الفصل الخامس

الكهرباء والمغناطيسية

(١) البرق

ما الذي يسبِّب البرق، ولماذا يَنتج عنه صوت وضوء؟ وحيث إن البرق يمكن رؤيته من مسافةٍ عظيمة، فهل البرق كبير؟

الجواب: البرق تفريغ لشحنةٍ كهربية (شرارة) كبيرةٍ جدًّا بين السُّحب والأرض. وعلى الرغم من أن تفاصيل التفريغ دُرست وقيست، فإن كلًّا من السبب الأساسي للشحنات في السُّحب، والحدث المسبِّب للبرق، ليسا مفهومَين تمامًا. أما التفسير المبدئي لوجود الشحنات، فهو أن التصادمات بين البَرَد والبلورات الثلجية الأصغر حجمًا تنقل إلكترونات إلى البَرَد، ثم تسقط الإلكترونات بعد ذلك إلى قاعدة السحابة. وبما أن الإلكترونات سالبة الشحنة، تصبح القاعدة مشحونة بشحنةٍ سالبة؛ ولأن قمة السحابة فقدت تلك الإلكترونات، فإنها تصبح مشحونة بشحنةٍ موجبة. غير أن كميةً ضئيلة من الشحنة الموجبة تبقى أيضًا في مكانٍ ما بالقرب من القاعدة.

بطبيعة الحال، تحتوي الأرض على كمٍّ هائل من الإلكترونات التي تستطيع التنقُّل، ولكن عندما تعلوها سحابةٌ مشحونة، فإن الشحنة السالبة في قاعدة السحابة تطرد هذه الإلكترونات. وبما أن الأرض تحت السحابة تفقد إلكترونات، فإنها تصبح مشحونة بشحنةٍ موجبة، ينتج عن هذه الشحنة وترتيب الشحنات في السحابة مجالٌ كهربيٌّ كبير بين الأرض والسحاب. وإذا تجاوز المجال قيمةً حرجةً معينة، يحدث تفريغٌ كهربي، يبدأ من قاعدة السحابة؛ حيث تقفز بعض الإلكترونات فجأةً نحو المقدار الضئيل من الشحنة الموجبة هناك.

fig117
شكل ٥-١: بند ٥-١.

تبدأ «وثبة متدرجة» حينئذٍ في شقِّ طريقها نحو الأرض، مؤيِّنةً الذرات (بإزالة الإلكترونات الخارجية) وجالبة بعض الشحنات السالبة من السحابة إلى الأرض. هذا التسلل أضألُ كثيرًا من أن تراه، ويحدث على مسافة ٥٠ مترًا في المرة الواحدة (لذا سُمِّي «متدرجًا»)، مع العديد من التشعُّبات المتَّجهة إلى أسفل. وعلى الرغم من أن البرق عادةً ما يبدو عموديًّا بالنسبة إلى الناظر إليه من الأرض، فإن مساره أفقي بالدرجة الأولى. فقط عندما يقترب المسار من الأرض، يبدو البرق وكأنه «يلاحظ» الأجسام، مثل شجرة عالية على الأرض.

تنشأ قنوات من الذرات المتأيِّنة من تلك الأجسام، باتجاه الأعلى، وحينما يتصادف أن تلتقي واحدة من هذه «الصواعق الصاعدة» بوثبةٍ متدرجة هابطة، تكمل «مسارًا موصِّلًا» بين الأرض والسحاب؛ فإن المجال الكهربي على امتداد المسار يعمل على تسريع الإلكترونات القريبة من الأرض، باتجاه الأسفل. هذا التفريغ للإلكترونات إلى الأرض، المُسمَّى «الصاعقة العكسية»، يستمر بتسارعٍ على امتداد المسار الموصِّل، حتى الوصول إلى قاعدة السحابة. ولأن الإلكترونات يتم تسريعها، فإنها تتصادم بقوةٍ مع جزيئات الهواء على امتداد المسار؛ مما يؤدي إلى ضرب الإلكترونات، ورفع درجة حرارة الجزيئات بقدْرٍ كبير. وبفعل الحرارة، يتمدَّد الهواء بسرعةٍ كبيرة، مُنتجًا موجةً صدمية، هي «ضربة» الرعد. وحالما تعود الإلكترونات الحرة للاتحاد مع جزيئات الهواء، ينتج ضوء البرق الساطع. وعلى الرغم من أن البرق يمكن أن يكون ساطعًا وقويًّا، فإن المسار الموصِّل الذي تحدث هذه العملية كلها على امتداده يقلُّ قُطره عن سنتيمتر واحد على الأرجح.

وبمجرد نشوء المسار الموصِّل، يمكن للسحابة أن تُرسِل إلى الأسفل نبضاتٍ عدة من الإلكترونات، بينما يتحرك المزيد من الإلكترونات من سائر السحابة إلى أعلى نقطة في المسار. لربما ترى تلك النبضات المتعددة على هيئة ضربة برق وامضة. وإذا عصفت ريحٌ قوية بجانبَي المسار في أثناء النبضات المتعددة، فلربما ترى «شريطًا» ساطعًا من البرق، لا ضربةً واحدة.

تتضمن معظم البروق وثباتٍ متدرجةً متجهة إلى أسفل، ونقلًا للإلكترونات من السحابة إلى الأرض. ومع ذلك، فإن الوثبة المتدرجة المتَّجهة إلى أسفل يمكن أيضًا أن تبدأ في السحابة من المنطقة الأعلى المشحونة بشحنةٍ موجبة، ثم يتم نقل الإلكترونات بعد ذلك من الأرض إلى السحابة. ويمكن كذلك أن تبدأ الوثبة المتدرجة من الأرض، أو على الأغلب، من المنشآت العالية، مثل ناطحات السحاب، وتمضي متَّجهة إلى أعلى. وستقوم هذه الوثبة المتدرِّجة المتجهة إلى الجزء السفلي من السحابة بنقل الإلكترونات إليها. ويمكنك التعرُّف على بروق الوثبة المتدرجة المتجهة إلى أعلى، من واقع أنها تتفرع باتجاه الأعلى. أما البرق العنكبوتي، ذلك العرض الضوئي الجميل المنتشر والمتحرك ببطء، الذي يزيِّن أسفل السُّحب العاصفة، فعادةً ما يكون تفريغًا للشحنات بين سحابةٍ وأخرى في المراحل الأخيرة من العاصفة.

(٢) البرق: الناس والأبقار والخراف

لماذا تكون ضربة البرق مميتة في العادة؟ لماذا تتمزَّق ملابس ضحية البرق وحذاؤه عنه؟ إذا علِقَ شخص في الخارج خلال عاصفةٍ برقية، فما الذي يمكنه فعله للتقليل من الخطر؟ على سبيل المثال، هل على المرء أن يختبئ تحت شجرة أم عليه أن يقف في حقل مفتوح؟ هل يقف ملازمًا مكانه، أم ينحني، أم يركض؟ لماذا قد يقف شَعر المرء، وهل هذه علامة على الخطر؟

كيف يمكن أن يهدِّد خطر البرق مجموعاتٍ من الناس، مثل اللاعبين في الملعب خلال مباراة للبيسبول؟ على أي حال، يمكن أن يضرب البرق واحدًا فقط من اللاعبين، ولكن في بعض الأحيان، قد يُصعَق اللاعبون كلهم.

في العاصفة البرقية، لماذا تكون الأبقار والجياد والخراف في العادة أكثر عُرضة للخطر من البشر؟

وفقًا لقصصٍ متواترة، فإن بنجامين فرانكلين، العالم ورجل الدولة الأمريكي الشهير، أطلق طائرةً ورقية إبَّان اقتراب إحدى العواصف الرعدية لكي يبرهن على الخواص الكهربية لمثل تلك العواصف. فلماذا لم يقتله البرق؟

الجواب: قد يتعرض المرء للإصابة أو يلقى مصرعه تأثرًا بالبرق، بطُرقٍ خمسٍ رئيسية:
  • (١)

    الطريقة الأكثر بديهية، هي من خلال ضربة البرق المباشرة، التي يمكن أن تُرسِل كميةً كبيرة من التيار الكهربي (الإلكترونات المتحركة) عبْر الصدر، متسبِّبة في إيقاف القلب، وشلِّ حركة العضلات اللازمة للتنفس، وإحداث حروقٍ داخلية. وإذا كانت الضحية مبتلَّة بشدة، فحينئذٍ قد يظل قدْرٌ كبير من التيار خارج الجسم؛ ومِن ثَمَّ قد لا تكون ضربة البرق مُهلِكة.

  • (٢)

    قد تحدث الإصابة أيضًا إذا كان المرء على تماسٍّ مع جسمٍ جامد ضَرَبه البرق، سيارة مثلًا؛ حينها ينتقل بعض التيار الكهربي إلى الشخص.

  • (٣)

    يمكن كذلك أن يتعرض المرء للأذى في أثناء وقوفه بالقرب من جسمٍ ما ضَرَبه البرق، شجرة مثلًا. وقد يقفز جزء من التيار الكهربي إلى الضحية عبْر الهواء، فيما يُعرَف ﺑ «الوميض الجانبي». وإذا كانت الضحية محظوظة، فقد يكون التيار ضئيلًا جدًّا بما لا يُسبِّب الوفاة.

  • (٤)
    ثمَّة طريقة أكثر تعقيدًا تؤدِّي إلى الإصابة أو الوفاة، وتكمن في «التيار الأرضي»؛ أي تيار البرق المار بالأرض. إذا كانت الضحية واقفةً وإحدى قدميها أقرب إلى مكان الضربة من الأخرى، يمكن للتيار الأرضي أن يصعد مارًّا بإحدى الساقَين، ويهبط عبْر الأخرى (شكل ٥-٢أ). وإذا كانت كمية التيار قليلة كفاية، فربما تتعرَّض الضحية للشلل بصورةٍ مؤقتة فقط. يمكن للتيار الأرضي أن يصعق مجموعةً من الناس، مثل اللاعبين في مباراة للبيسبول.
  • (٥)

    أما الطريقة الخامسة فهي الأكثر تعقيدًا. فكما شُرح فيما تقدَّم، فإن الوثبة المتدرِّجة التي تشقُّ طريقها مُتسلِّلة نزولًا من السحابة، في البروق الشائعة، يقابلها صاعقةٌ صاعدةٌ قصيرة، يخضع فيها الهواء للتأيُّن. وحالما يتم الاتصال، يحدث التفريغ الكامل لقدْرٍ كبير من التيار. تحدث أيضًا صواعقُ صاعدةٌ أخرى دون أن تتصل مع الوثبة المتدرجة. وعلى الرغم من أن تيار البرق الكامل لن يسري في تلك الصواعق الصاعدة ذات النهايات المسدودة، فإنها مع ذلك قنوات تُنتزع فيها الإلكترونات من جزيئات الهواء. وإذا سرت صاعقة كهذه عبْر شخصٍ ما، فربما يكون تدفُّق الإلكترونات خلاله مُميتًا.

في بعض الأحيان تكون الحروق على جلد الشخص «شجرية» (تشبه السرخس في تشعُّبها، وهو نمط يُعرف ﺑ «نمط ليشتنبرج»)؛ لأن التيار ينتشر إلى الخارج على سطح الجلد، من نقطة بدايةٍ معينة. (أي شخص ذي مخيِّلة خصبة ربما يتخيَّل النمط على أنه صورة فوتوغرافية لزهرة أو منظرٍ طبيعي أو قائدٍ ديني مفضَّل، لكن البرق لا يصنع صورًا فوتوغرافية، ولا يرسم تصاوير دينية.) إذا كان المرء يرتدي شيئًا معدنيًّا، ولو حتى حمالة صدر مدعومة بسلكٍ معدني، فإن درجة حرارة المعدن قد ترتفع بما يكفي لحرق الضحية. وإذا كان حذاء الشخص وملابسه مبتلَّة جدًّا، فلربما تُنتزع عنه وتطير، حالما يسخن التيار الماء مُسبِّبًا تحوُّله السريع إلى بخار، مع زيادةٍ هائلة في الحجم.

fig118
شكل ٥-٢: بند ٥-٢: (أ) يستطيع تيارٌ أرضي من ضربة برقٍ أن يَمرُق عبْر الجسد بسبب تباعُد الرِّجلَين. (ب) خروف يحمي نفسه من التيار الأرضي.
إن النصيحة المُثلى لشخصٍ عالق في الخارج خلال عاصفة هي أن يتحرك بعيدًا عن الأشجار والمباني العالية الأخرى الموصلة للكهرباء، والتي قد يستهدفها البرق. حاول أن تجد واديًا أو منطقةً منخفضة أخرى، وأن تخفض رأسك لئلا يطاله البرق، وأن تنحني وتضم ساقيك إحداهما إلى الأخرى، لتُقلِّل احتمالية انتقال التيار الأرضي عبْر الجسم. ربما يكون الركض خيارًا جيدًا، حتى لو تُرك الرأس مرتفعًا؛ وذلك لوجود قدم واحدة فقط على الأرض في كل حركة. في العادة تكون الأبقار والجياد والخراف أكثر عرضةً من البشر لخطر التيار الأرضي لأن قوائمها الأمامية منفصلة بقدْر كبير عن قوائمها الخلفية؛ مما قد ينتج عنه كمية أكبر من التيار الأرضي الساري عبْر الجسم. يستطيع البشر أن يقفوا بقدمين مضمومتين، لكن الخراف لا تستطيع ذلك (شكل ٥-٢ب).

عندما يصعق البرق أحدهم، فإن القلب غالبًا ما يعود إلى العمل من جديد بصورةٍ آلية، لكن الرئتين لا تعودان بعد توقفهما؛ لذا فإن جعل الضحية تتنفس مجددًا، عن طريق الإنعاش فمًا لفم، يُعدُّ ذا أهميةٍ بالغة. وثَمَّةَ حاجة إلى استخدام جهاز مزيل للرجفان إذا فشل القلب في العودة إلى العمل، أو إذا كان في حالة اختلاج.

ويمكن أن يصل البرق أحيانًا إلى ضحيته داخل أحد المنازل، بحيث يدخل عبْر هوائي تلفاز خارجي (وأرضي، لكن ليس هوائي «آذان الأرنب» الذي يكون أعلى جهاز التلفاز)، أو خط الهاتف (ولكن ليس الهاتف المحمول ولا الهاتف الموصَّل بألياف ضوئية)، أو أنابيب المياه، أو الأسلاك الكهربية المنزلية. بصفةٍ عامة، في أثناء العاصفة البرقية، العب مباراة ورق هادئة، أو تحدَّث مع أحدهم على هاتفك المحمول، وأجِّل الاستحمام لما بعد العاصفة.

وثَمَّةَ نقطةٌ أخرى متعلقة بالسلامة: أكثر أوقات حدوث البرق هي عند بدء هبوب العاصفة، لكنه قد يستمر في الحدوث في نهايتها، ومن حينٍ لآخر يخرج الأشخاص الأقل حذرًا من مخابئهم في وقتٍ مبكر أكثر مما ينبغي، ويهلكهم البرق.

إذا وقف شعر المرء، فإن المجال الكهربي بين الأرض والسُّحُب قويٌّ جدًّا، وربما يضرب البرق في أي لحظة؛ ولذلك، فعلى هذا الشخص أن يختبئ على الفور. (وبالطبع ليس هذا وقتًا مناسبًا لالتقاط صورة للشعر المضحك. اهرب! اختبئ!) في الترتيب العادي للشحنات؛ حيث تكون قاعدة السحابة مشحونة بشحنةٍ سالبة، والأرض مشحونة بشحنةٍ موجبة، تصبح خصلات الشعر كلها مشحونة بقوة بشحنةٍ موجبة؛ ولذا ينافر بعضها بعضًا، وتحاول أن تتحرك مبتعدة بعضها عن بعض بأقصى قدْر ممكن، حتى لو توجَّب عليها أن تتحرك إلى أعلى، عكس قوة الجاذبية التي تخضع لها.

ووفقًا لقصص لم يتم التحقُّق منها رواها صيادون، فإن سُحُب العاصفة قد تتسبَّب في جعل سنانير الصيد ترفرف فوق الماء مباشرةً بعد إلقائها. وإذا كانت القصص صحيحة، فلا بد أن كلًّا من السنارة وسطح الماء مشحونان بنوع الشحنة نفسه. قد تكون المياه مشحونة بسبب السُّحب التي تعلوها، وقد تكون السنارة مشحونة للسبب نفسه، أو بسبب أنها اكتسبت الشحنة حينما سُحبت بَكَرتها في أثناء إلقائها.

لم يَمُت بينجامين فرانكلين خلال تجربة الطائرة الورقية، لأنه لم يَقم بالتجربة قطُّ. فلن يُطيِّر طائرةً ورقية إبَّان اقتراب عاصفة إلا شخص لديه قدرةٌ متدنية للغاية للحكم على الأمور؛ وفرانكلين كان شخصًا متوقِّد الذكاء، لكنه على الرغم من ذلك أعطى الانطباع بأنه نفَّذ تجربة الطائرة الورقية.

(٣) البرق: المَرْكبات

لماذا يكون المرء في مأمنٍ من البرق عادةً وهو داخل السيارة؟ ولماذا لا تكون الطائرة في مأمنٍ من البرق على الأرجح؟

الجواب: تُعَد السيارة مكانًا جيدًا جدًّا للاختباء من البرق؛ لأن جسم السيارة يوصِّل الكهرباء؛ ولذلك، فإذا ضرب البرق السيارة، فإن التيار سيبقى على الأرجح في الجسم الخارجي لها. لكن السيارة المكشوفة (مع سقف غير موصِّل للكهرباء) تُوفِّر حمايةً منخفضة، وربما لا تُوفِّر السيارة ذات الهيكل البلاستيكي أي حماية. يجب على الشخص الذي يستقلُّ سيارةً في أثناء عاصفةٍ برقية تجنُّب لمس الهيكل الخارجي للسيارة، أو أي شيءٍ متصل بهوائيٍّ خارجي. وقد يكون من المفيد إبقاء النوافذ مغلقة؛ لأنها مغطاة بماء المطر (وهو موصِّل للكهرباء). في العادة، يكون للسيارة أربعة إطارات ضعيفة التوصيل للكهرباء، ولكن هذه الإطارات لا تعطي ضمانة ضد تعرُّض السيارة لضربة البرق التي وثبت لعدة كيلومترات في هواءٍ ضعيف التوصيل للكهرباء.

وبسبب أن الطائرة مصنوعة من المعدن، فإنها هي الأخرى توفِّر حماية لمستقلِّيها، غير أن الطائرات المصنوعة من موادَّ غير مُوصِّلة، تشبه نوعًا ما السيارة المكشوفة، وتُوفِّر حمايةً أقل.

بالطبع حين تطير الطائرة فإنها تكون أكثر عُرضةً للخطر من السيارة؛ لأن المعدات الإلكترونية الحساسة اللازمة للطيران قد تتضرَّر أو يُدمِّرها التيار الكهربي المباشر، أو المجال الكهرومغناطيسي الذي يصنعه البرق بصورةٍ لحظية. وإذا وصل التيار إلى خزانات الوقود، إما بصورةٍ مباشرة وإما عبْر تيار من الوقود غير المحترق المقذوف من أحد المحركات، فحينئذٍ قد تنفجر الخزانات.

حينما تكون الطائرة جزءًا من المسار الموصِّل لعاصفةٍ برقية، فإن المسار الذي يسلكه التيار عبْر الطائرة، يعتمد عادةً على الموضع الذي تضربه الصاعقة بصورةٍ أساسية. فإذا أصابت الضربة مقدمة الطائرة، فستسري الصاعقة على الأرجح عبْر الطائرة، وتخرج من المؤخرة. أما إذا كانت الضربة قريبة من المؤخرة، فحينئذٍ يكون المخرج على الأرجح قريبًا منها.

ويمكن للطائرة أيضًا أن تستهل عملية التفريغ الكهربي البرقية، حتى في السُّحب التي ليس فيها بروقٌ أخرى. ولجميع هذه الأسباب، وبسبب الاضطرابِ الحادِّ الذي يحدث في العاصفة، فإن الطيارين يتجنَّبون العواصف الكهربية، وأي نظام سحابي يُحتمل أن تستهلَّ فيه الطائرة عملية البرق. ومع ذلك، فمعظم الطائرات التجارية، يضربها البرق في النهاية.

(٤) البرق: الأشجار والأبراج والأرض

لماذا يمكن أن ينسف البرقُ شجرةً أو أن يتسبَّب في اندلاع النيران؟ كيف يمكن للمباني العالية أن تتفادى أضرار البرق؟ كيف للبرق أن يحفر خندقًا أو يُنتج تكويناتٍ رملية (تشبه المنحوتات) تُسمَّى «عيدان الصواعق»؟

الجواب: عندما يضرب البرق شجرة، يمكن أن يترك فيها علامة، أو ينسف قطعًا من اللِّحاء، أو الشجرة كلها، أو أن يُضرِم فيها النار، أو ألَّا يفعل بها شيئًا. يعتمد الضرر على درجة رطوبة اللحاء، وما إذا كان البرق ينفذ إلى النُّسغ أم لا. وإذا نفذ تيارٌ كافٍ إلى النسغ، فإن النسغ قد يتبخَّر بسرعةٍ كبيرة، بحيث يفجِّر تمدُّدُه الشجرة. إن التمدُّد السريع لمياه المطر تحت طبقة من اللحاء قد يفجِّر اللحاء، أو يصنع شرخًا فيه. لا تتسبب معظم ضربات البرق للأشجار في إشعال النار فيها، ربما لأن التيار يكون خفيفًا جدًّا بحيث لا يُسَخَّن اللحاء بما يكفي لاشتعاله، ولكن تسبب الضربات المتعددة اشتعال النار (وهكذا تحدث حرائق الغابات)؛ لأنها تدوم لثانية واحدة؛ ومِن ثَمَّ تُسَخِّن الشجرة إلى حدٍّ كبير.

وقد يبدأ البرق من مبنًى عالٍ إذا أرسل المبنى وثبةً متدرجة إلى سحابةٍ معلَّقة أعلاه. يُحمَل التيار الموجود في الضربة، عبْر مانعات الصواعق المثبتة على المبنى، أو عبْر الهيكل المعدني الخارجي للمبنى. حينما يضرب البرق مبنًى — مثل كنيسة ذات برجٍ بارز — دون حماية من مانعة الصواعق، يمكن للتيار أن يُفجِّر المناطق الرطبة، كما في حالة الشجرة، ويمكن للنار أن تشتعل في الخشب إذا سرى التيار الكهربي لمدةٍ طويلة بما يكفي.

عندما يضرب البرق أرضيةً مبتلة، فإنه يُبخِّر المياه بسرعةٍ كبيرة؛ مما يلقي بالتراب إلى جانبٍ واحد، صانعًا خندقًا. كما أن انفجار الهواء الناتج عن التسخين المفاجئ له بسبب ضربة البرق يمكن أن يحفر الأرض.

عندما يضرب البرق رمال الكوارتز، يمكن للتيار أن يرفع درجة حرارة الرمال فوق نقطة الانصهار. سرعان ما تبرد الرمال، مُشكِّلة تكوينًا أسطوانيًّا متماسكًا ورفيعًا، بامتداد المسار الملتوي الذي اتخذه التيار عبْر الرمال، ويُدعى التكوين الناتج من الرمال المنصهرة «عود الصاعقة»، وهو ذو قيمةٍ كبيرة عند استخراجه سليمًا من أحد الشواطئ.

