، فلن يُصيبهم أيُّ مكروهٍ ويمكنهم عندئذٍ الحصول على درجتهم الجامعية. لجعل الأمر أكثر سهولة، يُمكن أن يُسمَح في الامتحان بمُطالَعة أحد الكُتب أو الملاحظات، على سبيل المثال، يمكن أن يُسمَح للطلاب بأن يحملوا كتاب فيزياء عاديًّا ليساعدهم. كنت دائمًا أحمل معي كتاب «الفيزياء» الأصلي لديفيد هاليداي وروبرت ريسنيك، باستثناء في ذلك اليوم المروع الذي كنتُ فيه على عجلةٍ من أمري ونسيتُ إحضار الكتاب معي؛ ومِن ثمَّ اضطررتُ لتعلُّم كيفية السير على جانب قدَمي لمدة أسبوعين خوفًا من أن تُصاب الأجزاء المُحترقة من قدمي بالالتهاب.)

قصة قصيرة

(٩) روايات السير على النار

في عام ١٩٨٤، حضرت مُراسِلة لإحدى محطَّات سان فرانسيسكو التليفزيونية ورشة عمل تُقام في نهاية الأسبوع لتعليم السَّير على النار بدعوة من أحد «الوسطاء الرُّوحيِّين». ادَّعى الوسيط الرُّوحي أنه لم يُصَب أي شخص بأذًى أثناء ورش العمل، إلَّا أن المُراسِلة عانت من حروقٍ من الدرجة الثانية عندما سارت على حوض من الجمر المُشتعِل طوله ثلاثة أمتار. أذيع الشريط الذي سجَّلتْه لما دار أثناء الورشة، بما في ذلك صراخها ألمًا، في البرنامج الإخباري للمحطة صباح يوم الإثنين التالي.

أيضًا في عام ١٩٨٤، نشر مُراسِل مجلة «رولينج ستون» قصةً عن ورش عمل يُقدِّمها أحد «المُعلمين الرُّوحيِّين» في كاليفورنيا والذي كان يُعَلِّم كيف يمكن ﻟ «التحكم العقلي» أن يزيل الحروق الناتجة عن السَّير فوق الجمر الساخن، إذا عزم المُشاركون على القيام بالأمر. في الواقع، نجا مُعظم المشاركين من الإصابة بالحروق عندما تمَّ تحفيزهم انفعاليًّا أولًا، ثم تعرَّضوا لاختبار السير على الجمر بعد ذلك. ادَّعَى أحد الأشخاص بعد ذلك أنه إذا تمكن من السيطرة على عقله بالكامل، فإنه يُمكنه النجاة حتى من «انفجارٍ نوويٍ مباشر»!

لحُسن الحظ، لم يكن ذلك الشخص موجودًا بعد ليلتَين عندما عرجت امرأة شابَّة مُصابة بإصابات في الدِّماغ والعمود الفقري بعُكَّازَيها فوق حوض الجمر، إذ يبدو أنها صدَّقَتْ كلام المعلم الروحي المعسول عن «التفكير في الأفكار الصحيحة» لتجنُّب الإصابة بالحروق. أشار مُراسِل مجلة «رولينج ستون» أن متوسط الوقت الذي استغرقه المُشاركون في السير على الجمر كان ١٫٥ ثانية، ولكن هذه الشابَّة استغرقت ٧ ثوانٍ ثم انهارت من شدَّة الألم، ولكنهم أخرجوها قبل أن تسقُط فوق الجمر وأبعدوها عن المكان. أمضت هذه الشابَّة اثنَي عشر يومًا في أحد المُستشفيات، إذ كانت تُعاني من حروقٍ بالِغة في قدمَيها.

(١٠) تجميد الماء وتبريده الفائق

كيف يتجمَّد الماء؟ لماذا يمكن أن تنخفِض درجة حرارته إلى ما دون درجة التجمُّد، بدرجات عديدة على الأرجح، دون أن يتجمَّد؟ يُقال إن هذا الماء السائل المُبرَّد قد تعرَّض ﻟ «التبريد الفائق».

الجواب: يحتاج الماء إلى «عامل تَنَوٍّ» حتى يتجمَّد؛ أي إنه يحتاج إلى ذرَّة غبار أو بعض الهواء المُذاب أو أي مادة أخرى حتى يبدأ تراكم جُزيئات الماء في شكل بلُّورة ثلجية. يتعلق سبب ذلك بالطاقة اللازمة لزيادة نصف قُطر إحدى الذرَّات الجليدية الأولية حتى يُصبح أكبر. إذا كان نصف القُطر الأوَّلي أصغرَ من نصف القُطر الحرِج، فستتطلَّب زيادته الكثير من الطاقة، وهو ما يعني أن حدوث هذه الزيادة سيكون غير مُحتمَلٍ.

إذا تكوَّن الجليد الأوَّلي على عامل تنوٍّ، فقد تكون الزيادة سهلةً وذلك لأن نصف القُطر قد يكون بالفعل أكبر من نصف القُطر الحرج. ومع ذلك، إذا كان الجليد يفتقر إلى أحد عوامل التنوِّي، فإن زيادته تعتمد على التقاء جزيئات الماء في اتِّجاهاتٍ مُعينة بالصُّدفة. يزداد احتمال حدوث هذا الالتقاء التصادُفي إذا بُرِّدَت جزيئات الماء إلى ما دون التجمُّد، بحيث تُصبح أقلَّ حركة؛ ومِن ثمَّ أكثر عُرضةً للتجمُّع والتشكُّل كمادة صلبة. لذلك، يمكن تبريد الماء تبريدًا فائقًا بوجود القليل من عوامل التنوِّي لقد بُرِّدَ الماء النقيُّ في حاوية نظيفة حتى وصل إلى درجة حرارة سالب ٢٠ مئوية قبل أن يتجمَّد، وعلى الأرجح تصل قطرات المياه الموجودة في السحاب إلى درجة حرارة سالب ٤٠ مئوية قبل أن تتجمَّد. ومع ذلك حتى ماء الصنبور العادي بعوامل تنوِّيه الوفيرة، قد لا يتجمَّد حتى تصِل درجة حرارته إلى بضع درجاتٍ تحت درجة التجمُّد.

حتى يتجمَّد الماء على مستوى السطح الذي يلامس فيه الماء الجليد، كما هو الحال في مكعب الثلج المُتجمِّد، فلا بُدَّ أن يفقدَ طاقته الحرارية في الماء أو من خلال الطبقة الجليدية التي تشكَّلَت بالفعل. إذا حدث فقدان الطاقة الحرارية من خلال التوصيل الحراري إلى الماء فائق التبريد، فإن السطح يميل إلى تكوين «جليد شُجيري» يتكوَّن من تفرُّعاتٍ جميلة تُشبه شكل نبات السرخس عبْر الماء فائق التبريد. أما إذا حدث فقدان الطاقة الحرارية من خلال التوصيل الحراري عبْر الجليد المُتشكِّل بالفعل، فسيميل السطح الذي يلامس فيه الماء الجليد إلى أن يكون مُستويًا. وإذا تجمَّدت نقطة واحدة بعَينها على السطح أسرع من باقي السطح، فستشكِّل نتوءًا يزيد المسافة عبْر الجليد. ومِن ثَمَّ، سيتباطأ التجمُّد عند النُّتوء حتى يواكبه باقي السطح في سرعة التجمُّد، وبعد ذلك يُصبح السطح مُستويًا.

(١١) تناول الجليد البحري

يعلم الناس الذين يعيشون بالقرب من البحر في أقصى الشمال أن جليد البحر الذي تجمَّد حديثًا يكون شديد المُلوحة بحيث يستحيل أكله، أو إذابته كي يُشرَب، غير أنَّ الجليد البحري الأقدم عمرًا يكون صالحًا لذلك. كما أنهم يعلمون أيضًا أن بإمكانهم أن يُسرِّعوا من عملية تحويل الجليد من غير مُستساغٍ إلى مُستساغ إذا أُخرِج الجليد الذي تجمَّد حديثًا من المياه، خاصة في أشهُر الربيع أو الصيف الدافئة. لماذا يُصبح الجليد أقلَّ ملوحة في الطقس الأدفأ حين يكون من المُنتظر أن يُقلِّل التبخُّر من كمية الماء الموجود داخل مُكعَّبات الثلج بحيث يجعل الثلج الباقي أشدَّ مُلوحة؟

الجواب: عندما تتجمَّد مياه البحر، يُضغَطُ الملح (والشوائب الأخرى) داخل الخلايا بدلًا من أن يصير ضِمن هيكل البلورة الجليدية. وبما أن هذه «الخلايا المالحة» يمكن أن تكون مُترابطة، يخرج المحلول المالح ببطءٍ من الجليد. إذا ارتفعت درجة حرارة الجليد، كما يحدُث عندما يُستخرَج الجليد من البحر إلى الشاطئ ويُترَك في ضوء الشمس، تتَّسِع خلايا المحلول المِلحي ويزيد معدَّل الرشح.

بالإضافة إلى الرَّشْح عبْر الخلايا المُترابطة، تهاجر الخلايا في اتجاه درجات الحرارة الأعلى. إذا كان الجليد جزءًا من لَوحٍ جليدي يُغطي الماء، يكون هذا الاتجاه نحو الأسفل وذلك لأنَّ قاع الغطاء (عند السطح الذي يُلامِس فيه الماء الجليد) يكون عند نقطةِ التجمُّد بينما يُمكن أن يكون الهواء الخارجي (عند السطح الذي يُلامِس فيه الهواء الماء) أقلَّ بكثيرٍ من نقطة التجمُّد.

fig106
شكل ٤-٢: بند ٤-١١: خلية مالحة تتحرك للأسفل عبْر إحدى الطبقات الجليدية إلى الماء بالقاع.
في الخلية المالِحة التي تظهر في شكل ٤-٢، يكون الجزء العلوي من الطبقة الجليدية عند درجة حرارة الهواء سالب ٥ درجات مئوية، والجزء السُّفلي من الطبقة عند نقطة التجمُّد البالغة صفر مئوية، والمياه المالحة الموجودة داخل الخلية عند درجة سالب ٢ درجة مئوية. لا يكون الماء الداخلي مُتجمِّدًا؛ لأن الملح يُقلِّل النقطة التي يتجمَّد عندها الماء (تتعارَض جُزيئات الملح مع قُدرة جزيئات الماء على أن تُحافظ على نفسها ثابتةً داخل هيكل البلورة الجليدية). يذوب الجليد الموجود أسفل الخلية تدريجيًّا لأنَّ الطاقة الحرارية تُوَصَّلُ من قاع الطبقة الجليدية إلى أعلى. تتجمَّد المياه الموجودة أعلى الخلية تدريجيًّا لأنَّ الطاقة الحرارية تُوَصَّلُ من القاع صعودًا إلى الجزء العلوي من الطبقة الجليدية. وبهذه الطريقة، تُهاجر الخلية إلى أسفل، وعندما تصِل إلى قاع الطبقة، تُطلِق ملحَها في الماء الموجود أسفل الطبقة المُتجمِّدة. وبذلك، تتخلَّص الطبقة الجليدية تدريجيًّا من ملحِها.

يرتبط انتقال الطاقة في قاع الخلية بالنتائج المفاجئة التالية: إذا وُضِعَ مكعب من الثلج (من الماء النقي) درجة حرارته سالب ١ مئوية في مياه شديدة الملوحة درجة حرارتها سالب ١ مئوية، فسيذوب مكعب الثلج على الرغم من أن درجتي حرارتهما مُتطابقتان. لشرح هذه النتيجة، لنفترض أنَّ الملح يُقلل من نقطة تجمُّد المياه المالحة إلى سالب ٢ درجة مئوية، لنُفكِّر الآن في جُزيئات الماء الموجودة عند سطح المكعب. ستكون تلك الجزيئات أدفأ قليلًا من نقطة التجمُّد المنخفضة للمياه المالحة المجاورة؛ لذا عادةً ما تغادر المكعب. أما الجزيئات الموجودة في المياه المالحة بجوار المكعب، فتكون أبردَ قليلًا من نقطة التجمُّد العادية في الجليد النقي للمُكعَّب، لذا تميل إلى الانضمام إلى المكعب. ومع ذلك، تمنع جزيئات الملح اتحادَهما عن طريق ربط جزيئات الماء. (سيتأيَّن جُزيء الملح في الماء، ثم تتجمَّع جزيئات الماء حول الأيُونات كما يتجمَّع الأطفال حول شاحنة المُثلَّجات.) ومع مغادرة جُزيئات الماء للمكعب وعدم إضافة أيٍّ منها، يذوب المكعب.

(١٢) معدلات تبريد الماء الساخن والدافئ

كانت أكثر المقالات التي كتبتُها لمجلة «ساينتيفيك أميريكان» إثارةً للجدل تتعلق بسؤال قديم هو: إذا وضعْتَ كمياتٍ متساوية من الماء في حاوياتٍ مفتوحة مُتطابقة الشكل، وكانت درجة حرارة الماء في كلِّ حاوية تختلف عن الأخرى، إحداها ساخنة جدًّا والأخرى أبرد، فأيَّ ماء سيُكوِّنُ الجليد أولًا عندما يُوضع في نفس البيئة الباردة؟ من المُدهِش، في بعض الظروف، أن الماء الساخن هو ما يُكَوِّنُ الجليد أولًا.

كانت النتيجة معروفة لأرسطو وللناس الذين يعيشون في مناخاتٍ باردة. ومع ذلك، سَخِرَ العلماء إلى حدٍّ كبيرٍ من صحَّة تلك النتيجة حتى ستينيَّات القرن العشرين عندما سأل أحد الطلاب التنزانيِّين، ويُدعى إي بي إمبيمبا، مُدَرِّسه بالمدرسة الثانوية عن سبب تجمُّد خليط المثلَّجات بسرعة أكبر عندما يوضع في المُجَمِّد وهو ساخن، عنه حين يُوضَع وهو في درجة حرارة الغرفة. لم يُصدِّق المعلم الأمر إلَّا حين أجرى إمبيمبا التجربة على الماء، وتُعرَف تلك النتيجة الآن باسم تأثير إمبيمبا.

لماذا يمكن أن يبرد الماء الساخن أسرع ويتجمَّد في وقتٍ أقلَّ من كمية مُساوية من الماء الدافئ (أو حتى الفاتر في بعض الأحيان)؟

الجواب: يرتكز أحد الاعتراضات على صحة تلك الظاهرة على الحسِّ المنطقي السليم. إذا كانت عيِّنة الماء «أ» أسخنَ من عيِّنة الماء «ب» ومع ذلك فإنها هي التي تفوز بسباق تكوين الجليد أولًا، فلا بدَّ إذن من أن تصل العيِّنة «أ» إلى درجة حرارة العينة «ب» في وقتٍ ما. وإذا كانت العيِّنتان مُتطابقتَين، ألن تبردا بنفس المعدل من درجة الحرارة الواحدة التي كانتا عليها؟ أحد أخطاء هذه الحجَّة هي أننا لا نستطيع تعيين درجة حرارة واحدة لأيٍّ من العيِّنتَين لأنَّ كلَّ عينةٍ منهما يكون لها نطاق من درجات الحرارة المختلفة داخل الماء. ومِن ثَمَّ، يتطلَّب تأكيد أو رفض تأثير إمبيمبا بحثًا أكثر تعمقًا.
في الواقع، لم يتم الوصول إلى حجَّة مُقنعة تؤكد صحة الظاهرة أو تدحضها. على سبيل المثال، قد تُغيِّر تبايُنات تدفق الهواء أو درجة الحرارة داخل المُجَمِّد من معدل التبريد من تجربةٍ لأخرى، وهو ما قد يُعطي بيانات غير موثوقٍ فيها بحيث يمكن من خلالها تفسير تأثير إمبيمبا بشكلٍ خاطئ، لذا نحتاج إلى القيام بالعديد من التجارب في ظروفٍ خاضعة للضبط الدقيق. نجح عددٌ من الباحثين الذين حاولوا استيفاء هذا الشرط في أداء تجربة تأثير إمبيمبا في ظروفٍ خاضعة للضبط الدقيق، ولكن دون أن يتَّفِقوا على السبب الذي أدَّى إلى نجاح التجربة. إليكم بعض النقاط التي ذكروها:
  • (١)

    يحدُث فقدان أكبر للطاقة والكتلة في عملية التبخُّر التي تحدُث في حالة الماء الساخن. وإذا تمَّ التخلص من التبخُّر من خلال تغطية الحاويات، يبدو أن تأثير إمبيمبا يختفي. (ومع ذلك، قد يظلُّ موجودًا في ظروفٍ خاصةٍ حتى من دون وجود تبخُّر.)

  • (٢)

    يخضع الماء لتغيُّرات غريبة في الكثافة بينما يبرد نزولًا من درجة ٤ مئوية حتى نقطة التجمُّد؛ فعلى العكس من معظم السوائل، يتمدَّد الماء أثناء تلك المرحلة الأخيرة من انخفاض درجة الحرارة. ولذا، عندما تنخفِض درجة حرارة إحدى عيِّنات الماء إلى أقلَّ من ٤ درجات مئوية، تكون الأجزاء الأبرد أخفَّ وزنًا؛ ومِن ثمَّ ترتفع، بينما تكون الجُزيئات الأدفأ قليلًا أكثر كثافة، ومِن ثَمَّ تغُوص إلى أسفل. يجلب هذا الاختلاط الماء الأدفأ قليلًا إلى أعلى بطول جُدران الحاوية وإلى السطح العلوي المكشوف، ممَّا يسمح له بفقدان الطاقة الحرارية. تُشير التجارب إلى أنَّ هذا الاختلاط يكون أكثر وضوحًا عندما يكون الماء عند درجة حرارة أعلى. ومِن ثَمَّ، قد تصل المياه الساخنة أصلًا إلى نقطة التجمُّد أولًا، ويرجع ذلك إلى حدٍّ كبير إلى سرعة اختلاط وتبريد السائل في هذه المرحلة الأخيرة.

  • (٣)

    يبرد الماء «برودة فائقة» (تحت نقطة التجمُّد) قبل أن يبدأ فجأة في تشكيل الجليد. تصل المياه الأبرد إلى درجة التبريد الفائق عند درجة حرارة أقل، على العكس من الماء الذي يكون ساخنًا بالأساس؛ ومِن ثمَّ يستغرق الأول وقتًا أطول لتشكيل الجليد.

(١٣) المياه التي تُجمِّدها السماء

في بعض المناطق التي لا تُستخدَم فيها المُجَمِّدات بشكل شائع، يُصنَع الثلج عن طريق ترك وعاءٍ ضحل من الماء في الهواء الطلْق حتى صباح اليوم التالي. يُدعَم الوعاء أو يُعزَلُ بطريقةٍ ما عن الأرض. ستتجمَّد المياه بلا شك إذا انخفضت درجة حرارة الماء تحت درجة التجمُّد، ولكن في الليالي الصافية قد يتجمَّد الماء حتى إذا ظلَّتْ درجة حرارة الهواء أعلى من نقطة التجمد. فما الذي يُسبِّب حدوث التجمُّد في مثل هذه الليالي؟

الجواب: يُمكنك اعتبار السماء في الليالي الصافية كسطحٍ واحدٍ درجة حرارتُه أقلُّ من نقطة تجمُّد الماء. يحدث خلال الليل تبادل للأشعة تحت الحمراء بين السطح والماء. في البداية، يبعث الماء الذي تكون درجة حرارته أعلى من نقطة التجمُّد إشعاعًا أكثر ممَّا يُمتصُّ من السماء، وهكذا يبرد. إذا كانت درجة حرارة الهواء الموجود حول الماء ليست أبعدَ بكثيرٍ من نقطة التجمُّد، فقد يفقد الماء طاقةً حرارية كافية من خلال عملية الإشعاع هذه حتى يتجمَّد. يجب عزْل الوعاء عن الأرض بحيث لا يُمكن للأرض توفير الطاقة الحرارية من خلال التوصيل الحراري بحيث تمنع التجمُّد.

(١٤) حفظ الخضراوات المخزونة باستخدام حوضٍ من الماء

عندما كانت ليلة شتاء قاسية تؤثر على منزل جدَّتي في تكساس، كانت تقلق بشأن جِرار الفواكه والخضراوات المُخزَّنة في قبو العواصف بالفِناء الخلفي. ولحماية جِرارها، كانت تسحب حوضًا كبيرًا إلى القبو ثم تملؤه بالماء. كيف يمكن لمِثل هذا الأمر أن يساعد في حماية الجِرار من التجمُّد والانفجار؟

الجواب: ستَحُول كمية الماء الكبيرة دون انخفاض درجة حرارة القبو إلى ما دون الصفر؛ أي درجة تجمُّد الماء العادية. عندما بدأ الماء في التجمُّد، أطلق كميةً كبيرة من الطاقة التي حافظت على درجة حرارة القبو في حدود درجة صفر مئوية. كانت المحاليل المائية الموجودة في جِرار حفظ الخضراوات والفاكهة ذات نقاط تجمُّدٍ أشدَّ انخفاضًا إلى حدٍّ ما لأنها كانت خليطًا من السوائل المختلفة؛ ولذلك لم تتجمَّد. يمكن أن تنخفض درجة الحرارة في القبو إلى ما دون الصفر، وتتعرَّض الجِرار للخطر فقط إذا تجمَّد حوض الماء بالكامل، وهو أمر غير مُرجَّح حدوثه بين عشيَّةٍ وضحاها. اعتاد السائقون الذين يُدرِكون أنَّ مشعاع السيارة يفتقر إلى ما يكفي من مُضادَّات التجمُّد بحيث يمنع التجمُّد عند حدوث موجةٍ باردة مفاجئة؛ أن يتَّخذوا تدابير مُشابِهة بحيث يضعون حوضًا من الماء بالقرب من المِشعاع عند إغلاق المرأب ليلًا؛ ومِن ثمَّ لا يتجمَّد المِشعاع.

(١٥) رشُّ البساتين لمنع تجمُّدها

عندما يُهدِّد الصقيع بساتين الفاكهة في ولاية فلوريدا (تكون درجات الحرارة أقلَّ من سالب ٢ درجة مئوية تقريبًا)، تُرَشُّ النباتات بالماء الذي يُشكل طبقةً رقيقة من الجليد فوقها، ولكن كيف يُمكن أن يحافظ هذا الأمر على النباتات من التجمُّد؟

الجواب: لا ترجع الحماية إلى طبقة الجليد التي تتكوَّن على النباتات؛ فهي لا تعزل الهواء البارد عن النباتات، بل تأتي الحماية ممَّا يحدُث للماء بعد أن يهبطَ ويستقرَّ على النباتات؛ إذ يبرد الماء حينئذٍ ويصل إلى نقطة التجمُّد ثم يتجمَّد. تتطلَّب كلتا العمليتَين أن يُطلِق الماء طاقة حرارية إلى النباتات بحيث يمكن لجُزيئات الماء أن تُبطِّئ من حركتها الحرارية أولًا، ثم تُحبَسُ داخل الهيكل البلوري للجليد. يمكن للطاقة التي نُقلت إلى النباتات، ثُم إلى الهواء، أن تحافظ على درجة حرارة البُستان ما بين سالب ٢ وصفر درجة مئوية، ممَّا يسمح للنباتات بالبقاء على قَيد الحياة.

رشُّ البساتين أمر صعب لأنه إذا كان هناك نسيم محسوس، أو إذا كانت رطوبة الهواء منخفضة، يمكن أن يُفسِد الرشُّ النباتات سريعًا. السبب وراء ذلك هو أن الماء عادةً ما يتبخَّر من القطرات وهي تطير في الهواء. وبما أن التبخُّر يتطلَّب الكثير من الطاقة، تنخفض درجة حرارة القطرات إلى نقطة التجمُّد (أو حتى إلى أقل من ذلك في حال كانت القطرات باردة برودة فائقة) قبل أن تصل إلى النباتات. قد تتجمَّد القطرات جُزئيًّا وهي في الهواء أو تتجمَّد فور ارتطامها بالنبات. في كلتا الحالتَين، تُنقَلُ طاقة أقلُّ بكثيرٍ إلى النباتات، ويمكن أن تنخفض درجة حرارة البستان إلى أقلَّ من سالب ٢ درجة مئوية؛ ممَّا يؤدي إلى موت النباتات.

يمكن لمُزارِع البستان أن يعرِف من الجليد الموجود على النباتات ما إذا كان الرشُّ يساعد النباتات أم يؤذيها. إذا نُفِّذَ الأمر بشكلٍ صحيح، تنتشر قطرات الماء على النباتات قبل أن تتجمَّد وتُكوِّن طبقةً من الجليد الصافي. أما إذا لم يُنَفَّذ الأمر بشكلٍ صحيح، فستتجمَّد القطرات المُتجمِّدة جزئيًّا بشكل فردي على النباتات وتُكوِّن جليدًا أبيض اللون وغير صافٍ نتيجةً لتشتُّت الضوء على جميع الحواف التي تفصل بين القطرات المُتجمِّدة. وبطبيعة الحال، عندما يُهدِّد صقيع مُتجمِّد أحد البساتين بين عشيةٍ وضحاها، يقضي المزارع ليلتَهُ يُراقب ويقيس درجات الحرارة ودرجة شفافية الجليد بدلًا من النوم والراحة.

(١٦) إلقاء الماء الساخن في الهواء الشديد البرودة

إحدى وسائل التسلية الجديدة لمن يعيشون في القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) هي إلقاء الماء المُغلى في الهواء عندما تكون درجة حرارة الهواء سالب ٤٠ درجة مئوية أو أقل. لماذا يُصدِر الماء «صوت تشقُّق»، كما لو أنه يحتجُّ على درجة الحرارة المنخفضة؟ لماذا يمكن أن يُصدِر استنشاق الهواء البارد صوتَ رنين؟

الجواب: عندما يُلقى الماء في الهواء فإنه يتكسَّر إلى قطرات، وإذا كان الهواء شديد البرودة، تتجمَّد القطرات وتتكسَّر أثناء طيرانها في الهواء، وتكون الضوضاء المُركَّبة لتكسُّر القطرات هي صوت التشقُّق الذي يُسمَع. يمكن أن يَصدُر من التنفُّس صوتُ رنين لأن رطوبة الماء الموجودة في الزفير يمكنها أن تتجمَّد في الهواء. ومع ذلك، لا أعرف ما إذا كان الصوت يحدُث بسبب التشقُّق أم بسبب اصطدام الجليد بالأرض.

(١٧) الكُتَل الثلجية المُتدلِّية

لماذا يبلغ عرض طرف الكُتَل الثلجية المُتدلِّية على شكلٍ مخروطي بضعة مليمترات فقط؟ لماذا يمتدُّ عمود ضيِّق من السائل إلى أعلى بطولٍ مركز أي كتلة ثلجية مُتدلِّية (لا تزال في طور) النمو والتكوُّن (شكل ٤-٣)؟ ما الظروف التي يخضع فيها الماء للتجمُّد؟ وكيف يتمكَّن من التجمُّد آخذِين في الاعتبار وجوده معزولًا في مركز الكتلة الثلجية؟ لماذا يمتدُّ خطٌّ أبيض بطول المحور المركزي للكتلة الثلجية المُتدلِّية؟ لماذا تتكوَّن أضلاع ثلجية أفقية على طول الجانب؟ لماذا تكون بعض أجزاء الكتلة الثلجية المُتدلِّية صُلبة، بينما تكون الأخرى إسفنجية هشَّة بحيث يمكن خرقُها بسكين جيب بسهولة؟ لماذا تكون بعض الكُتَل الثلجية المُتدلِّية مُلتويةً أو مُتشابكة؟
fig107
شكل ٤-٣: بند ٤-١٧: بِنيَة كتلة ثلجية مُتدلِّية.
الجواب: يُوجَد الكثير من التساؤلات حول الكُتَل الثلجية المُتدلِّية، ومن المُثير للدهشة أنه لم يُجَب عن كلِّ هذه الأسئلة بشكلٍ وافٍ، ولكن إليكم ما أفهمه عن الأمر.

تبدأ الكُتَل الثلجية المُتدلية في التكوُّن عندما يتسرَّب الماء من داعمٍ مُرتفع، مثل المِزراب الموجود على أسطح المنازل، ويُشكل قطرة متدلية. قد تتجمَّد القطرة بالكامل، أو ربما سطحها فقط، مكوِّنًا قشرةً رقيقة حول السائل المُتبقِّي. ومع تزايد تسرُّب الماء إلى الهيكل وتجمُّده، ينمو الهيكل الثلجي إلى أسفل وإلى الخارج.

يمكن أن يُحفَظ السائل داخل القشرة الثلجية بفضل التوتُّر السطحي، الذي يرجع إلى قوى الجذب بين جُزيئات الماء. يمكن أن يتجمَّد السائل فقط إذا حدَث التوصيل الحراري للطاقة الحرارية إلى أعلى بطول الكتلة الثلجية المُتدلِّية حتى «أساسها» (قمَّتها). لا يمكن أن تُفقَد الطاقة الحرارية أفقيًّا من خلال القشرة؛ وذلك لأنَّ كلا جانبَيها (عند سطح السائل وعند سطح الهواء) يكون لهما نفس درجة الحرارة؛ أي نقطة تجمُّد الماء. وفي ضوء عدم وجود اختلافٍ في درجة حرارة سماكة القشرة، لا يمكن توصيل الطاقة الحرارية من خلال القشرة.

عندما يتجمَّد الماء الداخلي، يخرج الهواء الذائب من المحلول ويُكوِّن فقاعاتٍ تَعْلَق بعد ذلك داخل الثلج بطول المحور المركزي حيث يتجمَّد السائل في النهاية. يمكن لهذه الفقاعات الفردية أن تُشتِّت ضوء الشمس، والمُركَّب الناتج من الضوء المُشتَّت الذي يخرج منها يُنتِج الخطَّ الأبيض الذي يمتدُّ بطول محور الكتلة الثلجية المُتدلية.

على الأرجح يبدأ تكوُّن الأضلاع الثلجية على امتداد جانب الكتلة الثلجية المتدلية بفعل الاختلالات العارِضة في تدفُّق الماء إلى أسفل على الجانبَين. وبمجرد تكوُّن هذه الأضلاع فإنها تنمو مُتفرعةً إلى الخارج أسرع من التجاويف المتوسِّطة لسببَين، وهما أنها تكون مُغطَّاة بطبقةٍ من الماء أرقَّ من تلك التي تُغطِّي التجاويف، كما أنها تبرُز في الهواء البارد أكثر ومِن ثَمَّ تكون أكثر عرضةً له. لهذَين السببَين من الأرجح أن يتجمَّد الماء على تلك الأضلاع أسرعَ من الماء في التجاويف. عادةً ما يتجمَّد الماء في التجاويف ويُصبح عبارة عن شبكةٍ من الماء الثلجي الإسفنجي الذي يمكنك أن تُدخِل فيه شفرة سكين.

إذا بدأ السائل الذي يُغلِّف الكتلة الثلجية المُتدلية في التجمُّد (عندما يكون الهواء باردًا وإمدادات المياه قليلة)، يتجمَّد السطح الخارجي من الطبقة أولًا ويحبس مؤقتًا باقي السائل أسفلَ قشرةٍ من الجليد. عندما يتجمَّد الماء، فلا بدَّ أن يتمدَّد. وعلى الكتلة الثلجية المُتدلية يدفع التمدُّد السائلَ من خلال القشرة الثلجية في مناطق مختلفة. وبينما يخرج السائل ويتجمَّد في هذه المناطق، فإنه يُكوِّن أشواكًا قصيرة على الكتلة الثلجية المُتدلية.

إذا ضربت الرياح إحدى الكُتَل الثلجية المُتدلية أثناء تكوُّنها، فستصبح ملتويةً ومتشابكة، أما إذا نمَتْ على فرع شجرة يتدلَّى تدريجيًّا جرَّاء ضغط وزن الكتلة الثلجية المُتدلية عليه، فقد تنتهي الحال بالكتلة مقوَّسةً ومائلة بشكلٍ ملحوظ. كما يمكن للثلوجُ المُتساقطة والذَّوبانُ غير المُتساوي أن تُشوِّه الشكل المثالي للكتلةَ الثلجية المُتدلية.

إذا تشكَّلت الكُتَل الثلجية المُتدلِّية على أحبال الغسيل أو أسلاك الهواتف أو خطوط الطاقة أثناء المطر المُتجمِّد، فقد تكون المسافات التي تفصل بينها منتظمة وتبلُغ بضعة سنتيمترات. ربما يعود هذا النمط الدوري إلى مَيل الغطاء المائي الأوَّلي إلى تقليص مساحة سطحه عن طريق إعادة تنظيم شكله مكونًا شكلًا خرزيًّا. تُعيد أي موجة تصادُفية تنظيم شكل الكتلة والتوتُّر السطحي، ثم تسحب الماء حتى يتجمَّع على هيئة خرزات تفصل بينها مسافات تُقارب الطول الموجي لتلك الموجة التصادُفية، ثم تنمو تلك الخرَزات وتُصبِح كُتَلًا ثلجية مُتدلية.

(١٨) السدود الثلجية التي تتكوَّن على الأفاريز

يمكن أن يتكوَّن سدٌّ ثلجي في الطقس البارد بطول أحد الأفاريز ويعُوق التدفق السُّفلي للماء ممَّا يؤدي إلى تجمُّعه. لماذا يتكوَّن السدُّ الثلجي؟ ولماذا يمكن أن يُحدِث تجمُّع الماء ضررًا كبيرًا داخل المبنى؟ لماذا تميل تلك الكُتَل الثلجية المُتدلِّية الضخمة للتكوُّن على هذه المباني؟

الجواب: تتكوَّن السدود الثلجية على الأسقُف المُنحدِرة فوق الغُرَف العُليا التي تستمدُّ دفْأها من الطاقة الحرارية التي تفقدها الغرف بالأسفل. يُمكن أن تذيب الغُرَف العُليا الجليد والثلج الموجود على السطح. وإذا سال الماء الذائب من الجليد أو الثلج على إفريزٍ بارد، فيمكن أن يتجمَّد عليه بدلًا من أن يجفَّ على السطح، ثم ينمو بعد ذلك الثلج بطول السطح. يكون السطح مقاومًا للماء ما دام أنه يمكن للماء أن ينساب عليه ويتساقَط منه. ولذلك عندما يُحتَجَزُ الماء خلف سدٍّ ثلجي، يمكن أن يتحرك الماء إلى أعلى عبْر الألواح ثم إلى أسفل بطول الجزء السفلي من خشب السطح الذي لا يكون مُقاومًا للماء. يمكن بعدئذٍ أن يتسرَّب الماء إلى الأسفل على سقف إحدى الغُرَف أو بطول الجدار ويُفسِد اللَّوح الجصي وطلاء الجدار.

يمكن للسقف الذي يميل إلى تكوين سدود ثلجية أن تتكوَّن عليه أيضًا كُتَل ثلجية مُتدلِّية ضخمة، ولكن بدلًا من أن يُشكِّل الثلج سدًّا، ينساب الماء على الإفريز بطول الكتل الثلجية المُتدلية التي تكون لا تزال صغيرةً حجمًا، وتزيد في الطول والوزن كلما تجمَّد الماء عليها.

لا يبدو أن ضوء الشمس يلعب أيَّ دورٍ مهمٍّ في تشكيل السدود الثلجية والكُتَل الثلجية المُتدلية الضخمة. لمنع تكونهما، تُصمَّم الغرف العُليا بحيث يكون بها فتحات تهوية تسمح للهواء البارد بالدخول. وبما أنها تكون باردة حينئذٍ، لا تذيب الجليد والثلج الموجود على السطح؛ ومِن ثَمَّ، يُقْطَع إمداد الماء الذي يصل إلى الإفريز.

(١٩) الجليد الهشُّ والجليد الزجاجي المُتجمِّعان على كابلات الكهرباء

عندما يتجمَّع الثلج والجليد على كابلات الكهرباء، يمكن أن يتسبَّب الوزن الإضافي في انهيار الكابلات وأبراجها الداعمة. حدث هذا الأمر في يناير عام ١٩٩٨ في جنوب مقاطعة كيبك الكندية عندما تسبَّب الجليد في انهيار ١٣٠٠ برجٍ أساسيٍّ و٣٥٠٠٠ برجٍ ثانوي وقَطْع إمدادات الكهرباء التي تخدُم أكثر من مليونَي شخص، واستمرَّ ذلك الأمر بالنسبة للبعض لأسابيع. ما هي الظروف التي تؤدِّي إلى تجمُّع الثلوج والجليد على كابلات الكهرباء؟ وهل تكون المشكلة أسوأ في حالة وجود الهواء البارد بشكلٍ خاص؟

الجواب: يُمكن أن تُشكِّل قطرات الماء التي يحملها الهواء نوعَين من الجليد على كابلات الكهرباء، الأول هو «الجليد الهش» الذي يكون جافًّا، مع عدم وجود ماءٍ سائل على الكابل (إذ إنَّ قطرات الماء عندما تتجمَّع تتجمَّد). أما الثاني فهو «الجليد الزُّجاجي» الذي يتكوَّن من طبقةٍ داخلية من الجليد والماء السائل، وطبقة خارجية من الماء السائل. ينمو خطُّ الجليد المُتجمِّد إلى الخارج عبْر السائل بينما يمتدُّ «الجليد الشُّجيري» (تشكيلات تُشبِه شكل نبات السرخس) داخل السائل. تُوصَّل الطاقة الحرارية التي تنبعِث من الماء المُتجمِّد من خلال الطبقة الخارجية ومنها إلى الهواء الخارجي البارد.

عندما يتكوَّن الجليد الزجاجي، يمكن أن يتساقَط بعض الماء السائل من الكابل، ممَّا يُقلِّل من الوزن ومن الخطر، ولكنه يمكن أيضًا أن تتكوَّن كتل ثلجية مُتدلية. تتباعد الكتل الثلجية المُتدلية عن بعضها بمقدار سنتيمترين، وتنمو إلى أسفل وأفقيًّا كلما تدفَّق المزيد من الماء إلى الجانبَين ويتجمَّد، ويمكن أن تندمج في نهاية المطاف مُكونةً ستارًا من الجليد. لا يُهدِّد وزن الكتل الثلجية المُتدلية كابلات الكهرباء وأبراجها الداعمة فقط، بل تزيد من احتجاز قطرات الماء والجليد كذلك. وإذا هبَّتْ رياحٌ قوية، فيمكن أن يزيد عبء المقاومة الهوائية الواقع على الكتل الثلجية المتدلية من قوة الضغط على الكابل زيادة كبيرة.

