الفصل السادس

البصريات

(١) أقواس قُزَح

لماذا تَظهر أقواسُ قُزَح في بعض زخَّات المطر وليس كلها؟ ولماذا تكون على شكل أقواس نصف دائرية؟ هل يُمكن أن يُشكِّل قوس قزح دائرة كاملة؟ كم يَبعُد عنا قوس قزح؛ وهل يمكنك أن تذهب إلى أحد أطرافه؟ لماذا عادةً ما تظهر أقواس قزح في الصباح الباكر فقط، أو في آخر النهار؟

في العادة، ترى قوسَ قزحَ واحدًا فقط، لكنك قد تجد اثنين أحيانًا، كلاهما عبارة عن قوس شبه دائري حول نقطة مشتركة. ما هي هذه النقطة؟ ولماذا يكون تسلسل الألوان في القوسين معكوسًا؟ ولماذا تكون المنطقة بين القوسين داكنة نسبيًّا؟ ولماذا يكون القوس العلوي أعرض وأكثر خفوتًا من السُّفلي؟

لماذا عادةً ما تكون قوائم القوس أكثر سطوعًا وحمرة من قمَّته؟ ما الذي يصنع الحِزَم الرقيقة الشاحبة التي تُرى أحيانًا تحت القوس السُّفلي مباشرةً؟

لماذا تُرى الألوان في حزمتَين فقط، وليس على امتداد السماء الماطِرة؟ إذا أمكن وجود قوس قزح ثالث، فهل يكون قريبًا من القوسين الأوَّلين؟ هل يُمكن للرعد أن يُغيِّر قوس قزح؟

الجواب: تَنتج أقواس قزح عندما تُحلل قطراتُ الماء المتساقطة ضوءَ الشمس الأبيض إلى ألوانه المتعدِّدة، مُركِّزة الألوان في حزمة؛ تُسمى حزمة قوس قزح. وبما أن ضوء الشمس الساطع يجب أن يضيء القطرات، فإن أقواس قزح لا تُرى عندما يكون الغطاء السَّحابي واسع النطاق. يتعرَّض الضوء لعملية «انكسار» (يَنحني مساره) عندما يدخل إلى قطرة ماء ويَخرج منها. ويَعتمِد مدى الانكسار على اللون؛ فمثلًا، لأن مسار الضوء الأزرق مُنحنٍ أكثر من مسار اللون الأحمر، يخرج الضوءان الأزرق والأحمر من القطرة بزاويتَين مُختلفتَين قليلًا.
fig124
شكل ٦-١: بند ٦-١.

تنطوي أقواس قزح الأكثر حدوثًا على أشعة ضوء تَدخل إلى قطرة، وتنعكس مرة عن السطح الداخلي لها، ثم تخرج باتجاهك. يُسمى قوس قزح هذا «قوس قزح الرئيسي» أو «قوس قزح من الدرجة الأولى»؛ لأن فيه انعكاسًا واحدًا يكون فيه اللون الأحمر أعلى من الأزرق. أما «قوس قزح من الدرجة الثانية» الذي يتطلَّب انعكاسين داخليَّين، ففيه تسلسل الألوان المعاكس، بسبب انطوائه على مواقع هندسية مختلفة لمسارات الضوء. يسمح الانعكاس الإضافي بنشرٍ أبعدَ للألوان داخل كل قطرة، مما يَنتج عنه قوس أعرض وأكثر خفوتًا. كما يكون القوس خافتًا لأنَّ بعض الضوء يتبدَّد عند كل نقطةِ انعكاسٍ بينما يُغادر القطرة، تاركًا للقوس ضوءًا أقل.

إنَّ كل قطرات المطر المُتساقطة المُضاءة تكسر الضوء وتفصل الألوان، ولكن تلك القَطرات الموجودة عند زوايا معيَّنة هي وحدها التي تُرسل الأشعة الملونة باتجاهك. يجب أن يكون قوس قزح الدرجة الأولى عند الزاوية ٤٢ درجة تقريبًا من «النقطة المضادة للشمس»، وهي النقطة المُقابلة مباشرة لموقع الشمس بالنسبة لك. لإيجاد قطرات المطر، وجِّه ذراعك الممدودة نحو النقطة المضادة للشمس (عند ظل رأسك) ثم ارفع ذراعك إلى أعلى، أو في اتجاه آخر بزاوية ٤٢ درجة. ستُشير ذراعك عندئذٍ إلى الموضع الذي تُعطيك القطرات فيه قوس قزح من الدرجة الأولى. ستكون قطرات قوس قزح الدرجة الثانية عند زاوية قدرها ٥١ درجة تقريبًا من النقطة المضادة للشمس.

وبما أن القطرات يجب أن تكون عند زوايا محدَّدة بالنسبة إلى النقطة المضادة للشمس، فإن أقواس قزح تشكل أقواسًا دائرية حول تلك النقطة. من موقع عالٍ، مثل طائرة، يُمكنك أن ترى دوائر كاملة. ليس لأقواس قزح مسافة حقيقية منك؛ فكل القطرات الموجودة على الزاوية المناسبة يُمكنها الإسهام في الألوان (بصرف النظر عن بُعْدها عنك). لذلك، لا يُمكنك المشي إلى نهاية قوس قزح (لإيجاد جَرَّة من الذهب). وأيضًا، قوس قزح الذي تراه شخصي؛ فالشخص الواقف بجانِبِك يرى ألوانًا من مجموعة مختلفة من القطرات.

في العادة يكون قوس قزح مرئيًّا فقط في الصباح الباكر أو آخر النهار؛ لأن النقطة المضادة للشمس تكون مُنخفِضة كثيرًا عن الأفق في منتصف النهار. ومع ذلك، فقد تستطيع رؤية قوس قزح إذا نظرت إلى الأسفل، من نقطة عالية.

أما أقواس قزح من الدرجتَين الثالثة والرابعة (تتطلَّب ثلاثة وأربعة من الانعكاسات الداخلية، على الترتيب)، فتقع في أقواس دائرية حول الشمس (بدلًا من النقطة المضادة للشمس)، لكنها تكون باهتة للغاية، بحيث لا يُمكن رؤيتها في وهج الضوء القادم من هذا الجانب من السماء. هناك تقارير نادرة عن مُشاهَدات لأقواس قزح من الدرجة الثالثة، ولكن الألوان كانت ناتجة عن البلورات الثلجية على الأرجح. ويقع قوس قزح الدرجة الخامسة (خمسة انعكاسات داخلية) بين أقواس قزح من الدرجتين الأولى والثانية، ولكنه أكثر خفوتًا من أن يُرى، مثله مثل كل أقواس قزح الممكنة الأخرى.

تكون المنطقة التي تتوسَّط قوسين من الدرجتين الأولى والثانية، مُظلمة مقارنةً بالمناطق الموجودة أسفل القوسين وأعلاهما؛ لأن القطرات في تلك المنطقة المتوسِّطة لا تُعيد توجيه أشعة الضوء إليك، بينما القطرات في الأسفل والأعلى تفعل ذلك.

عادةً ما تكون قوائم قوس قزح أكثر سطوعًا وحمرةً من قمَّته، بسبب عوامل عدة، أحدها يتعلق بحجم القطرات وشكلها. تكون ألوان قوس قزح أكثر تمايزًا في القطرات الأكبر حجمًا؛ لأن مسار الضوء الإضافي في القطرات الأكبر يسمح للألوان بالانفصال أكبر. ومع ذلك فإن مقاومة الهواء تُسَطِّح القطرات الأكبر حجمًا بينما تسقط. يمر الضوء عند القوائم عبْر مقطع عرضي دائري أفقي من كل قطرة؛ وهذا المقطع العرضي مثالي لإنتاج ألوانٍ ساطعة مُتمايزة. في قمة قوس قزح، يمر الضوء عبْر مقطع عرضي غير دائري، مما يَنتج عنه ألوان أكثر خفوتًا وأقل تمايزًا.

وقد تكون القوائم أكثر سطوعًا أيضًا؛ لأن القطرات فيها مضاءة إضاءةً أفضل بضوء الشمس الملتف تحت السُّحب المعلَّقة. وتكون القوائم أكثر حمرة إذا فقَدَ ذلك الضوء كل ألوان الطيف، ما عدا طرفه الأحمر، بينما ينتقل مسافة طويلة عبْر الهواء ليصل إلى القطرات.

إن الحِزَم الخافتة التي يُمكن رؤيتها أسفل قوس قزح الدرجة الأولى مباشرة، وفوق قوس قزح الدرجة الثانية مباشرة (في حالات أكثر ندرة)، تُسمى «الزوائد». تكشف الزوائد عن أن ألوان قوس قزح لا تُنتجها قطرات تعمل عمل منشورات بسيطة. بل إن قوس قزح هو في الواقع «نمط متداخل» تُنتجه موجات الضوء المارة عبْر كل قطرة، ثم يحدث التداخل. إن الألوان التي تراها عادةً هي الأجزاء الأكثر سطوعًا من النمط المتداخل. على سبيل المثال، ينتج الأحمر الساطع حيثما تكون موجات اللون الأحمر المتداخِلة مُترافِقة بعضها مع بعض؛ ومِن ثَم يُعزِّز بعضها بعضًا.

إذا كان للقطرات الحجم نفسه تقريبًا، فربما ترى الزوائد الباهتة. وعندما تكون القطرات متفاوتة الأحجام، تتداخَل الزوائد بقدرٍ أكبر، لا يُمكن معه تمييزها، ولا ترى إلا إضاءة بيضاء باهتة في العموم.

وعلى الرغم من أن نماذج أقواس قزح البسيطة تعمل بنجاح مع القطرات الأكبر من ٠٫١ مليمتر، فإن نماذج أكثر تعقيدًا تلزم للقَطرات الأصغر حجمًا، وما زالت قيد البحث.

يتسبب الرعد في تذبذب قطرات الماء، مما يُشوِّه الألوان أو يزيلها، وذلك بسبب تشوُّه شكل القطرات. وكذلك فإن التذبذبات الناتجة عن عصف الريح أثناء تساقط القطرات ربما تشوه الألوان، خاصة في حالة القطرات الأكبر حجمًا.

(٢) أقواس قزح غريبة

لماذا يكون بعض أقواس قزح أبيض، وبعضها أحمر؟ إلامَ ترجع ندرة الألوان وقلَّتها في أقواس قزح التي تُرى في ضوء القمر؟ ما أشكال وألوان الأقواس التي تُرى في الضباب، أو على سحابة، أو على عشب مُغطًّى بالندى؟ إذا رأيت قوس قزح على مسطَّح مائي، بينما يظهر قوس قزح آخر فوق تلك المياه، فهل الأول مجرد انعكاس للثاني؟

في حالات نادرة، يُمكن أن نرى حزمة من الألوان تبدو عمودية، مجاورةً للجزء السفلي من قوس قزح عادي. ما الذي ينتج هذه الحزمة الإضافية؟

يُنتج الضوء المرئي قوسَ قزح العادي. فهل تُنتج الأضواء تحت الحمراء وفوق البنفسجية أقواس قزح أيضًا؟

الجواب: يكون انفصال الألوان في قوس قزح أصغر في حالة القطرات الأصغر حجمًا. ويتمثل أحد أسباب ذلك في أنه في حالة القطر الأصغر، تقلُّ فرصة الألوان في الانتشار داخل القطرة. وإذا كانت القطرات صغيرة جدًّا، تتداخل الألوان لتنتج قوس قزح أبيض.

يمكن أن يظهر قوس قزح أحمر، عندما تكون الشمس مُنخفِضة. وبما أنه يتحتَّم حينئذٍ أن يقطع ضوء الشمس مسافة طويلة عبْر الغلاف الجوي، فإن الضوء المشتَّت من جزيئات الهواء على امتداد المسار يُزيل الجزء الأكبر من الطرف الأزرق في الطيف المرئي، وتصبح القطرات مضاءة بصورة رئيسة بالضوء الأحمر.

في الليل، يُمكن أن تظهر أقواس قزح في ضوءٍ من القمر، ولكنَّها تَفتقِر إلى الألوان؛ لأنَّ عينيك ترصدان الألوان بقدْر ضئيل في الظلام. تَندر ملاحظة أقواس قزح المضاءة بضوء القمر، بسبب خفوتها، ولأنَّ الناس لا يتحرون أقواس قزح في الليل.

يُمكن أن تُرى أقواس قزح في الضباب، أو على جانبَي سحابة، أو على عشب مغطًّى بالندى، ولكن يصعب تعيينها؛ لأن القطرات غالبًا ما تكون أصغر كثيرًا من أن تعطي ألوانًا مُتمايزة، وقد تضيع الأقواس في الوهج العام. إنها حِزَم بيضاء على شكل قطوع زائدة أو ناقص، بسبب منظور رؤيتك لها على سطح أفقي. يُمكنك أيضًا أن ترى قوسًا على مسطَّح مائي إذا كان سطح البِركة مغطًّى جزئيًّا بقطرات طافية.

إذا تشكَّل قوس قزح عادي فوق مسطَّح مائي، فقد ترى في الماء «قوس قزح انعكاسيًّا». ومع ذلك فهذا القوس الانعكاسي ليس انعكاسًا لقوس قزح الذي تراه فوق الماء؛ لأن مجموعة مُختلفة من قطرات المطر هي المسئولة عن تكوينِه. فلتكوين قوس قزح انعكاسي، يجب أن تدخل أشعة الضوء إلى قطرات المطر، وتَنعكِس مرةً (أو مرتَين) داخلها وتُغادِرها، ثم تنعكس عن سطح الماء إليك. تقع القطرات التي تفعل كل هذا على زوايا نظر مختلفة عن القطرات التي تعطيك قوس قزح عادي. ونتيجةً لذلك، لا يتداخَل قوس قزح الانعكاسي مع قوس قزح العادي.

fig125
شكل ٦-٢: بند ٦-٢: يستطيع الضوء الذي يعكسه الماء أن يُشكِّل قوس قزح، مركزه نقطة أعلى من قوس قزح الدرجة الأولى. هنا، تظهر قائمتا قوس قزح الإضافي فقط.
إنَّ الحزمة الرأسية الظاهرية، التي تُرى أحيانًا بالقرب من قائمة قوس قزح عادي، تَنتج أيضًا عن انعكاسٍ للضوء عن سطح الماء. ومع ذلك، ففي هذه الحالة، يَنعكِس الضوء أولًا عن سطح الماء، ثم يُضيء قطرات المطر. تقع هذه القطرات على زاوية مناسبة من منظورك، بحيث تُرسل لك أشعةً ملوَّنةً تُنتج الحزمة الرأسية (شكل ٦-٢). في بعض الحالات النادرة قد ترى قوسَ قزح إضافيًّا كاملًا يعلو قوس قزح العادي. (يُفسَّر هذا القوس الإضافي أحيانًا خطأً بأنه قوس قزح من الدرجة الثالثة.) يتمركز قوس قزح العادي حول النقطة المضادة للشمس، بينما يتمركز قوس قزح الإضافي حول نقطةٍ مزاحة فوق النقطة المقابلة للشمس، بفعل التغيُّر في الموقع الهندسي نتيجة للانعكاس. إذا كانت قوائم القوس الإضافي هي فقط الظاهرة، فقد تبدو رأسية، بينما هي في الحقيقة مُنحنية.

يُمكن أيضًا لكلٍّ من الضوءين، فوق البنفسجي وتحت الأحمر، تكوينُ حِزَم من قوس قزح. وعلى الرغم من أن هذه الحزم لا تَظهر لأعيننا وليس لها لون بالمعنى الدارج، فإنه يُمكن رصدها باستخدام معدات خاصة.

(٣) أقواس قزح اصطناعية

عندما يُنثَر الماء في ضوء الشمس المباشر بالقُرب منك، لماذا يُمكنك رُؤية قوسَي قزح متداخلَين جزئيًّا؟ حينما يُوجَّه ضوء كشاف بزاوية باتجاه الأعلى خلال مطر خفيف في الليل، لماذا يُمكنك رؤية حزمتَين ساطعتين فيه (شكل ٦-٣
fig126
شكل ٦-٣: بند ٦-٣: الحزم المُلوَّنة التي تُرى في شعاع صادر عن أحد الكشافات في ليلة ماطرة.

في بعض المواقع يُمكن أن نرى في الشارع شيئًا شبيهًا بقوس قزح، حتى حينما يكون الشارع جافًّا. ثمَّة تقارير نادِرة عن أقواس قزح شُوهدت في الوحل وفي أماكن أخرى غير متوقَّعة. ما الذي يصنع هذه الألوان؟

بإمكانك رؤية أقواس قزح صغيرة على قطرة واحدة من الماء تتدلَّى من مشبك ورق إذا سلَّطت شعاعًا من الضوء على القطرة في غرفة مظلمة تمامًا. وبقدْر من الإمعان، يُمكِنُك رؤية بُقَع ملوَّنة، هي عبارة عن أقواس قزح من الدرجات العشر الأولى (أي ما يصل إلى عشرة انعكاسات داخلية).

الجواب: عندما تكون قطرات الماء قريبة، ترى كل عين القطرات من منظور مُختلف؛ لذا ترى قوسي قزح مُتداخلَين جزئيًّا فقط. وعندما تكون القطرات بعيدة، يكون لدى عينَيك في الأساس المنظور نفسه، ويَتطابق القوسان تمامًا.

يَنكسِر الضوء الصادر من الكشاف، ويَنقسِم إلى ألوان، بفعل قطرات المطر المُتساقِطة عبْر الشعاع. تقع بعض القَطرات على زوايا صحيحة من منظورك، بحيث تُرسل أشعة قوس قزح إليك. تَرتبِط الحزمة الأبعد عن الكشاف بقَوس قزح الطبيعي من الدرجة الأولى (قوس قزح الطبيعي الأدنى)، في حين تَرتبِط الحزمة الأُخرى بقوس قزح الطبيعي من الدرجة الثانية. وبينما يدور شعاع الضوء، فإن مواقع القطرات التي تُرسِل أشعة قوس قزح إليك تتحرَّك أعلى وأسفل الشعاع؛ ومِن ثَمَّ تتحرك الحزم هي الأخرى. تكون ألوان الحزم داكنة إلى حدٍّ كبير؛ لأن عينيك لا تُحسنان رصد الألوان في الليل.

أما أقواس قزح في الشوارع الجافة، فتنتج عن الكرات الزجاجية الشفافة الصغيرة التي تُضاف أحيانًا إلى خطوط تحديد المسارات في الشارع لتَعكس ضوء السيارة إلى السائق مرةً أخرى، لكي تكون الخطوط أكثر وضوحًا في الليل. إذا انفصلت كرات كثيرة وتناثرت في الشارع، فإنها تحلل ضوء الشمس المباشر إلى ألوانه، تمامًا مثلما تفعل قطرات المطر. أما أقواس قزح الغريبة الأخرى، فمن الصعب أكثر تفسيرها، لكنها تنتج على الأرجح عن قطرات الماء، أو شذرات الزجاج، أو الجسيمات الأخرى التي تُقسِّم الضوء الأبيض إلى ألوانه.

(٤) سماء النهار ليست مظلمة

لماذا تكون السماء مُشرِقةً خلال النهار؟ بطريقةٍ ما، على ما يبدو، يُغيِّر الغلاف الجوي من مسار الضوء ويُوجِّهه نحوك. ومع ذلك، إذا كان الهواء شفافًا، فلماذا لا يمرُّ ضوء الشمس من خلاله دون أن يَنحرِف؟

غالبًا ما يُجاب عن هذا السؤال بالإحالة إلى مبدأ «تشتُّت رايلي»، وهو نموذج يُفسِّر كيفية تشتُّت الضوء من جزيئات الهواء. أشار ألبرت أينشتاين إلى أنه إذا كانت هذه الإجابة كاملةً ووافية، لكانت سماء النهار مُظلِمة.

اتباعًا لحُجَّته، لننظر إلى جزيء هواء يُشتِّت الضوء نحوك من الأعلى. لتبسيط الأمر، سنَفترِض أن ضوء الشمس له طول موجي واحد فقط، وبأنك تتلقَّى أيضًا الضوء الذي تُشتِّته الجزيئات الأخرى التي تقع على طول المسار الذي يمتدُّ من الجزيء الأول إليك. يجب عندئذٍ أن يكون أحد هذه الجزيئات في وضعٍ بحيث تصلُ الموجة الضوئية التي يرسلها لك بالتوازي على المسار المقابل تمامًا لمسار الموجة الضوئية التي يُرسلها لك الجزيء الأول. تُلغي كلٌّ من الموجتين الأخرى وتُحدِثان ظلامًا (انظر شكل ٦-٤). بما أنه، في المتوسِّط، يكون لكل جزيءٍ جزيءٌ آخر شريك يُلغي الضوء الذي يُرسله الأول نحوك؛ إذن فمن المفترض ألا تستقبل أي ضوء، وأن تكون السماء مُظلِمَة، باستثناء المنطقة التي تحيط بالشمس مباشرةً، أليس كذلك؟
fig127
شكل ٦-٤: بند ٦-٤: تُلغى الموجات الضوئية عندما يُبعثرها جزيئان يَبعُد أحدهما عن الآخر بنصف الطول الموجي.
الجواب: يتشتَّت الضوء من جزيئات الهواء وفقًا لنموذج رايلي، ومن المفترض أن تنطبق حجة أينشتاين. لكن كما أشار أينشتاين نفسه فإن السماء ليست مظلمة لأن كثافة الغلاف الجوي ليست واحدة. علاوةً على ذلك، تتحرك الجزيئات بشكل مستمر وتتراكم لفترة وجيزة، مما يَستبعد احتمالية أن تلغي الجزيئات الشريكة في أي لحظةٍ الضوءَ المشتَّت من كل الجزيئات الأخرى؛ فالسماء تكون مُشرقةً نظرًا إلى عدم تماثُل كثافة جزيئات الهواء وتفاوتها عبْر الزمن.

(٥) ألوان السماء

لماذا تكون السماء زرقاء نهارًا؟ هل يعود هذا اللون الأزرق إلى المياه أو الهَبَاء الجوي الموجودين في الهواء، أم نتيجة لجزيئات الهواء نفسها؟ ماذا سيحدث لهذا اللون الأزرق إذا كان الغلاف الجوي أسمَك أو أرفع؟ لماذا ليسَت السماء بنفسجية اللون (ذات لون أزرق داكن)؟

لماذا تكون المنطقة التي بالقرب من الأفق أكثر بياضًا من السماء القريبة؟ ما هو الجزء الأكثر زرقة في السماء؟ لماذا لا يكون للسماء لون واحد؟ هل تكون السماء زرقاء في ليلة مقمرة؟ (على الرغم من أن السماء تكون مظلمة جدًّا بحيث تعجز عيناك عن تمييز أي لون، إلا أنها قد تكون ملوَّنة.)

لماذا يكون لون غروب الشمس أحمر؟ ألا ينبغي أن تكون الألوان الأخيرة هي خليط من الأحمر والأصفر يَنتُج عنه لون برتقالي؟ لماذا يوجد أحيانًا تبايُن لوني حاد في المنطقة الحمراء من السماء؟

الجواب: تميل السماء أثناء النهار إلى الزرقة بالأساس لأن جزيئات الهواء تُشتِّت بقوة أكبر الطرفَ الأزرق من الطيف من ضوء الشمس أكثر من الطرف الأحمر. وهكذا، عندما تنظر إلى السماء بعيدًا عن الشمس، فإنك بذلك تَعترض الضوء الغالب عليه اللون الأزرق. لا يكون اللون الأزرق أزرق خالصًا؛ لأنك تعترض أيضًا ألوانًا باهتة أخرى قد شتَّتَتْها جزيئات الهواء.

على الرغم من أن اللون البنفسجي يتشتَّت بقوة أكبر من الضوء الأزرق، فلا تَبدو السماء بنفسجية لأن اللون البنفسجي الموجود في ضوء الشمس يكون أبهت من اللون الأزرق، ولأنَّ عينيك أيضًا أقل حساسية في تمييز اللون البنفسجي عنها من تمييز الأزرق.

يُطلَق على هذا النوع من التشتُّت الذي تُحدِثه الجزيئات «تشتُّت رايلي» نسبة إلى نموذج طوَّره اللورد رايلي في نهاية القرن التاسع عشر. كان اللورد رايلي مقتنعًا في البداية بأن الغاز النقيَّ (الذي لا يوجد به هباء جوي أو غبار) شفَّاف؛ ومِن ثَمَّ كان لون السماء الأزرق بالنسبة إليه ناتجًا عن تشتت الضوء من الجسيمات الصغيرة وليس من الجزيئات.

على الرغم من أن الماء وجزيئات الأوزون في الغلاف الجوي تمتصُّ الطرف الأحمر للطيف، ومِن ثَمَّ تترك الطرف الأزرق، إلا أنَّها لا تُضفي اللون الأزرق الملحوظ على السماء. يوجد القليل من الماء في الغلاف الجوي، قدْرٌ قليل لا يصنع امتصاصه فارقًا، كما أن ضوء الشمس ينتقل أثناء النهار مسافات قصيرة جدًّا عبْر طبقة الأوزون بحيث لا يَصنع امتصاص الأوزون فارقًا.

تكون السماء عند الأفق بيضاء؛ لأن الضوء القادم من الجزيئات البعيدة يَخضع لتشتُّت مُتعدِّد قبل أن يصل إليك. ترسل الجزيئات الأقرب الضوء الأزرق في اتجاهك كما تفعل الجزيئات الأبعد. ومع ذلك، فإن المسافة الطويلة التي يقطعها الضوء من الجزيئات الأبعد يَعني أنه يَخضع لتشتُّت إضافي، بينما يُصبح المكوِّن الأزرق أضعف. يَغلب اللون الأحمر أخيرًا على هذا الضوء ويَمتزِج مع الضوء الذي يَغلب عليه اللون الأزرق القادم من الجزيئات الأقرب ليَخلُقا اللون الأبيض للأفق.

تكون سماء الليل زرقاء، إلا أن الضوء يكون شديد الخفوت بحيث لا يميِّز جهازك البصري لونه. ومع ذلك، يُمكن أن يظهر اللون الأزرق في الصور الفوتوغرافية ذات زمن التعرُّض الطويل.

عندما ترى غروب الشمس، فإنك تعترض الضوء الذي قطع مسافة طويلة عبْر الغُلاف الجوي للأرض بدلًا من الضوء الذي يَنتقل من الشمس إلى الأسفل عبْر الغلاف الجوي مُباشرة. تُشتِّت جزيئات الهواء الطرف الأزرق من الطيف على مدار هذه المسافة الطويلة، تاركةً بصورة رئيسية الطرف الأحمر والأصفر من الطيف موجَّهَين نحوك. من المفترض أن تكون ذروة شدة اللون عند طول موجي يبلغ حوالي ٥٩٥ نانومترًا، ولا بد أن يكون اللون الصافي برتقاليًّا. ومع ذلك، يميل اللون في أغلب حالات غروب الشمس أكثر إلى اللون الأحمر؛ وذلك لأن الجسيمات الصغيرة في الغلاف الجوي تُساعد في تشتيت جميع الألوان ما عدا اللون الأحمر.