(٥) البرق الخرزي والكروي

ما الذي يصنع الكرات المضيئة التي تُرى أحيانًا (ويتم تصويرها) في العواصف الكهربية؟ إن «البرق الخرزي» عبارة عن سلسلة من الكُرات الساطعة، أو بقع الضوء الممدودة بعض الشيء، التي يخلِّفها في السماء شعاع من البرق. أما «البرق الكروي» فهو كرةٌ مضيئة أكثر غموضًا، يبلغ قطرها حوالي ٢٠ سنتيمترًا، وتطفو فوق الأرض لعدة ثوانٍ. يختفي بعضها بهدوء، ويُحدِث بعضها الآخر فرقعةً انفجارية عند اختفائه. هناك تقارير تفيد بأن البرق الكروي يستطيع النفاذ خلال الزجاج (من أحد جانبيه إلى الآخر) دون الإضرار بالزجاج. لطالما شُوهد هذا البرق الكروي ينزلق بين خطوط الكهرباء، وعبْر الطوابق الداخلية (من مقبس حائط إلى آخر). كما شُوهد يطفو في ممرات الطائرات، من أحد الأطراف إلى الآخر (ما يجعل الإقبال على مقاعد الممر، بالتأكيد، أقل من غيرها). حينما تلمس كرة البرق شخصًا ما، فقد يُصعَق الشخص، أو يسقط أرضًا، أو يُصاب بحروق، أو بضررٍ عقلي؛ لذا إذا رأيت برقًا كرويًّا فابتعد عنه.

الجواب: ليس هناك تفسيرٌ متفَق عليه للبرق الخرزي؛ إذ يُحتمل أن تكون الخرزات هي المناطق التي تظل حارة؛ ومِن ثَمَّ مضيئة، بعدما يبرد باقي مسار البرق بما يكفي بحيث لا يظل مضيئًا، وربما تكون النقاط الساخنة المتبقية هي النقاط التي التوى المسار عندها.

ليس هناك تفسير متفَق عليه للبرق الكروي. في الواقع، هناك العديد من النظريات، لكن لا واحدة منها تستطيع التنبؤ بالخواص المرصودة للبرق الكروي، وبخاصة عمره الزمني. هناك نوعٌ مشابه من الكرات المضيئة، يُسمَّى «كرة البلازما» يمكن إنتاجه في المعمل أو في محطة للطاقة، عندما يحدث تفريغٌ كهربيٌّ قوي. خلال التفريغ، تكون جزيئات الهواء متأيِّنة؛ بعبارة أخرى، فإن الإلكترونات تكون منزوعة من الجزيئات؛ لذا تكون المنطقة محتوية على شحناتٍ سالبة وأخرى موجبة. ستدوم تلك الحالة (البلازما) لأقل من ثانية، قبل أن تعود الإلكترونات والجزيئات المتأيِّنة للاتحاد.

وعلى الرغم من أن هذا العمر الزمني أقلُّ كثيرًا من العمر المنسوب للبرق الكروي ومقداره عدة ثوانٍ، فإن التفسير الأكثر استقرارًا للبرق الكروي، هو أنه كرة بلازما ناتجة عن ضربة برق مباشرة، أو صاعقة صاعدة. فمن المحتمل أن يؤين التفريغ الكهربائي الهواء أو المواد (الأرض، أو مانعة الصواعق، أو غير ذلك) في الطرف الأدنى من الضربة أو الصاعقة. ومع ذلك، إذا أنتج البرق كرة بلازما، فيجب أن يكون لدى الكرة طبيعةٌ فريدة؛ لتدوم لعدة ثوانٍ، بدلًا من الانهيار بسرعة. وبالإضافة إلى ذلك، يجب ألا تكون حارةً جدًّا؛ لأن الكرة لا ترتفع لأعلى مثلما يرتفع الهواء الساخن. وكذلك لا يمكنها ببساطة أن تكون مثل نار القديس إلمو؛ ذلك التفريغ المرئي الذي يحدث عند رءوس المواد الموصلة؛ لأن البرق الكروي يتحرك، في حين أن نار القديس إلمو لا تتحرك. حتى الآن، ليس لدينا نموذجٌ مقنع لبنية البرق الكروي.

(٦) عفاريت البرق

لعقود من الزمن، كان الطيارون الذين يُحلِّقون في أثناء الليل على مقربة من عواصف رعدية، يُبلِغون من آنٍ لآخر عن رؤية ومضاتٍ ضخمة، تعلو سُحُب العاصفة بكثير، مباشرةً بعد رؤية البرق أسفل السحاب. ومع ذلك، كانت الومضات العالية الارتفاع سريعة وخافتة للغاية، إلى حد أن معظم الطيارين ظنوها مجرد هلاوس. ثم في التسعينيات من القرن العشرين، صُوِّرت الومضات بالفيديو، وسُمِّيت «العفاريت». فإذا كانت العفاريت مرتبطة بالبرق الذي يحدث بين الأرض والسحب، فلماذا لا تظهر إلا أعلى السُّحُب على ارتفاعٍ كبير، وليس فوقها مباشرة؟

الجواب: إننا لا نفهم عفاريت البرق جيدًا، لكننا نعتقد أنها تنتج حينما يحدث برقٌ قوي على نحوٍ خاص، بين سُحُب العاصفة والأرض، وبالتحديد حينما ينقل البرق كميةً هائلة من الشحنات السالبة من الأرض إلى السُّحُب. وبعد هذا الانتقال مباشرة، تكتسب الأرض الواقعة تحت السُّحب توزيعًا معقَّدًا من الشحنات الموجبة. تَصنع الشحناتُ السالبة في السُّحب، والموجبة على الأرض، مجالًا كهربيًّا فوق السُّحب، وبين السُّحب والأرض.

يعمل هذا المجال على تأيين الذرات والجزيئات في الهواء، بعبارةٍ أخرى، ينزع منها إلكترونات. ومع ذلك فإن عملية التأيين يمكن أن تحدث فقط إذا تجاوز المجال الكهربي قيمة حرجة معينة، وتلك القيمة تعتمد على كثافة الهواء. فوق السحاب مباشرة، يكون المجال الكهربي قويًّا، لكن كثافة الهواء كبيرة جدًّا بما لا يسمح بتأيُّنه. أما على ارتفاعٍ أعلى فوق السحابة، فإن المجال يكون أضعف إلى حدٍّ ما، لكن كثافة الهواء تكون أقل إلى حدٍّ كبير، ويحدث التأين؛ لذا فعلى الارتفاعات الأعلى، لا يحرر المجال الكهربي الإلكترونات من الجزيئات فحسب، بل إنه أيضًا يُسرِّعها لتصطدم حينئذٍ بجزيئاتٍ أخرى، أهمها النيتروجين، مما يجعل الذرات تشعُّ ضوءًا. ووفقًا لبعض الباحثين، فإن عفريت البرق هو مجموعة انبعاثاتٍ ضوئية من الجزيئات المشاركة في مثل هذه الاصطدامات. غير أن الآلية الكاملة لعفريت البرق يرجح أن تكون أكثر تعقيدًا من نموذج التصادم هذا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن على الباحثين أن يفسِّروا الأشكال المختلفة للعفاريت، وكذلك «الجن»، وهي عبارة عن بِنًى حلقيةِ الشكل، تتمدد بعيدًا عن عفاريت البرق.

(٧) مانعات الصواعق

أحقًّا تحمي مانعة الصواعق المبنى من ضربة البرق، ولو كان الأمر كذلك، فكيف توفِّر مثل هذه الحماية؟ وهل تزيد المانعة احتمالات أن تضرب صاعقةٌ المبنى؟ وهل يجب أن يكون الطرف العلوي للمانعة حادًّا أم غير حاد؟

الجواب: يتمثل الغرض الأساسي من مانعة الصواعق، في إعطاء البرق مسارًا سهلًا إلى الأرض، في حال اقتربت الوثبة المتدرجة للصاعقة من المبنى؛ ومِن ثَمَّ، فلكي تؤدِّي مانعة الصواعق عملها، فلا بد أن تكون متَّصلة بالمنطقة الرطبة الموصِّلة للكهرباء، تحت سطح الأرض. وليس للمانعة تأثير على المنطقة التي تنطلق منها الوثبة المتدرجة، عبْر قاعدة السحابة، وفي الحقيقة، ليس لها تأثير، إلى أن تهبط الوثبة المتدرجة مقتربة من الأرض، وحينها فقط تنطلق صاعقة صاعدة (يحدث التأيُّن على امتدادها) من مانعة الصواعق، لتلتقي بالوثبة. يكمل اللقاء مسارًا مشحونًا ومتأينًا، بين الأرض وقاعدة السحاب. ويُؤمل حينئذٍ ألا يدخل التيار الناتج عن التفريغ إلى المبنى أو إلى حوائطه؛ حيث قد يصعق شاغلي المبنى، أو يتسبب في اشتعال النار.

لكي تقوم مانعة الصواعق بعملها، يجب أن تمتد فوق النقطة الأعلى في المبنى. وكقاعدة عامة، فإنها حينئذٍ توفر حماية في منطقةٍ تُشبه مخروطًا مقلوبًا، رأسه هو رأس مانعة الصواعق، وأي وثبةٍ متدرجة تأتي ضمن هذا المخروط التخيُّلي، يُفترض بها أن تضرب مانعة الصواعق، بدلًا من المبنى.

في الماضي، اعتقد الناس أن الطرف العلوي لمانعة الصواعق يجب أن يكون حادًّا ليجتذب البرق، ويستند هذا الاعتقاد إلى حقيقة أن الحافة الحادة تصنع مجالًا كهربيًّا أقوى مما تصنعه الحافة غير الحادة. وحيث إن المجال الكهربي القوي قد يزيد احتمالية صعود الصاعقة الصاعدة، للالتقاء بالوثبة المتدرجة، فربما نستنتج أن الحافة الحادة مرغوب فيها. ومع ذلك، فإن الحجة المقابلة، تقول إن الحافة الحادة، تزيد من تأيُّن جزيئات الهواء حول مانعة الصواعق؛ مما يُقلِّل من فرص تكوُّن الصاعقة الصاعدة.

من الصعب إجراء التجارب على مانعات الصواعق؛ لأن الترتيبات المعملية لن تكون مطابقة أبدًا للترتيبات الطبيعية، والترتيبات الطبيعية تعتمد على فرص حدوث البرق. ومع ذلك، فإن التجارب تشير إلى أن الحواف غير الحادة بعض الشيء يضربها البرق أكثر من الحواف الحادة.

ولأن مانعة الصواعق لا تستطيع التأثير على حدوث البرق، فإنها لا يمكنها حث التفريغ الكهربي من سحابة مشحونة بالكهرباء. وهكذا فإن مانعة الصواعق لا تستنزف الشحنات من السُّحب وتجعل حدوث البرق أقل احتمالية، مثلما توقَّع في الأصل بنجامين فرانكلين، مخترع مانعات الصواعق.

(٨) السترات وزحاليق اللعب وغرف العمليات الجراحية

إذا خلع شخصٌ معطفه أو سُتْرته في أثناء العمل على كمبيوتر، فقد يخرب الكمبيوتر. إذا تزحلق طفل نزولًا على زحلوقة لعب بلاستيكية، وهبط ليجد شخصًا آخر، فقد يعاني الطفل من مفاجأة مؤلمة. إذا لم يرتدِ جرَّاحٌ النوعَ الملائم من الأحذية في أثناء إجراء عملية جراحية، فقد يتأذى المريض بصورةٍ تهدِّد حياته. ما وجه الخطورة في هذه الحالات؟ ولماذا يقلُّ الخطر عندما تكون الرطوبة عالية؟

الجواب: حينما تتلامس المواد المختلفة، قد يتم سحب الإلكترونات من سطح إلى آخر، تاركة السطح الأول مشحونًا بشحنةٍ موجبة، والثاني بشحنةٍ سالبة. وإذا تم الاحتكاك بين السطحين، فإن نقاطًا أكثر تتلامس؛ ومِن ثَمَّ فإن شحنات أكثر تنتقل. وكذلك فإن الخدوش الناجمة عن الاحتكاك قد تزيد من انتقال الإلكترونات.

تُسمَّى هذه الانتقالات «كهرباء الاحتكاك» أو «التماس الكهربي». إذا كان الهواء رطبًا، فإن السطوح تحدث لها معادلة شبه فورية للشحنة، بفضل المياه المحمولة في الهواء. ولكن إذا كان الهواء جافًّا، فقد تُصبح السطوح مشحونة بشحنةٍ عالية، إلى حد أن الشرر سيقفز في الهواء من سطحٍ مشحون إلى آخر. في العادة يكون الشرر بين سطحٍ مشحون ومادةٍ موصِّلة؛ شخصٍ آخر على سبيل المثال، أو شيءٍ معدنيٍّ. إذا مشى شخص على نوعٍ معينٍ من السجاد في يومٍ جافٍّ، وأصبح مشحونًا بشحنةٍ سالبة مثلًا، فربما تقفز شرارة بين إصبعه الممدود ومقبض بابٍ معدني، أو شيء موصول كهربيًّا بالأرض؛ صنبور مياه مثلًا، أو لوحة مفاتيح كمبيوتر.

يحدث انتقال الشحنات عندما يلمس حذاءٌ السجادة، ثم يتحرك إلى أعلى ويبتعد عن السجادة، بينما يمشي الشخص. يترك التماس الحذاءَ مع فائضٍ من الإلكترونات. وعندما يتحرك الحذاء بعيدًا عن السجادة، يسوق التنافر المتبادَل بعضًا من هذه الإلكترونات الفائضة إلى باقي جسم الشخص؛ ومِن ثَمَّ فإن كل خطوة تعمل على زيادة عدد الإلكترونات الفائضة على الجسم، واضعة إياه في جهدٍ كهربي يبلغ عدة آلاف من الفولتات.

وإذا لمس الشخص شيئًا موصِّلًا آخر، فإن بعضًا من الإلكترونات الفائضة — على الأقل — ينتقل إلى ذلك الشيء. وإذا حدث التماس مع الجزء الحر من الجسم، مثل ظهر اليد أو جانب الذراع، يحدث نقل الإلكترونات على مساحةٍ كبيرة، بما يكفي لإمكانية ألَّا يشعر الشخص بالنقل. ومع ذلك، فإذا وضع الشخص أحد أصابعه بالقرب من الشيء الموصِّل، فربما يشعر «إلى حدٍّ كبير» بتدفُّق الإلكترونات؛ فبسبب أن الإصبع جسمٌ مُدبَّب، تستطيع الإلكترونات الفائضة عليه أن تنتج مجالًا كهربيًّا قويًّا بين الإصبع والشيء الموصِّل. ويمكن أن يكون هذا المجال قويًّا بما يكفي لسحب الإلكترونات من جزيئات الهواء الوسيطة، صانعًا مسارًا موصِّلًا بين الإصبع والشيء الموصِّل. ويمكن حينئذٍ بسهولة أن تتحرك الإلكترونات الفائضة على الشخص، من الإصبع وخلال المسار الموصِّل، في شرارة يمكن رؤيتها وسماعها والإحساس بها. وإذا أردت تلافي الشرر، فاستخدِم جزءًا حرًّا من جسمك للتماس بدلًا من الإصبع، أو أمسك بمفتاحٍ معدني، بحيث يأخذ المفتاح الشرارة (إن إحداث الشرر عند شحمة أذن صديق في «هجومٍ تسلُّلي» هو طريقةٌ مضمونة لإنهاء الصداقة).

تُسبب بعض أنواع الأقمشة انتقالاتٍ للشحنات عندما تلمس الجلد أو أقمشةً أخرى. معروف أن السُّترة تُحدِث شررًا عندما تُخلَع في طقسٍ جاف. وقد يصبح الطفل الذي يتزحلق نزولًا على زحلوقة بلاستيكية مشحونًا بشحنةٍ كبيرة، إلى حد أن الطفل قد يسقط من الزحلوقة بجهد كهربي يبلغ ١٠ آلاف فولت. إذا وصل الطفل إلى جسم آخر، وخاصة إذا كان الجسم الآخر موصِّلًا متصلًا بالأرض، فقد تقفز شرارة مؤلمة بشدة، بين الطفل والجسم، لمعادلة شحنة الطفل.

ويمكن أن يكون حدوث الشرر خطيرًا للغاية في العمليات الجراحية. وإذا كان هناك أي بخار قابل للاشتعال، فقد تتسبب شرارة في اشتعال البخار. ومع ذلك، فإن الاستخدام الشائع لمواد التخدير القابلة للاشتعال ألغي في خمسينيات القرن العشرين؛ وبذلك تراجع ذلك الخطر. يمكن أن يتسبب حدوث الشرر بين سطحين في قتل إنسان، إذا كان أحد السطحين موجودًا داخل الجسم. في العادة يوفِّر الجلد مقاومةً كبيرة لتدفق الإلكترونات؛ ومِن ثَمَّ يحمي القلب، لكن إذا كان تدفق الإلكترونات موجَّهًا مباشرة إلى السوائل الموصِّلة داخل الجسم، فإن تدفق التيار عبْر القلب قد يكون كافيًا لتخريب النظام الكهربي الطبيعي لضربات القلب. وتثير احتمالية مثل هذه «الصدمة الميكْرويَّة» قلق فِرَق الجراحة بقدْرٍ كبير، إلى حد أنهم يختارون ملابسهم بما يُقلِّل فرصة حدوث الشرر، وتكون أحذيتهم في العادة ذات توصيلٍ جزئي للكهرباء؛ لكي تُصرِّف الشحنات إلى الأرضية بالسرعة ذاتها التي تتكوَّن بها بسبب الملابس. وتكون الأرضية كذلك ذات توصيلٍ جزئي؛ لتستطيع الشحنات بعدئذٍ الانتقال إلى وصلةٍ أرضية.

وفي العادة، يرتدي العاملون في المكاتب والصناعة، الذين يستخدمون الكمبيوتر أو الأجهزة الإلكترونية الحساسة الأخرى، أساور مؤرَّضة لتوفير ممرٍ موصِّل بين أجسامهم والأرض. عادة ما لا يكون المسار عالي التوصيل، وبذلك تنخفض الشحنة على الشخص على نحوٍ تدريجي، لا سريعٍ جدًّا مثلما في الشرارة.

(٩) السيارات ومضخات الوقود واستراحات الطرق

عندما تخرج من سيارات معينة وتعود لتغلق الباب، لماذا تُصعَق؟ (لماذا لا تُصعَق في كل السيارات؟) وعندما تدلف ببطءٍ إلى نقطة تحصيل الرسوم، لماذا يتردد موظف التحصيل في مد يده لأخذ نقودك على الفور؟

إن بخار البنزين سريع الاشتعال، ولكن تزويد سيارة بالبنزين في محطة للبنزين يُعَد آمنًا نسبيًّا، إلا إذا كنت تُدخن بحماقة، أو سكبت البنزين على جزء من السيارة شديد السخونة. وبالرغم من ذلك، يتسبب بعض الناس دون قصد في إشعال النيران في أثناء ضخ البنزين إلى سياراتهم. في بعض الحالات التي سُجِّلت بالفيديو، يُدخل شخص مضخة البنزين في فتحة البنزين في السيارة، ويضبط التدفُّق على الوضع الآلي، وبعدئذٍ يعود إلى داخل السيارة لطلب الدفء، أو للبحث عن شيءٍ ما، بعد بضع دقائق، يترجَّل الشخص من السيارة ليباشر إنهاء الضخ، ولكن بينما يدنو من ذراع المضخة، يشتعل البخار. لماذا يحدث ذلك؟

الجواب: تكتسب السيارة المتحركة شحنة كهربية نتيجة احتكاك الإطارات بالأسفلت، وهو ما ينقل الإلكترونات من سطحٍ إلى آخر؛ لأن القوى الكهربية الجاذبة على أحد السطحين تغلب القوى الكهربية الجاذبة على السطح الآخر. لنفترض أن الإلكترونات تُسحَب من الأسفلت إلى الإطار؛ يمكن أن تتحرك هذه الإلكترونات عندئذٍ عبْر الإطار، مرورًا بالوصلات المعدنية في السيارة، بحيث تشحن السيارة بجهدٍ كهربي يبلغ ١٠ آلاف فولت أو أكثر من ذلك.

إذا أوقفت سيارتك؛ ومِن ثمَّ توقَّف أيضًا نقل الشحنات بين الإطارات والأسفلت، فإن الشحنات الموجودة على السيارة ستتسرب عبْر الإطارات. ومع ذلك فإن معدل التفريغ ذاك يتوقف على مدى جودة توصيل الإطارات للكهرباء. فإذا كانت الإطارات مصنوعة من أسود الكربون الموصِّل (المتماسك بفعل بوليمرات)، يكون التفريغ سريعًا إلى حدٍّ كبير. أما إذا كانت مصنوعة — بدلًا من ذلك — من سيليكا غير موصِّلة (مترابطة بالبوليمرات)، فربما يستغرق التفريغ وقتًا طويلًا.

لنفترض أن إطارات سيارتك جيدة التوصيل؛ ومِن ثَمَّ تستغرق السيارة أكثر من دقيقةٍ واحدة لتُفرغ قدْرًا كبيرًا من شحنتها. ولنفترض أيضًا أنك تخرج من السيارة فور توقُّفها، ولا تلمس إلا مقبضًا بلاستيكيًّا (غير موصِّل) لتفتح الباب. عندما تعود لتدفع الباب المعدني مغلِقًا إياه، فإن فائض الإلكترونات على السيارة سيقفز عبْر الهواء الفاصل بينكما، ليصل إلى أصابعك؛ ومِن ثَمَّ قد يصل بعضٌ منها إلى جسمك، أو ينتقل عبْر جسمك إلى الأرض؛ ونتيجةً لذلك، تقفز شرارة بينك وبين السيارة. إنها طريقةٌ خالية من الكافيين تُنبِّهك بعد قيادةٍ صباحية إلى العمل أو المدرسة. ومع ذلك، فإذا أردت تلافي الصدمة، فعليك إما الانتظار لبضع دقائقَ إضافيةٍ للسماح للشحنات بالتسرب، أو دفع الباب لإغلاقه باستخدام قدمك أو مؤخرتك؛ فاستخدام شيءٍ غير حاد، مثل مؤخرتك، سيُقلِّل من فرص تأيُّن جزيئات الهواء، الذي يسمح بحدوث الشرر.

عندما تركب سيارةً، ربما تظل متعادلًا كهربيًّا إذا لم تلمس إلا الأجزاء البلاستيكية (غير الموصلة) بداخل السيارة، ولكنك تظل مشحونًا بالتأثير. أي إن الإلكترونات القابلة للحركة في جسمك تميل إلى التحرك بعيدًا عن الإلكترونات التي تتراكم على أجزاء السيارة الموصِّلة المحيطة بك. لنفترض أنك قُدت سيارتك إلى نقطة تحصيل الرسوم، بينما أنت مشحونٌ كهربيًّا على هذا النحو. إذا تقاربتَ أنت وموظَّف التحصيل مباشرةً لتبادُل النقود أو بطاقة الرسوم، يمكن أن تقفز شرارة بينكما؛ إذ يحاول بعض هذه الإلكترونات الموجودة على جسمك الهرب من بعضها الآخر.

يُستبعَد حدوث الشرر في الأيام الرطبة لأن الرطوبة المحمولة في الهواء تعادل الشحنة على كلٍّ من جسمك والسيارة؛ لذا، في اليوم الجاف، من المرجح أن ينتظر الموظف بضع عشرات من الثواني، قبل أن يمد يده إليك؛ للسماح للشحنة الموجودة على السيارة بأن تتسرب، وللشحنة (المنتجة بالتأثير) عليك، بأن تنخفض. ومع ذلك، إذا كنت حينها قد انتظرت في طابور، فإن الشحنات ستختفي على الأرجح ريثما تصل إلى نقطة التحصيل.

يتسبب تدفُّق البنزين إلى خزان البنزين الخاص بالسيارة في بعض حرائق المحطات؛ وذلك بسبب خاصية تتعلق بتصميم مدخل خزان البنزين، لكن هذه الخاصية التصميمية أُصلِحَت الآن. تمثلت المشكلة في أن البنزين يصبح مشحونًا في أثناء تدفُّقه عبْر أنبوب أو قناة. إن البنزين الملاصق مباشرةً للجدار، فيما يُسمى ﺑ «الطبقة الحدودية»، لا يتحرك، وبينما يتدفَّق باقي البنزين متجاوزًا الطبقة الحدودية، تُنقل الإلكترونات من الطبقة الحدودية إلى البنزين المتحرك؛ ونتيجةً لذلك، تكون الطبقة الحدودية مشحونةً بشحنةٍ موجبة، ويتدفَّق البنزين المشحون بشحنةٍ سالبة، إلى داخل خزان البنزين.