على الأرجح يكون الجليد الذي يتكوَّن على الكابل هو الأخطر عندما تكون درجة حرارة الهواء تحت نقطة التجمُّد ببضع درجات؛ وذلك لأنه حينئذٍ يُمكن أن يتشكَّل الجليد الزجاجي. من المؤكد أن قطرات الماء الموجودة في الجو والجليد اللذَين يصطدمان بالطبقة سيلتصِقان بها بدلًا من الارتداد بعيدًا عنها، كما قد يحدث مع الجليد الهش. كما أن الماء المُتساقِط يمكن أن يُكوِّن كُتلًا ثلجية مُتدلية ويجعل الوضع أسوأ وذلك لأن المساحة السطحية الأكبر والديناميكا الهوائية المتزايدة تُشكِّلان عبئًا إضافيًّا. ومِن ثَمَّ، إذا زادت درجة حرارة الهواء، كما يحدُث خلال الانتقال من الليل إلى النهار، يمكن أن يصبح التشكُّل الأولي للجليدِ الهشِّ أكثر خطورة إذا تحوَّل إلى جليدٍ زجاجيٍّ بينما لا تزال قطرات الماء والجليد تتجمَّع.

(٢٠) المسامير الجليدية والتشكُّلات الجليدية الأخرى

لماذا يكون لمُعظم مكعَّبات الثلج المُجمَّدة في الصواني، انتفاخٌ يمتدُّ من مركزها إلى أعلى؟ لماذا تُكوِّن بعض مكعبات الثلج مسمارًا أعلى سطح المكعب؟ (يمكن أحيانًا العثور على مسامير جليدية ترتفع من الأحواض ومن حمَّامات السباحة الصغيرة الأخرى التي تكون موجودة في الهواء الطلق أثناء الطقس البارد.)

fig108
شكل ٤-٤: بند ٤-٢٠: مرحلة مُبكِّرة في عملية تشكُّل أحد المسامير الجليدية.

لماذا يكون للغطاء الجليدي الذي يُغطِّي بِرَك الماء سلسلة من النتوءات التي تُشكِّل حلقات في تلك البِرَك؟ ولماذا تكون هذه النتوءات على «الجانب السفلي» من الجليد؟ كيف يمكن للغطاء الجليدي الذي يُغطي بعض الأنهار أن يُشكل قرصًا كبيرًا مُتحركًا ومنفصلًا عن باقي الجليد بفراغٍ ضيق؟ (يبلغ قُطر هذه الأقراص حوالي ٥٠ مترًا، وتستغرق حوالي ١٫٥ ساعة لتدور في دائرةٍ كاملة، وتظلُّ موجودة لشهور.) لماذا تُشكِّل بعض الأغطية الجليدية التي تُغطي بعض الأنهار صدْعًا طويلًا على شكل مُنحَنى الجيب؟ لماذا يحتوي سطح الجليد الذي يُغطي البحيرات وبِرَك الماء، وحتى مكعبات الثلج أحيانًا، على نتوءات بدلًا من أن يكون مستويًا، حتى إذا كانت المياه هادئة خلال عملية التجمُّد بالكامل؟

الجواب: عندما تُشكِّل جزيئات الماء الجليد، لا بدَّ أن يتمدَّد الماء. وإذا كان الماء موضوعًا في الصينية المُخصَّصة لصنع مكعَّبات الثلج، فلا يمكن له سوى أن يتمدَّد لأعلى. يكون مركز مُكعب الثلج هو آخر ما يتجمَّد؛ ومِن ثمَّ فإن المُحيط الخارجي المُتمدِّد يدفع الماء المُجمَّد إلى الداخل وإلى أعلى.
يمكن أن تُشكِّل هذه العملية مسمارًا إذا تجمَّد الجزء العلوي من الماء وشكَّل طبقةً رقيقة من الثلج، ثم كسَّر الماء المُتمدِّد بالأسفل هذه الطبقة، ودفع بباقي الماء السائل من مركز المكعب إلى الخارج عبْر الشَّق. عادة ما يسيل ذلك الماء على قمَّة الثلج حيث يتجمَّد، ولكنه أحيانًا ما يتجمَّد في قشرة مُجوَّفة (شكل ٤-٤). إذا كان مُعدَّل التجمُّد بطيئًا بما يكفي، يمكن أن يُضغَط المزيد من الماء لأعلى داخل القشرة، ويسيل من القمَّة ويتجمَّد ويُمدِّد القشرة إلى أعلى. بعد أن يكون كلُّ الماء قد تجمَّد بالفعل، تُكوِّن القشرة مسمارًا صلبًا يتَّجِه إلى أعلى. تلك المسامير نادرة الحدوث نسبيًّا؛ وذلك لأن تشكُّلَها يعتمد على التوازُن بين المعدَّل الذي ينضغط به السائل إلى أعلى عبْر الشقِّ بالقِشرة، والمعدل الذي يتجمَّد به الماء المُتبقِّي في المكعب.

يرجع تكوُّن النتوءات التي تُشبِه الحلقات على الجانب السُّفلي من الغطاء الثلجي الذي يُغطِّي بِركة الماء إلى التجمُّد الدَّوري الذي يحدُث مع انسياب الماء من أسفل الغطاء. في البداية، حين تكون البِركة مملوءةً بالمياه، تتشكَّل طبقة رقيقة من الجليد فوق المياه، وتمتدُّ من جانب البِركة إلى جانبها الآخر. وبينما ينساب الماء أسفل هذا الغطاء، يتسرَّب الهواء أسفل حافته الخارجية، وفي مرحلةٍ ما يتباطأ الانسياب أو يتوقَّف. يتجمَّد بعض الماء أسفل الجليد حيث يُقابل الهواء الماء ويُشَكِّل نتوءًا إلى أسفل. لاحقًا، يزيح الانسياب المُتزايد المزيد من الماء، فيعزل النتوء، وإذا صار الرَّشْح أبطأ ثانيةً أو توقَّف، فيتشكَّل نتوءٌ آخر إلى الأسفل بالقُرب من مركز بِركة الماء. ومِن ثَمَّ، يمكن أن يتشكَّل عددٌ من النتوءات قبل أن ينساب الماء كله من البِركة.

يمكن رؤية العديد من الأشكال الغريبة التي تتكوَّن على الجليد الذي يُغطي بِرَك المياه والبُحيرات نظرًا لتساقُط الثلوج بينما يكون الغطاء الجليدي طافيًا بدلًا من أن يكون ثابتًا في مكانه. يدفع وزن الجليد الطبقة إلى أسفل، أو يتسبَّب ضغط الماء في إحداث فتحة في أحد الأماكن الضعيفة. يمكن بعد ذلك أن ينتشِر الماء الذي يرتفع من القاع إلى السطح على الطبقة عبْر الجليد، ويُميِّز مساره من خلال إذابة بعض الجليد. إذا كانت الفتحة كبيرة إلى حدٍّ ما، فقد يتجمَّد الماء الذي يرتفع من القاع إلى السطح، مُكوِّنًا قُرصًا دائريًّا صغيرًا يطفو داخل نطاق تلك الفتحة. إذا حدثت كلُّ هذه الأشياء في أحد الأنهار، فيمكن لتدفُّق مياه النهر عبْر السطح السُّفلي غير المُستوي للقُرص أن يجعله يدور.

أما الأقراص الجليدية الأكبر التي تتشكَّل فوق بعض الأنهار في بعض فصول الشتاء، فيرجع تشكُّلها إلى وجود دوَّامة في النهر. عندما تتجمَّع الأطواف الجليدية القادمة عكس اتجاه التيار في الدوَّامة، فإنها تختلِط تدريجيًّا معًا حتى تُصبح طبقةً واحدة تتسبَّب الحركة الدوَّامية للمياه في دوَرانها. بينما يتشكَّل الجليد فوق باقي النهر، يمنع الدَّوَران المياه الموجودة بين الطبقة وباقي الجليد من التجمُّد، كما يصقل الاحتكاك الذي يحدُث بين الطبقة وباقي الجليد الطبقةَ تدريجيًّا حتى تُصبِح قرصًا دائريًّا.

إذا سُحِبَ غطاء جليدي في اتِّجاهين مُعاكِسين، كما قد يحدُث إذا كان الغطاء مُثبَّتًا على الصخور بينما تتدفَّق المياه أسفله، يُمكن أن يزداد الشق الذي يكون مُستقيمًا في بادئ الأمر، ويُصبح على شكل مُنحَنى الجيب مع تحركه بطول الغطاء الجليدي بأكمله. شُوهدت تلك الشقوق المُتموِّجة في الألواح الزجاجية التي تُسحَبُ من الحمَّامات المائية ثم تُعَرَّضُ لعناصر تسخين، ممَّا يُعرِّض الزجاج إلى الضغط. يعتمد شكلُ الشقِّ على السرعة التي يتحرَّك بها اللَّوح الزجاجي، بحيث يمكن أن يكون الشقُّ مُستقيمًا (إذا كانت حركة اللَّوح بطيئة)، أو مُتموِّجًا (إذا كانت سرعته مُعتدلة)، أو يمكن أن ينقسِم الشقُّ الواحد إلى شقَّين أو أربعة شقوق (إذا كانت سرعة اللوح كبيرة).

عندما تتجمَّد المياه، فإنها تشكل بلُّورات جليدية سُداسية الشكل. يُسمَّى المحور الذي يمتدُّ عبْر مركز البلورة بالمِحور «ج» ويكون عموديًّا على الوجهين السُّداسيَّين. يميل الجليد إلى النموِّ بشكل أسرع بالتوازي مع الوجوه السداسية، فيما يُسمَّى ﺑ «المستوى القاعدي». لنفترِض أن إحدى البلُّورات الجليدية بدأت بالنمو ومحورها «ج» عموديًّا؛ ومِن ثمَّ يكون مستواها القاعدي أفقيًّا، عندئذٍ تميل البلورة للنموِّ أفقيًّا وتُخلِّف وراءها سطحًا مُستويًا على الجليد. على العكس، لو بدأتِ البلورة بالنموِّ وكان محورها «ج» أفقيًّا، ومستواها القاعدي عموديًّا، فلن يُمكنها الدَّوَران لأنها ستَحتكُّ بالبلورات المجاورة، كما أن الطفو يرفعها قليلًا حتى يُحمَل مستواها القاعدي فوق المستوى العام للجليد بقليل. ومِن ثَمَّ، تُكَوِّن نتوءًا. إذا نحَتْ بلوراتٌ عديدة المَنْحى نفسه، فستُشكَّل سلسلة من النتوءات على سطح الجليد.

(٢١) مكعبات الثلج الغائمة

لماذا تكون مكعبات الثلج غائمة، وهل هناك أي طريقة لصُنع مكعبات ثلج نقيَّة (شفَّافة)؟

الجواب: يكون الثلج غائمًا نتيجة لتشتُّت الضوء من الهياكل والمواد الموجودة داخل الجليد. يمكن أن تكون بعض هذه المواد عبارة عن شوائب ركَّزتْها عملية التجميد. على سبيل المثال، مع تقدُّم عملية التجميد في الماء، فإنها تدفع بالشوائب إلى السائل المُجاور لواجهة السائل والجليد، وتُجبر الهواء المُذاب على تكوين فقاعاتٍ هناك. ومع تقدُّم عملية التجميد ودفع مزيدٍ من الهواء داخل تلك الفقاعات، تصير الفقاعات أطول ومُحاطة بالجليد. ومِن ثَمَّ، تمتدُّ «ثقوب» طويلة (تجاويف) نحوَ مركز مكعب الثلج.

لا يمكن لواجهة السائل والجليد أن تتقدَّم إلا من خلال توصيل الطاقة الحرارية من السطح إلى المكعب؛ حيث يُمكن أن يُزيحها الهواء البارد. تزداد المسافة المطلوبة لهذا التوصيل الحراري كلما زادت مساحة الواجهة، وكذا يتباطأ تقدُّمها. ومِن ثَمَّ، تكون الثقوب عادة أوسع بالقُرب من مركز المكعَّب (حيث يكون التقدُّم بطيئًا)، منها بالقُرب إلى السطح (حيث يكون التقدُّم أسرع). تختلف بعض الثقوب في نصف القُطر نتيجة لدورات عملية التجميد داخل الثلاجة بين التشغيل والإيقاف. يمكن أن يظهر في الثلج المصنوع من محلول ملحي فقاعات هواء أكثر تعقيدًا عنها في الثلج المصنوع من ماء الصنبور: وفي الظروف المثالية يمكن أن يُشكِّل أشكالًا لولبيَّةً صغيرة أو أشكالًا مُتعرِّجة.

لصُنع ثلجٍ نقي، يمكن استخدام الماء المُقطَّر لتجنُّب وجود الشوائب، ويمكن غَلي الماء لمدة خمس عشرة دقيقة للقضاء على مُعظم الهواء المُذاب.

(٢٢) الأشكال التي تظهر داخل الثلج الذائب

إذا وُضِع مُكعَّب ثلج عادي، أو الثلج الطبيعي، في ضوء الشمس الساطع أو في ضوء مصباح أشعة تحت حمراء، فلماذا تظهر أشكال صغيرة داخل الجليد؟ كان الفيزيائي جون تِندَل أول من رصدَها في عام ١٨٥٨، وأطلق عليها اسم «الورود السائلة»، إلا أنها تُعرَف الآن باسم «أشكال تِندَل». قد تتمكَّن من رؤية تلك الأشكال بالعَين المُجرَّدة، إلا أن عدسة الصائغ المُكبِّرة أو أي عدسة مُكبِّرة عادية يمكنها أن تُظهِر تفاصيل تلك الأشكال، فبعضها سُداسي، والبعض يُشبه أوراق نبات السرخس، والبعض الآخر يُكوِّن أشكالًا بيضاوية بسيطة.

الجواب: تظهر الأشكال نتيجة اختراق الأشعة تحت الحمراء الآتية من ضوء الشمس، أو من ضوء المصباح، للجليد وامتصاص العيوب الموجودة في هيكل البلورة لها. تُوجَد بعض هذه العيوب في المناطق التي لا تكون الذرَّات فيها بالترتيب الصحيح، والبعض يُوجَد في مكان تحْتَكُّ فيه بلُّورتان إحداهما بالأخرى، وبعض العيوب الأخرى تكون موجودة في أماكن تواجد الشوائب. يذوب بعض الجليد أو يتبخَّر مع امتصاص ضوء الأشعة تحت الحمراء مما يُشكِّل تجويفًا يظهر كأحد أشكال تِندَل بسبب اختلافها عن باقي الجليد. تمتلئ بعض الفجَوات ببخار الماء فقط، ويحتوي البعض الآخر على كلٍّ من الماء السائل وبخار الماء. إذا كان الضوء شديدًا وعمليات الصهر والتبخير سريعة، تظهر تجاويف تُشبِه نبات السرخس. أما إذا لم يكن الضوء شديدًا بما يكفي، فستظهر تجاويف سُداسية الشكل. أما الأشكال البيضاوية فتمتلئ بالماء وتظهر حيثما يضغط الجليد على أحد الشقوق عند الطرفَين المُتقابِلَين. عندما يسطع ضوء الأشعة تحت الحمراء على الجليد في البداية، يمكن أن تظهر العديد من أشكال تِندَل في وقتٍ واحد، وسبب ذلك هو تحرُّر الضغط الموجود داخل الجليد أثناء تشكُّلها.

(٢٣) تجمُّد بِرَك الماء والبُحيرات

لماذا تتجمَّد بِرَك الماء والبحيرات والمسطحات المائية الأخرى بحلول فصول الشتاء الباردة من أعلى إلى أسفل؟ فإذا تجمَّدت بدلًا من ذلك من أسفل إلى أعلى، فلن تكون بها على الأرجح أي حياة مائية.

ما الذي يُسبِّب ظهور أشكال الجليد الشُّعاعية التي تتكوَّن على بعض البِرَك والبحيرات المتجمدة؟ تُشبِه تلك الأشكال برامق العجلات المُلتوية أو بتلات الأزهار.

الجواب: بينما تبرد مياه البحيرة من درجة ١٠ مئوية، مثلًا، وتصل إلى درجة التجمُّد، فإنها تُصبح أكثفَ من المياه الموجودة بالأسفل وتغُوص في القاع. ومع ذلك، إذا كانت درجة الحرارة أقلَّ من ٤ درجات مئوية يجعل التبريدُ الأكثر المياهَ الموجودة على السطح أقلَّ كثافة من المياه بالأسفل؛ ومن ثَمَّ تظلُّ موجودة على السطح حتى تتجمَّد. بعد ذلك ينتشر التجمُّد إلى أسفل داخل المياه. ومع ذلك، فإنه ينتشر فقط عن طريق نقل الطاقة الحرارية من الماء السائل إلى أعلى عبْر طبقة الجليد من خلال التوصيل الحراري. عندما تصبح طبقة الجليد أكثر كثافة، تتباطأ العملية ويمكن أن تتوقَّف تمامًا. (يُقال إن تجمُّد مياه البحيرات هو «عملية ذاتية التقييد»، بمعنى أنها تتوقف من تلقاء نفسها.) ومِن ثَمَّ، فمن غير المُحتمَل أن تتجمَّد البحيرة تمامًا خلال فصل الشتاء، وبذلك يمكن للحياة المائية أن تظلَّ على قيد الحياة.

أما إذا تجمَّدت البُحيرات من أسفل إلى أعلى، فعلى الأرجح لن يذوب الجليد تمامًا خلال فصل الصيف، إذ إنه سيكون معزولًا بالمياه التي تعلوه. وبعد بضع سنوات، ستتجمَّد الكثير من المسطحات المائية المفتوحة في المناطق المُعتدِلة على مدار العام.

يتكوَّن الماء السائل في أيِّ درجة حرارة من كُتَلٍ من جُزيئات الماء التي تتشكَّل وتتكسَّر بشكلٍ مُتكرر. ومع ذلك، عندما تقلُّ درجة حرارة الماء عن ٤ درجات مئوية وصولًا إلى نقطة التجمُّد، فإنَّ هذه الكُتَل تستمرُّ لفترةٍ أطول وتُصبِح أكثر اتِّساعًا، ويتطلَّب وجودها، في المتوسط، حجمًا أكبر ممَّا كانت عليه عندما تكون درجة حرارة الماء أعلى. لا ينطبق هذا التأثير على مياه البحر؛ إذ إن كثافتها تزداد باطِّراد وهي تبرُد وصولًا إلى نقطة التجمُّد، ولا تنخفِض الكثافة إلا عند تشكُّل الجليد.

إذا سقطت أشعة الشمس على بُحيرة ذات طبقةٍ رقيقة من الجليد، يمكن للضوء أن يُسخِّن الماء أسفل الجليد مباشرة حتى ٤ درجات مئوية، ممَّا يؤدي إلى غَوص المياه لأسفل وارتفاع المياه الأخف والأدفأ لتحلَّ محلَّها. يكون هذا الخليط الشتوي ضروريًّا لبعض صور الحياة المائية.

إذا تساقط الثلج على بِركة ماء أو بُحيرة بها طبقة من الجليد العائم، يمكن أن يغمر وزن الثلج الطبقة الجليدية ويتسبَّب في أن تتسرَّب المياه عبْر الثقوب الموجودة في الطبقة أو فوق الحافة. وبما أن درجة حرارة الماء تكون أعلى من نقطة التجمد، تشقُّ المياه طريقها عبر الجليد وتُشكِّل قنوات عبْر الإذابة، وتتحرَّك بشكلٍ شُعاعي إلى الخارج من أحد الثقوب، بطول مساراتٍ ملتوية على الأرجح. إذا انخفضت درجة حرارة الهواء واختفَتْ أشعَّة الشمس، فيمكن أن تتجمَّد هذه المسارات المائية، وهو ما ينتج عنه شكلٌ لافت للنظر إما لبرامق أو بتَلات زهور.

(٢٤) تجميد المشروبات الغازية

لماذا تنفجر زجاجة المياه الغازية أو الجِعَة إذا تُركت لفترة طويلة بالمُجَمِّد؟ وإذا لم تُترك الزجاجة لفترة طويلة داخل المُجَمِّد، فلماذا تتجمد فجأة عندما تُفتَح؟ وإذا كان السائل باردًا (ولكنه لم يقترب من التجمُّد)، لماذا تخرج دُفْقة من الضباب الخفيف وبضع قطرات من الماء عند فتْح الزجاجة؟

الجواب: يتكوَّن المشروب الغازي، مثل الصودا أو الجِعَة، من الماء أساسًا، وعندما يتجمَّد الماء فإنه يتمدَّد لاستيعاب الترتيب المنظم لجزيئات الماء لتشكيل بِنية صُلبة. ومِن ثَم، عندما تصبح المياه الغازية باردة بشدة لدرجة أن الماء يبدأ في التجمُّد، يكون هناك ضغط كبير إلى الخارج يميل إلى كسر الزجاجة. تكون نقطة تجمُّد المشروب «مُثَبَّطَة»؛ أي إنها تكون أدنى من نقطة التجمُّد العادية للماء؛ وذلك لأن السائل يكون مُعرَّضًا للضغط ولأن الإضافات (خاصة الكحول) تتداخل مع قدرة جزيئات الماء على تكوين الثلج. ومع ذلك، تكون معظم حجرات التجميد باردة بما يكفي لتجعل زجاجة السائل تنفجر.

عندما تُفتَح الزجاجة، ينخفض الضغط الموجود بها فجأة إلى معدل الضغط الجوي، ويخرج الكثير من غاز ثاني أكسيد الكربون من المحلول، مما يؤدي إلى تكوين فُقَّاعاتٍ ترتفع إلى السطح العلوي. بافتراض أن درجة حرارة السائل فوق نقطة التجمُّد المثبطة مباشرة، فحالما ينخفض الضغط، سترتفع نقطة التجمُّد ثم يصبح السائل «أدنى» نقطة التجمُّد (الجديدة)؛ ومِن ثَمَّ يميل السائل إلى التجمُّد. ومع ذلك، فهو يحتاج إلى «مواقع تنوٍّ» حتى تتشكل بلورات الثلج الأولية، ويمكن للفُقَّاعات أن تُطلِق هذه العملية. إذا كانت الزجاجة شفافة؛ فقد ترى أن عملية التجمُّد تبدأ عند أو بالقرب من السطح العلوي؛ حيث تتجمع الفُقَّاعات، ثم تتحرك إلى الأسفل، ربما بسرعة شديدة.

عندما تُفتَح زجاجة مشروب غازي بارد، فإن تمدُّد الغاز الموجود فوق السائل، المتجه إلى الخارج عبْر الفتحة، يتطلب وجود طاقة. يكون التمدُّد سريعًا بحيث إن النقل الوحيد الممكن للطاقة يكون من الطاقة الحرارية للغاز؛ ومِن ثَمَّ، يفقد الغاز الطاقة الحرارية ويصبح أبرد، مما يؤدي إلى تكثف بخار الماء الموجود في الغاز المتمدِّد ويتحول إلى قطرات ماء. تُشكِّل تلك القطرات المحمولة في الهواء الضباب الذي نراه عند فتحة الزجاجة.

(٢٥) انفجار الأنابيب

في المنازل التي تتعرض فيها أنابيب المياه للشتاء القارس، لماذا تتعرض الأنابيب للانفجار، ولماذا تكون أنابيب الماء الساخن أكثر عرضةً للانفجار من أنابيب الماء البارد؟

الجواب: يمكن أن ينفجر الأنبوب الذي يكون الماء فيه ثابتًا لا يتحرك نتيجة لتجمُّد الماء إذا شكَّل الجليد سِدادة تحبس الماء في منطقةٍ مغلقة بصمام. وكلما تجمَّد المزيد من الماء على السِّدادة، فإن ذلك الماء يتجمَّد ويشكِّل ضغطًا هائلًا على الماء المحبوس. وفي نهاية المطاف يمكن أن يكون الضغط عاليًا بما يكفي ليتشقق الأنبوب، وتكون هذه الاحتمالية أكبر في الأنبوب الذي ينقل الماء من خزانات التسخين بسبب الطريقة التي يمكن أن يتجمَّد بها الماء داخل هذا الأنبوب. في الوضع المثالي، يتجمَّد الماء عند نقطة التجمُّد صفر مئوية، ولكن عمليًّا لا بُدَّ أن تبرُّد المياه بضع درجات تحت نقطة التجمُّد قبل أن تتجمَّد. يُقال إن تلك المياه السائلة قد خضعت ﻟ «التبريد الفائق».

تحتوي مياه الصنبور التي لم تُسَخَّن في خزانات التسخين على العديد من الشوائب التي تعمل كمواقع تنوٍّ، وبمجرد تبريد الماء تبريدًا فائقًا بواقع بضع درجات، يحفز مواصلة إزالة الطاقة الحرارية من الماء عملية تشكل البلورات الثلجية. يُكَوِّنُ الماء أولًا جليدًا شجيريًّا (يشبه شكل نبات السَّرخس) ينمو داخل الماء الذي ما زال في حالته السائلة. بمجرد تَكَوُّن الجليد، تتشكَّل حلقة من الثلج بطول جدار الأنبوب وتنمو تدريجيًّا بشكلٍ شعاعي إلى الداخل حتى تُشكِّل سِدادة تغلق الأنبوب تمامًا. يكون للماء الموجود بين هذا الثلج والصمام المغلق متَّسع من الوقت للتكيُّف مع تمدُّد الماء أثناء نمو الحلقة الثلجية.

يتجمَّد الماء الذي سُخِّنَ في خزانات التسخين بطريقةٍ مشابهة، إلا أن تشكُّل الجليد الشجيري يمكن أن يتأخَّر كثيرًا، ربما لعدة أيام. والسبب هو أنه عندما يُسَخَّن الماء فإنه يفقد الكثير من الشوائب التي يمكن أن تعمل كعاملِ تنوٍّ لتشكل الجليد. ومِن ثَمَّ، يمكن تبريد ذلك الماء تبريدًا فائقًا حتى يصل إلى درجة حرارة أقل من درجة حرارة الماء الموجود في أنبوب الماء البارد. عندما يبدأ الجليد بالتشكُّل أخيرًا، فإنه ينمو إلى الداخل شعاعيًّا على شكل جليد شجيري ويمكن أن يسِدَّ الأنبوب بسرعة. إذا نما الجليد حينئذٍ بطول الأنبوب، يمكن أن يُشكل تمدُّد الماء نتيجة لتجمده ضغطًا هائلًا على الماء المحبوس بين السِّدادة والصمام المغلق. وأخيرًا، يمكن أن ينفجر الأنبوب أو أحد الوصلات الأنبوبية التي تقع في مكانٍ ما بين السِّدادة والصمام، حتى ولو كان الجزء الذي ينفجر دافئًا.

سيسمح الانفجار للماء المحبوس بالخروج، وهو ما قد لا يتسبب في الكثير من الضرر. ومع ذلك، إذا لم يتم إصلاح الأمر قبل أن تذوب السِّدادة الجليدية، يمكن أن يتسبب فيضان الماء اللاحق في إحداث أضرار عديدة. لتجنُّب هذا الاحتمال، يترك الناس الذين يعيشون في مناخ قارس البرودة صنابيرَ المياه الخارجية مفتوحةً قليلًا خلال فصل الشتاء، بحيث لا يتسبب نمو السِّدادة الثلجية سوى في دفع المياه خارج الصنبور المفتوح بدلًا من تراكم الضغط الداخلي.

يمكن أن تكون السِّدادات الجليدية مفيدة في بعض الحالات. على سبيل المثال، يمكن أن تعمل إحدى السِّدادات الجليدية كصِمامٍ مؤقَّتٍ في جزء من الأنبوب الذي لا بد أن يتم إصلاحه عندما يتعذَّر غلق نظام أنابيب المياه بأكمله، كما هو الحال في المستشفيات أو المجمَّعات السكنية الكبيرة.

في بعض الحالات، لا بد أن يُنقَل الماء عبْر أنبوب بارد وجاف، ربما بسبب أعمال الإصلاح. يمكن أن تَفقد دُفقة الماء الأولى، أثناء انتقالها عبْر الأنبوب، الطاقةَ الحرارية إلى جدار الأنبوب؛ ومِن ثَمَّ تنخفض درجة حرارتها إلى نقطة التجمُّد. يحدث هذا الأمر على الأرجح في الأنابيب المدفونة أكثر مما يحدث في الأنابيب الموجودة فوق سطح الأرض (عند تساوي درجة الحرارة)؛ وذلك لأن الطاقة الحرارية تتسرَّب بسرعةٍ أكبر من جدران الأنابيب عن طريق الأرض المحيطة أكثر منها من خلال الهواء المحيط. . إذا كانت درجة حرارة الأنبوب تبلغ بضع درجات تحت نقطة التجمد، يمكن أن يصل الماء إلى درجة التبريد الفائق وأن يُشكل فجأة جليدًا شجيريًّا يَسِدُّ الأنبوب. ومع ذلك، إذا كان الأنبوب أكثر برودة (تكون درجة حرارته تحت درجة حرارة الماء المبرَّد تبريدًا فائقًا)، تتكوَّن حلقة من الجليد على جدار الأنبوب دون أن تنمو وتصبح جليدًا شجيريًّا، ويستمر الماء في التدفُّق.

(٢٦) لمسُ أو لعقُ أنبوبٍ بارد

إذا لمست عارضةً خشبية باردة وأنبوبًا معدنيًّا باردًا لهما نفس درجة الحرارة، لماذا ستشعر أن الأنبوب أبرد؟ لماذا يمكن أن تلتصق يداك بالأنبوب؟ في فيلم «أ كريسماس ستوري»، يقبل أحد الأطفال التحدي ويلعق أنبوبًا باردًا، فقط ليجد أن لسانه قد التصق به. من بين قواعد الحياة العديدة، لا تنسَ هذه القاعدة: لا تَلعق أنبوبًا باردًا أبدًا.

الجواب: يعتمد الإحساس بمدى برودة الجسم الملموس إلى حدٍّ كبير على معدل امتصاص هذا الجسم للطاقة الحرارية من أصابعك. يوصل المعدن الطاقة الحرارية أفضل بكثير من الخشب، ولذا نشعر أنه أبرد من الخشب، حتى عندما تكون درجتا حرارتهما متطابقة.

يمكن أن تلتصق الأصابع بسطحٍ معدني بارد؛ لأن الرطوبة الموجودة على الجِلد يمكن أن تتجمَّد على الفراغات الموجودة في السطح. (قد يتعرض اللسان للتجمُّد أكثر نظرًا لكونه أكثر رطوبة من الأصابع.) عادة ما يذوب الجليد وتتحرَّر الأصابع بصب ماء دافئ فوق المنطقة التي يلتصق فيها الجلد بالمعدن.

(٢٧) البروزات التي تتكوَّن في التربة شتاءً والبينجو الذي يتكوَّن في التربة الصقيعية

لماذا ترتفع التربة مكوِّنةً بروزات خلال فصل الشتاء البارد، وهو التأثير الذي يُعرف باسم «الانتفاخ الصقيعي»؟ لا يمكن فقط لتلك النتوءات أن تُلحِق الضرر بالطرق، بل إنها قد تُعرِّض أيضًا أي سائق يقود بسرعة عالية للخطر. قد تميل إلى إرجاع حدوث الانتفاخ الصقيعي إلى تمدُّد الماء العادي عندما يتجمد، إلا أن هذا التمدُّد لا يزيد من الحجم الكلي إلا بحوالي ١٠٪، وهو أقلُّ بكثير من أن يكون تفسيرًا مقنعًا في حالات الانتفاخ الضخمة.

كيف يمكن للطقس البارد كسْر الصخور؟ هل لا بد أن تخضع الصخرة إلى عملية متعاقبة من «دورات التجمُّد والذوبان» حتى تنكسر؟

ما الذي يتسبَّب في تكوين «البينجو» (قطعة أرضية جبلية بداخلها جليد)، وهي تلال مخروطية تكوَّنت في مناطق التُّرَب الصقيعية؟ يكون تل البينجو ضخمًا في بعض الحالات؛ إذ يبلغ طوله ٤٠ مترًا وقطره ٢٠٠ متر.

الجواب: عندما تنخفض درجة حرارة الطبقة العليا من التربة (أو الطبقة الموجودة أسفل الطريق مباشرة) تحت نقطة التجمُّد، يتجمَّد بعض الماء الموجود داخل المسام بين التربة والجزيئات ويتمدَّد، مما يتسبب في حدوث عملية «انتفاخ صقيعي مبدئية». ومع انخفاض كمية الماء السائل، ينخفض الضغط داخل باقي السائل أيضًا. تتعرض المياه السائلة التي تكون أعمق قليلًا إلى ضغط أكبر؛ ومِن ثَمَّ يرتفع بعضها إلى أعلى نحو الطبقة المجمَّدة. ومع وصول السائل إلى الطبقة، يتجمَّد ويتمدَّد بدوره أيضًا، مما يؤدي إلى حدوث عملية «انتفاخ صقيعي ثانوية» يمكن أن تزيد من ارتفاع التربة، وكذا تدمير الطريق.

تلحق الكثير من الأضرار بالطريق عندما يذوب الجليد الذي بداخله وأسفله، ثم يتشبع الحصى الموجود أسفل سطح الطريق بالماء. ومِن ثَمَّ، عندما تضغط سيارة (أو أسوأ من ذلك، شاحنة ثقيلة) على سطح الطريق، يزداد الضغط في الماء بشدة ويمكن أن يندفع الماء إلى أعلى في الجانب السفلي من الرصيف. يمكن أن يكون ضغط الماء هذا كافيًا لكسر الرصيف، ومع المزيد من حركة مرور المركبات، ينشق الطريق ويشكِّل حفرة يزداد عمقها تدريجيًّا مع زيادة حركة المرور. في الطرق ذات الأرصفة الرفيعة أو الدعامات الضعيفة، يمكن أن ينهار الطريق تحت هذا الضغط حتى يتكوَّن أخدود أو يحدث هبوط في منطقةٍ ما بالطريق. تهتز المركبة عندما تصل إلى أدنى نقطة خلال سيْرها بطول الطريق. وفي كلِّ مرة تضغط على الرصيف، قد ينتج عن ذلك تكوين منطقة هبوط أخرى. وبمرور الوقت، يصير الطريق شبيهًا بلوح الغسيل المُضَلَّع الذي كان يُستخدم قديمًا لغسل الملابس من خلال فرْكِها عليه.

عادة ما تكون الأضرار التي تلحق بالطرق أوسع نطاقًا أثناء فصول الشتاء المعتدلة من فصول الشتاء القاسية؛ وذلك لأن فصول الشتاء المعتدلة تمنح الماء وقتًا حتى يُسحَب تحت الطريق، بينما يحبس الصقيع الماء في مكانه لمدة طويلة. كما تكون الأضرار التي تلحق بالطرق أوسع نطاقًا إذا تعرَّض لعدة دورات من التجمُّد والذوبان، بدلًا من التعرُّض إلى موجةِ صقيعٍ شديدٍ واحدة.

عندما يتجمَّد الماء في أحد تصدعات الصخور، يتسبب تمدُّده في فتح طرف التصدع، مما يزيد من طول وعرض الصدع. كما يزداد طول الصدع وعرضه أكثر إذا دُفِعَ ماء إضافي إلى داخله، كما هو الحال في عملية الانتفاخ الصقيعي. ومع ذلك، تقل عملية دفع الماء هذه إذا كانت درجة الحرارة منخفضة للغاية؛ ومِن ثَمَّ تسير عملية تصدُّع الصخرة بشكلٍ أسرع إذا كانت درجة الحرارة أقل بقليل من نقطة التجمُّد. وليس من الضروري حدوث دورات متتالية من تجمُّد الجليد وذوبانه. تكون الصخور الرسوبية أكثر عرضة للتصدُّع من الأنواع الأخرى. يكون كسر الصخور البلورية أكثر صعوبة ويتطلب فترات طويلة من التعرُّض لدرجات حرارة أدنى من درجة التجمُّد وإمدادات متكررة أو متواصلة من المياه.

لتلال البينجو نوعان وسببان على الأقل لتكوُّنِها. عادة ما يكون تل «البينجو الهيدروستاتيكي» عبارة عن جبلٍ معزولٍ ارتفع من بحيرةٍ إما تعرَّضت للجفاف أو الامتلاء. تقع أسفل البحيرة طبقة من مادةٍ شبه مائعة محاطة بتربة صقيعية، ويُستثنى من ذلك سطحُها العلوي. وبينما تفقد البحيرة ماءها السائل، يبدأ الصقيع في التكوُّن على السطح العلوي. وبينما تتجمد المواد إلى الداخل بداية من الجانبين أو من أسفل إلى أعلى، تُدفَع المياه خروجًا من المادة ويُحبَسُ في وسط منطقة البحيرة السابقة. ترفع هذه الدفعة تل البينجو إلى أعلى، وعندما تتجمد المياه، فإنها تُشكل الجزء الجليدي من التل.

عادة ما تتكتل «تلال البينجو الهيدروليكية» في مجموعاتٍ ويبدو أن المياه الجوفية التي تتسرب من التلال والجبال المجاورة هي ما تغذيها. تشق المياه الجوفية طريقها بطريقة أو بأخرى تحت التل وتتمدَّد عندما تتجمد، فترفع التل إلى أعلى قليلًا. أما بالنسبة لكيفية صعود المياه إلى أعلى فلا تزال غير مفهومة بالكامل. إذا كانت المادة الموجودة أسفل التل تتكوَّن من مسامٍ صغيرة، يمكن لقوى الخاصية الشعرية أن تسحب المياه إلى أعلى من خلال المادة؛ أي إن القوى الجزيئية التي تتسبب في تشبُّث المياه بالمواد وبنفسها، يمكنها أن تسحب السائل لأعلى عبْر الفراغات بين الأجسام المادية الصغيرة. (ومع ذلك، تتشكل بعض تلال البينجو الهيدروليكية على موادَّ لا تتكون من مسامٍ صغيرة.)

(٢٨) المضلعات الجليدية القطبية

لماذا تكون الأرض في بعض الأراضي المنخفضة بالقطب الشمالي ومناطق التندرا التي تقع جنوب القطب الشمالي مباشرة، مغطاةً بمضلعات جليدية ضخمة تكوَّنت بفعل الأوتاد الجليدية؟ يمتد الوتد الجليدي داخل الأرض لعدة أمتار ويصل عَرضه إلى بضع مئات من الأمتار.

الجواب: عندما تنخفض درجة حرارة الأرض إلى أقل من نقطة التجمُّد، فإنها تميل إلى الانكماش إلى الداخل (إلى أسفل)، مما يُحدِث ضغوطات بطول السطح. في بعض الأماكن يمكن أن يكون الضغط كبيرًا بما يكفي ليُحدِث تصدعات في الأرض، كما هو الحال عندما تجفُّ بِركة من الطين وتتشقق. مع مرور الوقت، يمكن أن تتسع الشقوق الأرضية عموديًّا وأفقيًّا (بمعدل أكبر). وعندما يمتد أحد الشقوق المتنامية نحو شقٍّ موجود بالفعل، توجِّه الضغوطات الأرضية مسار هذا الشق المتنامي ليتقاطع مع الأخير عموديًّا. يكون الشق الموجود مسئولًا بالفعل عن هذه الضغوطات في الأرض ويميل إلى سَحْب الأرض بشكل متوازٍ مع ذلك الشق. إذا تقاطعت عدة شقوق بزاوية ٩٠ درجة، يظهر النمط الجليدي المضلع.