أحيانًا، قد يكون هناك انقسامٌ حادٌّ في ألوان السماء أثناء غروب الشمس إذا شاهَدْتَه خلال فترة من فترات «الانقلاب الحراري» التي تزداد فيها درجة حرارة الهواء مع الارتفاع. وعندما يمر الضوء الموجود بالقرب من غروب الشمس عبْر مثل هذا التباين في درجة حرارة الهواء، ينكسر ولا تعترض أنت مساره. إلا أنك لا تزال تعترض الضوء القادم من أجزاء مُنخفِضة قليلًا وأخرى مرتفعة قليلًا من السماء، ولكن نظرًا لوجود جزء مفقود في المشهد الذي تراه، لا يمتزج لون الجزء السفلي مع لون الجزء الأعلى من السماء بسلاسة.

(٦) الجبال الزرقاء والبيضاء والغيوم الحمراء

لنفترض أنك تَفحص ألوان سلسلة من الجبال المظلمة التي تمتدُّ بعيدًا. لماذا تكون الجبال الواقعة على مسافة مُتوسِّطة زرقاء اللون والجبال الأبعد قليلًا أكثر زرقة، بينما يكون لون الجبال التي تظهر على امتداد خطِّ الأفق أبيض؟ لماذا تَصطبغ الحقول الثلجية البعيدة بعضَ الشيء، والمعرَّضة للضوء المبهر، باللون الأصفر أحيانًا؟ لماذا تكون الغيوم البعيدة جدًّا حمراء اللون أحيانًا؟ قد تظن أن هذا التلون يحدث فقط أثناء غروب الشمس عندما تكون بعض أجزاء السماء حمراء، ولكن يمكن أن يحدث ذلك أيضًا حتى عندما تكون الشمس في كبد السماء.

الجواب: كما هو موضَّح في الجواب السابق، تكون الجبال الواقعة على مسافة متوسِّطة زرقاء اللون؛ لأن الهواء الموجود بينك وبين الجبل يُشتِّت الطرف الأزرق من الطيف نحوك أكثر من الطرف الأحمر؛ ومِن ثَمَّ ترى المشهد المظلم للجبل يتخضب باللون الأزرق. وإذا كان أحد الجبال أبعدَ قليلًا، يكون هناك المزيد من الهواء بينك وبين الجبل ليُشتِّت الضوء الغالب عليه اللون الأزرق؛ ومِن ثَمَّ، تكون الصبغة الزرقاء أكثر وضوحًا. أما إذا كان الجبل يقع على خطِّ الأفق، فسيبدو أبيض اللون لنفس السبب الذي يجعل أفق السماء نفسها تبدو بيضاء اللون (انظر البند السابق).

إنَّ لون الحقول الثلجية البعيدة المضاءة بضوء ساطِع يَختلِف عن لون الجبل الواقع على المسافة عينها؛ لأنَّ الحقل الثلجي يُشتِّت الضوء الأبيض نحوكَ بينما لا يفعل الجبل ذلك. وبينما يَنتقِل الضوء المُشتَّت من جانب الحقل الثلجي نحوك، فإنَّ الطرف الأزرق من الطيف يَضعُف بسبب التشتُّت الناتج عن وجود جزيئات الهواء في الطريق، ويَميل اللون الأصفر على الهيمنة على الضوء الواصل إليك. ومع ذلك، تُرسل إليك جزيئات الهواء المضيئة التي تقع بينك وبين الحَقل الثلجي ضوءًا يَغلِب عليه الطرف الأزرق من الطيف. ويَنتُج عن امتزاج الضوء الغالب عليه اللون الأزرق من جُزيئات الهواء بالضوء الغالب عليه اللون الأصفر والأحمر من الحقل الثلجي، ضوء أبيض ذو صِبغة صفراء.

تمامًا كالحقول الثلجية البعيدة، تُشتِّت السُّحب البعيدة الضوءَ الأبيض الساطع تجاهَك، وهو ما قد يَجعلك تظن أن السُّحب سيكون لها نفس الصبغة الصفراء. ومع ذلك، يُمكن أن يكون لإحدى السُّحب البعيدة لون أحمر مَلحوظ. ويعود هذا الاختلاف في التلوُّن إلى قدرتك على رؤية السُّحب التي تقع على مسافات أبعدَ مِن الحقول الثلجية. تعني المسافة الإضافية أن الضوء القادم من السُّحب يَخضع إلى المزيد من التشتُّت بواسطة جزيئات الهواء التي تُضفي الصبغة الحمراء على هذا الضوء.

(٧) علامة الخطر بالنسبة للبحارة

هل المثَل الشائع «تُبهِج سماء الليل الحمراء قلوبَ البحَّارة، أما سماء الصباح الحَمراء فتُنبِّئهم بالخسارة» صحيح؟

الجواب: قد يكون هناك شيء من الصحة في هذا المثل حين تَقترِب العواصف من جهة الغرب وتُكوِّن ما يُعرَف باسم «نظم العواصف». إذا كانت السماء جهة الغرب حمراء عند الغروب، تكون المنطقة الغربية خالية مِن غيوم العواصف التي مِن شأنها أن تحجُب أشعة الشمس التي تحفُّ انحِناء الأرض، وعلى الأرجح ستتمتَّع بطقس جيِّد لبضعة أيام. ومع ذلك، إذا كانت السماء جهةَ الشَّرق حمراء عند شروق الشمس، تكون المنطقة الشرقية خاليةً من غيوم العواصف، وقد تأتي العاصفة التالية من الغرب في وقت قريب.

(٨) غروب الشمس والبراكين

لماذا تَجعل الانفجارات البركانية ألوانَ غروب شمس أخَّاذةً في جميع أنحاء العالم؟ على ما يبدو، كانت حالات الغروب الفريدة هذه هي مصدر الإلهام في العديد مِن لوحات الرسام النرويجي إدفارد مونك، بما في ذلك لوحتُه الشَّهيرة «الصرخة»، التي تُصوِّر شخصًا يُعاني من يأسٍ وجودي وتَصطبغ السماء بلونٍ أحمر دامٍ مِن خلْفه. كان مونك قد شاهد غروب الشمس بألوانه الأخَّاذة في موطنِه في النرويج بعد ثورة بركان جزيرة كراكاتوا بالقُرب من جاوة في عام ١٨٨٣. قذَف هذا الانفجار البُركاني بالرماد في الغلاف الجوِّي العُلوي، وانتشر الرماد في جميع أنحاء العالم. لا بد أن مونك قد وجد مشهد غروب الشمس مُخيفًا ومُنذِرًا بالخطر عندما وصَل الرماد إلى دوائر العرض الشمالية العُليا للنرويج.

الجواب: يُشكِّل الرماد والجسيمات الأخرى التي تتصاعَد بفعل ثورة البركان طبقةً على ارتفاع حوالي ٢٠ كيلومترًا. يُكوِّن جزء من هذه الموادِّ ثاني أكسيد الكبريت الذي يتفاعل مع الأوزون عند هذا الارتفاع، مُكوِّنًا الكبريتات التي تترسَّب بعد ذلك لتُشكِّل الهباء الجوي.

هذه الطبقة من الرماد والهَبَاء الجوي تُغلِّف الأرض. والألوان التي تراها في السماء عند غروب الشمس هي مَزيج من أشعة الشمس المشتَّتة من تلك الطبقة ومِن جزيئات الهواء الموجودة أسفلها وأعلاها. يَميل الضوء الذي يَصل إليك «من أسفل الطبقة» إلى اللون الأحمر لأنَّه يمرُّ عبْر الجزء الكثيف من الغلاف الجوي؛ حيث يفقد الكثير من اللون الأزرق بسبب التشتُّت الناتج عن وجود جزيئات الهواء الوفيرة على طول مساره. يمرُّ الضوء الذي يصل إليك من هذه الطبقة أيضًا عبْر الغلاف الجوي المُنخفِض، ولكنه قد يَخسر بعضًا من ضوئه الأحمر لعملية امتصاصِه من قِبَل الأوزون. يمرُّ الضوء الذي يَصِل إليك من أعلى الطبقة عبْر هواءٍ أرقَّ ولا يَخسر سوى القليل من لونه الأزرق. عندما تنظر إلى السماء في وقت غروب الشمس، يُمكنك اعتراض/مواجهة الضوء بمجموعة متنوِّعة من الألوان المُذهِلة التي يُمكن أن تَختلِف في كل جزء من أجزاء السماء وتَختلِف أيضًا من ليلة لأخرى. وبما أنه من المُمكن أن يستمر وجود الهَبَاء الجوي والرماد البركاني لأَشهُر، يستمرُّ الغروب الأخاذ بدوره في الحدوث.

إذا حجبت السُّحب البعيدة الموجودة أسفل الأفق الغربي بعضًا من الضوء الذي يصل إلى الطبقة السُّفلى من الطبقة، سترى تنوُّعات أفقية في اللون قد ينتج عنها ظهور الغروب بتوزيعات لونية مختلفة بصورة لافتة للنظر على الجانب الأيمن والأيسر من الشمس.

(٩) حلقة الأسقف

في أغسطس عام ١٨٨٣، حدث انفجار بركاني ضخم في جزيرة كراكاتوا بالقرب من جاوة، جنوب شرق المحيط الهادي. وفي شهر سبتمبر من نفس العام، وصَف القسُّ سيرينيو، أحد أساقفة هونولولو، ظهور «هالة غريبة ممتدة من الضوء تبعُد عن الشمس من عشرين إلى ثلاثين درجة كنا نراها في السماء كل يوم وطوال اليوم، وكانت عبارة عن ضباب أبيض يَصطبِغ باللون الوردي الذي يتدرَّج إلى اللون الأرجواني الفاتح أو البنفسجي، ومن خلفها يظهر لون السماء الأزرق.» ما الذي يتسبب في ظهور هذه الهالة التي تُعرف الآن باسم «حلقة الأسقف»، والتي غالبًا ما تصاحب حدوث الانفجارات البركانية الكبيرة؟ وما الذي يحدِّد حجم الهالة ولون إطارها؟

الجواب: يرجع السبب في تكوُّن حلقة الأسقف إلى «انكسار» الضوء الذي تتسبَّب فيه الجسيمات الصغيرة التي يَقذفها البركان إلى الغلاف الجوي العلوي (الانكسار هو نوع من أنواع تشتُّت الضوء؛ وهو يَعني في هذا السياق أن الجسيمات الصغيرة تنشر الضوء الأبيض فيُظْهِرُ ألوانه المختلفة). تستقر الجسيمات الأكبر الناتجة عن ثورة البركان خارج الغلاف الجوي، ولكن الجسيمات الصغيرة تظلُّ عالية وتَنتشِر حول العالم بواسطة الدوران الجوي على ارتفاعات عالية. عندما تنظر إلى جانب الشمس، بالإضافة إلى ضوء السماء الطبيعي، فإنك تَعترِض أيضًا الضوء الذي انكسر متجهًا نحوك بفعل هذه الجسيمات الصغيرة. يَصنع هذا الضوء الإضافي منطقة دائرية هائلة السطوع حول الشمس، كما لو كانت تُوجد حلقة حول الشمس.

يعتمد حجم الحلقة على مدى انكسار الضوء، الذي يكون أكبر بالنسبة للجزيئات الأصغر. يمكن أن تكون حافة الحلقة حمراء لأن الضوء الأحمر، ذو الطول الموجي الأطول في الطيف المرئي، يكون أكثر انكسارًا (انتشارًا). وهكذا، يمكن للجسيم الموجود على حافة الحلقة إلى يمينك، مثلًا، أن يُشتِّت الضوء الأحمر ويوجهه نحوك، لكن ليس الضوء الأزرق الأقل تشتُّتًا. ومع ذلك، يمكن أن تكون حافة الحلقة بنفسجية اللون إذا اعترضَت كلًّا من الضوء الأحمر المنكسر والضوء الأزرق الطبيعي للسماء عند حافة الحلقة. تتمتَّع الحلقة بحافةٍ أكثر وضوحًا وثراءً بالألوان إذا كانت جميع جزيئات الغبار لها الحجم نفسه تقريبًا، ومِن ثَمَّ تُشتِّت الضوء بالطريقة نفسها. أما إذا كان للحلقة مجموعة واسعة من الأحجام المختلفة لجزيئات الغبار، تكون الحلقة خفيفة ومائلة إلى البياض.

(١٠) الانحناءات التي تُميِّز التباين بين السُّحب

أثناء رحلتك الجوية القادمة، افحَص شكل السُّحب بالقرب من النقطة المقابلة للشمس مباشرة. من المحتمل أن ترى المزيد من الأشكال في السُّحب في المنطقة التي تقع بزاوية مقدارها حوالي ٤٢ درجة من النقطة المقابلة للشمس أكثر من المناطق الموجودة خارج هذه المنطقة. فلماذا تتغيَّر أشكال السُّحب هكذا؟

الجواب: يُمكنُك تمييز أشكال في السحاب عندما يكون هناك تبايُن جيِّد بين المناطق التي تُشتِّت أشعة الشمس المشرقة والمناطق المُجاورة التي تُغطِّيها السُّحب. يحدث أكثر صور تَشتُّت الضوء سطوعًا بواسطة قطرات الماء الموجودة في السحاب بزاوية ٤٠ درجة مئوية من النقطة المقابلة للشمس، وهكذا ترى التباين الأفضل في تلك المنطقة.

(١١) ألوان السماء أثناء كسوف الشمس

لماذا يَتحوَّل الأفق خلال كسوف الشمس الكامل إلى اللون الأحمر بينما تُصبح السماء العلوية أكثر زرقةً مما هي عليه قبل الكسوف أو بعده؟

الجواب: عادةً، يكون لون الضوء القادم من اتجاه الأفق أبيض. تُشتِّت جزيئات الهواء التي لا تبعد عنك كثيرًا الضوء الأزرق في اتجاهك أكثر من الضوء الأحمر، بينما تُشتِّت جزيئات الهواء الأكثر بُعدًا نفس التوزيع اللوني تجاهك، ولكن نظرًا لأن الضوء لا بد أن يقطع مسافة أكبر للوصول إليك، فإنه يَفقِد الكثير من لونه الأزرق بسبب عمليات التشتيت التي تُحدثها جزيئات الهواء الأُخرى على طول الطريق؛ ومِن ثَمَّ تساهم الجزيئات الأقرب بالضوء الأزرق، بينما تساهم الجزيئات الأبعد بالضوء الأحمر، وبما أن المزيج يبدو أبيض اللون، يبدو الأفق أبيض اللون كذلك. ومع ذلك، عندما تكون في الظل الذي يحدثه الكسوف الشمسي الكامل، لا تكون الجزيئات القريبة مضيئة، فلا تتلقَّى سوى الضوء الأحمر القادم من الجزيئات البعيدة، وهكذا يبدو الأفق أحمر اللون.

تكون السماء أكثر زرقة أثناء الخسوف الكلي؛ لأن الظل يُلغي الضوء الذي يتشتَّت نحوك من الجزء السفلي من الهواء العلوي. يصطبغ هذا الضوء عادةً باللون الأحمر؛ لأنه حتى يصل الضوء إلى الهواء العلوي، فإنه ينتقل عبْر الجزء الأكثف من الغلاف الجوي. يفقد الضوء على طول الطريق الكثير من لونه الأزرق بسبب التشتُّت الذي تُحدثه جزيئات الهواء الوفيرة التي يتعرض لها في طريق، وهكذا، عندما يتشتَّت نحوك أخيرًا من الهواء العلوي يكون اللون الغالب عليه هو الأحمر. أما الضوء الذي يتشتَّت نحوك من الجزء الأعلى من الهواء العلوي، فينتقل عبْر الجزء الأقل كثافة من الغلاف الجوي، ويُقابل عددًا أقل من الجزيئات؛ ومِن ثَمَّ يفقد قدْرًا أقلَّ من لونه الأزرق. وهكذا، عندما يتشتَّت أخيرًا متجهًا نحوك من الهواء العلوي، يكون لا يزال محتفظًا بمعظم لونه الأزرق. يكون لون السماء العلوية عادة مزيجًا من الضوء الأحمر من الهواء السفلي، والضوء الأكثر زرقة من الهواء الأعلى. ومع ذلك، يلغي الكسوف الضوء الأحمر، وبذلك تصبح السماء العُلوية أكثر زرقة من المعتاد أثناء الكسوف.

(١٢) عندما يتحول لون السماء إلى اللون الأخضر، اختبئ في القبو

عندما كنت صغيرًا وكنت أعيش في تكساس، كانت جدتي تأخذنا دائمًا إلى القبو كلما حوَّلت عاصفة شديدة لون السماء إلى الأخضر؛ لأنها (وآخرين) اعتقدت أن اللون الأخضر يشير إلى احتمال حدوث إعصار. لماذا يتغيَّر لون السماء إلى هذا اللون بدلًا من أن تُصبح مُظلِمة فحسب؟

fig128
شكل ٦-٥: بند ٦-١٢: يَفقد الضوء القادم من شمسٍ منخفضة الطرَف الأحمر من الطيف في السحاب، ولا يبقى سوى الضوء الأخضر.
الجواب: لا بد أن تتوفَّر سمتان ليتكون اللون الأخضر في السماء: (١) لا بد أن يكون الضوء الساقط قد فقَدَ طرفه الأزرق من الطيف المرئي نتيجة تشتُّته بواسطة جزيئات الهواء؛ ومِن ثَمَّ فلا بد أنه يأتي من شمسٍ منخفضة. (٢) عندما يمر هذا الضوء عبْر قطرات الماء الموجودة في سحابة من السُّحب، يمتص الماء الطرف الأحمر من الطيف المرئي. إذا كانت لأجزاء من السحابةِ السماكةُ المناسبة (كما هي الحال في العواصف العاتية)، يظهر ضوء يُمكن تمييزه من السحابة التي يكون طرفاها الأحمر والأزرق من الطيف المرئي مُستنزَفان، وبذلك يظهر هذا الضوء باللون الأخضر أو الأخضر والأصفر، وهي الألوان المتبقية في الطيف المرئي (انظر شكل ٦-٥).

(١٣) تعزيز زرقة السماء العلوية

لماذا تتحوَّل السماء العلوية إلى اللون الأزرق أثناء غروب الشمس؟ ألا يجب أن تُصبح حمراء لأن غروب الشمس أحمر؟

fig129
شكل ٦-٦: بند ٦-١٣: يُصبِح ضوء الشمس الذي يمرُّ عبْر الغلاف الجوي السفلي أحمر. ويُصبح ضوء الشمس الذي يمر عبْر طبقة الأوزون أزرق.
الجواب: أثناء غروب الشمس انتقل الضوء الذي يتشتَّت نحوك من السماء إلى تلك المنطقة على طول مسار مائل طويل عبْر الغلاف الجوي وعبْر الأوزون أيضًا في طبقة الستراتوسفير (شكل ٦-٦). وبما أن الأوزون يمتصُّ الطرف الأحمر من الطَّيف، وبما أن الضوء يَنتقِل عبْر الأوزون حتى الآن، يُصبح اللون الأزرق هو اللون الغالب على هذا الضوء حتى قبل أن يتشتَّت نحوَك. يُعزِّز هذا اللون الأزرق السماء العلوية الزرقاء أصلًا فيَجعلها أكثر رزقة أثناء غروب الشمس، خاصة بعد حوالي ٢٠ دقيقة من اختفاء الشمس خلفَ الأُفق.

(١٤) الرقعة الداكنة والحدود الوردية التي تظهر أثناء وقت الغروب

لماذا تَرتفِع رقعة داكنة من الأفق جهة الغرب أثناء غروب الشمس (شكل ٦-٧أ)؟ ولماذا غالبًا ما يكون الطرَف العلوي للرقعة، والذي يُسمى «حزام فينوس»، أحمر أو برتقالي اللون؟ ولماذا يكون الجزء الداخلي من الرقعة أزرق باهتًا في بعض الأحيان؟
fig130
شكل ٦-٧: بند ٦-١٤: (أ) ترتفع رقعة داكنة جهة الشرق أثناء الغروب. (ب) يشكل الضوء الأحمر حدودًا لظل الأرض في السماء. يَصطبِغ الجزء الداخلي من الرقعة بضوء أزرق باهت.
الجواب: الرُّقعة المُظلِمة هي ظل الأرض المنعكس على الغلاف الجوي؛ يرتفع الظل جهة الشرق بينما تَنخفِض الشمس جهة الغرب. تُضاء قمة الظل بالضوء الذي يحمرُّ لونه أثناء انتقاله الطويل عبْر الغلاف الجوي؛ حيث تُشتِّت الكثير من جزيئات الهواء اللون الأزرق من ضوء الشمس (شكل ٦-٧ب). يتشتَّت نحوك مرة أخرى عندئذٍ بعض الضوء الذي يصل إلى قمَّة الظل؛ ومِن ثَمَّ يبدو لون القمة أحمر.

يوجد العديد من الأسباب التي تجعل اللون الداخلي للظل أزرق؛ أولًا: لا يمكن أن يكون الضوء الذي يأتي من داخل الظل قادمًا مباشرة من الشمس، ولكن لا بد أن يتشتَّت هناك بفعل الهواء العالي الارتفاع الذي يكون لا يزال مضاءً بشكل مباشر. ونظرًا لأن الهواء العالي الارتفاع يكون رقيقًا، فلا يفقد هذا الضوء الكثير من اللون الأزرق مثل الضوء الذي يَنتقِل عبْر الهواء المُنخفِض الارتفاع. إذا انتقل الضوء بدرجة كبيرة عبْر طبقة الأوزون، فإنه يصبح أكثر زرقة؛ لأن الأوزون يمتص الطرف الأحمر من الطيف. يتشتَّت بعض هذا الضوء الغالب عليه اللون الأزرق في الظل ثم يتشتَّت نحوك. يمكنك في بعض الأحيان رؤية هذا الضوء الخافت الغالب عليه اللون الأزرق لأن خلفية الظل تكون مُظلِمة.

(١٥) أعمدة ساطعة ومظلمة في السماء

عندما تكون الشمس منخفضة في بعض الأحيان، تمتد أعمدة ساطعة ومظلمة عبْر السماء على شكل مروحي، وتتباعَد عن السُّحب الموجودة بالقُرب من الشمس أو تتقارَب نحو السُّحب الموجودة بالقرب من النقطة المُقابِلة للشمس تمامًا. إذا كنت محظوظًا للغاية، فقد ترى أعمدة من الضوء تَنتشِر فوق معظم السماء. لماذا تظهر هذه الأشعة؟ ولماذا لا تكون متوازية؟ ومع ذلك، فالشمس بعيدة جدًّا بحيث تكون أشعة الشمس متوازية تقريبًا.

الجواب: يُطلَق على هذه الأشعة مجموعة متنوعة من الأسماء، بما في ذلك «أشعة الشمس» و«أشعة بوذا» و«أصابع بوذا». تكون الأشعة مُتوازية تقريبًا، ولكنها تبدو مُتباعِدة أو متقاربة طبقًا لمنظور رؤيتنا. (يُمكن توهُّم رؤية تَقارُب مُماثل إذا نظرت بطول مسارات السكك الحديدية المُستقيمة التي تمتدُّ لمسافات طويلة أمامك.) عادةً ما تتشكَّل أعمدة الضوء عندما تُلقي السُّحب القريبة من مجال رؤيتِك للشمس بظِلالها عبْر السماء. إذا كانت تُوجد سحابة صغيرة واحِدة فقط، سيكون ظلها عبارةً عن عمود مُظلِم، أما إذا كانت السُّحب أكثر امتدادًا، فسترى أعمدة من الأشعة الساطعة نتيجةً لتغلغُل الضوء عبْر المساحات الفارغة في السُّحُب. (في بعض الأماكن، يمكن أن تتشكل الأعمدة عندما يتسلَّل الضوء عبْر قمم الجبال.) يتشتَّت حينئذٍ بعض الضوء نحوك من الغبار أو المطر أو الثلج أو الهَبَاء الجوي أو من جزيئات الهواء التي تكون موجودة على طول مسار الضوء؛ يُمكنك رؤية أعمدة الضوء الساطع وتمييزها نتيجة لتبايُنِها مع المناطق المتوسطة الإضاءة من الظل.

تصعب رؤية أعمدة الضوء التي تكون فوق رءوسنا مباشرة؛ لأن من هذا المنظور سننظر عبْر عرضها الضيق؛ ومِن ثَمَّ نَعترِض فقط القليل من الضوء المشتَّت. تسهل رؤية الأعمدة عندما ننظر تجاه الشمس أو إلى النُّقطة المقابلة للشمس مُباشرة؛ لأنَّنا حينئذٍ ننظر إليها بطول امتدادها نسبيًّا. يعني هذا أنك تَعترِض المزيد من الضوء المشتَّت مما يُعزِّز من التباين مع الظلال.

تُرَى أعمدة ضوء مشابهة عندما تمر أشعة الشمس الساطعة المباشرة عبْر هواء معبَّأ بالأَتربة في غرفة ذات إضاءة خافتة. يُمكننا رؤية أعمدة الضوء هذه لأن الغبار يُشتِّت الضوء نحوك ولأن هذا الضوء المشتَّت لا يَضيع في الضوء الساطع المعتاد الذي يَنعكس من الأثاث الموجود خلف أعمدة الضوء.

(١٦) الشبورة الزرقاء والحمراء والبنية

بعض الجبال ذات الغطاء النباتي، مثل جبال بلو ريدج في ولاية تينيسي الأمريكية، و«الجبال الزرقاء» في أستراليا، تُعرَف بشبورتها الزرقاء. لا تكون الشبورة بسبب الدخان؛ وذلك لأن تلك المناطق تكون غير مأهولة نسبيًّا، كما لا تكون بسبب الغبار الذي تَحمله الرياح؛ وذلك لأن اللون الأزرق يختفي أثناء الرياح القوية. كما أنها ليست ضبابًا كذلك؛ لأنها تكون أوضح خلال الطقس الحار. فما الذي يُنتِج هذه الشبورة الزرقاء؟

في بعض الأحيان، عندما يكون المُحيط أو الأرض مُغطَّيان بالشبورة، فقد يكون هذا السطح غير مرئي مِن طائرة تُحلِّق على ارتفاعات عالية. لماذا تكون هذه الشبورة غالبًا حمراء اللون؟

لماذا تكون الشبُّورة في المدينة بُنيَّة اللون عادةً؟ هل يَرجع اللَّون إلى امتِصاص جسيمات الشبورة لألوان معيَّنة؟ أم هل تَشتُّت الضوء الحادث بسبب الجسيمات يترك ضوءًا بنيًّا؟ هل يَعتمِد اللون على ألوان الخلفية التي تنظر إلى الشبورة مقابلها؟

إذا نظرت نحو الشمس عبْر شبورة كثيفة، لماذا تكون الشمس محطَّة بمنطقة بيضاء ساطعة؟ ولماذا تكون المنطقة المُحيطة بالشمس حمراء اللون أحيانًا؟

الجواب: تعود الشبورة الزرقاء إلى الهَبَاء الجوي الذي يُنتَج عندما يُطلِق الغطاء النباتي جزيئات كبيرة، مثل التيربينات. كما قد تُطلَق جزيئات الشمع من النهايات الحادَّة لإبر الصنوبر ومن أسطح النباتات الأخرى عندما تتكوَّن حقول كهربائية قوية أثناء مرور سُحُب مشحونة كهربيًّا. في كلتا الحالتَين، تكون الجُسَيمات صغيرة بما يَكفي بحيث إنها تُفضِّل تشتيت الضوء الأزرق نحوَكَ مِن ضوء الشمس الذي يُضيئها، تاركة المنطقة من حولها على شكل شبورة زرقاء.