إذا كان الخزان بلاستيكيًّا ومِن ثَمَّ غير موصِّل، فإن هذه الشحنة السالبة تتجمَّع على السطح الداخلي وتطرد الإلكترونات الموجودة في أي جزءٍ موصِّل من السيارة يكون قريبًا منها. تتحرك هذه الإلكترونات المطرودة بعيدًا عن الخزان، ويمكن أن تنتهي الحال ببعضها إلى خرطوم البنزين، وإذا أحدثَتْ شرارة عند الخرطوم، يمكن للشرارة أن تُشعِل بخار البنزين المتصاعد في أثناء تدفُّق البنزين. ولحل المشكلة، يصل الخرطومُ السيارةَ بالأرض، لكيلا تتمكَّن الشحنات من التجمُّع على السيارة بالقرب من الخرطوم.

يمكن أن يصبح الشخص مشحونًا كهربيًّا داخل السيارة، حتى لو كانت متوقِّفة؛ لأن الاتصال بين ملابس الشخص ومادة مقعد السيارة قد ينتج عنه نقلٌ كبير للشحنات. لنفترض أن شخصًا ما بدأ في تزويد سيارته بالوقود، باستخدامِ مضخَّةٍ مضبوطة على الوضع الآلي، ثم عاد إلى داخل السيارة لسببٍ ما. بعد احتكاكه بمقعد السيارة، قد يعود الشخص إلى المضخة مع كميةٍ كبيرة من الشحنات. إذا قفزت شرارة بين الشخص والمضخة، يمكن أن تُشعِل بخار البنزين وتتسبَّب في اندلاع حريق. يستطيع المرء تفادي الخطر من خلال عدم العودة إلى السيارة، أو عبْر معادلة الشحنة عن طريق لمس قطبٍ معدني قبل لمس مضخة الوقود.

تأخذ سيارة السباق استراحة بعد السير بسرعةٍ كبيرة؛ ومِن ثمَّ بعد اكتساب شحنة كهربية كبيرة نتيجة الاحتكاك بين الإطارات والأسفلت. وعادةً ما يجب على طاقم العمل في الاستراحة أن يشرعوا على الفور في تزويد السيارة بالوقود، إما بخرطوم أو بحاوية وقود مقلوبة. سريعًا ما تُنتِج العملية بخارًا من الوقود عند مدخل التزويد بالوقود في السيارة، ولتجنُّب حدوث الشرر (الذي قد يكون كارثيًّا) في ذلك البخار، يجب أن تُوصَّل السيارة بالأرض فور توقُّفها (يمكن مد قضيب موصِّل طويل إلى الهيكل المعدني للسيارة) أو أن تُزوَّد بإطارات جيدة التوصيل، بحيث تتسرب الشحنة بسرعةٍ عبْر الإطارات. ومع ذلك، فليس الحل الأخير مرغوبًا فيه دائمًا؛ لأن الإطارات الموصِّلة للكهرباء (لنتذكر أنها تحتوي على أسود الكربون) تبلى في العادة أسرع من الإطارات غير الموصِّلة (المحتوية على السيليكا).

قصة قصيرة

(١٠) تبادل العلك الصاعق

ننقل هنا قصةً كلاسيكية وردت في دوريةٍ فيزيائية في عام ١٩٥٣؛ اللعبة التي تصفها خطيرة، لا تغامر بتجريبها. كان هناك أستاذ للفيزياء يقود سيارته ببطءٍ كبير، حينما مرَّ اثنان من أصدقائه بسيارتهما بجانبه، محاكيَين سرعته. مدَّ الصديق الجالس في مقعد الراكب من السيارة الثانية يده (بينما كانت السيارة تتحرك) ليعطي لفافة علك للأستاذ. عندما تقلصت المسافة الفاصلة بين يدَيهما إلى بضعة سنتيمترات، حدث بينهما «تفريغ كهربي مروِّع»، شلَّهما للحظات. ولحُسن الحظ، لم ينعطف الأستاذ نحو السيارة الأخرى قبل أن يتمكن من استعادة عافيته وتحكُّمه في سيارته.

حدثت الشرارة لأن حركة السيارتين شحنت الأستاذ والشخص الآخر بقدْرٍ مختلف من الشحنات، وربما بشحناتٍ مختلفة الإشارة. وعندما اقتربت يد أحدهما من يد الآخر بالقدْر الكافي، قفزت الإلكترونات من إحداهما عبْر الهواء، لتصل إلى الأخرى، لكي تقلل فرق الشحنة.

(١١) خطورة المسحوق السابح في الهواء

لماذا تكون الشرارة الكهربية خطيرة في حالة المسحوق المحمول في الهواء، مثلما يحدث في منجم للفحم أو مطحن للدقيق؟

الجواب: حين تكون حبيبات المسحوق مجتمعة فإنها قد لا تحترق جيدًا، لكن عندما تكون محمولة في الهواء، يُحاط كل جسيم بالهواء؛ ومِن ثَمَّ تملك إمداداتٍ وفيرة من الهواء تسمح لها بالاحتراق بسرعةٍ كبيرة. في الحقيقة، بمجرد أن يبدأ الاحتراق عند أي نقطة من المسحوق، تُنقل الطاقة الحرارية عبْر المسحوق (من حبة إلى التي تليها) بسرعةٍ كبيرة تؤدي إلى انفجار المسحوق. وهذا يعني أن قدْرًا كبيرًا من الطاقة ينبعث بطريقةٍ غير منضبطة، مع تزايدٍ سريع في الضغط ودرجة الحرارة. في صومعة حبوب، قد يدمر الانفجار ببساطة بنيةَ الصومعة، وفي منجم للفحم، قد يقتل عمال المنجم. وبالرغم من احتياطات اليوم، تستمر هذه الانفجارات في الحدوث بصورةٍ متكررة.

في بعض الحالات، يمكن لشرارةٍ ناتجة عن تفريغ كهربائي أن تستحث انفجارًا، إذا وفَّرت القدْر الكافي من الطاقة. ويمكن أن ترتبط الشرارة بالمعدات الكهربية المعطوبة، ولكن يغلب أكثر أن تكون بسبب جسمَين مشحونين يفرغ أحدهما شحنته إلى الآخر، أو بسبب جسمٍ مشحون يفرغ شحنته إلى الأرض، عند نقطةٍ مؤرضة ما.

على سبيل المثال، في سبعينيات القرن العشرين، وقع انفجار في مسحوق قطع الشوكولاتة، بينما كانت تُقذف إلى صومعة عبْر أنبوب بلاستيكي. وبينما كانت حبيبات المسحوق تخرج مهتزة من الأكياس إلى نظام الأنابيب، وبينما كان بعضها يلامس بعضًا ويلامس جدران الأنابيب أثناء تحرُّكها عبْر نظام الأنابيب، أصبحت الحبيبات مشحونة. وعندما انطلقت من الأنبوب الأخير إلى الصومعة، قفزت شرارة بين الحبيبات ونقطةٍ مؤرضةٍ ما في الصومعة. لربما بدأت الشرارة بالحبيبات المحمولة في الهواء، في أثناء سقوطها نحو الكثيب الذي تشكَّل بالفعل في الصومعة. وثمَّة احتمال آخر، فلربما بدأت الشرارة عند قمة المخروط الذي يشكِّله الكثيب، بينما تنزلق الحبيبات على حواف الكثيب المائلة (بلغ المجال الكهربي قوَّته القصوى عند قمَّة الكثيب، أو بالقرب منها، لذا فلربما بدأ هناك الشرر الذي يؤيِّن فيه مجالٌ كهربيٌّ قويٌّ جزيئاتِ الهواء).

في الواقع، لربما حدث الشرر بصورةٍ متكررة في الصومعة، لكن بلا طاقةٍ كافية لإشعال الحبيبات. وقد حدث الانفجار مصادفة، عندما تجاوزت طاقة إحدى الشرارات (أو ربما عدة شرارات مجتمعة شبه متزامنة) القيمة الدنيا اللازمة لحدوث الانفجار. لا يستطيع المهندسون القضاء على الشحنات الساكنة والشرر في صناعات المساحيق، وبدلًا من ذلك، يحاولون الإبقاء على طاقة الشرر دون تلك القيمة الدنيا اللازمة للانفجار.

(١٢) خطورة العبوات المضغوطة

إذا تعرَّض رذاذٌ مسحوقٌ جافٌّ أو سائلٌ صادر عن عبوة مضغوطةٍ للهبٍ مكشوف، كما في المطبخ، فلماذا قد يتحول الرذاذ إلى «قاذف لهب»؟ (إياك ورشَّ الرذاذ بالقرب من لهب مكشوف؛ لأن الأمر قد ينتهي بك إلى إضرام النار في نفسك وفي الغرفة!) ولماذا تنفث بعض العبوات المضغوطة شعلاتٍ من اللهب، حتى عندما لا يكون البخاخ قريبًا من لهبٍ مكشوف؟

الجواب: ربما تكون الجزيئات في بخاخ الرذاذ قابلة للاشتعال، والسرعة العالية لخروجها من العبوة قد تجعل من العبوة قاذفَ لهبٍ فعَّالًا. إذا كانت العبوة تنفث مسحوقًا جافًّا، فيمكن أن تصبح حبيبات المسحوق، والعبوة نفسها، مشحونة. وإذا لم تكن العبوة متماسة مع شيءٍ موصِّل، مثل الإنسان، يمكن أن تتراكم الشحنة، إلى أن تصبح بالقدْر الكافي لجعل العبوة والمسحوق المنفوث يطلق أحدهما الشرر نحو الآخر. إذا وفَّرتْ تلك الشرارة طاقةً كافية، فسيشتعل المسحوق. ومع ذلك، فإذا لمس شخصٌ ما العبوة، كما هي الحال على الأغلب، فحينئذٍ يمكن أن ينتقل جزءٌ كبير من الشحنة إلى الشخص، ولا يتبقى منها على العبوة ما يكفي للتسبُّب في حدوث شرارة.

(١٣) خطورة رشِّ الماء

عندما يُفتَح الدُّش في حمامٍ نمطي بينما الباب مقفول، لماذا يمكن أن يتكوَّن مجالٌ كهربيٌّ قويٌّ في هواء الغرفة؟ وما الذي يصنع المجالات الكهربية القوية الموجودة بالقرب من شلالات المياه؟ في أزمنة ماضية، كان يتم تنظيف صهاريج الشحن في السفن الناقلة للنفط الخام عن طريق رشِّها بالماء من الداخل، تحت الضغط، وقد سبَّبت تلك الممارسة انفجار الخزانات في بعض الأحيان. ولمنع مثل هذه الانفجارات، كان يتم تقليل كمية الأوكسجين داخل الخزان، من خلال ضخ غازٍ خامل إليه، ولكن لماذا ظلت الخزانات تنفجر؟

الجواب: عندما تضرب المياه سطحًا صلبًا، وتصنع رذاذًا مثلما تفعل بحوض الاستحمام، تصبح القطرات مشحونة كهربيًّا: في العادة تصبح القطرات الأكبر حجمًا مشحونةً بشحنةٍ موجبة (تفقد إلكترونات)، وتصبح القطرات الأصغر في العادة مشحونة بشحنةٍ سالبة (تكتسب تلك الإلكترونات المفقودة). ولأن القطرات الأكبر تسقط من الهواء بسرعةٍ إلى حدٍّ ما، فلا يبقى سابحًا في الهواء إلا القطرات الأصغر المشحونة بشحنةٍ سالبة. إذا كانت التهوية رديئة، فيمكن أن يتزايد عدد قطرات الماء المشحونة المحمولة في الهواء بصورةٍ كبيرة، مكوِّنًا مجالًا كهربيًّا كبيرًا، غير أن هذه الحالة لا تشكِّل خطرًا في الحمام، ولا بالقرب من شلال المياه.

أثناء تنظيف خزان النفط، تصبح قطرات الماء مشحونة حينما تغادر خرطوم المياه على هيئة رذاذ، وحينما ترتطم بأرضية الخزان وحوائطه، مالئة إياه بغيمة من الماء المشحون. يمكن أن يقفز الشرر حينئذٍ بين تلك الجسيمات المشحونة المحمولة في الهواء، وبين موصِّلٍ كبير، أو صنبور المياه، أو نقطةٍ مؤرضة. إذا كان الخزان ما يزال يحتوي على أبخرة من شحنة النفط الخام، فيمكن للشرر أن يشعل البخار، متسبِّبًا في انفجاره.

يتمثَّل أحد الحلول لتفادي هذا الخطر في ضخ غازٍ خامل إلى الخزان، قبل التنظيف، بحيث يمكن أن تكون كمية الأوكسجين أقل من اللازم لحدوث انفجار. ومع ذلك، كانت العملية معيبة من الأصل؛ لأن المولِّد المسئول عن التزويد بالغاز، تسبَّب في انفصال الشحنات داخل الغاز (أصبح الغاز مشحونًا). وإلى أن تم اكتشاف المشكلة وحلُّها، ظلت الخزانات تنفجر أثناء تنظيفها.

(١٤) توهُّج الزلاجات

ما الذي يسبِّب توهج الزلاجات الذي يلاحظه أحيانًا المتزلِّجون أثناء الليل؟

الجواب: عندما تهبط زلاجة على الثلج، تنتقل شحنةٌ كهربية بين الزلاجة والثلج. بصورة عامة، تُسمَّى الآلية الفعلية لعملية الانتقال «التكهرب بالتلامس» أو «التكهرب بالاحتكاك». وعلى الرغم من أن هذه الآلية معقَّدة، فإنه يمكننا القول ببساطة إن الإلكترونات (الحرة الحركة) يمكن أن تُسحَب (تُنقَل) من سطحٍ إلى آخر.

لنفترضْ أن الزلاجة ليست معدنية، ولا تحتوي على مسامير معدنية؛ حينئذٍ بينما تتراكم الشحنة على الجزء السفلي من الزلاجة، بسبب انتقال الإلكترونات، تصبح مادة الزلاجة مستقطَبة كهربيًّا. بمعنى أن الشحنات الموجبة والسالبة داخل الجزيئات تصبح منفصلة قليلًا بعضها عن بعض. ينتج عن ذلك مجالٌ كهربي يمتد بسمك الزلاجة، بحيث يمتلك الجزآن العلوي والسفلي من الزلاجة شحناتٍ متضادة الإشارات. على سبيل المثال، إذا سحبَت الزلاجة إلكتروناتٍ من الثلج، يصبح أسفل الزلاجة مشحونًا بشحنةٍ سالبة، ويصبح أعلاها مشحونًا بشحنةٍ موجبة (تصبح الزلاجة حينئذٍ بمنزلة مكثفٍ كهربي).

عندما تنزلق زلاجة على الثلج، يتجلَّى ذلك التأثير الكهربي بقدْرٍ أكبر، ويمكن أن يقفز العديد من الشرارات الصغيرة بين الثلج وبين الجزء العلوي أو السفلي من الزلاجة. وفي الليل، حين تكون العين معتادة على الظلام، قد يرى المتزلِّج بعضًا من تلك الشرارات.

(١٥) كارثة هيندنبيرج

كان المنطاد هيندنبيرج — فخر ألمانيا وأحد أعاجيب عصره — طوله يعادل نحو ثلاثة ملاعب لكرة القدم؛ ما جعله أكبر آلةٍ طائرة صُنِعَت على الإطلاق. وعلى الرغم من أنه كان يُحلِّق ﺑ ١٦ خلية من غاز الهيدروجين الخطير القابل للاشتعال، فقد قام بالعديد من الرحلات العابرة للمحيط الأطلسي، دون حوادث. وفي الحقيقة، لم تتعرض المناطيد الألمانية، التي اعتمدت كلها على الهيدروجين، لأي حوادث بسببه. ومع ذلك، ففي ٦ مايو ١٩٣٧ وبينما كان المنطاد هيندنبيرج يستعد للهبوط في محطة الملاحة الجوية الأمريكية، في ليكهرست، نيو جيرسي، اندلعت فيه النيران.

وكان طاقم المنطاد قد انتظر إلى أن غادرت عاصفةٌ مطيرة المنطقةَ جزئيًّا، وما إن أُنزلت حبال الهبوط من المنطاد إلى طاقم المحطة، حتى شُوهدت تموُّجات على النسيج الخارجي له، على بُعد حوالي ثلث المسافة من المؤخرة. وبعد ثوانٍ، شبَّ لهيب من تلك المنطقة، وأضاء وهجٌ أحمر الحيز الداخلي للمنطاد. وفي غضون حوالي ٣٠ ثانية، هوى المنطاد المحترق إلى الأرض؛ مما تسبَّب في مقتل ٣٦ شخصًا، وإصابة آخرين كثيرين بحروق. لماذا احترق هذا المنطاد بعد العديد من الرحلات الآمنة التي قامت بها مناطيد مزوَّدة بالهيدروجين؟

الجواب: بينما كان المنطاد هيندنبيرج يستعد للهبوط، وبعد إنزال حبال الهبوط إلى طاقم المحطة، أصبحت الحبال رطبة (ومِن ثَمَّ قادرة على توصيل التيار الكهربي) بسبب المطر. قامت الحبال بتأريض الإطار المعدني الذي كانت متصلة به، بمعنى أنها خلقت مسارًا موصِّلًا بين الإطار المعدني للمنطاد، وبين الأرض، جاعلة الجهد الكهربي للإطار مساويًا للجهد الكهربي للأرض. كان من المفترض بذلك أن يؤرض النسيج الخارجي للمنطاد أيضًا، إلا أن هيندنبيرج كان أول منطاد تكسو نسيجه طبقاتٌ عازلةٌ مختلفةٌ عديدة، ذات مقاومةٍ كهربيةٍ كبيرة (كان توصيلها للكهرباء ضعيفًا جدًّا)؛ لذا ظل النسيج عند الجهد الكهربي للغلاف الجوي، حينما كان المنطاد على ارتفاع حوالي ٤٣ مترًا. وبسبب العاصفة المطيرة، كان الجهد كبيرًا مقارنة بالأرض.

كان ذلك موقفًا خطيرًا؛ فقد كان النسيج واقعًا تحت جهدٍ كهربيٍّ مختلف بقدْرٍ كبير عن الإطار المعدني للمنطاد. وعلى ما يبدو، سَرَت الشحنة عبْر سطح النسيج الخارجي المبتلِّ، ثم أطلقت شرارة إلى الداخل، نحو الإطار المعدني للمنطاد. هناك رأيان أساسيان حول الطريقة التي تسببت بها الشرارة في الحريق. أحد الرأيين يقول إن الشرارة أشعلت الطبقات العازلة. ويقول الرأي الآخر إن أحد حبال الهبوط مزَّق خلية هيدروجين، مما أطلق الهيدروجين بين تلك الخلية والنسيج الخارجي للمنطاد. (يؤيد هذا الرأي ما أُبلغ عنه من ظهور تموجات في النسيج.) وبعد ذلك، أشعلت الشرارة ذلك الهيدروجين. في أيٍّ من الحالين، أشعل الحريق بسرعة خلايا الهيدروجين، وأسقط المنطاد. ولو كانت الطبقات العازلة على النسيج الخارجي لهيندنبيرج أكثر توصيلًا للكهرباء (مثل عوازل المناطيد الأقدم منه والأحدث)، لما حدثت كارثة هيندنبيرج — على الأرجح.

(١٦) نار نقَّالة

في العادة، يُعالَج ضحية الحريق بينما هو مستلقٍ على نقَّالة في غرفةٍ مغلقةٍ مملوءة بالهواء المشبَّع بالأوكسجين. وحالما تنتهي جلسة المعالجة، يسحب عامل المستشفى النقَّالة والمريض من الغرفة إلى الترولي؛ ليتم إخراجه. في واقعتين على الأقل، اشتعلت النيران في النقالة عند طرفها الذي غادر الغرفة أخيرًا. لا شك أن نقالةً مشتعلة تُقلُّ مريضًا يعاني بالفعل من حروق تُعَد حالةً خطيرة، ومن البديهي أن تندلع النيران بسهولة في الهواء الغني بالأوكسجين، لكن يظل سؤال يطرح نفسه: ما الذي أدَّى إلى اشتعال النار في النقالتين؟

الجواب: سرعان ما أدرك المتحرون عن الأمر أن انفصالًا للشحنات حدث بين المريض والنقالة. لنفترض أن المريض فقد إلكترونات انتقلت إلى النقالة، التي أصبحت تبعًا لذلك مشحونة بشحنةٍ سالبة. أُزيحت بعد ذلك بعض الإلكترونات الموجودة في الإطار المعدني تحت النقالة، تاركة أعلى الإطار مشحونًا بشحنةٍ موجبة. بعدئذٍ، أصبح هذا النظام المكوَّن من النقالة المشحونة بشحنة سالبة، والإطار المعدني المشحون بشحنةٍ موجبة بمنزلة مكثف؛ أي تلك الأداة الكهربية المستخدمة في تخزين الشحنات في الدوائر الكهربية.

هل يُحتمل أن تتسبب شرارة بين النقالة والإطار المعدني في إشعال النقالة؟ لا يبدو ذلك؛ لسببين: (١) أن المجال الكهربي بينهما لم يكن كافيًا لتأيين الذرات (لإزالة الإلكترونات من الذرات، بحيث يصبح هناك ممرٌّ موصِّل تستطيع الإلكترونات عبْره أن تنتقل من النقالة إلى الإطار). (٢) أن الطاقة المرتبطة بالشحنات لم تكن كافية للتسبب في الحريق.

ومع ذلك، تغيَّر الوضع عندما سُحبت النقالة بعيدًا عن الإطار المعدني؛ لأن الشحنة على النقالة دُفع بها حينها إلى منطقة متناقصة الحجم، بحيث صارت قريبة من الشحنة الموجودة على الإطار المعدني تحتها. عزز ذلك التركيز للشحنة من المجال الكهربي، والطاقة المرتبطة به، إلى أن انطلقت شرارة بين النقالة والإطار، بطاقةٍ كافية لإشعال النقالة.

(١٧) التوهُّج عند نزع شريط لاصق

بعد تكييف عينيك مع الظلام لحوالي ١٥ دقيقة، انزع شريطًا لاصقًا من بكرته بوتيرةٍ ثابتة. ما الذي يسبِّب الوهج الخافت على امتداد الخط الذي ينفصل عنده الشريط عن البكرة؟ إذا نزعتَ الشريط بالقرب من هوائي مذياعٍ مضبوط عند محطة غير مستخدَمة (فارغة)، فلماذا يولِّد النزع ضجيجًا في المذياع؟ ولماذا تستطيع الرطوبة العالية القضاء على كلٍّ من الوهج وضجيج المذياع؟

الجواب: عند تمزق اللصق الموجود على الشريط، ثم انفصاله عن ذلك الشريط الذي ما زال في البكرة، تتجمع جزيئات مشحونة (إلكترونات وأيونات موجبة الشحنة) في رقعتين على السطحين. تميل الرقعتان إلى معادلة إحداهما للأخرى، من خلال إحداث شرارة، قبل انفصال السطحين أحدهما عن الآخر بقدْرٍ كبير، إما بالقفز بين السطحين، أو على امتداد أحدهما. ولأن الهواء يسري داخل المسافة التي تزداد اتساعًا بين السطحين، فإن الشرر يقفز عبْر الهواء. يتكون الشرر بصورةٍ رئيسية من إلكترونات، ويتكون الهواء بصورةٍ رئيسية من جزيئات من النيتروجين؛ لذا، حين يقفز الشرر من رقعةٍ سالبة الشحنة إلى رقعةٍ موجبة الشحنة، تميل الإلكترونات إلى الاصطدام مع جزيئات النيتروجين؛ مما يستثيرها. تتخلص الجزيئات على الفور تقريبًا من حالة الإثارة، عن طريق بث ضوء ضمن اللون الأزرق من الطيف المرئي (بالإضافة إلى الضوء فوق البنفسجي). يتألف الوهج الخافت الذي يُرى على امتداد خط الانفصال، من ضوءٍ يبثه الشرر وجزيئات النيتروجين المتخلِّصة من حالة الإثارة.

كذلك يبثُّ الشرر ضوءًا ضمن طيف التردُّد الراديوي. وهكذا، عندما يُنزَع الشريط بالقرب من هوائي مذياع، فإن الهوائي يلتقط بعضًا من انبعاثات التردُّد الراديوي. وتتناسب شدة ضجيج المذياع مع شدة الضوء المرئي.