بعد أن يتشكل الشق، يمكن أن يملأه الجليد أو الصقيع أو الماء الذي يذوب من الجليد ثم يتجمد، وهو ما يكوِّن حينئذٍ الوتد الجليدي الذي يُشَكِّل جوانب المضلع. شُوهدت مضلعات شبيهة على كوكب المريخ؛ حيث تملأ الرمال الشقوقَ بدلًا من الجليد أو الثلج. (كما أن المريخ به مضلعات عملاقة يُفترض أن تشكُّلها يعود لأسباب أخرى غير ما ذكر سابقًا.)

(٢٩) الأحجار التي تُلفَظُ من تربة الحدائق والأراضي المنمطة

لماذا تُلفَظُ الحجارة من الأرض خلال فصل الشتاء في المناخات الباردة؟ في بعض الأماكن، مثل نيو إنجلاند، يكون محصول الحجارة وفيرًا للغاية بحيث يُجْمَعُ لبناء أسوار حجرية.

لماذا تُشَكِّلُ الحجارة الملفوظة في بعض الأماكن دوائرَ أو مضلعاتٍ أو خطوطًا؟ في بعض الأحيان يكون النمط منظمًا بشدة وواسع النطاق حتى يبدو وكأنه اصطناعيًّا. على سبيل المثال، توجد في جزيرة سبيتسبيرجن التي تقع شمال النرويج، أنساقٌ مذهلة من الدوائر الحجرية التي تحيط بتربة خالية نسبيًّا من الأحجار، فما الذي يتسبب في ترتيب تلك الأنماط الحجرية المختلفة بحيث تكون تلك الأشكال؟

الجواب: يدفع الانتفاخ الصقيعي بالأحجار إلى السطح، كما هو موضَّح في أحد البنود السابقة. ينخفض «خط التجمُّد»، الذي تكون فيه درجة الحرارة صفر درجة مئوية، عبْر الأحجار المدفونة أسرع من انخفاضه عبْر التربة المجاورة، ويرجع ذلك إلى إطلاق الطاقة الحرارية عندما تتجمد المياه في التربة. عندما ينخفض خط التجمُّد أسفل أحد الأحجار، يسحب الماء الإضافي من الأسفل وكذا من التربة المجاورة (التي لم تتجمد بعدُ)، تتجمَّد تلك المياه الإضافية وتتمدَّد، وهو ما يدفع الأحجار إلى أعلى. وكلَّما تحرك الحجر، يمكن للتربة أن تملأ الفراغ الذي يخلفه أسفله جزئيًّا وتثبته بحيث لا يهبط لاحقًا عندما يذوب الجليد. وبعد حدوث ما يكفي من دورات تجمُّد وذوبان الجليد، يصل الحجر إلى سطح الأرض، وربما يُجْمَعُ لبناء سورٍ حجري.

عُثِرَ على الأحجار المهاجرة من أسفل التربة إلى سطح الأرض عندما استُخرجت الطبقات الرملية القديمة عن طريق قطعات عمودية. تقبع الأحجار على ارتفاعات مختلفة داخل جدران تلك القطعات. يبدو أن الرمال تكون مضغوطة فوق الأحجار، أما أسفلها، فيبدو أن المسارات تحدِّد المكان الذي ملأت فيه المادةُ الفراغَ الذي خلَّفته الأحجار التي تحرَّكت إلى أعلى.

تعود أنماط الأشكال الهندسية المختلفة التي تكوِّنها الحجارة إلى عقودٍ أو حتى قرون من الانتفاخ الصقيعي. عندما تخرج الأحجار من الأرض، فإنها تؤثِّر على سرعة انخفاض خط التجمُّد أسفلها خلال فترات التجمُّد اللاحقة، وهو ما يؤثِّر بدوره على كيفية دفع الأحجار الأخرى إلى أعلى. تنهار بعض الأحجار الموجودة على سطح الأرض أثناء الانتفاخ الصقيعي أسفل المنحدرات التي يكوِّنها الصقيع؛ ومِن ثَمَّ تتجمَّع. يمكن أن تُدفَع الأحجار الأخرى بطول تلال الحجارة التي تكوَّنت بالفعل؛ ومِن ثَمَّ تطيل من حواف تلك التلال. عندما تكون الأحجار كثيرة فإنها تُشكِّل دوائر أو مضلعات أو أشكال متاهات، أما عندما تكون قليلة، فإنها تشكِّل جُزُرًا، بينما تُكَوِّنُ خطوطًا عندما تكون على أرضٍ منحدرة. شُوهدت مثل هذه الأنماط على كوكب المريخ، مما يوحي بحدوث دورات تجمُّد وذوبان للمياه الجوفية هناك.

(٣٠) الجلاميد الجارفة

لماذا ينزلق جلمودٌ ضخم من فوق أحد المنحدرات إلى أسفل تدريجيًّا؟ يُطلق على هذا النوع من الجلاميد اسم «الجلاميد الجارفة»؛ وذلك لأن بعد انزلاقه، تتراكم كومة من التربة أمامه ويتشكَّل منحدر خلفه، كما لو كان يجري حَرثُ التربة بأحد الحقول.

الجواب: إن عملية تجمُّد وذوبان التربة الموجودة حول الجلمود تُضعِف قدرة التربة على تثبيت الجلمود في مكانه. عندما تتجمد التربة، يرتفع الجلمود إلى أعلى قليلًا بفعل تمدُّد المياه في التربة (المياه الموجودة بالأساس في التربة والتي تتسرَّب إلى تلك المنطقة من التربة المجاورة).

عندما تذوب التربة فإن مياهها، وأي مياه ذائبة من الثلج المتراكم حول الصخرة، تُلَيِّنُ الأرض. يمكن لقوة الجاذبية الواقعة على الجلمود أن تسحبه إلى أسفل المنحدر بعض الشيء؛ ومِن ثَمَّ عندما يتحرك، يدفع كومة من التربة ويخلف وراءه مسارًا منحدرًا. وعلى الرغم من ذلك، تكون الحركة طفيفة؛ لأن الأرض أسفل المنحدر قليلًا لا تكون مشبعة بالمياه ولينة بما يكفي.

قصة قصيرة

(٣١) قنبلة القط النافق والاختفاء المتجمد

عندما التحقتُ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كطالب جديد، كان الطلاب الأكبر سنًّا يتناقلون قصة عن أحد الطلاب، لِندعوه باسم فْريد، والذي كان غاضبًا بشدة من طالب آخر، لِندعوه باسم هاري. في أحد الليالي عندما كان هاري بالخارج، تسلَّل فْريد إلى غرفة هاري وبحوزته قطٌّ نافِق ووعاء كبير من النيتروجين السائل أخذهما من مختبرات الجامعة.

أمسك فْريد القط النافق من ذيله وغمره في وعاء النيتروجين السائل ثم انتظر حتى صارت درجة حرارة جسم القط النافق تماثل درجة حرارة السائل البارد، ثم رفع القط المتجمد وقذف به إلى الحائط، فتحطَّم إلى العديد من القِطَع الصغيرة التي تبعثرت على السرير وفي أجزاءٍ أخرى من الغرفة. ذابت تلك القِطَع في غضون دقائق مُخلِّفة فوضى فظيعة. (كان طلاب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا معروفين بمقالبهم الذكية، ولكن لم يُعرف عنهم أنهم أشخاص حساسون. وفي هذه الحالة، آمُلُ أن تكون القصة خيالية مجرد «أسطورة شعبية» اخترعها الطلاب الأكبر سنًّا.)

ثمَّة موقف مشابه تقوم عليه قصة من قصص الغموض عنوانها «ذا مان هو ديسابيرد» لإل تي ميد وروبرت إيوستيس؛ ففي قصتهما التي نُشِرَت عام ١٩٠١ في مجلة ستراند، هيَّأ الكاتبان القُرَّاء بذكاء للخطورة المعرَّض لها أوسكار ديجبي، الشخصية الرئيسية في القصة. جرى استدراج ديجبي لتناول العشاء مع أشخاصٍ يسعون إلى معرفته بوجود كنز كبير. علمت الشرطة بالأمر وخطورته وحاصرت المنزل بعد دخول ديجبي. كان من المستحيل حتى لفأر أن يخترق الحلقة التي كوَّنها رجال الشرطة حول المكان. وفي منتصف الليل، دخل رجالُ شرطةٍ المنزلَ وفتَّشوه بدقة، حتى إنهم شقُّوا الجدران، ولكن لم يكن هناك أي أثر لديجبي. وأثناء انتظارهم بالخارج، سمعوا صوت خبطة مكتومة لا أكثر، فما الذي حلَّ بديجبي؟

أُزيح الستار عن الإجابة عندما وجد أحد الرجال آثارًا طفيفة للدماء على آلة تكسير الأحجار التي كانت بالقرب من وعاء كبير من الهواء السائل. على ما يبدو، بعد أن غُمِسَ ديجبي وجُمِّدَ في السائل البارد، سُحِقَ باستخدام آلة تكسير الأحجار ثم بُعثرت أشلاؤه قبل أن تهجم الشرطة. ومع عدم وجود جثة، لم يكن بوسع رجال الشرطة فعل أي شيءٍ سوى أن ترتعد فرائصهم مما اكتشفوه.

(٣٢) تَكوُّن النُّدَف الثلجية

ما العامل المسئول عن تكوين الأشكال العامة لبلورات الثلج؟

الجواب: يبدو السؤال بسيطًا بشكل خادع؛ وذلك لأن الإجابة عليه لم تُحسَم بعدُ. تبدأ بلورة الثلج بالتنوِّي حول ذرة من الغبار، وتتجمع جزيئات الماء تدريجيًّا وترتبط بعضها ببعض بحيث تكوِّن شكلًا سداسيًّا، ويُقال إنها تكون متماثلة «تماثلًا سداسيًّا»؛ وذلك لأن البلورة تتكوَّن من ستة أقسام متطابقة تقريبًا متجمعة حول مركز (مثل أجزاء الكعكة). ينمو حجم البلورة كلما «انتشرت» (تدفَّقت) جزيئات أكثر عبْر السطح إلى أن تترابط هي أيضًا. تحدث معظم عملية النمو على الحواف والأركان؛ لأنه في تلك المناطق تكون البلورة الموجودة أكثر عرضة لبخار الماء الموجود في الهواء.

توجد طرقٌ عدة يمكن من خلالها أن تندمج تلك الجزيئات الإضافية في البلورة، وتعتمد على درجة حرارة وكثافة بخار الماء المجاور للبلورة. في حالة بعض القيم، تنمو البلورة على شكل صفيحة مسطحة؛ وفي حالة قيم الأخرى، فإنها تنمو على شكل غمد أو موشور أجوف أو عمود أو نجمة. وتُعتبر حقيقة الحفاظ على التماثل أمرًا مثيرًا للدهشة، وقُدِّمَت العديد من الآليات المقترحة لتفسير كيف يكون تصميم ونمو بلورة الثلج على كل طرف من طرفيها المتقابلين متماثلًا تقريبًا. ومع ذلك، فإن البلورة تكون صغيرة بما يكفي بحيث تكون الظروف البيئية التي تُحيط بكلِّ جوانبها مماثلة على الأرجح، ويبدو أن تلك الظروف هي ما تحدِّد شكل البلورة ونموها.

على الرغم من أن معظم النُّدَف الثلجية تكون متماثلة تماثلًا سداسيًّا، فقد التُقِطت صورٌ لنُدَفٍ ثلجيةٍ لها نظامٌ تماثليٌّ أعلى (تماثلٌ اثنا عشري وثمانية عشري واثنين وعشريني) ولكنها على الأرجح تكون عبارة عن ندفتين ثلجيتين ملتحمتين أو أكثر، تكون كل واحدة منهما متماثلة تماثلًا سداسيًّا.

(٣٣) التزلج

لماذا يمكن لزلاجةٍ أن تنزلق على الجليد؟

الجواب: يمكن للزلاجة أن تتحرك بسلاسة على الجليد؛ وذلك لأن الاحتكاك بينها وبين الجليد يذيبُ بعضًا منه، وهو ما يوفِّر طبقة رقيقة زَلِقة. كثيرًا ما يؤدي التزلج السريع، بإنتاجه طاقة حرارية أكبر، إلى تجربة تزلج أفضل، في حين أن التزلج البطيء، بضعف إنتاجه للطاقة، يمكن أن يكون صعبًا.

تعمل الزلاجة ذات التوصيل السيئ للطاقة الحرارية بشكلٍ أفضل؛ لأنها تحافظ على المزيد من الطاقة الحرارية عند منطقة التماس بينها وبين الجليد، بدلًا من توصيل الطاقة الحرارية إلى أعلى الزلاجة. يمكن للزلاجات ذات الألوان الداكنة أن تكون أدفأ في ضوء الشمس إذا امتصت أشعة الشمس تحت الحمراء بشكل أكبر، على العكس من الزلاجات ذات الألوان الأفتح. وإذا كان الأمر كذلك، فستكون زَلِقةً بشكلٍ أفضل حتى في الأيام الغائمة التي يكون ضوء الشمس فيها غير مباشرٍ.

إذا كان الجليد شديد البرودة، فإن الاحتكاك بين الزلاجة والجليد لن يجعلها زَلِقة بما يكفي؛ ومِن ثَمَّ يصبح التزلج صعبًا. يُشبِّه بعض مستكشفي القطب الشمالي سَحْب الزلاجات على نعالها فوق هذا الجليد الشديد البرودة، بالجهد المطلوب لسَحْب زلاجة على الرمال.

يمكن للزلاجة أن تتحرَّك بسلاسة أيضًا فوق الجليد، خاصة إذا كانت زلاجة سريعة؛ لأن الهواء المحبوس بين الجليد والزلاجة يساعد على دعمها، مما يقلِّل من الاحتكاك، وتصبح الزلاجة عندئذٍ شبيهة بالحوامة.

(٣٤) التزحلق على الجليد وصنْع كرات الثلج

لماذا يمكن للزلاجات الانزلاق على الجليد؟ هل يمكن أن يكون الجليد شديد البرودة بحيث يُعيق التزحلق؟ هل يصبح التزحلق أكثر صعوبة إذا كانت درجة حرارة الجليد أدنى من نقطة التجمُّد؟ لماذا يمكنك أن تصنع كرةً ثلجيةً من الجليد، ولماذا لا يمكنك أن تصنعها عندما يكون الجليد باردًا جدًّا؟

الجواب: يمكن للزلاجات أن تنزلق على الجليد فقط بسبب الطبقة الزلقة من الماء السائل الذي يكون موجودًا بالفعل على سطح الجليد أو الذي ذاب من الجليد بفعل الاحتكاك بين الجليد والزلاجة المتحركة. كما يُدفئ ذلك الاحتكاك الشفرة الجليدية والمسار الجليدي وأجزاء الجليد وقطرات الماء التي تدحرجها الشفرة المتحركة إلى الجانبين. إذا كان هناك الكثير من الماء على سطح الجليد، فإنه يُحدِثُ قوة مقاومة ضد الشفرة، مما يجعل الانزلاق أكثر صعوبة. يمكن أن يشكل هذا الأمر مشكلةً عندما تكون درجة حرارة سطح الجليد أقل بقليل من التجمُّد، وخاصة في ضوء الشمس الساطع.

في الماضي، كانت طبقة الماء الزلقة تُعزى إلى «الذوبان عن طريق تغيُّر الضغط»؛ حيث يقلل الضغط الواقع على الجليد من شفرة التزلج الرفيعة نسبيًّا من القيمة العادية لنقطة التجمد، ألا وهي صفر درجة مئوية. وهكذا، إذا لم يكن الجليد باردًا جدًّا، فسيصبح الجليد الذي يقع أسفل الشفرة المتحركة مباشرة «فوق» نقطة التجمُّد فجأة وسيذوب. ومع ذلك، تُظهِر التجارب والحسابات أن الذوبان عن طريق تغيُّر الضغط له تأثير ضئيل أو معدوم على التزحلق على الجليد.

على الرغم من أن جزيئات الماء الموجودة في الجليد تكون مثبتة بإحكام في مكانها بفضل الروابط التي تجمع بعضها ببعض، قد تكون جزيئات الماء الموجودة على سطح الجليد غير محكمة كسابقتها؛ ومِن ثَمَّ تكون في حالة سائلة نوعًا ما تُسمَّى بحالة «ما قبل الذوبان» أو «الذوبان السطحي». تؤدي تلك الجزيئات غير المحكمة التي توجد داخل بقع رقيقة جدًّا بدلًا من تشكيل طبقةٍ موحدة، إلى احتكاك الزلاجة بها بشكلٍ أقل من الجليد الصلب نفسه.

لكي تصنعَ كرةً ثلجية، عليك أن تضغط وتُكَوِّرُ حَفنة من الثلج المفكك حتى يصبح كرة مضغوطة. عندما تنزلق الثلوج على بعضها أثناء تلك العملية تذوب أجزاء نتيجة لاحتكاكها ببعض ثم تتجمد مرة أخرى على هيئة جليد، وهو ما يجعل الثلج يتماسك مع بعضه. يمكن أيضًا للبقع الموجودة على الثلج، والتي تكون في حالةِ ما قبل الذوبان، أن تتجمد وتُكَوِّن جليدًا يربط الثلج ببعضه. إذا كان الثلج «رطْبًا» (يمكن أن تذيبه أنت بسهولة أو أن يذيبه الهواء الدافئ أو ضوء الشمس)، قد ينتهي الأمر بوجود الكثير من الجليد داخل الكرة بحيث تصبح كرة جليدية أكثر منها كرة ثلجية. تحظر القواعد التقليدية لمسابقة قذف كرات الثلج أن يستخدم الناس كرات الجليد؛ لأنها يمكن أن تكون في صلابة الصخور.

لا يمكنك صنْع كراتٍ ثلجيةٍ إذا كان الثلج باردًا للغاية؛ إذ إن الاحتكاك بين الأجزاء المنزلقة من الثلج لا يمكنه أن يذيب الثلج؛ ومِن ثَمَّ لا يمكن أن يُعاد تشكُّل الثلج ليصبح جليدًا، فبدون روابط جليدية ينهار الثلج ويتفكك.

(٣٥) المشي على الجليد

لماذا يكون المشي على الجليد أسهل بكثير إذا كان باردًا جدًّا؟ خلال أي مرحلة من المشي يمكن أن تكون عرضة للانزلاق والسقوط؟ لماذا تكون بعض أنواع الأحذية أفضل للمشي على الجليد (أقل عرضة للانزلاق) من غيرها؟

الجواب: خلافًا للاعتقاد السابق، يتسبب وقْع الأقدام على الأرجح في إذابة الجليد بشكلٍ ضئيل أو في عدم إذابته على الإطلاق. ومِن ثَمَّ، فالعامل الذي يمكن أن ينقذك من الانزلاق والسقوط هو وقوع قدْر كبير من الاحتكاك على حذائك. قد تصلح المواد الصلبة على نحوٍ أفضل للسير على الجليد الرطب (الجليد الذي يحتوي على طبقة من الماء المثلج أو الماء العادي)، أما المواد اللينة فتصلح على نحوٍ أفضل على الجليد الجاف. في الحالتين، تساعد الأحذية ذات الدبابيس في عملية المشي؛ إذ إنها بوضوح، تكون بمنزلة مسامير قصيرة تُدَقُ في الجليد، شريطة ألا يكون الجليد مفرط البرودة.

المرحلة الأكثر خطورة في عملية المشي على الجليد هي «ضربة الكعب»، ألا وهي عندما تخطو إلى الأمام وإلى أسفل ضاربًا الجليد بكعب القدم؛ إذ إنك تعتمد على الاحتكاك لتوقف القدم، ولكن على الجليد تكون هناك فرصة جيدة للتغلب على الاحتكاك بين الكعب والجليد. حينئذٍ، تنزلق القَدَم إلى الأمام دون سيطرة؛ ومِن ثَمَّ إذا لم تحصل على دعمٍ كافٍ فستسقط. إذا تعرضت للسقوط على هذا النحو، فأنت تعرف الآن أنك تحتاج إلى التحرك بخطوات صغيرة على الجليد بحيث تكون هناك حاجة لقدْر أقل من الاحتكاك لوقف حركة القَدم المتجهة إلى الأمام. كما أنك تعرف الآن أيضًا أن عليك ألا تركض أو تقفز على الجليد إلى الأمام أبدًا، إلا إذا كنت تستمتع بالسقوط!

(٣٦) أكواخ الإسكيمو الجليدية

هل يمكن لكوخ الإسكيمو (مبنًى مخروطي الشكل يُبنى من كتلٍ من الجليد أو الثلج) أن يُحافظ على دفءٍ ساكنه عندما تكون درجة الحرارة بالخارج أسفل نقطة التجمُّد؟

الجواب: يوفِّر كوخ الإسكيمو المزيد من الحماية من البرد وليس مجرد منع الرياح؛ ومِن ثَمَّ فإنه يقلل من مخاطر التعرُّض للتبرُّد الريحي. النقطة الأساسية هي أن جدران الكوخ توفِّر عزلًا حراريًّا، بحيث لا تُفقَد الطاقة الحرارية التي تصدُر من جسم الإنسان أو من اللهب (حتى ولو كان لهب شمعة) إلا ببطء من خلال الجدران. تكون الأكواخ الجليدية المصنوعة جيدًا مرتفعة عن الأرض بقليل ويتطلب الدخول إليها اتخاذ وضعية القرفصاء، ويكون بداخلها «دكة نوم» مرتفعة تشغل نحو ثلثي الأرضية الداخلية للكوخ، ويكون الدخول عبْر نفق يؤدي إلى ثُلُث الأرضية الآخر المنخفض. بمجرد دخول الكوخ، يصعد الشخص ليستلقي على دكة النوم. ولأن الهواء الأدفأ (الأخف) يرتفع، بينما ينخفض الهواء الأبرد (الأكثف)، يكون الهواء الموجود فوق دكة النوم مباشرة أدفأ بكثير من الهواء الموجود في الجزء المنخفض من الأرضية، وهو ما يسمح للشخص بأن ينام نومًا دافئًا نسبيًّا. (إذا بُني الكوخ وكانت به قمة مرتفعة، فلن تتحقق النتيجة السابقة؛ إذ إن الهواء الأدفأ سينتقل إلى أعلى بعيدًا عن دكة النوم.)

تقلِّل الجدران الأثخن أو الجدران التي لا يكون الجليد فيها مرصوصًا بتماسك (مع وجود الكثير من الجيوب الهوائية) من التوصيل الحراري عبْر الجدران؛ ومِن ثَمَّ تحافظ على دفء المكان بالداخل. لعزل الجزء الداخلي بصورة أكبر وتقليل أي سَحْب للطاقة الحرارية، يمكن سَدُ الفراغات الموجودة بين كتل الجليد عن طريق وضع الثلج باليد على تلك الفراغات من الداخل والخارج. عادة ما يذوب الثلج الذي يَسُدُّ الفراغات والسطح الداخلي لكتل الجليد ثم يتجمد مرة أخرى مكوِّنًا طبقة جليدية واقية.

(٣٧) لفائف الثلج

في حالاتٍ نادرة، يمكن لعاصفةٍ ثلجية عاتية أن تُشَكِّل كراتٍ وأسطوانات كبيرة من الثلج في الحقول المفتوحة يبلغ قُطر بعضها عشرات السنتيمترات وتبلغ كتلتها حوالي ستة كيلوجرامات. تشبه الأسطوانات الثلجية أكياس النوم الملفوفة أو طبقة العشب الملفوفة التي طُويَت قبل عملية الزراعة، باستثناء أن الأسطوانات الثلجية تكون أحيانًا مجوَّفة من الداخل، فما الذي يتسبب في إنتاج هذه الأشكال الغريبة؟

الجواب: يُعتَقد أن لفائف الثلج تتشكل عندما تتساقط ثلوج جديدة على غطاءٍ متشكِّل بالفعل من الجليد القشري. إذا كانت درجة الحرارة قريبة من نقطة التجمُّد، يلتصق الجليد الجديد بالجليد القشري. وإذا كانت الرياح قوية، فيمكنها أن تجذب رقعة بارزة من الطبقة الجليدية المركبة وتلفها بطول الحقل. تسحب الرقعة أثناء دورانها المزيد من الجليد وينمو قطرها، وعندما تكون الرياح عاصفة، يمكن أن تتعثر اللفافة الثلجية في اتجاهات عديدة وينتهي بها الحال بشكلٍ شبيه بالكرة العادية أو بكرة القدم الأمريكية. ولكن عندما يكون اتجاه الرياح عامة في اتجاه واحد، يكون شكل اللفافة الثلجية أسطوانيًّا. إذا كانت الرقعة الثلجية الأولى التي رفعتها الرياح طويلة، فسيكون الجزء الداخلي للأسطوانة مجوفًا.

كما يمكن أيضًا أن تتشكَّل لفائف ثلجية بواسطة النُّدَف الثلجية المفردة التي تدفع بها الرياح فوق الثلوج الجديدة أو من خلال الأحجار التي تُخلْخِلها الرياح من أماكنها وتدفع بها أسفل منحدرٍ ثلجي. ويمكن معرفة ذلك إذا فتحنا اللفافة الثلجية ووجدنا حجرًا بداخلها.

(٣٨) الانهيار الجليدي

ما الذي يتسبَّب في حدوث الانهيار الجليدي؟

الجواب: لا يوجد بعدُ تفسير كامل لما يُسبِّب حدوث الانهيار الجليدي، ويرجع ذلك إلى العديد من المتغيرات التي تلعب دورًا في هذا الأمر. ومِن ثَمَّ، لا تتوفر تكهنات جدية بشأن متى وأين قد يحدث انهيار جليدي. ومع ذلك، فهناك العديد من الأشياء المعروفة عن الانهيارات الجليدية. يبدأ «الانهيار الجليدي للجليد المفكك» عند نقطة في الجليد الجاف أو الرطب غير المتماسك، ويشبه الانزلاق إلى حدٍّ كبير انزلاق الرمل من أعلى كومة من الرمال. أما «انهيار ألواح الجليد» فهو حركة لوح جليدي متماسك نسبيًّا. يمكن أن يبدأ الانزلاق بعدة طرق، على سبيل المثال عندما يزداد الحِمْل الذي تسبِّبه الأمطار أو حركة أحد المتزلجين على اللوح الجليدي، أو عندما يسخن.

يلقى العديد من المتزلجين حتفهم كل عام بسبب الانهيارات الثلجية التي تتسبب حركتهم فيها، إلا أن تفاصيل ما يُطلِق شرارة عمل آلية الانهيار لا تزال غير مفهومة. تنطوي الآلية على وجود طبقة ضعيفة من الثلوج مدفونة تحت لوح الجليد. وإليك إحدى الطرق التي يمكن أن تتشكَّل بها هذه الطبقة الضعيفة: تتساقط الثلوج في بداية الموسم على الأرض التي لا تزال درجة حرارتها فوق التجمُّد، ثم تنخفض درجة حرارة السطح العلوي للثلج إلى ما دون نقطة التجمُّد. يدفع توزيع درجة الحرارة (التي تكون أدفأ في قاع الثلج وأبرد عند سطحه العلوي) بخار الماء إلى أعلى حيث يتكثف داخل النُّدَف الثلجية. تتحول النُّدَف الثلجية إلى ما يُعرف باسم «الثلج العميق» وهي عبارة عن مجموعة من حبيبات الثلج التي ليست مترابطة بإحكام، وهي التي تكون الطبقة الضعيفة من الثلوج. عندما تتساقط الثلوج الجديدة على تلك الطبقة، تصبح الأمور مهيأة لحدوث انهيارٍ جليديٍّ؛ وذلك لأن الطبقة الضعيفة من الثلوج يمكن أن تُكْسَر؛ أي إن مقاومتها تكون ضعيفة تجاه الحركة الموازية لها، تمامًا كالزُّبد الذي يُفرَدُ على الخبز بالسكين.

يمكن أن يتسبب أحد المتزلجين في هذه الحركة خاصة إذا كانت قوة تزلُّجه إلى أسفل على سطح الجليد تُشكِّل ضغطًا على الطبقة الضعيفة. أما إذا كان سطح الجليد صلبًا نسبيًّا؛ فلن تؤثِّر حركة المتزلج على الطبقة الضعيفة من الثلوج ولن تتسبب في تحريك اللوح الجليدي. إذا كانت طبقة الجليد أقل صلابة، وقد تكون كذلك نتيجة لتسخين ضوء الشمس لها، يمكن أن يسبِّب الضغط الناتج عن حركة المتزلج تشقق الطبقة الضعيفة، فتبدأ حركة الانهيار. ومِن ثَمَّ، يمكن لقطاع من الجليد أن يكون آمنًا في الصباح الباكر حين يكون باردًا، بينما يُشكِّل خطرًا في وقتٍ لاحق من اليوم عندما تصير درجة الحرارة أدفأ.

(٣٩) الأنماط التي يُشكِّلها الثلج الذائب

عندما يذوب الثلج على الأرض أو على سطحٍ مرصوف، لماذا تتخذ كتل الثلج التي تدوم لفترة أطول دون أن تذوب في بعض الأحيان هيئة أنماط هندسية مثل الأشكال السداسية أو الصفوف؟

الجواب: تُشكل الثلوج والمياه الذائبة طبقة رقيقة على طبقة رقيقة من الأرض تتباين فيها درجة الحرارة أفقيًّا. أسفل هاتين الطبقتين لا تتغير درجة حرارة الأرض أفقيًّا. تكون بعض البقع في الجليد بالصدفة أقرب إلى الذوبان من بقية الجليد. لنأخذ واحدة من تلك البقع بعين الاعتبار. كي يذوب الثلج، فهو يحتاج إلى طاقة حرارية ليحرِّر جزيئات مياهه من البنية الصلبة لبلورة الجليد. يمكن أن يحصل الثلج على تلك الطاقة الحرارية من الجليد المحيط به حتى مسافة محدودة. ويتأخر ذوبان الثلج لأن الثلج المحيط يفقد طاقته الحرارية؛ ومِن ثَمَّ يُشكِّل كتل الجليد التي تدوم لفترة أطول دون أن تذوب. تحدد المسافة المحدودة التي نُقلَت الطاقة عبْرها المسافة التي تفصل كل كتلة عن الأخرى؛ ومِن ثَمَّ نحصل على كتل ثلجية تفصلها عن بعضها نفس المسافة تقريبًا.

(٤٠) إذابة الجليد المتراكم على الأرصفة باستخدام الملح

لماذا يذوب الجليد المتراكم على الأرصفة والطُّرُق خلال فصل الشتاء عندما يُرَشُّ بالملح؟ لماذا يُفَضَّل استخدام كلوريد الكالسيوم (الملح الصخري) أحيانًا عن استخدام كلوريد الصوديوم (ملح الطعام)، لأسباب أخرى غير المتعلقة بالتكلفة؟

الجواب: لنفترض أولًا أن هناك طبقة من الماء على سطحٍ جليدي وأن درجة حرارة كلٍّ من السائل والثلج صفر درجة مئوية؛ أي درجة حرارة تجمُّد الماء العادية. تكون الواجهة التي تفصل بين الماء السائل والماء المجمَّد عامرة بالنشاط على المستوى الجزيئي، وذلك لأن الجزيئات تترك الجليد باستمرار وتنضم إلى السائل، والعكس بالعكس. ومع ذلك، إذا تساوى عدد الجزيئات التي تترك الجليد مع عدد الجزيئات التي تنضم إليه، فلن تتغير كمية الجليد.

إذا رششت الملح في السائل، «تتفكك» جزيئات الملح إلى أيونات موجبة وأيونات سالبة، تتوقُ جزيئات الماء للتجمُّع حول كل نوع من الأيونات، ويُقال إن الأيونات تكون «مميَّأة». لا يمكن للماء أن ينضم إلى الجليد لأنه يكون متحدًا بهذا الشكل مع الأيونات. وبما أن الجليد ينضم له عدد أقل من جزيئات الماء، بينما يظل عدد جزيئات الماء الذي يتركه ثابتًا، تبدأ كمية الجليد في الانخفاض؛ أي يبدأ الجليد في الذوبان. إذا خفَّفَ الماءُ الذائب الخليط الملحي بما يكفي، يعود الوضع إلى تساوي عدد الجزيئات التي تنتقل من الجليد وإليه؛ ومِن ثَمَّ يتوقف الذوبان؛ وعند إضافة المزيد من الملح، تبدأ عملية الذوبان مرة أخرى.

تكون الجزيئات في الحالة السائلة أكثر نشاطًا من الجزيئات الحبيسة داخل البنية البلورية للجليد. عندما ينضم جزيء إلى الجليد، فلا بد أن يفقد جزءًا من طاقته؛ وعندما يترك جزيء الجليد، فلا بد أن يحصل على نفس القدْر من الطاقة. إذا تطابق عدد الجزيئات التي تنضم إلى الجليد وتخرج منه، فإن الطاقة التي تصدر أثناء إحدى العمليات توفِّر الطاقة اللازمة لبدء العملية الأخرى. ولكن عندما يقلِّل الملح من عدد الجزيئات التي تنضم إلى الجليد، فما الذي يمد الجزيئات التي تستمر بترك الجليد بالطاقة؟ إذا كان الماء-الجليد في الهواء الطلق، فسيأتي مخزون الطاقة من الرصيف والطريق والهواء. وعلى الرغم من أن الجليد يذوب، فإن درجة حرارة الماء-الجليد لا تتغيَّر وتظل عند نفس درجة حرارة البيئة المحيطة.

مع ذلك، إذا كانت كمية الطاقة الآتية من البيئة المحيطة بالماء-الجليد غير كافية، فلا بد أن توفِّر الجزيئات الطاقة لعملية الذوبان. يقلِّل فقدان الطاقة من درجة حرارة السائل أولًا، ثم من درجة حرارة الجليد. وفي مثل هذه الحالة، يُقال إن نقطة تجمُّد الماء «مُثَبَّطة» بسبب وجود الملح. تنخفض درجة الحرارة حتى يحدث تطابق مرة أخرى بين عملية خروج وانضمام الجزيئات من الجليد وإليه.

يمكن أيضًا رؤية انخفاض نقطة التجمُّد إذا بُرِّدَت المياه المالحة تدريجيًّا عبْر مجمِّد شديد البرودة. ومع ذلك، هناك حدٌّ لمدى الانخفاض الذي يمكن أن تصل إليه نقطة التجمُّد. يكون الحد النهائي لكلوريد الصوديوم حوالي سالب ٢١ درجة مئوية، بينما يكون حوالي سالب ٥٥ درجة مئوية بالنسبة لكلوريد الكالسيوم. هذا الحد الأدنى لكلوريد الكالسيوم هو أحد الأسباب وراء استخدام الملح الصخري على الطرقات؛ إذ يمكنه أن يزيل الجليد من الطرق عند درجات حرارة أقل بكثير من ملح الطعام.

(٤١) المثلجات المصنوعة بالمنزل

يتكوَّن جهاز صنْع المثلجات المنزلي من علبة معدنية مركزية محاطة بطبقات من الملح والثلج المجروش، أما الهيكل الخارجي فهو عبارة عن وعاء خشبي. وبعد أن يبرد خليط الكريمة في الثلاجة، يُصَبُّ داخل العلبة وتُوضَعُ أداة تقليب. عندما كنت صغيرًا، كنتُ أَخفُق خليط الكريمة من خلال ذراع تدوير، أما الآن، فأقوم بتوصيل جهاز صنْع المثلجات بمقبس وأترك المحرِّك يقوم بالعمل اللازم.

لماذا يستخدم الخشب على الهيكل الخارجي لجهاز صنْع المثلجات؟ ولماذا تكون العلبة مصنوعة من المعدن؟ لماذا يُستخدم الملح والثلج المجروش؟ لماذا يجب خفْق خليط الكريمة؟ ألا يمكن تجميد الخليط في المجمِّد فحسب؟ ما الذي يحدث إذا لم تنخفض درجة حرارة خليط الكريمة بشكلٍ كبيرٍ تحت درجة التجمُّد العادية للماء؟ وماذا يحدث إذا انخفضت درجة الحرارة أكثر من اللازم؟

الجواب: تكون نقطة تجمُّد خليط الكريمة (درجة الحرارة التي يبدأ فيها الجليد بالتشكُّل داخلها) أقل من صفر درجة مئوية؛ لأن المكونات تتداخل مع عملية تكوُّن الثلج. للحصول على درجة حرارة منخفضة كهذه، عليك أن تضع الملح على الثلج المكتظ حول العلبة المعدنية (انظر البند السابق). يكون حينئذٍ الثلج وماؤه الذائب أبرد من درجة صفر مئوية؛ ومِن ثَمَّ يسحب الطاقة الحرارية من خليط الكريمة. ومع ذلك، يجب عدم استخدام الكثير من الملح وإلا فسيصبح الثلج والماء باردين للغاية فيسحبان الطاقة الحرارية من خليط الكريمة بسرعة كبيرة. في هذه الحالة، يتجمد مزيج الكريمة الموجود بجوار جدار الوعاء بسرعة ويُبطِئ من حركة الخفق. السَّحب التدريجي للطاقة الحرارية هو الأمر المطلوب بحيث تكون كل محتويات الخليط بالكامل في الحالة نفسها. أما بالنسبة للوعاء الخارجي الذي يحمل الثلج، فلا بُد أن يكون مصنوعًا من الخشب أو من أي مادة أخرى رديئة التوصيل للطاقة الحرارية بحيث لا تُذيب درجة حرارة الغرفة الجليد.

يُستخدم الثلج المجروش لأن مكعبات الثلج الأكبر حجمًا لا تصنع سوى نقاط تلامس قليلة مع جدار الوعاء؛ ومِن ثَمَّ تُبَرِّدُ خليط الكريمة ببطء شديد، وإذا خفقت الخليط بدون أن تبرِّده إلى الحد الكافي، فإنك ستقوم بفصل الزبدة بدلًا من صنْع الآيس كريم.

أما بالنسبة لعملية الخفق، فلها غرضان: (١) تعطُّل نمو بلورات الثلج في خليط الكريمة عن طريق تحريكها وتغطيتها بالكريمة. إذا تُركت البلورات حتى تنمو وتصير أكبر حجمًا، كما هو الحال إذا جُمِّدَ خليط الكريمة في أي مُجَمِّد عادي، فسيكون المنتج النهائي ذا قوام حُبيبي غير مستساغ. عندما يُخفَق خليط الكريمة، تبقى بلورات الثلج بحجمٍ صغير، ويكون المنتج النهائي ناعمًا عند تناوله. (٢) أما الغرض الآخر من الخفق فهو خفق فُقَّاعات الهواء داخل خليط الكريمة بحيث تصير المثلجات عبارة عن رغوة مجمَّدة، وليس قطعة كثيفة من الثلج. تستقر فُقَّاعات الهواء نتيجة لوجود كريات الدهون في خليط الكريمة. تُسمَّى الزيادة في الحجم التي تحدث نتيجة لوجود فُقَّاعات الهواء «الغمر». عندما تكون المثلجات خفيفة وهشة، قد يكون نصف حجمها عبارة عن هواء، مما يحدث غمرًا بنسبة مائة بالمائة.