أما الشبورة الحمراء فيُحتمَل تكوُّنها بسبب الغبار والهَبَاء الجوي الأكبر حجمًا نسبيًّا (يكون قُطره حوالي ٠٫١ ميكرومتر). الجسيمات التي تكون بهذا الحجم تَنحو إلى تشتيت الضوء الأحمر من ضوء الشمس.

تتكوَّن الشبورة في المدينة من قطرات الماء التي تحلَّلت فيها مركبات مختلفة. أحد هذه المركبات هو ثاني أكسيد النيتروجين الذي يمتصُّ ما يكفي من الألوان في ضوء الشمس بحيث يجعل ضوء الشبورة بُنِّي اللون. وكذا يُمكن أن يلعب لون الخلفية، مثل لون المباني المصنوعة من الطوب، دورًا إذا كان معظم الضوء الذي يُنير الشبورة قادمًا من الخلفية.

عندما تنظر إلى الشمس من خلال شبورة كثيفة، تُشتِّت الجسيمات العالقة أشعة شمس إضافية نحوك. يحدث التشتُّت في المقام الأول في الاتجاه الأمامي؛ ومِن ثمَّ تُرَى أسطع منطقة بالقرب من الشمس. عندما تكون الشمس مرتفعة، تُضيء أشعة الشمس البيضاء الشبورة؛ ومِن ثَمَّ فإن المنطقة المحيطة بمجال رؤيتك للشمس ستكون بيضاء على الأرجح. أما عندما تكون الشمس منخفضة، فتكون الشبورة مُضاءة بالضوء الذي احمرَّ نتيجةً لمروره الطويل عبْر الغلاف الجوي؛ ومِن ثمَّ تصبح المنطقة المحيطة حمراء.

(١٧) الأضواء القادمة من مدينة بعيدة

عندما تقود سيارتك ليلًا نحو مدينة بعيدة، لماذا ترى وهجًا برتقاليًّا قذرًا في سمائها؟ لماذا يغلب على الضوء القادم من شجرة عيد ميلاد اللون الأحمر حتى ولو كانت الشجرة مغطاة بالفعل بأضواء ذات ألوان مختلفة؟

الجواب: تلعب عدة عوامل دورًا في تلوين المنطقة التي تقع فوق أي مدينة بعيدة، أحدها هو لون أضواء المدينة نفسها. حتى لو كانت الأضواء بيضاء، فستكون المنطقة برتقالية أو حمراء على الأرجح إذا كانت هناك شبورة فوق المدينة. عندما يتشتَّت الضوء من الشبورة وينتقل إليك، يتقلَّص الطرف الأزرق من الطيف من خلال التشتُّت من جزيئات الهواء الموجودة على طول الطريق، ولا يصلك سوى الطرف الأحمر من الطيف فقط. بالإضافة إلى ذلك، قد يُرسل التشتُّت الأوَّلي للضوء بواسطة الشبورة انتقائيًّا الطرف الأحمر من الطيف نحوك إذا كانت الجسيمات بحجم ٠٫١ ميكرومتر أو أكبر نسبيًّا.

إذا نظرت إلى شجرة عيد الميلاد البعيدة، فإن الضوء الأزرق الذي يَنتقِل نحوك يُضعف بالمثل عن طريق التشتُّت الذي يَخضع له من الهواء الوسيط. إذا كانت المسافة كافية، فلن ترى سوى الأضواء الحمراء المعلَّقة على الشجرة.

(١٨) كم يَبعد الأفق؟

هل يَمنعك الأُفق الموجود عند انحناء الأرض من رؤية أي نقطة أبعد على سطح الأرض؟ كيف تَعتمِد المسافة إلى الأفق على ارتفاعك فوق سطح الأرض؟ هل يظلُّ الأفق جليًّا إذا ارتفعت أكثر؟

الجواب: نظرًا لأن كثافة الهواء تَنخفِض مع الارتفاع، فقد يقع الأفق المرئي فيما وراء انحناء الأرض. تُدبر أشعة الضوء التي تنشأ خارج الانحناء وتتَّجه نحوك بشكل عام. إذا انتقلت الأشعة في خط مُستقيم، فإنها ستَنتقِل فوق رءوسنا مباشرة ولن تُرى، إلا أن الانخفاض في كثافة الهواء الذي تواجهه في أثناء صعودها لأعلى يؤدي إلى انكسارها (انحنائها) نحو الأسفل قليلًا تجاهك. قد تعترض جزءًا من هذه الأشعة؛ ومِن ثَمَّ ترى أفقًا خلف انحناء الأرض. وعمومًا، كلما كنت مرتفعًا، بدا الأفق أبعد. ومع ذلك، بالنسبة للارتفاعات التي تَزيد عن بضعة كيلومترات، يَختفي الأفق المديد بسبب الضبابية التي تنتج عن التشتُّت الشامل للضوء بواسطة الجسيمات الموجودة في الغلاف الجوي.

(١٩) لون السماء الملبَّدة بالغيوم

لماذا يتغيَّر لون السماء الملبَّدة بالغيوم في الريف مع تغيُّر الفصول، فيبدو أكثر خضارًا في الصيف منه في فصل الشتاء؟

الجواب: يعود اللون الأخضر الذي يظهر أثناء الصيف إلى الضوء الذي يتشتَّت من النباتات أولًا، ثم يتشتت نحوك من القطرات الموجودة في السُّحب.

(٢٠) خرائط في السماء

في الحقول الجليدية التي تقع في أقصى الشمال، تظهر خرائط كبيرة للتضاريس المحيطة في بعض الأحيان عند قاعدة السُّحب المُنخفِضة أو الشبورة. يُطلق على هذه الخريطة اسم «الوميض الجليدي» أو «الخريطة السحابية»، وهي تُمكِّن المسافر من اختيار مسار عبْر حقل الجليد في حالة التجديف في قوارب الكَياك أو فوق الجليد في حالة التزلُّج. يُمكن أن تُظهر هذه الخريطة أكثر من ثلاثين كيلومترًا من حقل الجليد. فما هو سبب الوميض الجليدي؟ وهل يُمكن أن تُرى تلك الخرائط تحت ظروف أخرى؟

الجواب: تَعكس المناطق الجليدية مِن ضوء الشمس على قاعدة السُّحب المُنخفضة أكثر مما تعكسه على المسطَّحات المائية؛ ومِن ثَمَّ يُحاكي تغيُّر درجات الإضاءة على قاعدة السُّحب المُنخفِضة الحقل الجليدي؛ حيث تُناظر المناطق الداكنة الممرات المائية، بينما تناظر المناطق الأسطع المناطق الجليدية. يُمكن أن تظهر خرائط مشابهة على الشبورة المنخفضة.

(٢١) لماذا تصبح السماء أكثر سطوعًا عند تساقط الثلوج

لاحَظَ بعضُ المُراقبين أنه خلال ضباب فصل الشتاء، تتحسَّن الرؤية بشكل ملحوظ عندما تبدأ الثلوج في التساقط. وعندما لا يكون هناك ضباب ولكن تكون السماء ملبَّدة بالغيوم، يَبدو أن درجة السطوع تزداد بسرعة إذا بدأت الثلوج في التساقُط. لماذا يُغيِّر الثلج درجة الرؤية والسطوع؟

لماذا يكون الثلج الموجود في الأفق أكثر سطوعًا من ذلك الموجود في السماء القريبة عندما تكون السماء ملبَّدة بالغيوم؟

الجواب: عندما تتساقط الثلوج عبْر الضباب، تُزيح بلورات الثلج بعض قطرات الماء العالقة. كما أنها تَسرق جزيئات الماء من هذه القطرات التي تَبقى عالقة، مما يُقلِّل من حجم القطرات. يمكن لكلا العاملَين أن يُقلصَ من حجم الضباب ويُحسِّنَ درجة وضوح الرؤية. في الأيام الصافية التي تكون السماء فيها خالية من الضباب يزيد التساقط المفاجئ للثلوج من درجة السطوع؛ وذلك لأن الضوء ينعكس ساطعًا من الثلج الذي سقط حديثًا على الأرض.

في يوم ملبَّد بالغيوم، يكون الثلج الموجود في الأفق أكثر سطوعًا من السماء القريبة لثلاثة أسباب: (١) تُشتِّت قطراتُ الماء الموجودة في السُّحب ضوءَ الشمس إلى الأمام بشكل أساسي؛ ومِن ثَمَّ فإنك ستَعترض المزيد من الضوء القادم من الجزء العلوي من السماء الملبدة بالغيوم أكثر من الجزء الواقع بالقرب من الأفق. وبذلك، تكون السماء القريبة من الأفق مظلمةً نسبيًّا. (٢) يُشتِّت الثلجُ الضوءَ بقوة في جميع الاتجاهات؛ ومِن ثَمَّ فإنك ستعترض كمية كبيرة من الضوء القادم من الثلج الموجود بالقرب من الأفق، وبذلك يكون الثلج ساطعًا. (٣) عندما ترى حدودًا تفصل بين المناطق التي تختلف في درجات السطوع، فإن نظامك المرئي سيُعزز هذا الاختلاف حتى يجعل هذه الحدود أكثر وضوحًا.

(٢٢) نهاية شعاع ضوء الكشاف

استُخدمت الكشافات في الحرب العالَمية الثانية لتحديد موقع طائرات العدو في الليالي الحالكة؛ أما في هذه الأيام فتُستخدم لجذب الناس لحضور العروض الأولى للأفلام. لماذا ينتهي شعاع ضوء الكشاف عند نقطةٍ ما فجأة بدلًا من التلاشي، أو بدلًا من أن يمتدَّ «إلى الأبد»؟

الجواب: يَضعُف الشعاع على امتداد طوله لأنه يَنتشِر ولأن الهواء والجسيمات التي يَحملها تشتِّت الضوء. (إذا لم يكن يوجد شيء يُشتِّت الضوء في اتجاهك، فإنك لن ترى شعاع الضوء.) يكون الخُفوت الناجم عن التشتُّت سريعًا، مما يُنهي امتداد الشعاع بصورة مباغِتة عند نقطةٍ ما.

قصة قصيرة

(٢٣) شعاع شمس الانقلاب الشتوي في نيوجرانج

نيوجرانج هو عبارة عن تل كبير بناه إنسان العصر الحجري الحديث في حوالي عام ٣١٥٠ قبل الميلاد، ويقع في دولة أيرلندا حاليًّا. يتكون التل من تعريشة حجرية يَعلوها طين، بها مدخل واحد يواجه الجنوب وممرٌّ يبلغ طوله عشرين مترًا يمتدُّ إلى منتصف التل. تقع فتحة صغيرة، «فتحة السقف»، فوق البلاطة الحجرية وتُشكِّل الجزء العلوي من المدخل. على مرِّ العصور، لم يكن لفتحة السقف هذه وظيفة حتى عام ١٩٦٩. عند شروق الشمس في الانقلاب الشتوي، تُرسل الشمس شعاعًا رفيعًا من الضوء عبْر مربَّع السقف وبطول المَمر لتُضيء حجرة الدفن التي تقع في مركز التل. لا يحدث هذا التعامد من قبيل الصدفة، ولكنه صُمِّم ليكون كذلك بعدما كافح أُناس العصر الحجري الحديث ليضعوا تعريشتهم الحجرية في المكان المناسب عند بناء نيوجرانج.

تحدُث تأثيرات بصرية مشابهة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: بحلول غروب الشمس في أيامٍ معينة، يتصادف أن ترسل الشمس ضوءها عبْر المدخل الرئيسي (طريق ماساتشوستس ٧٧) بطول أحد المَمرات الرئيسية على بُعد ٢٥١ مترًا. وعلى الرغم من عدم وجود حجرةِ دفن رسمية في نهاية ذلك الممر، فقد تعرَّض العديد من الطلاب إلى الموت الأكاديمي في ذلك الممر أو بالقرب منه.

(٢٤) الوميض الأخضر

عندما تغرب الشمس في أفقٍ صافٍ، فقد ترى وميضًا أخضر مُبهرًا أثناء اختفاء الجزء العلوي من الشمس. لا يكون هذا الوميض صورة تَلَويَّة؛ وذلك لأنه قد تم تصويره فوتوغرافيًّا بالفعل، ويُمكن رؤيته أيضًا أثناء شروق الشمس. عند دوائر العرض المرتفعة، يمكن أن يكون الوميض مرئيًّا لأوقات أطول، لمدة ثلاثين دقيقة على الأرجح، أثناء تحرُّك الشمس في الأفق خلال شروقها في نهاية ليلة شتوية طويلة. عادةً ما تكون الآفاق الصافية، كالتي تكون فوق المُحيطات، ضرورية لهذا الأمر.

على الرغم من أنه شيء نادِر الحدوث، يُمكن رؤية وميضٌ أحمر عندما تغيب الشمس أسفل سحابة بينما تكون منخفضة في السماء. (سواء كنت تبحث عن الوميض الأخضر أو الأحمر، توخَّ الحذرَ الشديد عند النظر إلى الشمس مباشرة؛ إذ إن الضوء يُمكن أن يُدمِّر شبكية العين بكل سهولة حتى إذا لم تَشعُر بأي ألم. لا تنظر مطلقًا إلى الشمس المرتفعة مباشرة لأكثر من ثانية واحدة، ولا تستخدم المنظار أو التليسكوب. عندما تكون الشمس على وشك الغروب، يكون الضوء أخفت نتيجةً للامتصاص الذي يتعرَّض له الضوء أثناء المسافة الكبيرة التي يقطعها عبْر الغلاف الجوي ليَصل إليك؛ ومِن ثَمَّ تكون المشاهَدة أكثر أمنًا.)

ما الذي يتسبَّب في حدوث الوميض الأخضر والأحمر؟

الجواب: تشترك عدة عوامل في إحداث الوميض الأخضر. العامل الرئيسي في ذلك هو انفصال الألوان في ضوء الشمس؛ حيث يتسبب الغلاف الجوي للأرض في انحراف مسار الضوء. وإليك بالتفسير التقليدي: عندما تكون الشمس مُنخفِضة، تنتشر صورتها قليلًا حسب اللون. يشكِّل الضوء الأحمر الجزء الأدنى من صورة الشمس، بينما يشكل الضوء الأصفر والأخضر والأزرق الصور الأعلى تدريجيًّا. لن ترى سوى صورة واحدة مجمعة حتى تبدأ الشمس في الغروب، ولكن بمجرد انخفاض الحافة العلوية للشمس أسفل الأفق، تُلغَى صور الطرف الأحمر والأصفر من الطيف، ولا تبقى سوى الصور الموجودة في الطرفين الأزرق والأخضر. ومع ذلك، تكون الصورة الزَّرقاء مُعتِمة للغاية، بحيث لا يمكن تمييزها بسبب تشتُّت الضوء أثناء المسافة الكبيرة التي يقطعها عبْر الغلاف الجوي. ومِن ثَمَّ يسيطر اللون الأخضر على الصورة الخاطفة الأخيرة؛ الوميض الأخضر.

ومع ذلك، فهناك عامل آخر يُضاف إلى هذا التفسير التقليدي؛ فإذا شاهدت الشمس وهي تغرب، تتوقَّف مستقبلات الضوء الموجودة في العين والمسئولة عن رؤية الطرف الأحمر من الطيف — يُقال إنها تكون مُبيضة. إذا كان آخر ضوء تراه من الشمس يَغلب عليه اللون الأصفر، فستراه أخضر نتيجةً لعملية التبييض التي ذكرناها سلفًا. وإذا حدث أن استدرت ناظرًا فجأةً نحو الشمس في الغروب بينما يكون آخر ضوء لا يزال مرئيًّا، فقد ترى اللون الأخير كما هو فعلًا — ألا وهو اللون الأصفر — وهو ما ستُظهره الصور الفوتوغرافية أيضًا. لا يمثل هذا التغيُّر في اللون نتيجة للتأثيرات الفسيولوجية مشكلة في حال كنت تُشاهد شروق الشمس؛ وذلك لأن مستقبلات الضوء الموجودة في العين لا تتعرَّض عندئذٍ للتبييض.

إذا كان هذا التفسير كاملًا، فلماذا لا نرى وميضًا أخضر مع كل غروب للشمس في الأفق الصافي؟ وكيف يُمكِن التقاط هذا الوميض الأخضر وتسجيله في الصور الفوتوغرافية؟ يوجد عامل إضافي آخر، ألا وهو عامل الندرة. يُمكن أن يعزز الوميض طبقات الغلاف الجوي التي تختلف فيها درجات الحرارة. يُمكن أن تؤدي الطبقات أحيانًا إلى فصل الحافة العلوية من صورة الشمس وتُعظِّم حجمها. وعندما تتحول الحافة العلوية المعظمة إلى اللون الأخضر، تكون هذه هي أفضل فرصة لرؤية الوميض الأخضر. وتحت هذه الظروف، يمكن أن يحدث الوميض الأخضر حقًّا ويمكن تصويره فوتوغرافيًّا.

يحدث الوميض الأحمر النادر عندما تبرز الشمس المُنخفضة من أسفل أحد السُّحب بحيث لا ترى سوى صورتها الحمراء فحسب، بينما تكون الألوان الأخرى مرتفعة جدًّا بحيث يتعذَّر مرورها أسفل السُّحب. على ما يبدو، تعود الندرة إلى الحاجة لأن تكون الشمس منخفضة تمامًا، ولكنها لا تزال مرئية من أسفل طبقة السُّحب البعيدة.

(٢٥) أشكال مشوهة للشمس المنخفضة

إذا تأملت الشمس مليًّا عندما تكون منخفضة في أفق صافٍ، فقد تجد أنها تبدو بيضاوية الشكل بدلًا من أن تكون دائرية. كما تبدو مقسمة أيضًا إلى طبقات أفقية، ولها شكل مشوَّش آخر (مثل حرف الأوميجا الكبير ) أو تتألف من صور منفصلة. لماذا تتغيَّر الصورة بهذه الطرق؟
الجواب: عندما تكون الشمس منخفضة، يمكن أن تنزاح صورتها لأعلى بفعل انكسار (انحناء) المسار الذي يتَّخذه الضوء أثناء مروره عبْر الغلاف الجوي للأرض. علاوة على ذلك، نظرًا لانخفاض كثافة الغلاف الجوي بالأعلى، يَنزاح الجزء السفلي من صورة الشمس إلى أعلى أكثر من الجزء العلوي من الصورة. هذا التبايُن في انزياح الصورة يُقلِّل من ارتفاعها؛ ومع عدم تغيُّر العرض الأفقي، تصبح الصورة بيضاوية الشكل ويكون محورها القصير رأسيًّا. ويكون الانزياح الحادث في الصورة كبيرًا، بحيث إنه عند وصول صورة الشمس إلى الأفق، ربما تكون الشمس نفسها قد صارت أسفل انحناء الأرض بالفعل.

تَنتُج التشوُّهات الأعقد للصورة من انكسار أشعة الشمس بواسطة الماء الساكن أو مِن انكسار الأشعة عبْر طبقات الغُلاف الجوي حيث تَختلِف درجات الحرارة. في نموذج بسيط للغُلاف الجوي السُّفلي، تَنخفِض درجة حرارة الهواء مع الارتفاع، ولكن إذا كانت هناك طبقات تزيد فيها درجة الحرارة، يمنحك التغيير في الانكسار صورة للشمس مقسَّمة إلى طبقات، أو صورة واحدة تتكوَّن من أجزاء مُنفصِلة. يُمكن للطبقات أيضًا أن تنتج صورة سرابية للشمس تَلتحِم مع الجزء السُّفلي من صورتها الطبيعية، مما ينتج عنه صورة غير دائرية بشكل واضح.

(٢٦) القمر الأحمر أثناء الخسوف

عندما يكون القمر داخل ظل الأرض بالكامل أثناء الخسوف الكامل للقمر، لماذا يصبح القمر أحمر اللون لفترة وجيزة؟ لماذا لا يظهر باللون الأحمر عندما يكون الخسوف جزئيًّا فحسب، عندما تكون نسبة التغطية ٥٠٪ على سبيل المثال؟

الجواب: خلال الخسوف الكامل للقمر، من المفترض ألا يكون القمر مضاءً على الإطلاق. ومع ذلك، تنكسر أشعة الشمس التي تمر عبْر الغلاف الجوي للأرض في الظل وتُضيء القمر بشكل خافت. وبينما يمرُّ الضوء عبْر الغلاف الجوي، يتلاشى الطرف الأزرق للطيف نتيجة للتشتُّت الذي يتعرض له من جزيئات الهواء، وهكذا يُهيمِن على القمر الضوء الغالب عليه الطرف الأحمر من الطيف (شكل ٦-٨). ينعكس حينئذٍ بعض الضوء نحوَك من سطح القمر، وهو ما ينتج عنه القمر الأحمر.
fig131
شكل ٦-٨: بند ٦-٢٦: تَفقِد الأشعة مكوِّنَها الأزرق عند المرور عبْر الغلاف الجوي للأرض.

أما خلال الخسوف الجزئي للقمر، فإنك لا تَعترض الضوء الأحمر الذي ينعكس من الجزء المظلل من القمر فحسب، بل الضوء الأبيض الأكثر سطوعًا الذي يَنعكِس من باقي القمر. لن يُمكِنَك تمييز الضوء الأحمر القاتم في وجود الضوء الأبيض الأكثر سطوعًا، إلا إذا توفَّرت تغطيةٌ لما لا يقل عن ٧٠٪ من القمر؛ ومِن ثمَّ يبدو الجزء المظلل مظلمًا فحسب. وبالمثل، لا يُمكنك تمييز الضوء الأحمر في أثناء المراحل المبكرة أو المتأخرة من خسوف القمر الكامل؛ وذلك لأنك تعترض الكثير من الضوء الأبيض.

(٢٧) الوميض التاجي

عندما يُومض البرق في الجسم الأساسي لإحدى السُّحب، قد ترى ضوءًا ساطعًا يخرج متعرجًا من قمة السحابة. هل هذا السطوع الذي يُسمى ﺑ «الوميض التاجي» أو «الوهج الخاطف»، عبارة عن تفريغ كهربي استثنائي أم انعكاس غريب للضَّوء من البرق؟

الجواب: الوميض التاجي هو انعكاس الضوء من البرق بواسطة بلورات الثلج التي تكون عبارةً عن رقائق مسطَّحة سداسية الشكل. عادةً ما تسقط هذه الرقائق وجانبها المسطح يتجه إلى أسفل. ومع ذلك، بعد التفريغ الكهربائي البرقي، تهتز الرقائق ويستقر بعضها لفترة وجيزة في الاتجاه الذي يعكس ضوء الشمس أو ضوء البرق نحوك. يظل السبب وراء اهتزاز الرقائق مجهولًا؛ فهو إما يُعزى إلى الموجة الصوتية الصادرة من البرق (التي تصل إليك على هيئة صوت الرعد) أو إلى التغيُّر في المجال الكهربائي للجسيمات المشحونة الموجودة داخل السحابة.

(٢٨) سراب الواحة

في الأيام الحارة، قد تشاهد بِركة مياه بعيدة تمتد على الأرض، ولكن بمجرد وصولك إلى تلك المنطقة تجد أنها جافة تمامًا. يبدو الماء حقيقيًّا، ذا لون أزرق وبه تموُّجات صغيرة. لا يمكن فقط رؤية ظاهرة «سراب الواحة» التقليدية، بل يُمكن تصويرها فوتوغرافيًّا كذلك.

يُمكنك في كثير من الأحيان رؤية السراب ليلًا إذا دقَّقتَ النظر في الضوء القادم من سيارة بعيدة آتية في اتجاهِك. أيضًا، قد ترى أسفل المكان الذي ترى فيه الضوء الأمامي مباشرةً شعاعًا من الضوء يمتدُّ على الطريق. إذا كان الشعاع باهتًا، فإذن أنت ترى انعكاسًا ضعيفًا لضوء المصباح الأمامي على الطريق. أما إذا كان الشعاع ساطعًا، فمن المحتمل أن ترى سرابًا ناتجًا عن ضوء المصباح الأمامي. ما الذي يُنتج هذا النوع من السراب؟ هل يستطيع طائر يُحلِّق فوق أحد الطرق رؤية سراب الطريق؟ أي، هل يُمكن أن ينخدع الطائر ويعتقد أن الطريق بالأسفل هو جدول مائي؟

الجواب: إنَّ سراب الماء الذي يمتد على الأرض البعيدة هو في الواقع صورة لجزء من السماء يقع فوق الأفق مباشرة في ذلك الاتجاه. تمتصُّ الأرض (أو أي سطح آخر) ضوء الشمس وتسخِّن الهواء المجاور. إذا انخفضَت درجة حرارة الهواء بشكل ملحوظ مع الارتفاع، يُمكن أن يظهر سراب الواحة. عندما يَنتقِل الضوء من السماء المُنخفِضة نحو الأرض، مرورًا بالهواء، مع تزايد درجة حرارة بصورة متواصلة، فإنه ينكسر (ينحني) باستمرار إلى الأعلى حتى يتجه أخيرًا نحو الأعلى بزاوية مُنخفضة نسبة إلى الأرض (شكل ٦-٩).
fig132
شكل ٦-٩: بند ٦-٢٨: مسار الضوء من السماء المُنخفِضة وانكساره بفعل التغيُّر في درجة حرارة الهواء. يرى المراقب أن مصدر الضوء يأتي من الأرض.

إذا اعترضتَ هذا الضوء، فسيُفسِّر دماغك تلقائيًّا أن مصدره نقطة مضيئة على الأرض بطول امتداد مستقيم وعكسي لشعاع الضوء المُعترَض. هذه النقطة المضيئة، بالطبع، مجرَّد وهْم، ولكنها تبدو حقيقية. علاوة على ذلك، إذا كان الأصل الفعلي للضوء قادمًا من السماء الزرقاء، فيُمكِن أن تظهر النقطة المضيئة باللون الأزرق كما لو كانت ماء. وإذا كان الهواء مُضطربًا، فإن عملية انكسار الضوء ستَتفاوت بشكل ملحوظ وستَتراقص نقطة الضوء كما لو كانت موجات تتراقص على صفحة الماء.