توفِّر الرطوبة العالية نداوة تتسرب مع الهواء إلى خط الانفصال. تعمل النداوة على معادلة الرقع المشحونة على الشريط، مُتخلِّصةً من الشرر.

في الأيام التي كانت فيها الصور الفوتوغرافية تُلتقَط على فيلم، مثَّل الشررُ إزعاجًا كبيرًا في عملية معالجة الفيلم؛ فحينما كان يجري فك الفيلم من بكراته، أو تمريره على بكراتٍ دوَّارة، كان يَحدث شرر عند انفصال السطوح، كان الفيلم يُعرَّض للضوء في المواضع التي ينطلق فيها الشرر؛ ولذا كان يُشاهَد نمط من الشرر عند معالجة الفيلم في وقتٍ لاحق (وهو ما لا يريده أحد في صورةٍ فوتوغرافية عائلية).

(١٨) البقدونس والمريمية وإكليل الجبل والزعتر

إذا نُزع شريطٌ لاصق عن سطحٍ بلاستيكي، ثم نُثر بخفة خليطٌ ناعم من مسحوقَين فوق المنطقة التي كان الشريط ملصوقًا عليها، فلماذا ينفصل نوعا المسحوق، بحيث يتجمع أحدهما في منطقةٍ معينة، ويتجمَّع الآخر في مناطق أخرى؟

يمكن كذلك لخليط المساحيق المنثور بخفة أن يكشف شيئًا عن الشرارة، مثل الشرارة التي قد تتولَّد عندما يمشي شخص على سجادةٍ معينة، ثم يقرِّب أنامله من جسم أو أنبوبٍ معدنيٍّ كبير. أولًا تُثبَّت حواف رقعةٍ مربعة من ألياف البولي إيثيلين تريفثاليت (تحمل الاسم التجاري «مايلر»)، على خزانةٍ معدنية، مثلًا. ثم يمشي شخص على السجادة ليصبح مشحونًا (لن تفي أي سجادة بالغرض، وقد تفسد الرطوبة العالية التجربة). إذا قرَّب الشخصُ المشحونُ أنملتَه (أو مفتاحًا معدنيًّا يمسكه في يده) من المايلر، فإن ثمَّة شرارة تقفز فجأة عبْر الفجوة. لماذا يكشف اتجاه تدفق الإلكترونات في تلك الشرارة عما إذا كانت رقعة المايلر منثورًا عليها بخفة مزيج من مسحوقَين ناعمَين؟

وإليك طريقة وضع المسحوقين: يمكن أن يكونا أعشابًا مطحونة طحنًا ناعمًا، أو مسحوق حبر من آلة تصوير (تحذير: قد تسبب المساحيق فوضى وقد تفسد الملابس وأجهزة الكمبيوتر.) يؤدي استخدام مساحيق مختلفة الألوان إلى جعل الانفصال واضحًا أكثر. تُوضع المساحيق في وعاءٍ مرن، مع مسامير معدنية، ثم يُرجُّ الوعاء بقوة لكي تختلط المسامير بالمساحيق. إذا كان الوعاء له صمام عند فتحته، فإن ضغطةً سريعة للوعاء ستتسبب في جعل خليط المساحيق يتدفق فوق السطح البلاستيكي. لا يلزم إلا بخَّةٌ وجيزة من المسحوق. إذا لم يتوافر وعاءٌ قابل للضغط، فيمكن أن يُنثر المسحوق (بخفة) فوق السطح مباشرة للسماح للمسحوق بأن يتساقط على السطح؛ ومِن ثَمَّ يمكن إمالة السطح وهزُّه بلطف، لإزالة أي مسحوقٍ فائض عن الحاجة.

الجواب: حينما تُرَجُّ مساحيقُ معينةٌ معًا، فإن الاتصال بين الأنواع المختلفة من الحبيبات يسبب انفصالًا للشحنات، بمعنًى آخر، سيكتسب أحد النوعين إلكترونات على حساب النوع الآخر. وحينما يُنزع الشريط اللاصق عن سطح غير موصِّل، فإنه يترك رُقعًا من الشحنات السالبة ورقعًا من الشحنات الموجبة. ستتناقص الشحنات سريعًا بسبب رطوبة الهواء (وتتناقص أيضًا إذا كان «السطح غير الموصِّل» يوصِّل بعض الشيء بالفعل). ومع ذلك، إذا نُثر مزيج المساحيق بخفَّة فوق المنطقة، بحيث تتساقط الحبيبات على المناطق المشحونة، فإن الحبيبات السالبة الشحنة ستتجمع في الرُّقَع الموجبة الشحنة، والحبيبات الموجبة الشحنة ستتجمع في الرُّقَع السالبة الشحنة. إذا كان للمسحوقين لونان مختلفان (مثل الحبر الأسود والقرفة البنية)، فستُرى الرقعتان. تنجح بعض مخاليط المساحيق أكثر من غيرها، على سبيل المثال، البابريكا المطحونة، وحبر آلة التصوير، يعملان معًا جيدًا، لكن البابريكا والدقيق يجذب أحدهما الآخر بقوة، إلى درجة أنهما يتجاهلان فعليًّا الرُّقَع المشحونة في الموقع المنثور عليه المزيج، ويستقرَّان متَّحدَين.

حينما تقفز شرارة بين أنملة ورقعة من المايلر مثبتة على موصِّلٍ كبير (مثل رف معدني)، فإن تدفق الشحنة يترك مناطق مشحونة في المايلر، على الأقل إلى أن تُعادِل رطوبة الهواء تلك المناطق. إذا نُثر مزيج من مسحوقَي الكمون والحبر على المايلر بخفة، فسوف يكشف عن نوع أو نوعَين عامَّين من الأنماط، تُسمَّى «أنماط ليشتنبرج» تيمنًا بجورج كريستوف ليشتنبرج، الذي اكتشفها في عام ١٧٧٧.

إذا أصبح الشخص مشحونًا بشحنةٍ سالبة بمشيه على السجادة، وأصبح نتيجة لذلك يملك فائضًا من الإلكترونات، فإن الإلكترونات تقفز من أنملته إلى المايلر، وتصنع رقعةً دائرية من الشحنات السالبة على المايلر، في مركزها الشرارة (قد تظهر خطوطٌ شعاعيةٌ دقيقة). وإذا أصبح الشخص بدلًا من ذلك مشحونًا بشحنةٍ موجبة، وامتلك إلكتروناتٍ قليلةً جدًّا، فإن الإلكترونات تتحرر من ذرات المايلر، وتتدفَّق عبْر الخطوط المتشعبة، نحو نقطة الشرارة، ثم تقفز من تلك النقطة إلى الأنملة. تُترَك الخطوط المتشعبة مشحونة بشحنةٍ موجبة؛ لذا، إذا أظهر نثر المسحوق على المايلر رقعةً دائريةً مشحونة بشحنةٍ سالبة، فإن الشخص مشحون بشحنةٍ سالبة، أما إذا أظهر خطوطًا متشعبةً مشحونة بشحنةٍ موجبة تلتقي في نقطةٍ واحدة؛ فإن الشخص مشحون بشحنةٍ موجبة. لدى بعض ضحايا البرق حروق على شكل خطوط متشعِّبة، صنعها البرق على جلودهم.

يبيع بعض متاجر المواد العلمية، قوالب خطوط متشعبة جميلة، تم صنعُها على هيئة أسطوانات صغيرة أو ألواح زجاجية. لصناعة قالب، تُحرَّك عينة الزجاج عبْر شعاعٍ صادر من مسرِّع الإلكترونات (آلة تسرِّع الإلكترونات كهربيًّا لتصل إلى سرعةٍ عاليةٍ جدًّا)؛ بحيث تتوقف الإلكترونات داخل الزجاج، وتُحتجَز هناك. ثم يُوضع الزجاج (على الفور) على لوحٍ مؤرَّض، بينما يُضغَط بموصِّل مدبَّب مؤرَّض، على السطح المقابل للزجاج. ينتج عن التركيز العالي للإلكترونات في الزجاج مجالٌ كهربيٌّ كبيرٌ جدًّا، خاصة عند الموصِّل المدبَّب، حيث تحدث الشرارة. تؤدي الحرارة العالية الناتجة عن الشرارة إلى كربنة الزجاج، على امتداد مسار الشرارة، خالقة مسارًا موصِّلًا، حينئذٍ يتشعب المجال الكهربي من ذلك المسار إلى سائر الزجاج. يحدث الشرر على امتداد خطوط المجال الكهربي الجديدة تلك، منتجًا المزيد من المسارات المكربنة، إلى أن تتسرب الإلكترونات التي تركها المسرِّع، إلى الموصِّل المدبب؛ يشكل مجموع المسارات المكربنة، البنية المتفرعة الشبيهة بالشجرة، التي تظهر داخل الزجاج.

(١٩) توهُّج الوينترجرين داخل الخزانة

قم أنت وأحد أصدقائك بتكييف عيونكما على الظلام لمدة حوالي ١٥ دقيقة، داخل خزانة أو في الخارج في ليلة غير مقمرة. ثم اجعل صديقك يمضغ حلوى «لايف سيفر» بالوينترجرين (حلوى على شكل طوق نجاة بحري، مزودة بزيت الوينترجرين) مع فتح فمه بأقصى اتساعٍ ممكن؛ لتتمكَّن من رؤية ما بداخله. لماذا تنتج كل قضمة وميضًا خافتًا من الضوء الأزرق في البداية، ولماذا تفشل القضمات اللاحقة في إنتاج الضوء؟ (إذا لم تُرِد أن تأكل الحلوى فاضغطها بين فكي كماشة حتى تتفتت.)

fig119
شكل ٥-٣: بند ٥-١٩: قطعتان من حلوى لايف سيفر بالوينترجرين، أثناء سقوط إحداهما بعيدًا عن الأخرى. تتصادم الإلكترونات القافزة من سطح القطعة (أ) ذي الشحنة السالبة، إلى سطح القطعة (ب) ذي الشحنة الموجبة، مع جزيئات النيتروجين (N2) في الهواء.

لماذا يوجد لماء التونيك صبغة زرقاء خفيفة؟

الجواب: في كل مرة تكسر فيها القضمة واحدة من بلورات النعناع السكرية إلى قِطَع، يُرجح أن ينتهي الأمر بالقِطَع إلى اكتساب شحنات مختلفة. لنفترض أن إحدى البلورات تنقسم إلى القطعتين (أ) و(ب)، بحيث إن (أ) مشحونة بشحنةٍ سالبة، و(ب) مشحونة بشحنةٍ موجبة (شكل ٥-٣). عندئذٍ سيقفز بعض من الإلكترونات من (أ) عبْر الفجوة، ليصل إلى (ب). ولأن الهواء انتقل إلى الفجوة بعد تكسُّر البلورة، فإن هذه الإلكترونات تقفز عبْر الهواء، وتنقل تلك الإلكترونات التي تتصادم مع جزيئات النيتروجين في الهواء، الطاقةَ إلى الجزيئات، مثيرة إياها. وعندما تفقد الجزيئات حالة الإثارة، تبثُّ أشعة تقع في نطاق الأشعة فوق البنفسجية، لا يمكنك أن تراها، ومع ذلك، فإن جزيئات الوينترجرين على سطح قطع الحلوى تمتص الضوء فوق البنفسجي وتبث ضوءًا أزرق يمكنك أن تراه؛ وهو الضوء الصادر من فم صديقك. تُسمى عملية امتصاص الضوء الذي ينتمي إلى نطاقٍ موجيٍّ معيَّن (هنا، في نطاق الأشعة فوق البنفسجية) ثم بثه في نطاقٍ موجي أطول (هنا، الضوء الأزرق) ﺑ «التفلور».

يُشبه الكينين الموجود في ماء التونيك زيت الوينترجرين، من حيث إنه يمتص الضوء فوق البنفسجي، ثم يبث ضوءًا أزرق، مكسبًا ماء التونيك صبغته الزرقاء الباهتة. يمكنك أن ترى الصبغة جيدًا إذا كان ماء التونيك قريبًا من مصباح فلوري في غرفةٍ مظلمة. حينئذٍ سيحوِّل الكينين بعض الضوء فوق البنفسجي الصادر من المصباح إلى ضوءٍ أزرق. يقل التأثير إذا كانت الإضاءة تمر عبْر جدارٍ بلاستيكي أو زجاجي، مثل زجاجة من ماء التونيك؛ لأن البلاستيك والزجاج يمتصان الضوء فوق البنفسجي. ويزداد التأثير إذا أضأت ماء التونيك بمصباحٍ ذي ضوءٍ أسود (فوق بنفسجي).

(٢٠) أضواء الزلزال

في بعض المناطق، يُشاع أن الزلازل تضفي لونًا أحمر على سماء الليل، أو يُصاحبها مناطق مضيئة على الأرض، أو أجسام مضيئة تتحرك عبْر الهواء. ما الذي يسبب هذه الأضواء، التي تُسمى إجمالًا «أضواء الزلزال»؟

الجواب: ما تزال أضواء الزلزال مثيرة للجدل إلى حدٍّ كبير، على الرغم من مئات التقارير وعدد من الصور الفوتوغرافية الموثوق بها للأضواء. قد يتخذ الضوء أكثر من شكلٍ واحد، وقد يكون له أكثر من سبب. من بين التفسيرات العديدة للأضواء تفسيران: (١) يمكن أن ينبعث الضوء عندما تُوضع الصخور تحت ضغطٍ كافٍ للتصدع؛ فيُنتج التصدع غبارًا ناعمًا وغازًا وإلكتروناتٍ حرة، يُحتمل أن تثير الإلكترونات بعدئذٍ جزيئات الهواء، متسببة في جعلها تشعُّ ضوءًا. (٢) قد تحرر الحركة الزلزالية غازاتٍ قابلةً للاشتعال محتجزة في باطن الأرض، والأضواء هي الانبعاثات الناتجة عند اشتعال هذه الغازات، المفترض به أن يَحدث بسبب الشرر بين السطوح أو الجسيمات المشحونة.

(٢١) نار القديس إلمو ووهج الأنديز

ما الذي يسبب الشرر الكهربي الذي يُرى أحيانًا على قمة صاري سفينة أو على رءوس أجسامٍ مستدقَّة أخرى؟ يُسمى هذا الشرر «نار القديس إلمو» أو «الهالة». ما الذي يسبب الوهج النادر جدًّا الذي يُرى أثناء الليل على قمم الأنديز البعيدة؟

الجواب: تنتج نار القديس إلمو عن انهيار كهربي للهواء المحيط بأجسام موصِّلة ومدببة إلى حدٍّ ما، مثل صاري السفينة، أو الهوائي، أو جناح الطائرة. عندما يكون المجال الكهربي في الهواء أقوى من العادي، يمكن أن يكون قويًّا جدًّا عند رأس جسم موصِّل؛ حيث يمكن أن تتجمَّع الشحنات التي في الجسم. وإذا تخطَّت قوة المجال في الهواء المجاور للرأس قيمةً حرجةً معينة، فقد يسحب المجال إلكترونات من جزيئات الهواء، ويسرِّعها. وعندما تتصادم هذه الإلكترونات مع جزيئات الهواء، فإنها تثير الجزيئات وتجعلها تتحرك حركةً أسرع أيضًا. يُنتِج افتقاد الجزيئات المحتوم لحالة الإثارة ضوءًا يمكن رؤيته. وتعني زيادة سرعة الجزيئات، أن درجة حرارة الهواء تزيد؛ مما قد يؤدِّي إلى سماع أزيز أو هسهسة تُسمَع أحيانًا مع التفريغ الكهربي. ولا تُعَد نار القديس إلمو خطيرة.

ليس لدينا فهْم لوهج الأنديز، ومشاهداته نادرة للغاية. لا أعتقد أنه من نوعية نار القديس إلمو؛ لأن الراصد عليه أن يكون قريبًا بالقدْر الكافي ليرى الضوء الصادر من مثل هذه التفريغات الكهربية الصغيرة النطاق. الأرجح أن يكون تفريغاتٍ واسعة النطاق، ناتجة عن الثلوج المتحركة المشحونة على قمم الجبال.

(٢٢) خطوط الجهد العالي

لماذا تنتقل الطاقة الكهربية بجهدٍ كهربيٍّ عالٍ وشدة تيار منخفضة، لا بشدة تيار عالية وجهدٍ منخفض؟ (لأن الطاقة هي حاصل ضرب الجهد في شدة التيار، يمكن أن تكون الطاقة هي نفسها في الحالتين.) لماذا يتم النقل باستخدام التيار المتردِّد (رمزه AC، وفيه يتباين التيار في الحجم والاتجاه) لا باستخدام التيار المستمر (رمزه DC، وفيه لا يتباين التيار)؟

عندما يتطلب خط جهدٍ عالٍ لنقل الكهرباء الإصلاح، لا تستطيع شركة الخدمات أن توقف تشغيله؛ فربما تقطع الكهرباء عن مدينةٍ كاملة. بل يجب أن تتم الإصلاحات بينما الخطوط «ساخنة» كهربيًّا؛ بمعنى كونها ما تزال نشطة. تتضمن تقنية الإصلاح طائرةً مروحية تحوم إلى جوار خط الجهد العالي، بينما يجلس فنيٌّ على أحد طرفَي المنصة المتصلة بإطار الهبوط تحت المروحية. كيف يتفادى الفني أن يُصعق أثناء اقترابه من الخط ثم إمساكه؟

في بعض المناطق، تُشكِّل خطوط الجهد العالي تهديدًا خطيرًا لمجتمعات الطيور. من البديهي أن الطيور قد تتعرض للأذى أو تُقتل إذا ارتطمت بالخط مباشرةً. لكن ما وجه الخطورة في أن تحطَّ الطيور على خط، أو على عمود أو برج يدعم خطًّا؟

الجواب: عندما تُرسَل الكهرباء خلال أحد الخطوط، يُفقَد جزء من الطاقة الكهربية في صورة طاقةٍ حرارية، في أثناء تصادم الإلكترونات (التي تصنع التيار) مع الذرات والجزيئات على امتداد المسار الموصل، تعادل كمية الطاقة المفقودة بهذه الطريقة، حاصل ضرب مقاومة الخط في مربع شدة التيار؛ ومِن ثَمَّ، لتقليل الفقد، تُنقل الطاقة الكهربية بشدة تيار منخفضة. ولتلبية طلبٍ معين على الطاقة، هذا يعني أن الجهد يجب أن يكون عاليًا؛ ٧٦٥ ألف فولت على سبيل المثال. عند نقطة التوزيع، حيث تُنقل الطاقة إلى المنازل، يغير المحول الكهرباء إلى جهدٍ أقل (أكثر أمنًا) وإلى شدة تيار أعلى (يمكن تحديدها بقواطع ومصهرات كهربية).

كان المصدر الكهربي الأصلي في الولايات المتحدة هو التيار المستمر، الذي أنتجته شركة توماس إديسون، وبعد ذلك، قدَّم جورج ويستينجهاوس مصدرًا للتيار المتردِّد. كانت المنافسة بين الرجلَين حاميةً نوعًا ما، وكلاهما يحاول إثبات أن طريقته في النقل آمنة أكثر من الطريقة الأخرى. نفَّذ ممثلو إديسون إثباتات عديدة على الملأ، صعقوا فيها الكلاب بالكهرباء بوقاحة، ليُظهروا خطورة التيار المتردد. ومع ذلك، فاز ويستينجهاوس في المنافسة في نهاية المطاف، والسبب الأول في ذلك عملي؛ فقد استطاع أن ينقل الكهرباء بجهدٍ عالٍ، ثم استخدم محولات لتغييره إلى جهدٍ أقل في المنازل. وفي المقابل، لم يستطع إديسون أن ينقل الكهرباء بجهدٍ عالٍ؛ ومِن ثَمَّ كان سيحتاج إلى بناء محطةٍ لتوليد الكهرباء كل أربعة أو خمسة كيلومترات، وهو أمرٌ من الواضح أنه غير عملي.

عندما يقترب فنيٌّ من خط جهدٍ عالٍ «ساخن» ليصلحه، فإن المجال الكهربي المحيط بالخط يجعل جسم الفني له نفس الجهد الكهربي للخط تقريبًا. وللمساواة بين الجهدين، يمدُّ الفني بعد ذلك إلى الخط «عصًا» موصلة؛ فتقفز شرارة بين الخط وطرف العصا البعيد؛ مما قد يسبب خدرًا للذراع لبعض الوقت. ولتلافي الصعق الكهربائي، يجب أن يكون الفني معزولًا عن أي شيء موصول كهربيًّا بالأرض. وللتأكد من استمرار احتفاظ الجسم بجهدٍ كهربيٍّ واحد — هو جهد الخط الذي يجري العمل عليه — يرتدي الفني سترةً موصلة، وقلنسوة وقفازات، جميعها متصلة كهربيًّا بالخط، من خلال العصا.

ربما يستطيع طائر أن يحطَّ بأمان على خط جهدٍ عالٍ، لأن مقاومته للتيار أكبر من مقاومة الجزء من الخط الواقع بين قدميه. ومع ذلك، إذا حطَّ طائر على قربٍ كافٍ من جزءٍ مؤرَّض من عمودٍ أو برجٍ داعم، يمكن أن يتسبب في حدوث «دائرة قصر» في الخط، فيما يُطلق عليه «الومضة الكهربية»؛ إذ يسري التيار من الخط عبْر الطائر وإلى الأرض، وهو ما يقتل الطائر.

وعلى الرغم من أن هذا النوع من الومضة الكهربية ممكن الحدوث، فالنوع الأكثر شيوعًا يتعلَّق بمخلفات الطيور (مزيج البول والبراز الذي يخرجه الطائر). فإذا حط الطائر على جزء من العمود أو برج الدعم المؤرَّض، مثل عارضة، يكون الخط تحته متوترًا؛ فحينئذٍ يمكن لأي إفرازاتٍ سائلة أن تصل الطائر بالخط، مسببةً ومضةً كهربية. ويمكن أن تُمثِّل المخلَّفات مشكلة، حتى لو لم تكن سائلة بصفةٍ خاصة؛ لأنها قد تتراكم مع الوقت، ثم بسبب المطر أو المطر المتجمِّد أو الثلج أو الجليد الذائب، قد يصل تيارٌ من الماء المخلفاتِ بالخط كهربيًّا. وتُعَد مثل هذه الوصلات الكهربية مشكلة بالفعل في الأماكن التي يوجد فيها الكثير من الثلج والجليد، ولكن مخلفات الطيور تجعل المشكلة أكثر سوءًا؛ لأن قدرة الماء على توصيل الكهرباء تزداد حين يمتصُّ أيونات من المخلفات.

(٢٣) شدة التيار والفولتية والناس

أي هذين يمكن أن يؤذي أو يقتل شخصًا: شدة التيار، أم الجهد الكهربي (الفولتية)؟ كيف يتضرَّر الشخص؟ ما الذي يفسِّر خطورة العمل بالأجهزة الكهربية على أرضيةٍ مبتلة، وهو شيء يتم تحذيرنا جميعًا منه؟

الجواب: يحدث الضرر لجسم الإنسان بسبب مرور التيار (تدفُّق الإلكترونات) عبْر الجسم. يتعلق الجهد الكهربي بالتدفُّق المحتمل للتيار، ويمكن ربطه بالطاقة المتوافرة للتدفق، أو بالقوة التي تدفع الإلكترونات إلى الحركة.

على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، إذا لمست يدٌ واحدة سلكًا منزليًّا حيًّا (مكهربًا)، في حين تلمس اليد الأخرى وصلة «مؤرَّضة» (موصلة كهربيًّا بالأرض)، يكون فرق الجهد بين اليدَين ١١٠ فولت؛ مما يمكن أن يسبب تيارًا بين اليدَين. ومع ذلك، فإن كمية التيار تعتمد أيضًا على «مقاومة» الجسم الكهربية للتيار. في العادة تكون المقاومة ناتجة بالدرجة الأولى عن البشرة، والبشرة الجافة ذات مقاومة عالية؛ لذا، عندما «يمسك» كهربائيٌّ عن طريق الخطأ ١١٠ فولت بين يديه، فإن المقاومة العالية للبشرة قد تُبقي التيار فيما دون الكمية القاتلة.