بعد خفق الخليط، يُترَك ليستقر في البيئة الباردة التي يوفِّرها خليط الثلج والملح. أثناء هذه الفترة، يُقال إن الخليط يصبح «أقسى»؛ لأن الماء السائل المتبقي يُترَك ليتجمد. إذا سار كل شيءٍ بشكل جيد، يكون المنتج النهائي متجانسًا ذا بلورات صغيرة؛ ومِن ثَمَّ يكون ناعمًا سلسًا عند التذوق. ومع ذلك، إذا ذابت المثلجات ثم أُعيدَ تجميدها، فإنها ستمتلئ ببلورات الثلج المحببة.

سيصبح سائل الثلج حبيبيًّا إذا حُفِظَ في المُجَمِّد لفترة طويلة جدًّا (حتى إذا كانت درجة الحرارة دائمًا تحت نقطة التجمُّد)، وذلك لأن بلورات الثلج الصغيرة التي يلامس بعضها بعضًا ستندمج لتصبح بلورات ثلجية أكبر. (تحفز مخزونات الطاقة هذه العملية بسبب تقلص المساحة الكلية للسطح الناتج عن عملية الدمج.) يمكن أن تتعرض المثلجات المخزنة تخزينًا طويل الأمد لنفس النتيجة، باستثناء أن الغلاف الذي يحيط ببلورات الثلج يبطئ من هذه العملية.

يُقال إن الطيارين الأمريكيين الذين كانوا متمركزين في إنجلترا خلال الحرب العالمية الثانية كانوا يصنعون المثلجات عن طريق وضع علبة من خليط الكريمة في مقصورة الخلفية المخصصة لضابط المدفعية بطائراتهم المسماة «القلعة الطائرة»، بحيث تخضع لنفس البرودة والاهتزاز اللذين يتعرَّض لهما ضابط المدفعية الخلفي، وعندما كان الطيارون يعودون إلى قاعدتهم، كانت المثلجات جاهزة للأكل.

(٤٢) احتساء القهوة الساخنة، وتناول البيتزا الساخنة

لماذا يمكن احتساء (أو ربما رشْف) القهوة، التي يمكن أن تكون ساخنة بما فيه الكفاية لحرق أحدهم، دون أي أذًى؟ لماذا يكون الفم أكثر عرضة للحرق من تناول البيتزا الساخنة عنه من تناول حساء بنفس درجة سخونة البيتزا؟

الجواب: من الواضح أن خطر التعرُّض للحرق يعتمد على درجة حرارة الطعام الذي يُوضَع داخل الفم، كما يعتمد أيضًا على كمية الطعام، ومدى قدرة الطعام على نقل الطاقة الحرارية إلى الفم، وطول مدة ملامسة الطعام للفم. يمكن ارتشاف القهوة بأمان حتى ولو كانت ساخنة للغاية لدرجة أن تحرق البشرة إذا انسكبت عليها، كما يمكن أن يحدث عندما يحمل الشخص كوبًا من القهوة أثناء القيادة. عندما يُسكب السائل الساخن، عادة ما تمتص الملابس كمية كبيرة منه؛ ومِن ثَمَّ تحافظ على الاتصال بين السائل والجلد لفترة كافية للغاية لنقل الطاقة الحرارية إلى البشرة.

في المقابل، لا ينتج عن الرشفة سوى دخول كمية صغيرة من السائل إلى الفم حيث لا يظل على اتصال بأي جزء من الفم سوى لفترة قصيرة. كما يساعد الرشف على عدم الاحتراق بطريقتين أخريين: (١) يُخلط الهواء بالسائل، فيبرد السائل. (٢) يفتت السائلُ إلى قطرات لا تَنقل الواحدة منها بشكل فردي سوى كمية صغيرة من الطاقة الحرارية حيثما لامست الفم من الداخل.

أي طعام يكون من ضمن مكوِّناته الجبن الساخن، خاصة إذا سُخِّنَ في فرن الميكروويف، لا بد أن يُتَنَاولَ بحرص لسببين: (١) قد لا يبدو سطح الجبن ساخنًا بشكل مميز، إلا أن كتلة الجبن نفسها تحمل الكثير من الطاقة الحرارية. (٢) الأسوأ من ذلك هو أن الجبن يمكن أن يلتصق بالسطح العلوي من الفم. في الواقع، يمكنك أن تحرق سقف فمك في غضون ثوانٍ وتعاني من الألم لأيام.

(٤٣) الماء المغلي

إذا غليت الماء في وعاء، لماذا تتكوَّن الفُقَّاعات قبل أن يصل الماء إلى نقطة الغليان؟ ولماذا تصل الضوضاء الصادرة من الوعاء إلى أقصاها قبل أن يغليَ الماء بالكامل؟ باختصار، كيف يغلي الماء عند تسخينه على موقد؟

fig109
شكل ٤-٥: بند ٤-٤٣: (أ) تمتلك فُقَّاعة الهواء الصغيرة في الماء سطحًا شديد الانحناء وقوة داخلية كبيرة. (ب) تمتلك الفُقَّاعة الهوائية الموجودة في شق سطحًا أقل انحناءً وقوة داخلية أصغر.
الجواب: إن أولى الفُقَّاعات التي تتشكل تمتلئ بالهواء وتُدفَع خارج المحلول بفعل زيادة درجة الحرارة. تظهر فُقَّاعات الهواء هذه في قاع الوعاء أولًا حيث تدخل الطاقة الحرارية الماء عن طريق الموقد.
عندما تتشكل إحدى فُقَّاعات الهواء، يميل ضغط الهواء إلى دفع سطحها للخارج، لكن التوتر السطحي (الذي يحدث بسبب الانجذاب المتبادل بين جزيئات الماء)، يميل إلى سَحْب السطح إلى الداخل. تتسم الفُقَّاعة الصغيرة ذات السطح الشديد الانحناء بتوتُّر سطحي كبير؛ ومِن ثَمَّ تنهار (شكل ٤-٥أ). ومِن ثَمَّ، لا تتشكل فُقَّاعات الهواء في الماء السائب، ولا حتى فوق قاع الوعاء.
ومع ذلك، «يمكن» للفُقَّاعات أن تتشكل داخل الشقوق (أو الخدوش) بطول قاع الوعاء حيث يكون سطحها في البداية أقل انحناءً (شكل ٤-٥ب)؛ ومِن ثَمَّ يحدث سَحْب داخلي قليل نسبيًّا من التوتُّر السطحي. يزداد الضغط الخارجي بثبات كلما خرج مزيد من الهواء من المحلول ليدخل الفُقَّاعة. وهكذا، فإن الفُقَّاعة تتمدَّد حتى تصبح كبيرة بما يكفي للخروج من الشق. وبما أن الفُقَّاعة أخف من الماء، فإنها ترتفع عبْر الماء. ينتهي هذا النشاط بمجرد دفع معظم الهواء خارج المحلول.

بعد ذلك بوقتٍ قصير، يصبح قاع الوعاء ساخنًا بما فيه الكفاية لتبخير الماء، ثم تتكوَّن فُقَّاعات البخار في الشقوق. في البداية، تنضغط كل فُقَّاعة بصورة شبه فورية وتصدر «نقرة» تسري عبْر الماء والوعاء ثم إلى الهواء. وعندما يتبخَّر المزيد من الماء على صورة فُقَّاعات، تصبح في النهاية كبيرة بما يكفي للخروج من الشق والصعود إلى أعلى. ومع ذلك، فإنها تنضغط بمجرد أن ترتفع إلى ماء أكثر برودة حيث يتكاثف بخار الماء مرة أخرى ويتحول إلى سائل. مرة أخرى، كل انضغاط يصدر نقرة تسري عبْر الماء.

ومع استمرار ارتفاع درجة حرارة الماء، ترتفع الفُقَّاعات بشكلٍ تدريجي قبل أن تنضغط على نفسها ثم تصل في النهاية إلى السطح العلوي. وهناك تتفرقع مصدرةً صوتًا أخفَّ بكثير. حينها يكون الماء في حالة غليان كامل.

(٤٤) سلق البيض

ما الذي يحدِّد الوقت اللازم لسلق البيض جيدًا في الماء؟ لماذا يزداد الوقت المطلوب حين تحدث عملية السلق على ارتفاعات أعلى؟ لماذا عادة ما تتشقق قشرة البيض أثناء السلق، وكيف يمكن تجنُّب حدوث ذلك؟

الجواب: لسلق البيض جيدًا يجب أن تصل درجة حرارة الصفار إلى ٧٠ درجة مئوية. في عملية سلق البيض تكون الطريقة الوحيدة لزيادة درجة حرارة الصفار هي عن طريق توصيل الطاقة الحرارية من الماء إلى صفار البيض. يعتمد معدل التوصيل على الفرق في درجات الحرارة بين الماء والمكوِّنات الداخلية للبيضة. إذا تم وضع البيضة في ماء الصنبور ثم سُخِّنَ الماء تدريجيًّا إلى درجة الغليان، يستغرق وقت السلق ما بين عشر وخمس عشرة دقيقة تقريبًا. يقلُّ وقت السلق إذا وُضِعَت البيضة في الماء المغلي، ولكن عندئذٍ يتشقق قشر البيضة، مما يسمح بخروج مكوِّناتها إلى الماء.

يرتبط تأثير الارتفاع بقدرة جزيئات الماء على مغادرة سطح الماء بنجاح؛ ومِن ثَمَّ بقدرتها على التبخُّر. تترابط جزيئات الماء في درجة حرارة الغرفة على السطح بشكل غير مُحكم من خلال القوى الجاذبة فيما بينها. إذا ازدادت درجة حرارة الماء، فسيصبح لهذه الجزيئات طاقة حرارية أكبر (تتحرك بمزيد من الطاقة) ويمكن أن يتحرَّر بعضها من القوى الجاذبة تاركةً سطح الماء. تتصادم بعض هذه الجزيئات المحررة مع جزيئات الهواء وترتد إلى الماء مرة أخرى. ومع ذلك، عند نقطة غليان الماء، تفوق عملية فقْد الجزيئات عملية عودتها من الارتداد بنسبة كبيرة.

إذا غلينا الماء على ارتفاع أعلى، فإن كثافة جزيئات الهواء فوق الماء تصير أخف؛ ومِن ثَمَّ تقل فرصة الارتداد. حينئذٍ، يمكن أن تتجاوز عملية الفقدان عملية العودة من الارتداد بشكل كبير، حتى عند درجة حرارة أقل من المطلوب في الارتفاع الأدنى. باختصار، تكون نقطة غليان الماء أقل في الارتفاع الأعلى. وهكذا، يصبح معدل توصيل الطاقة الحرارية إلى البيضة أبطأ، فتستغرق وقتًا أطول لتُسلَق جيدًا.

ستتصدع قشرة البيضة إذا كانت باردة عند وضعها في الماء المغلي. يعود حدوث التشقق إلى الضغط الخارجي للغاز الذي ينتج داخل البيضة. إذا زاد هذا الضغط بسرعة، يمكن أن تتصدع القشرة، وعندئذٍ، سترى سلسلة من فُقَّاعات الغاز ترتفع من الشق. يمكن أن تمنع عملية السلق الأبطأ البيضة من التشقق. يمكن أن تؤدي إضافة الملح إلى تخثر بياض البيض أثناء خروجه، وهو ما يؤدي إلى سَدِّ الشق. كما يمكن ثقب البيضة بإبرة لتوفير منفذٍ لخروج الغاز، وهو ما قد يمنع تراكم ضغط الغاز.

(٤٥) طهي الطعام على موقد أو فوق شعلة نار

لماذا يمكن أن يَحمرَّ لون اللحم إذا شُوي فوق شعلة (أو أسفلها)، أو قُلي في الزيت، أو طُهِي في الفرن، ولكنه لا يكتسب هذا اللون إذا سُلِقَ في الماء أو طُهِيَ في فرن الميكروويف؟ وعندما يَحمرُّ لون اللحم، لماذا لا يَحمر من الداخل كذلك وليس فقط من الخارج؟ إذا كنت تطهو قطعة لحم مشويٍّ ذات وزن معيَّن لفترة معينة، وكان لديك قطعة لحم مشوي لها «ضِعف» وزن الأولى، فهل يعني ذلك أنه يتحتم عليك «مضاعفة» وقت الطهي؟

الجواب: يَحمرُّ لون اللحم (وهو ما يُسمَّى بتفاعل ميلارد) عندما تتفاعل وحدة كربوهيدرات مع حمض أميني. وبما أن التفاعل يتطلب درجات حرارة عالية (أعلى من نقطة غليان الماء)، فلا بد من تسخين اللحم عن طريق اللهب أو جدران الفرن الساخنة أو الزيت الساخن. تنقل الطريقتان الأوليان الطاقة الحرارية إلى سطح اللحم عن طريق الأشعة تحت الحمراء بالأساس، أما الطريقة الأخيرة فتنقله عن طريق التوصيل والحمل الحراريين (من المقلاة عبْر الزيت الساخن). يسخن اللحم من الداخل تدريجيًّا بفعل الطاقة الحرارية التي تنتقل من السطح إلى الداخل، ولكن اللحم من الداخل لا يصبح أكثر سخونة من نقطة غليان الماء؛ ومِن ثَمَّ لا يَحمر لونه أبدًا. أما إذا طُهيَ اللحم في الماء المغلي أو في فرن الميكروويف، فحتى السطح لا يتجاوز نقطة غليان الماء؛ ومِن ثَمَّ لا يمكن أن يَحمر لونه أبدًا.

يمكن تحمير بعض أنواع اللحوم، مثل شرائح اللحم البقري، على نار شديدة السخونة، ثم طهيها على نار متوسطة حسب الرغبة. يَحمر لون اللحم نتيجة لهذه العملية، ولكنها لا تسدُّ مسام اللحم كما يظن بعض الطهاة، والدليل على ذلك هو أن اللحم لا يزال يفقد سوائله؛ ومِن ثَمَّ فالتحمير يكون غرضه إكساب اللحم مذاقًا في المقام الأول.

يمكن وصف اللحوم بأنها مصفوفة بروتينات تحتوي على كمية لا بأس بها من الماء. في البداية يتم الاحتفاظ بالماء جيدًا لأنه لا الجاذبية ولا الضغط بقوة بواسطة أي أداة من أدوات الطهي يمكنهما أن يدفعا الماء للخروج من مسام اللحم. ولكن مع زيادة درجة حرارة اللحم أثناء الطهي، يتحرَّر الماء ويمكن لكلٍّ من الجاذبية وأدوات الطهي دفعه للخروج من مسام اللحم. يُفقَد معظم الماء الموجود في أيِّ جزءٍ من أجزاء اللحم عندما تصل درجة حرارته إلى ٦٠ درجة مئوية، وعندما يخرج الماء، يتقلص اللحم. ومِن ثَمَّ، يمكن لشريحة لحم مطهوة جيدًا أن تكون صغيرة الحجم بشكلٍ مدهش.

يفضِّل بعض الناس طهي قطعة لحم مشوي على مدار عدة ساعات عن طريق وضع اللحم في موقدٍ درجة حرارته مضبوطة على درجة الحرارة النهائية المرغوب أن تصل إليها تسوية اللحم من الداخل، وهي أقل من نقطة غليان الماء. بهذه الطريقة، تفقد قطعة اللحم المشوي القليل من مائها أثناء الطهي؛ لأن الماء على السطح لا يتبخر تمامًا.

يمكن لطبخ قطعة لحم مشوية في فرنٍ حرارته أكثر حدة أو طبخ شريحة لحم على الفحم أن يكون صعبًا؛ لأنه يمكن تجاوز درجة الحرارة المرغوب أن تصل إليها تسوية اللحم من الداخل؛ ومِن ثَمَّ يفقد اللحم الكثير من طراوته بسبب التبخير ويصبح جافًّا. عندما يقترب الجزء الداخلي من اللحم من درجة الحرارة المرغوبة، يجب فحص اللحم بشكل متكرر، إما عن طريق مقياس درجة الحرارة الذي يُباع في الأسواق (المزدوج الحراري) أو أن يقطع الطاهي قطعة صغيرة لفحص لون اللحم من الداخل. يُعتبر اللون دليلًا غير دقيق على درجة الحرارة؛ لأنه عندما تتغير طبيعة الميوجلوبين الموجود في اللحم بسبب زيادة درجة الحرارة، يتغير لون اللحم من الأحمر إلى اللون البني الرمادي. (يكون الميوجلوبين في الحيوان الحي مسئولًا عن حمل الأكسجين المنقول إلى اللحم من الرئتين عن طريق الهيموجلوبين الموجود في الدم.)

يمكن أن يعتمد تحديد المدة الزمنية اللازمة لطهي قطعة لحم مشوي أو ديك رومي وفقًا لوزنه حسب إحدى الوصفات على التخمين وحسب؛ وذلك لأن كل فرن يكون له معدل تسوية يختلف عن الأفران الأخرى (لا تكون إعدادات درجة الحرارة متماثلة تمامًا)، كما أن قِطَع اللحم المختلفة توصِّل الطاقة الحرارية بمعدلات مختلفة. ومع ذلك، فهناك قاعدة عامة لذلك: إذا كان الوقت المناسب لتسوية قطعة لحم مشوي ذات وزن معين هو T، فإذا كان الوزن أكبر بمرتين فإن وقت الطهي يساوي 23 / 2T، وإذا كان الوزن أكبر بثلاث مرات، فإن الوقت يساوي 33 / 2T. هل يمكنك تحديد النمط؟ يُرفَعُ معامل الضرب الخاص بالوزن إلى القوة ٢ / ٣.

(٤٦) طهي الطعام على نار المخيم

قد يشتمل الطهي على نار المخيم على أدوات طهي تقليدية (مثل المقلاة) وطُرُق طهي تقليدية (تُوضع المقلاة فوق اللهب)، ولكن يمكن أيضًا استخدام طُرُق طهي غير عادية، خاصة في موقف «الحفاظ على البقاء». كيف يمكنك استخدام رقائق الألومنيوم وعلبة معدنية كبيرة أو كيس من الورق أو الصخور أو البرتقال لطهي البيض أو اللحم مثلًا؟

الجواب: يمكن تجهيز رقائق الألومنيوم بحيث تعكس بعضًا من الأشعة تحت الحمراء الصادرة عن نار التخييم على الطعام حتى ينضج. واحدة من أفضل الطرق هي تثبيت رقاقة الألومنيوم كما لو كانت سقفًا مائلًا لكوخٍ بحيث تعكس الأشعة على الطعام الموضوع على «أرضية» الكوخ.

يمكنك تصميم موقد من أيِّ علبة كبيرة عن طريق قلْبِها وثقبِ ثقوب بالقرب من القمة وطي جزء من الأسفل. سيُسَخِّن الفحم الذي يُوضع في الطية العلبةَ من الداخل، مما يؤدي إلى تدفُّق الهواء الساخن من الفتحات الموجودة في الأعلى ويُمتَص الهواء البارد من خلال الطية. يمكنك الطهي مباشرة على السطح المستوي للعلبة المقلوبة، أو وضع علبة ثانية أصغر لطهي الطعام.

مكَّن تغليف الطعام في رقائق الألومنيوم ودفنه في الفحم (الذي قد يكون مُغطًّى بالتراب حينئذٍ). ومع ذلك، تميل بعض أجزاء الطعام إلى الاحتراق عندما تُطهى بهذه الطريقة. أفضل طريقة هي لف الطعام في طبقتين من رقائق الألومنيوم ووضع ورقة بينهما. يُبطئُ الهواء المتبقي في الفراغات بين هذه الطبقات الثلاث من نقْل الطاقة الحرارية إلى الطعام، مما يقلل من احتمالية ظهور البقع البنية ومن الاحتراق. يكمن مبدأ مشابه وراء الطهي باستخدام البرتقال: اقطع شريحةً من الثلث الأعلى للبرتقالة، ثم أفرغ بقية البرتقالة وضع الطعام في التجويف الداخلي، ثم ضع الجزء العلوي المقطوع فوقها وكأنه غطاء، ثم ضع البرتقالة عموديًّا في الفحم مباشرة. تقلل الرطوبة الموجودة في قشرة البرتقالة من فرصة حدوث بُقَعٍ بنية.

لا يمكن رفْع درجة حرارة الماء عادة فوق نقطة الغليان، التي تكون أقل بكثير من نقطة اشتعال الورق. لذلك، يمكن طهي الطعام في كيس ورقي ما دام يوجد ماء أو أي مادة مملوءة بالماء تُغطي الجزء السفلي من الكيس. على سبيل المثال، يمكن كسْر بيضة واحدة أو أكثر ووضعهما في كيس ورقي وطي الجزء العلوي عدة مرات لمنع الرطوبة من التسرُّب أثناء الطهي، وثقب الجزء العلوي بعصًا، ثم الإمساك بالعصا من الطرف المقابل، ووضع الكيس على الفحم الساخن. يمنع الماء الموجود في البيض درجةَ حرارة الجزء السفلي من الكيس من تجاوز نقطة غليان الماء، ولكنه يكون ساخنًا بما يكفي لإنضاج البيض.

يمكن طهي الدجاج (أو الطيور الأخرى) باستخدام الصخور الساخنة. لُفَّ الصخور الجافة برقائق الألومنيوم أولًا، ثم سخِّنها على الفحم الحار (لا تستخدم الصخور الرطبة لأنها عندما تسخن، يمكن أن يتبخر الماء الموجود بداخلها فجأة فتنفجر). عندما تكون الصخور ساخنة، ضعها داخل الدجاجة ولُفَّ الدجاجة برقاقة ألومنيوم، ثم غَطِّها بطبقات عديدة من ورق الصحف أو أوراق الشجر. ستنقل الصخور الطاقة الحرارية إلى الدجاجة لطهيها. سيعزل ورق الصحف أو أوراق الشجر الدجاجة، بحيث لا تصل الطاقة الحرارية إلى سطح الدجاجة فحسب ثم تُفقَد قبل أن ترتفع درجة حرارة الدجاجة بالشكل الصحيح (يجب طهي الدجاج جيدًا للقضاء على احتمال الإصابة بتسمم السالمونيلا).

(٤٧) طهي البيتزا

لماذا عندما تنضج البيتزا يذوب الجبن الموجود على سطحها جيدًا وتظهر بقع بنية فاتحة إذا كان الجبنُ كاملَ الدسم، ولكن لا يحدث ذلك لو كان الجبن خاليًا من الدسم؟

الجواب: تنضج البيتزا من خلال التوصيل الحراري القادم من صينية الخبيز، ومن الأشعة تحت الحمراء القادمة من جدران الفرن المحيط بها، ومن الحمل الحراري للهواء الساخن الموجود فوقها (خاصة إذا كانت ثمَّة مروحة تحرِّك الهواء). مع انتقال الطاقة الحرارية تدريجيًّا إلى الداخل كي تُنضِج العجين عمومًا، يفترض أن يذوب الجبن بتجانُسٍ على الجزء العلوي ثم يتحوَّل لونه ويصبح بنيًّا خفيفًا. يتغير لون الجبن إلى اللون البني حيثما تتشكل الفُقَّاعات في الجبن؛ أي حيثما يتبخر الماء لتكوين فُقَّاعات من البخار داخل الجبن. وبما أن قمم هذه الفُقَّاعات تصير رقيقة أثناء نضوج الفُقَّاعات، فيمكن أن تمتص طاقة حرارية كافية ليتحوَّل لونها إلى اللون البني.

إذا كان الجبنُ المستخدَم في البيتزا خاليًا من الدسم، فسيتبخر الماء بسرعة كبيرة من الجبن، كما أن خيوط الجبن الفردية الجافة لن تذوب وتندمج، بل ستحترق فحسب. لعلاج هذا الأمر، يُرَشُّ الجبن القليل الدسم أو الخالي من الدسم بطبقةٍ من الزيت عند تحضير البيتزا. تبطئ طبقةُ الزيت من عملية تبخر الماء من الجبن، بحيث يمكن للجبن أن يذوب ويندمج ويُكوِّن فُقَّاعات ويتحوَّل لونه إلى اللون البني.

(٤٨) تسخين الطعام في فرن الميكروويف

كيف تقوم الموجات الدقيقة لفرن الميكروويف بتسخين الطعام؟ لماذا يُستخدم قرص دوَّار في معظم أفران الميكروويف؟ هل تطبخ موجات الميكروويف الطعام من الداخل؟ لماذا لا يُحَمِّر فرن الميكروويف الطعام (ويُكسِبُهُ النكهات المميزة للأطعمة المحمرة) كما تفعل أفران الغاز أو الكهرباء؟

لماذا يجب ألا تُسخِّن كوبًا من الماء في الميكروويف أبدًا ثم تضيف إليه ملعقة من مسحوق القهوة الفورية أو الكاكاو؟ لماذا يجب ألا تستخدم فرن ميكروويف أبدًا في إنضاج بيضة في قشرتها أو في إنضاج بيضة منزوعة القشر، ولكن لا يزال صفارها في مكانه على الرغم من ذلك؟ لماذا قد يكون تناول المعجنات التي تم تسخينها في الميكروويف خطيرًا؟

الجواب: موجات الميكروويف هي أحد أشكال الإشعاع الكهرومغناطيسي، مثلها في ذلك مثل الضوء المرئي، باستثناء أن موجات الميكروويف يكون طولها الموجي أطول بكثير من الضوء المرئي (لا يعني «الإشعاع» في هذا السياق الإشعاع النووي؛ إذ تشير الكلمة إلى أن شيئًا ما يُشَع أو ينبعث). يمكن أن تخترق موجات الميكروويف معظم الأطعمة وتمتصها المياه الموجودة داخل الطعام. يُشكل جزيء الماء «ثنائي قطب كهربائي»، وهو النظير الكهربائي للمغناطيس الذي يكون أحد طرفيه ذا شحنة موجبة والآخر ذا شحنة سالبة (له «قطبان»؛ ومِن ثَمَّ يكون «ثنائي القطب»). يميل ثنائي القطب الكهربائي الموجود في أحد المجالات الكهربية إلى أن يصطف مع هذا المجال. يتذبذب المجال الكهربائي الموجود في شعاع موجات الميكروويف في الاتجاه والقوة؛ وبذلك، تكون جزيئات الماء في حالة تقلُّب مستمر في محاولة للحفاظ على هذا الاصطفاف.

تنتقل الطاقة من موجات الميكروويف إلى الجزيئات الموجودة في الأماكن المتقلبة حيث يكسِر هذا التقلُّب الروابط بين الجزيئات. تصبح تلك الطاقة المنقولة طاقة حرارية في الماء، ومِن ثَمَّ تُسَخِّنُه وتُسَخِّنُ الطعام الذي يحتوي على الماء. لا يصبح الطعام أسخن من نقطة غليان الماء أبدًا، على العكس من الطعام الذي يُطبَخ في المواقد الغازية أو الكهربائية، وهو ما يمكن أن يُحيل لون سطح الطعام إلى اللون البُني في ظل درجات حرارة أعلى بكثير، وذلك عن طريق تغيير طبيعة مادة أوكسي ميوجلوبين الموجودة في اللحوم؛ ولذلك، عادةً ما يُوصف اللحم الذي وُضع في المايكروويف في كثيرٍ من الأحيان بأنه «طري ودون طعم»؛ لأنه يفتقر إلى النكهات والملمس السطحي المميز الذي يمكن أن توفِّره أفران الغاز أو الأفران الكهربائية.

ولأن موجات الميكروويف تخترق عيِّنة الطعام بالكامل، يمكنها تسخين العينة بأكملها في وقتٍ واحدٍ إذا كانت العينة صغيرة إلى حدٍّ ما، أو تسخين طبقتها الخارجية السميكة إذا كانت العينة كبيرة. في الحالة الأخيرة، سيكون الوقت مطلوبًا لتوصيل الطاقة الحرارية إلى مركز العيِّنة.

قد تكون الأجزاء الداخلية لشرائح البيتزا والمعجنات المحشوَّة بحلوى الجيلي (أو المربى) خطرة إذا سُخِّنَت في فرن الميكروويف وأُكِلَت على الفور؛ إذ إن الصلصة والجيلي يسخنان بسرعةٍ أكبر بكثيرٍ من القشرة الخارجية؛ لأنهما يحتويان على الكثير من الماء. لذلك، عند إخراج الطعام من الميكروويف، قد لا تشعر بسخونة القشرة، بينما قد تكون الصلصة أو الجيلي ساخنةً لدرجة أن بإمكانها حرق الفم من الداخل بسرعة.

يرسل جهاز دقيق يُسمَّى الماجنترون (صمام مغناطيسي إليكتروني) موجات الميكروويف. عادةً ما تدور عيِّنة الطعام الموضوعة على قرص دوَّار في حركة دائرية حتى تخترق أشعة الميكروويف كل جوانبها. استُخدمت مروحة معدنية ذات شفرات مائلة في نماذج الأفران القديمة لتعكس الشعاع في نطاق واسع من الزوايا بحيث «يمطر» الشعاع عيِّنة الطعام. دون هذا السيل من انعكاسات الأشعة أو دوران الطعام، توجد «بقع نشطة» (يسخن فيها الطعام بسرعة)، و«بقع خاملة» (يسخن فيها الطعام ببطء فحسب). يمكن تسجيل نمط البقع النشطة والخاملة عن طريق وضع طبقات متماثلة من الجبن فوق أرضية الفرن (مع إزالة القرص الدوار). تقع البقع النشطة في الأماكن التي يذوب فيها الجبن أولًا ويُكَوِّن فُقَّاعات.

عندما يُسَخَّن الماء على موقد تقليدي بواسطة اللهب الذي يمتد بطول السطح السفلي للوعاء، تُبَخِّرُ الطاقة المنقولة من اللهب الماء ليُشكل فُقَّاعات من بخار الماء في الشقوق الموجودة بطول السطح الداخلي السفلي للوعاء. هذه الشقوق ضرورية. ولكي تتشكل الفُقَّاعة وينمو حجمُها، لا بدَّ أن تقاوم التوتر السطحي لجزيئات الماء (تميل الفُقَّاعات إلى الاتحاد بعضها ببعض بسبب القوى الجاذبة التي فيما بينها). يكون لأي فُقَّاعة صغيرة في المياه السائبة فرصة ضئيلة لمقاومة التوتر السطحي؛ وذلك لأن سطح الفُقَّاعة الذي يلامس الماء يكون مقوَّسًا بشدة. يعني هذا التقوس أن القوى الداخلية الناتجة من الماء كبيرة للغاية؛ ومِن ثَمَّ ستنهار الفُقَّاعة على نفسها على الأرجح. ومع ذلك، إذا تكوَّنت فُقَّاعة صغيرة داخل أحد الشقوق، لا يكون سطحها الملامس للماء مقوَّسًا بشدة؛ ومِن ثَمَّ لا تكون القوى الداخلية بهذه الحدة، فلا يصبح بإمكان الفُقَّاعة أن تظل موجودة فحسب، بل أن تنمو أيضًا مع تبخر المزيد من الماء للانضمام إليها. ومِن ثَمَّ، فإن الشقوق الموجودة في السطح الداخلي السفلي للوعاء تُحَفِّز الغليان في عملية التسخين التقليدية.

عندما يُسَخَّن الماء إلى درجة الغليان فوق شعلة من اللهب، يتم تغذية الماء بالطاقة الحرارية على سطحٍ يمكن أن تتشكل فيه فُقَّاعات البخار. لا يمكن أن يتجاوز الماء نقطة الغليان لأنه بمجرد وصوله إلى هذه النقطة، تبدأ الطاقة الحرارية بتحويل السائل إلى بخار لتشكيل الفُقَّاعات.

أما عندما يُسَخَّن الماء في فرن الميكروويف، فالعملية تكون مختلفة للغاية؛ لأن الطاقة الحرارية تُمتَص في الماء السائب وليس على السطح. في الماء السائب، سيُسبِّب التوتر السطحي للماء انهيار أي فُقَّاعة بخار في طريقها للتشكُّل؛ لذلك، لا يتغير الماء من الحالة السائلة إلى الحالة البخارية، ومع زيادة امتصاص الماء للطاقة الحرارية، ترتفع درجة الحرارة فوق نقطة الغليان العادية، ويُقال حينئذٍ بأن الماء «فائق الحرارة». أخيرًا، تبدأ فُقَّاعات البخار في التشكُّل على الرغم من التوتر السطحي الواقع على سطحها.

ومع ذلك، لنفترض أنك قمت بإخراج كوب من الماء الفائق الحرارة من فرن المايكروويف قبل أن تبدأ عملية إنتاج الفُقَّاعات. بدون وجود الفُقَّاعات، لن يكون هناك أيُّ دليل على أن الماء ساخن. إذا أفرغت ملعقة من المسحوق أو رقائق الثلج أو أي مادة أخرى ناعمة في هذه المياه الفائقة السخونة، فإن فُقَّاعات بخار الماء تتشكل فجأةً في جميع الزوايا والشقوق الموجودة على سطح تلك المواد. يمكن حينها أن يتحول الماء إلى حالة الغليان بقوةٍ شديدة، بحيث يُقذَف الماء الشديد السخونة من الكوب. من حينٍ لآخر، يُصاب أحد الأشخاص بحرقٍ بسبب هذه العملية.

على الأرجح ستنفجر البيضة أو صفار البيضة السليم أو أي إناء مغلق يحتوي على الماء في فرن الميكروويف. يُسَخَّنُ الماء حتى يصبح بخارًا ويندفع إلى الخارج فينفجر الإناء وينفتح. في بعض الأحيان لا تنفجر البيضة إلا حينما تهتز أثناء إخراجها من فرن الميكروويف، وعندئذٍ، لا تُحدِثُ فوضى كبيرة فحسب، بل إنها قد تصيب أحد الأشخاص بحروق، ربما على مستوى سطح العين. يمكن أن تحدث انفجارات أصغر تُسمَّى «ضربات الميكروويف» مع أطعمة مثل الفاصوليا الخضراء والفاصوليا البيضاء التي تحتوي على كميات صغيرة من الماء تحميها قشرة محكمة.

ولا شك أن عملية إنضاج حبوب الفشار حتى تنتفخ في الميكروويف يُعتبر ضمن الانفجارات؛ إذ إن الماء الموجود داخل كلِّ حبةٍ يتبخر فجأةً ويفجِّر الحبة دافعًا بها إلى الخارج لتُكوِّن شكلًا رقيقًا هشًّا يليق بوجبةٍ ليلية خفيفة. ومع ذلك، فمجرد إمطار حبوب الفشار بموجات الميكروويف لن يُنتِج لنا حفنة كاملة من الفشار الناضج المنتفخ؛ وذلك لأن كل حبةٍ تحتوي على القليل من الماء. لإنضاج الفشار بسرعةٍ أكبر، يحتوي الجزء السفلي من كيس الفشار على بطاقة تحتوي على مواد تمتص موجات الميكروويف بسهولة. تنقل البطاقة التي تسخن بسرعةٍ كبيرة جدًّا الطاقة إلى الحبات التي تُلامسها حتى تنفجر؛ مما يؤدي إلى سقوط حبات أخرى على البطاقة. تستمر هذه العملية حتى تنضج وتنتفخ معظم الحبات.

يمثل فرن الميكروويف المُسَرِّب خطرًا واضحًا. (عادةً ما يحدث التسريب الأكثر شيوعًا حول باب الفرن الذي ينخفض من كثرة الاستخدام.) فلا يمكن لموجات الميكروويف أن تُسَخِّنَ أجزاءً من الجسم يجب ألا تتعرَّض لذلك (كالعينين على سبيل المثال) فحسب، بل يمكن أن تتسبب في ضررٍ طويل المدى أيضًا.

(٤٩) إنضاج حبوب الفشار

لماذا تنتفخ حبات الفشار عندما تنضج؟ بعبارةٍ أخرى، ما الذي يُسبب تمددها والصوت الناتج عن ذلك؟

الجواب: يعتبر الفشار نوعًا خاصًّا من الذرة يُزرَع لقدرته على الانفجار عند تسخينه بواسطة الهواء الساخن أو الدهون أو عند تسخينه في فرن الميكروويف. (تسخن حبات الفشار في فرن الميكروويف عن طريق امتصاص موجات الميكروويف مباشرة وعن طريق ملامسة بطاقة خاصة تَسخن بسرعة عن طريق امتصاص موجات الميكروويف.) يكون غلاف حبة الفشار عبارة عن حاوية صغيرة مغلقة من النشا والماء السائل. عند تسخين حبة الفشار، يتبخر هذا الماء جزئيًّا ولكنه يبقى سائلًا إلى حدٍّ كبير. يزداد الضغط نتيجة لاحتباس الماء داخل غلاف الحبة؛ ومِن ثَمَّ، تزداد نقطة غليان الماء المحتبس.

عندما تصل المياه إلى حوالي ١٨٠ درجة مئوية بضغط أكبر بثماني مرات من الضغط الجوي، تنفجر جدران الغلاف وتُفتَح، فينخفض الضغط إلى مستوى الضغط الجوي وتنخفض نقطة الغليان حتى تصل إلى نقطة الغليان العادية. وهكذا، يصبح الماء الموجود داخل الغلاف فوق نقطة الغليان فجأة ويتبخر بسرعة كبيرة بحيث يُفَجِّر التبخر النشا الساخن الذائب فينتفخ ليصير حجمه أكبر بعدة مرات من حجمه الأصلي. يُرسِل التمدُّد المفاجئ للحبة في مقابل الهواء موجةً صوتيةً عبْر الهواء، وهذا هو صوت «طقطقة» الفشار.

ونظرًا لأن انتفاخ حبة الفشار يمنحها الملمس الرقيق الهش المرغوب فيه، يرغب المصنعون في زيادة هذا الانتفاخ إلى أقصى درجة. يميل الفشار الذي يحتوي على كمية أكبر من الماء داخل غلافه لأن يُحدِث انفجارًا أشد عند نضوجه؛ ومِن ثَمَّ انتفاخًا أكبر. ومع ذلك فإن الفشار الذي يحتوي غلافه على ماء يتجاوز كمية معينة ينفجر بصورة ضعيفة عند نضوجه، هذا إذا نضج أساسًا؛ وذلك لأن الماء الإضافي يقلل من صلابة جدران الغلاف.

(٥٠) طهي البيض المخفوق

لماذا يتم تقليب البيض عند إعداد البيض المخفوق؟ ولماذا يجب طهيه على نارٍ هادئة؟

الجواب: لطهي البيض المخفوق، يمكن إضافة البيض (والحليب حسب الرغبة) إلى مقلاة معتدلة السخونة، ثم تحريكه بشكل مستمر. ينقسم الغرض من التحريك إلى شِقَّين: الرغبة في تفكيك بعض البروتينات المتماسكة في البيضة لتكوين خليط متجانس، وتفكيك أي تخثُّر قد يتشكَّل عندما تنكمش البيضة بسبب الحرارة. إذا توقَّفتَ عن التحريك، فستتلقَّى البيضة الممتدة بطول سطح المقلاة كميةً كبيرةً من الطاقة الحرارية، وتنضج حتى تصبح مقرمشة. أما إذا كانت المقلاة شديدة السخونة، فستخسر البروتينات جزيئات الماء المرتبطة بها أثناء تفكُّكها واكتسابها للحرارة. يُكَوِّنُ الماء قطراتٍ ثم كتلًا سائلة. يُفضِّلُ بعض الناس البيض الذي به ماء كتل سائلة، أما البعض الآخر، فيريد أن يكون البيض مطبوخًا لدرجة أن تجفَّ الكتل السائلة تمامًا (وهو ما قد يجعل طعم البيض المخفوق أشبه بطعم الورق المقوَّى).