يُمكن أن يظهر سراب الواحات في البيئات الباردة؛ لأنه لا يتطلَّب وجود هواء ساخن، بل انخفاض في درجة حرارة الهواء مع الارتفاع فحسب. وعادةً ما يُمكن رؤيته على الطرقات لأن معظم الأرصفة تمتصُّ أشعة الشمس وسرعان ما تُسَخِّن الهواء المُجاور. عادة ما يكون السراب أكثر وضوحًا إذا كنتَ ترى المشهد بالقرب من الأرض أو كنت تنظر من خلال عدسة تلسكوبية إلى أرضٍ بعيدة.

يمكن للأجسام البعيدة أيضًا أن تُصدِر صورًا سرابية إذا انكسر الضوء منها عبْر الهواء بالقرب من الأرض. يُطلَق على هذا النوع من السراب، وكذا سراب الواحة، اسم «السراب الأدنى»؛ وذلك لأن الصورة تظهر «تحت» مصدر الضوء.

أما النُّسخة الليلية من السراب فتعود إلى وجود طبقة من الهواء الساخن الذي يقع على الطريق. قد يظلُّ الرصيف ساخنًا من التسخين النهاري الذي تحدثه الشمس، ولكن إطارات السيارات والشاحنات المارَّة قد تدفئه أيضًا.

بما أن التغيُّر في الاتجاه الذي ينتقل فيه الضوء يكون طفيفًا، فلا يُمكن للطيور المحلقة أن ترى سراب الماء على أي من الطرق الموجودة أسفلها. قد يرى الطائر سرابًا بعيدًا كالذي نراه، ولكن السراب يتحرَّك باستمرار كلما تحرَّك الطائر، على غرار الكيفية التي يتحرَّك بها سراب الماء على طول الطريق أثناء قيادة السيارة.

(٢٩) سراب الجدار

يُمكن رؤية شكل مختلف من أشكال السراب أحيانًا إذا نظرت بطول جدار طويل يواجه الشمس. قف عند طرف الجدار على أن تكون عينك قريبة من سطحه، بينما يقف صديق لك عند الطرف الآخر. قد ترى صورة تُشبه المرآة لصديقك على الجدار وتبدو متَّصلة عند بعض النقاط به. بل وقد تتمكَّن من رؤية صورتين سرابيتَين لصديقك. لقد قمت بتصوير مثل هذه الصور السرابية بعدسة تلسكوبية مُثبتة على كاميرا وضعتها بملاصقة الجدار. حقَّقت هذه التقنية أفضل النتائج عندما وقفتُ عند أحد أركان الجدار؛ بحيث كانت العدسة موجهة مباشرة بطول الجدار.

fig133
شكل ٦-١٠: بند ٦-٢٩: منظر علوي لجدار يسخن من أشعة الشمس. يَنكسِر مسار شعاع الضوء بفعل التغيُّر في درجة حرارة الهواء، فيظهر السراب على الجدار.
الجواب: يَنطبِق نفس التفسير الموضَّح بالجواب السابق على سراب الجدار، فيما عدا أن في هذه الحالة تكون طبقة الهواء الساخن عمودية على الجدار. تَخترِق بعض الأشعة التي تخرج من صديقك الهواء الساخن وتَنكسِر بعيدًا عن الجدار قليلًا (شكل ٦-١٠). إذا كانت عيناك، أو الكاميرا، قريبتَين بما يكفي من سطح الجدار، فستَعترض تلك الأشعة بحيث يبدو وكأن مصدرها هو الجدار نفسه.

(٣٠) وحوش الماء وعرسان البحر والسراب الواسع النطاق

في بعض الأماكن في وقت متأخِّر من بعد الظهيرة أو في الصباح الباكر، يُمكن لنوع معيَّن من السراب أن يَسمح لك برؤية جبل يقع خارج انحناء الأرض؛ ومِن ثمَّ يفترض ألا يكون مرئيًّا. قد يبدأ السراب كبُقعة ضبابية فوق الأفق ثم يصير أكثر وضوحًا حتى يُصبح شكل الجبل مميزًا.

fig134
شكل ٦-١١: بند ٦-٣٠: (أ) سراب يشبه الدمية الورقية. (ب) مسار الضوء القادم من قطعة خشب طافية.

قد يُفسِّر هذا النوع من السراب كيف اكتشف إريك الأحمر جزيرة جرينلاند. تقول الأسطورة إنه عندما نَفَاه رفاقه الآخرون من رجال الفايكنج من أيسلندا، توجه مباشرة نحو أقرب جزء من جزيرة جرينلاند، على الرغم من أنه لم يَكن من المُفترَض أن تكون حتى الأجزاء الأعلى من جرينلاند مرئية من الأجزاء الأعلى لأيسلندا في الظروف العادية. ربما كان يرى بين الحين والآخر سرابًا لأقرب جزء في جرينلاند، فعلم بوجود أرض هناك.

قد تكون مُشاهَدات الوحوش المائية، مثل وحش بحيرة لوخ نس، أمثلة على سراب مُماثل، ولكنه أكثر محلية. فعند توفُّر المنظور المناسب وفي ظل ظروف بعينها، قد تبدو قطعة من الخشب تطفو فوق سطح الماء وكأنها تمتدُّ إلى أعلى مثل رقبة الوحش، فلا يُعدُّ من الممكن تمييز أنها مجرد قطعة من الخشب. كما أن العنق قد يبدو وكأنه يهتزُّ كما لو كان الوحش يسبح في الماء.

طبقًا لبحَّارة القرون الوسطى، كان عرسان البحر عبارة عن وحوش ضخمة تخرج من قلب البحر. كان لهم أكتاف كالرجال، ولكن دون أيادٍ، وكان خصرهم نحيلًا. وبما أنه لم يرهم أي شخص عن قُرب على الإطلاق، فلم يكن يَعرف أحد ما إذا كان لهم جلد مثل جلد الإنسان أم قشور مثل قشور الأسماك. أما حوريات البحر فقد كن يتشابهْن مع أمثالهنَّ من الذكور، ولكن كان لهن أثداءٌ وشعرٌ ثقيل وأيادٍ ذاتُ أصابع متلاصِقة وذيولٌ. كيف يُمكن أن تظهر مثل هذه الكائنات الخارقة؟ ولماذا لم يعد يُسمَعُ عنها أي شيء عندما بدأ استخدام السفن ذات الأسطح المرتفعة؟

تظهر الأجسام البعيدة أحيانًا على هيئة صور متعدِّدة في مشهد يُشبه عرض العرائس الورقية. يُظهرُ شكل ٦-١١أ بعض الأمثلة الكلاسيكية التي تتضمَّن صورًا للمراكب الشراعية البعيدة، ولكن دون التشوُّش الذي يكون موجودًا عادة.

يُعتبَر أجمل أنواع السراب هو سراب «فاتا مورجانا» الذي تبدو فيه الأجسام البعيدة على شكل أبراج أحد قِلاع القصص الخرافية. تقول الأسطورة إنَّ القلعة هي المنزل البلوري للجنِّية مورجانا. في بعض الحالات يُمكن أن يوهم سراب مماثل بأن الأشخاص البعيدين يسيرون على الماء الذي يفصل بينك وبينهم.

في عام ١٥٩٧ عندما علق طاقم القبطان وِليم بارنتس على جزر نوفا زيمليا التي تقع في المحيط المتجمِّد الشمالي أثناء عملية البحث عن المَمرِّ الشمالي الشرقي، رأى بعضهم أول ظهور للشمس بحلول نهاية الظلام الشتوي الطويل، وذلك على الرغم من أن الشمس كانت لا تزال تحت الأُفق ﺑ ٤٫٩ درجات مئوية، فكيف تمكَّنوا من رؤيتها؟ غالبًا ما تكون مثل هذه الصور السرابية للشمس مشوَّهة بشدة بحيث تبدو الشمس على هيئة كومة من الفطائر. عادةً ما تظهر تلك الصور في «نافذة» مُظلِمة تتوسَّط السماء، وتكون السماء أكثر سطوعًا أعلاها وأسفلها.

«تأثير هيلينجر» هو أحد أنواع السراب الذي يبدو وكأنه يَرفع الأفق (عند البحر عادة) بحيث يبدو مسطَّحًا أو على هيئة طبق. يُصبح الأفق أثناء «تأثير هافجيردنجر» (وهي كلمة أيسلندية تعني «أسوار البحر») غير مُنتظِم الشكل كما لو كان محاطًا بهياكل رأسية موضوعة عشوائيًّا.

على الطريق السريع رقم ٩٠ بالولايات المتحدة، بالقُرب من مارفا بولاية تكساس، أفاد مراقبون بظهور مستمر لأضواء متحرِّكة ليلًا. تمتد هذه الأضواء المتذبذبة التي تُعرف باسم «أضواء مارفا» بطول السماء حتى منطقة ميتشيل فلات إلى جنوب الطريق السريع مباشرة.

كيف تتشكَّل هذه الأنواع المختلفة من السراب؟

الجواب: يرجع حدوث جميع أمثلة السراب المختلفة إلى انكسار أشعة الضوء من مساراتها المستقيمة المُعتادة بفعل طبقات الهواء التي تتفاوَت فيها درجات الحرارة مع الارتفاع. (انظر البند الذي يتناول موضوع سراب الواحة.) في الأمثلة الأكثر تعقيدًا قد تلعب عدة عوامل دورًا، بحيث يُسهِمُ كل عامل على حِدَة في ظهور صور سرابية تكون مقلوبة أحيانًا، بحيث تُشبه عرض الدمى الورقية أو صورًا مركبة مشوَّشة وتمتدُّ بشكل غريب.
إن مشاهدات وحش بحيرة لوخ نس، أو مانيبوجو وحش بحيرة مانيتوبا، تتضمَّن على الأرجح صورًا مشوشة لجذوع الأشجار أو غيرها من الأجسام التي تطفو في المياه البعيدة. تتوفَّر الشروط المثالية لحدوث مثل هذا السراب عندما تُبَرِّد المياه الباردة الهواء الذي يقع فوقها مباشرة، بينما يُدفئ ضوء الشمس الهواء الأعلى. حينئذٍ، تنكسر بعض أشعة الضوء من قطعة الخشب، مثلًا، وتتجه إلى أسفل بحيث تحيد عن مسارها الأوَّلي إلى أعلى بحيث يُمكنك اعتراضها (انظر شكل ٦-١١ب). يكون الانكسار طفيفًا، لذا يجب أن تكون بالقرب من مستوى الماء كي تَعترِض الضوء.

قد ترى صورًا متعدِّدة أو صورة واحدة مُمتدة لا يُشبه أي منهما قطعة خشب، ويرجع ذلك إلى الاختلاف الفعلي في درجة الحرارة مع الارتفاع. إذا تفاوَتَ الانكسار بسبب التغيُّرات السريعة في توزيع درجة الحرارة، فقد يبدو الجسم الذي يُشبه الأفعى في الماء وكأنه يَسبح. وعندما يظهر سراب مثل هذا، فإنه يظهر فوق مصدر الضوء وهو ما يُطلَق عليه اسم «السراب العلوي».

تدعم الإحصائيات إمكانية أن يكون وحش بحيرة لوخ نيس سرابًا. فقد وقعت حوالي ٧٧٪ من مشاهدات هذا الوحش في الفترة من شهر مايو حتى شهر أغسطس عندما تسخن المياه ببطء أكبر من الهواء، ما يؤدِّي إلى زيادة في درجة حرارة الهواء مع الارتفاع. بينما وقعت حوالي ٨٤٪ من المشاهدات عندما كانت المياه هادئة نسبيًّا، وهو شرط آخر يُعزِّز توافره رؤية أحد أشكال السراب الأعلى. علاوةً على ذلك، فالأشخاص الذين ذكروا هذه الملاحظات كانوا موجودين بالقرب من مستوى المياه؛ حيث يَعترضون الأشعة المنكسرة.

أما بالنسبة لحوريات وعرسان البحر، فقد كانوا على الأرجح صورًا ممتدَّة ومشوشة لحيوانات الفظ وللحيتان كما رآها البحارة الذين كانوا موجودين بالقرب من سطح الماء. يختفي السراب إذا كان المراقبون قريبين جدًّا من الحيوانات أو مرتفعين جدًّا عنها بحيث لا يَستطيعون اعتراض الضوء الذي ينكسر ويخلق السراب. لذا، بعدما زاد ارتفاع السفن عن سطح الماء، قلَّت الإفادات المتعلقة برؤية هذه الكائنات الأسطورية.

يرجع ظهور سراب الفاتا مورجانا إلى انكسار الضوء الذي يُطيل عموديًّا صورة الأجسام الصغيرة البعيدة بحيث تبدو وكأنها أبراج أو جدران. على سبيل المثال، إذا رأيت شخصًا بعيدًا فوق كتلة مائية متوسِّطة الحجم، فقد تصبح هذه الصورة صورة سرابية عُلوية، عندئذٍ، سترى معظم جسم الشخص البعيد كصورة مرفوعة، بينما ستبدو القدمان، غير المرئيتين، مغمورتين في الماء كما لو كان الشخص يسير فوق الماء.

يُمكن أحيانًا رؤية الجبال، الأبعد من أن تُرى بالعين مباشرة، عن طريق السراب إذا انكسرت بعض أشعة الضوء الصادرة منها حول انحناء الأرض. كما يُمكن أن تُوجَّه صور الشمس أيضًا حول الانحناء. المثال الأبرز هو سراب نوفايا زيمليا الذي تَنكسِر فيه الأشعة الضوئية إلى الأسفل على ارتفاع عالٍ وتمرُّ أمام سطح كوكب الأرض وتعود إلى ارتفاعات عالية، ثم تَنكسر إلى أسفل مرة أخرى، كما لو كانت مقيدَّة بأنبوب كبير مقوَّس. وبالرغم من أن الصورة المُوَجَّهة إلى الشمس تظل ساطعة رغم انتقالها الطويل عبْر الغلاف الجوي، إلا أنَّ أجزاء السماء المحيطة تُصبح مظلمة بسبب التشتُّت الذي تُحدثه جزيئات الهواء، فتنتهي الحال بهذه الأجزاء إلى أن تُصبحَ نافذة مظلمة حول صورة الشمس. والمناطق الأكثر سطوعًا فوق وأسفل هذه النافذة هي أجزاء من السماء القريبة.

يتضمَّن تأثيرا هيلينجر وهافجيردنجر انكسار الضوء إلى أسفل أيضًا بفعل الهواء الذي تَزداد درجة حرارته مع الارتفاع. يتضمَّن تأثير هافجيردنجر وجود بقع غير منتظمة من درجة حرارة الهواء، بينما يتطلَّب سراب نوفايا زيمليا وسراب هيلينجر توزيع درجة حرارة الهواء بحيث تكون مُستقرَّة على نطاق واسع.

يكون الانكسار الجوي للضوء ليلًا مسئولًا عن ظهور مجموعة من الأضواء الغريبة سريعة الزوال مثل أضواء مارفا. يُمكن أن تكون مصادر تلك الأضواء نجومًا أو كواكب تقع بالقرب من الأفق (حيث تكون الصور صورًا سرابية دونية) أو أضواء المصابيح الأمامية لسيارة أو قطار بعيد (حيث تكون الصور صورًا سرابية عُلوية). أضواء مارفا هي مثال على سراب أضواء المصابيح الأمامية للسيارات الذي ينتج من السيارات البعيدة التي تتَّجه نحو مارفا على طريقٍ سريع يمر عبْر منطقة ميتشيل فلات. يجب على مراهقي مارفا أن يكونوا شاكرين لهذا المثال الحي لعلم البصريات؛ لأنه يَمنحهم عذرًا جاهزًا ليُوقفوا سياراتهم في الظلام بطول الطريق السريع رقم ٩٠.

(٣١) شبحٌ يَختبئ وسط الأزهار

هل يُمكنك تفسير ظهور صورة شبحية في القصة التالية؟ في عصر أحد الأيام الحارة، كانت سيدة تجمع الزهور من فوق الأرض المُشبعة بالبخار بينما كانت الشمس مائلة قليلًا إلى الجانب. فجأة، لاحظت السيدة حركة أمامها، ولكنَّها أدركت شيئًا فشيئًا أنها كانت ترى صورة مفصَّلة وملوَّنة لنفسها. ومن نافلة القول أنَّ رؤية هذا الشبح سرعان ما أثارت حفيظة السيدة فهرَبَت على الفور.

الجواب: ربما تكونت الصورة الشبحية بالطريقة التالية: انعكست أشعة الشمس من جسم السيدة إلى القطرات الموجودة في ضباب يَرتفع من الأرض الرطبة الحارة. وهناك، يعود بعض الضوء المشتَّت من القطرات إلى السيدة. أعتقد أن الشمس كانت تضيء السيدة بشدة، بينما كان الضباب في المنطقة الظليلة، مما يجعل الضوء المشتَّت ملحوظًا للعين المجرَّدة. تشبه هذه العملية حينئذٍ بقدر ما صور الأشباح الموجودة في مُتنزَّه عالم ديزني؛ حيث تُعرَض الصور الساطعة على ستارة رقيقة مسامية بحيث تكون بالكاد مرئية في الإضاءة الخافتة.

(٣٢) النجوم المُتلألئة الراقصة

لماذا عندما ترى جسمًا بعيدًا عبْر الهواء فوق النار أو فوق سطح ساخن، مثل طريق مضاء بنور الشمس، تهتزُّ صورة هذا الجسم، وهو التأثير الذي يُطلَق عليه اسم «التراقُص البصري»؟ لماذا تُصبح رؤية هذا التذبذب أكثر صعوبة فوق الطريق عند قدمَيك عنها في الطريق الأبعد؟

لماذا تتلألأ النجوم؟ هل تتلألأ أكثر في الصيف أم الشتاء؟ لماذا يتغيَّر لونها في بعض الأحيان؟ لماذا لا يتلألأ القمر ولا الكواكب؟ وإذا كنت في الفضاء وتنظر إلى النجوم، فهل ستَتلألأ أيضًا؟

الجواب: يعود التراقُص إلى اضطراب الهواء الذي يُحدِثه السطح الساخن. ومع مرور أشعة الضوء من أحد الأجسام عبْر هذا الاضطراب، يَكسر التفاوت المستمر في كثافة الهواء الأشعة في اتجاهات عشوائية متغيِّرة؛ ومن ثَم تصبح الصورة الناتجة مُذبذَبة ومُتراقِصة.

كي يكون تأثير التراقُص ملحوظًا للعين فلا بد أن تقطع أشعة الضوء مسارًا طويلًا عبر طبقة الهواء الساخن والمُضطرِب. إذا نظرت بشكل شبه عمودي إلى سطحٍ ساخن مثل الرصيف، فإن الأشعة التي تستقبلها تكون قد قطعت مسافة قصيرة جدًّا من خلال الاضطراب بحيث لا تظهر بشكل متراقص. أما إذا نظرت إلى السطح برؤية مائلة، فستكون الأشعة قد قطعت مسافات أبعد بكثير عبْر الاضطراب؛ ومِن ثَمَّ يُمكِنُك أن ترى التأثير المتراقص الذي تحدثه. عادةً ما يعني هذا الشرط أن السطح الساخن لا بد أن يكون بعيدًا، كجزء بعيد من الطريق على سبيل المثال. وحتى في هذه الحالة قد لا يكون التأثير المتراقص ملحوظًا إذا كان سطح الطريق مُتجانسًا. يكون التأثير المُتراقِص أكثر وضوحًا إذا كان الطريق به نمط خطوط متمايلة.

في بعض الأحيان ترى تأثيرًا مرتبطًا بذلك التراقص، إذ يُمكن أن تظهر ظلال معتمة عابرة على سطح أبيض مسطَّح؛ وذلك لأنَّ الهواء المضطرب يكسر ضوء الشمس الذي يمرُّ عبره. في بعض الأحيان، يركز الانكسار ضوء الشمس على رقعة ساطعة نسبيًّا، وأحيانًا يزيد من وهج أشعة الشمس، بحيث تنتشر مُشَكِّلَةً رقعة مظلمة نسبيًّا. يُمكن أن يُؤدِّي النسق غير المُستقر للهواء الدافئ الذي يتدفَّق تحت الهواء البارد أيضًا إلى تكوين ظلال مُعتِمة ومُتراقِصة. وبما أن الهواء الدافئ يكون أقل كثافة من الهواء البارد، فيكون الحد بين درجتي الحرارة المُتفاوتتَين غير مستقر ويميل إلى تكوين أشكال تشبه الموجات يُمكنها تركيز الضوء في بعض المناطق ونشره في مناطق أخرى.

تغير صور مشابهة لانكسار ضوء النجوم بواسطة الغلاف الجوي، ظاهريًّا، موقع النجم سريعًا وبشكل طفيف. تكون الحركة الظاهرية مرئية لأن النجم، من زاوية رؤيتك، يكون عبارة عن نقطة ساطعة في قلب خلفية مظلمة. علاوةً على ذلك، تُغيِّر تباينات طور موجات الضوء التي تصل إليك. عندما تصل موجات الضوء بالتوافق بعضها مع بعض (متجانسة)، يكون تداخُلُها تداخلًا بنَّاءً ويكون النجم أكثر سطوعًا؛ أما عندما تكون خارج الطور التوافُقي، فيكون تداخلها تداخلًا هدَّامًا ويكون النجم في أكثر حالاته إعتامًا.

يَختصر نظامك المرئي صورة النجم خلال فترة زمنية قصيرة، ولكن تظل الاختلافات في وضعِ النجم ودرجة سطوعه مرئية. أما إذا كنتَ في الفضاء، فلن تتلألأ النجوم، ولكنها ستظل تبدو وكأن لها رءوسًا صغيرة؛ وذلك لأن الضوء يتشتَّت داخل عينَيك.

أما القمر والكواكب فيَشغلان حيزًا كبيرًا في رؤيتك بما يمنع تلألؤهما. فعلى الرغم من أن كل نقطة من القمر، على سبيل المثال، تتلألأ كما تتلألأ النجوم تمامًا، فإن هذه النقاط ليسَت نقطة واحدة مَعزولة من الضوء في قلب خَلفية مظلمة؛ ومن ثَم يكون التذبذُب غير ملحوظ.

تتلألأ النجوم بصورة أكبر في فصل الصيف؛ نظرًا لأن الجو المحيط يكون أكثر تقلبًا بسبب التسخين الإضافي الذي تحدثه الشمس أثناء وقت النهار.

إذا كان النجم قريبًا من أفق صافٍ، فقد يُصبح لونه متقلبًا كذلك. يَسمح المرور الطويل لضوء النجم عبْر الغلاف الجوي لجزيئات الهواء والغبار والهباء الجوي بتشتيت بعض الألوان المُكَوِّنة للضوء؛ ولا يُصبح النجم حينئذٍ بلونه الأصلي، الذي قد يكون أبيض. تتسبَّب التغيرات المستمرة في عملية تشتُّت الضوء في تغيير اللون الذي نراه.

(٣٣) شرائط الظل

لعدَّة دقائق قبل وبعد أي كسوف كلي للشمس، يمكن أن تُغطَّى الأرض بشرائط باهتة ومموجة، عرض كلٍّ منها بضعة سنتيمترات. يفيد بعض المراقبين أن الشرائط هذه تتحرك. فما الذي ينتج الشرائط؟

في عام ١٩٤٥، أبلغ رونالد آيفز عن شكل آخر من أشكال الشرائط المظلمة الفرقة، والذي رصده في ست مناسبات مختلفة، بينما كان ينظر إلى أسفل من نقطة مرتفعة على الأراضي المسطحة أثناء غروب الشمس. كانت الأشرطة بعرض عدة كيلومترات وكانت تنتقل بسرعة ٦٠ كيلومترًا في الساعة. فما الذي أنتج هذه المجموعة من الشرائط؟

الجواب: يرجع ظهور شرائط ظل الكسوف على الأرجح إلى تركيز أشعة الشمس (ما ينتج عنه الشرائط الساطعة) وتشتُّتها (ما ينتج عنه الشرائط المظلمة) عند مرورها عبْر جيوب الهواء المضطربة في الغلاف الجوي للأرض. تكون درجة وضوح الرؤية أفضل عندما يكون الكسوف شبه مكتمل ولا يشكل الجزء المرئي من الشمس سوى هلالٍ ضيق. حينئذٍ، يشغل الضوء زاوية صغيرة جدًّا في مجال رؤيتنا، ويمكن أن يؤدي إعادة توجيه الضوء بواسطة الجيوب الهوائية المضطربة الموجودة على ارتفاعات عالية إلى إنتاج شرائط مرئية تتوازى مع الهلال. عندما يكون الكسوف أقل اكتمالًا ويكون جزءٌ أكبر من الشمس مرئيًّا، تكون الجيوب المضطربة التي تحدث الشرائط أكثر انخفاضًا، وتكون الشرائط أقل وضوحًا (تكون «باهتة» بصورة أكبر). يصعب رؤية الشرائط، حتى في أفضل حالاتها؛ لأن التباين بين الشرائط الساطعة والمظلمة المُتجاوِرة يكون ضعيفًا. نظرًا لأن الاضطراب يتغيَّر بسرعة، تختلف الشرائط وتبايُنها أيضًا. يمكن أن يُضفي هذا التباين في الشرائط وهم وجود حركة.

على الأرجح، يعود حدوث ظاهرة الشرائط المظلمة النادِرة، هذه والتي لم تُدْرَس إلا بالكاد، إلى تركيز وتشتُّت أشعة الشمس بفعل الاضطراب الموجود في الغلاف الجوي. كانت تلك الشرائط مرئية لآيفز لأن غروب الشمس كان يقلص الجزء المرئي من الشمس، كما هي الحال في الكسوف. لم يكن آيفز ليلحظ تلك الشرائط إذا كان موجودًا على مستوى الأرض.