ومع ذلك، إذا كانت البشرة رطبة، أو فيها قروح مفتوحة، أو مغطاة بمادةٍ هلاميةٍ موصلة، يلاقي التيار مقاومةً صغيرة، ويمكن أن تسري كميةٌ خطيرة من التيار في الجسم. بالمثل، إذا وقف شخص على أرضيةٍ مبتلة في أثناء لمسه لسلكٍ حيٍّ (أو جهازٍ كهربيٍّ غير مؤرَّض)، يمكن أن تسري كميةٌ خطيرة من التيار بين يده وقدميه.

وعلى الرغم من أن الاستجابة لمرور التيارات الكهربية عبْر الجسم تختلف بين الناس، والأجناس، وأجهزة التيار المستمر والتيار المتردِّد، فها هي بعض الاستجابات العامة:
  • أقل من ٠٫٠٠١ أمبير من التيار: لا تأثير.

  • ٠٫٠٠١ أمبير: وخز أو شعور بالحرارة.

  • من ٠٫٠٠١ إلى ٠٫٠١٠ أمبير: تقلُّصٌ لا إرادي للعضلات، وألم.

  • من ٠٫١٠ إلى ٠٫٥٠ أمبير: رجفانٌ بطيني.

  • من ٠٫٥٠ إلى بضعة أمبيرات: يتوقف القلب، لكنه قد يعود إلى العمل إذا توقف التيار.

  • أكثر من بضعة أمبيرات: يتوقف القلب، وينقطع التنفس، وتحدث حروق.

إذا سبَّب التيار تقلُّصًا لا إراديًّا للعضلات فقط، فربما يكون التقلُّص في البداية مؤلمًا وحسب. ومع ذلك، إذا كانت الضحية غير قادرة على التخلص من مصدر التيار، فقد تتناقص مقاومة الجسم تدريجيًّا؛ مما يسمح تدريجيًّا بمرور المزيد من التيار عبْر الجسم، ويزيد من الألم والخطورة معًا. وإذا جرت محاولة إنقاذ عن طريق سحب الضحية بعيدًا عن المصدر، فقد ينتهي الأمر بإصابة المنقذ بتقلُّصٍ لا إرادي للعضلات، و«تصلُّبه فوق» الضحية الأولى، مواجهًا التزايد التدريجي نفسه للتيار.

وإذا دخل القلب في حالة رجفانٍ بطيني، فإن انقباضه وانبساطه العشوائيين غير المنتظمين لن يضخَّا الدم، مع ما في ذلك من عواقبَ وخيمةٍ على المخ؛ لذا تبرز الحاجة على وجه السرعة إلى فريق إنقاذ لديه جهاز لإزالة الرجفان.

إذا أَوقف التيار القلب، كما يحدث بالفعل باستخدام جهاز إزالة الرجفان، يمكن للقلب أن يُعيد تشغيل نفسه. ومع ذلك، فإن التنفس الذي يتوقَّف بسبب انقباض عضلات الصدر قد لا يعود إلى العمل من تلقاء نفسه. حينئذٍ ستحتاج الضحية إلى الإنعاش فمًا لفم، ليعود التنفس قبل أن يُدمِّر نقصُ الأكسجين المخَّ.

تحدث الحروق بسبب تصادمات الإلكترونات المتحركة (التي يتألَّف منها التيار) مع الذرات والجزيئات على امتداد مسار التيار في الجسم. إذا كانت الحروق خارجية، يمكن أن يتمَّ علاجها، لكن الحروق الداخلية من الصعب علاجها.

قصة قصيرة

(٢٤) تصرُّفٌ طائش

في وقت متأخر من إحدى الليالي تلقَّى الدكتور ميلتون هيلبيرن، رئيس الفحص الطبي في مدينة نيويورك، مكالمةً هاتفية بشأن أسرةٍ منكوبة: تُوفي أحد أفرادها تلك الليلة في إحدى محطات مترو الأنفاق في المدينة، إثر إلقاء نفسه، على ما يبدو من أحد أرصفة الانتظار، على القضبان في الأسفل. في ذلك النظام، يكون القضيب الثالث «ساخنًا»، بمعنى أنه يعمل بمنزلة مصدر للكهرباء التي تُشغِّل قطارات مترو الأنفاق. بدا أن الضحية صُعق كهربيًّا بأن لامس القضيب الثالث وأحد القضيبَين الآخرَين على الأقل؛ مما أدَّى إلى تأريض القضيب الثالث والسماح لكميةٍ كبيرة من التيار بالسريان في جسد الضحية.

بناءً على طلب من الأسرة، أجرى الدكتور هيلبيرن فحصًا لجثة الضحية، لكنه لم يجد دليلًا ماديًّا على السكتة الدماغية أو النوبة القلبية؛ مما كان سيدل على أن الضحية انهار لا إراديًّا وسقط على القضبان. لكن مع ذلك، وجد الدكتور حروقًا محيرة على إبهام الضحية وسبابة يده اليمنى، وكذلك على منطقةٍ حساسة من جسده.

بعد ذلك بدأ الدكتور هيلبيرن في التحرِّي حول خلفية الرجل، ليكتشف أن الضحية كان يصير عدائيًّا عندما يسكر؛ ولاستعراض عدائيته، اعتاد أن يتبوَّل علانية. استنتج الدكتور هيلبيرن أن آخر تصرُّفٍ عدائي قام به الضحية كان التبول من رصيف الانتظار على القضبان في الأسفل، بما في ذلك القضيب الثالث، غير مدرك أن البول موصِّلٌ جيد للكهرباء؛ وقد خلَّف سريان التيار عبْر الضحية تلك الحروق التي وُجدت على إبهامه وسبابته والجزء الحساس من جسده.

(٢٥) استخدام الكهرباء في العمليات الجراحية

الجراحة الكهربية إجراءٌ طبي يصدر فيه مسبارٌ موصِّلٌ دقيق تيارًا متردِّدًا عالي التردد على المريض. وهي تسمح للجرَّاح بشق جرح، وتسمح أيضًا في الوقت نفسه بتخثير الأوعية الدموية المكشوفة (بالتسخين) لكيلا يحدث أي نزيف لا داعي له.

يجب أن يكون القضيب الكهربي (وكذلك منطقة الجرح) جزءًا من دائرةٍ كاملة، لكي ينشأ التيار الكهربي. في أحد أنواع العمليات، تتألف الدائرة من المسبار، والمريض، وقطبٍ كهربيٍّ موضوعٍ تحت المريض. في الأيام الأولى لممارسة هذه العملية، كان المرضى ينتهي بهم الحال إلى الإصابة بحروقٍ شديدة! هل تعرف السبب (الواضح ربما)؟

ما الخطورة عند استخدام القطب الكهربي في أحد الأعضاء المتصلة بالجسم من خلال ساقٍ نحيلة، مثلما قد يحدث عندما تُستخدم الجراحة الكهربية في عملية الختان؟

الجواب: يُرَكَّز التيار عمدًا على منطقة الجرح، لكن لا بد أن يُسمَح له بالانتشار على مساحةٍ أكبر بكثير؛ حيث يُوضع القطب الكهربي تحت المريض. وإذا لم يحدث هذا فسيحرق التيار الجسم لدى اتصاله بالقطب الكهربي الموجود بالأسفل؛ لذا فإن القطب الكهربي السفلي يكون واسع التأثير (لنشر التيار) وهو مُعَدٌّ على هذه الهيئة ليتصل جيدًا مع الجسم، لا ليتصل مع بضع مناطق منه فقط، ولا ليتصل فقط بما حول المناطق العظمية حيث قد يتركز التيار. في الأيام الأولى لممارسة هذه العملية، لم تُتخذ احتياطات السلامة هذه، وكان المرضى يُصابون بحروقٍ بالغة.

عند استخدام القطب الكهربي في أحد الأعضاء المتصلة بساق، يميل التيار إلى التركُّز عند قاعدة الساق، وهي حالة تُعرف باسم «احتشاد التيار»؛ ومِن ثَمَّ يمكن أن تُسخَّن قاعدة الساق وتُدمَّر بسرعة، وقد حدث ذلك في عملياتٍ مأساويةٍ عديدة قبل فهْمنا لخطورة احتشاد التيار.

(٢٦) الحرائق والانفجارات الجراحية

تتخذ الفرق الجراحية احتياطاتٍ استثنائية للتأكد من عدم حدوث حرائق أو انفجارات على مقربة من العملية الجراحية المُجراة على مريضٍ ما، أو فيها. قبل خمسينيات القرن العشرين، كان المخدِّر القابل للاشتعال يُمثِّل خطرًا بالغًا. ومنذ ذلك الحين، تناقصت معدَّلات الحرائق والانفجارات، ولكنها ما زالت لم تصل إلى الصفر. وإليك مثالَين وقعا غير بعيد:

ثَقب القصبة الهوائية: عندما خضع رجلٌ شديد البدانة لعمليةٍ جراحية لعلاج انقطاع النفس الانسدادي النومي (انسداد مجرى الهواء المرتبط بالشخير) تم إجراء ثَقب للقصبة الهوائية؛ لإمداد المريض بالأكسجين، من خلال شقِّ جرح في القصبة الهوائية في الرقبة. في هذه العملية، يُفتَح جرحٌ في القصبة الهوائية، ويُدخَل أنبوب (أنبوب القصبة الهوائية) لحمل أكسجينٍ صافٍ بنسبة ١٠٠ بالمائة إلى المريض. ومع ذلك، فإن الطبقة الكثيفة من الدهون في رقبة المريض جعلت عملية ثَقب القصبة الهوائية صعبة، واستمر الدم في التسرب. عند نقطةٍ ما، أُغلق أحد الأوعية الدموية النازفة بالقرب من جرح القصبة الهوائية عن طريق التخثير الكهربي، الذي يُطبَّق فيه تيار متردِّد عالي التردد، لتسخين الوعاء الدموي. اشتعلت المنطقة المجاوِرة للجرح على الفور، منتجة لهبًا قفز إلى ارتفاع نصف متر فوق الرقبة. تم إخماد اللهب بتغطيته بأغطية جراحية، ثم إطفاء ما تبقَّى منه باستخدام محلولٍ ملحي. ما الذي سبَّب الحريق؟

استئصال السلائل: في أثناء عملية تنظير القولون، يتم إدخال منظار للقولون عبْر الشرج، للبحث عن السلائل الموجودة في القولون وإزالتها. عندما يُعثَر على إحداها، فإنها تُطوَّق وتُستأصل عن طريق تسخينها بواسطة تيارٍ مُرسَل عبْر الطوق. وبعد ذلك تُكوى نقطة اتصال السليلة بجدار القولون، باستخدام التيار لمنع أي نزيف. وخلال مرحلة الكي في واحدة من مثل هذه العمليات الروتينية، حدث انفجار مدوٍّ، واندفع لهبٌ أزرق من الطرف الحرِّ لمنظار القولون، لمسافة حوالي متر، وصرخ المريض وحاول مغادرة الطاولة. ما الذي سبَّب الانفجار؟

الجواب: ثَقب القصبة الهوائية: سخَّن التيار المستخدم في التخثير الكهربي الدهون الكثيفة القريبة من منطقة الجرح، التي كانت مغمورة في الأكسجين الصافي؛ وسرعان ما اشتعلت النار في الدهون. في حالاتٍ أخرى، حين حدث اشتعال للنار في عملية ثقب القصبة الهوائية أو في عملٍ جراحي يتضمن الفم أو الأنف أو الحلق، أشعل جهاز تسخين كهربي أو شعاع ليزر أجزاءً من البلاستيك المستخدَم في العملية (يمكن أن يحترق البلاستيك بسهولة في وجود الأكسجين الصافي).

استئصال السلائل: يُنتِج الجهاز الهضمي للإنسان غازَي الهيدروجين والميثان، وهما قابلان للاشتعال والانفجار. على سبيل المثال، ٤٠٪ من الغاز في الأمعاء الغليظة قد يكون هيدروجين وميثان. وكما يعلم الكثير من الشباب، فإن الغاز الذي يُطلَق من الأمعاء قابل للاشتعال، مما يُستخدَم أحيانًا في عروض مسلية. إذا تم الكي الكهربي في وجود الهيدروجين والميثان والأكسجين، فإن التسخين (أو الشرر) قد يؤدي إلى انفجار الغاز، وإحراق الأمعاء وتمزيقها؛ ومِن ثَمَّ، فإن أي عملياتٍ جراحية من هذا النوع تتطلَّب أن تكون الأمعاء فارغة؛ ولذا يصوم المريض لمدة تصل إلى يوم كامل. وإذا ظل هناك قلق، فقد يغمر الجراحُ الأمعاءَ قبل العملية بغازٍ غير قابل للاشتعال.

ويمكن أن تنتج الغازات القابلة للاشتعال في المعدة أيضًا، عندما لا تكون خاليةً جيدًا (يكون بواب المعدة ضيقًا جدًّا، وهي حالة خطيرة تُسمَّى ضيق البواب). وللتخلُّص من بعض الضغط الذي يسببه الغاز في المعدة، قد يتجشأ الشخص. في إحدى الحالات المسجَّلة، أشعل رجل سيجارة، في الوقت نفسه الذي تجشَّأ فيه رغمًا عنه: اندفعت السيجارة من فمه كأنها صاروخ، واحترقت شفاهه وأصابعه. وفي حالة أخرى، كان رجل منحنيًا على طاولة لإشعال سيجارة، باستخدام قدَّاحة شخص آخر، اندفع التجشُّؤ عبْر الأنف، واندفع لهب من فتحتَي أنفه؛ ما جعله يبدو كأنه تنينٌ نافث للنيران آتٍ من القرون الوسطى. وفي حالة ثالثة، فتح جراح المعدة باستخدام مشرطٍ كهربائي، بدلًا من المشرط العادي. وصل الشرر الناتج عن المشرط الكهربائي إلى الغاز الداخلي، الذي اشتعل حينئذٍ واحترق بلهبٍ أزرقَ ساطع، لمدة عشر ثوانٍ.

(٢٧) بطارية الليمون ووخز حشوات الأسنان

يمكن صنع بطاريةٍ بسيطة وغير مألوفة، بإدخال مجسٍّ من الزنك (مسمار مجلفن) في ليمونة، ثم إدخال عملةٍ نحاسية في شقٍّ طولي في جانب الليمونة. يبلغ فرق الجهد بين المسمار والعملة حوالي ١ فولت. إذا وُصِّلت عدة بطاريات ليمون كهذه «على التوالي» (واحدة بعد الأخرى) مع مصباح صغير، فسيضيء المصباح، ولو بخفوت. وإذا وُصِّلت بمكثف أيضًا، يمكن تخزين الشحنة التي تولِّدها في المكثف، ثم تُوضع لاحقًا في فلاش كاميرا، لإطلاق الوميض. كيف تستطيع بطارية الليمون صنع تيار وفرق جهدٍ كهربي؟ يمكن أيضًا لأطعمة أخرى أن تحلَّ محلَّ الليمون.

لعلك لاحظت إنتاجًا مشابهًا للتيار وفرق الجهد، إذا كانت لديك حشواتٌ معدنية في أسنانك، وإذا مضغت — لسببٍ ما — شريحة معدنية مثل ورق الألومنيوم. ما الذي يُسبِّب الوخز الذي تشعر به في السن وفي أجزاء اللثة القريبة منها؟

تُعَد تغطية ما يتبقى من الطعام بورق الألومنيوم ممارسةً شائعة. ومع ذلك، إذا بقي الطعام في وعاءٍ من الفولاذ المقاوم للصدأ، وإذا تلامس الورق مع الطعام، فقد ينتهي به الأمر بالذوبان في الطعام عند نقاط التلامس هذه. فما الذي يُسبِّب ذلك؟

الجواب: إن ذرات أي مادة لها قابليةٌ معينة لاكتساب إلكترونات أو لفقدها، بالتبادل مع ذراتٍ أخرى مجاورة من مادةٍ مختلفة. عندما يتم إدخال مسمارٍ مجلفن في ليمونة، يميل الزنك الموجود على المسمار إلى فقد إلكترونات، ليتحوَّل إلى أيونات زنك موجبة الشحنة، وهناك جهدٌ كهربيٌّ مُعيَّن يرتبط بهذه القابلية. بالقرب من العملة النحاسية في الليمونة، تميل أيونات الهيدروجين في عصارة الليمون إلى أن تصبح ذرات هيدروجين مُحايدة، وهناك جهدٌ كهربي مُعيَّن يرتبط بهذه القابلية. إذا رُبط المسمار كهربيًّا بالعملة، باستخدام سلك، فإن الإلكترونات التي يفقدها الزنك عند المسمار يمكن أن تتحرَّك عبْر السلك، لتكتسبها أيونات الهيدروجين؛ وبناءً على ذلك، تستطيع بطارية الليمون هذه أن تُولِّد تيارًا (تدفقًا للإلكترونات) عبْر السلك، وهذا التيار يُحرِّكه فرق جهد كهربي بين المسمار والعملة المعدنية (أو بالأحرى عصارة الليمون القريبة من العملة).

يحدث فَقدٌ واكتسابٌ مشابه للإلكترونات عندما يلمس ورق الألومنيوم حشوةَ أسنانٍ معدنيةً، في وجود اللعاب بين السطحَين في أماكنَ عديدة. تعمل التركيبة «ورق – لعاب – حشوة» عمل البطارية، بحيث ترسل تيارًا عبْر نقاط التماس المباشر بين الورق والحشوة، أو عبْر العلكة المحيطة بالنقطة.

تحدث عمليةٌ مشابهة في حالة الفولاذ المقاوِم للصدأ وورق الألومنيوم. تستطيع التركيبة «فولاذ – طعام – ورق» أن تعمل عمل البطارية، مرسلةً تيارًا عبْر نقاط التلامس المباشر بين الورق والإناء الفولاذي (بامتداد حوافِّ الإناء على الأرجح؛ حيث عادةً ما يُضغط الورق عليها)؛ فبينما يتأكسد الورق، وتُحوَّل جزيئات الألومنيوم إلى أيونات ألومنيوم، تذوب الأيونات في الطعام، خاصةً إذا كان الطعام شبيهًا بصوص الطماطم. ها هي نصيحة لتخزين الطعام: استخدم غطاءً بلاستيكيًّا بدلًا من ورق الألومنيوم، أو وعاءً بلاستيكيًّا بدلًا من الوعاء الفولاذي المقاوِم للصدأ.

(٢٨) السمك والأنقليس الرعَّاد

إن الأسماك، مثل الرعَّاد العملاق من نوع «توربيدو نوبيليانا» الذي يعيش في شمال الأطلنطي، والأنقليس الرعَّاد من نوع «إلكتروفوريس» الذي يعيش في الأمازون؛ يمكنها أن تُنتِج تيارًا كهربيًّا يكفي لقتل فريستها أو صعقها، أو حتى لصعق إنسان (على سبيل المثال، يفرغ سمك التوربيدو الكهرباء في نبضةٍ شدَّتُها ٥٠ أمبير، عند حوالي ٦٠ فولت). في سالف الأزمان، كانت الأسماك الرعَّادة تُستخدم أحيانًا لأغراضٍ طبية، مثلما كانت سمكة رعَّادة توضع مباشرةً على موضع الألم، في حالة الصداع المزمن (نوع بدائي من العلاج بالصدمة). كانت الخصائص الكهربية للأسماك معروفة لقدامى الصيادين، الذين سرعان ما عرفوا أنواع الأسماك التي لا ينبغي جذبها بأيدٍ عارية، ولا التعامل معها باستخدام حربة موصِّلة.

fig120
شكل ٥-٤: بند ٥-٢٨: (أ) سلسلة من خمس لويحاتٍ كهربية داخل أنقليس رعَّاد. (ب) نظامٌ متوازٍ مكوَّن من ثلاث سلاسل من اللويحات الكهربية.

يُنتِج كثير من الأسماك الأخرى مجالاتٍ كهربية، لتشقَّ طريقها في المياه المعتمة أو الخافتة الإضاءة، أو لتحديد مواقع الأشياء، بما في ذلك بعضها لبعض. في الحقيقة، هذه الأسماك تستطيع تغيير مجالها الكهربي بهذه الطريقة لتعرِّف نفسها. كيف يستطيع حيوان أن يُنتِج تيارًا، وجهدًا كهربيًّا، ومجالًا كهربيًّا؟

الجواب: يمكن تتبُّع مصدر التأثيرات الكهربية للأسماك، وصولًا إلى خلايا تُعرف باسم «اللويحات الكهربية»، وهي شبيهة بالخلايا العصبية والعضلية. عادةً ما يُمرِّر غشاء اللويحات الكهربية أيونات البوتاسيوم، لكنه لا يُمرِّر أيونات الصوديوم؛ ولذا تختلف تركيزات الصوديوم والبوتاسيوم عبْر الغشاء الخلوي، ولأن هذه الأيونات مشحونة؛ يُنتِج هذا الفرق في التركيز فرقًا في الجهد الكهربي عبْر الغشاء.
عندما تريد السمكة تفريغ شحنتها، تُغيِّر نبضةٌ عصبيةٌ الغشاءَ بحيث يستطيع تمرير أيونات الصوديوم؛ فيتغير على الفور الفرق في الجهد الكهربي عبْر الغشاء، وتتدفَّق الجسيمات المشحونة من خلاله (بمعنى أن هناك تيارًا يعبر الغشاء). فرق الجهد الكهربي وكمية التيار كلاهما صغير المقدار. ومع ذلك، يمكن أن تمتلك السمكة عدة آلاف من اللويحات الكهربية، موصَّلة على التوالي (واحدةً بعد الأخرى) (شكل ٥-٤أ) لتكوين الجهد الإجمالي وشدة التيار الإجمالية.
يُفترض بالتيار الإجمالي أن يغادر السمكة من أحد طرفيها (الرأس أو الذيل)، ويجتاز الماء (ومِن ثَمَّ قد يعبر فريسة أو إنسانًا)، ثم يدخل إلى السمكة من جديد من الطرف المقابل. ومع ذلك، إذا امتلكت السمكة سلسلة واحدة فقط من اللويحات الكهربية، فإن كمية التيار الإجمالية التي تُنتجها السمكة قد تصعقها أو تقتلها هي نفسها. ولتجنُّب هذا المصير، تملك السمكة مئات السلاسل الموصَّلة على التوازي (شكل ٥-٤ب)، لكي يتوزَّع التيار الإجمالي بالتساوي بين هذه المسارات المتوازية. بناءً على ذلك، يكون التيار على امتداد أحد المسارات عبْر السمكة، غير كافٍ لإيذائها.

تختلف الأسماك الرعَّادة التي تعيش في المياه المالحة، عن تلك التي تعيش في المياه العذبة؛ لأن المياه المالحة توفِّر مقاومةً أقلَّ بكثيرٍ للتيار الكهربي؛ ولذلك تحتاج أسماك المياه المالحة عددًا أقل من اللويحات الكهربية في كل سلسلة، للحصول على تيارٍ كافٍ يشقُّ المياه المحيطة ليصعق الفريسة أو يقتلها.

لا يلجأ السمك الرعَّاد الضعيف إلى إرسال نبضةٍ من التيار عبْر المياه المحيطة؛ وبدلًا من ذلك، تُولِّد اللويحات الكهربية الخاصة بها ببساطةٍ مجالًا كهربيًّا ضعيفًا في الماء، على سبيل الاستشعار. ولأنها شديدة الحساسية لقوَّة هذا المجال، تستطيع أن تعرف عندما تدخل أجسامٌ أخرى إلى هذا المجال، مُسبِّبة تغييرًا فيه. وبالإضافة إلى ذلك، تستطيع الأسماك الرعَّادة تغيير المجال بطريقةٍ مميزة حتى تتواصل مع الأسماك الأخرى التي تنتمي إلى نوعها نفسه.

(٢٩) الشحن بالغبار والرمال والثلوج المثارة

كيف يمكن للثلج المثار أن يُكهرِب سياجًا سلكيًّا؟ في بعض الأحيان، يجمع سياجٌ سلكيٌّ طويل كميةً كبيرة من الكهرباء، لدرجة أن الشخص الذي يلمسه يتلقَّى صدمةً كبيرة، وقد يصل به الأمر إلى أن يسقط أرضًا.