إذا كانت عملية نقل الطاقة الحرارية بطيئةً بما فيه الكفاية لتجنُّب فصل الماء عن البروتينات، وإذا كان التحريك يمنع الإفراط في طهي البيض وتكوُّن تخثُّرات كبيرة، فيجب رفع البيض المخلوط عن النار مبكرًا حتى تُكمِل الطاقة الحرارية المتبقية في المقلاة طهيه. يصبح البيض عندئذٍ رطبًا (وليس مبللًا)، ذا ملمس متجانس وطعم لذيذ. يمكن إضافة الملح عندما يكون البيض جاهزًا للأكل فقط؛ لأن استخدام الملح في أي وقت سابق يساعد على فصل الماء عن البروتينات. في حال إضافة الخضراوات أو غيرها من المنتجات إلى البيض المخفوق، أزِلْ محتواها المائي عن طريق تجفيفها أو طهيها أولًا، وانتظر حتى آخر دقيقة تقريبًا لتقليبها مع البيض في المقلاة.

تختلف عجة البيض (الأومليت) عن البيض المخفوق في جانبَيْن على الأقل. أولًا: لإنتاج فُقَّاعات الهواء، يُفْصَلُ بياض البيض عن صفاره ويُخفق البياض لإدخال فُقَّاعات الهواء في خليط من البروتينات المتماسكة. يمكن بعد ذلك إعادة دمج هذا الخليط المشبَّع بالهواء مع صفار البيض. ثانيًا: يُرغَبُ في الحصول على طبقة مقرمشة ينضج داخلها باقي خليط البيض. ومِن ثَمَّ، يُترَكُ المزيج لمدة أطول قليلًا على المقلاة؛ بحيث تتكوَّن القشرة بطول القاع؛ حينئذٍ يمكن طيُّ قُرص الأومليت. يَنضَجُ خليط البيض بين السطح المقرمش العلوي والسطح السفلي، وتتمدَّد فُقَّاعات الهواء وفُقَّاعات البخار.

(٥١) الينابيع الساخنة المتفجِّرة وأجهزة تحضير القهوة

لماذا تُقذَفُ المياه والبخار والمواد الأخرى من ينبوعٍ ساخن متفجِّر، بدلًا من التدفُّق خروجًا منه وحسب؟ لماذا تنشط بعض الينابيع؛ مثل نبع أولد فيثفول الساخن المتفجر في حديقة يلوستون الوطنية، بشكل دوري نوعًا ما؟

يتألَّف أحد الأنواع الشائعة من أجهزة تحضير القهوة من قمع مقلوب يرتكز على نحوٍ غير محكم على القاع، ويدعم وعاءً علويًّا يحتوي على ثفل القهوة (انظر شكل ٤-٦أ). كيف تُعَد القهوة في جهاز تحضير القهوة؟
fig110
شكل ٤-٦: بند ٤-٥١: (أ) القمع المقلوب لجهاز تحضير القهوة. (ب) الوعاء الزجاجي المستدير لجهاز تحضير القهوة.
الجواب: راقبت كاميرا فيديو مثبتة في موقع نبع أولد فيثفول، الذي قد يكون أكثر نبع ساخن متفجِّر حَظِي بالدراسة في العالم، وهو يمتلئ بالمياه ثم ينفجر. هذا النبع في الواقع عبارة عن صدع يصل عمقه إلى ٢٠٠ متر تقريبًا. تتدفَّق المياه الباردة والساخنة والبخار من الشقوق الموجودة بطول جانبَي الصدع. أما بالنسبة إلى مصدر حرارة الماء الساخن، فهي الحمم البركانية المنصهرة الموجودة على عمق عدة كيلومترات.

يبدأ النشاط عندما تصبح بعض المياه الموجودة على عمق ستة أو سبعة أمتار في النبع أسخن من نقطة غليان الماء في ذلك العمق. (ترتفع نقطة الغليان كلما زاد العمق؛ لأن ضغط الماء يرتفع أيضًا كلما زاد العمق.) ترتفع الفُقَّاعات البخارية من مستوى الغليان، فتنقل الطاقة الحرارية إلى المياه بالأعلى، والتي تكون درجة حرارتها أقل من درجة الغليان عند هذا العمق. ومع ذلك، تصل هذه المياه سريعًا إلى نقطة غليانها، ثم يؤدِّي التمدُّد المفاجئ للمياه، التي تتحوَّل سريعًا إلى بخار، إلى دفع عمود الماء والبخار من النبع الساخن المتفجِّر.

تتكرَّر العملية نفسها، ولكن يعتمد الوقت المطلوب على كمية المياه المتبقية في النبع الساخن المتفجِّر من الفوران السابق. عادةً ما تنقسم مدة فوران نبع أولد فيثفول إلى فترتين: فترة زمنية قصيرة وفترة زمنية طويلة؛ بحيث تتبع كل فترة منهما الأخرى.

عندما يُوضَع قمع مقلوب لأحد أجهزة تحضير القهوة فوق موقد ساخن، يُسَخَّن الماء الموجود داخل القمع إلى نقطةٍ يتبخَّر فيها بعضه بطول السطح السفلي. يدفع التمدُّد المفاجئ للبخار السائل إلى أعلى عنق القمع الضيق، وينسكب الماء في الوعاء ويتقطَّر إلى أسفل عبْر ثفل القهوة. تتكرَّر العملية حتى تصبح القهوة مركَّزة تركيزًا مناسبًا.

يتكوَّن أحد الأشكال الأخرى الرائجة لأجهزة تحضير القهوة من وعاءين زجاجيَّين مستديرين أحدهما موضوعٌ فوق الآخر ومتصلين بإحكام بحشوة مطاطية لمنع التسرُّب (انظر شكل ٤-٦ب). يُوضع ثفل القهوة في الوعاء الزجاجي العلوي الذي يكون مفتوحًا عند القمة، ويُوضع الماء في الوعاء الزجاجي السفلي. يمتد أنبوب صغير من أسفل مستوى الماء بالوعاء الزجاجي السفلي إلى الوعاء العلوي. عندما يُسَخَّن الماء بالوعاء السفلي بشكل كافٍ، يدفع تمدُّد الهواء وبخار الماء الموجود فيه بمعظم الماء إلى الوعاء العلوي عبْر الأنبوب، وبعد ذلك يُوضع جهاز تحضير القهوة جانبًا. عندما يبرد الوعاء السفلي ويتكثَّف بخار الماء، ينخفض ضغط الهواء، ويصبح أقلَّ من الضغط الجوي. وبما أن الوعاء العلوي يكون مفتوحًا، يكون الضغط الواقع على سائله هو الضغط الجوي. ونتيجةً لفرق الضغط بين الوعاءين، يُدفَع السائل مرة أخرى أسفل الأنبوب إلى الوعاء السفلي. تدفع هذه الحركة السائل عبْر ثفل القهوة وتزيد من فاعلية عملية التحضير. عندما يعود الماء كله إلى الوعاء السفلي، تكون القهوة جاهزة للصبِّ.

(٥٢) لُعبة قارب البُتْ بُتْ

يُدفَع القاربُ اللُّعبةُ الموضَّح في شكل ٤-٧ بواسطة دفقة من الماء الذي يخرج من الأنبوبين الممتدين عبْر «غلاية» حتى مؤخرة القارب. (يمكن أن تكون الغلاية مجرد مجموعة من عدة أنابيب ملفوفة.) لتجهيز القارب للإبحار، تُملأ الغلاية والأنابيب بالماء، ويُوضع القارب فوق بِركة من الماء، ثم تُوضع شمعة مضاءة أسفل الغلاية. عندما يسخن الماء في الغلاية ويتبخَّر، يدفع الضغط المتزايد بالماء إلى الأنابيب ثم خارجها نحو مؤخرة القارب.
fig111
شكل ٤-٧: بند ٤-٥٢: تدفع دفقة من الماء بالقارب اللُّعبة إلى الأمام.

السِّمة المثيرة التي تمتاز بها هذه الآلية أنه بمجرد القذف بالماء خارج القارب، لا تتوقَّف عملية الدفع، بل يُدفَعُ القارب إلى الأمام كل بضع دقائق بطريقة متقطعة. ما الذي يغذِّي عملية الدفع المستمر إذن؟

الجواب: عندما يُقذَف الماء من الأنابيب، ينتقل بعض البخار الذي تولَّد في الغلاية إلى الأنابيب؛ حيث يتكثَّف بسبب البيئة المحيطة التي تكون أبرد. تعمل كلٌّ من الحركة وعملية التكثيف على خفض الضغط في الغاز. مع انخفاض الضغط، يُسحَب الماء خلف القارب إلى داخل الأنابيب ويُعيد ملئها. ثم تُكرَّر دورة التفريغ وإعادة الملء نفسها ويُدفَع القارب إلى الأمام مرة أخرى.

إن الدفع السريع للماء يكون على شكل تيار نفَّاث موجَّه نحو المؤخرة، وهذا يحتم تحرُّك القارب إلى الأمام. لا يتحرك القارب للخلف خلال مرحلة إعادة الملء؛ لأن الماء المُمتَص لا يكون على شكل دفقة، بل يكون أبطأ، ويأتي من مجموعة واسعة من الزوايا (على شكل نصف قطر تقريبًا). ومن ثَمَّ، فإن القوة التي تميل إلى سَحْب القارب إلى الخلف تكون ضعيفة ولا يمكنها التغلُّب على مقاومة الماء للقارب. لذلك، يتحرَّك القارب للأمام خلال كل مرحلة من مراحل تصريف الماء، ولكنه يكون ثابتًا أثناء كل عملية إعادة ملء.

(٥٣) التأثيرات الحرارية على الأطوال

لماذا تُشَيَّد معظم الجسور على هيئة أقسام تفصل بينها فراغات قصيرة؟ لماذا شُيِّدَت خطوط السكك الحديدية القديمة باستخدام قضبان ذات أطوال قصيرة بينها فراغات متوسطة الطول؟ كانت تَصدُر عن هذه السكك الحديدية أصواتُ صلصلة صاخبة مزعجة؛ وذلك لأن عجلات القطار كانت تصطدم بهذه الفراغات ثم تهتز، فتهزُّ الركَّاب وتولِّد هذا الصوت. لماذا توجد تلك الفراغات في خطوط السكك الحديدية الحديثة؟

الجواب: تتمدَّد معظم المواد المستخدمة في بناء الجسور بفعل الحرارة وتنكمش بالبرودة. وإذا كانت تلك المواد معرَّضة إلى اختلافات كبيرة في درجة الحرارة على مدار العام، فلا بد أن يُؤخذ تغيُّر طولها في الاعتبار في مرحلة البناء، وإلا فسيؤدِّي التمدُّد إلى الانثناء.

شُيِّدَت خطوط السكك الحديدية في الأصل باستخدام قضبان ذات أطوال قصيرة وفراغات متوسطة الطول كي تسمح بهذا التمدُّد. أما خطوط السكك الحديدية الحديثة فلا توجد بها فراغات تقريبًا لتسمح بهذا التمدُّد؛ إذ إنها تكون عبارةً عن «قضبان ملحومة مُثبَّتة». وهي مثبَّتة بشكلٍ آمن على الروافد الخشبية العرضية بإحكام؛ بحيث يصبح حدوث الانثناء نادرًا. عادةً ما تكون السكك الحديدية في وضعها الطبيعي عندما تكون درجات الحرارة معتدلة.

عندما يبدأ النفط الساخن بالتدفُّق عبْر خط أنابيب النفط بطول قاع المحيط، قد يتعرَّض خط الأنابيب للانثناء نتيجة التمدُّد الحراري؛ وذلك لأنه غير مثبَّت في مكانه. لن يمثِّل الانثناء مشكلةً على الأرجح، إلا إذا كان شديدًا.

عندما صُنِّعَت الطائرة الكونكورد، كان تصميمها يسمح بالتمدُّد الحراري لجسم الطائرة أثناء الطيران فوق سرعة الصوت نتيجة التسخين الاحتكاكي الذي يتسبَّب فيه الهواء المتدفِّق حول الطائرة. كانت درجة الحرارة ترتفع إلى ١٢٨ درجة مئوية تقريبًا عند مقدمة الطائرة، وإلى ٩٠ درجة مئوية تقريبًا عند الذيل، وكانت نوافذ الكابينة دافئة بشكل ملحوظ عند اللمس، كما كان طول جسم الطائرة يتمدَّد بنحو ١٢٫٥ سنتيمترًا.

صُمِّمَت مواد طب الأسنان المستخدَمة في حشو التجاويف الناتجة عن تسوس الأسنان، وفي تصنيع تيجان الضروس، بعناية؛ بحيث يتطابق تمدُّدها الحراري وتقلُّصها مع الضرس المجاور، وإلا فسيصبح تناول المثلجات ثم شرب الكاكاو الساخن تجربةً لا تُنسى أبدًا.

أدَّت عوامل عديدة إلى انقطاع التيار الكهربي على نطاق واسع، خَلَّف ٥٠ مليون مواطن أمريكي وكندي بدون كهرباء في أغسطس عام ٢٠٠٣، ولكن أُبلِغَ عن حالة غريبة تحديدًا تخص أحد كَبْلات نقل الطاقة في ولاية أوهايو. كان التيار الذي ينتقل عبْر الكَبْل عاليًا في ذلك اليوم؛ ممَّا أدَّى إلى ارتفاع معدل التسخين داخله عن المعتاد. ومع ارتفاع درجة حرارة الكَبْل، زادت أيضًا أطواله الواقعة بين كل نقطتَي دعم؛ وهكذا بدأت أجزاؤه في التدلِّي. تدلَّى أحد أجزاء الكَبْل حتى اقترب بما يكفي من إحدى الأشجار، فأشعلت شراراته الشجرة وصولًا إلى الأرض. قضى هذا الأمر على قدرة الكَبْل على حمل التيار، ويبدو أن فقدانه قد ساهم في عدم استقرار منظومة شبكة الطاقة؛ ما أدَّى إلى إيقاف المنظومة عن العمل.

(٥٤) انهيار عربات التخزين في قطارات الشحن

تكون عربات التخزين في قطارات الشحن فائقة المتانة، ولا يمكن أن تتدمَّر إلا في حالات حوادث التصادم السريعة. ومع ذلك، يمكن أن تتدمَّر أيضًا عند تجاهل بعض مبادئ الفيزياء. إليكم حادثة وقعت بالفعل: في وقتٍ متأخر في ظهيرة أحد الأيام، كان طاقم العمل ينظِّف إحدى عربات التخزين من الداخل باستخدام البخار. ولأنهم لم يُنهوا مهمة التنظيف بنهاية نوبة عملهم، قرَّروا إغلاق العربة وانصرفوا. ولكن عندما عادوا في صباح اليوم التالي، وجدوا أن شيئًا ما قد سحقها، على الرغم من جدرانها الفولاذية الفائقة المتانة، وكأن مخلوقًا عملاقًا من المخلوقات التي تظهر في أفلام الخيال العلمي ذات الدرجة الثانية قد دهسها تلك الليلة في ثورة غضب. فما الذي سبَّب سحق عربة التخزين؟

الجواب: عندما نُظِّفَت عربة التخزين، تشبَّعت جدرانها بالبخار الشديد السخونة، وهو عبارة عن غاز من جزيئات الماء. تَرك طاقم التنظيف البخار داخل العربة عندما أغلق جميع صمامات العربة في نهاية نوبة عمله. عند تلك النقطة، كان ضغط الغاز في العربة مساويًا للضغط الجوي؛ وذلك لأن الصمامات كانت مفتوحة ومعرَّضة للجو الخارجي أثناء التنظيف. وعندما بدأت العربة تبرد أثناء الليل، بَرَدَ البخار أيضًا وتكثَّف جزءٌ كبير منه؛ ما يعني أن عدد جزيئات الغاز ودرجة حرارته انخفضا، في حين ظل الحجمُ ثابتًا، ونتيجةً لذلك، انخفض ضغط الغاز. وفي وقتٍ ما من تلك الليلة، بلغ ضغط الغاز داخل العربة قيمةً منخفضة للغاية حتى صار الضغط الجوي الخارجي قادرًا على دفع الجدران الفولاذية إلى الداخل وسحق العربة. كان يمكن لطاقم التنظيف منع هذا الحادث عن طريق ترك الصمامات مفتوحة؛ بحيث يمكن للهواء دخول العربة للإبقاء على الضغط الجوي الخارجي والضغط الجوي الداخلي متساويين.

(٥٥) تجفيف الغسيل المُعَلَّق

قبل أن تصبح أجهزة تجفيف الملابس شائعة، كانت الملابس المغسولة «تُعَلَّق لتجفَّ» على حِبال الغسيل؛ إذ كانت الملابس تُثَبَّت على الأحبال بمشابك غسيل؛ بحيث تتدلَّى من الحبال التي كانت توضع في ضوء الشمس أو في الظل حتى تجفَّ. لماذا يجفُّ القميص المعلَّق بهذا الشكل؟ بالتحديد، لماذا تبدأ عملية التجفيف من أعلى ثم إلى أسفل؟

الجواب: قد تعتقد أن القميص المعلَّق على حبل الغسيل يجفُّ من أعلى إلى أسفل؛ لأن المياه تتسرَّب عبْره إلى الأسفل ثم تتساقط من جزئه السفلي. وفي الواقع، أنت مُحِقٌّ، على الأقل بالنسبة إلى الثلاثين دقيقة الأولى من عملية التجفيف. عندما تتسرَّب المياه إلى الأسفل، فإنها تُكَوِّن قطرات تصبح في النهاية كبيرة بما يكفي لتتحرَّر من الملابس وتسقط. ومع ذلك، عندما يتوقَّف هذا التسرُّب، يظل القميص مبلَّلًا. إذا سخَّنتْ أشعة الشمس القميص فحسب، فسيجف القميص بأكمله بنفس المعدل تقريبًا، وليس من الأعلى إلى الأسفل. تُعزى عملية التجفيف من أعلى إلى أسفل إلى الحمل الحراري للهواء الذي يحدث بطول القميص بسبب تغيُّرات درجة الحرارة.

يظل القميص مبلَّلًا حتى بعد تسرُّب الماء وتساقطه منه؛ لأن التوتر السطحي يحبس الماء في مسام القماش (الفراغات المفتوحة بين الأنسجة). لِنتدبَّرْ موقف قُطَيرة ماء داخل أحد المسام الرأسية. يكون لهذه القُطَيْرة سطح مُقوَّس يحيط به الهواء من الأعلى ومن الأسفل. يُنتِج تقوُّس السطحين قوةً خالصة على القُطَيْرة نتيجة التوتر السطحي (الذي يحدث بسبب التجاذب المتبادل بين جزيئات الماء). إذا كان الجزء العلوي من المَسَمِّ أعرض من الجزء السفلي، يكون اتجاه القوة الخالصة نحو الأسفل، في نفس اتجاه قوة الجاذبية على القُطَيْرة؛ ومِن ثمَّ يتحرَّك الماء إلى أسفل. مع ذلك، إذا كانت قمة المَسَمِّ أضيق من الجزء السفلي، يكون اتجاه القوة الخالصة الناتجة عن التوتر السطحي نحو الأعلى، ويمكنها أن تُبقي على القُطَيْرة في مكانها على الرغم من قوة الجاذبية. تبقى قُطَيْرات الماء المحبوسة داخل تلك المسام في القميص بعد أن تتوقَّف عملية تسرُّب الماء وتساقطه.

يتبخَّر الماء تدريجيًّا من هذه القطيرات المحبوسة. تتطلَّب عملية التبخر طاقةً لتحرير جزيئات الماء من السطح. وهكذا، يحمل الماء المتبخِّر بعض الطاقة من القُطَيْرة المتبقية، فيبرِّدها ويبرِّد النسيج المحيط والهواء. وبما أن الهواء يصبح أكثر كثافةً عندما يبرد، ينخفض هذا الهواء البارد بطول القميص، ويلتقط الرطوبة من القطيرات المنحبسة بالأسفل. وهكذا، يبدأ خط التجفيف الذي يفصل بين الجزء الجاف والمبلل من القميص في أعلى القميص، ثم يُدفَع إلى الأسفل بواسطة الهواء البارد النازل.

إذا كنت تبحث عن عذرٍ فيزيائي للاستجمام تحت ضوء الشمس لساعات، يمكنك أن تُعلِّق قميصًا مبتلًّا وتقول إنك تفحص مسيرة خط التجفيف من أعلى القميص إلى أسفله نتيجة عملية التجفيف الحراري.

(٥٦) المعاطف الدافئة

إذا دخلت غرفة باردة وأنت ترتدي ملابس الشاطئ، لماذا تشعر بالبرد؟ كيف يمكن لمعطف أن يبقيك دافئًا؟

الجواب: أنت تشعر بالبرد عندما تفقد طاقة حرارية أكثر من الطاقة الحرارية التي تحصل عليها من البيئة المحيطة، وهناك أربعة أنواع من فقدان الطاقة الحرارية: (١) في حالة التوصيل الحراري، تفقد الطاقة عن طريق التلامس المباشر مع جسم آخر أبرد من درجة حرارة جسمك، وهو ما يحدث عندما تجلس على مقعد بارد. (٢) في حالة الإشعاع، تفقد الطاقة عن طريق إصدار الأشعة تحت الحمراء إلى بيئتك المحيطة، كما أنك تكتسب الطاقة عن طريق امتصاص الأشعة تحت الحمراء التي تنبعث من البيئة المحيطة، ولكن إذا كانت البيئة أبرد من درجة حرارتك، فسيكون هذا الاكتساب أقل من خسارتك للطاقة. (٣) في حالة الحَمل الحراري، تفقد الطاقة أثناء مرور الهواء بجانبك، فإذا كان الهواء أبرد من درجة حرارتك، فستفقد الطاقة الحرارية عن طريق اصطدام جزيئات الهواء بك. (٤) يمكنك أيضًا فقدان الطاقة من خلال عملية تبخُّر العَرَق من بشرتك، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعلك تتعرَّق عندما تمارس الرياضة. يتطلَّب التغيير من الحالة السائلة إلى الحالة البخارية طاقةً، وهي تأتي من بشرتك. إذا تعرَّقت وأنت معرَّض لنسيمٍ أو ريح، يزداد معدل التبخر؛ ومِن ثمَّ يزداد معدل فقدان الطاقة.

الغرض من ارتداء المعاطف (أو الملابس بشكل عام)، هو تقليل فرصة حدوث كل هذه الأنواع من فقدان الطاقة. على سبيل المثال، تُقلِّل جلود الحيوانات — مثل الجلد المدبوغ — من فقدان الحَمل الحراري والتبخر الناتجَيْن عن التعرُّض إلى الرياح من خلال حجزها خارج الجسم. كذلك يمكن للمعطف أن يوفِّر طبقةً من الهواء شبه المحتجز حول جزء من جسمك، ولأن الهواء يُوصِّل الطاقة الحرارية بشكل رديء، تساعدك تلك الطبقة في عزله. يساعد ارتداء طبقات متعددة من الملابس أسفل المعطف بشكل أكبر في ذلك؛ لأنك حينئذٍ تكون لديك طبقات متعددة من الهواء شبه المحتجز لعزل جسدك.

يساعد فراء المعطف على إبقائك دافئًا؛ وذلك لأن الهواء يكون محتجَزًا نسبيًّا ما بين الفراء. ومع ذلك، إذا كنت تقف في مهب الرياح، يتطاير الهواء من بين الفراء بسهولة. ومن ثَمَّ، تكون أكثر دفئًا إذا ارتديت المعطف مقلوبًا، بحيث يكون الفراء بالداخل حتى لا يتعرَّض للرياح.

إذا عرَّضت بشرتك العارية، مثل بشرة الوجه أو الأصابع، إلى الرياح الباردة، فإن مدى شعورك بالبرودة يتحدَّد بشكل تقريبي بواسطة «مؤشِّر برودة الرياح»؛ أي درجة الحرارة التي تتسبَّب في نفس الشعور بالبرد في حال عدم وجود رياح. يعتبر حساب مؤشر برودة الرياح حسابًا دقيقًا أمرًا معقدًا؛ وذلك لأنه ينطوي على قدرتك على التكيف مع الهواء البارد؛ إذ يتكيَّف بعض الناس بسهولة شديدة، والبعض الآخر يتكيَّف بصعوبة. تكمن خطورة الرياح الباردة بطبيعة الحال في احتمالية الإصابة بعضة الصقيع التي تحدث عندما يبدأ الجلد في التجمُّد. عادةً لا يتجمَّد الجلد عند درجة حرارة أعلى من سالب ١٠ درجات مئوية، بغض النظر عن سرعة الرياح، ولكن تزداد احتمالات الخطر بسرعة في حالات درجات الحرارة الدنيا وسرعات الرياح الكبرى.

(٥٧) النباتات الدافئة

عندما يتصادف تساقط الثلوج في أواخر فصل الشتاء على نبات «ملفوف الظربان» Symplocarpus foetidus الذي ينمو في أمريكا الشمالية وآسيا، لماذا لا يلبث الثلج المتكوِّن حول الملفوف أن يذوب؟ يمكن أن تتكوَّن فجوة حول الملفوف خلال الثلوج الكثيفة.
الجواب: يُعَدُّ ملفوف الظربان واحدًا من النباتات القادرة على رفع درجة حرارتها فوق درجة حرارة البيئة المحيطة. ومِن ثَمَّ، يمكن لملفوف الظربان أن يُذيب الثلج المتجمع حوله؛ لأن الثلج يفقد طاقة أكبر عن طريق الأشعة تحت الحمراء المنبعثة نتيجة ارتفاع درجة حرارته. على غرار الطيور والثدييات، يُقال إن هذه النباتات تتمتع بقدرة «التنظيم الحراري»؛ وذلك لأنها قادرة على الحفاظ على درجة حرارتها حتى مع تغيُّر درجة حرارة البيئة المحيطة. قد تكون بعض النباتات، مثل النورة الزهرية (مجموعة من الزهور الصغيرة، أو الزهيرات) التي من جنس «شجرة الحب» Philodendron selloum، دافئةً عند لمسها (أي تكون أكثر دفئًا من الإنسان) وتولِّد الطاقة الحرارية بمعدلٍ يضاهي ما تولِّده قطة صغيرة. (يقول روجر إس سيمور، أحد الباحثين الرئيسيين في هذا المجال، إنه يتخيَّل في بعض الأحيان أن هذا النبات عبارة عن قطة تنمو على ساق.)

(٥٨) فراء الدب القطبي

لماذا يكون شعر فراء الدببة القطبية مجوَّفًا؟

الجواب: تحبس شعرات فراء الدب القطبي البيضاء الأجزاء المرئية من ضوء الشمس والأشعة تحت الحمراء؛ لأن تلك الأجزاء تُعكَسُ وتُنقَلُ إلى أسفل حتى تصل إلى جلد الدب؛ حيث تُمتَص وتزيد من الطاقة الحرارية للجلد (تمتص الشعرات أيضًا الأشعة فوق البنفسجية من ضوء الشمس، إلا أن الأشعة فوق البنفسجية لا تسهم كثيرًا في رفع درجة حرارة الدب). تُحفَظ الطاقة الحرارية للجلد جزئيًّا؛ لأن الشعرات مجوفة وتوصِّل الطاقة الحرارية بشكل رديء (فكرة أن الشعر المجوَّف يعمل بشكلٍ ما كأليافٍ ضوئية هي مجرد خرافة).

(٥٩) الأردية السوداء وخراف الصحراء السوداء

يُعتَقَدُ عادةً أن الملابس البيضاء تُضفي شعورًا بالبرودة عن الملابس السوداء عندما يكون الإنسان في بيئة حارة وجافة. ومع ذلك، يختار البدو الذين يعيشون في درجات الحرارة المرتفعة بصحراء سيناء ارتداء الملابس السوداء أحيانًا بدلًا من الملابس البيضاء. فلماذا يختارون ذلك؟

إذا كنت تائهًا في الصحراء، فهل تزيد فرصتك في البقاء على قيد الحياة إذا تجرَّدت من ملابسك لتقضي على ما امتصصته من ضوء؟

غالبًا ما تكون خراف البدو سوداء، ولا يعود ذلك إلى الاستيلاد الانتقائي، ولكنه يعود إلى التكيُّف الطبيعي مع البيئة على ما يبدو. لماذا يساعد الفراء الأسود تلك الخراف على البقاء؟

الجواب: قد تمتص الأردية السوداء المزيد من أشعة الشمس وتزيد درجة حرارتها بصورة أكبر من الملابس البيضاء، إلا أن درجة حرارة الهواء داخل الملابس ودرجة حرارة بشرة البدوي لا تعتمد على لون الملابس في المقام الأول؛ فالارتفاع في درجة حرارة الرداء الأسود يعادله على الأرجح الحَمل الحراري الأكبر للهواء الذي يمر عبْر الرداء: يدخل الهواء من الأسفل، ويرتفع نتيجة التسخين ويخرج من عند الرقبة؛ إذ يشبه الرداء المدخنة إلى حدٍّ ما. إذا تعرَّض البدوي لرياح عاصفة، يدعم انتفاخ الثوب عملية دوران الهواء بشكل أكبر.

إذا كنتَ في صحراء ولا مفر من ارتداء ملابس ضيقة لا تسمح بالكثير من دوران الهواء، فستسخن الملابس البيضاء بشرتك بدرجة أقل من الملابس السوداء. لا يُفضَّل عادةً أن تخلع ملابسك بسبب خطر التعرُّض لحروق الشمس. وإذا كان لديك وفرة من الماء، فلا بد أن تكون الملابس مسامية؛ بحيث تعطيك عملية تبخُّر العَرَق من بشرتك شعورًا بالترطيب. أما عندما يكون الماء شحيحًا، فستحتاج إلى الملابس لتقليل الفقد الذي ينتج عن التبخُّر الذي يحدث على بشرتك، وإلا فستُصاب بالجفاف بشكل خطير في مدةٍ زمنيةٍ وجيزة. في رواية الخيال العلمي الكلاسيكية «الكثبان» للكاتب فرانك هربرت، يعيش سكان الصحراء في بيئة شديدة القسوة؛ بحيث يرتدُون بَزَّات محكمة الغلق للاحتفاظ برطوبة الجسم الثمينة.

يسمح فراء الخراف الأسود لها بالبقاء على قيد الحياة خلال شتاء سيناء القاسي. لا يشكِّل لون الفراء فرقًا إلا حينما تتعرَّض الخراف لضوء الشمس المباشر، فحينئذٍ يدفئ لونُ الفراء الأسود الذي يمتص ضوء الشمس بصورة أكبر أجسامَ الخراف ويقلِّل من عملية الأيض. وبما أن غذاء الخراف يكون شحيحًا في فصل الشتاء، يصبح الأيض المنخفض ميزة.

(٦٠) معدل تبريد فنجان من القهوة

لنفترض أنك صنعت فنجانًا ساخنًا من القهوة، ولكنك لا تنوي شربه حتى وقت لاحق، ولْنفترض أيضًا أنك تتناول قهوتك مع الحليب؛ فهل عليك، كي تحصل على قهوة ساخنة قدْر الإمكان عند احتسائها، أن تضيف الحليب فور صنعها أم قبل أن تبدأ في احتسائها مباشرة؟ هل يجب تقليبها في غضون ذلك؟ هل يجب أن تضع بها ملعقة؟ هل للملعقة المعدنية تأثير مختلف عن الملعقة البلاستيكية؟ هل يعتمد معدل تبريد القهوة على كَوْن لون الكوب (أو حتى السائل) أسود أو أبيض؟

الجواب: توجد ثلاثة عوامل يجب الموازنة بينها في هذا الصدد: (١) كلما كانت درجة حرارة القهوة أعلى، فقدت الحرارة أسرع (في حال كان هذا هو العامل الوحيد المهم، إذن فلا بد أن يُضاف الحليب على الفور لتقليل درجة الحرارة ومعدل الفقدان). (٢) إضافة كمية من الحليب البارد إلى القهوة الساخنة ينتج خليطًا ذا درجة حرارة متوسطة؛ سيكون انخفاض درجة حرارة القهوة أكبر كلما كانت أسخن عندما يُضاف الحليب (في حال كان هذا هو العامل الوحيد المهم، فعدم إضافة الحليب في التو يكون أفضل). (٣) من المحتمل أن يقلِّل وجود الحليب من تبخر الماء، وكذا فقدان الحرارة المتصل بذلك.

ذكرت مجموعة من الباحثين أن القهوة الداكنة تبرد بنسبة ٢٠٪ أسرع من القهوة الفاتحة في الظروف العادية. ربما يرجع ذلك إلى العامل الثالث وليس إلى أي اختلاف في انبعاث الأشعة تحت الحمراء. كذلك وجدوا أيضًا أنه إذا كان الحليب أبرد من درجة حرارة الغرفة (قد يكون أُخرِجَ من الثلاجة للتو)، فستكون القهوة أسخن إذا أُضيف الحليب على الفور. ومع ذلك، لو كان الحليب أدفأ من درجة حرارة الغرفة (وهو أمر نادر الحدوث)، فسيعتمد الوقت الصحيح لإضافة الحليب على عدة عوامل، بما في ذلك الوقت الذي ترغب مكوثه في الانتظار حتى تحتسي قهوتك؛ لذا عليك بإضافة الحليب على الفور بصورة عامة.

يُعجِّل التقليب بالتبريد؛ لأنه يرفع السائل الساخن إلى السطح ليتبخَّر. إذا تُرِكَت ملعقة معدنية في القهوة، فإنها ستُوَصِّل الحرارة بطولها (مثل «الزعنفة الحرارية») حتى تسخن بأكملها، أما الملعقة البلاستيكية فعلى الأرجح لن يكون لها تأثير يُذكر.

أما مسألة اللون، فتنطوي على المعدل الذي يُصدِر عنده السطحُ الطاقةَ. في حالة الضوء المرئي، يُشِعُّ السطح الأبيض طاقةً أكبر من السطح الأسود، إلا أن الفقدان الرئيسي للحرارة من سطح الكوب (أو السائل نفسه) من خلال الانبعاث يحدث في نطاق الأشعة تحت الحمراء. وبالنسبة إلى هذا النطاق، تصدر الأسطح البيضاء والسوداء الانبعاث نفسه تقريبًا؛ ومِن ثَمَّ يكون لون الكوب غير مهم.

إذا وُضِعَ غطاء على فنجان من القهوة أو وُضِعَت طبقة من الكريمة المخفوقة عليها، فسيحافظ كلٌّ منهما على القهوة ساخنةً لفترة أطول بسبب التبخر المتناقص وفقدان الحرارة المرتبط به.

(٦١) سرُّ برودة الماء داخل الأواني الفخارية المسامية

في المناخات الحارة الجافة، لماذا يكون الماء المحفوظ داخل وعاء مصنوع من الفخار المسامي (الراشح) باردًا عندما يكون الوعاء موضوعًا في مكانٍ ظليل ومعرضًا للريح؟ عندما اصطحبني والداي في جولة بالسيارة في جنوب غرب الولايات المتحدة، وضعوا كيسًا مساميًّا لحفظ الماء على ممتص الصدمات الأمامي للسيارة. وعندما توقَّفنا لشرب الماء، كان الهواء والسيارة ساخنَيْن بشدة، إلا أن الماء كان باردًا دومًا. فلماذا كان باردًا؟

الجواب: تترك جزيئاتُ الماء أثناء التبخر الجسمَ الأساسي للماء لتتحرَّك عبْر الهواء المحيط. تُستنفَد الطاقة لتحرير تلك الجزيئات من قوى الجذب بين الجزيئات على سطح الماء. وتُسترجَع الطاقة إذا تسبَّبت حركة عشوائية في إعادة هذه الجزيئات إلى السطح (تعود إلى السطح نتيجة اصطدامها بجزيئات الهواء). ولكن إذا كان الهواء نسيمًا، تُنتَزَع تلك الجزيئات المحرَّرة، ولا يمكنها إرجاع الطاقة. في هذه الحالة، يفقد سطح الماء الطاقة، وإذا كان فقدان الطاقة سريعًا بما يكفي، تنخفض درجة حرارة الماء قبل أن يحدث انتقال كبير للطاقة إلى الماء من البيئة الدافئة المحيطة. وهكذا، إذا وُضِعَ وعاء مسامي في الظل، يمكن للنسيم أن يُبَرِّد الماء من خلال نزع جزيئات الماء المتبخرة التي تسرَّبت عبْر جدار الوعاء. وبالمثل، إذا كانت سيارة والديَّ تظلِّل كيس الماء الموضوع عليها، يمكن أن يُبَرِّد الهواءُ المار الماءَ عن طريق تبخير الجزيئات التي تسرَّبت عبْر جدار الكيس.

تُستخدَم عملية التبريد هذه بطرقٍ أخرى أيضًا. على سبيل المثال، عند القيام بنزهة في يومٍ حارٍّ، يمكن أن يظل الطعام والنبيذ باردَيْن نسبيًّا لساعات إذا كانا موضوعين في وعاء فخاري مسامي محكم الغلق غُمِرَ بالماء حتى التشبُّع. يمكنك في الواقع الحفاظ على انتعاشك في يومٍ حارٍّ عن طريق غمر ملابسك بالماء ثم الوقوف في مكانٍ ظليل مُنَسَّم.

يُقال إن الضفدع الأمريكي الجنوبي (Phyllamedusa sauvagei) يستخدم التبريد التبخيري بطريقة فريدة من نوعها. عادةً ما يقضي هذا الضفدع يومه وعيناه مغلقتان، ولكن عندما تزيد درجة حرارة جسمه عن ٤٠ درجة مئوية في يومٍ حارٍّ، يفتح الضفدع عينَيْه بشكل دوري ويغلقهما. عندما تكون عيناه مفتوحتَيْن، تبرزان وتَبرُدان عن طريق التبخر. وعندما تكونان مغلقَتَيْن، تتراجعان وتضغطان على الدماغ. وهكذا، يمكن للضفدع على ما يبدو أن يُبَرِّدَ دماغه عن طريق التبخر الذي يتم وعيناه مفتوحتان.

(٦٢) لُعبة الطائر ناقر الماء

تحظى لُعبة الطائر ناقر الماء (انظر شكل ٤-٨) بشعبية داخل الفصل الدراسي وخارجه. كي يبدأ الطائر بهز رأسه، لا بد أن تبلِّل الرأس. بعد ذلك، يميل الطائر تدريجيًّا إلى الأمام حتى يدور فجأةً في اتجاه شبه أفقي، وبعد ارتداده مرة أو مرتين، يصحِّح الطائر اتجاهه. إذا جهَّزت كوبًا من الماء يمكن أن يغمس فيه الطائر منقاره، فسيكرِّر الطائر عملية غمس منقاره دون توقُّف. فما الذي يدفع الطائر للقيام بهذه الحركة؟ هل توجد طرق أخرى لجعل الطائر يهزُّ رأسه دون أن يبلِّله بالماء؟ في هذه الحالة، سيهزُّ الطائر رأسه حتى في وجود رطوبة عالية، وهو العامل الذي يوقف الاهتزاز عندما يستخدم الماء.
fig112
شكل ٤-٨: بند ٤-٦٢: لُعبة الطائر ناقر الماء وهي على وشك أن ترتدَّ مرة أخرى إلى وضعها المستقيم.
الجواب: يكون الجزء السفلي من جسم الطائر ممتلئًا جزئيًّا بسائل يتبخَّر بسهولة، وعادةً ما يكون هذا السائل كلوريد الميثيلين. تحتوي الفراغات المفتوحة في الجسم والرأس على بخار هذه المادة الكيميائية. يكون رأس الطائر ومنقاره مغطَّيَيْن بالريش، ويتكوَّن العنق من أنبوب يمتد من الرأس إلى الجسم. في مكانٍ ما بطول الرقبة، يدعم الطائرَ محورٌ حرٌّ للدوران حول الساقين وقاعدة اللعبة.