(٣٤) حلقة زاوية الاثنتين والعشرين والشمس الكاذبة

تكون الشمس محاطة أحيانًا بدائرة ساطعة قد يكون لونها أحمر بطول حافتها الداخلية، وأزرق بطول حافتها الخارجية. تُساوي الزاوية بين الدائرة ومركزها ٢٢ درجة؛ لذا تُعرف هذه الظاهرة باسم «حلقة زاوية الاثنتين والعشرين». (يُمكنك قياس هذه الزاوية بسهولة: افتح يدك ومدَّ ذراعك نحو الشمس على أن تكون راحة يدك موجَّهة إلى الخارج. الجزء الذي تراه من السماء بطول خط مستقيم بين أطراف أصابعك والإصبع الصغيرة يشغل حوالي ٢٢ درجة.) أحيانًا ما تكون الشمس محاطة من أحد الجوانب، أو من الجانبَين، ببقعة مشرقة ذات لون برَّاق، وتُسمى هذه البقعة الساطعة ﺑ «الشمس الكاذبة». ما الذي يتسبَّب في ظاهرة حلقة زاوية الاثنتين والعشرين والشمس الكاذبة؟

الجواب: تحدث حلقة زاوية الاثنتين والعشرين نتيجة لانكسار (انحناء) أشعة الشمس بفعل بلورات الثلج الموجودة على ارتفاعات عالية. البلورات عبارة عن أعمدة سُداسية تُسمى «البلورات الرصاصية» تسقط على جانبها العريض في الغالب. عندما يمرُّ ضوء الشمس عبْر بلورة رصاصية، فإنه يَنكسِر ويسير في اتجاهٍ جديد بزاوية ٢٢ درجة أو أكبر من زاوية مساره الأوَّلي. يتركز الانحراف عند ٢٢ درجة؛ ومِن ثَمَّ يصل الضوء إلى أقصى درجات السطوع عند هذه الزاوية. عندما تنظر بعيدًا عن الشمس ٢٢ درجة في أي اتجاه نحو هذه البلورات الثلجية المتساقطة، فإنك تعترض بعضًا من هذا الضوء الساطع وترى جزءًا من الحلقة.

قد تكون الحلقة ملوَّنة؛ وذلك لأن الانكسار الذي تُحدثه البلورات يفصل الألوان في ضوء الشمس الذي يكون أبيض اللون في البداية. ينكسر الضوء الأحمر بدرجةٍ أقل قليلًا من الضوء الأزرق، فتنتهي الحال بأقصى درجات اللون الأحمر سطوعًا بالظهور داخل الحافة الداخلية من الحلقة.

تَرجع ظاهرة الشموس الكاذبة أيضًا إلى الانكسار الذي تُحدثه البلورات السداسية، إلا أن البلورات في هذه الحالة تكون مسطحة بدلًا من أن تكون عمودية. تسقط هذه «البلورات الصفيحية» وقمَّتها تتَّجه إلى أسفل وتكون في حالة اهتزاز. تعيد تلك البلورات توجيه الضوء نحوك فقط إذا كانت تقع بطول خط أفقي تقريبًا عبْر الشمس؛ لذا تقع الشموس الكاذبة إلى اليسار واليمين من الشمس. عندما تكون الشمس مُنخفِضة، تكون الشموس الكاذبة على بُعد حوالي ٢٢ درجة منها؛ بينما تكون الشموس الكاذبة أبعدَ عن الشمس قليلًا عندما تكون الشمس أعلى. عادةً ما تكون الشموس الكاذبة ملوَّنة بسبب عملية فصل الألوان التي تُحدثها البلورات، ويكون الجزء الأحمر هو الأقرب إلى الشمس.

يُمكن أن تظهر حلقة زاوية الاثنتين والعشرين والشموس الكاذبة حتى أثناء الصيف؛ وذلك لأن بلورات الثلج تظلُّ قادرةً على التشكُّل في الهواء البارد العالي الارتفاع.

(٣٥) سماء تمتلئ بالحلقات والأقواس والبُقَع المضيئة

فضلًا عن حلقة زاوية الاثنتين والعشرين والشموس الكاذبة التي ذُكرت في البند السالف، قد تظهر العديد من الحلقات والأقواس والأعمدة والبقع المضيئة الأخرى في السماء. يُظهر شكل ٦-١٢ بعض هذه الاحتمالات، ولكن لا يُمكن أن تظهر كل هذه الاحتمالات بالتزامن في الوقت نفسه؛ لأنها قد تتطلَّب ارتفاعات مختلفة للشمس. ويُمكن أن تتغيَّر أشكالها أيضًا مع ارتفاع الشمس. كما أن بعضها شديد الندرة، حتى إنه لم يرصده أو يُصوِّره سوى القليل من الناس.
fig135
شكل ٦-١٢: بند ٦-٣٥: بعض المُشاهَدات المحتمل رؤيتها في السماء الساطعة: (١) حلقة زاوية الاثنتين والعشرين. (٢) الشموس الكاذبة نسبة إلى حلقة زاوية الاثنتين والعشرين. (٣) حلقة زاوية الست والأربعين. (٤) قوس قزح مقلوب. (٥) الدائرة الشمسية. (٦) الشموس الكاذبة نسبة إلى حلقة زاوية الست والأربعين. (٧) قوس باري. (٨) أقواس المَماس الأفقية العلوية نسبة إلى حلقة زاوية الست والأربعين. (٩) الأقواس المماسية نسبة إلى حلقة زاوية الاثنتين والعشرين. (١٠) أقواس لوفيتز. (١١) أقواس المماس الأفقية السفلية نسبة إلى حلقة زاوية الست والأربعين. (١٢) بقعة البارانثيليون. (١٣) الأقواس البارانثيليونية. (١٤) أقواس الأنثيليون ذات الزوايا المُنحرِفة الضيقة. (١٥) بقع الأنثيليون. (١٦) أقواس الأنثيليون ذات الزوايا المنحرفة العريضة.

أحد المناظر التي تُرى عادةً هو «عمود من الضوء» يمتد فوق الشمس أو القمر أو أسفلهما. قد تكون قادرًا على رؤية مثل هذه الأعمدة التي تمتد في سماء الليل قادمة من المصابيح التي تُحدِّد الشوارع أو مواقف السيارات.

عندما تكون مسافرًا في طائرة، قد ترغب في البحث عما يُعرف باسم «الشمس الثانوية»، وهي نقطة مضيئة تقع أسفل صورة الشمس وتبدو وكأنها تتبع حركة الطائرة.

ما سبب هذه المظاهر المختلفة؟

الجواب: يعود حُدوث هذه المظاهر إلى البلورات الثلجية المُتساقطة التي تَعترض أشعة الشمس وتعيد توجيهَها نحوك. يَحدث بعضها نتيجةً للبلورات الرصاصية، والبعض الآخر للبلورات الصفيحية (انظر الجواب السابق). يتضمَّن بعضها، كما في «قوس القزح المقلوب»، انكسار الضوء عبْر البلورات، بينما يتضمَّن البعض الآخر انعكاس الضوء عن البلورات. والقليل منها، كما في «أقواس لوفيتز»، يتطلَّب وجود بلورات صفيحية تدور بسرعة أثناء تساقطها.

يُمكن أن يُعزى ظهور عمود الضوء الذي يمتد فوق الشمس أو القمر أو أسفلهما إما إلى البلورات الرصاصية وإما إلى البلورات الصفيحية، ولكن الأخيرة تكون مسئولة عن حدوث هذا الأمر فقط عندما تكون الشمس منخفضة أو القمر. في هذه الحالة، ينعكس الضوء إليك من الوجه المسطح للصَّفائح أثناء تساقطها إلى الجانب تقريبًا. تلطخ التقلُّبات الطفيفة في اتجاهات البلورات المنطقة التي تتلقَّى أنت الضوء منها؛ ومِن ثَمَّ تُشكِّل العمود. عندما تكون الشمس أو القمر أعلى، يرجع ظهور العمود إلى الضوء الذي يَنعكِس من جوانب البلورات الرصاصية التي تسقط بمِحوَرِها الطويل أفقيًّا. عند كل نقطة على طول كل عمود من الأعمدة، تكون بعض البلورات مائلة بما يَكفي لتعكس ضوء الشمس تجاهك. ويُشكِّل مجموع هذه الانعكاسات العمود.

أما الشمس الثانوية فهي في الواقع نسخة من عمود الضوء، والاختلاف الوحيد هو أنك تنظر إلى البلورات الصفيحية في هذه الحالة. عندما تكون جميعها على نسقٍ أفقي تقريبًا، فإنها تنتج صورة للشمس تُشبه صورة المرآة.

(٣٦) ظلال الجبال

إذا دقَّقت النظر في أحد ظلال الجبال وأنت تَقف بالقُرب من قمة الجبل عندما تكون الشمس مُنخفِضة، فستجد أن الظل مثلَّث الشكل وقمته تمتد بعيدًا عنك (انظر شكل ٦-١٣). لماذا تكون كل ظلال الجبال تقريبًا مثلَّثة الشكل، بصرف النظر عن الشكل الفعلي للجبل أو التفاصيل الموجودة على جانبَيه؟ لماذا يمتدُّ عند قمة الظل شكل يُشبه المسمار إما يسارًا وإما يمينًا عندما تكون واقفًا أسفل قمة الجبل مباشرة؟
fig136
شكل ٦-١٣: بند ٦-٣٦: ظل الجبل على الهباء الجوي الموجود بالأسفل كما يُرى بالقُرب من القمة.
الجواب: عندما تكون واقفًا على قمة أحد الجبال، يتشكَّل الظل على الأرض وفي الهباء الجوي الذي يَدنوك. يكون معظم الظل بعيدًا للغاية بحيث تكون تفاصيل جوانب الجبال صغيرة جدًّا فلا يُمكِن تمييزها. يعود الشكل المثلثي للظل إلى المنظور؛ حيث يبدأ جانِبا الظلِّ إلى اليسار واليمين منك، ولكن يبدو أنهما يَتلاقيان عند نقطة بعيدة على الأرض وفي الهباء الجوي. يشبه الشكل المدبَّب لجانبَي الظل قضيبَي السكك الحديدية المُستقيمَين اللذَين يبدو أنهما يتلاقيان عند الأفق إذا نظرت بطول امتدادهما. والظل نفسه يشبه شكل ظلك على العُشب عندما تكون الشمس منخفضة؛ إذ تبدو قدماك بحجمهما الطبيعي بينما يكون ظل رأسك مدببًا.

عندما تقف أسفل قمة الجبل مباشرةً وفي منطقة ظل الجبل، فإنك تَنظُر عبْر الهَبَاء الجوي الظليل (بدلًا من أن تنظر إليه من أعلى). وإذا وقفتَ في وسط ظل الجبل بالضبط، تظل قمة جانبَي الظل مدبَّبة الشكل وتمتدُّ بعيدًا عنك مباشرة، ولكن نهاية الظل قد يبدو أنها تمتد إلى الأعلى. أما إذا انتقلت من المركز إلى يسارك على سبيل المثال، فأنت بذلك تزيح القمة وظلَّها إلى يمينك. علاوة على ذلك، بما أنك ترى الظل عبْر الهباء الجوي، ففرصة إزاحة أي جزء من الظل تزداد مع ابتعاد هذا الجزء عنك. وبذلك يكون ظل القمة هو الأكثر إزاحة كونَه الأبعد. عندما تتبع الظل المدبب الذي يمتدُّ بعيدًا عنك، ستجده لا يَنحني فقط إلى الأعلى، بل يميل إلى اليمين أيضًا مكوِّنًا شكلًا يُشبه المسمار عند نهايته.

(٣٧) ظلال السحب المتلاشية

لنفترض أنك تُحلِّق فوق المحيط بينما تنتشر السحب الركامية بعرض السماء. لماذا ستتمكَّن من رؤية ظلالها إذا كنت تجلس على جانب الطائرة الذي تُضيئه الشمس، ولكنك لن تراها إذا كنت تجلس على الجانب المقابل؟

الجواب: عندما تَنظر نحو المحيط من جانب الطائرة الذي تُضيئه الشمس، فإن معظم الضوء الذي تعترضه يكون ضوء الشمس الذي انعكَسَ أو تشتَّت من سطح الماء. يُسمى هذا الضوء «البريق». وإذا اعترضَتْ سحابةٌ جزءًا من ضوء الشمس قبل أن يصل الضوء إلى الماء، فسترى ظلًّا على الماء. تفتقر المنطقة الظليلة إلى البريق، ومن ثَمَّ تكون أغمق من المياه المحيطة.

أما على الجانب الآخر من الطائرة، فيكون انعكاس الضوء وتشتُّته في المقام الأول بعيدًا عنك. وعلى الرغم من أن بعض الضوء المعترَض يكون انعكاسًا للسماء، فمعظمه يكون «ضوءًا صاعدًا»؛ ألا وهو الضوء القادم من الشمس ومن السماء، والذي يَخترق سطح الماء ثم يتشتَّت مرةً أخرى عبْر سطح الماء بواسطة المواد المعلقة (أو القاع). عندما تلقي سحابة بظلالها على هذا الجانب من الطائرة، فإنها لا تُقلِّل من عملية صعود الضوء في المنطقة الظليلة لأنَّ بقية السماء لا تزال تضيء تلك المنطقة. وهكذا، لا يُمكنك رؤية الظل. ومع ذلك، إذا انحرف الظل من الماء إلى الأرض، فإنه يُصبح ملحوظًا فجأة. حينئذٍ لا تكون هناك عملية صعود للضوء، ويكون الضوء الوحيد الذي تَعترِضه من الأرض هو ضوء الشمس الذي يتشتَّت من الأرض (وليس الضوء القادم من السماء). تَحجُب السحابة ضوء الشمس في المنطقة الظليلة وتمنع هذا التشتُّت من الحدوث؛ ومن ثَم ستتمكَّن من رؤية الظل.

(٣٨) ألوان مياه المحيط

لا يكون لمياه المحيط لون واحد؛ فقد يتنوع لونها من لون السماء الأزرق الصافي إلى اللون الرمادي للسماء الملبَّدة بالغيوم. وفي بعض الأحيان قد تكون بيضاء أو ضاربة إلى الحُمرة، أو قد تكون ذات لون أخضر مُزرَقٍّ، أو خضراء أو صفراء. بل بين الحين والآخر قد تكون بُنِّيَّة اللون. فما السر وراء هذه الألوان؟ ولماذا يَعتمِد اللون غالبًا على زاوية رؤيتك لسَطح المحيط؟

بينما تَسبح في المياه العميقة، أمسِك بجسمٍ أبيض مُستوٍ أفقيًّا. لماذا يَختلِف لون السطح العلوي للجسم عن لون سطحه السفلي؟

الجواب: يعود تنوُّع ألوان مياه المحيط إلى العديد من العوامل التي تلعب دورًا في هذا الأمر. لنَفترض أن المياه نقية وأنه لا يوجد غلاف جوي وأن قاع المياه شديد العمق بحيث لا يُشتِّت الضوء تجاهك. عندئذٍ سيكون لون المياه أسود ذا مسحة باهتة من اللون الأزرق؛ بسبب جزيئات الماء التي تمتصُّ الطرف الأحمر من الطيف وتُشتِّت الطيف الأزرق.

في ظروف أقل مثالية، يُمكن أن تغير المواد العالقة لون المياه من خلال امتصاص أو تشتيت ألوان بعينها من الضوء انتقائيًّا. وبالمثل، يُغير السطحُ السُّفليُّ اللونَ عن طريق الامتصاص الانتقائي، شريطة أن يكون الماء ضحلًا بما يَكفي بحيث يكون الضوء القادم من الأسفل ملحوظًا.

تؤثر السماء قليلًا في لون المياه. إذا كانت السماء زرقاء، فقد تبدو المياه أكثر زُرقة؛ وذلك لأنك تعترض بعضًا من ضوء السماء الذي يَنعكس منها. وبالمثل، إذا كانت السماء رمادية اللون، فقد يُصبح لون المياه رماديًّا بدوره. ومع ذلك، إذا وقفت في مواجهة الوهج اللامع القادم من صفحة الماء في يومٍ مشمس، فستجد على الأرجح أن الماء يبدو أبيض اللون؛ وذلك لأن معظم الضوء الذي تعترضه يكون ضوء الشمس الذي ينعكس من المياه مكوِّنًا ذلك الوهج.

الضوء الذي يضيء السطح العلوي للجسم الأبيض المغمور في المياه له لون داكن؛ وذلك لأن الامتصاص والتشتُّت يُغيِّران طبيعة الضوء أثناء انتقاله إلى أسفل عبْر الماء. يتغيَّر لون الضوء الذي يضيء السطح السفلي بصورة أكبر؛ لأن الضوء يَنتقِل عبْر الماء لمسافة أبعد (إلى أسفل ثم إلى أعلى مرةً أخرى)؛ لذا، تَختلف الدرجات اللونية للسطحَين العُلوي والسفلي.

(٣٩) انعكاس لمعان الشمس والقمر

ما الذي يُفسِّر شكل المنطقة الساطعة التي تكون موجودةً على المسطَّحات المائية عندما تكون الشمس منخفضة أو يكون القمر منخفضًا فوق الماء؟ كيف يتغيَّر الشكل مع تغيُّر ارتفاع الشمس أو القمر؟

عندما يكون القمر قريبًا من الأفق نسبيًّا، فقد ترى مثلثًا مظلمًا فوق المنطقة المضيئة على الماء، فما الذي يتسبَّب في تكوُّن هذا المثلَّث المظلم؟

الجواب: إذا كانت المياه مسطَّحة تمامًا، فسترى صورة تشبه صورة المرآة للشمس أو القمر على الماء الواقع أسفل الأفق. ستكون الصورة أسفل الأُفق بالمسافة نفسها التي يعلوها بها مصدر الضوء. ومع ذلك، عندما يكون سطح الماء مغطًّى بالأمواج، ينعكس الضوء من عددٍ لا يُحصى من الأسطح المائلة؛ وهو ما سيجعلك ترى الكثير من الصور السريعة الزوال للشمس أو القمر، وذلك كلما وحيثما وُجِدَ ميل على سطح الماء ليُرسِل إليك انعكاسًا. في المتوسِّط، تقع هذه الصور في شكل بيضاوي أو في مسار (يُسمى كلاهما «مسار اللمعان») يمتد بعيدًا عنك؛ حيث يتقارَب الجانبان الأيسر والأيمن لمنطقة الصور المنعكسة نحو نقطة الأفق أسفل الشمس أو القمر مباشرة. تكون منطقة الصور بيضاوية الشكل عندما يكون القمر أو الشمس مرتفعًا، بينما تكون على شكل مسار يمتد إلى الأفق عندما يكون القمر أو الشمس منخفضًا.

يُحتمل أن يكون المثلث المظلم الذي يقع فوق مسار اللمعان القمري وهمًا نتيجةً للتباين؛ إذ إن مسار اللمعان أسفل الأفق مباشرةً يقع بجوار السماء المُظلمة فوق الأفق مباشرة.

(٤٠) حلقات الضوء

عادةً ما تتشوَّه الصور التي تعكسها الأمواج على سطح الماء بسرعة بالغة، بحيث لا يمكنك تمييزها، ولكن يمكنك التقاط صورة ثابتة لها من خلال استخدام كاميرا ذات غالق سريع. إذا فرضنا أنك تقوم بتصوير انعكاس صاري السفينة، فقد تجد في الصورة أن هذا الجزء من الصاري عبارة عن خطٍّ مُتعرِّج، بينما تشكل الأجزاء الأخرى حلقات منفصلة ومُغلَقة. قد لا يصعب تفسير السبب وراء الصورة المتعرِّجة، ولكن ما الذي يُنتِجُ الحلقات؟ هل يمكن أن توجد حلقات منفصلة وغير مكتملة؟ تُشكِّل الأجسام الأخرى أيضًا انعكاسات غريبة؛ فبعض الأجزاء من الأرض ينتج عنها صور تُعرف باسم «البِرَك الأرضية» (بُقَع منفصلة من صور الأرض)، بينما ينتج عن بعض أجزاء السماء صور تُعرف باسم «البِرَك السماوية».

الجواب: يرجع التشوُّه الذي يظهر في الخطوط المتعرجة أو في الحلقات إلى انحناء الأمواج. عندما تكون صورة الصاري عبارة عن حلقة مُغلقة، تنتهي الحال بالسماء الموجودة على أحد جوانب الصاري بأن تظهر داخل الحلقة، بينما السماء الموجودة على الجانب الآخر من الصاري تظهر خارج الحلقة. أما بالنسبة لشكل الحلقات، فهي دائمًا ما تكون مكتملة عندما تكون انعكاسًا لأجسامٍ طويلة كالصاري. ومع ذلك، يمكن أن ينتج عن مصدر نقطة الضوء انعكاسًا معقدًا ذا «نهايات مفتوحة» تَتناسب مع عملية فتح وغلق غالق الكاميرا.

(٤١) الظلال والألوان التي تنعكس على صفحة الماء

لماذا يُمكنك رؤية ظلك في بِركة موحلة أو في بِركة ضحلة صافية ولكن لا يُمكنك ذلك في بِركة عميقة وصافية؟ لماذا يجب أن تكون المياه مُوحلة للغاية حتى ترى ظلال الأشخاص الآخرين؟

بينما تُلقي بظلٍّ على سطح مائي ذي موجات صغيرة عشوائية الاتجاه، افحَصِ السَّطح الذي يُحيط بظل رأسك. تمتد خطوط ساطعة من الظل تُشبه شعاع العجلة، كما وصفها الشاعر والت ويتمان بشكلٍ جميل في قصيدة «عبور قارب بروكلين» بديوانه «أوراق العشب». فما الذي يتسبَّب في ظهور شكل شعاع العجلة هذا؟

في مياه صافية يبلغ عمقها حوالي متر تقريبًا، افحص حافات بقع الضوء التي تشكَّلت في الجزء السفلي بواسطة ضوء الشمس الذي ينسلُّ عبْر أوراق الشجر بالأعلى. إذا كانت الشمس خلفك، فستكون البُقَع بيضاء. أما إذا كنتَ تواجه الشمس، فسيكون للبقعِ حافات ملونة ذات لون أحمر على الجانب القريب ولون أزرق على الجانب البعيد. فما السبب وراء ظهور هذه الألوان، ولماذا يعتمد شكلها على اتجاه وقوفِك؟

الجواب: ستتمكَّن من رؤية الظل فقط إذا كان أكثر إعتامًا مما يُحيط به، كما هي الحال عندما يَنعكِس ظلُّك على الرصيف. إذا صببتَ ماءً رائقًا على الرصيف فسيُصبِح ظلُّك أقل وضوحًا؛ لأن السطح العلوي للمياه يَعكِس إليك صورة السماء والأجسام التي تُحيط بك. وبما أن بعض الصور المنعكسة تُغطِّي على ظلك، فلا تكون هذه المنطقة داكنة كما كانت من قبل.

يكون تبايُن ظلك مع ما يحيط به أضعف إذا كان الماء الصافي أعمق؛ وذلك لأن السطح السفلي لم يعد يُشتِّت الضوء بقوة تجاهك. ومع ذلك، إذا كان الماء عكرًا نسبيًّا، يُصبح ظلُّك ملحوظًا أكثر؛ وذلك لأن الضوء يَتشتَّت تجاهك من المواد العالقة في الماء الموجود حول ظلِّك. حينئذٍ يصبح ظلك ثلاثي الأبعاد بدلًا من أن يكون انعكاسًا مسطحًا على الرصيف. ولهذا السبب قد لا تكون قادرًا على رؤية ظلِّ شخص آخر لأنَّك عندما تنظر إليه، يكون منظور رؤيتك بطول مسار مائل عبْر كلٍّ من المنطقتَين المضاءة والظليلة من الماء. إذا زادت تدريجيًّا عكارة الماء بحيث يرتفع الظل تدريجيًّا نحو سطح الماء، وإذا كان الماء موحلًا بشدة، فسيَنعكِس الظل على السطح ويُرى بسهولة.

عندما تتحرك الأمواج فوق الماء الصافي نسبيًّا، تُرَكِّزُ الأمواج الضوء داخل الماء حيث تُشتِّته المواد العالقة حينئذٍ خارج الماء مرة أخرى. إذا اعترضتَ هذا الضوء المُشتَّت، سترى خطوطًا ساطعة حيث يكون الضوء متركزًا، وخطوطًا قاتمة حيث لا يكون كذلك. تقع الخطوط بموازاة خط يفصل بين الشمس وعينَيك. ومن ثَم ستبدو وكأنها تتلاقى عند النقطة المقابلة للشمس مباشرة (أو يشعان إلى الخارج منها)؛ أي داخل إطار ظل رأسك. (يُشبه شكلها التلاقي الظاهري لقضيبَي السكك الحديدية عندما تنظر إليهما على امتداد البصر). يُعتبر الدوران الظاهري لأشعة الضوء التي تشبه شعاع العجلة مجرد وهم يفرض فيه دماغك نظامًا على نمطٍ عشوائي مُتغيِّر.

تظهر بقع الضوء في المياه الضحلة الصافية باللون الأبيض عندما تكون الشمس خلفك، على الرغم من أن ضوء الشمس في كل حزمة ضوئية يَنقسم إلى ألوان مختلفة بمجرَّد دخوله الماء. تصطدم الأشعة الحمراء والزرقاء الموجودة في أيِّ حزمة ضوئية بقاع بِركة الماء عند نقاط مختلفة وتتشتَّت في اتجاهات عديدة. ومع ذلك، فالأشعة التي تَعترضها عيناك لا بد أن تسير بطول طريقها الأصلي مرةً أخرى، ألا وهو اتجاه الشمس. وهكذا، تمتزج الألوان مرةً أخرى عند خروجها من الماء، ومن ثَم فأنت تعترض الضوء الأبيض وترى بقعة بيضاء على قاع البِركة.

fig137
شكل ٦-١٤: بند ٦-٤١: يرى المُراقب الذي يواجه الشمس حواف ملوَّنة في قاع بِركة.
أما عندما تكون في مواجهة الشمس، فإنك بذلك تَعترض الأشعة الملوَّنة القادمة من نقاط التشتُّت المختلفة في قاع البِركة (شكل ٦-١٤). يَغلِب اللون الأبيض على البقعة التي تراها على قاع البِركة والتي تكون تجسيدًا لحزمة ضوئية ضيقة؛ لأنك تَعترض من نقاط الحزمة الضوئية الأشعة بكل ألوانها. ولكن من النقاط التي تقع بطول الحافات القريبة والبعيدة من البقعة ستتمكَّن من رؤية ألوان مختلفة. يُكَوِّنُ الضوء الأزرق الحافة البعيدة من البقعة؛ حيث يَنكسِر الشُّعاع الأول من ضوء الشمس داخل الماء: يَنكسِر الشعاع الأزرق أكثر وتَنتهي به الحال في مكان أسفل البِركة أبعد من المكان الذي تقف فيه وأبعد من باقي الألوان. وبالمثل، يُكَوِّنُ الضوء الأحمر الحافة القريبة من البقعة؛ وذلك لأن الشعاع الأحمر يَنكسِر بصورة أقل وتَنتهي به الحال بالقُرب منك. وهكذا، تُشتِّت الحافة البعيدة الضوء الأزرق نحوك، بينما تُشتِّت الحافة الأقرب الضوء الأحمر.