عندما تثير الرياح الغبار أو الرمال أو الثلوج بشدة، كما في عواصف الغبار والدوامات الترابية والأعاصير، لماذا تُشحَن المواد بشحنةٍ عالية؟ في حالاتٍ قليلة نظر فيها الناس داخل قُمع إعصار وعاشوا ليحكوا ما حدث، وصفوا باطنًا مضاءً بضوءٍ متلألئ، يخالطه تفريغاتٌ طويلة للشحنات.

ما السبب وراء أمثلة الكهربة العديدة هذه؟

الجواب: إن العملية التي تصبح بها الثلوج المثارة مشحونة ليست مفهومة تمامًا بالنسبة لنا، لكن ها هي الطرق الرئيسية: إذا تصادمت بلورتان متعادلتان كهربيًّا لهما درجتا حرارةٍ مختلفتَين، تصبح البلورة الأدفأ مشحونة بشحنةٍ سالبة، وتصبح البلورة الأبرد مشحونةً بشحنةٍ موجبة. وإذا كان طرفا بلورةٍ ثلجيةٍ متعادلة كهربيًّا مختلفَين في درجة الحرارة، يكون الطرف الأدفأ مشحونًا بشحنةٍ موجبة، والطرف الأبرد مشحونًا بشحنةٍ سالبة؛ ومِن ثَمَّ، فإذا كُسرت البلورة الثلجية في أحد التصادمات، فإن القطعتين تفترقان، وكلتاهما تحمل شحنةً ذات إشارةٍ مخالفة للأخرى. وبمجرَّد شحن البلورات، فإنه يمكنها شحن السياج عبْر لمسه.

بشكلٍ عام، فإن الغبار الذي يُثار في الهواء نتيجة عاصفة أو دوامة ترابية (زوبعة) أو إعصار، يصبح مشحونًا عبْر الاتصال بينه وبين الأرض وحبيبات الغبار الأخرى (يكفي الاتصال بين جسمين لجعل الإلكترونات تنتقل من جسم إلى الآخر)، ويعتمد كون الغبار مشحونًا بشحنةٍ موجبة أو سالبة، على طبيعة كلٍّ من الغبار والأرض. في بعض الحالات، يفقد الغبار إلكترونات حينما يلمس الأرض؛ ومِن ثَمَّ يصبح مشحونًا بشحنةٍ موجبة، وفي حالاتٍ أخرى يكتسب الغبار إلكترونات؛ ومِن ثَمَّ يصبح مشحونًا بشحنةٍ سالبة. وبمجرَّد أن يصير محمولًا في الهواء، يمكن أن تتبادل حبيبات الغبار الشحنات من خلال التصادمات.

يمكن للدوامات الترابية على المريخ أن تكون أكبر بكثير من تلك التي على الأرض؛ ولذا قد تكون مشحونة بقدْرٍ أكبر بكثير. ومع ذلك، فهناك حدٌّ لمقدار الشحنة الذي قد تحمله دوامةٌ ترابية. وها هو برهان ذلك: بينما تزداد كمية الشحنة، يزداد أيضًا المجال الكهربي عند سطح الدوامة الترابية. في نهاية المطاف يصبح المجال الكهربي قويًّا جدًّا، إلى حد أن السطح يبدأ في إطلاق الشرر (بمعنًى آخر: يبدأ التفريغ)، مما يستنزف إلكترونات السطح. وبمجرَّد الوصول إلى مرحلة إطلاق الشرر، فإن أي شحنةٍ مُكتَسبة عبْر حركة الدوامة الترابية، تُفقَد فورًا على هيئة شرر.

لا يُشحَن الإعصار فقط عبْر الغبار الذي يثيره، ولكن أيضًا بالشحنات الكهربية الموجودة في العاصفة الرعدية الكبيرة التي أنتجته؛ ولذلك فمن المرجَّح أن يكون الضوء الذي يُرى في أقماع الأعاصير ناتجًا عن التفريغات بين جيوب الغبار المشحونة وبين الحطام. وبالإضافة إلى ذلك، قد تكون بعض الأضواء المصاحبة للإعصار مجرد برقٍ عادي. ومع ذلك، فإن الفكرة القديمة القائلة إن الإعصار يسبِّبه تدفُّقٌ مستمر تقريبًا للتيار بين السُّحب والأرض جرى التخلي عنها.

(٣٠) التفريغ الكهربي الشبيه بالبرق فوق البركان

إن الأعمدة التي تتصاعد من بعض البراكين الثائرة، مثل بركان ساكوراجيما في اليابان، تُولِّد تفريغاتٍ كهربيةً تومض فوق فوهة البركان، مضيئة السماء ومرسلة موجاتٍ صوتية تشبه الرعد. ما الذي يسبِّب عروض الصوت والضوء هذه؟

الجواب: تَنتُج التفريغات الكهربية عن جسيماتٍ مشحونةٍ محمولة في الهواء بفعل الأعمدة التي تبرز من البركان أو تُقذَف منه. قد تسيطر على العمود شحنةٌ موجبة، ولكن عادة ما يحتوي العمود على مناطقَ مشحونة بشحنةٍ سالبة. يمكن أن تفرغ بعض هذه المناطق شحناتها إلى بعضها الآخر، أو إلى الأرض، ويمكن للتيار الناتج عن التفريغ أن يسخِّن الهواء بشدة، إلى حد تمدد الهواء بسرعةٍ أكبر من سرعة الصوت؛ ويرسل مثل هذا التمدُّد موجةً صدمية تصل إلى الراصد (الذي يُؤمل أن يكون على مسافةٍ آمنة) على هيئة انفجار مدوٍّ.

هناك مؤثراتٌ عديدة قد تكون مسئولة عن وجود الجسيمات المشحونة في الأعمدة البركانية: (١) إذا تلاقت المياه فجأة مع حممٍ منصهرة، فيمكن أن تتجمَّع قطرات الماء، فيما يُسمى «تأثير لايدنفروست»، وتطفو على طبقة من البخار. تنقسم أي قطرةٍ كبيرة من هذا النوع إلى قطراتٍ مشحونة أصغر حجمًا، يحملها بعد ذلك إلى الغلاف الجوي العمود المندفع من الهواء الساخن وبخار الماء. (٢) تصبح الصهارة مشحونة عندما تتكسر، إما باصطدامها بالماء، أو بشقِّها للحافة العلوية للأنبوب البركاني، ثم تُقذَف في العمود.

بمجرد أن ترتفع الجسيمات المشحونة في الهواء، يمكن للاصطدامات أن تنقل الشحنة من جسيمٍ إلى آخر، أو حتى أن تسبب شحنًا إضافيًّا، مثلما يحدث في الغبار الذي تثيره الرياح.

(٣١) التلوث البكتيري في العمليات الجراحية

تتخذ الفِرَق الجراحية إجراءات استثنائية لمنع إصابة المريض بالعدوى البكتيرية؛ توضع الكمامات، وتُنظف الأيدي جيدًا وتُغطَّى بالقفازات، وتُعقَّم الأدوات بتعريضها لدرجةِ حرارةٍ عالية وبغمرها في الكحول. اكتُشف حديثًا مصدرٌ مخادع للبكتيريا في غرف العمليات الجراحية، وهو مصدر غفلنا عنه لسنوات. ها هو أحد الأمثلة على هذا الموضوع: في عمليةٍ جراحية بالمنظار، يتحكم الجرَّاح في جهاز ألياف ضوئية، يدخل الجسم عبْر جرح أو عبْر الحلق أو القولون، ينقل جهاز الألياف الضوئية صورة للداخل، ويعرضها على شاشة عرض. يستطيع الجراح أن يعزز جهاز الألياف الضوئية، أو أن يستخدم الأدوات الجراحية المتصلة به، على سبيل المثال، يمكن تطويق سليلة واستئصالها. تتمثل إحدى مميزات استخدام جهاز الألياف الضوئية في أن الجراح الرئيسي يستطيع تنسيق جهود أعضاء الفريق، من خلال الإشارة إلى الأهداف على الشاشة؛ حيث يمكن للجميع بسهولة أن يروا سير العملية.

fig121
شكل ٥-٥: بند ٥-٣١: (أ) مقطعٌ عرضيٌّ لشاشة عرض موصَّلة بجهاز فيديو. تنتج الشاشة المشحونة بشحنةٍ موجبة شحنةً مستحثة على حبة غبار قريبةٍ متعادلة كهربيًّا. (ب) إصبع مغطًّى بقفاز (ليس موضحًا بالأبعاد الحقيقية) يوجد بالقرب من الشاشة، يملك شحنةً مستحثة، ويستطيع جذب حبيبات الغبار من الهواء ومن الشاشة.

يكمن في مكانٍ ما من هذه العملية مصدرٌ خفيٌّ للتلوث البكتيري. هل تستطيع اكتشافه؟

الجواب: لتكوين صورة على شاشة العرض، خاصة في الأجهزة التقليدية، تُطلَق الإلكترونات نحو الشاشة من مؤخرة الجهاز. ولجذب هذه الإلكترونات، يتم الإبقاء على الشاشة مشحونةً بشحنةٍ موجبة. تجذب الشاشة المشحونة كذلك جسيماتٍ عالقةً في الهواء تطفو في أنحاء غرفة العمليات، مثل الوبر والغبار وخلايا الجلد. إذا كان أحد الجسيمات المحمولة في الهواء مشحونًا بشحنةٍ سالبة، فإنه يلتصق بالسطح الخارجي للشاشة، وأما إذا كان بدلًا من ذلك متعادلًا كهربيًّا، فيمكن أن يُسحَب بعض إلكتروناته إلى جانب الجسيم الأقرب إلى الشاشة؛ ما يمنح الجسيم «شحنة مستحثة»؛ حيث يكون أحد الجانبين سالب الشحنة، والآخر موجب الشحنة (شكل ٥-٥أ). يُسحَب الجزء السالب نحو الشاشة المشحونة بشحنةٍ موجبة، بينما يُبعَد الجزء الموجب عنها. ولأن الجانب السالب أقرب إلى الشاشة، فإن السحب نحو الشاشة يربح في لعبة شد الحبل هذه.
ولأن العديد من الجسيمات التي تتجمَّع على سطح الشاشة الخارجي تحمل بكتيريا، تصبح الشاشة ملوثةً بالبكتيريا. لنفترض أن أصابع الجراح الموضوعة في القفازات تقترب لتكون على بُعْد سنتيمترات قليلة من الشاشة، مشيرة إلى جزءٍ مُعيَّن من الصورة في أثناء شرح مسألةٍ جراحية لباقي الفريق مثلًا؛ تسحب الشاشة المشحونة بشحنة موجبة إلكترونات من داخل الأصابع إلى الأنامل (شكل ٥-٥ب)، ثم تتسبب الأنامل المشحونة بشحنةٍ سالبة في تجمُّع الجسيمات (المحمولة في الهواء أو التي على الشاشة) على القفازات عند أطراف الأصابع؛ وعندما يلمس الجراح المريض بعد ذلك بقفازاته الملوَّثة، تنتقل البكتيريا في النهاية على جسم المريض أو (الأسوأ) إلى داخله. ولتجنُّب هذا الخطر، يُحذَّر الجراحون اليوم من تقريب أصابعهم من شاشة الفيديو.

(٣٢) النحل والتلقيح

يساعد النحل في تلقيح الأزهار من خلال جمع حبوب اللقاح من زهرةٍ ما وحملها إلى زهرةٍ أخرى. وليست هذه العملية عارضة؛ بمعنى أن النحلة لا تحتكُّ بحبوب اللقاح من قبيل الصدفة، وبدلًا من ذلك، فإن حبوب اللقاح تقفز في الواقع إلى النحلة عند الزهرة الأولى، ثم تقفز منها عند الزهرة الثانية. فما الذي يتسبب في جعل حبوب اللقاح تقفز؟

fig122
شكل ٥-٦: بند ٥-٣٢: (أ) سطح النحلة المشحون بشحنةٍ موجبة يفصل الشحنات في حبة اللقاح. تقفز الحبة إلى النحلة. (ب) تقفز الحبة من النحلة إلى الإلكترونات المركَّزة على ميسم الزهرة.
الجواب: بعدما تغادر النحلة خليتها، عادةً ما تصبح مشحونة بشحنةٍ موجبة خلال طيرانها عبْر الهواء. وعندما تحوم النحلة بالقرب من مئبر زهرة (شكل ٥-٦أ)، ويكون المئبر متعادلًا كهربيًّا، فإن المجال الكهربي الناجم عن النحلة ينتج «شحنةً مستحثة» في بعض حبيبات اللقاح على الزهرة. هذه الحبة متعادلة كهربيًّا، لكن المجال الكهربي للنحلة يعيد توزيع شحنة الحبة؛ فينتقل بعض إلكتروناتها إلى الجانب المواجه للنحلة، ليكون قريبًا بقدْر الإمكان من النحلة المشحونة بشحنة موجبة؛ تترك هذه الحركة الجانب الآخر من الحبة مشحونًا بشحنة موجبة. ما زالت الحبة متعادلة كهربيًّا، لكنها الآن تملك شحنةً سالبة على جانب، وشحنةً موجبة على الجانب الآخر.

يُسحَب الجانب السالب نحو النحلة، بينما تدفع النحلة الجانب الموجب بعيدًا عنها. ولأن الجانب السالب أقرب إلى النحلة، ترجح كفة السحب، وتقفز الحبة عبْر الهواء لتستقر على النحلة (إنها في الواقع تستقر على شعرات النحلة، وإذا لمست جسم النحلة المشحون، فستفقد إلكتروناتها؛ حينئذٍ لن يتبقَّى لحبة اللقاح إلا الموجبة فقط؛ وبذلك ستُطرد من على النحلة، ولن تتم رحلتها إلى الزهرة التالية).

يتم توصيل حبوب اللقاح إلى الزهرة التالية عندما تقترب النحلة من ميسم الزهرة، الذي يكون موصلًا كهربيًّا بالأرض. يسحب مجال النحلة الكهربي إلكترونات من الميسم، لتكون قريبة بقدْر الإمكان من النحلة؛ ما يجعل أعلى الميسم مشحونًا بشحنةٍ سالبة (شكل ٥-٦ب). ما زالت حبة اللقاح على النحلة مسحوبة نحو الشحنة المنتشرة على النحلة، لكنها الآن تُسحَب بقوةٍ أكبر نحو الشحنة المركَّزة عند قمة الميسم؛ لذا، تقفز الحبة من النحلة إلى الميسم، ملقِّحة الزهرة.

قصة قصيرة

(٣٣) النمل الناري والأجهزة الكهربائية

عندما انتقل النمل الناري الأحمر، واسمه العلمي «سولينوبسيس إنفيكتا»، شمالًا إلى الولايات المتحدة قادمًا من أمريكا الوسطى، أخذت أسراب من النمل تهاجم الأجهزة الكهربية وتُدمِّرها في الأماكن المفتوحة (مثل صناديق التحكم في إشارات المرور الضوئية) وما جاورها من مبانٍ. تمثَّل أحد التفسيرات الأولية في أن النمل الناري كان منجذبًا إلى المجالات الكهربية أو المجالات المغناطيسية (أو كليهما) الخاصة بالدوائر الكهربية؛ كان ذلك مثيرًا للاهتمام للغاية؛ إذ كيف يمكن لنملة أن ترصد أيًّا من نوعي المجال؟

ومع ذلك، عندما تمعَّن الباحثون في سلوك النمل، اكتشفوا تفسيرًا أبسط بكثير: فبينما يزحف النمل عشوائيًّا إلى الصناديق الكهربية، يحدث مصادفة أن تقصر نملة الدائرة، من خلال توصيلها بين سلكَين عاريَين، أو بين سلكٍ عارٍ والأرض. إما أن تموت النملة، أو تستشيط غضبًا (يملك النمل الناري بالفعل مزاجًا حادًّا). وسواء كانت النملة حية أو ميتة، فإنها تطلق موادَّ كيميائيةً تثير النمل القريب منها، الذي تتجه أسرابه حينئذٍ إلى النملة الأولى ويصبح مُكهرَبًا أيضًا. في النهاية يصبح هناك عددٌ كبيرٌ جدًّا من النمل الميت، الذي يقصر الجهاز، إلى أن يطفئ قاطع الدائرة التيار، أو يُدمَّر الجهاز بسبب كمية التيار الكبيرة جدًّا.

(٣٤) التغليف البلاستيكي للطعام

عندما تَلفُّ غلافَ طعامٍ بلاستيكيًّا حول إناءٍ زجاجي أو بلاستيكي، وتضغط الغلاف على الإطار، لماذا يظل الغلاف في مكانه؟ ربما تستطيع أيضًا أن تقلب الإناء رأسًا على عقب، دون سكب المحتويات، مثلما نرى أحيانًا في إعلانات التلفزيون التجارية.

الجواب: على الأرجح يحتوي غلاف الطعام البلاستيكي، على مناطقَ مشحونةٍ، عندما تسحب قطعة من لفافة التغليف من البكرة الموجودة في علبة التوزيع. تُركت الشحنات هناك أثناء عملية التصنيع: بحيث إن المناطق التي فيها زيادة في الإلكترونات، مشحونة بشحنةٍ سالبة، والمناطق التي فيها غياب للإلكترونات مشحونة بشحنةٍ موجبة. المناطق المشحونة بشحناتٍ ذات إشاراتٍ مختلفة، يجذب بعضها بعضًا، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل لفافة البلاستيك تنطبق ملتصقة على نفسها (وهو ما يجعلها غير قابلة للاستخدام) أو ملتصقة بالبكرة.

عندما تُوضع لفافة تغليف الطعام على إطار إناء، تنتقل الشحنة بين السطحين، فيما يُعرف ﺑ «التكهرب بالتلامس». على سبيل المثال، قد تَسحب لفافة تغليف الطعام بعض الإلكترونات من الإطار إلى الغلاف، تاركة ذلك الجزء من الإطار مشحونًا بشحنةٍ موجبة؛ حينئذٍ، فإن الغلاف المشحون بشحنةٍ سالبة، والإطار المشحون بشحنةٍ موجبة، سيجذب أحدهما الآخر.

بالإضافة إلى ذلك، فإن نوعًا من قوة الجذب بين الجزيئات، تُسمى «قوة فان دير فالس»، يمكن أن يعمل بين الإطار والغلاف. تأتي هذه القوة نتيجة تفاعل يُسبِّب فيه انفصالٌ طفيف للغاية بين الشحنات الموجبة والسالبة في أحد الجزيئات على أحد السطحين؛ انفصالًا مشابهًا للشحنات في الجزيء الأقرب إليه، على السطح الآخر. ويُقال إن كل انفصال للشحنات هو «قطبيةٌ ثنائيةٌ كهربائية»، وإن القطبين على السطحين يجذب أحدهما الآخر. وعلى الرغم من ضعف هذا الجذب فإنه يستطيع الإبقاء على الغلاف ملتصقًا بالإطار، أو يسبِّب انكماش الغلاف على نفسه.

(٣٥) الذباب على السقوف، والأبراص على الجدران

تستطيع الذبابة أن تلتصق بسطحٍ أملس؛ لأنها تُفرز زيتًا يلتصق بكل من السطح ورجل الذبابة. وبعض الخنافس يمكنها أن تلتصق بسطحٍ أملس من خلال آلية امتصاص. ولكن ماذا عن البُرص؟ إن أقدامه جافة ولا يمكنها أن تقوم بالامتصاص. ومع ذلك فإن البرص يمكنه أن يجري على جدار أملس، وأن يزحف على بعض السقوف، متحركًا إلى الأمام أو إلى الخلف. فكيف يُثَبِّت نفسه على السطح، وكيف يخلع نفسه بسرعة لكي يستطيع الجري عبْر السطح؟

الجواب: تحتوي قدم البرص على حوالي نصف مليون شعرة، تُعرف باسم «الهُلَب». وتحتوي كل هُلبة على مئات النتوءات ذات النهايات المثلَّثة أو على شكل ورقة شجر، تُعرف باسم «المِبْسَط» (لأن لها شكل المِبْسَط). عندما يضغط البرص بهلبة على الجدار، تلتصق كل هذه الشعيرات بالجدار، بقوة تُعرَف باسم قوة فان دير فالس؛ تنتج هذه القوة عن التفاعل الكهربائي الذي يسبِّب فيه انفصالٌ طفيف بين الشحنات الموجبة والسالبة على أحد سطحين؛ انفصالًا مماثلًا للشحنات الموجبة والسالبة على السطح الآخر. يُقال إن كل انفصال للشحنات هو «قطبيةٌ ثنائية كهربية»، وإن القطبين على السطحين يجذب أحدهما الآخر. يحدث هذا الترتيب في مليون نقطة أو أكثر عندما يضع البُرص قدمه على أحد الجدران. وعلى الرغم من أن كل قوة فان دير فالس ضعيفة على حدة، فإن مجموع هذه القوى على القَدم يستطيع دعم البُرص. وحتى لو كان الجدار وعرًا على المستوى المجهري، تضع القدم عددًا كافيًا من الشعيرات على الجدار لدعم البُرص.

تتخذ كل هُلبةٍ زاويةً معينة مع الجدار، ويحدث الالتصاق عندما تبقى هذا الزاوية صغيرة نسبيًّا. ولكي يزيل التصاق قدمه أثناء الجري، يخلع البُرص الهلبة عن الجدار، من خلال الابتعاد عنه بما يزيد الزاوية، ثم تبتعد الشعيرات واحدة بعد الأخرى، محررة الهلبة.

(٣٦) فطيرة المارينج

عند عمل فطيرة المارينج، يُخفَق بياض البيض أولًا، إلى أن يتماسك بعض الشيء، ثم تُخفَق معه حفنة من السكر، ويكون المزيج جاهزًا عندئذٍ، ليُضاف إلى العجين ويُخبز.

لماذا تُفسِد أيُّ كمية من صفار البيض، وإن قلَّت، فطيرةَ المارينج؟ لماذا يُخفَق بياض البيض، ولماذا يتماسك عندما يُخفَق؟ ولماذا يُفسِد الخفق الزائد عن الحد فطيرةَ المارينج؟

الجواب: يتكوَّن بياض البيض من عدة أنواع من البروتينات، وهي جزيئاتٌ ضخمة ذات بِنًى معقَّدة ثلاثية الأبعاد. يتمثل أحد أهداف خفق البياض في حل تلك الجزيئات جزئيًّا، عن طريق كسر بعض نقاط تجاذبها الداخلية الأضعف من غيرها. تتضمن الروابط الأضعف الرابطة الأيونية (حيث تَجذِب الشحنات ذات الإشارات المتخالِفة بعضها بعضًا)، وقوى فان دير فالس (حيث الشحنات الموجبة والسالبة المنفصلة في مكانٍ واحد في الجزيء، تجذب شحناتٍ موجبةً وسالبةً منفصلة في مكانٍ مجاور)، وروابط هيدروجينية (حيث يعمل الهيدروجين عمل الرابطة البينية لإبقاء ذرتَين معًا). وبمجرد حل البروتينات يرتبط بعضها ببعض، مكونة شبكة.

ثمَّة سببٌ آخر لخفق بياض البيض وهو احتجاز الهواء في هذه الشبكة. وهنا يمكن للصفار أن يفسد الحلوى؛ لأنه ثقيل جدًّا وأكثر لزوجة من أن يسمح للهواء الكافي بأن يُضاف. يريد الطاهي أن يضع المارينج في الفرن وفيه الكثير من فُقَّاعات الهواء؛ حيث ستمدد الحرارة هذه الفُقَّاعات، جاعلة الحلوى أكثر خفة. إذا خُفق بياض البيض بالطريقة الصحيحة، تُحاط فُقَّاعات الهواء بشرائح صغيرة من الماء، ترتبط بشبكة بياض البيض. ستتمدد هذه الشرائح مع فُقَّاعات الهواء المتمدِّدة، مبقية على الهواء محتجزًا في المارينج. ومع ذلك، إذا خُفق بياض البيض أكثر من اللازم، ينفصل الماء عن البروتينات، وتصبح الشبكة شديدة الجمود (مترابطة بدرجة كبيرة) بما لا يسمح بتمددها في الفرن بصورة ملائمة. وحينئذٍ فإن فُقَّاعات الهواء تنفتح فحسب؛ مما يتسبب في هبوط المارينج، وهو أمرٌ كابوسي بالنسبة للطاهي. ولتجنُّب الخفق المفرط، يتوقَّف الطاهي الخبير عن خفق بياض البيض عندما يفقد لمعانه ويصبح على وشك تشكيل قطرات من الماء.