بعد رش الرأس بالماء، يبدأ الماء في التبخر في الهواء المحيط. وبما أن تحوُّل السائل إلى بخار يتطلَّب طاقة حرارية، فإن التبخر يبرِّد اللباد والرأس والبخار الموجود داخل الرأس (يساعد النفخ في اللباد على التبخر). مع انخفاض درجة حرارة البخار داخل الرأس، ينخفض ضغطه بالتبعية. بما أن تجويف البخار في الجسم لا يتصل مباشرة بالبخار الموجود داخل الرأس، يظل ضغط البخار أعلى، ويؤدِّي الفرق في الضغط بين التجويفين إلى دفع السائل بشكل تدريجي عبْر الأنبوب. يجعل انتقال السائل رأس الطائر ثقيلًا ويجعله يدور حول المحورين الداعمين الموجودين في الساقين. يكون الدوران تدريجيًّا في البداية، ثم يدور الطائر فجأةً للأمام باتجاهٍ شبه أفقي، ثم يرتد إما لأعلى قليلًا من حافة كأس الماء أو بعيدًا عن الأجزاء الداعمة للساق التي تحدُّ من دورانها.

عندما يكون الطائر في وضعٍ شبهِ مستوٍ تقريبًا، يرتفع الطرَف السفلي من الأنبوب فوق السائل الموجود في جسم الطائر، فيتصل تجويفا البخار لحظيًّا؛ ومِن ثمَّ يتكافآن في الضغط. أثناء الارتداد لأعلى، يسمح ميل الأنبوب للسائل بالتدفُّق من الرأس إلى الجسم مرة أخرى، وهو ما يعيد التوزيع الأصلي للوزن، فيصحِّح عندئذٍ الطائر من حركته بالكامل. إذا بلَّل الطائر منقاره أثناء النقر في الماء، يتسرَّب الماء المضاف عبْر اللباد الموجود على رأسه، وتتكرَّر عملية غمر منقاره في الماء مرة أخرى.

توجد طرق عديدة لبدء لُعبة الطائر ناقر الماء دون بَلِّ رأسه بالماء. على سبيل المثال، يمكن وضع الكحول على رأسه بأكمله؛ وهو ما من شأنه أن يتبخَّر حتى وإن كانت درجة رطوبة الهواء مرتفعة. (على سبيل المثال، يفي استخدام مشروب الويسكي القوي بالغرض، إلا أنه قد يفسد لباد الطائر.) يمكن وضع الطائر في أشعة الشمس الساطعة وتظليل رأسه والأجزاء العليا من رقبته فيما عدا جسمه. وإذا دُهِنَ جسمه باللون الأسود، فقد يدفع ذلك أيضًا إلى زيادة معدل حركة الطائر بشكل محموم.

قصة قصيرة

(٦٣) لُعبة الطائر ناقر الماء العملاقة

في ستينيات القرن العشرين، اقتُرِحَ استخدام نسخة مكبَّرة من لُعبة الطائر ناقر الماء كحلٍّ مثالي لمطالب الري في منطقة الشرق الأوسط القاحلة (تعود براءات الاختراع لمحرِّكاتٍ مشابهة إلى عام ١٨٨٨)؛ بحيث يُوضع طائر بطول قناة مملوءة بالماء، وبمجرد أن يبدأ تشغيل الطائر من خلال رشِّ الماء على رأسه المغطَّى باللباد، ينخفض إلى الأمام ويدفع مغرفةً وأنبوبًا مثبَّتين إلى تعبئة المياه من القناة ثم سكْبها على مستوًى أعلى من الأرض (الحقل). وكل مرة ينخفض الطائر فيها إلى الأمام، يتسنَّى له بَلُّ منقاره في مياه القناة.

لزيادة إنتاجية العمل، يمكن تثبيت أنبوب تعبئة ثانٍ بالجانب الآخر من الطائر، بينما يكون الطائر موضوعًا بين قناتين متوازيتين. ومع تمايله إلى الأمام وإلى الخلف، يمكن توصيل المياه من قناة منخفضة إلى قناة أخرى أعلى تكون بنفس ارتفاع مستوى الحقل.

سأشارك معكم مشروعًا أكثر جرأةً: لنفترض أننا نصبنا طائرًا عملاقًا في المياه الضحلة الموجودة قبالة ساحل كاليفورنيا، وأن الحبال المُوصَّلة بالطائر ستُوصَّل بتروس مثبتة على جهازٍ موضوع على الشاطئ، وكلما انخفض الطائر وملأ منقاره بالماء، أجبر التروس على الدوران، ويمكن أن تتحوَّل الحركة إلى طاقة كهربية. يمكن لسربٍ من هذه الطيور العملاقة التي تصطفُّ بطول ساحل كاليفورنيا أن تعمل على تعويض احتياجات الولاية المتعطشة للكهرباء.

تراجعتُ عن اقتراح هذا المشروع عندما وجد أحد الشركاء خطرًا محتملًا؛ فقد عُرِف عن الناس عبْر التاريخ أنهم يعبدون مصادر الطاقة، مثل النار والشمس؛ ومِن ثَمَّ يكمن الخطر في اقتراحي في أنه قد تظهر طوائفُ تعبد الطائرَ ناقر الماء، وأن أعضاءها سيُعرِبون عن شديد امتنانهم للطيور ناقرة الماء من خلال الاصطفاف على الشواطئ ومحاكاة حركاتها بالتزامن؛ وبما أننا لدينا ما يكفي من الطوائف بالفعل، فقد قرَّرتُ التخلي عن الفكرة.

(٦٤) الأنابيب الحرارية وإبر طهي البطاطس

يمكن طهي لحم خنزير مشوي أو ديك رومي كبير في وقت أقل، إذا وُضِعَ أنبوب حراري داخل اللحم بزاوية متجهة إلى أعلى. يتكوَّن الجهاز من أنبوب مجوَّف ومغلق به فتيل وكمية قليلة من السائل (ربما الماء). أما الطرَف السفلي، فعبارة عن أسطوانة معدنية كبيرة صلبة أو قطعة ضيقة بها عدة زعانفُ حرارية. قد تبدو الطبيعة المجوَّفة للأنبوب غير صحيحة؛ فالمقصود نقل الطاقة الحرارية من بيئة الفرن الساخنة إلى اللحم من الداخل. ولذلك، ألن يكون استخدامُ قضيب معدني صلب أفضلَ في نقل الطاقة الحرارية؟

يُدخِل العديد من الطهاة عند خبز البطاطس إبرةً (أو قضيبًا معدنيًّا على شكل إبرة) داخل البطاطس لتوصيل الطاقة الحرارية إلى البطاطس من الداخل. بما أن المعادن تُوَصِّلُ الطاقة الحرارية بصورة أفضل من البطاطس، فيفترض أن تقلِّل الإبرة الوقت اللازم لطهي البطاطس. لماذا إذن تفشل معظم «إبر طهي البطاطس» هذه في تقليل وقت الطهي العادي الذي يستغرق ساعة بمقدارٍ لا يزيد على دقيقة أو اثنتين؟

الجواب: يُوَصِّل القضيب المعدني الصلب الطاقةَ الحراريةَ إلى قطعة اللحم المشوي من الداخل من خلال التوصيل الحراري، ولكن العملية تكون بطيئة. تكون عمليةُ التوصيل أسرعَ بكثير عند استخدام الأنبوب الحراري. في الواقع، عندما يكون الجزء الداخلي من اللحم باردًا، قد ينقل الأنبوب الحراري الطاقة الحرارية أسرعَ بعدة آلاف من المرات من قضيب معدني صلب بنفس الحجم.

يرجع النقل السريع للطاقة إلى السائل الموجود في الأنبوب وتصميم النهاية المكشوفة. نهاية الأنبوب لها مساحة سطح كبيرة؛ لذا تمتص الطاقة الحرارية بسهولة من الهواء الساخن، ومن خلال اعتراض الإشعاع الحراري داخل الفرن. يتبخَّر السائل الموجود داخل الأنبوب في النهاية، وهو ما يستهلك كمية كبيرة من الطاقة الحرارية. بعد ذلك، يرتفع البخار الساخن عبْر الأنبوب المائل إلى الجزء الداخلي الأبرد للَّحم. تؤدِّي البيئة الباردة إلى تكثيف البخار وإطلاق كل الطاقة الحرارية المستخدَمة في تبخيره. بعد ذلك، تُوَصَّل الطاقة الحرارية المنبعثة بعيدًا عن الأنبوب وعبْر اللَّحم. وفي هذه الأثناء، إما أن يسري التكاثف إلى أسفل الأنبوب مرة أخرى أو على طول الفتيل، وعندما يصل إلى الجزء السفلي من الأنبوب، يتبخَّر مرة أخرى وتتكرَّر هذه الدورة. بما أن عمليتَي التبخير والتكثيف تنطويان على الكثير من الطاقة الحرارية، فإن نقل الطاقة الحرارية إلى اللحم يكون أسرعَ بكثيرٍ ممَّا لو جرى توصيل الطاقة بطول قضيب معدني مصمت.

تفشل إبرة طهي البطاطس العادية في تقليل وقت الطهي بشكل ملحوظ؛ لأن النهاية المكشوفة تكون صغيرة جدًّا، فلا تمتص الطاقة الحرارية من الفرن إلا ببطء شديد. إذا كانت النهاية المكشوفة أضخم، أو كانت ذات زعانف حرارية، فسيتم الأمر بنجاح.

(٦٥) المرايا الضبابية

لماذا تُصبح المرآة أو النافذة الزجاجية ضبابية إذا أخذتَ حمَّامًا ساخنًا عندما يكون الهواء المحيط باردًا؟ ولماذا يبدأ الضباب بالتجمُّع بالأعلى؟ ولماذا يمكنك منْع هذا إذا وضعت طبقة رقيقة من الصابون (أو المنظف) على المرآة قبل الاستحمام؟ (يمكنك أيضًا، بدلًا من ذلك، استخدام قمة قالب الصابون أو إصبع مغطًّى بالمنظف لكتابة رسالة على المرآة. تكون الرسالة غير مرئية تقريبًا قبل أن يبدأ الشخص التالي في الاستحمام، ولكن بمجرد تجمُّع الضباب على الأجزاء غير المغطاة، تظهر الرسالة؛ لأن الأجزاء المغطاة بالصابون أو المنظف تكون واضحة جلية.)

لماذا تظهر المياه أحيانًا على الطرقات رغم عدم وجود أمطار، ورغم أن كل الأشياء الأخرى جافة؟ في يوم شتوي بارد، لماذا يتكاثف الهواء على الجزء الداخلي من النافذة الزجاجية بدلًا من السطح الخارجي؟ هل يرجع ذلك إلى أن الرطوبة تكون أعلى في الداخل؟ لا، عادةً ما تكون الرطوبة أقل. (لهذا قد يُصاب الناس في الأجواء الباردة ﺑ «جفاف الجلد» خلال فصل الشتاء، وتكون الصدمات الكهروستاتيكية أكثر شيوعًا في الشتاء مقارنةً بالصيف.)

الجواب: غالبًا ما تُسمَّى كمية بخار الماء الموجودة في الهواء «الرطوبة النسبية» مقارنةً ﺑ «حدِّ التشبع». على سبيل المثال؛ إذا كانت الرطوبة النسبية تبلغ ٥٠ بالمائة، فيعني هذا أن كمية البخار تساوي نصفَ حدِّ التشبُّع. يمكن أن تصل الرطوبة النسبية أثناء الاستحمام بالماء الساخن في غرفة مغلقة إلى ١٠٠ بالمائة، وبعد ذلك، بينما يدفع ماء الاستحمام الساخن ببخار ماء إضافي إلى الهواء، يتكاثف بعض البخار ويشكِّل قطرات على الأسطح المختلفة، بما في ذلك المرآة.

السبب الآخر لتجمُّع القطرات على المرآة، هو أن حدَّ التشبع يكون أقل بالنسبة إلى الهواء الأبرد. فإذا كانت المرآة باردةً عند الاستحمام، فإنها ستبرِّد الهواء الشديد الرطوبة الذي يصل إليها، وتقلِّل حدَّ تشبُّع الهواء، وتؤدِّي إلى تكثُّف بعض البخار. عادةً ما يملأ الهواء الساخن الرطب الذي يخرج من الدش الجزء العلوي من الحمام. وهكذا، تبدأ القطرات بالتكثُّف على الجزء العلوي من المرآة.

على الرغم من أن المرآة قد تبدو نظيفة، فإنها تكون مغطاةً بالغبار وبطبقات أخرى رقيقة (مثل المادة الدهنية التي تكون موجودة في بصمة الإصبع). تنجذب جزيئات الماء المكثَّف بقوة بعضها إلى بعض أكثر من انجذابها لما يوجد على المرآة؛ ولذلك تسحبها جاذبيتها المتبادَلة حتى تكوِّن كُريَّات صغيرة تغطِّي المرآة وتقلِّل قدرتها على عكس الصور بوضوح.

يمكن منع تكوُّن هذه القطرات عن طريق دهن الزجاج بطبقة رقيقة من الصابون؛ إذ إنه يقلِّل التوتر السطحي للماء (نتيجة الانجذاب المتبادل بين جزيئات الماء)، وهكذا تنتشر المياه على هيئة طبقة متجانسة عبْر المناطق المغطاة بالصابون. ينتج عن تجانس طبقة الماء استعادة وضوح ما تعكسه المرآة. يمكنك الحصول على نفس التأثير وبنفس الجودة تقريبًا إذا استخدمتَ المادة الدهنية التي تفرزها أصابعك بدلًا من الصابون.

يمكن أن يصبح الطريق مبلَّلًا في بعض الأحيان، بينما يبقى كلُّ شيء آخر جافًّا، إذا كان السطح يشعُّ طاقته الحرارية ويصبح باردًا بما يكفي. عندئذٍ، يُبَرِّدُ الطريق الهواء المجاور، وقد يقلِّل أيضًا من حدِّ تشبُّع الهواء. في هذه الحالة، يتكثَّف بعض بخار الماء الموجود في الهواء على سطح الطريق.

(٦٦) تكثُّف بخار الماء على النظارات

لماذا تتشكَّل قطرات ماء على العدسات عندما يدخل شخص يرتدي نظارة طبية غرفةً دافئة بعد أن كان بالخارج في الجو البارد؟ إذا امتنع الشخص عن مسح العدسات وتنظيفها وانتظر لبرهة بدلًا من ذلك، فلماذا تبدأ العدسات بالانجلاء؟ وأيُّ جزءٍ فيها يبدأ بالانجلاء أولًا؟

لماذا تكسو العدسات طبقةً ضبابيةً إذا خرج أحد الأشخاص من غرفة ذات درجة حرارة عادية ثم دخل غرفة ساونا؟ ولماذا تنجلي العدسات وتتضح الرؤية مرة أخرى؟ وفي أيِّ جزء من العدسات تبدأ عملية الانجلاء في هذه الحالة؟ هل تعتمد نقطة بداية الانجلاء على شكل إطار العدسات أم على كيفية انحنائها؟

الجواب: في كلتا الحالتين، تُبَرِّدُ العدسة الهواء المجاور لها، وتقلِّل من حدِّ تشبُّع الهواء وتؤدِّي إلى تكثيف بعض من بخار الماء على العدسة (انظر البند السابق). يتجمَّع السائل المكثَّف بعد ذلك ويسبِّب ضبابية العدسات. بعبارة أخرى؛ تعرقل القطرات المتجمِّعة انتقال الضوء لدرجةٍ لا يمكن عندها رؤية الصور بوضوح.

عندما يدخل شخصٌ غرفةً دافئة بعد أن كان بالخارج في الطقس البارد، تبدأ عملية انجلاء العدسات عند الحافة الأقرب إلى الأنف. يسخِّن الأنف هذا الجزء من الحافة بالإشعاع، وبالتوصيل من خلال الحافة الداعمة للنظارة على الأنف أو من خلال الهواء المتخلِّل، وعن طريق الحمل الحراري الذي يحدث عندما يرتفع الهواء الذي سَخَّنَهُ الأنف. تُوصَّلُ الطاقة الحرارية بعد ذلك إلى العدسة وعبْرها، وتُسَخِّنها وتُبَخِّرُ قطرات الماء، ومن ثَمَّ تنجلي العدسة وتعود كما كانت.

عندما يدخل أحد الأشخاص غرفة الساونا، تكون عملية انجلاء العدسات مختلفة؛ لأن فرق درجة الحرارة بين الهواء والعدسة يكون أكبر، وفي هذه الحالة لا يكون الأنف ذا أهمية كبيرة في عملية الانجلاء، بل الأهم من ذلك هو قطرات الماء التي تتشكَّل على العدسة. عندما يتكثَّف بخار الماء متحوِّلًا إلى سائل، لا بد أن تتخلَّى الجزيئات عن بعض طاقتها. في الساونا، تُسخِّن الطاقة المحرَّرة كلًّا من العدسة وإطارها. ومع ذلك، تزداد درجة الحرارة بشكلٍ أسرع بالقرب من مركز العدسة؛ لأن الإطار عادةً ما يمتلك قدرة أكبر على استيعاب الحرارة (يتطلَّب طاقة حرارية أكبر كي تزيد درجة حرارته). أما المصدر الآخر للطاقة الحرارية، فهو الحَمل الحراري لهواء الساونا الساخن أمام العدسة.

إذا كان السطح الخارجي للعدسة مسطَّحًا، فسيحدث الانجلاء أولًا في مركز العدسة، وينتشر تدريجيًّا وصولًا إلى الحافة. وإذا كان السطح الخارجي للعدسة مقوَّسًا إلى الخارج، فسيعزِّز بروز السطح في الهواء عملية الانجلاء بمركز العدسة. أما إذا كان السطح الخارجي للعدسة مقوَّسًا إلى الداخل، فسيكون المركز بعيدًا نسبيًّا عن الهواء ولا يسخن بنفس السرعة. قد تبدأ عملية الانجلاء في الحالات القصوى بالقرب من الحافة على الرغم من سعتها الحرارية الكبيرة.

(٦٧) تجمُّع المياه في المناطق القاحلة

كيف تتمكَّن الخنفساء الناميبية التي تعيش في صحراء ناميب القاحلة في جنوب أفريقيا، من جمْع مياه الشرب من ضباب الصباح الباكر الذي يهبُّ فوق الصحراء؟ كيف يتمكَّن الناس الذين يعيشون في صحراء أتاكاما في شمال شيلي من جمع المياه من الهواء الذي تدفعه الرياح من المحيط الهادئ؟

الجواب: تقف الخنفساء في وضعٍ يُسمَّى وضع «حصاد الضباب» موجِّهةً رأسها إلى أسفل على الجانب المقابل للرياح من الكثبان الرملية، ورافعةً مؤخرتها في الرياح؛ بحيث تشكِّل بجسمها انحناءً منحدِرًا. تغطِّي الجزء الخلفي من جسمها أجنحةٌ خلفية مغطاة بنتوءات يتباعد بعضها عن بعض بشكلٍ عشوائي. هذه النتوءات «قابلةٌ للاتحاد مع الماء»؛ أي إنه يمكن لجزيئات الماء الارتباط بها. تكون الأجزاء المنخفضة بين النتوءات شمعية؛ ومِن ثَمَّ تكون «رافضةً للاتحاد مع الماء»؛ أي إنه لا يمكن لجزيئات الماء الارتباط بها. يتجمَّع الضباب الرقيق على نتوءٍ من النتوءات ويُكوِّن قطرة ماء. عندما تكون القطرة صغيرة، تكون قوى الاتحاد مع الماء التي تحافظ على وجودها فوق النتوء أكبر من وزن القطرة، وهو ما يميل إلى سَحْب القطرة إلى أسفل بطول جسم الخنفساء المنحني. وفي النهاية، تصبح القطرة كبيرة بما يكفي لتتحرَّر من النتوء وتنزلق على المنحدر إلى الأسفل، مسترشدةً جزئيًّا بالنتوءات الأخرى التي تقابلها، حتى تصل إلى فم الخنفساء حيث تبتلعها.

يجمع الناس الذين يعيشون في صحراء أتاكاما المياهَ من الضباب الذي تدفعه الرياح من المحيط عن طريق نَصْب شِباك كبيرة يمكن للماء أن يتكثَّف عليها ويشكِّل قطرات. وأخيرًا، تكون القطرات كبيرة بما يكفي لتنزلق إلى أسفل الشباك تجاه المنطقة المخصصة لتجميع الماء. يمكن جمع ١١ ألف لتر تقريبًا من الماء في يومٍ واحد، وهو ما يكفي قريةً بأكملها.

عملت بعض الأبنية الحجرية الموجودة الآن في شبه جزيرة القرم، فيما يبدو، كشِراكِ تكثيف يتجمَّع عليها النَّدى في الليالي الشديدة الرطوبة. بعد غروب الشمس، تُصدِرُ الأحجار الأشعة تحت الحمراء نحو سماء الليل. في ليلة صافية، من المحتمل أنها تُصدر طاقةً نحو السماء أكبر مما تُصدره السماء نحوها؛ ومِن ثَمَّ تبرد حتى تصبح أقل من درجة حرارة الهواء. يتكثَّف بخار الماء الذي يلامسُ الأحجار الباردة نسبيًّا، مشكِّلًا قطرات. عندما يزيد حجم القطرات، تصبح في نهاية المطاف كبيرة بما يكفي لتتحرَّر من مكانها وتتدفَّق إما نحو جزء منخفض في الحجر مخصَّص لتجميع الماء، أو في أنابيب تُنقَلُ إلى حاوية مركزية. إلا أن كفاءة جمع المياه بهذه الطريقة كانت ضعيفة للغاية على الأرجح.

توضِّح بعض كتب الحِفاظ على البقاء أنه يمكن جمع الندى من خلال استخدام أحد الشِّراك. تحفر أولًا حفرة يبلغ عرضها مترًا تقريبًا، ويبلغ عمقها مترًا في التربة أو الرمل في مكان مشمس، وتُوضع عُلبة مفتوحة من الأعلى أسفل الحفرة وأنبوب للشرب يمتد من قاع العلبة حتى قمة الحفرة، ثم تُوضع ورقة من البلاستيك في الحفرة بمَيل؛ بحيث تكون درجة انحدارها ٤٥ درجة تقريبًا، وأن تتمركز أدنى نقطة فيها فوق العلبة مباشرةً. يُثبَّت الجزء العلوي من الورقة البلاستيكية بحفنة من التراب أو الصخور حول حافة الحفرة. عندما تدفأ هذه الأجزاء في ضوء الشمس (يشبه هذا الأمر الصوبة الزراعية)، يتبخَّر الماء من التربة في قاع الحفرة. عندما تغرب الشمس وتبرد الحفرة، يتكثَّف بخار الماء ويشكِّل قطرات على الجانب السفلي من الورقة البلاستيكية. وبمجرد أن تصبح قطرات الماء كبيرة بما يكفي، تنزلق إلى أدنى نقطة في الورقة وتسقط في العلبة. بعد أن يتجمَّع ما يكفي من الماء في العُلبة، يمكن شفط الماء وشربه من الأنبوب. كذلك يمكن تقطيع الصبار ووضعه في الحفرة ليزوِّدها بالمزيد من الرطوبة، كما يمكن استخدام مياه البحر؛ لأنها عندما تتبخر، تتخلَّص من الملح.

ما القصص التي تُقال عن تَكَوُّن بِرَكِ النَّدى التي توفِّر مياه الشرب للبشر أو الحيوانات سوى مجرد أساطير؛ وذلك لأن الندى لا يوفِّر سوى القليل جدًّا من الماء الذي لا يمكنه التجمُّع لتكوين بِركة كبرى.

(٦٨) الشقوق الطينية

لماذا يتشقَّق الطين؛ بحيث تكون الشقوق عادةً في البداية متعامدة بعضها على بعض عند نقاط التقاطع؟ لماذا يمكن للشقوق بعد ذلك أن تتخذَ شكل مضلع (بحيث يشبه الطين الأرضية المُبَلَّطة)؟ ولماذا يمكن لحواف هذا الشكل المضلع أن تنثني بشدة إلى أعلى، لدرجة أن تلتف طبقته العليا بعضها على بعض مكوِّنةً أنبوبًا يتحرَّر من الأرض ويتدحرج بعيدًا؟

لماذا تتكوَّن مضلعات عملاقة في الأحواض الجافة بعض الأحيان بعد هطول الأمطار؟ يمكن أن يصل طول هذه المضلعات إلى ٣٠٠ متر، وتتكوَّن بواسطة تشقُّقات قد يصل عرضها إلى متر واحد، وعمقها إلى خمسة أمتار.

الجواب: عندما تجفُّ طبقةً مسطحة من الطين ببطء، بدءًا من السطح، ينكمش الجزء العلوي من الطبقة ويشكِّل ضغوطات (إذ تسحب الأجزاء المحيطة واحدًا من الأجزاء) في حين تُثبِّت التربة الجزء السفلي من الطبقة في مكانه. يصبح الضغط كبيرًا بما يكفي عند نقاط عشوائية على السطح لكسره، ممَّا يقلِّل من الضغط عامة. تنمو هذه الشقوق طولًا أفقيًّا ورأسيًّا (وصولًا إلى التربة الأساسية). عندما ينمو شقٌّ متنامٍ في اتجاه شق موجود بالفعل، يميل الضغط في السطح إلى توجيه حركة الشق المتنامي ليشكِّل تقاطعًا عموديًّا (شكل ٤-٩أ). (يكون ميل السطح إلى التشقق أضخم بالتوازي مع الشق الموجود.) بعد المرحلة الأوَّلية من تكوين الشقوق، يتشكَّل نظام ثانوي من التشققات في الطين. يمكن أن تبدأ كل هذه الشقوق على شكل خط مستقيم، ولكنها عندما تمتد إلى الجزء الأكبر من الطين، عادةً ما «تتشعَّب» (تنقسم) كما في شكل ٤-٩ب. واعتمادًا على المعدل الذي يجفُّ الطين به، عادةً ما يميل تقاطع الشقوق الثانوية مع الشقوق الأولية إلى تقسيم الطين إلى مضلعات.
fig113
شكل ٤-٩: بند ٤-٦٨: (أ) شقٌّ متنامٍ يصنع تقاطعًا عموديًّا مع شق موجود بالفعل. (ب) شقٌّ متنامٍ يتشعَّب ليكمل تشكيل المضلع.

إذا جفَّت الطبقة العليا الرقيقة من المضلع بسرعة، فإنها تنكمش، ويمكن أن يتسبَّب هذا الانكماش في أن تنثني الطبقة وتصبح مقعرة. وبمجرد أن ترتفع الحواف، يمكن للجانب السفلي من الطبقة أن يجفَّ وأن تنثني الطبقة بما يكفي لتكون على شكل أنبوب. نادرًا ما يجفُّ المضلع الطيني في سطحه العلوي بصورة أبطأ من الطبقات الطينية السفلى، وربما يكون ذلك نتيجة النزح السريع كما يحدث على المنحدرات، وعندئذٍ يمكن أن تنثني الحواف «إلى الأسفل».

تتشكَّل المضلعات العملاقة كما يبدو لنفس الأسباب التي تتشكَّل بها المضلعات الصغيرة.

تُعتبر الشقوق والمضلعات المتشكِّلة في الطين أمثلة على نمط التكسير الناجم عن «الجفاف». يمكنك أن تجد العديد من الأمثلة الأخرى، مثل جفاف الدهان، وجفاف خليط نشا الذرة والماء، وجفاف مزيج الماء وثفل القهوة. إذا جَرَّبتَ المثالين الأخيرين، فستجد أن الحجم القياسي للمضلعات يعتمد على عمق طبقة التشقُّق: فالمضلعات ذات الحجم الأصغر تحدث داخل طبقة أرقَّ، إلى أن تصبح الطبقة رقيقة جدًّا، بحيث تُشَكِّلُ نمطًا شاذًّا غير منتظم، بدلًا من المضلعات. يمكن أيضًا تغيير النمط عن طريق تشحيم الجزء السفلي من الإناء، لتقليل الاحتكاك بين المادة والإناء؛ إذ يؤدِّي الاحتكاك الأقل (ضغط أقل) إلى تشققات أقل.

(٦٩) انتفاخ عُلَب العصير على متن الطائرات

حتى في حال عدم فقدان الضغط بكابينة الطائرة، يمكن أن تجد بعض العُلَب مفتوحة عند وصولها إليك. على سبيل المثال، يمكن أن تكون عُلبة كريمة القهوة مفتوحة بطول الحافة عند قمَّتها المرنة. وإذا لم تكن كذلك، لاحظها جيدًا وستجد أنها منتفخة عند القمة إلى الخارج، إلا أنه عندما تهبط الطائرة لاحقًا، يختفي الانتفاخ تدريجيًّا. فما الذي يتسبَّب في فتح أو انتفاخ قمة العُلبة أثناء الطيران؟

يمكن أن تؤدِّي حالات فيزيائية مشابهة لمواقف مضحكة خلال رحلة مملة إذا قام أحد الأشخاص بِرَجِّ عُلبة عصير محكمة الغلق، ثم فتح الرقاقة المعدنية التي تغلِّف قمتها باستعجال، فمن المحتمل أن يندفع العصير ويُغرقَ هذا الشخص. أما المسافر المُحنَّك، فيعلم جيدًا أنه لا بد أن يفتح الرقاقة المعدنية ببطء، وألا تكون فتحة العلبة مواجهة له.

لماذا تؤلمك أذناك أحيانًا عند ارتفاع الطائرة؟ ولماذا تبدوان «مسدودتين» أحيانًا بعد أن تنزل من الطائرة؟

الجواب: يتم الحفاظ على ضغط الهواء في الطائرة ميكانيكيًّا، لكنه يكون أقل من ضغط الهواء على الأرض. لذلك، عندما ترتفع الطائرة ويقل ضغط الهواء، يميل الهواء أو الغازات الأخرى الموجودة داخل العُلَب المرنة للكريمة والعصير والصلصات التي تُضاف إلى السلطة إلى التمدُّد، وفي بعض الأحيان، يُفتَح الغلاف الذي يُغلق العُلب بإحكام. إذا كانت عُلبة العصير أو صلصة السلطة مغلقة وقمت بهزِّ محتوياتها، فإنك بذلك تغطي الجانب السفلي للغطاء بطبقة من محتويات العلبة. وإذا نزعت الغطاء فجأة، فسيدفع تمدُّد الغاز الداخلي بمحتويات العلبة إلى الخارج من خلال الفتحة.

يعود الشعور بعدم الارتياح الذي يمكن الشعور به في الأذنين أثناء الطيران إلى ضغط الهواء داخل الأذن الوسطى، التي تقع خلف طبلة الأذن. عادةً ما يكون ضغط الهواء فيها متكيفًا؛ بحيث يكون مساويًا لضغط الهواء المحيط عبْر القناة السمعية، التي تمتد حتى الجزء الخلفي من الأنف والحلق. ومع ذلك، إذا لم تفتح القناة السمعية أثناء إقلاع الطائرة، يكون ضغط الهواء الخارجي على طبلة الأذن هو الضغط المنخفض لكابينة الطائرة، بينما يكون ضغط الهواء الداخلي هو الضغط الأرضي. عادةً ما يؤدِّي اختلاف الضغط إلى دفع طبلة الأذن إلى الخارج. يمكن تجنُّب هذه المشكلة عن طريق التثاؤب أو البلع، وهو ما يؤدِّي إلى فتح القناة السمعية بحيث يمكن تقليل الضغط الأعلى في الأذن الداخلية.

عندما تهبط الطائرة، يزداد الضغط الخارجي حتى يصل إلى قيمته على مستوى الأرض، وعندئذٍ عادةً ما يدفع اختلاف الضغط طبلة الأذن إلى الداخل. قد لا تكون هذه المشكلة سهلة الحل؛ لأن الضغط المنخفض في الأذن الداخلية يميل إلى إبقاء القناة السمعية مغلقةً. ومع ذلك، قد يؤدِّي التثاؤب والبلع إلى فتح القناة والسماح لضغط الهواء في الأذن الداخلية بالارتفاع إلى قيمته العادية على مستوى الأرض.

يمكن أن يكون الضغط المنخفض في الطائرة مزعجًا في بعض الأحيان؛ إذ من الممكن أن تنفجر الزجاجات أو حتى عُلب المشروبات التي تبدو محكَمة الغلق إذا كانت موضوعة في حقيبة؛ وذلك لأن المنطقة المخصَّصة لوضع الأمتعة في الطائرة لا تكون معرَّضة للضغط عادةً. يمكن أن تحدث مشكلةٌ مشابهة إذا شُحِنَت جثة شخص متوفًّى في منطقة الأمتعة؛ إذ لا بد من إحكام غلق التابوت.

(٧٠) نفخ البالونات والفُقَّاعات

إذا قمت بنفخ بالون مطاطي كُروي الشكل، فلماذا تكون عملية النفخ صعبة في البداية، وأيسر كثيرًا عندما يكون البالون منفوخًا جزئيًّا؟ وإذا كان البالون أسطواني الشكل، فلماذا يبدأ الانتفاخ في مكانٍ بعينه، بدلًا من البالون كله؟ وبينما تستمر في نفخ البالون، لماذا ينتقل الانتفاخ بطول البالون؟

fig114
شكل ٤-١٠: بند ٤-٧٠: (أ) فُقَّاعتان (أو بالونان) يربط بينهما أنبوب ذو صمام مغلق. (ب) قوى الشد على الجانب الأيمن والأيسر من إحدى الرُّقع الموجودة على سطح الفُقَّاعة.
نفترض أن فُقَّاعتين من الصابون ذواتَي قُطرين مختلفين متصلتان بواسطة أنبوب يحتوي على صمام مغلق (شكل ٤-١٠أ)، فماذا سيحدث للفُقَّاعتين إذا فُتِحَ الصمام بحيث يمكن للهواء أن يتدفَّق بينهما؟ وإذا استعضت عن الفُقَّاعتين ببالونين مطاطيين، فماذا يحدث عند فتح الصمام؟
الجواب: إذا نفخت فُقَّاعةً من الصابون كُروية الشكل، يجب أن توفِّر ضغطَ هواء أكبر من ضغط الهواء الموجود داخل الفُقَّاعة. يعتمد ضغط الهواء الداخلي على درجة انحناء سطح الفُقَّاعة. لفهم هذه النقطة، نُلقي نظرةً على إحدى الرُّقع على السطح (شكل ٤-١٠ب). سنجد أن الأجزاء المجاورة من السطح تشدُّها من الجانبين. يكون الشد في الجانب الأيسر وفي الجانب الأيمن إلى الداخل جزئيًّا حول مركز الفُقَّاعة؛ هذا الجزء الداخلي هو ما يحدِّد ضغط الهواء. عندما تكون الفُقَّاعة صغيرة وشديدة الانحناء، يكون السَّحب الداخلي على الرقعة كبيرًا؛ ومِن ثَمَّ يكون الضغط الداخلي كبيرًا أيضًا، ويصعب نفخ الفُقَّاعة. عندما تكون الفُقَّاعة أكبر ويكون انحناؤها أقل، يكون السَّحب الداخلي صغيرًا؛ ومِن ثَمَّ يكون الضغط الداخلي قليلًا أيضًا، فيصبح نفخ الفُقَّاعة أسهل.

يختلف البالون المطاطي في أن تمدُّد غشائه أثناء النفخ يعمل على زيادة الضغط. أثناء المراحل الأولية للنفخ، تدفع مقاومة التمدُّد الضغط للأعلى وتتطلَّب ضغطًا كبيرًا منك إذا كنت تريد نفخ البالون أكثر. ومع ذلك، بمجرد وصول البالون إلى حجمٍ معين، يعمل الانخفاض اللاحق في مدى الانحناء على خفض الضغط الداخلي؛ ومِن ثَمَّ يصبح النفخ أكثر سهولة. يزيد من هذه السهولة انخفاضُ مقاومة تمدُّد المطاط عندما يكون بنفس حجم البالون تقريبًا (بينما تشتد المقاومة مرةً أخرى عندما يكون البالون أكبر حجمًا بكثير).

العامل الآخر المهم هو أنك عندما تنفخ بالونًا فإنك تُدخِل فيه كمية معيَّنة من الهواء من رئتيك: «حجم النَّفَس». عندما يكون البالون صغيرًا، يتطلَّب الحجم الإضافي زيادة مساحة السطح بشكل كبير؛ مما يزيد بشكل ملحوظ مقاومةَ المزيد من التمدُّد. وعندما يكون البالون كبيرًا، يكون الحجم الإضافي صغيرًا مقارنةً بحجم البالون الحالي، ولا يتطلَّب زيادة كبيرة في مساحة السطح، ولا زيادة في تمدُّد المطاط.

تكمن غرابة بعض البالونات المطاطية في أنها، حتى وإن كانت كُروية تمامًا، قد لا تصبح كُروية على الإطلاق عندما يكون نفخها في نطاقٍ معين. بعد انتهاء مرحلة النفخ السهل، وقبل أن يصير صعبًا مرةً أخرى عندما يُمَطُّ المطاط بشدة، قد ينتفخ البالون انتفاخًا ملحوظًا عند أحد الجوانب. علَّقَ إم جيه سيويل، الأستاذ بجامعة ريدينج، على هذه الظاهرة الغريبة قائلًا: «على مدار النطاق الكامل لانتفاخ البالون، لا تُفضِّل الطبيعة الشكل الكُروي، حتى عندما يكون ذلك متاحًا.»

عندما تقوم بنفخ بالون أسطواني، فإنه ينتفخ أولًا عند أضعف نقطةٍ فيه، وهي عادةً ما تكون الجزء الأقرب إلى الفتحة. يكون القسم الذي ينضم إلى الانتفاخ وصولًا إلى الجزء الذي لم يُنفخ بعدُ مقوَّسًا بطول البالون. وعندما تنفخ هواءً إضافيًّا، يساعد التوتر الحادث في الجزء المقوس على مَطِّ البالون هناك، ويتحرَّك الجزء الأمامي من الانتفاخ بطول البالون.