(٤٢) لون ظلك

إذا تأملت لون ظلك على ثلجٍ حديث، فمن الممكن أن تجده ملوَّنًا. فما السبب في تلون الظل؟ وهل من المُمكن أن يختلف اللون؟

الجواب: لا بد أن يكون الظل أسود، لكن إذا كانت السماء زرقاء، فمن المُمكن أن يُضيء ضوء السماء الثلج المظلَّل فيَمنحه لونًا أزرق باهت. وإذا تأملت ظلك على سطح آخر، فمن المُمكِن أن يُلوِّن لونُ السطح ظلَّك. وإذا كانت المنطقة المحيطة بظلك فاقعة اللون، فمن الممكن أن ترى اللون المُكمِّل في ظلك، وهذا وهم نابع من نظامك البصري. ويُمكنك أن ترى بوضوح هذا التلون في ظلال الفنانين على المسارح عندما يكون مسلطًا عليهم ضوء كشاف ملون فاقع الإضاءة.

(٤٣) رؤية الجانب المظلم للقمر

عندما يكون ٧٥ في المائة من جزء القمر المواجه لك مضيئًا بفعل ضوء الشمس، لماذا تستطيع رؤية الجزء المتبقِّي البالغة نسبته ٢٥ في المائة رغم عدم وجوده في ضوء الشمس؟

الجواب: السبب في الإضاءة الخافتة للجزء المظلم من القمر هو «ضوء الأرض»، وهو الضوء المشتَّت من الأرض. فأنت ترى جزءًا من الضوء الذي شتَّته القمر ليعود مرة أخرى إلى الأرض. ومن خلال فحص ذلك الضوء العائد يستطيع الباحثون معرفة كيف يبدو ضوء الأرض لمُشاهِد في الفضاء السحيق. تبدو السماء زرقاء تمامًا بالنسبة إلينا، وهي زرقاء تمامًا أيضًا للمُشاهد من الفضاء. بالإضافة إلى ذلك، فإن ضوء الأرض يكشف ضوء الأشعة تحت الحمراء الذي تُشتته النباتات. ويُجري الباحِثُون هذا العمل على أمل أن يكشف تحليل ضوء أي كوكب يَدور حول أحد النجوم عن إمكانية وجود غلاف جوي ونباتات في هذا الكوكب.

(٤٤) الهالة ولمعان التقابل

تأمَّل ظل رأسك على العشب في صباح يكون فيه العشب مبتلًّا بالندى. قد يكون الظل محاطًا بضوء ساطع يُطلَق عليه «الهالة» (انظر شكل ٦-١٥أ). يُمكِن أن ترى أماكن ساطعة مشابهة حول ظلِّك في بيئات أخرى كثيرة، مثل العُشب الجاف أو النباتات الأخرى أو المسطحات المائية الضحلة التي تعلوها الدوامات، وغيرها من الأسطح الجافة والخَشِنة. من الممكن أيضًا أن ترى خيطًا لامعًا صادرًا من ظلِّ سيارة متحرِّكة عندما يمتد الظل على حقل تكسوه الحشائش.
fig138
شكل ٦-١٥: بند ٦-٤٤: (أ) ظل على الحشائش المرَطَّبة بالندى في حالة اقتراب الشمس. (ب) طريق شعاعين عبْر تربة القمر.

عندما تكون على متن الطائرة، ابحث عن الهالة على الأرض الواقعة عند نقطة ظل الطائرة (النقطة المقابلة للشمس مباشرةً). وبينما تُغطِّي نقطة الظل الحشائش والأشجار والأراضي الخلاء والرصيف والسحب، تظهر الهالة وتختفي. إذا كنت قريبًا من الأرض فمن الممكن أن ترى ومضات ضوء ساطعة تظهر فجأة داخل الهالة. وإذا كنت فوق الأرض فمن الممكن أن ترى خطًّا داكنًا رفيعًا يمتدُّ من الهالة. فما الذي يُنتج الهالة والومضات الساطعة والخط الداكن؟

عند إضاءة نباتات معيَّنة مُغطَّاة بالندى ليلًا باستخدام كشَّاف وامِض أو وميض كاميرا، فإن الشخص الذي يَحمل الكشَّاف أو المصباح الوامض سيرى النباتات متوهِّجة، في حين أن الشخص الواقف بعيدًا عند الجانب لن يرى ذلك التوهج. فما سبب هذا التوهج، ولماذا لا تتوهج كل النباتات بهذه الطريقة؟

وبمجرد اكتمال القمر يزداد سطوع أي منطقة مضيئة على سطحه فجأة، ويُطلَق على هذه الظاهرة «لمعان التقابُل». في الحقيقة، من الممكن أن تصبح هذه المنطقة أكثر لمعانًا بنسبة ٢٥ في المائة عندما يكون القمر بدرًا مقارنة بأي يوم سابق أو لاحق. فما السبب في هذه الزيادة المُفاجِئة في ضوء الشمس الذي يُشتِّته سطح القمر؟ (قبل أن يَهبط رواد الفضاء على القمر، كانت وكالة ناسا قلقة من أن يتسبَّب تشتُّت ضوء الشمس العائد من تربة القمر في عمًى لرواد الفضاء على القمر إن لم تكن خوذاتهم مزوَّدة بحاجز واقٍ مناسِب يُمكِّنُهم من الرؤية.)

عند جز الحشائش أو ملعب رياضي بطريقة معينة، يُشبه العشب رقعة الشطرنج بمربعاتها الفاتحة والقاتمة. فما السبب في هذا الاختلاف في السطوع؟ هل للقَول المأثور «العشب أكثر اخضرارًا عند الجانب الآخر من السور» أي قيمة علمية؟

الجواب: تدبَّر أولًا العشب الجاف. عندما تنظر إلى المنطقة المُحيطة بظل رأسك لن ترى إلا أنصال الحشائش وليس الظلال التي تلقيها؛ لأن الظلال واقعة خلف الأنصال؛ ومن ثَم فإن المنطقة ساطعة لأنك تستقبل فقط ضوء الشمس المنعكس منها. وعندما تنظر بعيدًا عن المنطقة الساطعة ستبدأ في رؤية بعض ظلال الأنصال، وسيقلُّ السطوع العام. ومن ناحية أخرى، ستكون المنطقة المحيطة بظل رأسك ساطعة.

أما الهالة المحيطة بالأرض الجافَّة فمن المُمكن أن يكون سببها الانخفاضات الصغيرة في الأرض التي تتَّخذ شكلًا أشبه بالأركان قائمة الزوايا. هذه المناطق تعكس الضوء مرة أخرى إلى مصدره، فتَعترض أنت بعضًا من هذا الضوء العائد. وقد تُسهم الأشكال والمواد الأخرى الموجودة على الأسطح في عودة إضافية للضوء، لا سيما عندما يكون السطح مساميًّا وبه «أنفاق». فعندما تنظر حول ظل رأسك ستجد ضوءًا مُشتَّتًا عائدًا لك عبْر دواخل الأنفاق لكنك لا تراه عندما تنظر بعيدًا إلى الجانب.

وعندما يكون العُشب مغطًّى بقطرات الندى من المُمكن أن يدخل الضوء إلى قطرة الندى، ويَنعكِس من السطح الخلفي ونصْل ورقة العشب ثم يترك القطرة عائدًا تقريبًا نحو الشمس. إذا نظرتَ إلى العشب المحيط بظلِّ رأسك فستعترض بعضًا من هذا الضوء العائد؛ ومن ثَم سيكون العشب ساطعًا. أما إذا نظرت على العشب الموجود على الجانب فلن تعترض أيًّا من الضوء العائد، ومن ثَم لن يكون العُشب هناك بنفس السطوع.

تركز القطرة الكروية ضوء الشمس على بُقعة صغيرة واقعة تقريبًا خلف السطح الخلفي. ويكون الضوء العائد أكثر سطوعًا إذا وُجد نصْل العشب عند نقطة التركيز، لكن عادةً ما ترتكز القطرة مباشرةً على النصل. رغم ذلك، تَكتسي أنواع معينة من الأوراق بشُعَيرات رفيعة يمكن أن تحمل القطرة فوق سطح الورقة نسبيًّا. وتعطي هذه الأوراق هالة ساطعة جدًّا.

عندما يُضيء مصباح كشَّاف قطرات الندى على النباتات يعود جزء من الضوء في الاتجاه العام للكشَّاف في صورة هالة. ويكون الضوء العائد أكثر سطوعًا إذا كانت القطرات شبه كروية. على الأوراق الشمعية لنباتات معيَّنة فتَميل القطرات إلى التحبُّب في صورة كريات؛ ومن ثَم عندما يُوجَّه شعاع الضوء على هذا النبات يبدو النبات مشعًّا مقارنةً بالنباتات الأخرى.

وأما الومضات الساطعة التي تراها داخل الهالة أثناء التحليق بالطائرة فتعود إلى «العواكس الرجعية» التي تكون عادةً حُبَيبات بلاستيكية أو زجاجية ترسل الضوء مرةً أخرى إلى مصدره. فعلى سبيل المثال، من المحتمل أن يحتوي دهان لافتة المرور على عواكس رجعية صغيرة مثبتة لإرسال الضوء من كشَّافات السيارة إلى قائدها مرةً أخرى كي يرى اللافتة بسهولةٍ ليلًا. وعندما يمرُّ ظل الطائرة على هذه اللافتة، فإنك تعترض جزءًا من الضوء الذي يرسله الدهان مرة أخرى إلى الاتجاه العام للشمس. أما الخط القاتم الذي يُصاحب الهالة أحيانًا فهو ظلُّ خطِّ التكثُّف «الخط النفاث» الذي تتركه الطائرة.

وإذا كانت الطائرة مُنخفِضة على نحوٍ يَسمح لك برؤية ظلها على الأرض، فقد تجد شريطًا ساطعًا محيطًا بظلها. من المُمكن أن يكون سبب هذا الشريط هو الضوء المشتَّت العائد إلى اتجاه الشمس العام من قطرات الماء الموجودة على النباتات (ومِن ثَمَّ الهالة) أو من الممكن أن تكون هذه القطرات محمولة في الهواء. ومع ذلك، من الممكن أن ترى شريطًا ساطعًا حتى مع عدم وجود قطرات الماء (كما هي الحال في الأراضي الجافة أو القاحلة). بالإضافة إلى ذلك، من المُمكن أن ترى شريطًا ساطعًا حول ظلِّ طائرة «أخرى»، وبالتأكيد من غير الممكن أن تكون قطرات الماء هي السبب في ظهور هذا الشريط. في هذه الحالة، يكون هذا الشريط الساطع وهمًا إدراكيًّا. عندما توجد منطقة قاتمة (مثل ظل الطائرة) بجوار منطقة أكثر سطوعًا في مدى رؤيتك، فإن جهازك البصري ينتج شريطًا ساطعًا (يعرف باسم «شريط ماتش») على طول الحد الفاصل بين المنطقتَين.

عندما يصل ضوء الشمس إلى سطح القمر فمِن الممكن أن يتشتَّت تقريبًا في أي اتجاه. ومع ذلك، فإن التشتُّت الأكثر سطوعًا يكون في الاتجاه العام للشمس بسبب طريقة تعزيز الموجات الضوئية بعضها لبعض في ذلك الاتجاه. فمن المُمكن أن يتخذ شعاعان ضوئيان منفصلان نسبيًّا المسار نفسه عبْر تُربة القمر لكن في اتجاهين مُتقابلين، ثم يخرجان عائدَين إلى الشمس (انظر شكل ٦-١٥ب). ومَوجتا هذَين الشعاعين «متطاورتان» (في الطور نفسه) تقريبًا ومِن ثَمَّ تُعزِّز كلٌّ منهما الأخرى؛ أي تجتمعان لجعل الضوء ساطعًا. وعندما يكون القمر بدرًا فإننا نتحرك إلى هذا الضوء الساطع المُشَتَّت نحو الشمس؛ ولذلك يكون القمر ساطعًا جدًّا. وعندما نعترض طريق الضوء المشتت في الليالي الأخرى، تكون الأشعة قد خرَجَت بطرق عشوائية من تربة القمر ولا يعزز بعضها بعضًا في العموم، ومِن ثَمَّ يكون القمر أقل سطوعًا.

بعض أنواع النباتات الحزازية يمكنها أيضًا تشتيت الضوء بسطوع نحو الشمس وتُعزِّز موجات ذلك الضوء بعضها بعضًا. ومن الممكن أن ترى عودة ذلك الضوء الساطع إذا كانت نقطة ظلِّك ساقطة على نباتات حزازية بعيدة نسبيًّا، لكن يكثر عادةً رؤية ذلك الضوء في الصور الجوية المُلتقَطة لمناطق النباتات الحزازية.

أما تصميم الشطرنج الناتج عن تقليم الحشائش فيعود إلى اتجاه أنصال الحشائش الذي تتركه آلة جز الحشائش. ففي بعض المناطق تكون الأنصال موجَّهةً بحيث تعكس لك الضوء، وفي مناطق أخرى لا تكون كذلك، بل ترى بعض ظلالها.

قد يبدو العشب على الجانب الآخر من السور أكثر اخضرارًا؛ لأن زاوية النظر المائلة التي تنظر منها قد لا تكشف لك عن التُّربة البُنِّية السُّفلية التي تراها بسهولة عندما تنظر إلى الأسفل مباشرةً. (بالتأكيد يوجد درس عن الحياة والعلاقات في هذا المثل، لكني أتركه لك لتعرفه بنفسك.)

(٤٥) أمواج حقول الحبوب

في بعض الأحيان قد يبدو أنه توجد حركة موجية في حقول الحبوب والأعشاب الطويلة، فتبدو المناطق الساطِعة والقاتمة كما لو كانت تتحرَّك فوق سطح الحقل مثلما تتحرَّك الأمواج فوق سطح المحيط. تَختفي هذه الحركة التي تُشبه الأمواج إذا اقتربت كثيرًا من الحقل. فما سبب هذه الحركة؟

الجواب: تعود هذه الأمواج الظاهرية إلى الرياح التي تدفع الحبوب أو الحشائش إلى الاهتزاز. عندما تكون جوانب النبات مواجهةً لك فإنها تعكس نحوك الضوء، فتمنح المنطقة مظهرًا ساطعًا. وعندما تكون الجوانب غير مواجِهة لك كثيرًا (كأن يكون الساق مُنحنيًّا نحوك أو بعيدًا عنك) يكون الانعكاس بالنسبة إليك أقل وتبدو المنطقة أكثر قتامة. ومع غُدُوِّ الرياح ورواحها، يأتي ويذهب المظهر الساطع والمظهر القاتم. ولكي تَحصُل على انطباع حركة الأمواج يجب أن تكون بعيدًا عن النباتات بالقَدر الكافي كي لا ترى تفاصيلها.

(٤٦) الهالة

إذا وقفتَ على جبل وأَولَيتَ ظهرك إلى الشمس ونظرت إلى الأسفل في الضباب الكثيف الذي يضيئه ضوء الشمس المباشر، فقد ترى نسقًا من الحلقات الملوَّنة حول ظل رأسك. يُطلق على هذا النسق «الهالة» أو «الهالة المقابلة» أو «قوس بروكن». من الممكن أن تشعر أنك قديس لأنك لن ترى أبدًا مثل هذا النسق حول رأس أحد الأصدقاء.

في الغالب يُمكن أن تشاهد الهالة عندما تُحلِّق فوق غيومٍ ممتدة. وتتكون هذه الهالة حول نقطةٍ في مواجهة الشمس مباشرةً. وإذا كانت الطائرة قريبة على نحوٍ معقول من الغيوم على نحو يمكنك من رؤية ظلها، فسوف تتمركز الهالة عند نقطة في الظل تُماثِّل موقعك في الطائرة. في الغالب تتخذ الهالة شكلًا دائريًّا لكن في بعض الأحيان من الممكن أن تتشوَّه كثيرًا ويُصبح شكلها بيضاويًّا. إذا كانت النقطة المقابلة للشمس تمر بين السحب والأرض على نحو متقطع، فسوف تأتي الهالة وتذهب وقد يحلُّ محلَّها في بعض الأحيان «هالة ساطعة» ناتجة عن ميل الأرض إلى تشتيت الضوء لتُعيدَه مرةً أخرى إلى الشمس.

فما سبب الهالة؟ وما تسلسل الألوان فيها؟ وكيف يعتمد الحجم الزاوي للهالة على حجم قطرات الشبورة أو السحب بالأسفل؟

الجواب: السبب في الهالة هو تداخُل الضوء الذي تُشتِّته قطرات الماء الصغيرة ليعود إلى الشمس. وعندما تُعيق جزءًا من الضوء المشتت العائد إلى الشمس فإنك ترى الهالة. والتشتيت نوع من «الحيود» ينتشر فيه الضوء ويتعرض للتداخُل؛ فتُعزز بعض الموجات موجات أخرى (تداخل بنَّاء) وتميل موجات أخرى إلى إلغاء غيرها (تداخل هدَّام). ونتيجة ذلك يتكوَّن نسق تنتهي فيه الألوان المختلفة إلى اتجاهات مختلفة.

ونموذج الحيود بالنسبة إلى القطرات الصغيرة في الهالة في غاية التعقيد. إليك هذا التفسير البسيط: يتكوَّن التشتيت من مُكوِّنَين ضوئيَّين. يتكون المكون الأول من موجات ضوئية تدخل القطرة وتنعكس داخليًّا ثم تخرج عائدة إلى الشمس. أما المكون الثاني فيتكون من موجات ضوئية تنزلق على السطح الخلفي للقطرة ثم تتوجه عائدة إلى الشمس. يتعرَّض هذان المُكوِّنان إلى التعزيز أو الإلغاء، ونتاج تداخُل القطرات الكثيرة يكون نسقًا من شرائط ساطعة دائرية، يسود فيها اللون الأحمر خارج النسق ويسود فيها اللون الأزرق داخل النسق.

يَعتمِد الحجم الزاوي للهالة على حجم القطرات، فكلما كَبُر حجم القطرات صَغُر حجم الهالة. تتباين أحجام القطرات عادةً عبْر نطاق واسع؛ ومِن ثمَّ تميل الألوان إلى التداخل ويُصبح من الصعب تمييزها. أما إذا كان النطاق ضيقًا، فمن الممكن أن نُميِّز الألوان ونرى أطيافًا كاملة عديدة (من الأزرق إلى الأحمر).

تتشوَّه الهالة فتُكوِّن شكلًا بيضاويًّا إذا كانت الشمس مُنخفضةً، وإذا كنت تشاهد الهالة ممتدة على جدار طويل من السحُب يتغير فيه حجم القطرات حسب المسافة التي تبعدها عنك.

(٤٧) الهالة الشمسية والهالة القمرية

الهالة منطقة ساطعة تُحيط بالشمس أو بالقمر. وتتكوَّن هذه المنطقة في بعض الأحيان من حلقات ملوَّنة. وقد لاحظتُ ذات مرةٍ هالةً قمرية مكوَّنة من مجموعتَين من الحلقات الملونة وأجزاء من مجموعة ثالثة خارجية، وكان منظرها ساحرًا. فما السبب في الهالة، وما هو تسلسل الألوان فيها؟ ولماذا تُصبح الألوان مرئيةً أحيانًا فحسب؟ وما الذي يُحدِّد حجم الهالة؟

الجواب: تحدث الهالة الشمسية والهالة القمرية نتيجة حيود الضوء أثناء مروره على قطرات الماء في السحب في طريقه إليك. والحيود نوع من التشتُّت ينتشر فيه الضوء في نسق متداخل. جزء من الموجات يُعزِّز بعضه بعضًا ليُنتج ضوءًا ساطعًا، بينما الجزء الآخر يلغي بعضه بعضًا ليُنتج ظلامًا. يَنشُر الحيود ألوان الضوء الأبيض في الأصل، وينتشر اللون الأحمر بزاوية أكبر من زاوية اللون الأزرق. ونتيجة لذلك، فغالبًا ما تكون الحافة الخارجية للهالة حمراء اللون. يعتمد مدى انتشار الألوان على حجم القطرات. فترى حلقات مميَّزة من الألوان عندما تكون القطرات متطابقة في الحجم تقريبًا ويكون قُطرها بضعة ميكرومترات. وعندما تختلف أحجام القطرات على نطاق واسع، تتداخل الألوان لتُكوِّن هالة بيضاء (ذات حافة حمراء باهتة على الأرجح).

والحلقات المحيطة بالشمس في لوحة «الكرم الأحمر» التي رسمها فنسنت فان جوخ ليس لها علاقة على الأرجح بالهالة، بل رسَمها ليُمثِّل الإشعاع. لقد اعتاد على رؤية هذه الحلقات حول مصادر الضوء نظرًا لتأثُّر رؤيته بالأعراض الجانبية لاستخدام نبات القمعية لأغراض علاجية بمُستوًى يُسبِّب السُّمِّية.

(٤٨) هالة الزجاج المتجمد

عند المرور على نافذة زجاجية متجمِّدة في ليلة باردة قد تجد أن المصابيح الداخلية محاطة بحلقات ملونة. فلماذا تظهر تلك الحلقات؟ ولماذا تكون محاطة بحلقة قاتمة؟

الجواب: تُشبه هالة الزجاج الهالة الجوية المذكورة في البند السابق، فكلتاهما سببُهما حيود الضوء بفعل قطرات الماء، لكن قطرات الماء هنا تكثَّفت على الزجاج. والحلقة القاتمة الخارجية هي جزء من نسق الحيود تصل فيه الموجات الضوئية إلى عينيك وهي غير مُتطاورة بعضها مع بعض؛ ومِن ثمَّ يُلغي بعضها بعضًا.

وإذا كانت النافذة المتجمِّدة مُتحرِّكة كما هي الحال في القطار، فمن الممكن أن ترى الهالة على كل مصدر ضوء مارٍّ، بحيث تبدو الهالة وكأنها تندفع أمامك. أما إذا كان مصدر الضوء يَرتعِش مثلما تفعل مصابيح الشوارع الزئبقية، فقد ترى أيضًا أشرطة رأسية ساطعة وقاتمة فوق الهالة.

(٤٩) السحب المُتَقزِّحة اللون

لماذا تتلوَّن بعض السحب بألوان باهتة مثل الوردي والأخضر في أغلب الأحيان؟

الجواب: عندما يَبلُغ قُطْر قطرات الماء أو بلورات الثلج بضعة ميكرومترات فإنها تحيد (تنشر) ضوء الشمس في صورة نسَقٍ مُتداخل تعزز فيه الموجات بعضها البعض أو تلغي بعضها البعض. فعند زوايا انتشار معيَّنة تكون الأمواج الضوئية مُتطاورة، فيعزز بعضها البعض؛ ومِن ثمَّ تكون النتيجة هي الضوء الساطع. وفي زوايا أخرى تكون الأمواج الضوئية غير مُتطاوِرة، ويلغي بعضها البعض؛ ومِن ثمَّ تكون النتيجة البهتان أو الظلام. ويُسفر هذا عن ألوان مختلفة في زوايا مختلفة. إلا أن انتشار الألوان يَعتمد على حجم القطرات أو البلورات؛ فإذا كانت كلها مُتماثلة في الحجم، تصبح الألوان فاقعة، أما إذا اختلفت الأحجام، فسوف تتداخل الألوان لتُعطيَ لونًا باهتًا أو بياضًا.

ونظرًا لأن الضوء يحيد في الاتجاه الأمامي بصورة أساسية، فيجب أن تكون السحابة محاذية تقريبًا لمنظورك للشمس كي تحجب بعض الألوان. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون السحابة رقيقةً (رفيعة) وإلا فسيحدث انتشار الألوان في كل مرة يمرُّ فيها الضوء عبْر السحاب لدرجة تجعل الألوان شديدة التداخل بما يحولُ دون تمييزها. وفي السُّحب السميكة فلا تظهر الألوان إلا عند الحواف الرفيعة.

(٥٠) القمر الأزرق

تعيش جدتي في بلدة في تكساس، وهي بلدة صغيرة للغاية لدرجة أنه، حسب قولها، لم يَحدث فيها أمر مُثير للاهتمام إلا حين حل «قمر أزرق». فما هو القمر الأزرق؟

الجواب: تَحدُث ظاهرة القمر الأزرق نتيجة الأهباء الجوية المُكوَّنة من جزيئات تتراوح أقطارها بين ٠٫٤ و٠٫٩ ميكرومتر. ومن المُحتمَل أن تكون هذه الجزيئات قد انطلقت إلى الغلاف الجوي العُلوي بفعل بركان أو حريق في إحدى الغابات. مِن المُمكن أن يكون حجمها مناسبًا منذ البداية لِتكوِّن القمر الأزرق، أو مِن المُمكن أن تكتسب الحجم المناسب مع تكثُّف الماء عليها. عندما يَنتقل ضوء القمر عبر الجزيئات، تتشتَّت الأجزاء الحمراء والصفراء من الطيف إلى جانب رُؤيتك، وتستقبل بصورة أساسية الأجزاء الزرقاء والخضراء المُزرقَّة. وإذا كان القمر قريبًا من الأفق، فلا بد أن يسلك الضوء مسارًا طويلًا عبْر الغلاف الجوي لدرجة أن الهواء يُشتِّت مُعظم اللون الأزرق؛ ومِن ثمَّ ترى قمرًا أخضر. وتَنطبق كلتا النتيجتَين على لون الشمس الذي يُمكن أن يكون أزرق أو أخضر عند رؤيته عبْر الهباء المناسب.

(٥١) أضواء الضباب الصفراء

هل تستطيع أضواء السيارة الصفراء أن تخترق الضباب على نحوٍ أفضل من الأضواء البيضاء؟

الجواب: إذا كان قُطر قطرات الضباب أصغر من ٠٫٢ ميكرومتر تقريبًا، فسوف يتشتَّت الطرف الأزرق والأخضر من الطيف أكثر من الطرف الأحمر والأصفر. في الواقع، تَخترق الأضواء الصفراء الضباب على نحوٍ أعمق من أي لونٍ آخر، ويُمكن أن تتشتَّت أو تنعكس مرتدة إليك عبْر الطريق. أما إذا كان قطر القطرات أكبر نسبيًّا؛ أي حوالي ٠٫٦ ميكرومتر، فقد تكون النتيجة معاكسة، وسيكون اللون الأزرق أو اللون الأخضر أفضل اختراقًا. وإذا كانت القطرات أكبر كثيرًا، فسوف يكون اختراق الألوان كلها مُتماثلًا تقريبًا. ولتعقيد الأمر على نحو أكبر فمِن المُمكن أن تَحتوي القطرات على ملوثات تمتصُّ ألوانًا معيَّنة. ومِن ثَمَّ فليس لدينا جواب محدَّد في هذا الصدد.