إذا خُفق بياض البيض في وعاءٍ نحاسي، يأخذ البياض بعض ذرات النحاس، التي ترتبط بأجزاء الكبريت. ولا تستطيع هذه الأجزاء حينئذٍ أن تندمج في شبكة البروتين؛ مما يمنع الشبكة من التماسك القوي، إلى حد أنها تطرد الماء.

(٣٧) صوص برنيز

يُعَدُّ صوص برنيز صعب التحضير بصورةٍ واضحة، ويمكن أن «يسوء» تحضيره، حتى لو قام الطاهي بعمل كل شيء بالطريقة الصحيحة. إنه مزيجٌ دافئ، يتكون بصورةٍ رئيسية من الخل المخفَّف والنبيذ وصفار البيض والزبد، ويُقدَّم مع اللحوم الحمراء المشوية والدجاج والسمك والبيض المسلوق بدون قشر. يُفترض بالصوص أن يكون خليطًا متجانسًا من مكوناته، لكنه قد يفسد إذا انفصل الزبد فجأة عن باقي المكونات، مكوِّنًا تكتلات سيئة المنظر. السؤال هنا هو: لماذا يتكتل الزبد عندما يفشل تحضير الصوص؟ وما الذي يمنع الزبد عادةً من التكتل؟

الجواب: يمكن النظر إلى الصوص بإحدى طريقتين عامتين: الأولى أنه «معلق غرواني» من جسيماتٍ شبه صلبة (دهن الزبد) في سائل مكوَّن بصورةٍ أساسية من الماء وحمض الخليك (الخل). والثانية أنه أيضًا «مستحلب»؛ أي إنه انفصال لسائلَين غير امتزاجيَّين (السوائل التي لا تختلط معًا، وهي هنا دهن الزبد والماء)، مع تشكيل دهن الزبد لقطرات صغيرة في الماء.

في النموذج الغرواني، تميل قطرات الدهن إلى جذب بعضها بعضًا عبْر قوةٍ ضعيفة تُعرف باسم قوة فان دير فالس، التي تنتج عن القطبية الثنائية الكهربية (انفصال للشحنات الموجبة والسالبة) في الجزيئات. ومع ذلك، تمتلك القطرات أيضًا شحنات سالبة على سطوحها؛ لذا فبينما يتحرك بعضها نحو بعض، منذرة بالتلامس والاندماج، فإن التنافر بينها يعمل على إبقائها بعيدة. يأتي الخطر عندما يُسخَّن الصوص؛ لأن القطرات حينئذٍ تتحرك بطاقةٍ أعلى ويمكن أن تتصادم رغم التنافر الكهربي بينها. إذا بدأت القطرات بالفعل في الترابط معًا (يُسمى ذلك «التلبُّد») فقد تكون المشكلة وجود شحنة صغيرة جدًّا على سطوح القطرات. ينصح الكثير من الطهاة بمزج عصير الليمون بقوَّة مع الصوص. يكسر هذا المزج الزبد المتلبد، ويُحتمل أن يزوده عصير الليمون بشحناتٍ إضافية للإبقاء على القطرات الناتجة منفصلة.

في نموذج الاستحلاب، تكون قطرات الدهن «مُثبَّتة» (أي محفوظة في صورة قطرات، بدلًا من السماح لها بالتلبد) بفضل جزيئات الليسيتين الموزَّعة على سطوحها. لدى كل جزيء من الليسيتين، الذي يأتي من صفار البيض، طرفٌ مرتبط بالماء (يُسمى «طرفه القطبي») يمتدُّ من السطح إلى الماء. يقيم هذا الطرف روابط مع جزيئات الماء، لكي تُحاط كل قطرة دهن بطبقة من الماء مقيدة إلى الأطراف القطبية لجزيئات الليسيتين. تتداخل هذه المياه المقيدة في تلبد القطرات. إذا بدأ الصوص في التلبد، فقد لا يكون لديه الليسيتين الكافي. لذا ينصح الكثير من الطهاة، بمزج المزيد من صفار البيض في الصوص بقوة، لكسر تلبد الزبد وإمداده بالمزيد من الليسيتين.

عمليًّا، فإن الخفق الشديد وأيًّا من حَلَّي عصير الليمون أو صفار البيض سينجحان (ومِن ثَمَّ لا يعطي الحل دليلًا واضحًا على النموذج الصحيح للصوص). يعرف الطاهي الماهر أن أيًّا من الحلَّين يجب ألا يُستخدم بإفراط وإلا فسد طعم الصوص أو مظهره، حتى لو لم يكن فيه تلبد. ويعلم الطاهي الماهر أيضًا أن التسخين المفرط يخرِّب العملية؛ لأنه عند درجات حرارة عالية، تكون الحركة الحرارية للقطرات أكبر (مما يزيد احتمالية تصادم بعضها ببعض) ويتخثر صفار البيض (يصبح سيئ المنظر ولا يعود يساعد في تثبيت الصوص).

(٣٨) أحجار المغناطيس

اكتُشفت الصخور المغناطيسية التي تنشأ بصورةٍ طبيعية، المُسماة أحجار المغناطيس، قبل وقتٍ طويل، ومن أبرز مكتشفيها الصينيون الذين عاملوها في البداية على أنها بدعة، ثم أدركوا لاحقًا قيمتها في البوصلات الملاحية. كيف تصبح الصخور ممغنطة، ولماذا لا تصبح كل الصخور ممغنطة؟

الجواب: إن حجر المغناطيس عبارة عن قطعة من الحديد الخام الذي يستطيع الاحتفاظ بمغناطيسيته بعد مغنطته؛ ولذا يُعَد نوعًا من «المغناطيس الدائم». يَنتج هذا الاحتفاظ بالمغناطيسية عن تأثير كمومي تشاركي في التفاعل بين الإلكترونات الموجودة في ذرات الحديد. في الطبيعة، يمكن أن يُمغنَط الحديد الخام عبْر عمليتين: أن يُسخَّن ثم يُبرَّد في المجال المغناطيسي للأرض، وأن يكون قريبًا من تيارٍ شديد الضخامة في صاعقةٍ برقية.

في أولى هاتين العمليتين، يُسخَّن الحديد الخام في سيل من الحمم، ثم يُبرَّد. عندما يكون الحديد الخام ساخنًا جدًّا، يفقد خواصه المغناطيسية؛ لأن الطاقة الحرارية تعطل التفاعل التشاركي بين الإلكترونات. وعندما يبرد الخام ويُستعاد ذلك التفاعل التشاركي، يميل الاتجاه المغناطيسي للإلكترونات إلى محاكاة اتجاه المجال المغناطيسي للأرض في الموقع الذي يوجد فيه الخام. كلما كان ذلك الاصطفاف داخل الخام أفضل، كان حجر المغناطيس الناتج أقوى. يمكن إيجاد أحجار المغناطيس الناتجة عن هذه العملية في العروق المدفونة في مناجم الحديد، أو الظاهرة على السطح نتيجةً للتجوية.

في العملية الثانية، يمر تيارٌ كبير من البرق خلال الصخرة، أو قريبًا جدًّا منها. يصطف المجال المغناطيسي الناتج عن حركة الإلكترونات في ذلك التيار، مع الاتجاه المغناطيسي لبعض مُرَكَّبات الحديد في الصخرة، وتحافظ الصخرة على هذا الاصطفاف بعد انتهاء البرق. عادةً ما يحدث هذا النوع من حجر المغناطيس قريبًا من السطح (لأن البرق عادةً لا يخترق الأرض لأكثر من بضعة أمتار) وغالبًا ما يوجد في رُقَعٍ معزولة.

(٣٩) المجال المغناطيسي للأرض وعلم الآثار

لأن مجال الأرض المغناطيسي يتغير شيئًا فشيئًا، فإن اتجاه الشمال الذي تحدده البوصلة يتغيَّر أيضًا. ولأسبابٍ كثيرة، يريد الباحثون أن يعرفوا اتجاه الشمال المغناطيسي في أزمنةٍ معينة في الماضي، ولكن من النادر إيجاد سجلات تاريخية لقراءات البوصلة. ومع ذلك، يستفيد الباحثون من الأفران القديمة ذات الجدران الطينية، التي كانت تُستخدم في صناعة الفخار، ومن اللوحات الفنية القديمة جدًّا، مثل الجداريات الموجودة في «مكتبة الفاتيكان الرسولية»، وهي رواق شهير في الفاتيكان. كيف يمكن لفرن أو لجدارية أن يحدِّد اتجاه الشمال المغناطيسي؟

الجواب: يحتوي الطين الموجود في جدران وأرضية الأفران القديمة على أكاسيد الحديد الماجنتيت والهيماتيت. تحتوي خامات الحديد هذه في العموم على حبيباتٍ مفردة، يوجد فيها «نطاقات»، وهي مناطق تكون فيها المجالات المغناطيسية للمادة منتظمة. تتكون حبة الماجنتيت من نطاقاتٍ متعددةٍ مجهرية؛ وتتكون حبة الهيماتيت من نطاقٍ واحد، قد يكون باتساع مليمتر واحد.

عندما يُسخَّن الطين إلى عدة مئاتٍ من الدرجات المئوية (عندما يُستخدَم الفرن) تتغيَّر نطاقات كلا النوعين من الحبيبات. في الماجنتيت تتغيَّر جدران النطاقات لكي تنمو النطاقات الأكثر اصطفافًا مع المجال المغناطيسي للأرض، بينما تنكمش النطاقات الأخرى. وفي الهيماتيت تدور النطاقات لتصبح أكثر اصطفافًا مع مجال الأرض. وتكون نتيجة كلتا العمليتَين أن الطين يكتسب مجالًا مغناطيسيًّا مصطفًّا مع مجال الأرض. عندما يبرد الفرن بعد الاستخدام، يظل ترتيب النطاقات والمجال المغناطيسي للطين قائمًا، وهو تأثير يُعرَف باسم «المغناطيسية الحرارية الدائمة».

ولتحديد اتجاه مجال الأرض في آخر مرة سُخِّن فيها الفرن وبُرِّد، يحدد عالم الآثار مساحةً صغيرة على الأرضية، ويقيس بحرصٍ اتجاهها، بالنسبة إلى الأفق وإلى الشمال الجغرافي (القطب الشمالي)، ثم يُزيل ذلك القطاع من الأرضية. ثم بتحديد اتجاه المجال المغناطيسي للقطاع، بالنسبة إلى أبعاد القطاع؛ ومِن ثمَّ بالنسبة إلى موقعه في الفرن، يستطيع عالم الآثار أن يحدِّد اتجاه مجال الأرض في المرة الأخيرة التي استُخدم فيها الفرن. وإذا حُسب عمر الفرن باستخدام التأريخ بالكربون المُشِع، أو غيره من التقنيات، يعرف عالم الآثار أيضًا الوقت الذي كان فيه لمجال الأرض ذلك الاتجاه.

يحتوي العديد من اللوحات الجدارية القديمة على الهيماتيت، وأصباغ الفنانين عبارة عن معلق من موادَّ صُلبةٍ متنوعة في حامل سائل. عندما يُوضع صبغ على جدار، في أثناء عمل جدارية، تدور كل حبة هيماتيت في السائل، إلى أن تصطفَّ مع المجال المغناطيسي للأرض. وعندما يجفُّ الطلاء، تُحتجز حبيبات الهيماتيت في مكانها؛ ومِن ثمَّ تُسجل اتجاه مجال الأرض المغناطيسي في زمن رسم الجدارية.

يستطيع الباحث أن يُحدِّد اتجاه مجال الأرض في زمن رسم الجدارية، عن طريق تحديد اتجاه حبيبات الهيماتيت في الطلاء. يُلصق شريطٌ لاصقٌ قصير على جزءٍ من الجدارية، ويُقاس اتجاه الشريط بحرص، بالنسبة إلى الأفق وإلى اتجاه الشمال المغناطيسي الحالي. عندما يُنزع الشريط عن الجدارية، يحمل طبقةً رقيقة من الطلاء. في المعمل، يُوضَع الشريط اللاصق في جهازٍ معيَّن لتحديد اتجاه حبيبات الهيماتيت في تلك الطبقة من الطلاء.

(٤٠) تعقيدات التصوير بالرنين المغناطيسي

إن «التصوير بالرنين المغناطيسي» تقنية لتصوير ما بداخلِ جسمٍ ما (بشر، وحيوانات، وحفريات، وأجسام كثيرة أخرى). كانت التقنية تُسمى في الأصل «الرنين المغناطيسي النووي»، لكن يُقال إن الاسم تغيَّر إلى التصوير بالرنين المغناطيسي، عندما رضخت عيادة كليفلاند (في كليفلاند، أوهايو) للضغط الشعبي، بعد الإعلان عن التخطيط لإقامة منشأة «نووية». (لم يدرك عموم الناس على ما يبدو أن كلمة «نووية» تشير إلى الجسيمات المركزية في كل الذرات، بما في ذلك أجسامهم نفسها.)

يستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي موجاتٍ تنتمي إلى طيفٍ تردُّديٍّ مُعيَّن (يُقال إنها موجاتٌ راديوية) لاختراق الجسم، وقلب بعض البروتونات في بعض الأنوية داخل الجسم. تصطف هذه البروتونات في الأساس مع مجالٍ مغناطيسيٍّ كبير، وبعد أن تقلبها الموجات الكهرومغناطيسية، تستعيد اصطفافها سريعًا إلى حدٍّ ما. تُسجِّل أجهزة المراقبة تطور ذلك الاصطفاف، وتُحوِّل برامج كمبيوتر بالغة التعقيد هذه التسجيلات إلى صور للمواد المحتوية على هذه البروتونات. تُعدُّ هذه العملية آمنة بالكامل؛ لأن المجال المغناطيسي والموجات الراديوية لا تسبب أي ضرر. في الواقع، فإن الموجات الراديوية الصادرة من محطات الراديو القريبة، وهوائيات الاتصالات، وحتى أقمار الاتصالات الصناعية، تخترقك طوال الوقت.

إذا كانت العملية آمنة، فلماذا إذن أُصيب المرضى بحروق خلال هذه العملية، في حالات «نادرةٍ جدًّا»؟ ولماذا شعر بعض المرضى ممن لديهم وشوم ﺑ «وخز» أو «تنميل» فيما حول الوشوم، ولماذا أُصيب بعضهم بحروقٍ بالغة؟ لماذا لا يُسمَح بالعملية أو لا يُنصَح بها للمريض الذي لديه غرسات معدنية (مثل تلك التي تكون في العين، أو الجفن، أو تركيبات الأسنان، أو تحسينات معينة للثدي، أو جزء من صمام للقلب)؟ لماذا لا يُنصَح عادة بهذه العملية للشخص الذي اعتاد العمل في لحام المعادن، أو أعمال خراطة المعادن؟

الجواب: قبل إدراك الخطر، كان بعض المرضى يُصاب بحروق عندما كان يُسمح للأقطاب الكهربية الخاصة بمراقبة حالة المريض بلمسه في أكثر من نقطة. في إحدى الحالات وُصِّل مقياس تأكسُج بإصبع مريض تحت التخدير. لم يشكل ذلك التوصيل الوحيد بين الإصبع وجهاز الفحص (الذي كان خارج جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي)؛ أي خطر. ومع ذلك، حدث أن السلك الممتد من الإصبع، لمس ذراع المريض؛ حينئذٍ، فإن الجزء من السلك بين الإصبع والذراع، والجزء من الذراع بين هاتين النقطتين، عمِلا بكفاءة بمنزلة دائرةٍ موصلة كاملة. وعندما شُغلت الموجات الراديوية، صنع مجالها المغناطيسي سريع التغير تيارًا كهربيًّا في هذه الدائرة. أدَّت المقاومة الكبيرة للتيار في نقطتي التماس بين الجلد والسلك إلى حرارةٍ عالية جدًّا وحرق هناك. ومع ذلك، لأن المريض كان تحت التخدير، لم تُكتشف الإصابة إلا بعد فصل المريض عن جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي.

وحدثت إصابةٌ أخرى لمريضٍ بحروق بطريقةٍ مختلفة، عندما عمل قطبٌ كهربي «طويل» امتد إلى المريض، بمنزلة هوائي استقبال لموجات الراديو؛ نشأ مجال كهربي ملحوظ بامتداد القطب، وكان المجال في نهاية القطب قويًّا بما يكفي للتسبب في حدوث شرر أصاب المريض بحروق.

تحتوي بعض الأصباغ السوداء أو السوداء المائلة إلى الزرقاء، في الوشم أو الكحل الدائم، على «مادةٍ مغناطيسيةٍ حديدية» (أكسيد الحديد الأسود). عندما يُنقل مريض لديه مثل هذه الأصباغ، إلى مجالٍ مغناطيسي أو منه، في جهاز بالتصوير بالرنين المغناطيسي، أو عندما تتغير قوة المجال المغناطيسي، تميل المادة المغناطيسية الحديدية إلى تغيير اتجاهها، مثلما تُغيِّر إبرة البوصلة اتجاهها عندما تُوضع في مجال مغناطيسي، أو تُخرَج منه. يشعر بعض المرضى بذلك على هيئة وخز أو شد للجلد. في الحالات القليلة التي احترق فيها الجلد، كان تصميم الوشم يحتوي على دائرةٍ كاملة (أو شبه كاملة) من الأصباغ المغناطيسية الحديدية. ومن المحتمل أن تكون الموجات الراديوية قادرة على توليد تيار في مثل هذه الدائرة، ويكون التيار شديدًا بما يكفي لتسخين الجلد وحرقه.

جعلت الغرسات المعدنية تحليل التصوير بالرنين المغناطيسي معقَّدًا؛ لأنها تعمل على تشويه الصورة. وإذا كانت تتكون من موادَّ مغناطيسيةٍ حديدية، فيمكن أيضًا أن تدور مثل إبرة بوصلة، عندما يُنقَل المريض إلى المجال المغناطيسي أو منه. في الغالب لا تكون الحركة ملحوظة، ولكن تدوير صمام قلب معدني أو رصاصةٍ فولاذيةٍ مغروسة قد يكون خطيرًا. ويثير القلقَ أيضًا تحرُّك غرسات العين أو ما يعلَق بالعين من مخلفات اللحام أو خراطة المعادن. في الماضي، كانت الأجزاء المغناطيسية الحديدية المستخدمة في بعض غرسات الثدي، تميل إلى أن تسخن، بفعل التيارات الكهربية المستحثة، ومع ذلك، فإن فنيي التصوير بالرنين المغناطيسي يعون الآن هذه الاحتمالات، وقد وضعوا إرشاداتٍ توجيهية من أجل حمايتك.

قصة قصيرة

(٤١) البحث المغناطيسي عن رصاصة جارفيلد

في عام ١٨٨١، تلقَّى جيمس جارفيلد، رئيس الولايات المتحدة آنذاك، عيارَين ناريَّين، أطلقهما مهاجم في محطة للسكك الحديدية في واشنطن العاصمة. ورغم أن إحدى الرصاصتَين بالكاد خدشت إحدى ذراعيه، فقد استقرت الأخرى تحت بنكرياسه. ومع ذلك، لم يستطع الأطباء تحديد مكان الرصاصة الثانية؛ لأنهم لم يكن لديهم أي طريقة للبحث داخل الجسم دون فتحه. ولأن أحد الضلوع أدَّى إلى انحراف الرصاصة بعد دخولها إلى جسم الرئيس، لم يوفِّر الجرح نفسه أدلةً كافية حول مكان الرصاصة.

عرض ألكسندر جراهام بيل — الذي يرتبط اسمه باختراع التليفون — المساعدة، باستخدام ما أسماه «ميزان تعيين». تكوَّن الجهاز من (أ) مغناطيس كهربي يعمل بالبطارية و(ب) ملف صغير موصَّل بجهاز استقبال تليفوني (الجزء الخاص بالاستماع في التليفون في ذلك الوقت). ولأن البطارية كانت ترسل تيارًا منتظمًا عبْر المغناطيس الكهربي، صنع المغناطيس الكهربي مجالًا مغناطيسيًّا منتظمًا. أمسك بيل الملف الصغير في ذلك المجال، بحيث كان المجال متعامدًا على مستوى الملف. وإذا غيَّر المجال بطريقةٍ ما عبْر الملف الصغير، فسيظهر التيار في الملف الصغير وينتج صوت طقطقة في جهاز الاستقبال.

تمثَّلت خطة بيل في تمرير المغناطيس الكهربي والملف الصغير على جسم جارفيلد. إذا مر الجهاز فوق الرصاصة، ستغير الرصاصة كمية المجال المغناطيسي واتجاهه عبْر الملف الصغير؛ وبهذا يمكن الكشف عن الرصاصة من خلال صوت الطقطقة التي ستنتجها.

لسوء الحظ، كانت الرصاصة مصنوعة من الرصاص؛ ولذا لم تغيِّر المجال بقدْرٍ كبير (كان الفولاذ سيغيره بقدْرٍ أكبر بكثير). وأيضًا، كانت الرصاصة بعيدة جدًّا عن سطح جسم جارفيلد، بما لا يكفي للتسبب في تغييرٍ كبيرٍ في المجال. بعد محاولاتٍ عديدة، آيس بيل من البحث؛ وتُوفي جارفيلد بعد حوالي شهر.

(٤٢) المغانط والوشوم وحُلي الجسد

لماذا يستطيع مغناطيسٌ قوي أن يلتصق بجلدٍ يحتوي على وشم ذي خطوط سوداء أو سوداء مائلة إلى الزرقاء، ويجذبه؟ لطالما كانت حُلي الجسد رائجة، لكن بعض الناس يختارون تثبيتها باستخدام المغانط، بدلًا من الخضوع للثَّقب. ما خطورة ارتداء حلقات للأنف مثبتة مغناطيسيًّا؟

الجواب: عادةً ما يتم عمل الخطوط السوداء والسوداء المائلة إلى الزرقاء في الوشوم، عن طريق حقن الجلد بصبغ من أكسيد الحديد (الماجنتيت)، الذي هو مادةٌ مغناطيسية حديدية وتنجذب إلى أي مغناطيسٍ قوي. ومِن ثَمَّ، يستطيع المغناطيس القوي أن يلتصق بموضع الوشم. والأكثر غرابة، أن المغناطيس القوي قد يُسبِّب انتقال الماجنتيت خلال الأدمة، ليتجمع تحت المغناطيس، فيما بين الأدمة والبشرة.

يمكن استخدام هذا الميْل للانتقال في إزالة الوشوم. في البدء، يُستخدم ليزر يبث نبضاتٍ ضوئيةً في نطاقٍ قريب من الأشعة تحت الحمراء (يقع بالكاد خارج النطاق المرئي)، بهدف خلخلة وتشتيت أصباغ الحبر في الأدمة، وفتح الطريق نحو البشرة. ثم يُلصَق مغناطيسٌ صغير لكنه بالغ القوة فوق الوشم؛ لسحب بعض من الأصباغ المغناطيسية الحديدية إلى أعلى عبْر البشرة إلى المغناطيس حيث يمكن إزالتها؛ ومِن ثَمَّ يصبح الوشم أقل وضوحًا.

تجلَّى أحد أخطار ارتداء حُليٍّ جسديةٍ مغناطيسية في حالة فتاة أرادت ارتداء حلقاتٍ مغناطيسية كحلقات أنف. كانت كل حلقة مثبتة بمغناطيسٍ موضوع داخل المنخر، في الجهة المقابلة لجانبها الخارجي. ومع ذلك، عندما حاولت الفتاة إضافة الحلقة الثانية، انجذب المغناطيسان أحدهما إلى الآخر بقوة، وقفزا إلى الحاجز الأنفي (الجزء الفاصل بين المنخرين) في أعلى الأنف. وهناك التصقا معًا بشدة داخل الحاجز الضيق؛ مما استدعى أن تذهب الفتاة إلى غرفة الطوارئ في أحد المستشفيات لكي يُزال المغناطيسان.