عندما يصلُ أنبوب مفتوح بين فُقَّاعتين، يحرِّك الضغط العالي داخل الفُقَّاعة الصغيرة الهواءَ عبْر الأنبوب إلى الفُقَّاعة الكبيرة التي يكون الضغط بداخلها أصغر. تنهار الفُقَّاعة الصغيرة على نفسها، بينما تتمدَّد الفُقَّاعة الكبيرة. يحدث هذا عادةً، دون أن يلاحظه أحد، على سطح الجِعَة التي تحتوي على فُقَّاعات من ثاني أكسيد الكربون. لا تكون الفُقَّاعات متصلة عبْر أنبوب بالطبع، لكن يمكن لغاز ثاني أكسيد الكربون أن «ينتشر» من فُقَّاعة إلى أخرى عبْر جدران الفُقَّاعة. تفقد الفُقَّاعات الصغرى غازاتها التي تمتصها الفُقَّاعات الكبرى المجاورة وتنهار في النهاية، وهي عملية تُعرف باسم «ظاهرة إنضاج أوستفالد». ومع ذلك، يكون معدل انتشار النيتروجين أقل بكثير من انتشار ثاني أكسيد الكربون؛ ولذلك فإن أنواع الجِعَة (مثل جعة «جينيس ستاوت») التي تحتوي على النيتروجين بدلًا من ثاني أكسيد الكربون، عادةً ما تدوم فُقَّاعاتها لوقتٍ أطول.

إذا استعضت عن الفُقَّاعات بالبالونات، فقد تكون النتائج مختلفة؛ فبالاعتماد على إجمالي كمية الهواء الموجود فيها، يمكن أن تنتهي بها الحال بأن يكون لها نصف القطر نفسه، أو أن تكون واحدة منها أكبر من الأخرى.

(٧١) صنع الكعك على ارتفاعات عالية

لماذا يستدعي إعداد وصفة كعكة الملائكة المزيد من الطحين والماء عند صنْع الكعك على ارتفاعات عالية؟

الجواب: يعتمد ارتفاع الكعكة على تمدُّد فُقَّاعات الهواء المحبوسة داخل الخليط المخفوق، وعلى إنتاج البخار أثناء عملية تبخر الماء (الذي يأتي جزء منه من البيض). ونظرًا لأن الضغط الجوي يكون أقل على الارتفاعات الأعلى، يمكن أن تتوسَّع الفُقَّاعات لدرجة أن تتزعزع القاعدة وتنهار الكعكة. أحد الحلول هو تقليل السكر، الذي يرقِّق قاعدة الكعكة؛ بحيث تصبح أكثر تماسكًا وأقل حلاوةً. أما الحل الآخر، فهو زيادة كمية الدقيق حتى تصير الكعكة أكثر تماسكًا، ويمكن أيضًا تقليل كمية الخميرة لتقليل إنتاج الفُقَّاعات.

يغلي الماء عند درجة حرارة منخفضة في الارتفاعات الأعلى مقارنةً بمستوى سطح البحر؛ وهو ما يعني أن الكعكة ستفقد المزيد من المياه بالبخر عند إعدادها على ارتفاعات عالية؛ لأن التبخُّر يكون أسهل. لتعويض الفقدان، تستدعي الوصفة إضافة المزيد من الماء.

(٧٢) احتساء الشمبانيا في نفق التيمز

في نوفمبر عام ١٨٢٧، عندما تم الانتهاء من بناء النفق أسفل نهر التيمز في لندن، نزل كبار الشخصيات إلى النفق للاحتفال بإتمام بنائه، ونظرًا لأن النفق كان تحت الضغط أثناء البناء (للمساعدة في حجز المياه الموجودة في الأرض تحت النهر)، فقد دخل كبار الشخصيات غرفةَ معادلةِ الضغط أولًا؛ حيث زاد الضغط حتى تكافأ مع ضغط النفق. أثناء وجودهم داخل النفق، شرب كبار الشخصيات نخب إتمام المشروع، إلا أن الشمبانيا لم تَفُرْ بالفُقَّاعات كثيرًا عند فتح الزجاجات. ومع ذلك، استمرَّت الاحتفالات حتى عاد كبار الشخصيات إلى السطح عبْر غرفةِ معادلةِ الضغط.

عندما خُفِّضَ ضغط غرفة معادلة الضغط إلى الضغط العادي (الضغط الخارجي)، شعر كبار الشخصيات بعدم الراحة، بل وتعيَّن إرجاع أحدهم إلى غرفة معادلة الضغط (كي يُوضَع في مكانٍ ذي ضغط مرتفع مرة أخرى)، فماذا كانت المشكلة؟

الجواب: يخرج ثاني أكسيد الكربون الذائب في الشمبانيا من المحلول لتكوين الفُقَّاعات (الزَّبَد) عند فتح الزجاجة. تكون المحتويات تحت ضغط كبير قبل ذلك، ويكون بخار ثاني أكسيد الكربون الموجود أعلى الزجاجة متوازنًا مع ثاني أكسيد الكربون الموجود في المحلول. أي إن جزيء ثاني أكسيد الكربون، في المتوسط، الذي يترك المحلول ليكون جزءًا من البخار يقابله جزيء ثاني أكسيد كربون آخر يترك البخار ليذوب في المحلول. ومع ذلك، بمجرد فتح الزجاجة، ينخفض ضغط بخار ثاني أكسيد الكربون، ولبعض الوقت لا يكون ثاني أكسيد الكربون في حالة توازن. وهو ما يعني خروج المزيد من ثاني أكسيد الكربون من المحلول بدلًا من الدخول فيه مرة أخرى؛ وهذا ما يتسبب في تدفُّق الفُقَّاعات بطبيعة الحال: بخار ثاني أكسيد الكربون المحاط مؤقتًا بطبقة من السائل.

هذا هو ما يحدث عادةً، ولكن في النفق المضغوط كان ضغط الهواء كبيرًا بما فيه الكفاية؛ بحيث لم تتشكَّل الفُقَّاعات؛ ومِن ثَمَّ، ظل الكثير من ثاني أكسيد الكربون في المحلول. عندما احتست الشخصيات البارزة الشمبانيا، كانوا قد ابتلعوا بالفعل الكثير من ثاني أكسيد الكربون المذاب، وعندما تركوا القفل الهوائي وتعرَّضوا لضغط الهواء المنخفض، تمكَّن ثاني أكسيد الكربون المذاب من الخروج من المحلول، وهو ما يؤدِّي عادةً إلى انتفاخ الأعضاء الداخلية المختلفة، فيتسبَّب في التجشؤ (في أفضل الأحوال)، أو في انتفاخ المعدة والمثانة (في أسوئها).

حتى وقت قريب، كان على عمال البناء العملُ تحت ضغط أثناء بناء الأنفاق تحت الأنهار والخلجان. عندما كان ينتهي العمال من نوبة عملهم ويعودون إلى السطح، كان عليهم أن يخضعوا لجدول لتخفيف الضغط مثل الغواصين الذين يغوصون في أعماق البحار. تكمن المشكلة في أنه عندما يُتنفَّس الهواء تحت الضغط، تُدفَع جزيئات النيتروجين من الهواء إلى مجرى الدم، وعندما يخرج العامل من الجزء المضغوط من النفق، يسمح الضغط المنخفض على الجسم وفي الرئتين للنيتروجين المذاب بتشكيل فُقَّاعات. تميل الفُقَّاعات إلى التحرُّك مع اتجاه تدفُّق الدم، وتُجمَّع على هيئة «قُطَيْرات» إذا انتقلت إلى الأوردة الكبرى (نحو القلب)، أو أن تتجمَّع وتحجب تدفُّق الدم إذا انتقلت إلى الأوردة الصغرى (بعيدًا عن القلب). في كلتا الحالتين، يمكن للضحية أن تعاني من ألمٍ رهيب ومن خطر التعرُّض للإعاقة على المدى الطويل، أو حتى الموت.

تُحفَرُ الأنفاق في الوقت الحاضر باستخدام آلات الحفر التي يتم توجيهها عن بُعد، ويذهب العمال إلى القسم المضغوط من النفق بوتيرة أقل. (في بعض الحالات، لم تَعُد الأنفاق تُحفَر، ولكنها تُبنَى من أجزاء مبنية مسبقًا تُسقَط في قاع النهر ثم تُجَمَّع.)

قصة قصيرة

(٧٣) لسانٌ عالق داخل زجاجة

عقدت فتاة صغيرة العزمَ على الحصول على آخر قطرة من قطرات مشروب الشوكولاتة، فتشبَّثت بالزجاجة ودفعت بلسانها داخلها، ثم سحبت الهواء بحدة لتسحب السائل إلى داخل فمها، فعلق لسانها بالداخل؛ لأنها خفَّضت ضغط الهواء داخل الزجاجة عن طريق إزالة بعض الهواء؛ فهي إما امتصَّت بعض الهواء عندما كانت تحاول سحب السائل، أو دفعت بعضًا منه إلى الخارج عبْر لسانها وهي تدس لسانها في الزجاجة. في كلتا الحالتين، كان الفرق في الضغط بين الهواء الداخلي والهواء الخارجي يعني أنها لن تستطيع إخراج لسانها، ولم يتمكَّن أيٌّ من طاقم الطوارئ من تحرير لسانها حتى وصل قاطع زجاج محترف ومعه جهاز مخصص لقطع الزجاج.

(٧٤) الرعد في فصل الشتاء

لماذا يكون حدوث العواصف الرعدية (ومِن ثَمَّ الرعد والبرق) أقلَّ احتمالًا في ظروف الشتاء أكثر من ظروف الصيف؟

الجواب: تحدث العواصف الرعدية عندما يكون الجزء السفلي من الغلاف الجوي غير مستقر؛ أي عندما ترتفع حُزَم من الهواء الدافئ بسرعة بسبب الطفو (إذ إنها تكون أقل كثافةً من الهواء البارد). يكون هذا هو الحال عندما تنخفض درجة حرارة الهواء بشكلٍ حادٍّ مع الارتفاع؛ إذ تُدفَع حزمة من الهواء الدافئ الموجود بالقرب من الأرض إلى أعلى في الهواء البارد.

ومع ذلك، إذا كان الهواء يحتوي على بخار الماء، فلن تكون هناك حاجة إلى تغيُّر درجة الحرارة بصورة متطرفة. والسبب هو أنه مع ارتفاع الحزمة الهوائية الدافئة، يمكن أن يتكثَّف بعض بخار مائها ليشكِّل قطرات. يُطلِق هذا التغيير من البخار إلى السائل كميةً كبيرةً من الطاقة الحرارية؛ مما يجعل الحُزَم أكثر دفئًا. ومِن ثَمَّ، يزيد طفو الحزمة فتتسارع نحو الأعلى، وهو ما يمهِّد الطريق لعدم الاستقرار وحدوث العواصف الرعدية.

في ظروف الشتاء، يكون الانخفاض في درجة الحرارة مع الارتفاع تدريجيًّا عادةً، كما أن حُزَم الهواء الموجودة بالقرب من الأرض تكون باردة جدًّا لدرجة أنها لا تحتوي على قدْر كبير من بخار الماء. ومع انخفاض تسارع حركة الحُزَم إلى أعلى، يكون الهواء مستقرًّا جدًّا؛ بحيث لا تتشكَّل العاصفة الرعدية. ومع ذلك، في بعض الأحيان، سمعتُ هدير الرعد أثناء إحدى العواصف الثلجية.

(٧٥) الدخان الصادر من أعمدة المداخن

عندما تكون الرياح عاصفة، يمكنها أن تعصف بعمود الدخان أو البخار المتكثِّف الصادر من عمود المدخنة ليكوِّن نمطًا فوضويًّا دائم التغيُّر. ولكن ماذا يحدث عندما تكون الرياح منتظمة؛ سواء من حيث التوقيت أو الارتفاع؟ ألا ينبغي أن يرتفع عمود الدخان بميلٍ على المستوى العمودي أثناء اتساعه؟ من الغريب أن ذلك قد لا يحدث، وبدلًا من ذلك قد يشكِّل واحدًا من الأنماط الموضَّحة في شكل ٤-١١أ. فما السبب وراء تكوُّن هذه الأشكال؟ لماذا تنقسم بعض أعمدة الدخان التي تحنيها الرياح إلى عمودين (انظر شكل ٤-١١ب)؟
fig115
شكل ٤-١١: بند ٤-٧٥: (أ) أعمدة الدخان التي تَصدُر من المداخن في رياح مستقرة أفقية. (ب) مسقط رأسي يبيِّن عمود دخان ينقسم إلى عمودين.
في الأيام الساكنة، ترتفع معظم أعمدة الدخان وتنتشر أفقيًّا لتشكِّل حرف V مستقيمًا. لماذا تُصدِر بعض المداخن أعمدة دخان ضيقة ثم تتسع شيئًا فشيئًا؟
الجواب: في بعض المداخن الصناعية، يُدفَع الغاز إلى أعلى؛ بحيث يقل احتمال تراجعه مع الدخان الذي يحمله إلى الأرض وخلق مشكلة تلوث. لن يحدث المزيد من ارتفاع الغاز إلا إذا كان الغاز أشد سخونةً من الهواء المحيط. يخلق الفرق في درجة الحرارة طفوًا يسرِّع حركة الغاز لأعلى. في المداخن الأخرى، بما في ذلك مداخن مدافئ المنازل، لا يُدفَع الغاز ميكانيكيًّا ويعتمد ارتفاعه بالكامل على عملية الطفو.

حتى إذا كان الغاز في البداية أكثر سخونةً من الهواء، فقد يكون غير قادر على الارتفاع؛ لأن هذا الارتفاع سيبرِّد الغاز، ويعود التبريد إلى انخفاض ضغط الهواء مع الارتفاع. عندما ترتفع حزمة من الغاز، فإنها تتمدَّد في مقابل انخفاض الضغط. تأتي الطاقة الناتجة عن التمدُّد من الحركة العشوائية لجزيئات الغاز؛ إذ إنها تفقد الطاقة كلما بطَّأت حركتها، التي ينتج عنها انخفاض في درجة حرارة الغاز. إذا انخفضت درجة حرارة الغاز إلى ما هو أدنى من درجة حرارة الهواء، يُقال حينها إن الغاز يتعرَّض إلى «طفو سالب»، ويُجبَر على الهبوط مجددًا.

يتأثَّر ارتفاع الغاز أيضًا بالمحتوى المائي للغاز؛ فإذا بُرِّد الغاز حتى يصل إلى النقطة التي يتكثَّف فيها بخار الماء مشكِّلًا قطرات، فإن تحوُّل البخار إلى سائل يُطلِق طاقةً تساعد على تسخين الغاز على الرغم من أن الغاز يكون في حالة تمدُّد. لا بد من وضع اعتبارات مشابهة لعملية هبوط الغاز؛ إذ يؤدِّي ضغط الهواء المتزايد في هذه الحالة إلى تقلص الغاز وتسخينه. وإذا استمرت عملية هبوطه، فلا بد أن يظل أكثر برودةً من الهواء.

تُحدِّد درجة الحرارة النسبية للغاز والهواء الاتجاه الذي يتخذه الغاز، ولكن يعتمد شكل عمود الدخان الذي تحنيه الرياح على الاضطراب الهوائي (الدوامات الهوائية). إذا كان الاضطراب يتكوَّن من دوامات صغيرة، فسيتمدَّد العمود تدريجيًّا ويتحرك بعيدًا عن المدخنة شيئًا فشيئًا. أما إذا كانت الدوامات أكبر، فقد يتداخل الدخان مكوِّنًا شكل «حلقات». (يكون التداخل وهميًّا إلى حدٍّ ما؛ لأن أي حزمة من الغاز لا تتحرَّك لأعلى أو لأسفل، ولكن في خط شبه مستقيم. يرجع ظهور الحلقات إلى سلسلة من الحُزَم الدخانية التي تُدفَع للتحرُّك في خطوط مستقيمة مختلفة بسبب الاضطراب الهوائي.)

كمثال على ذلك، تدبَّر «الشكل المخروطي» الذي يحدث عندما يتسبَّب ارتفاع الغاز في برودته بسرعة؛ بحيث يكون أقل من درجة حرارة الهواء، في حين أن أي عملية انخفاض للغاز تسخِّنه بسرعة فوق درجة حرارة الهواء. عندئذٍ يحتجز الغاز جزئيًّا بطول ارتفاع عمود المدخنة تقريبًا، ولكن يمكن لاضطراب هوائي خفيف أن يخلطه تدريجيًّا بشكلٍ أفقي. يحدث الانتشار المروحي للدخان عندما تزداد درجة حرارة الهواء بصورة ملحوظة مع الارتفاع، وهي حالة تُعرَف باسم الانقلاب الحراري. عندئذٍ يُحبَس الغاز بشكل أضيق، ويمكن للاضطراب الهوائي أن يخلطه أفقيًّا فحسب. وفي كلتا الحالتين، إذا كانت أجزاءٌ من الغاز مرتفعةَ الحرارة، فيمكن لهذه الأجزاء أن تندفع إلى أعلى، وهو ما يشكل أعمدة دخان جانبية.

إذا انقسم عمود من الدخان، فيعود هذا الانقسام إلى الارتفاع السريع للغاز من مركز المدخنة وارتفاعه الأبطأ بطول جدرانها. عند تشكُّل عمود الدخان، يبدأ الغاز في الانتشار لأعلى عبْر مركز المدخنة وإلى الأسفل بطول جانبَيْها. تقسم هذه الحركة الدوامية عمود الدخان إلى عمودين، ثم يتحرَّك هذان العمودان المنقسمان باتجاه الرياح في اتجاهين منفصلين.

عندما تُصدِر إحدى المداخن الغاز ببطء (كما يحدث في المدفأة عندما تكون النار منخفضة والفتحة الموجودة في الجزء العلوي من المدخنة واسعة)، لا بد أن ينكمش عمود الدخان أولًا، وأن تزداد سرعته قبل أن يتسع ليشكِّل حرف V. يكون الانكماش نسخة معكوسة مما يحدث لتيار ماء يتدفق بسلاسة عندما يهبط من صنبور.

(٧٦) إشارات الدخان والسحابات الدخانية التي تشبه فطر عيش الغراب

عرف الأمريكيون الأصليون كيف يرسلون إشارات عبْر مسافات طويلة من خلال التحكم في الدخان الناتج عن شعلة نار؛ فقد كانوا يضعون الكثير من الأغصان في النار لزيادة الدخان، ثم يغطُّون النار ببطانية مبلَّلة لفترة وجيزة. عندما كانوا يسحبون البطانية، كان الدخان يتصاعد في الهواء ويمكن لمراقبٍ بعيدٍ رؤيته. إذا كانت عملية إرسال الإشارات تتم في الصباح الباكر أو في وقتٍ متأخر من بعد الظهيرة، فلماذا كان الدخان يتمدد أفقيًّا عندما يصل إلى ارتفاع معين؟ كان الدخان يشبه عندئذٍ قمة فطر عيش الغراب التي تشبه القبعة أو انفجار قنبلة ذرية.

كما استخدم الأستراليون الأصليون النيران في إرسال الإشارات، ولكنهم اختاروا رفع المواد المحترقة على عِصيٍّ طويلة بدلًا من تغطيتها ببطانية. وكلما رفع عدة أشخاص العِصيَّ، ألقى آخرون بأغصان جديدة على النار. كان رفعُهم للعصي يزيد من تدفق الهواء عبْر النار فيشتد لهيبها، وعزَّزت الأغصان المضافة من تدفق الدخان. لو تطورت الإشارات الدخانية حتى صارت على شكل «قبعات فطر عيش الغراب»، ولو نَسَّقَ السكان الأصليون جهودهم بعناية، لأمكنهم إرسالُ ست قبعات دخانية، تصطف كل واحدة منها فوق الأخرى. كيف يتحكَّم السكان الأصليون في الارتفاع الذي تظهر عليه كل قبعة دخانية؟

لماذا تُصدِرُ الانفجارات الكبيرة، بما في ذلك الانفجارات النووية التي تحدث على مستوى سطح الأرض وفوق مستوى سطح الأرض، سحابات دخانية تشبه شكل فطر عيش الغراب؟

الجواب: تنتشر نفثات الدخان أفقيًّا عند الارتفاع الذي يبرد فيه الغاز الذي يحمل الدخان إلى درجة حرارة الهواء المحيط (انظر البند السابق). يبرز ظهور القبعات الدخانية بشكل ملحوظ عندما يمر الهواء بحالة انقلاب حراري (تزداد درجة حرارة الهواء مع الارتفاع)، مثلما قد يحدث عندما تكون الأرض باردةً في وقت مبكر أو في وقت متأخر من اليوم. تحكَّم الأستراليون في ارتفاع كل قبعة دخانية عن طريق ضبط مدى حدة اشتعال النار. فكلما زادت درجة الحرارة داخل النار، ارتفعت نفثة الدخان والغازات الساخنة أعلى وأعلى.

في الحرب العالمية الثانية، استُخدمت طبقات من الدخان لإخفاء الأهداف، مثل المصانع، من الهجوم الجوي الليلي، وخاصةً في الليالي التي كان يضيئها نور القمر بوضوح. كانوا يُصدِرون دخانًا كثيفًا زيتيًّا أسودَ من خلال حرق زيت السولار في نفس الآلات التي تُستخدم لتغطية البساتين بالدخان في الليل عندما تكون الثمار مهددة بالتعرض للصقيع. لم يكن الدخان يرتفع بشكل ملحوظ؛ لأنه لم يكن شديد الحرارة عندما خرج من المدخنة العالية المثبَّتة على موقد؛ ومِن ثمَّ فإنه يشكِّل طبقة مسطحة يمكنها إخفاء أي هدف، إلا عندما يهب النسيم.

يُنتِج الانفجار النووي كرة نارية متقدة تسخِّن الهواء بسرعة، ثم يرتفع هذا الهواء سريعًا ويمتص الهواء الموجود على ارتفاع سطح الأرض والأوساخ والحطام ورطوبة الماء إلى أعلى لتشكِّل شكل ساق عيش الغراب. وكما في حالة الحرائق، يبرد الهواء في نهاية المطاف حتى يصل إلى درجة حرارة الهواء المحيط، ثم ينتشر أفقيًّا ويشكِّل قبعة عيش الغراب.

(٧٧) نار المدفأة

لماذا لا يمكنك أبدًا الحصول على نار جيدة إذا أضفتَ مادةً قابلة للاشتعال حول قطعة حطب واحدة؟ ولماذا من الأفضل، بدلًا من ذلك، أن يكون لديك ثلاث قطع من الحطب على الأقل؟ لماذا يجب تحريك الحطب من حين إلى آخر أثناء احتراقه؟ كيف تدفِّئ نيران المدفأة الغرفة الموجودة فيها؟ لماذا يصدر دخان من المدفأة المبنية بشكل سيئ داخل الغرفة، بينما لا يحدث ذلك إذا كانت مبنيةً بشكل جيد؟

ما الغرض من الواجهات الزجاجية التي تُباع لتغطية فتحة المدفأة؟ هل توجد طريقة أكثر فاعليةً لتكديس الحطب؛ بحيث يمكن أن تدفئ النيران الغرفة بشكل أفضل؟

الجواب: سيحترق سطح الحطب عندما ترتفع درجة حرارته فوق قيمة معينة؛ «درجة حرارة الاحتراق» أو «درجة حرارة الاشتعال». قد ينتج عن إضافة مادة قابلة للاشتعال احتراقُ جانبَيْ قطعة الحطب، ولكن بعد أن تستهلك المادة المشتعلة؛ فإن انبعاث الأشعة تحت الحمراء من سطح قطعة الحطب والحمل الحراري للغازات الساخنة بعيدًا عن الحطب يخفِّض من درجة حرارة السطح إلى ما دون درجة حرارة الاحتراق. للإبقاء على قطعة الحطب مشتعلة، ستحتاج إلى قطعة حطب أخرى أو قطعتين إلى جانبها. حينئذٍ ستُسَخِّن الأسطح المحترقة بعضها بعضًا من خلال الإشعاع والحَمل الحراري للغاز الساخن، أو من خلال التوصيل الحراري عبْر الهواء الوسيط، وتبقى درجة حرارة الحطب أعلى من درجة حرارة الاحتراق.

ناسَبَ هذا الوصف نار المخيم، ولكن نار المدفأة تختلف؛ لأنها تكون داخل مكان مغلق يحيط بها جزئيًّا. يشكِّل الغاز والطوب الحراري في أعلى المدفأة طبقة ساخنة تُصدر أشعة تحت حمراء إلى الأسطح المحترقة؛ مما يساعدها على البقاء ساخنة. كما أن وجود الحطب المشتعل داخل مكان مغلق جزئيًّا يمكن أن يحدَّ من كمية الأكسجين المطلوبة؛ مما يحدُّ من عملية الاحتراق. في الحالة المثالية، يحدث الاتزان بين الطاقة الحرارية التي تُصدرها النار، والطاقة الحرارية التي تُفقَد من خلال الحَمل الحراري للغازات الساخنة أعلى المدخنة (على أمل ألا تخرج هذه الغازات إلى داخل الغرفة)، وبين التوصيل الحراري عبْر الجدار الخلفي للمدفأة، والإشعاع الذي يخرج إلى داخل الغرفة. يمكن أن تنتج عن هذا الاتزان زيادةُ اشتعال النار إذا أُضيف المزيد من الحطب، أو إذا زاد تدفُّق الهواء داخل المدفأة وأعلى المدخنة.

يعود سبب الدفء في الغرفة بشكل كبير إلى الإشعاع الحراري الذي يُرسَلُ عبْر المساحات المفتوحة بين قِطَع الحطب. يتم تحريك قطعة الحطب أحيانًا لنقل المناطق غير المحترقة إلى المنطقة الفارغة الموجودة بين قِطَع الحطب الأخرى. يواجه عندئذٍ جزءٌ من السطح المحترق الغرفةَ، ويوفِّر إشعاعًا حراريًّا لفترة وجيزة، بينما يشتعل السطح الذي نُقِلَ حديثًا إلى الداخل ويشتد لهبه.

يرتفع الهواء الساخن وغازات الاحتراق إلى المدخنة، ويمر في جزء ضيق يتحكَّم في مدى نطاقه «صمام تنظيم تيار الهواء». يزيد الطفو من ارتفاع الغازات؛ وذلك لأن درجة حرارتها العالية تجعلها أخفَّ من الهواء الموجود داخل الغرفة وخارجها. تسحب المدخنة الأطول الغازات سحبًا قويًّا (عملية السَّحب داخل المدخنة)؛ لأنها تسمح للطفوية بتسريع الهواء والغازات إلى سرعةٍ أكبر بكثير قبل أن تصل إلى القمة. وإذا هبَّت الرياح على قمة المدخنة، فإنها تُخرِج الغازات والهواء المتسربَيْن، وتعزِّز من عملية سحبهما. أما إذا كانت المدخنة ذات سَحب رديء، فإنها «تنفث دفقات» من الغازات الساخنة بالتناوب مع دخول الهواء الخارجي البارد إلى المدخنة.

قد تقوم المدخنة بنفث الدخان داخل الغرفة لعدة أسباب. أحد الأسباب المحتملة لذلك، هو أنه عندما يُسحَب الهواء إلى داخل المدفأة، يصطدم بالجدار الخلفي ثم يدور متجهًا إلى الأمام مرة أخرى نحو الغرفة بعد أن يمر فوق النار، ويحمل في طريقه بعضًا من الدخان معه. تحتوي المدفأة الجيدة التصميم على مساحة داخلية مرتفعة؛ بحيث تحجب الجدران الأمامية دوران الهواء. إذا كان صمام تنظيم تيار الهواء أو الجزء المتصل به من المدخنة مفتوحًا للغاية، فقد يؤدِّي سَحب الهواء الخارجي إلى إرسال الدخان إلى الغرفة. عندما تكون النار منخفضة، أو عندما تكون المدفأة كبيرة للغاية، تمثِّل هذه التيارات الهوائية الهابطة مُشكِلةً.

بما أن المدفأة تدفئ الغرفة في المقام الأول من خلال الإشعاع الحراري، تكون الجدران الموجودة بالخلف وعلى الجانبين مائلةً في كثير من الأحيان؛ حتى تشتِّت الإشعاع إلى داخل الغرفة. يتوجَّه الإشعاع بشكل أكبر إذا كُدِّسَت قطع الحطب على دعامة، تشكِّل شِقًّا، بحيث تُوضع قطعة كبيرة من الحطب بالخلف، والقطع الأصغر في الجزء العلوي والسفلي من الشق. تُحتوى النار داخل الشق، ويواجه الجمر الغرفة بدلًا من طوب المدفأة.

وبما أن النار تمتص الهواء من الغرفة، فإنها تسحب الدفء من الغرفة. للتخفيف من عمليةِ الفقدِ هذه، يمكن تركيب هيكل زجاجي خارجي مقاوِم للحرارة بطول المدفأة. يسمح الزجاج برؤية النار ويعكس الطاقة الحرارية التي يتلقاها إلى الغرفة، بينما يمنع أيضًا الفقد الكبير للهواء الدافئ من الغرفة. يظل الهواء الذي يُسحَب من خلال المنافذ المفتوحة على مستوى الأرضية يغذي اشتعال النار؛ حيث يكون هواء الغرفة هناك في أبرد درجاته.

بالنسبة إلى بعض المدافئ، يمكن أن يحدث تدفق عكسي للهواء عندما لا تكون هناك نار في المدفأة. عادةً ما تكون هذه المدافئ ظليلة وغير معرَّضة لأشعة الشمس؛ لذلك يمكن أن تحتوي على هواء بارد نسبيًّا، في حين أن أشعة الشمس تسخِّن الهواء الخارجي. يكون الهواء البارد في المدخنة أشد كثافةً وأثقل من الهواء الخارجي؛ ولذلك يهبط إلى الجزء السفلي من المدخنة ويخرج إلى داخل الغرفة، فيدفع الهواء من خلال الأبواب أو النوافذ المفتوحة، أو من خلال الشقوق التي تحيط بها.

يحدث تدفُّق متساوٍ للهواء في بعض الكهوف ذات الفتحات المتعددة، والتي تكون فيها إحدى الفتحات أعلى بكثير من الأخرى. تعمل عندئذٍ الممرات التي تمتد من الفتحة السفلية إلى الفتحة العلوية كمدخنة. عندما يكون هواء المدخنة أدفأ من الهواء الخارجي، كما هو الحال في الشتاء، يتدفَّق الهواء خلال الفتحة السفلية ويخرج من خلال الفتحة العلوية، وعندما يكون العكس صحيحًا، يتدفق الهواء في الاتجاه العكسي، ويُقال عندئذٍ إن الكهف «يتنفس».

(٧٨) لهب الشمعة

كيف تحترق الشمعة؟ أي؛ كيف تستهلك وقودها؟ لماذا يغلب اللون الأصفر على الضوء الصادر من لهب الشمعة؟ ولماذا تتكوَّن مناطق ذات لون أزرق عادةً على امتداد جانب اللهب (انظر شكل ٤-١٢)؟ لماذا يوجد مخروط مظلم بين الفتيل والجزء الأصفر من اللهب؟ لماذا تُصدِر بعض الشموع الدخان؟ ولماذا يضطرب لهب بعضها الآخر؟ لماذا يكون السُّخَام الناتج من اللهب أسود اللون، ومع ذلك، يصدر دخان أبيض اللون من الشمعة التي أُطفِئَت لتوها؟
fig116
شكل ٤-١٢: بند ٤-٧٨: تركيب لهب الشمعة.
الجواب: يتكوَّن الوقود الشمعي للشمعة من البارافين أو الستيارين (حمض الستياريك الدهني) أو من مزيج منهما. يعترض الإشعاعُ الحراري الصادر من اللهب الشمعَ فيذيبه ويسيله. يُسحَب السائل إلى أعلى الفتيل عن طريق الخاصية الشعرية (أي إن جزيئات الفتيل تجذب جزيئات السائل، المتماسكة معًا بفعل التجاذب المتبادل). بينما يرتقي الشمع الفتيل، فإنه يتبخَّر بفعل بيئة اللهب الساخنة، ثم يُحمَلُ إلى أعلى وإلى الخارج أيضًا عبْر تدفُّق الغازات الساخنة (الحَمل الحراري).

تُحمَل بعض الهيدروكربونات التي يُطلقها التبخير إلى المخروط المظلم فوق فتيل الشمعة مباشرة، ولكن درجة حرارتها على الأرجح لا تكون أسخن من نحو ٦٠٠ إلى ٨٠٠ درجة مئوية. تكون هناك حاجة إلى الأكسجين لحرق الهيدروكربونات، إلا أنه لا بد أن ينتشر داخل اللهب، ولكن لا يصل الكثير منه إلى منطقة المخروط المظلمة (يُقال إن لهب الشمعة نوع من أنواع «اللهب المنتشر»). ولذا، مع انخفاض درجة الحرارة وفي وجود القليل من الأكسجين، لا تبعث الهيدروكربونات الموجودة في المخروط المظلم الكثير من الضوء.

تُحمَل بعض الهيدروكربونات إلى المناطق الزرقاء، التي يُقال إنها «مناطق تفاعل». هناك، يتفاعل الأكسجين الوفير مع الهيدروكربونات ويُكَسِّرُها إلى جزيئات أصغر ويُكَوِّنُ المنطقة الأكثر سخونةً من اللهب. تحتوي هذه الجزيئات الأصغر على جزيئات الكربون (C2) والهيدروكربون (CH). عندما تُنتَج هذه الجزيئات في حالة استثارة، فإنها تسارع إلى فقدان حالة الاستثارة عن طريق إصدار الضوء في سلسلة من الأطوال الموجية المحددة. تقع معظم الانبعاثات الساطعة عند الطرف الأزرق من الطيف المرئي، وهكذا يُرى اللون الأزرق وهو ينبعث من جانب اللهب. (في غرفةٍ مظلمة قد يظهر وهج خافت يحيط بلهب الشمعة، إلا أن هذا الوهج يرجع إلى تشتت ضوء اللهب داخل العين. وغالبًا ما يصوِّر الفنانون هذا الوهج عن طريق رسم خطوط قصيرة متموجة تمتد من لهب الشمعة.)

إن الهيدروكربونات التي ترتفع إلى الجزء الأصفر من اللهب من منطقة المخروط المظلمة، أو من المنطقة التي تتفاعل فيها، تشكِّل جزيئات صلبة صغيرة من الكربون تحترق في الأكسجين بعد ذلك. تصبح الجسيمات شديدة السخونة؛ بحيث تكون ساطعة، وهو ما يجعل الضوء الأصفر غالبًا على ضوء الشمعة.

إذا كان معدل دخول الهيدروكربونات إلى المنطقة الصفراء يتطابق مع المعدل الذي تُستهلَك به الجزيئات الصلبة، فلا يصدر اللهب دخانًا. ومع ذلك، إذا كان معدل الإمداد كبيرًا جدًّا (كما يمكن أن يحدث عندما يكون الفتيل عريضًا للغاية)، يمكن للهب أن يُصدِر دخانًا؛ أي أن تَصدُر منه أدخنة مظلمة؛ ألا وهي جسيمات الكربون التي لم تحترق بشكل كامل في اللهب. إذا أدخلت مشبكَ ورقٍ في لهب أيِّ شمعة، فسيمكنك مقاطعة عملية الاحتراق؛ ومن ثم تحفيز إطلاق السُّخَام الذي يحيط بمشبك الورق من كل جانب.

إذا لم يتطابق معدل تزويد الوقود مع معدل احتراقه، فيمكن أن ينطفئ اللهب أو أن يرتعش. ينطفئ اللهب إذا أخفق في تسييل ما يكفي من الوقود، أو إذا فشلت الخاصية الشعرية في سحب ما يكفي من الوقود إلى الفتيل لإبقاء اللهب مشتعلًا. بينما يحدث الارتعاش في حالة وجود آلية تغذية راجعة بين اللهب وإمدادات السائل. على سبيل المثال، لنفترض أن اللهب يتوهج؛ ومِن ثَمَّ يزيد الإشعاع الحراري وكمية الشمع المسال، فإذا كان الفتيل بطيئًا في جلب هذا السائل الإضافي إلى اللهب، يستهلك الوهج الوقود المتاح في الجزء العلوي من الفتيل ويخبو اللهب. عندما يصل السائل الإضافي أخيرًا إلى قمة الفتيل، يتوهج اللهب مرة أخرى، وتتكرَّر الدورة.

لإطفاء لهب الشمعة، لا بد أن تنفخ اللهب لفترة كافية، ليس لإزالة جسيمات الكربون المتوهجة في المنطقة الصفراء والهيدروكربونات المتفاعلة في المنطقة الزرقاء فحسب، ولكن أيضًا لإزالة الهيدروكربونات التي ستتبخَّر من الفتيل الساخن أثناء النفخ. في الواقع، بعد أن تنطفئ الشمعة، تظل الهيدروكربونات تتبخر من الفتيل، ولكنها لا تَعُد تُشكِّل جزيئات كربون وتحترق. إذا بقيت جزيئات فردية، فمن المحتمل أنك لن تلاحظها، ولكنها إذا تجمَّعت معًا، فإن ذلك يزيد من تشتيتها للضوء بما يكفي لترى دفقة ناعمة بيضاء ترتفع من الفتيل.

(٧٩) رش ألسنة اللهب بالماء

لماذا يكتم الماء الحريق الذي ينتج عن الخشب المحترق؟ لماذا يقوم رجال الإطفاء عادةً بضبط فوهة خرطوم الحريق بحيث يخرج منه الماء على هيئة رذاذ ناعم، بدلًا من أن يكون تيارًا متصلًا؟ عندما يقتحم رجال الإطفاء غرفة مشتعلة مغلقة، فلماذا يرشون سقف الغرفة عادةً بدلًا من الأرض، حتى لو كان الحريق موجودًا على الأرض فقط؟

الجواب: يمكن للماء إخماد الحريق أو تقليص نطاقه من خلال عمليات عديدة: (١) يمتص الماء الطاقة الحرارية من الأسطح المشتعلة ومن نواتج البخار (الذي قد يكون مشتعلًا)؛ ومِن ثَمَّ يبرِّدها بما يكفي بحيث لا تعود في حالة اشتعال. (٢) يمتص الماء بعض الإشعاع الحراري الذي ينبعث من المواد المشتعلة؛ ومِن ثَمَّ يقلِّل من احتمال أن تصبح المواد المحيطة ساخنةً بما يكفي لتشتعل هي الأخرى. (٣) يشغل الماء حيزًا في الهواء؛ ومِن ثَمَّ يقلِّل من كمية الأكسجين التي تصل إلى المواد المشتعلة التي تحتاج إلى الأكسجين لمواصلة الاشتعال.

في العملية الأولى، يعتمد المعدل الذي يتم فيه امتصاص الطاقة الحرارية على المساحة السطحية للماء؛ لأن المساحة الكلية للسطح تزداد إذا تحوَّل تيار الماء إلى رذاذ؛ لذا تُضبَط فوهة الخرطوم لإصدار الرذاذ.