(٥٢) قتامة الرمال المبتلَّة

لماذا تكون الرمال وهي مبتلَّةٌ أكثرَ قتامةً منها عند جفافها؟ لماذا الشعر المبلول أغمق من الشعر الجاف؟ ولماذا أثناء القيادة على الطريق ليلًا دون وجود إضاءة من مصابيح الشوارع، تكاد تختفي خطوط الطريق الملوَّنة أثناء المطر؟

الجواب: عندما تكون الرمال جافة يتناثر معظم الضوء مرةً أو مرتين فقط قبل أن يَترك الرمال، وتمتص الرمال قدرًا قليلًا من الضوء، فتكون الرمال فاتحةً وربما برَّاقة. وعندما تكون الرمال مبتلَّة يتشتَّت الضوء مراتٍ كثيرة ولا يُغادر الرمال منه إلا النزر اليسير، فتُصبح الرمال أكثر قتامة. ويوجد نموذجان يُفسِّران التشتُّت الإضافي للضوء عندما تكون الحبيبات مغطَّاة بالماء: (١) يُمكن أن يكون الضوء محبوسًا داخل طبقة الماء ويُمتَص تدريجيًّا مع انعكاسه المتكرِّر داخل الطبقة. وهذا يُفسِّر لماذا يكون الشعر أكثر قتامةً عندما يكون مُبتلًّا. (٢) عندما تكون حُبيبات الرمال مبتلَّة، فإن الضوء يتشتَّت في الاتجاه الأمامي — أي على نحوٍ أعمق في طبقة الرمال — ومِن ثَمَّ تقل فرصة الضوء في الخروج مرةً أخرى.
fig139
شكل ٦-١٦: بند ٦-٥٢: تُقلِّل طبقة الماء على الطريق كمية الضوء الواصل إلى سطح الطريق.
عندما يكون الطريق جافًّا يُشتِّت سطحُ الطريق في كل الاتجاهات الضوءَ الصادرَ عن مصابيح السيارة الأمامية؛ فيعود لك قدرٌ كافٍ من الضوء لتُميِّز الخطوطَ وبعض معالم ملمس سطح الطريق. وعندما يكون الطريق مغطًّى بطبقة من الماء يتعرض بعض الضوء الصادر عن المصابيح الأمامية إلى الانعكاس كالمرآة عند سطح طبقة الهواء والماء، ويُنير سطحَ الطريق قدرٌ أقل من الضوء (انظر شكل ٦-١٦). بمجرَّد تشتُّت أي ضوء من سطح الطريق فلا بد مِن مروره عبْر سطح طبقة الهواء والماء مرةً أخرى ليصل إليك. عند هذا السطح يَنعكِس بعض الضوء (وربما معظم الضوء اعتمادًا على الزاوية) مرتدًّا إلى سطح الطريق. ونتيجة كل هذه العوامل فإنَّ الضوء العائد لك قد يكون خافتًا للغاية على نحو يَحول دون تمييز خطوط وملامح الطريق.

(٥٣) ألوان الجليد والثلج

لماذا عادةً ما يكون لون الثلج أبيض، ولماذا يكون لون الحُفرة المحفورة في الثلج أزرق في بعض الأحيان؟ وما هو لون الجليد؟ ولماذا تبدو الكُتَل الجليدية في القطب الجنوبي خضراء في بعض الأحيان بينما لا تبدو الكُتَل الجليدية في القطب الشمالي خضراء أبدًا؟

الجواب: عندما تشاهد الثلج في ضوء الشمس الأبيض، فأنت تعترض الضوء المنعكس من أسطح البلورات وأيضًا الضوء المُنتقِل عبْر بعض البلورات. يحتفظ الضوء المنعكس ببياض ضوء الشمس الواقع على السطح. ويتعرَّض الضوء المار عبْر بعض البلورات لامتصاص بسيط عند طرف الطيف الأحمر وتنتهي به الحال أزرق اللون نسبيًّا، لكن هذا التلون يكون باهتًا للغاية على نحو يحول دون رؤيتك له؛ ومِن ثمَّ يبدو الثلج أبيض. وإذا وصل الضوء إلى حفرة عبْر الانتقال من خلال الثلج العلوي، فإنه يمر عبْر عدد هائل من البلورات. وفي هذه الحالة قد يصبح اللون الأزرق ملحوظًا.

تتلون أجزاء كبيرة من الجليد، كما هي الحال مع الجبال الجليدية، باللون الأزرق إذا انتقَلَ الضوء لمسافة متر تقريبًا عبْر الجليد، إما من جانب لآخر وإما فقط من خلال الارتداد من الجانب الأول بعد التشتُّت من الشوائب الداخلية. إلا أن بعض الجبال الجليدية المنشقَّة عن الجروف الجليدية في القطب الجنوبي تبدو خضراء على نحوٍ واضح. والسبب في هذا اللون الأخضر هو امتصاص الضوء الأزرق من قِبل العوالق النباتية البحرية التي أضيفت تدريجيًّا لقاعدة الجرف الجليدي أثناء تجمُّد مياه البحر حتى القاعدة. ويُحوِّل امتصاص اللون الأزرق لونَ الضوء المنتقل عبْر الجليد إلى اللون الأخضر. وإذا انقلب الجزء الجليدي بعد انشقاقه يظهر الجليد أخضر اللون على الجبل الجليدي الناتج. لا تظهر الجبال الجليدية الخضراء في القُطب الشمالي، والسبب المُفترَض هو أن الجروف الجليدية تتحرك وتنشق في البحر سريعًا جدًّا على نحو يحول دون تراكُم العوالق النباتية على نحوٍ ملحوظ.

(٥٤) المرايا الجليدية وشرارات الجليد

عادةً ما يكون انعكاس ضوء الشمس من الحقل الجليدي مُبهرًا ويشع باللون. فما سبب هذه الظاهر المعروفة باسم «المرايا الجليدية»؟ وما سبب الشرارات الشائعة ذات الألوان الخافتة التي يُمكِن رؤيتها في الحقل الجليدي؟ ولماذا يبدو في الغالب أن الشرارات الجليدية توجد فوق سطح الجليد أو أسفله؟

fig140
شكل ٦-١٧: بند ٦-٥٤: يمكن لشرارتي جليد متقاربتين الإيهام بوجود شرارة واحدة إما (أ) أسفل سطح الجليد وإما (ب) فوق سطحه.
الجواب: تظهر المرايا الجليدية في الأيام الساطعة المشمسة عندما تذوب الطبقة العليا من الجليد مُكوِّنةً طبقة رقيقة من البلَّورات الثلجية. تأتي الطاقة الحرارية اللازمة للذوبان من ضوء الشمس الذي يَخترق طبقة الجليد ويَنعكِس مرات كثيرة إلى أن يُمتَص معظمه. ثم تَنتقِل الطاقة الحرارية إلى السطح حيث تذوب أجزاء صغيرة من الجليد؛ ومِن ثمَّ يعيد الهواء البارد تجميدها. ونتيجة لذلك تتكون طبقة من البلورات الثلجية تعمل كالمنشور الزجاجي في ضوء الشمس فتُرسل الضوء الساطع وتفصل لك الألوان.
أما الشرارة الجليدية الأكثر شيوعًا فتعود إلى البلورات الثلجية نفسها التي تعمل كالمنشور الزجاجي فتكوِّن نقاطًا ملوَّنة. ونظرًا لأن عينَيك منفصلتان، فإن كلًّا منهما ترى مجموعة مختلفة من الشرارات في الجليد القريب. وعندما توجد الشرارة التي تراها إحدى العينَين بجوار شرارة تراها العين الأخرى فإن العقل من تلقاء نفسه يَدمج الشرارتَين ويجعلك تتوهم أن الشرارة الواحدة توجد إما فوق سطح الجليد أو أسفله. تبدو الشرارة الواحدة أسفل سطح الجليد عندما ترى العين اليُسرى شرارة على «يسار» الشرارة التي تراها العين اليمنى (انظر شكل ٦-١٧أ). وتبدو الشرارة الواحدة فوق السطح الجليدي عندما ترى العين اليُسرى شرارة على «يمين» الشرارة التي تراها العين اليمنى (انظر شكل ٦-١٧ب).

(٥٥) الرؤية الضبابية وعمى الثلج

ما الظروف التي تؤدِّي إلى حالة فقدان الرؤية والاتجاه في الحقل الجليدي، والمعروفة باسم «الرؤية الضبابية»؟ إذا كان الضوء ساطعًا، فلماذا تختفي الظلال؟ في بعض الأحيان يمكن أن يُؤذي الابيضاض الجليدي العين، وربما يؤدِّي إلى العمى الدائم (عمى الثلج). هل حدوث الرؤية الضبابية في الأيام المشمسة أكثر احتمالًا من حدوثها في الأيام الغائمة؟

الجواب: يوجد نوعان للرؤية الضبابية. فعندما تَضرب العاصفة الثلجية الأرضية الجليدَ السائب وتجعل الرؤية قاصرةً على عدة أمتار، فإنك قد تضل الطريق بعد السير لمسافة قصيرة فحسب. ويحدث نوع آخر من الرؤية الضبابية عندما يُغطي الجليد الأرض وتغطي الغيوم البيضاء السماء. ونظرًا لأنَّ الأرض والسماء تَعكِسان الضوء بسطوع، فإن الإضاءة تصبح منتشرة لدرجة تمنع تكون الظلال. عندما تكون الأرض في درجة سطوع السماء والسحب العلوية يختفي الأفق وتندمج السماء والجليد في سطح أبيض واحد. في هذه الحالة ستشعر كما لو كنتَ في فضاء أبيض فسيح. ويروي فيلهلمر ستيفانسون في مذكراته وقصصه عن السنوات الخمسة التي قضاها في الرحلات الاستكشافية القُطبية، فيقول: إن الرؤية الضبابية لم تكن واردة في الأيام الصحوة أو الأيام شديدة الغيومة، بل إنها كانت تُهدِّده في الأيام التي تغطي فيها السحب الغائمة السماء بقدر يكفي لحجب الشمس ويَسمح أيضًا بوصول قدر كافٍ من ضوء الشمس. في هذه الحالة قد يعجز المرء عن رؤية كتلة جليدية في نصف طوله، فما بالك بالكُتَل الصغيرة التي قد تتسبَّب في تعثره.

وإذا كان الضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية ساطعَين فمِن المُمكن أن تتسبَّب الرؤية الضبابية في ألم للعينَين وربما تؤدي إلى العمى الدائم. وحتى العصور الحديثة ظلَّ بعض السكان الأصليين في كندا وألاسكا يُقلِّلون من تعرُّضهم للضوء من خلال ارتداء نظارة مكونة من قطعة من الخشب أو العظام ذات شق رفيع على كل عين.

(٥٦) نظارات التزلج الصفراء

يَزعم بعض المُتزلِّجين أن الكتل الجليدية الصعبة التبيُّن يمكن رؤيتها على نحو أفضل في الأيام الضبابية من خلال نظارة ذات زجاج أصفر. يوصي أيضًا المستكشف القطبي الشهير فيلهلمر ستيفانسون باستخدام نظارات ذات عدسات برتقالية للتجوُّل في الحقول الجليدية والثلجية. فهل تتحسَّن الرؤية فعليًّا باستخدام هذه العدسات الصفراء في تلك المواقف؟

الجواب: إليكم السبب الذي قد يَجعل النظارات الصفراء فعَّالة: يُقلِّل الضباب من القُدرة على رؤية الكتل الجليدية لأنه يُشتِّت ضوء الشمس على ظلال تلك الكتل ويجعل ظلالها أقل وضوحًا؛ لأنها تكاد تكون غير مُتباينة مع الجليد المحيط بها. وإذا كان الضباب مكوَّنًا من جزيئات شديدة الصغر (ذات قطر أقل من ٠٫٢ ميكرومتر) فإنها تشتت الجزء الأزرق والأخضر من الطيف أكثر من تَشتيتها للجزء الأحمر والأصفر، ويتشتَّت قدر قليل من الضوء الأصفر في مناطق الظلال. وعند ارتداء نظارة شمسية صفراء بحيث ترى فقط الضوء الأصفر المشتَّت من الجليد، فقد تكون أكثر قدرة على تمييز الظلال وإدراك وجود الكتل الجليدية.

أثمة سبب آخر وهو أن النظارات الشمسية قد تعزز سطوع المشهد الظاهري (وليس الفعلي) سواء أكان جليديًّا أم لا. ويعود هذا التأثير إلى عمل المُستقبلات الضوئية العصوية في الشبكية. وعند تحفيز تلك المستقبلات بالضوء في الطرف الأصفر والأحمر من الطيف، وليس بضوء الطرف الأزرق والأخضر، فإن إشارة تلك المستقبلات للمُخ تتفاعَل مع إشارة المستقبلات الضوئية المخروطية في الشبكية مما يؤدِّي إلى زيادة في السطوع الظاهِري.

(٥٧) إظلام الجليد

عندما تذوب بحيرة متجمِّدة في فصل الربيع، لماذا تتحوَّل أجزاء من الجليد إلى لون داكن؟

الجواب: أحد الأسباب هو أنه عند ذوبان الجليد يتحول السطح العلوي إلى بِنية هشة من بلورات عمودية في عرض قلم الرصاص يتخلَّلها الماء. في السابق كان الجليد ساطعًا نظرًا لانعكاس ضوء الشمس منه بالتَّساوي، أما الآن أصبح ضوء الشمس يَنعكِس مرات كثيرة بين البلورات، فيَزداد إظلامًا مع كل انعكاس. ونظرًا لقلة الضوء المنعكس لك يصبح الجليد أكثر إظلامًا.

ثمة سبب آخر، وهو أنه عندما تتجمَّد المياه سريعًا يندفع الهواء المُتحلِّل إلى الفقاعات المحصورة في الجليد. ونظرًا لأن معدل التجمُّد يكون عادةً أسرع قرب سطح الماء، فإن الطبقة العلوية من الجليد تحتوي على الكثير من الفقاعات الحبيسة. وكل فقاعة من الفقاعات تُشتِّت ضوء الشمس وتمنح الجليد مظهرًا أبيض ساطعًا. وفي فصل الربيع تذوب أجزاء من طبقة الجليد العلوية فتكشف طبقات الجليد السُّفلية المحتوية على عدد أقل من الفقاعات الحبيسة. ولذلك، فإن أجزاء الطبقة السُّفلية المكشوفة تكون أكثر إظلامًا من أجزاء الطبقة العُلوية المُتبقية.

(٥٨) السحب الساطعة والسحب القاتمة

لماذا معظم السُّحب بيضاء وساطعة؟ لماذا بعض السحب قاتمة؟ لماذا حوافُّ بعض السحب القاتمة ساطعةً (سحابة ذات «بطانة فضية» مثلما يقول القول المأثور)؟

الجواب: السُّحب بيضاء لثلاثة أسباب: (١) تُشتِّت قطرات الماء الألوان المُختلفة في ضوء الشمس الأبيض بالتساوي تمامًا. (٢) تمتصُّ السحب قدرًا قليلًا من الضوء ومِن ثَمَّ لا تتلوَّن من الامتصاص. (٣) تُشتِّت السحب ضوء الشمس مرات عديدة قبل أن يتَّجه نحوك. أي مجموعة سحب صغيرة تَمتلِك تلك الصفات الثلاث ستكون بيضاء في ضوء الشمس. وقد تبدو السحابة سوداء مقارنة بمُحيطها أو لأنها سميكة على نحوٍ يَحول دون اختراق قدر كبير من الضوء لها. والسحابة القاتمة، بل ربما السوداء كما تبدو من الأرض، ستكون بيضاء وساطعة إذا شُوهدت من على متن طائرة. ومن هذا المنظور، ستكون السحب القاتمة فقط هي تلك التي لا يُنيرها ضوء الشمس المباشر.

تشتُّت قطرات الماء في السحابة الضوء في اتجاه الأمام تشتيتًا قويًّا، بينما يكون تَشتيت الضوء في أي اتجاه آخر أضعف. ومِن ثَمَّ فإذا كانت السَّحابة القاتمة قريبة من الشمس من منظورك، فإن القطرات على حافة هذه السحابة سوف تُشتِّت الضوء بقوة في اتجاهك. وعلى الرغم من أن داخل السحابة قاتم من منظورك، فإن هذا التشتيت القوي من الحافة الرقيقة سيجعل الحافة ساطعة نسبيًّا. وإذا لم تكن السحابة قريبة من الشمس، فستَفتقر الحافة إلى هذا التشتيت القوي للضوء في اتجاهك ولن ترى حافة ساطعة.

(٥٩) السحب المضيئة ليلًا

في المناطق القريبة من دائرة العرض ٥٠ تظهر عادةً سُحُب غائمة فضِّية ضاربة إلى الزرقة بعد فترة من غروب الشمس، لا سيما أثناء الصيف في الجزر البريطانية والدول الإسكندنافية. فما سبب هذه السحب التي يُطلق عليها «السحب المضيئة ليلًا»؟ لماذا تُرى فقط بعد فترة من الغروب، ولماذا تتخذ أحيانًا مظهرًا مَوجيًّا؟ ولماذا ظهرت لأول مرة عام ١٨٨٥؟ ولماذا زادَ سطوعها وعدد مرات ظهورها في العموم (لكن ليس دائمًا) منذ ذلك الحين؟

الجواب: تتكوَّن السُّحب عند ارتفاعات عالية (حوالي ٨٠ كيلومترًا) في جزء من الغلاف الجوي يُعرَف باسم «الميزوسفير». ومِن ثَمَّ يُطلَق عليها أحيانًا «سحب الميزوسفير». ونظرًا لوقوعها على ارتفاعات عالية، فإنها تظلُّ مضيئة بضوء الشمس حتى عندما يكون الظلام قد غشيك منذ ساعة أو ما يَقرُب من ذلك. وعلى الأرجح تتكوَّن هذه السحب من أجزاء صغيرة من التراب الذي قد يأتي من المذنَّبات وزخَّات الشهب والبراكين (في بعض الأحيان). وهذه السُّحب رقيقة للغاية على نحو يَحول دون رؤيتها في النهار أو أثناء الغروب. وقد يكون السبب في مظهرها الموجي هو «موجات الكثافة» (وهي تَذبذُبات شبه مَوجية في الضغط ودرجة الحرارة، يُطلَق عليها غالبًا «موجات الجاذبية») التي تَنتقِل عبْر السحب.

ومن الواضح أن أول ظهور للسحب المضيئة كان بسبب انفجار بركان كراكاتوا عام ١٨٨٥ بالقُرب من جاوة. وأطلق هذا الانفجار الهائل كلًّا من الأتربة والماء لارتفاعات عالية. وعلى ارتفاع ٨٠ كيلومترًا تقريبًا تجمَّع الماء على التراب البركاني (وربما أيضًا على التراب المُذنَّبي والشُّهبي) ليُشكِّل جزيئات صغيرة (أصغر من الميكرومتر) كوَّنت أول سحب مضيئة مُعلَن عنها. ويعود السبب في الزيادة العامة في عدد السحب المضيئة وسطوعها منذ عام ١٨٨٥ إلى زيادة إنتاج غاز الميثان بفعل الصناعة وحقول الأرز ومدافن القمامة والغازات التي تُطلِقها الماشية. يَصعد غاز الميثان إلى الطبقة العليا من الغلاف الجوي ويتعرض لتغيُّرات ويسفر عن زيادة جزيئات الماء وأجزاء الجليد في السحب المضيئة ليلًا.

(٦٠) أنت في المرآة

إليك سؤالًا شائعًا عن الصور في المرآة المسطَّحة: لماذا تظهر صورتك معكوسة إلى اليسار واليمين ولا تظهر مقلوبة من أعلى وأسفل؟

افترض أن قمة المرآة المسطَّحة مُتوافِقة مع قمة رأسك؟ فما طول المرآة اللازم لترى قدمَيك فيها؟ هل يَعتمد الجواب على مسافة وقوفِك من المرآة؟ هل إذا تحرَّكت بعيدًا عن مرآة مسطَّحة فسترى فيها في هذه الحالة قدرًا أكبر من جسمك أم قدرًا أقل؟

الجواب: صُورتك في مرآة مسطَّحة هي انعكاس من الأمام للخَلف وليست انعكاسًا من اليسار لليمين. لاحظ على سبيل المثال أن كل ما هو على يسارك يظلُّ على يسارك في الانعكاس. ويحدث الارتباك إذا أدرت نفسك ذهنيًّا حول محور رأسي إلى أن تصبح محاذيًا لصورتك في المرآة. وما ستُطلِق عليها في هذه الحالة يدك اليمنى ستكون في الواقع صورة يَدِكَ اليُسرى. رغم ذلك، فإن المرآة لا تقوم بهذا الدوران. ولترى ذلك، التفِت إلى اليمين بحيث تَقترب ذراعك اليسرى من المرآة، ولاحظ أن الدوران الذهني لم يَعُد له معنًى.

إذا كانت قمة المرآة مُحاذية لقمة رأسك فيجب أن تكون المرآة نصف طولك فقط لترى قدمَيك فيها. في هذه الحالة سيُمكنك رؤية رأسك من خلال انعكاسه في قمة المرآة، وسترى قدمَيك من خلال انعكاسهما في أسفل المرآة. ولا تتغيَّر هذه الانعكاسات إذا غيَّرت مسافة وقوفك من المرآة.

(٦١) انعكاسات الماء ومرآة المسرح

إذا نظرت إلى منظر طبيعي أثناء مُشاهَدة انعكاسه على المياه الهادئة، فهل سيكون الانعكاس صورة مرآتية للمَنظر الطبيعي؟

fig141
شكل ٦-١٨: بند ٦-٦١: شعاع مباشر وشعاع منعكس يصلان إلى المشاهد عبْر مسارين مختلفين.

إذا نظرت إلى انعكاس السقف العُلوي أو وجهك في فنجان الشاي، فلماذا تكون الصورة مشوَّهة قُرب جدار الفِنجان؟ إذا أمسكت فنجان الشاي في ضوء الشمس عندما تكون الشمس مرتفعة في الأفق، فلماذا ترى صورتَين صغيرتَين للشمس في اتجاهات معينة للفنجان؟ لماذا تكون التشوُّهات قُرب جدار الفنجان مختلفة إذا كان الفنجان ممتلئًا لدرجة ارتفاع السائل فوق حافة الفنجان نسبيًّا؟

عند إمالة فنجان لبن نصف ممتلئ بحيث يغطي اللبن جزءًا فقط من قاع الفنجان، لماذا يكون هذا الجزء من القاع محاطًا بشريط شفاف؟

إذا نظر مُمثِّل (على المسرح أو في التليفزيون أو في السينما) في مرآة ورأيت وجه المُمثل في مُنتصِف المرآة، فماذا يرى المُمثل في المرآة؟

الجواب: يختلف المنظور المباشر والمنظور المنعكس في المرآة في العموم لأنَّ الأشياء الموجودة في المقدمة تحجب الأشياء الموجودة في الخلفية بطرق مختلفة نسبيًّا. والسبب في ذلك هو أنه لكي تصل إليك الأشعة المباشرة فإنها على الأرجح تكون شبه أفقية وتكون الأشعة المنعكسة متَّجهة في البداية إلى أسفل نحو الماء (انظر شكل ٦-١٨).

في فنجان الشاي يتقوَّس سطح السائل نسبيًّا قُرب جدار الفنجان لأن تماسُك الماء والتصاق الماء بالجدار يَسحب السائل أعلى الجدار. (يقال عادةً إنَّ هذا التسلُّق سببه «التوتر السطحي» للماء.) يتصرف سطح السائل كالمرآة فيُصدر صورًا مرآتية لكل ما هو فوقه. وفي حين يُعطي الجزء المسطح صورًا مشوهة، فإن الجزء المقوَّس للداخل (المقعر) يصغِّر الصور. وإذا حملت فنجان شاي في ضوء الشمس عندما تكون الشمس المُرتفعة في السماء في ظهرك في العموم فسوف ترى صورتَين مُصغَّرتَين للشمس؛ إحداهما يُرسلها لعينَيك السطح المقوَّس عند جدار الفنجان، والأخرى يرسلها أولًا السطح المقوس إلى السطح المسطح ثم تنعكس إلى عينَيك.

إذا كان الفنجان مُمتلئًا فإن سطح السائل قرب حافة الفنجان يَبرز للخارج (يكون «محدبًا»). ومرة أخرى ستُصبح الصور مصغرة، شبيهة نسبيًّا بالصور التي نراها في مرايا المتاجر لمنع السرقة.

فنجان اللبن أبيض لأنَّ الضوء يخترق أولًا سطح اللبن ثم يتشتت لك من جزيئات اللبن (مثل الدهون). هذا الضوء المشتَّت يكون ساطعًا على نحو يكفي لحجب أي انعكاس مرآتي على سطح اللبن. أما منطقة الشريط الشفاف المحيطة باللبن في الفنجان المائل فتَحتوي على عدد من الجزيئات أقل نسبيًّا؛ ومِن ثمَّ يكون الضوء الذي تُشتِّته لك الجزيئات خافتًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن السطح المقوَّس يُركز الضوء الذي يعكسه السطح. ونتيجة ذلك يكون الشريط ساطعًا لا ملامح له.

يُوَجَّه المُمثل إلى حمل مرآة ليَعكِس صورة وجهه للكاميرا أو للجمهور. إلا أن ما يراه المُمثل في المرآة ليس وجهه وإنما الكاميرا أو الجمهور. علاوة على ذلك، فقد ظهر هذا التضليل البصري والخطأ المقصود في العديد من اللوحات.

(٦٢) شبح بيبر والرأس الذي لا جسم له

عام ١٨٦٣ اخترع جون هنري بيبر، الأستاذ في معهد لندن للفنون التطبيقية، خدعة هي عبارة عن شبح يتحرَّك ويتحدَّث طافيًا في منتصف الهواء على المسرح. وفي العروض الجانبية في السيرك والمعارض كانت ثمة أنواع رائجة مُشابهة لهذه الخدعة. وفي هذه العروض كان من المُمكِن عندما يدخل المرء خيمة العرض ذات الإضاءة الخافتة أن يجد رأس شخص على الطاولة. وكان هذا الشخص يتحدث على الرغم من أن المكان الموجود أسفل الطاولة خاوٍ. فكيف تنفَّذ هذه الخدع؟

fig142
شكل ٦-١٩: بند ٦-٦٢: ترتيبات من أجل (أ) شبح بيبر و(ب) الرأس الذي لا جسم له.
الجواب: شبح بيبر عبارة عن انعكاس صورة المُمثل على مرآة كبيرة أو لوح زجاجي على المسرح (انظر شكل ٦-١٩أ). فيقف المُمثل في جانب مخفي من المسرح بعيدًا عن منظور الجمهور المباشر، ويُسَلَّط عليه الضوء في حين يَبقى المسرح خافت الإضاءة. وعلى الرغم من أن الجمهور يَستطيع رؤية الصورة المُنعكِسة، فإنهم لا يستطيعون رؤية أي دليل على السطح العاكس.
أما الرأس الذي لا جسم له فهو تحت الطاولة لكن مخفي عن الرؤية بفِعل مرآة. فعندما تنظر أسفل الطاولة ترى صورة مُنعكِسة لرِجل الطاولة الأمامية، لكن يَبدو أن هذه الصورة هي رِجل الجانب البعيد من الطاولة (انظر شكل ٦-١٩ب)، ومن هنا يأتي الوهم المتمثِّل في أن أسفل الطاولة خالٍ.