(٤٣) الإفطار ومغناطيسية البقر

إذا مرَّرت مغناطيسًا قويًّا فوق لبنٍ رائب ونوعٍ معين من حبوب الإفطار، لماذا تتجمع الحبوب على المغناطيس؟ ولماذا يشيع انزلاق المغانط إلى بطون المواشي؟

الجواب: يُعلَن عن هذه الأنواع من الحبوب بوصفها «مُعَزَّزة بالحديد»؛ ما يعني أنها تحتوي على برادة حديد، لإضافة الحديد إلى غذائك. بالمثل، تحتوي بعض الأوراق المصرفية (النقود الورقية) على مركبات حديد في حبر الطباعة؛ ما يجعل الورقة تنجذب نحو المغناطيس القوي.

تهدف مغانط الأبقار إلى جمع نفايات الحديد التي تبتلعها الأبقار عرضيًّا عند تناولها للعشب أو التبن، لكيلا يتسنى لنفاية الحديد تدمير سائر الجهاز الهضمي للبقرة. ليست المغانط غالية الثمن، ويمكنك أن تجدها في متجر مستلزمات الأبقار المفضل لديك.

(٤٤) القيثارات الكهربية

عقب ظهور موسيقى الروك في منتصف خمسينيات القرن العشرين بوقتٍ قصير، تحوَّل عازفو القيثارة من القيثارات الصوتية إلى القيثارات الكهربية؛ لكن كان جيمي هندريكس هو أول مَن استوعب القيثارة الكهربية بوصفها آلةً إلكترونية. لقد سطع نجمه في الستينيات، وهو يعزف بريشته على الأوتار ببراعة، متخذًا موضعه هو وقيثارته أمام مُكبِّر الصوت بحيث يحافظ على رد الفعل الصوتي، ثم يضرب الأوتار لتصدر أصواتها فوق ردِّ الفعل ذاك. لقد دفع الروك إلى الأمام، من أنغام بودي هولي، إلى السايكدليا في أواخر الستينيات، وإلى بدايات الهيفي ميتال عند لِيد زِبلين، وطاقة فريق جوي ديفيجن المتفجِّرة في السبعينيات، وما زالت أفكاره تُلهم موسيقى الروك حتى اليوم. ما الذي يميز القيثارة الكهربية عن القيثارة الصوتية، ومكَّن هندريكس من تعظيم استفادته من هذه الآلة الإلكترونية؟

الجواب: في الوقت الذي يعتمد فيه الصوت في القيثارة الصوتية، على الرنين الصوتي الناتج في جسم الآلة، من خلال تذبذب الأوتار، تُعدُّ القيثارة الكهربية آلةً مصمتة؛ لذا ليس فيها رنين. بدلًا من ذلك، تُلتقَط ذبذبات الأوتار المعدنية بواسطة «رافعات» كهربية، ترسل إشاراتٍ إلى مضخِّم، وعددٍ من مكبِّرات الصوت.

يلتفُّ السلك الذي يصل الرافع بالمضخِّم حول مغناطيسٍ صغيرٍ موضوعٍ تحت الوتر مباشرة. يُنتِج المجال المغناطيسي الخاص بهذا المغناطيس قطبًا شماليًّا وآخر جنوبيًّا في مقطع الوتر الذي يعلوه مباشرة. يكون لدى هذا المقطع عندئذٍ مجاله المغناطيسي الخاص. وعندما يُنقر على الوتر، ويتذبذب تبعًا لذلك، فإن حركته بالنسبة إلى الملف تغيِّر مجاله المغناطيسي داخل الملف، مولدة تيارًا كهربيًّا فيه. وبينما يهتزُّ الوتر باتجاه الملف وبعيدًا عنه، يتغير اتجاه هذا التيار بالتردُّد نفسه الذي تتبعه ذبذبات الوتر؛ ومِن ثَمَّ ينقل التيار وتيرة التذبذب إلى المضخِّم ومكبر الصوت.

في القيثارة الكهربية من نوع ستراتوكاستر، هناك ثلاث مجموعات من الروافع، موضوعة عند الطرف القريب من الأوتار (في الجزء العريض من جسم القيثارة). تُعدُّ المجموعةُ الأقرب إلى الطرف القريب هي الأفضل في التقاط ذبذبات الأوتار العالية التردد، أما المجموعة الأبعد عن الطرف القريب فتعد هي الأفضل في التقاط الذبذبات المنخفضة التردد. وبوضع مفتاح تبديل على القيثارة، يستطيع العازف أن يختار المجموعة، أو المجموعتين اللتين سترسلان الإشارات إلى المضخِّم ومكبِّرات الصوت.

ومن أجل تحكمٍ أكبر في موسيقاه، كان هندريكس أحيانًا يعيد لفَّ السلك في ملفات الروافع الخاصة بقيثارته، ليغيِّر عدد اللفات. وبهذه الطريقة، كان يغيِّر كمية التيار التي تتولَّد في الملف؛ ومِن ثَمَّ يغيِّر حساسية الملف لذبذبات الأوتار.

(٤٥) مضخمات القيثارة الكهربية

لقد غيَّرت كلٌّ من فيزياء الجوامد وإلكترونيات الجوامد الحياة المعاصرة تغييرًا جذريًّا؛ فعلى سبيل المثال، اعتمدت الكمبيوترات المبكرة على صمامات مفرغة ضخمة الحجم، واحتلت مساحةَ غرفةٍ كبيرة. أما اليوم، فتعتمد كمبيوترات أقوى بكثير على ترانزستوراتٍ صغيرة في دوائرَ متكاملةٍ، ولا تشغل سوى مساحة حِجرك (أو أقل). تبدو الصمامات المفرَّغة شيئًا من الماضي، بل إنها في الواقع لم تَعُد تُدرَّس لطلاب الهندسة الكهربائية. ومع ذلك، يصرُّ كثير من عازفي القيثارة من موسيقيي الهارد روك اليوم، على استعمال مضخمات تستخدم صمامات مفرغة، ويتجنبون تلك التي تستخدم الترانزستورات. لماذا يختار هؤلاء العازفون مضخمات الصمامات بدلًا من مضخمات الترانزستورات؟

الجواب: إن الذبذبات الميكانيكية التي يصنعها العازف على وترِ قيثارةٍ كهربية تنتج ذبذباتٍ كهربيةً في ملفٍ رافعٍ موضوعٍ تحت الوتر مباشرة. يجب أن تُضخَّم هذه الذبذبات الكهربية لكي تجعل نظام مكبرات الصوت ينتج صوتًا يسمعه الجمهور. عندما راج استخدام القيثارة في موسيقى الروك في أوائل الستينيات، كانت المضخمات تستخدم الصمامات؛ لأن مضخمات الترانزستور لم تكن موثوقة بعدُ. تطور الروك إلى السايكدليا ثم إلى الهيفي ميتال، وقوَّى عازفو القيثارة مضخماتهم لكي يبهروا جماهيرهم. يسبب مثل هذا التضخيم العالي باستخدام مضخمٍ صمامي تشويشًا كبيرًا في الصوت النهائي، وسرعان ما أصبح ذلك التشوش ملحوظًا في صوت الروك.

لا تنتج مضخمات الترانزستور النوع نفسه من التشويش عندما تتم تعليتها؛ فهي تنتج صوتًا «نظيفًا» كما يُقال؛ ولهذا السبب يستبعدها عازفو الروك اليوم، لأنها لا تنتج صوت الروك «اللائق». ذات مرة، قال جيمي هندريكس؛ الذي كان أول مَن فهم القيثارة الكهربية ومضخمها، باعتبارها آلةً موسيقية مركَّبة: «إنني أحب حقًّا مضخماتي الصمامية القديمة من نوع مارشال؛ لأنه عندما يعلو الصوت تمامًا، لا يمكن لشيء أن يتفوَّق عليها …»

(٤٦) الشفق

إذا كنتَ في الخارج في ليلةٍ مظلمة، وسط مرتفعاتٍ عالية، فلربما تستطيع رؤية شفق؛ وهو «ستار» شبحيٌّ من الضوء يتدلَّى من السماء. ليس هذا الستار محليًّا فقط؛ فقد يمتد بارتفاع عدة مئات من الكيلومترات، وبطول عدة آلاف من الكيلومترات، بحيث يطوق الأرض على هيئة قوس. ومع ذلك، فإن سُمكه يبلغ حوالي مائة متر فقط. ما الذي يصنع هذا العرض الضخم، وما الذي يجعله قليل السُّمك إلى هذه الدرجة؟

الجواب: قد يرتبط الشفق أحيانًا بانفجارات شمسية إذا أثَّرت الجسيمات المنبعثة من الانفجار على المجالين المغناطيسي والكهربي في الغلاف الجوي للأرض.

يحدث الشفق عندما يتم تسريع الإلكترونات على ارتفاعات تتراوح بين ٣ آلاف و١٢ ألف كيلومتر، ثم توجيهها على امتداد خطوط المجال المغناطيسي للأرض إلى دوائر العرض الأعلى، باتجاه القطبَين المغناطيسيَّين الشمالي والجنوبي. ولأن خطوط المجال تتقارب هبوطًا نحو القطب، تنتقل الإلكترونات إلى ارتفاعاتٍ أقلَّ؛ حيث يكون الهواء أعلى كثافة، وتتصادم الإلكترونات مع ذرات وجزيئات، متسببة في إثارتها. ثم تفقد الذرات والجزيئات حالة الإثارة، من خلال بث الضوء؛ والشفق هو هذا الضوء (المرئي واللامرئي) الذي ينبعث. على سبيل المثال، ينبعث الضوء الأخضر عن ذرات الأكسجين، والضوء الزهري عن جزيئات النيتروجين. ومع ذلك، فقد يكون الضوء خافتًا للغاية، إلى حد ألَّا نلاحظ إلا الضوء الأبيض فقط، وفي بعض الأحيان، قد يبدو أن العرض يتحرك عبْر السماء، كما لو كانت الريح تحرِّكه، ولكن تلك الحركة خادعة.

ونظرًا لأن الإلكترونات يتم توجيهها عبْر خطوط المجال المتقاربة، فإنها تتقارب متجمعة في منطقة ضيقة إلى حدٍّ كبير؛ ومِن ثَمَّ فإن الذرات والجزيئات الموجودة في تلك المنطقة الضيقة هي فقط ما يشارك في بث ضوء الشفق. ومع ذلك فهذا التفسير البسيط يتنبأ بشفقٍ أكثر سماكة مما يتم رصده، ويتم الآن البحث عن تفسيراتٍ أكثر تعقيدًا.

(٤٧) التوهجات الشمسية وانقطاع الكهرباء

في الساعة ٢:٤٥ من صباح يوم ١٣ مارس ١٩٨٩، تعطَّل نظام الشبكة الكهربية بالكامل في مقاطعة كيبك الكندية، تاركًا ملايين الناس دون كهرباء في تلك الليلة الباردة. وفي الحقيقة، تعطَّل الكثير من أنظمة شبكات الكهرباء في نصف الكرة الشمالي في تلك الليلة، مشكِّلًا كابوسًا للمهندسين الذين يعملون على صيانة الأنظمة. لم يكن السبب زيادة مفاجئة في الطلب على الطاقة، ولا عطلًا ناجمًا عن معدات متقادمة. في الواقع، كان السبب انفجارًا — توهُّجًا شمسيًّا — حدث على سطح الشمس قبل ثلاثة أيام. كيف يمكن لانفجارٍ شمسي أن يعطِّل نظام شبكةٍ كهربية؟

الجواب: في التوهج الشمسي، تمتد حلقة من الإلكترونات والبروتونات خارجة من سطح الشمس. تنفجر بعض التوهجات الشمسية، قاذفة تلك الجسيمات المشحونة إلى الفضاء. في ١٠ مارس ١٩٨٩، انفجر توهُّجٌ شمسيٌّ عملاق باتجاه الأرض. وعندما وصلت الجزيئات بعد ثلاثة أيام، نقلت طاقتها إلى الغلاف المغناطيسي للأرض، وهو منطقة عالية الارتفاع، يتحكم في دينامياتها المجالان المغناطيسي والكهربي. وتحديدًا، بثت الجسيمات طاقة في «النفث الكهربي» هناك.

ولأن النفث الكهربي عبارة عن تيارٍ كهربي، فإنه يصنع مجالًا مغناطيسيًّا حول نفسه، يشمل الأرض وخطوط الكهرباء الطويلة في نظام الشبكة الكهربية. إن تأثير هذا المجال المغناطيسي على خطوط الكهرباء — أو بالأحرى، الطريقة التي تغيَّر بها هذا المجال — هو ما سبَّب المشكلة في كيبك.

عند طرف أحد خطوط الكهرباء هذه، يرفع محوِّلُ رفعٍ الجهدَ الكهربي، لكي تُنقَل الطاقة الكهربية عبْر الخط بجهدٍ كهربي عالٍ جدًّا. وعند الطرف الآخر من الخط، يخفض محوِّل خفضٍ الجهدَ الكهربي إلى القيمة المنخفضة المستخدمة في المنازل. يتكوَّن المحوِّل من ملفَّين (الملف «الأساسي» و«الثانوي») بعددٍ مختلف من اللفَّات التي تلتف حول قلبٍ حديدي. يُولِّد التيار المتردد العادي في الملف الأساسي، تيارًا متردِّدًا في الملف الثانوي، بفولتيةٍ أعلى أو أقل، تبعًا لامتلاك الملف الثانوي لفَّاتٍ أكثر أو أقل من الأساسي.

fig123
شكل ٥-٧: بند ٥-٤٧: يصنع النفث الكهربي (التيار) مجالًا مغناطيسيًّا عبْر دائرةٍ عموديةٍ مكوَّنةٍ من خطٍّ ناقل، والأرض، والأسلاك المؤرضة للمحولات (تقع داخل الأسطوانات الموجودة عند أطراف الخطوط الناقلة). تُولِّد التغيرات في المجال تيارًا مستحثًّا جيومغناطيسيًّا، خلال الدائرة.
كلا المحولين على الخط مؤرَّض؛ بمعنى أنهما موصَّلان بالأرض. عندما يصنع نفثٌ كهربيٌّ مجالًا مغناطيسيًّا، فإن المجال المغناطيسي يمكن أن يمر عبْر دائرةٍ نشطة (شكل ٥-٧) تتكون من خط الكهرباء (الجزء العلوي من الدائرة)، والخطوط الأرضية (أسفل الدائرة). ومع ذلك، فإن عبورَ مجالٍ مغناطيسيٍّ ثابتٍ لهذه الدائرة، لا يسبِّب مشكلة، بل تحدث المشكلة عندما يتغيَّر المجال.

في ليلة انقطاع الكهرباء، كان المجال يتغيَّر بحدة وبصورةٍ مفاجئة؛ لأن الطاقة الصادرة عن التوهج الشمسي تسبَّبت في تغيُّر النفث الكهربي على نحوٍ مشابه. وكلما تغيَّر مجالٌ مغناطيسي في حلقة، فإنه يصنع تيارًا في الحلقة. عندما يحدث مثل هذا التيار بسبب النفث الكهربي، يُسمَّى التيار «التيار المستحث جيومغناطيسيًّا». وهكذا، في ليلة انقطاع الكهرباء، حمل الخط الناقل تيارًا مستحثًّا جيومغناطيسيًّا كبيرًا ومتغيرًا بصورةٍ مفاجئة، إلى جانب تياره العادي.

يعتمد نقل الطاقة عبْر نظام الشبكة الكهربية على التغيرات الملائمة في الفولتية وشدة التيار عبْر النظام. وقد عطَّل وجودُ التيارِ المستحثِّ جيومغناطيسيًّا في المحوِّلات في نظام كيبك؛ قدرة المحوِّلات على نقل التيار المتردد، من المحول الأساسي إلى الثانوي. ونتج عن ذلك أن كانت الفولتية وشدة التيار في المحول الثانوي مضطربتين بشدة، ولم تعودا متغيرتين بالطريقة الملائمة؛ وقد عطَّل هذا الاضطراب نقل الكهرباء، وأحرق بعض المحولات، مسببًا تعطل النظام. واليوم، كلما انفجر توهجٌ شمسي باتجاه الأرض، حَذَّر مهندسو شبكات الكهرباء على الفور من وقوع اضطرابات بالشبكة.

يمكن أن ينشأ التيار المستحث جيومغناطيسيًّا في أي موصلٍ طويل، مثل كابلات الاتصالات، وخط الأنابيب العابر لألاسكا. في الحقيقة، لُوحظ الأمر للمرة الأولى (لكن دون أن يُفهَم) حين كانت خطوط التلغراف الطويلة تُستخدم قبل حوالي ١٥٠ عامًا: في بعض الأيام كانت الخطوط تحمل بالفعل تيارًا كهربيًّا دون أن تُوصَّل ببطارياتها كما اقتضت العادة. يمكن أن ينشأ التيار المستحَثُّ جيومغناطيسيًّا كذلك في الأرض نفسها؛ مما قد يؤثِّر على التآكل الحادث في خطوط الأنابيب الطويلة والموصلة كهربيًّا بالأرض.

في عمليةٍ مشابهة لتلك التي تُسبِّب التيار المستحَثُّ جيومغناطيسيًّا، يمكن أن يتولد التيار في الكابلات البحرية الطويلة نتيجة لحركة المياه، مثل حركة المدِّ والجزر. ولأن المياه موصلة وتتحرَّك خلال المجال المغناطيسي للأرض؛ يسري التيار الكهربي عبْر الماء (وبالتبعية خلال الكابل الموضوع في الماء)، ويكمل الدائرةَ التيارُ المرتدُّ عن قاع البحر.

(٤٨) الضفادع الطافية

يمكن أن يرتفع ضفدع (أو حيوانٌ صغيرٌ آخر) بتأثير مجالٍ مغناطيسي ناتج عن ملفٍّ لولبي (ملف من السلك الحامل للتيار الكهربي). ومع ذلك، فمن الواضح أن الضفدع ليس ممغنطًا؛ وإلا لارتطم الضفدع بالباب المعدني للثلاجة في كل مرة تقافز فيها في المطبخ. وفي وجود مجالٍ مغناطيسيٍّ كبير بما يكفي، يمكن أن تُرفَع أنت أيضًا، لكنك بالتأكيد لن تعاني من تأثير باب الثلاجة. كيف يمكن لهذه المواد البيولوجية أن تُرفَع؟

الجواب: أصبحت ضفادعُ عديدةٌ مشهورة الآن بأنها تطفو في المجال المغناطيسي لملفٍّ لولبي. (لا تعاني الضفادع من بأس؛ فالإحساس يشبه الطفو على سطح الماء، وهو ما تستمتع به الضفادع.) وُضع الملف اللولبي رأسيًّا، ووُضع الضفدع بالقرب من طرفه العلوي؛ حيث ينتشر المجال المغناطيسي من الملف اللولبي. وعلى الرغم من أن الضفدع ليس ممغنطًا في العادة، فإنه يكتسب خصائص مغناطيسية عند وضعه في مجال مغناطيسي. يُعَد الضفدع (وكذلك البشر ومواد أخرى عديدة) مادةً ذات «مغناطيسيةٍ معاكسة». في مادةٍ كهذه، يُغيِّر المجال المغناطيسي إلكترونات الذرات، مُتسبِّبًا في جعل المادة مغناطيسية؛ لذا، عندما يُوضع ضفدع في المجال المغناطيسي المنتشر أعلى ملف لولبي؛ يدفع المجال الضفدع إلى أعلى، ويرتفع الضفدع إلى النقطة التي يتعادل فيها الدفع إلى أعلى، مع السَّحب إلى أسفل بفعل الجاذبية؛ وهناك يطفو الضفدع.

إذا استعضنا عن الضفدع بمغناطيسٍ صغير، سيصبح المغناطيس الصغير غير مستقرٍّ ولن يطفو. يختلف الضفدع عن المغناطيس الصغير في أن خصائصه المغناطيسية تعتمد على قوة المجال المغناطيسي الناتج عن الملف اللولبي. على سبيل المثال، إذا تحرك الضفدع بعيدًا عن الملف، إلى حيث يكون المجال أضعف، فستضعف خصائصه المغناطيسية أيضًا، في حين لن تتغير خصائص المغناطيس الصغير.

من الممكن جعل مغناطيسٍ صغير يطفو، إذا دار وأدى حركة المبادرة مثل لعبة النحلة الدوارة. تعتمد اللعبة الممتعة التي يُسوَّق لها تحت العلامة التجارية ليفيترون، على هذه الفكرة: نحلةٌ دوارةٌ مغناطيسية تدور بسرعة، وتطفو لبضعة سنتيمترات فوق لوح سيراميك ممغنط. ومع ذلك، لأن الهواء يبطئ دوران النحلة الدوارة، يصبح معدل الدوران في النهاية بطيئًا جدًّا بما لا يسمح باستقرار النحلة الدوارة، وتسقط أخيرًا.

(٤٩) صوت الفوران الصادر من مغناطيس

اضبط مشغل أشرطة كاسيت سمعية (كانت الموسيقى تُسَجَّل سابقًا على أشرطة مغناطيسية) على وضع التشغيل دون إدخال شريط كاسيت (أو بإدخال شريطٍ فارغ) وأدرْ مفتاح التحكم في الصوت إلى أعلى درجة، ثم عرِّض رأس التشغيل لمغناطيسٍ قوي. لماذا تسبب الحركة صوت فوران في المشغل؟

الجواب: إن رأس التشغيل في جهاز الكاسيت مغناطيسية حديدية، تتكون من عدة نطاقات مغناطيسية، أو مناطق تتماثل فيها الخصائص المغناطيسية، وتنتج مجالًا مغناطيسيًّا في اتجاهٍ مُعيَّن. ومع ذلك، يختلف اتجاه المجال من نطاق إلى آخر. فعندما تُقرِّب المغناطيس من رأس التشغيل، تتغير النطاقات فجأة، لتجعل مجالاتها المغناطيسية مصطفة مع مجال الأرض المغناطيسي. وبينما تتغير مجالات هذه النطاقات، ينتج تيارٌ متغير في ملفٍّ ملفوف حول رأس التشغيل. تُضخَّم هذه التغييرات في التيار، وتُنقَل إلى مكبر صوت حيث يُسمَع صوت فوران؛ هو صوت التيار الآتي والذاهب، بينما يتغير المجال المغناطيسي للنطاقات.

(٥٠) كهرباء تسري فيك في محطة القطار

نعيش كلنا داخل المجال الكهربي للأرض؛ ما يجعل الجهد الكهربي بمحاذاة الأنف مختلفًا عنه عند القدمين. لماذا إذن لا نشعر بسريان تيارٍ كهربي في أجسامنا؟

في بعض الأحيان، كان الناس المنتظرون بالقرب من قضبان قطار يعمل بالكهرباء يلاحظون وخزًا عندما يلمسون جسمًا موصلًا، مثل أنبوب موصل بالأرض. فما الذي يسبب الوخز؟

الجواب: ليس هناك تيارٌ يسري فينا بسبب المجال الكهربي للأرض؛ لأن كثافة الجسيمات المشحونة في الهواء المحيط بنا أصغر من أن توفِّر تيارًا ملموسًا.

إذا كان القطار يعمل كهربيًّا بواسطة خطٍّ علوي، فهو على الأرجح يحمل تيارًا مترددًا. ولأن هذا النوع من التيار يتغير باستمرار، من حيث القوة والاتجاه، فإن المجال المغناطيسي الذي ينتجه في المنطقة المحيطة يتغيَّر من حيث الاتجاه والقوة أيضًا. وهذا التغيُّر في المجالات المغناطيسية الحادث في الموصلات ينتج تياراتٍ كهربية، ولكنها على الأرجح أصغر من أن يلاحظها أحد. ومع ذلك، إذا لمس الشخص جسمًا موصلًا أكبر حجمًا، مثل لافتة معدنية، فقد تكون التيارات أكبر ويمكن ملاحظتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