عندما تحترق غرفة مغلقة، يُستنزَف الأكسجين المطلوب بعد وقت قليل، تاركًا وقودًا غير محترق في الهواء. في الواقع، قد تواصل المواد الساخنة الموجودة في الغرفة إطلاق الوقود غير المحترق. ولأن هذا الوقود يكون ساخنًا، فهو عادةً ما يتجمَّع بالقرب من السقف. ومِن ثَمَّ، إذا فتح رجل الإطفاء الغرفة فجأةً، فعادةً ما يتدفَّق الهواء عبْر الجزء السفلي من الفتحة ويزوِّد الغرفةَ بالأكسجين الذي لا يلبث أن يصل إلى الوقود غير المحترق بالقرب من السقف. ينفجر هذا الوقود فجأةً متحولًا إلى ألسنة لهب، ونتيجة تدفُّق الهواء داخل الجزء السفلي من الفتحة، يتدفَّق هذا الوقود المحترق إلى الخارج عبْر الجزء العلوي من الفتحة. يقابل الوقودَ غير المحترق الذي تسرَّب خارج الغرفة الهواءُ الغزير، وهو ما ينتج عنه تكوُّن كرة نارية تندفع خارج الغرفة فيما يُعرف باسم «انفجار الدخان» (الانفجار الذي يمكن أن تُحدثه النيران أثناء محاولة إخمادها)، أو «فيضان نار الحريق». تحدث هذه العملية برمتها في لمح البصر؛ بحيث يمكن أن تحيط الكرة النارية برجل الإطفاء الذي فتح باب الغرفة. لذا، عند فتح الباب، يرشُّ أحد رجال الإطفاء الماء على الفور بالقرب من السقف ليُبَرِّد الوقود الساخن الذي يطفو هناك؛ ومِن ثَمَّ يقلِّل من فرصة حدوث انفجار الدخان. يبدو أن فرصة حدوث انفجار الدخان والحاجة إلى تنفيذ هذا الإجراء الوقائي زادت؛ لأن الغرف والمباني أصبحت تُبنى لتكون غير منفذة للهواء، بغرض تقليل تكلفة تبريدها أو تدفئتها في الظروف الجوية القاسية.

(٨٠) الحرائق الناتجة عن زيت الطهي

يمكن لزيت الطهي العادي أن يشتعل ذاتيًّا (ينفجر إلى ألسنة لهب) إذا تجاوزت درجة حرارته ما يُسمَّى ﺑ «نقطة الاشتعال». على سبيل المثال، يشتعل زيت الكانولا ذاتيًّا عند درجة حرارة تصل إلى ٣٣٠ درجة مئوية. يمكن أن يطفئ الماء الحريق، ولكن هل يجب استخدامه لإطفاء زيت الطهي المحترق، مثلما يحدث عندما تلتقط مقلاةُ زيتٍ النارَ من الموقد وتشتعل؟

الجواب: تنص النصيحة النموذجية بشأن التعامل مع حريق زيت الطهي على إخماده بغطاء أو أي قطعة معدنية مصمتة أخرى، لمنع إمداد الأكسجين، ولاحتواء الزيت الساخن. إذا ألقيت الماء على الزيت الساخن، فإن القطرات تدخل الزيت كما تدخل بِركة من المياه المتجمعة، إلا أن كل قطرة تنقسم بعد ذلك إلى العديد من القطرات. تسخن هذه القطرات بسرعة في الزيت، ولا تلبث أن تتحوَّل إلى بخار. ومع تمدُّد الماء السائل ليصبح بخار ماء، فإن الزيادة المفاجئة في الحجم تدفع بالزيت الساخن في العديد من الاتجاهات. لا يبرد هذا الزيت المحمول في الهواء أثناء الطيران، ويمكنه أن يحرق الجلد أو سطح الطاولة، وإذا اصطدم باللهب مباشرةً أو من خلال التناثر، فيمكنه أن يشتعل وينتشر بطول الجدران. ومِن ثَمَّ، فإن رشَّ دفقة من الماء على مقلاة من الزيت المحترق يمكن أن يكون كارثيًّا بسبب تحويل الماء السائل إلى غاز متفجِّر.

(٨١) حرائق الأشجار وحرائق الغابات

كيف تنتشر حرائق الحشائش، مثل التي شهدتها المناطق الريفية في ولاية تكساس؟ كيف تنتشر حرائق الغابات؟ وكيف تُشعِلُ البيوت عندما تصل إلى منطقة مأهولة؟

الجواب: تنتشر حرائق الحشائش بوجه عام بسبب اللهب الذي يكون موجودًا على طول حافة النار التي تلامس المواد التي لم تحترق، والواقعة خلف حافة النار مباشرة. تزيد سرعة انتشار النار إذا دفعت الرياح باللهيب فوق الحافة وصولًا إلى المواد التي لم تحترق. كما تزيد سرعة انتشارها أيضًا إذا كانت المواد التي لم تحترق أعلى نسبيًّا، كما يحدث عندما تنتشر ألسنة النار صاعدةً جوانب أحد الوديان. يمكن للجمر المحترق، الذي يحمله الغاز الساخن القادم من النار، أن يقع على المادة التي لم تحترق فيشعلها.

تنتشر حرائق الغابات التي تكون فيها المادة الموجودة بالقرب من الأرض مشتعلة بنفس الطريقة تقريبًا، أما «الحرائق التاجيَّة» التي يحترق فيها حتى الغطاء الشجري العلوي، فتنتشر بشكل مختلف تمامًا. تُنقَل الطاقة من النار إلى المواد التي لم تحترق عن طريق الإشعاع الحراري في المقام الأول. يكون الوضع مشابهًا إذا وقفت أمام نار مشتعلة؛ إذ إنك تشعر بالدفء، بل وبالسخونة الشديدة، بسبب اعتراضك للإشعاع الحراري. في حالة الحرائق التاجيَّة، تصبح المواد التي لم تحترق ساخنة للغاية بحيث تشتعل؛ ومِن ثَمَّ تنتشر النار. ينشأ الإشعاع الحراري في منطقتين رئيسيتين: المواد الصلبة المحترقة (جذوع الأشجار) والغازات المشتعلة (في لهب النيران التاجيَّة). يُحجَب الإشعاع الصادر من المواد الصلبة بواسطة الجسيمات المحمولة جوًّا والأشجار، ولا يخترق المواد غير المحترقة بشكل جيد. يمكن للإشعاع الصادر من اللهب أن يخترقها بشكل أفضل؛ خاصةً إذا كانت الرياح تحني ألسنة اللهب في اتجاه المادة غير المحترقة؛ بحيث يتجه جانب اللهب (أو طوله الكامل) إلى الأسفل مواجهًا المواد غير المحترقة بشكل أو بآخر. عندئذٍ، تعترض المواد غير المحترقة معظم الإشعاع الصادر من جانب اللهب.

عندما يقترب الحريق التاجي من أحد المنازل، عادةً ما تسخن الجدران الخارجية التي تواجه النار حتى تصل إلى نقطة الاشتعال. ومع ذلك، يمكن أن تساعد الأفاريز المائلة في حماية الجدران من الإشعاع الحراري، كما يمكن للأشجار التي تقع بين الجدران والنار أن تحمي الجدران. أما أفضل الحالات، فهي تلك التي تحترق فيها الأشجار بشكل ضعيف ولا تساهم في تغذية الحريق التاجي. (يمكن بالطبع، أن يشتعل المنزل عن طريق الجمر الذي يتساقط على سقفه.)

(٨٢) العواصف النارية

في إحدى الليالي، أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت طائرات الحلفاء تقصف مدينة دريسدن الألمانية بالقنابل الحارقة. عندما بدأ القصف، كانت الرياح المحيطة في المنطقة ضعيفة؛ إذ كانت تبلغ سرعتها أربعة أمتار في الثانية فقط تقريبًا، فلماذا زادت سرعة الرياح إلى ٢٠ مترًا في الثانية (أي أكثر من ٤٠ ميلًا في الساعة)؟ (قدَّرَ بعض رجال الإطفاء أن سرعة الرياح كانت أكبر من ذلك، ربما ٥٠ مترًا في الثانية.)

الجواب: بعد ٣٠ دقيقة تقريبًا من بدء القصف، انتشرت الحرائق عبْر المدينة بعضها نحو بعض، واندمجت في حريق واحد هائل، وهو ما أوجد الشروط المطلوبة لفرن الصهر، فأصبحت شوارع المدينة بمنزلة فرن صهر كبير. تسارعت الغازات الساخنة بشدة إلى أعلى؛ لأنها كانت أخفَّ من الهواء البارد المحيط بها، وبردت عندما ارتفعت من خلال إطلاق أشعة تحت حمراء واختلاطها بالهواء المحيط، ولكن عملية التبريد كانت بطيئة بما يكفي؛ بحيث ارتفع عمود الغازات الساخنة نحو سبعة كيلومترات. في الجزء العلوي من العمود، انتشرت الغازات أفقيًّا؛ لأنها كانت بنفس درجة حرارة الهواء المحيط بها.

هذا التدفُّق الضخم للغاز لأعلى سَحَبَ (امتص) الهواء بطول الأرض إلى المنطقة المحترقة، وهو ما أحدث رياحًا قوية أجَّجت من اشتعال النيران. تنشر الرياح الحريق في المعتاد، ولكن التدفُّق الإشعاعي في دريسدن حافظ على النار ثابتةً، وهو ما خلق حالةً تُعرف باسم «العاصفة النارية». تسبَّب الحريق في خسائر فادحة في الأرواح وتدمير شبه كامل للمباني في المنطقة.

في بعض العواصف النارية، يبدأ تيار الهواء المتجه لأعلى في التحرك حلزونيًّا، مُشَكِّلًا دوامة. تُنتِج الحرائق الصغرى (التي لا تكون أقل حدةً) أيضًا دوامات تشبه الزوابع الترابية، وتُعتبر هذه الدوامات خطيرة؛ لأنها تساعد في نشر المواد المحترقة.

(٨٣) تنظيم درجات الحرارة في التلال والمباني

تُعرف تلال النمل الأبيض في شمال أستراليا بالتلال المغناطيسية، ليس لأن التلال أو النمل الأبيض مغناطيسيان فعلًا، بل لأن هذه التلال العالية وتدية الشكل تميل نحو الشمال والجنوب، كما لو أنها إبرة بوصلة. الاسم الصحيح لهذا النوع من النمل الأبيض هو «النمل الأبيض المغناطيسي»؛ وذلك لأن اتجاهات التل تقع على طول خطوط الطول. لماذا يفضِّل النمل الأبيض هذه الاتجاهات لبناء تلاله؟

في المناخات المعتدلة؛ حيث لا يكون الصيف شديد الحرارة، يمكن أن تظل بعض المباني دافئةً بشكل خانق حتى بعد فتح نوافذها. هل هناك طريقة لتحسين تهوية مبنًى كهذا؛ بحيث يمكن تجنُّب التكلفة المرتفعة لتبريده عبْر استخدام مكيفات الهواء؟

الجواب: تلال النمل الأبيض المغناطيسي مصمَّمة بذكاء للحفاظ على درجة الحرارة الداخلية. يمتص الوجه الطويل العريض على الجانب الشرقي من الوتد الكثيرَ من أشعة الشمس في وقت ارتفاع الشمس، بينما يمتص الوجه المعاكس أشعة الشمس في وقت الغروب. عندما تكون الشمس في كبد السماء، يقع ضوء الشمس على مساحة مقطع عرضي صغير نسبيًّا. أي إن المساحة التي تُرى من الأعلى تكون أصغر من المساحة التي تُرى من الجانب الغربي أو الشرقي. ومِن ثَمَّ، فإن كمية ضوء الشمس الممتصة خلال اليوم الحار تكون أقل من تلك التي تُمتص خلال ساعات الصباح والمساء الباردة. وبصفة عامة، تكون درجة الحرارة داخل التل ثابتة تقريبًا طوال اليوم.

تتضمَّن بعض المباني الآن، مثل بعض المباني في إنجلترا، «برجًا شمسيًّا» يتكوَّن جانبُه (أو أحد أركانه) المواجه للشمس خلال النهار من الزجاج الشفاف. تحتوي قمة البرج على فتحة تهوية يمكن فتحها أو غلقها حسب الحاجة، ويكون الجزء السفلي من البرج متصلًا بكل طابق في المبنى. تدفئ الشمس الهواء في البرج، ونظرًا لأن الهواء الأدفأ يكون أخفَّ من الهواء البارد، يتحرَّك هذا الهواء الدافئ إلى أعلى البرج ويخرج من خلال فتحة التهوية، ويسحب الهواء إلى الداخل عبْر أيِّ نوافذ مفتوحة في المبنى. إذا صُمِّمَ المبنى والبرج بشكل صحيح، يمكن أن يكون هناك تدفُّق مستمر للهواء عبْر جميع الغرف المفتوحة في المبنى.

تُظهِر المباني التقليدية في إيران تكيُّفًا رائعًا مع البيئة هناك، وتتَّسم بكونها حارةً خلال النهار وباردةً خلال الليل. إن المباني متقاربةً بحيث يظلِّل كل واحد منها الآخر. يحتوي بعضها على «أبراج الرياح» التي تمتص الرياح؛ بحيث يمكن للرياح دفع الهواء إلى أسفل البرج من خلال نفق تحت الأرض (حيث تُبَرِّدُ الأرض الهواء)، ثم إلى الطابق السفلي من المبنى. وإذا كانت المياه متوافرة، على جدران النفق الرطبة أو على شكل نافورة في الطابق السفلي، يُبَرَّدُ الهواء أكثر من خلال تبخُّر الماء. أي إن الطاقة الحرارية تُؤخَذ من الهواء أو النفق أو ماء النافورة لتُغيِّر الماء من الحالة السائلة إلى الحالة البخارية.

تكون بعض المباني مقبَّبة بغطاء مفتوح في الأعلى، عندما تمر الرياح أمام الغطاء، فإنها تمتص الهواء الدافئ في الجزء الداخلي من قمة القبة وتحمله بعيدًا. يسمح ذلك بدخول الهواء البارد إلى المبنى على مستوى الأرض، أو (الأفضل من ذلك) على طول الأنفاق الواقعة تحت الأرض.

(٨٤) الدفء داخل الصوبات الزراعية والسيارات المغلقة

لماذا تكون الصوبة الزراعية دافئة نسبيًّا؟ هل تكون مصنوعةً من نوعٍ معيَّن من الزجاج الذي يحبس الإشعاع الحراري (الأشعة تحت الحمراء) بشكلٍ من الأشكال؟ لماذا تصبح السيارة المغلقة ساخنة من الداخل في حال تُركت معرَّضة لأشعة الشمس المباشرة في يومٍ حارٍّ؟

الجواب: السبب الرئيسي في أن الصوبة الزراعية تكون دافئةً هو أن كونها مغلقةً يقطع دوران الهواء أو يحدُّ بشدةٍ منه؛ ومِن ثَمَّ لا يُسمَح للهواء الدافئ بالارتفاع والخروج من الصوبة الزراعية ليحل محلَّه هواءٌ أبرد يتدفَّق بطول الأرض، كما لا يُسمَح للنسيم بأن يحل محل الهواء الدافئ الداخلي. (تقول إحدى الخرافات الشائعة إن السقف الزجاجي أو البلاستيكي للصوبة الزراعية يحبس الإشعاع الحراري بطريقةٍ أو بأخرى. لسوء الحظ، ولأنه غالبًا ما يُستخدَم مصطلح «تأثير الصوبة» لوصف عملية الاحتباس الحراري التي يُحبَسُ فيها الإشعاع الحراري بواسطة الغلاف الجوي للأرض، يُعَمَّم عادةً نفس المفهوم بطريق الخطأ على الصوبات الزراعية.)

تكون السيارات المغلقة المركونة في ضوء الشمس المباشر في يومٍ حارٍّ كالصوبة الزراعية. يمكن أن تصبح السيارة من الداخل ساخنة بشدة بسبب انعدام دوران الهواء. في الواقع، إذا دخلت أشعة الشمس من خلال الزجاج الأمامي للسيارة، يمكن أن تصبح لوحة عدَّادات السيارة وعجلة القيادة ساخنتَيْن بدرجة كافية لحرق الجلد. يمكن لإحداث دوران الهواء، عن طريق فتح نوافذ السيارة قليلًا أو فتح أبوابها، أن يخفض (ببطء) من درجة الحرارة. بما أن الطلاء الأسود يمتص الضوء المرئي بسهولةٍ أكبر من الطلاء الأبيض، فقد تعتقد أن السيارة السوداء تكون أشد حرارة من السيارة البيضاء. ومع ذلك، ترجع عملية تسخين السيارة في المقام الأول إلى امتصاص الأشعة تحت الحمراء، وليس الضوء المرئي، وعلى الأرجح يمتص لونا الطلاء النطاق نفسه تقريبًا من الأشعة تحت الحمراء.

(٨٥) الجزر الحرارية

لماذا عادةً ما تكون درجة الحرارة في المناطق الحضرية، وخاصةً في وسط المدن، أدفأ من المناطق الريفية المحيطة بها؟ على سبيل المثال، قد يكون الطقس في المدينة حارًّا خانقًا خلال فصل الصيف، بينما يكون لطيفًا في الريف. هل تَنتُج هذه «الجزر الحرارية» الحضرية في المقام الأول من وجود تركيز أعلى للآلات المولِّدة للحرارة في المدن؟

قد تبدأ مظاهر قدوم الربيع في الظهور بشكلٍ ملحوظ في المدينة بسبب وجود الجزر الحرارية، وذلك بشكلٍ أسرع من الريف، وقد يتأخَّر قدوم الخريف وفقدان الأشجار لأوراقها، كما يمكن أن يكون الندى أندَر في المدينة منه في الريف.

الجواب: تسهم العديد من العوامل في تكوُّن الجزر الحرارية في المناطق الحضرية؛ مثل المباني الشاهقة التي تحجب وتعيد توجيه الرياح التي من شأنها أن تبرِّد المكان. نتيجةً للتبخر، يكون هناك فَقْد أقل للطاقة الحرارية؛ إذ تُصرَفُ الأمطار والثلوج عبْر نظام الصرف الصحي، كما يساعد استخدام الملح أيضًا على إزالة الثلوج من الطرق. أيضًا تميل مواد الرصف والبناء إلى امتصاص أشعة الشمس وتخزينها أكثر من المناطق العشبية أو المُشْجِرَة.

إذا كانت المباني بنفس الارتفاع تقريبًا وتبرد عن طريق بث حرارتها من الأسطح ليلًا، يمكن أن تتكوَّن طبقة من الهواء البارد على مستوى الأسطح. يمكن أن تُعيق هذه الطبقة صعود الهواء الدافئ من مستوى الشارع؛ ومِن ثَمَّ تحبس الطاقة الحرارية داخل المدينة. إذا كانت المدينة مغطاة بطبقة سميكة من الجسيمات التي يحملها الهواء (التلوث)، فيمكن أن يكون الوضع أسوأ؛ إذ يمكن أن يشعَّ السطح العلوي للطبقة حرارته نحو السماء، وهو ما يوفِّر مزيدًا من التبريد عند مستوى الأسطح. وعلى الرغم من أن درجة حرارة المدينة تهدأ إلى حدٍّ ما خلال الليل، فإنها لن تكون بنفس درجة برودة الريف.

في المناطق الحارة، كما هي الحال في جنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية، يمكن أن يشكِّل امتصاصُ الأسطحِ أشعةَ الشمسِ خطرًا كبيرًا. على سبيل المثال، يمكن أن تصل حرارة الرصيف الأسفلتي بسهولة إلى ٧٠ درجة مئوية، وهو ما يتجاوز الدرجة التي يمكن لأي سطح عندها أن يحرق الجلد حال ملامسته له، والبالغة ٤٤ درجة مئوية. إذا لمس أي شخص الرصيف، مثل ضحايا حادث مروري، فقد يعاني من حروق شديدة. بل وحتى الوقوف في موقف سيارات فارغ مغطًّى بالأسفلت يمكن أن يكون أمرًا صعبًا؛ نتيجة الأشعة تحت الحمراء الشديدة التي تَصدر من الأسفلت.

(٨٦) الديناميكا الحرارية للأربطة المطاطية

إذا قمتَ بشدِّ رباط مطاطي بسرعة ووضعتَه على شفتك العليا في هذه الأثناء، فلماذا يصبح الرباط المطاطي دافئًا بما يكفي لتصبح حرارته ملحوظة لشفتك؟ أبْعِدِ الرباط المطاطي وهو لا يزال مشدودًا عن شفتك لبضع دقائق، ثم ضعه على شفتك مرةً أخرى واتركه لينكمش بسرعة. لماذا يصبح باردًا عند الانكماش؟

الجواب: يتكوَّن مطاط الرباط المطاطي من سلسلة من الجزيئات الطويلة الملفوفة بطريقة تشبه المكرونة الاسباجيتي، وبها العديد من الوصلات المتقاطعة. عندما تَشدُّ الرباط المطاطي، تتمدَّد هذه الجزيئات، ويؤثِّر جزء من حركة الشد هذه على الحركة الحرارية للجزيئات؛ ومِن ثَمَّ يرجع الدفء الذي تشعر به على شفتك إلى الحركة الحرارية المتزايدة. إذا تركتَ الرباط المطاطي ينكمش، فستبدأ الجزيئات في التحرك حتى تتكدس، وتأتي الطاقة اللازمة للقيام بهذه الحركة من الطاقة الحرارية للجزيئات؛ ومِن ثَمَّ يصبح الرباط المطاطي باردًا.

إذا دُفِّئ رباط مطاطي، فإن الطاقة الحرارية الإضافية للجزيئات تسمح للجزيئات بالالتفاف بشكل أقوى؛ ومِن ثَمَّ يقل طول الرباط المطاطي. إذا بُرِّدَ الرباط المطاطي، فإن فقدان الطاقة الحرارية يعني أن الجزيئات لن تتمكَّن من الالتفاف بعضها حول بعض بنفس درجة الإحكام السابقة؛ ومِن ثَمَّ يزداد طول الرباط المطاطي.

يمكن الاستفادة من حقيقة أن الرباط المطاطي ينكمش عند التسخين ويتمدَّد عند التبريد في آلةٍ من الآلات، حتى وإن كانت الآلة مستحدثة لهذا الغرض فحسب. تُثبَّت عجلة بحيث تدور حول محورها المركزي، يقابل محورٌ ثانٍ محور الدوران وتمتد الأربطة المطاطية من هذا المحور الثاني إلى المحيط الخارجي للعجلة. تعني مقابلة المحور الثاني لمحور الدوران أنَّ تمدُّد الأربطة المطاطية لا يكون متماثلًا حول العجلة؛ إذ تكون بعض الأربطة مشدودة أكثر من الأخرى. تُغمَر العجلة بعد ذلك إلى عمق نصف قطرها في حاوية من الماء الساخن. تتسبَّب الطاقة الحرارية الصادرة من الماء في انكماش الأربطة المطاطية المغمورة، ثم يؤدِّي عدم تماثل الأربطة المطاطية إلى دوران العجلة ببطء. تبرد الأربطة المطاطية عند خروجها من الماء وتصبح أقل تمددًا، وعندما تُغمَر في الماء مجددًا، تنكمش مرةً أخرى.

(٨٧) رياح الفون أو رياح الشينوك

«فون» هو الاسم الشائع الذي يُطلَق على الرياح الجافة الدافئة التي تهبُّ أسفل المنحدرات الجبلية. رُصِدَ هذا النوع من الرياح في الأصل في جبال الألب؛ حيث يمكن لرياح الفون أن تهبَّ فجأةً وتُذيب المنحدرات الثلجية وتبخرها بصورة هائلة. في الولايات المتحدة، يُطلَق على هذا النوع من الرياح التي تهبُّ على المنحدرات الشرقية لجبال روكي اسم «رياح الشينوك»، نسبةً إلى قبيلة الشينوك. في مثال صارخ، رفعت رياح الشينوك، التي هبَّت على مناطق هارف بمونتانا، درجة الحرارة من سالب ١٢ إلى ٦ درجات مئوية (أو من ١١ درجة فهرنهايت إلى ٤٢ درجة فهرنهايت) في ثلاث دقائق تقريبًا. فما الذي يُسبِّب هبوب رياح الفون أو الشينوك؟

الجواب: رغم أن العديد من العوامل التي تسهم في تكوين هذه الرياح لم تُعرَف بالكامل بعدُ، فقد جرى تحديد بعضها. في حالة رياح الشينوك، يجفُّ الهواء أثناء تحرُّكه من المحيط الهادئ إلى جبال روكي ثم لأعلى على الجانب المواجه للرياح من جبال روكي، من خلال تكثيف معظم بخار مائه. يُطلِقُ هذا التغيُّر من الحالة السائلة إلى الحالة البخارية طاقةً؛ ومِن ثَمَّ يصبح الهواء أدفأ مما يكون عليه عادةً في حال عدم حدوث هذا التغيُّر. عندما يتحرَّك الهواء بعدئذٍ فوق جبال روكي وإلى أسفل نحو المنحدرات التي تقع عكس اتجاه الرياح، فإنه يزداد دفئًا؛ لأنه يتحرَّك نحو ضغوط أكبر على نحوٍ متزايد (قد تلاحظ حدوث نفس التأثير عند نفخ إطار درَّاجة هوائية). وهكذا، عندما يصل الهواء إلى قاعدة جبال روكي، يكون دافئًا وجافًّا نسبيًّا؛ ومِن ثَمَّ يمكن أن يُذيب أيَّ ثلج بسرعة ويُبَخِّرَهُ.

وصف أحد الباحثين كيف قاد سيارته من وادٍ بارد نحو ريح الشينوك التي كانت قد التقطت الرطوبة من خلال تبخير الثلوج. وفي غضون ثوانٍ من قيادة السيارة عكس اتجاه الرياح، غُطِّي زجاجه الأمامي البارد بالصقيع مع تَكَثُّف الرطوبة عليه من الرياح. لو كان يقود سيارته بنفس سرعة السير على الطريق السريع، لكان من الممكن أن يصير عجزه المفاجئ عن الرؤية من خلال الزجاج الأمامي أمرًا كارثيًّا.

(٨٨) تحدِّي رش الماء المغلي على الجسم

يتجلَّى أحد الأمثلة على «السحر» في تحدِّي رش الماء المغلي على الجسم، الذي يقوم به متَّبِعو ديانة الشنتو في اليابان. في هذا الاختبار يغمس أحد المؤدِّين حُزمتَيْن من أغصان الخيزران في الماء المغلي ويقذف بالماء المغلي في الهواء، فيُغرِق نفسه والنار المشتعلة أسفل قِدْرِ الماء المغلي. تتدفَّق سُحُب من البخار الكثيف من النار عندما يصطدم الماء بها، إلا أن المؤدِّي لا يتأذَّى. لماذا لا يحرق الماء المغلي ذلك المؤدِّي؟

الجواب: يتكون الماء الذي قُذِفَ في الهواء من العديد من القطرات الصغيرة التي تبرد سريعًا؛ لأنها تحمل كمية قليلة من الطاقة الحرارية التي يمكن نقلها بسرعة إلى أسطحها، ثم إلى الهواء العابر. قد تكون القطرات دافئةً عندما تسقط على المؤدِّي، إلا أنها لن تحرق الجلد. إذا قُذِفَت نفس الكمية من الماء في الهواء دفقةً واحدةً، فإنها ستفقد طاقةً أقل في الهواء؛ لأن مساحة سطحها تكون أقل من المساحة الكلية للقطرات المنفردة؛ لذا، عندما تسقط تكون أكثر حرارةً من القطرات المنفردة، ويمكن أن تحرق الجلد. (بلا شك، إذا صَبَّ المؤدِّي الماء المغلي على جلده، فلن يبرد الماء على الأرجح إطلاقًا قبل أن يسقط عليه، ومن المؤكد أنه سيحرق الجلد.)

(٨٩) الطاقة في الغُرف المُدَفَّأة

افترض أنك عُدتَ إلى مسكنك البارد بعد المشي على الثلج في يومٍ شتويٍّ بارد. أول ما يخطر ببالك هو إشعال الموقد، ولكن لماذا تفعل ذلك بالضبط؟ هل هذا لأن الموقد سيزيد من تخزين الطاقة الداخلية (الحرارية) للهواء في المسكن حتى يصبح لدى الهواء في النهاية ما يكفي من الطاقة الداخلية ليحافظ على دفئك؟ على الرغم من أن هذا المنطق يبدو مقنعًا، فإنه معيب؛ لأن مخزون الطاقة الداخلي للهواء لن يتغيَّر بإشعال الموقد. ولكن كيف ذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تهتم بإشعال الموقد من الأساس؟

الجواب: لا يكون المسكن غير مُنفِّذٍ للهواء (وفي الواقع لو كان كذلك لما كان آمنًا). مع زيادة الموقد لدرجة حرارة الهواء، تغادر جزيئات الهواء من خلال فتحات مختلفة؛ بحيث يظل الضغط داخل المسكن متناسبًا مع الضغط الجوي بالخارج. وعلى الرغم من أن الطاقات الحركية لباقي الجزيئات تزداد، فإن الطاقة الحركية «الكلية» لا تزداد بسبب وجود عدد «أقل» من الجزيئات داخل المسكن.

لماذا يكون المسكن أكثر راحةً عندما تكون درجة حرارته أعلى؟ عادةً ما تشعر بالبرودة؛ لأنك (١) تُصدِرُ الأشعة تحت الحمراء، و(٢) تتبادل الطاقة مع جزيئات الهواء التي تصطدم بجسمك. إذا قمتَ بزيادة درجة حرارة الغرفة بإشعال الموقد، فإنك بذلك (١) تزيد من كمية الأشعة تحت الحمراء التي تسقط على جسدك من أسطح المسكن (الجدران، السقف، الأرضية، الأثاث … إلخ)، لتحل محل الطاقة التي تفقدها من خلال الأشعة تحت الحمراء، و(٢) تزيد الطاقة الحركية لجزيئات الهواء المتصادمة وتكتسب المزيد من الطاقة منها.

(٩٠) الاتجاه الذي يُوضع فيه مستودع تخزين الثلج

قبل اختراع الثلاجة، كان الناس في المناخات الشمالية القارسة يُخزِّنون ثلج الشتاء في مستودع لتخزين الثلوج؛ حتى يستخدموه في الصيف. إحدى الخصائص المطلوبة لإقامة مستودع جيد لتخزين الثلج هي الاتجاه الذي سيُقام عليه؛ إذ يُقال إن فتحته لا بد أن تواجه الشرق حتى تتدفَّق أشعة الشمس داخل المستودع بعد فترة وجيزة من شروق الشمس. ولكن ألا يبدو ذلك غير صحيحٍ؟ ألن تُسَخِّن أشعة الشمس المباشرة المستودع من الداخل؛ ومِن ثَمَّ تُذيبُ الثلج؟

الجواب: كان الهدف من تحديد اتجاه مستودع تخزين الثلج هو القضاء على تدفُّق الهواء المحمَّل بالرطوبة (أو على الأقل التقليل منه)؛ إذ إنه إذا دخل هذا الهواء إلى المستودع، فسيتكثَّف على الأسطح الباردة للثلج. كي يتكثَّف الماء لا بد أن يفقد كمية كبيرة من الطاقة الحرارية؛ بحيث يمكن لجزيئات الماء أن تستقر في حالة سائلة. وهذا الإطلاق للطاقة الحرارية إلى الثلج يُسرِّع من عملية ذوبانه.

لذلك، كانت خطة البناء تقضي بأن يدخل ضوء الشمس إلى المستودع خلال الفجر لتدفئة الهواء الداخلي وتقليل الرطوبة وفرصة حدوث التكثُّف. كانت مشكلة التكثُّف أسوأ خلال الليل على الأرجح، ولكن الشمس لا تُشرق ليلًا؛ لذا كان استخدام أشعة الشمس الصباحية أفضلَ حلٍّ ممكن.

(٩١) لعبة مقياس الإشعاع وعكس اتجاهها

اخترع ويليام كروكس مقياس الإشعاع في عام ١٨٧٢ لقياس الطاقة المنبعثة من مصدر الضوء، ولكنه أصبح في الوقت الحاضر لُعبة مستحدثة تُباع في متاجر العلوم. يتكوَّن الجهاز من مصباح زجاجي محكَم الغلق ومفرَّغ جزئيًّا من الهواء، وبداخله أربع زعانف رأسية مثبَّتة على محور معدني يدور حول إبرة عمودية. تكون الزعانف بنفس ترتيب الألوان: بيضاء على أحد الجوانب، وسوداء على الجانب الآخر. عندما يُوضع الجهاز بالقرب من أحد مصادر الضوء، تدور الزعانف والمحور حول الإبرة العمودية، وتزداد سرعة دورانها عندما يكون الضوء أسطع. ما الذي يسبِّب هذا الدوران؟ وما اتجاهه؟ (هل يبدأ الجانب الأسود من الزعانف في الدوران أولًا، على سبيل المثال؟) وكيف يمكن عكس اتجاه الدوران؟

الجواب: غالبًا ما تُعزى الحركة إلى ضغط الضوء، إلا أن هذا التأثير يكون ضئيلًا جدًّا؛ بحيث لا يمكن ملاحظته في اللُّعبة، وبالإضافة إلى ذلك، فإنه قد يؤدِّي إلى دوران معاكس لما يُرى بالفعل. إليك السبب: الضوء يمكنه دفع أحد الأجسام، ويكون الدفع أكبر إذا انعكس الضوء من هذا الجسم. وهكذا، فإن الضوء الذي يسقط على الزعانف سيدفع الجوانب البيضاء أكثر من الجوانب السوداء، ويُفترض أن تقود الجوانب السوداء حركة الدوران. إذا كان المصباح مفرَّغًا من الهواء بالكامل تقريبًا، فسوف تدور الزعانف على هذا النسق بالفعل.

ومع ذلك، فإن الضغط على الزعانف يَرجع إلى الهواء المتبقي الذي يُحدث تأثيرًا أكبر «بكثير». يُصبح الجانب الأسود من الزعانف أدفأ من الجانب الأبيض؛ لأن الضوء (الأشعة تحت الحمراء والضوء المرئي) يُمتَصُّ أكثر على الجانب الأسود أكثر من الجانب الأبيض، ولأنه عندما تصطدم جزيئات الهواء المتبقية بإحدى الزعانف تقوم بدفعها فتتحرَّك. وكلما تحرَّك الجزيء بشكلٍ أسرع، زاد الضغط. تتحرَّك جزيئات الهواء على الجانب الأسود من الزعنفة بشكلٍ أسرع من تلك الموجودة على الجانب الأبيض بسبب اختلاف درجة الحرارة؛ ومِن ثَمَّ فإن الضغط الواقع على الجانب الأسود يكون أكبر من ذلك الواقع على الجانب الأبيض، وتدور الزعانف حول الإبرة الداعمة، ويقود الجانب الأبيض حركة الدوران. بعد فترة، يصل جانبا كلِّ زعنفة إلى درجة الحرارة عينها (يصلان إلى «التوازن الحراري»)، ويختفي تأثير الدفع وتتوقَّف الزعانف عن الدوران.

لعكس حركة الدوران، ضَعِ اللُّعبة في الثلاجة، سيفقد الجانب الأسود من كل زعنفة الطاقة الحرارية أسرع قليلًا من الجانب الأبيض عن طريق الأشعة تحت الحمراء؛ ومِن ثَمَّ تكون درجة حرارة الجانب الأبيض عندئذٍ أعلى، فينال دفعة أكبر من الهواء. مرةً أخرى، يستمر الدوران حتى يتم الوصول إلى التوازن الحراري.

(٩٢) آبار المياه والعواصف

عندما كانت جدتي صغيرة، كانت مياه الشرب تُضَخُّ يدويًّا من إحدى آبار المياه. وقد زعمتْ أنه أثناء الطقس العاصف، كانت عملية ضخ المياه أسهل، ولكن الماء كان به الكثير من المواد العالقة، فلم يكن آمنًا للشرب. يبدو أن هذا الأمر لم يكن يتأثَّر بهطول الأمطار، كما يبدو أن الآبار الارتوازية تكون حساسة للطقس، فتتدفَّق بحرية أكبر أثناء الطقس العاصف. ولكن مرةً أخرى، لا يعتمد الأمر على سقوط الأمطار، فما الذي يجعل الآبار تستجيب للعواصف؟

الجواب: على الرغم من أن مستوى المياه العام في البئر تحكمه الأمطار المحلية أو ذوبان الجليد، فإن التغيرات في الضغط الجوي يمكن أن تُحدِث تفاوتًا في مستوى المياه بعدة سنتيمترات. عندما ينخفض الضغط الجوي أثناء العاصفة، يرتفع مستوى البئر؛ ومِن ثَمَّ قد يؤدِّي تدفق المياه الزائدة إلى التقاطها رواسب كافية من الأرض تجعل الماء غير صالحٍ للشرب.

يمكن للهواء في أحد أنظمة الكهوف أيضًا أن يستجيب للتغيرات في الضغط الجوي؛ فعندما ينخفض هذا الضغط، يتدفَّق الهواء خارج الكهف، وعندما يزداد الضغط، يتدفَّق الهواء إلى داخل الكهف. تكون الحركة ملحوظة أكثر عند التدفق عبْر ممر ضيق؛ وذلك لأن سرعة الهواء تكون أكبر.

(٩٣) طيران الحشرات وسباحة الروبيان في شكل عمود يشبه عمود الدخان

لماذا تُشكِّل الحشرات (مثل البعوض والنمل الطائر) في بعض الأحيان شكل عمود فوق الأشجار؟ يمكن أن تتجمَّع «أعمدة الحشرات» هذه بكثافة حتى تشبه سحابة الدخان، كما لو أن الشجرة بها حريق صغير. في بعض الأحيان، تُشكِّل الحشرات تلك الأعمدة فوق البساتين وأبراج الكنائس. ذات مرة، سارع أحد أقسام الإطفاء لإخماد حريقٍ بكنيسة، ليكتشفوا أن هذا العمود المتجمِّع فوق البرج مجرد حشرات فحسب.

لماذا يُشكِّل الروبيان الذي يعيش في المياه المالحة الضحلة في بعض الأحيان عمودًا فوق صخرة تحت الماء معرَّضة لضوء الشمس؟ لماذا يرتفع العمود، الذي يمكن أن يكون كثيفًا جدًّا، من تلك الصخرة، ولكنه يميل بعيدًا عن اتجاه ضوء الشمس؟

الجواب: قد لا تبرد الأشجار بسرعةٍ في وقتٍ مبكر من المساء كما تبرد الأرض المحيطة؛ ومِن ثَمَّ قد يرتفع الهواء الدافئ منها. يبدو أن الحشرات تنجذب إلى ذلك الهواء الدافئ، وربما تنجذب أيضًا إلى الرطوبة التي قد تتكثَّف خارجةً منها عندما يبرد الهواء الصاعد.

يرتفع جمبري المياه المالحة في عمود حراري مماثل من الماء الذي يُسخِّنه ضوء الشمس. على الرغم من أنه يستمتع بالدفء، وربما المغذِّيات التي يمكن أن تحملها المياه الدافئة أيضًا، فإنه لا يحب أشعة الشمس؛ ولذلك يميل بعيدًا عن اتجاه ضوء الشمس كلما ارتفع. وبمجرد وصوله إلى سطح الماء، فإنه يسبح مرةً أخرى إلى القاع ويعاود الدخول في عمود الحَمل الحراري، ليصعد إلى الأعلى عن طريقه مرةً أخرى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