(٦٣) ميل نوافذ موظفي المراقبة الجوية

لماذا النَّوافذ المُحيطة بمنطقة عمل برج المُراقبة الجوي مائلة وحافاتها العلوية بارِزة للخارج؟ يميل الزجاج الأمامي للسيارة في الاتجاه المعاكس كي يَمنح السيارة الانسيابية. فكيف يُمكن أن يتداخل هذا التصميم مع رؤية قائد السيارة لما يراه أمامه؟

الجواب: إذا كانت نوافذ برج المراقبة عمودية فسوف يرى المُراقِبون الجويُّون انعكاسات أنفسهم ولوحات التحكُّم في النوافذ. ونظرًا لأنهم يَحتاجون إلى رؤية واضحة للمرور الجوي في المطار، لذلك فالنوافذ مائلة للخارج وتُرسل الانعكاسات غير المرغوب فيها إلى السقف المَدهون بالأسود لامتصاص الضوء.

نظرًا إلى مَيل الزجاج الأمامي للسيارة إلى الداخل، فإنَّ قائد السيارة يرى انعكاسًا للوحة عدادات السيارة فوق ما يراه أمامه. وإذا كانت لوحة العدادات، أو أي شيء عليها، ساطعًا فسيَجِد السائق صعوبة في رؤية المَركبات القاتمة القادمة.

(٦٤) الصور في مرآتَين أو ثلاث مرايا

كم صورة لنفسك تراها أثناء الوقوف أمام مرآتَين مسطحتَين مُتجاورتَين بحيث تشكلان زاوية، مثل المرايا التي قد تَجدها في متجر الملابس (انظر شكل ٦-٢٠أ)؟ هل يعتمد عدد الصور على زاوية وقوفك ومكانك أمام المرايا؟ كم عدد الصور التي تراها عند إضافة مرآة ثالثة بحيث تُصبح محصورًا داخل مثلَّث من المرايا؟ ماذا ترى إذا وقفت بين مرآتَين متوازيتَين (أو شبه متوازيتَين) أثناء النظر إلى إحداهما؟
fig143
شكل ٦-٢٠: بند ٦-٦٤: (أ) الوقوف بين المرآتَين. (ب) مخطط للصور. (ﺟ) الصور التي ستراها.
الجواب: لتحديد عدد الصور في المرآتَين، ارسم أولًا منظرًا علويًّا للمرآتَين ثم تحرك مرة في اتجاه عقارب الساعة ومرةً عكس اتجاه الساعة، وأضف مرايا متخيَّلة تُكوِّن الزاوية نفسها مع المرآتَين الحقيقيتَين، كما في الشكل ٦-٢٠ب. كل شريحة جديدة تُضيفها إلى هذه الدائرة ستضمُّ صورة إضافية. ويأتي الجزء الصعب عندما تُضيف الأجزاء البَعيدة إلى الرسم لأنها من المُمكن أن تتداخل. وهذه الأجزاء من المُمكن أن تضيف ما بين صورة إلى أربع صور اعتمادًا على مدى تداخل الصور وعلى مكان وقوفك بين المرايا.
قم الآن بإحصاء عدد الصور في الرسم. هذا هو العدد الذي تَراه عندما تنظر في المرآتَين الحقيقيتَين (خمس صور في شكل ٦-٢٠ﺟ). بالإضافة إلى ذلك ستجد أجزاء شرائح الدائرة محاطة بصورتَي المرآتين نفسهما.

عند إضافة مرآة ثالثة لحَصرك في مثلَّث يُصبح عدد الصور لا نهائيًّا من الناحية النظرية؛ لأنه من المُمكِن حبس الضوء الصادر منك أو من الأشياء الأخرى داخل المثلث، فيَنعكِس لمرَّات كثيرة. أما من الناحية العملية، فإن عدد الصور محدود؛ لأنَّ الامتصاص والانعكاسات المشوَّهة تُضعف الصور تدريجيًّا وتجعلها غائمة، لا سيما في حالة المرايا الرخيصة التي تكون أسطحها العاكسة خلف الزجاج.

يَحدُث أمر مُشابه إذا وقفت بين مرآتَين متوازيتَين مع النظر في إحداهما. من الناحية النظرية سترى عددًا لا نهائيًّا من الصور لذراعك المَمدودة، مثلًا، مُتوازيةً مع المرايا. إلا أنك تستطيع رؤية صور عديدة لرأسك فقط إذا كانت المرايا مائلة نسبيًّا. هل يُمكِنك تفسير ذلك؟

ثمَّة جهاز مُبتكَر يَستخدِم مرآةً مُوازية لمرآة نصف مطلية (عاكسة جزئيًّا)، ويوجد بين هاتَين المرآتَين مصابيح صغيرة. وعندما تنظر إلى الجهاز عبْر المرآة نصف المطلية سترى انعكاسات عديدة للمَصابيح مما يُوهم بوجود مجموعة من المصابيح تتراجع بعيدًا عنك إلى عمق كبير. وفي بعض الأحيان تكون المرآة الخلفية ذات جزء محدَّب بحيث يكون مركز مجموعة المرايا ممتلئًا أيضًا بصور المصابيح.

(٦٥) المشاكيل

في المِشكال التقليدي الرخيص الثمن يُمكن أن ترى مجموعة واحدة من الصور المُرتَّبة على نحو مُتماثل حول نقطة مشتركة. فكيف تُنتِج المشاكيل الأغلى ثمنًا مجموعات كثيرة من الصور؟ كم عدد الأنواع الكثيرة المختلفة من الترتيبات المُتماثلة التي يُمكِن أن توجد داخل المِشكال الواحد؟ أي ترتيبات للمرايا تنتج صورًا لا تتغيَّر (تتبدَّل) عند تغيير زاوية النظر في الآلة؟

fig144
شكل ٦-٢١: بند ٦-٦٥: (أ) الصور المرئية في مشكال ثنائي المرايا. (ب) جزء من مجال الصور المرئي في مشكال ثلاثي المرايا بزوايا ٩٠ درجة و٦٠ درجة و٣٠ درجة.

إذا كانت المرايا مائلة بحيث تكون الفتحة عند أحد الطرفين أصغر من الطرف الآخر، فماذا سترى داخل المشكال؟ كيف تُنتِج أنواع معيَّنة من المشاكيل ألوانًا في حالة عدم وجود أي شيء ملوَّن (كزجاج أو بلاستيك ملوَّن) عند الطرف الآخر؟ ما أنواع الصور التي تراها في أنبوب دائري لامع من الداخل؟

الجواب: مُعظم المشاكيل الرخيصة تَحتوي على مرآتَين تمتدان على طول الأنبوب والزاوية بينهما مقدارها ٦٠ درجة. يُنتِج هذا الترتيب خمس صور منعكسة متجمعة حول نقطة تلاقي المرآتين عند الطرف البَعيد من الأنبوب (انظر شكل ٦-٢١أ). يحتوي التجمُّع أيضًا على رؤية مباشِرة لما يوجد بين المرآتَين عند الطرف البعيد. ومِن ثَمَّ يوجد «تماثل سداسي» في العرض. وإذا تغيرت الزاوية، تغيَّر عدد الصور ونوعية التماثل (انظر البند السابق).
تحتوي المشاكيل الأفضل على ثلاث مرايا أو أربع. (وعلى الأرجح يكون الطلاء العاكس موضوعًا على السطح الأمامي لكل مرآة؛ لأنه عندما يكون الطلاء على السطح الخلفي سوف يَنعكِس الضوء من كلٍّ من الطلاء ومقدمة الزجاج. وتَمنح الانعكاسات الناتجة المُزاحة نسبيًّا صورًا ضبابية.) وبوجود ثلاث مرايا أو أربع ترى مجموعة كبيرة من الصور عند الطرف البعيد للمشكال. وإذا كوَّنت المرايا الثلاث مُثلثًا مُتساوي الأضلاع، فستكون الصور مرتبة في مجموعات ذات تماثُل سداسي. وإذا كونت المرايا أي نوع آخَر من المثلَّثات فسيتكون نوعان أو ثلاثة أنواع مختلفة من التماثل في المجموعات. ويوضِّح شكل ٦-٢١ب مثالًا على ذلك.

باستثناء الترتيبات الأربعة التالية للمرايا فما ستراه سيتغير مع تغير زاوية النظر في المشكال: (١) إذا كان المشكال مكوَّنًا من أربع مرايا فسوف تكون مثلثًا أو مربعًا عند الفتحة. وإذا كان المشكال يحتوي على ثلاث مرايا فسوف تُكوِّن (٢) مثلثًا متساوي الأضلاع، أو (٣) مثلثًا قائم الزاوية بزاويتَين ٦٠ درجة و٣٠ درجة، أو (٤) مثلثًا قائم الزاوية بزاويتَين تبلغ كلٌّ منهما ٤٥ درجة.

وإذا نظرت من الطرف الأوسع لمِشكال به مرايا مائلة، فسيُنتِج انعكاس الصور كرة جيوديسية تبدو طافية في فضاءٍ خالٍ. وإذا نظرت من الطرف الأضيق فسيَبدو كما لو كنت داخل الكرة الجيوديسية.

يمكن أن تنتج الألوان التي تراها داخل المشكال من قِطَع بلاستيكية عديمة اللون مطوية بين مرشحي استقطاب.

وإذا نظرت إلى مصدر ضوء نقطي عبْر أنبوب دائري لامع من الداخل فسوف ترى سلسلة من الحلقات الضيقة.

(٦٦) متاهة المرايا

كانت قاعة المرايا الموجودة في لوسرن بسويسرا متاهة مرايا معقَّدة، سرعان ما كنت أتوه فيها. كانت أرضيتها مكوَّنة من مثلثات متساوية الأضلاع. وكان مثبتًا على حافات بعض المثلثات مرايا بالطول الطبيعي. وكنت عندما أقف عند أي مثلث من المثلثات أرى ستة ممرات واضحة تمتدُّ بعيدًا عني، ومجموعة مختلطة من الصورة المنعكسة بين الممرات. فما الذي يخلق وهْم الممر؟ وماذا يوجد عند نهاية كل ممر؟ هل يستطيع أحد الأشخاص الاختباء مني في متاهة المرايا أم هل الحيز الداخلي كله مرئي من أي اتجاه في المتاهة؟

fig145
شكل ٦-٢٢: بند ٦-٦٦: (أ) منظر علوي لقاعة مرايا بسيطة. شعاع الضوء يتركك عند النقطة «ع» ويعود لك عبْر الانعكاسات. (ب) الممر الذي تراه. (ﺟ) قاعة مرايا أكبر قائمة على أرضية مكونة من مثلثات. الخطوط العريضة تُمثِّل الجدران المرآتية.
الجواب: تكوَّنت الممرات في قاعة المرايا بسبب أشعة الضوء المنعكسة بزوايا قياسها ٦٠ درجة من المرايا. يوضِّح شكل ٦-٢٢أ نسخة مبسطة من تلك المتاهة. فإذا وقفت عند النقطة «ع» فسوف يتركك شعاع الضوء ويَنعكِس أربع مرات داخل المتاهة ثم يعود إليك. وعندما تنظر في اتجاه الشعاع العائد سترى ممرًّا يَمتدُّ بعيدًا عنك (انظر شكل ٦-٢٢ب)، وستكون صورتك في نهاية الممر لأن شعاع الضوء صدر عنك. في هذه النسخة المبسَّطة لا يستطيع أحد الاختباء داخل المتاهة لأن كل جزء مثلث من الأرضية يظهر مرةً واحدة على الأقل في الممر. أما في متاهة أخرى أكثر تعقيدًا فقد يتمكَّن الشخص من الاختباء منك. على سبيل المثال، هل النقط «أ» أو «ب» أو «ﺟ» مرئية في الممرات من النقطة «ع» في شكل ٦-٢٢ﺟ؟

(٦٧) التصويب بالليزر في العروض

أثناء التجول بين عروض المهرجان والمرور على الألعاب التي تَعتمِد على المهارة والحظ وجدتَ لعبة جديدة اسمها «التصويب على الأهداف بالليزر». ونظرًا لافتتانك بالأمر دخلت العرض لتجد نفسك في زاوية غُرفة مستطيلة جدرانها مغطَّاة بمرايا عاكسة على نحو مثالي (انظر شكل ٦-٢٣أ). وعند هذا الركن يوجد ليزر قوي مثبَّت في مكانه أفقيًّا وبزاوية ٤٥ درجة نحو الجدران. وعند كل جدار آخر يَبتسِم لك الهدف المتمثل في حيوان مدرَّع مَصنوع من الصلصال.
fig146
شكل ٦-٢٣: بند ٦-٦٧: (أ) منظور علوي لغرفة ذات جدران من المرايا. (ب) تحديد الركن الذي ستُصوِّب عليه.

يَشرح لك الحارس الواقف خلفك أن عليك إطلاق الليزر بعد أن تُخمِّن أولًا إذا ما كنت ستُصيب الهدف، وأي هدف ستصيبه. ويوضِّح لك أيضًا أن الغرفة مصمَّمة بدقة ليكون طولها ٧ وحدات وعرضها ٤ وحدات. ثم يغادر الحارس فجأة كما لو كان الركن الذي تقف فيه هو الهدف الحقيقي.

هل ستُصيب هدف الصلصال أم ستصيب نفسك أم سينعكس الضوء حول الغرفة إلى أن يمحوه الامتصاص البسيط عند كل انعكاس في النهاية؟ ماذا سيحدث إذا كانت أبعاد الغرفة ٧ وحدات و٣ وحدات أو ٨ وحدات و٣ وحدات؟ وفي النهاية تضغط على الزناد بشجاعة بينما تحاول تخيُّل الانعكاسات المتعدِّدة التي ستخلقها.

الجواب: ما دام طول وعرض الغرفة كلاهما رقم صحيح، فلن تصيب نفسك وكن متأكدًا من أنك ستُصيب هدف الصلصال. ولمعرفة الهدف الذي ستُصيبه يُمكنك تتبُّع الطلقة على مخطط للغرفة أو استخدام الطريقة التالية. إذا كان من المُمكِن اختصار نسبة الطول إلى العرض (على سبيل المثال يُمكن اختصار ٨ / ٤ إلى ٢ / ١) فافعل ذلك، ثم استعن بالنتائج الثلاثة المُمكنة المبيَّنة في شكل ٦-٢٣ب التي تُمثِّل فيه الأبعاد الفردية والزوجية للجوانب مفتاحَ الحل.

(٦٨) مثلثات قاتمة وسط الزخارف

fig147
شكل ٦-٢٤: بند ٦-٦٨: (أ) المثلث القاتم المشاهَد في مجموعة الكرات العاكسة. (ب) انعكاس أشعة الضوء من الكرة إلى المشاهد.
ضع عن قرب مجموعة من الكرات اللامعة المزخرفة (مثل تلك التي تُوضع في شجرة الكريسماس) في طبقة واحدة على قماش أسود أو ورقة سوداء. عندما ستنظر إلى الأسفل على هذه المجموعة وخلفك ضوء ساطع سترى انعكاسات مشوهة لنفسك. ومن الغريب أن الكرات ستبدو سداسية مع وجود مثلَّثات قاتمة بين كل مجموعة مكوَّنة من ثلاث كرات مُتجاوِرة (انظر شكل ٦-٢٤أ). وإذا أشرت إلى إحدى هذه الكرات، فستُشير صورتك في كل الكرات الأخرى نحو الواحدة التي أشرت إليها. هل يمكنك تفسير هذه النتائج؟ يمكنك رؤية الانعكاسات على نحو أفضل باستخدام الكرات العاكسة الأكبر حجمًا التي تُباع كزخارف للحدائق.
الجواب: افترض أنك وضعتَ كرة عاكسة على مساحة واسعة، كالأرضية. عندما تَنظر لأسفل إلى الكرة سترى صورًا مشوَّهة لنفسك وكل ما يُحيط بك تقريبًا. و«الأفق» محدَّد بكل ما يُرسل شعاعًا شبه أفقي نحو الكرة (انظر شكل ٦-٢٤ب). توجد صورة الأفق فوق «خط استواء» الكرة. وترى الأرضية بين الأفق وخط الاستواء.
وإذا وضعت كرتَين عاكستَين مُتجاورتَين فسوف تعكس كلٌّ منهما الأشعة كما في شكل ٦-٢٤ب إلا أنَّ الأشعة القادمة من أسفل الأفق يُمكنها الآن أن تَنعكِس مرات عديدة قبل أن يستقبلها المراقب من أعلى. ونظرًا لامتصاص قدرٍ من الضوء عند كل نقطة انعكاس، فإن هذه الأشعة تكوِّن صورًا أكثر إعتامًا.

وإذا رتبت مجموعة مِن ثلاث كرات، فستكون مجموعة الصور أكثر تعقيدًا وستَحتوي على الكثير من الصور المُعتمة نظرًا لوجود العديد من الانعكاسات تحت الأفق. في أي كرة من الكرات يوجد الأفق على طول خطٍّ شبه مستقيم، وتراكب الخطوط المستقيمة في الكرات الثلاثة يُكوِّن مثلثًا. تتَّسم الصور الموجودة داخل المثلَّث بالإعتام بسبب الانعكاسات المتعدِّدة. ونظرًا لأن الكرات تَحجب على الأرجح الضوء المُحيط من الوصول إلى الأرضية المكشوفة بين الكرات، فحتى رؤية المشاهد المباشرة للأرضية داخل المثلث ستكون قاتمة.

لكي تَفهم لماذا صور إصبعك المُنعكِسة تُشير كلها إلى كرة واحدة، جرب أولًا الإشارة إلى اليمين أمام مرآة مسطَّحة واحدة. تُشير إصبعك وصورتها نحو نقطة مشتركة ناحية اليمين. ستجد النتيجة نفسها إذا وضعت بدلًا من المرآة كرةً عاكسة، باستثناء أن السطح العاكس مُقوَّس الآن. وأي كرة عاكسة أخرى مثل الموجودة في مجموعة الكرات سوف تُعطي أيضًا صورة تُشير في اتجاه إصبعك.

(٦٩) تحوُّل السطح اللامع إلى الأسود الحالك

تتَّسم شفرة الموسى المزدوج الحد العادي باللَّمَعان. أما إذا خزنت الكثير من الشفرات معًا ثم ضغطت على هذه المجموعة، فإن جانب المجموعة المرصوص فيه الجوانب الحادَّة سيُصبح أسود. فكيف يُمكن أن تصبح الأسطح اللامعة سوداء؟

fig148
شكل ٦-٢٥: بند ٦-٦٩: شعاع ضوء يَنعكِس بين حافتَين مائلتَين لشفرتَي موسيَين.

من الواضح أن الكرتون الأسود أكثر سوادًا من الكرتون الأبيض. هل يُمكنك التوصل إلى طريقة يمكن من خلالها أن يصبح الكرتون الأبيض أكثر سوادًا من الكرتون الأسود عند إضاءة كلٍّ منهما بالمصباح نفسه؟

الجواب: عندما يدخل شعاع الضوء الفراغ الموجود بين الحافات المائلة للشفرات المُتجاوِرة، فإنه يَنعكس مرات عديدة قبل الخروج (انظر الشكل ٦-٢٥). وحوالي ٤٥ في المائة من الضوء الساقط يُمتَص عند كل انعكاس؛ ومن ثَمَّ فإن الضوء الذي يُغادر الشفرات في النهاية ينخفض في شدَّته ليصبح فقط نسبة مئوية قليلة من شدته المبدئية، مما يَمنح المظهر القاتم.

لكي تَجعل الكرتون الأبيض أكثر سوادًا من الكرتون الأسود اصنَع صندوقًا من الكرتون الأبيض، واجعل «خارج الصندوق» قاتمًا بحبرٍ أسود غير لامع، واثقُب ثقبًا في أحد جوانب الصندوق جاعلًا قُطر الثُّقب أقل من ١٠ في المائة من طول حافة الصندوق. ثم وجِّه مصباحًا نحو الجانب المثقوب. سوف يَتشتَّت الضوء الذي يدخل هذا الثقب مراتٍ عديدة داخل الصندوق. عند كل نقطةِ تَشتُّت لن يمتص الكرتون الأبيض إلا قدرًا قليلًا من الضوء، لكن نظرًا للتشتُّت مراتٍ عديدة فإن الضوء الذي يَخرج في النهاية من الثقب يكون خافتًا بشكلٍ كبير.

على النقيض من ذلك، فإن الضوء الذي يُنير خارج الصندوق المطلي بالحبر يمتصُّه الحبر امتصاصًا كبيرًا، لكن نظرًا لتشتت هذا الضوء لمرةٍ واحدة فقط فإنك تعترض من الضوء الآتي من خارج الصندوق قدرًا أكبر من ذلك الآتي من داخل الثقب. وهكذا يكون الثقب (الذي ينقل الضوء من الحيز الداخلي الأبيض) أكثر قتامةً من الكرتون الأسود.

(٧٠) العواكس المرجعية

«العاكس المرجعي» هو وسيلة تعكس شعاع الضوء إلى مصدره بصرف النظر عن زاوية دخول الضوء إلى الوسيلة. عادةً ما تُخاط رقائق من العواكس المرجعية الدقيقة في ملابس العدَّائين لزيادة قابلية رؤيتهم ليلًا؛ فعندما تلمع مصابيح السيارة الأمامية على العواكس المرجعية يُرسَل الضوء مرة أخرى إلى قائد السيارة بحيث يلاحظ العدَّاء ويتجنبَّه. فلماذا إذن لا ترى صورة مرآوية (أو حتى صورة مشوهة) لوجهك عندما تنظر إلى رقاقة عواكس مرجعية قريبة منك؟

في بعض الأحيان تُثبَّت العواكس المرجعية على الطرق لتُصبح الحارات المرورية واضحة عندما يكون الطريق مظلمًا (إما بسبب الأمطار أو بسبب ضعف الإضاءة). وتُضاف رقاقات العواكس المرجعية أيضًا إلى العديد من إشارات المرور بحيث تصبح الإشارة أكثر وضوحًا في الليل. وقد ترى أدلة على وجود هذه العواكس المرجعية أثناء الطيران نهارًا؛ فعندما تكون على مستوًى مُنخفِض انظر بالقرب من ظل الطائرة. في بعض الأحيان ستجد وميضَ ضوء خاطفًا عندما ينعكس ضوء الشمس في الاتجاه العام للشمس بفعل العواكس المرجعية الموجودة على الإشارات. (وسترى على الأرجح ومضات ضوء أخرى بعيدة عن نقطة ظل الطائرة، وتلك الومضات تعود إلى انعكاسات مرآوية لضوء الشمس من أسطح معدنية أو زجاجية أو من المسطحات المائية.)

تتمتع رقاقات العواكس المرجعية بقدرة مدهشة على إزالة التشوُّه من شعاع الضوء. على سبيل المثال، يُمكن عرض شريحة فوتوغرافية من خلال طبقة بلاستيكية مموجة (تشتت الصورة من على الشريحة) ومِن ثَمَّ عبْر الرقاقات. وعندما يعود الضوء عبْر البلاستيك وإلى شاشة المشاهَدة، يكون التشوُّه الذي نشأ عند المرور الأول قد أزيل إلى حدٍّ كبير وأصبحت الصورة شبه كاملة.

فكيف يعمل العاكس المرجعي؟ وكيف يُزيل التشوُّه؟

الجواب: العواكس المَرجعية لها نوعان رئيسيان هما العواكس الكروية والركنية. عندما يدخل شعاع الضوء كرةً فإنه يَنحني ويتجه نحو مؤخرة الكرة حيث ينعكس ثم يخرج من الكرة متوجهًا مرة أخرى إلى مصدر الضوء. وعندما يدخل شعاع الضوء أحد الأركان (مثل ركن أحد المكعَّبات أو ثنية في رقاقة بلاستيكية)، فإنه ينعكس من الواجهتَين الداخليتَين مرتَين أو ثلاث مرات ثم يُغادر الركن متوجهًا مرةً أخرى نحو مصدر الضوء. وإذا كانت العواكس المَرجعية من أي من النوعين مثالية، فإن الضوء سوف يعود مباشرةً إلى مصدر الضوء. أما العاكس المَرجعي للعدَّاء فهو غير مثالي، فهو يَنشر الضوء العائد نسبيًّا بحيث يرى قائد السيارة بعضًا منه.

إذا أمسكت شريطًا من هذه العواكس المرجعية أمام وجهك فلن ترى صورة وجهك. والسبب في ذلك أن الأشعة الوحيدة التي تراها عيناك هي فقط تلك التي غادرتها. فالأشعة التي غادرت أنفك عادت إلى أنفك، لكنك لا ترى بأنفك.

تستطيع العواكس المرجعية إزالة التشوُّه لأنها تعيد الضوء عبْر منطقة التشوه نفسها. على سبيل المثال، إذا انحرف شعاع الضوء يسارًا أثناء مروره الأول، فإن الانحراف ينعكس أثناء المرور الثاني ومِن ثَمَّ يصبح الشعاع في النهاية موازيًا لاتجاهه الأولي. ويحدث عكس التشوه حتى إذا كان التشوه نتيجة لهب مُضطرب لأن الضوء يعود إلى اللهب أولًا قبل أن يتسنى للاضطراب وقت للتغير.

قصة قصيرة

(٧١) الهبوط في الظلام خلف خطوط العدو

في أثناء الحرب العالمية الثانية واجه مكتب الخدمات الاستراتيجية البريطاني مهمَّة صعبة تمثلت في إنزال طائرات صغيرة خلف خطوط العدو في الظلام. ولفعل ذلك دون أن يعلم العدو أزالوا مساحة من الأرض لتكون مدرَّج طائرات قصيرًا وأحاطوها بعواكس مرجعية صغيرة مكوَّنة من ثلاث مرايا مُثبتة معًا لتكون ركن مكعَّب. «كان الطيار يرتدي مصباحًا كشافًا في وسط جبهته، وكان الضوء الصادر عنه يكاد يكون غير مرئي من الأرض لكن انعكاسات المرايا كانت كافية لتُحدد له منطقة الهبوط. وعند مغادرة الطائرة كان الطاقم الأرضي يُحدد مكان المرايا باستخدام الكشافات ويَمحون آثار المدرَّج المؤقت» (خطاب، إتش بي كلاي، ١٩٨٦).

(٧٢) مرآة الطريق الواحد

كيف يُمكن للمرآة أن تنقل الضوء في اتجاه واحد فقط؟

الجواب: مرآة الطريق الواحد تُشبه أي مرآة عادية فيما عدا أنها تفتقر إلى الظهارة (مثل لوح كرتوني) وتُسرِّب قدرًا قليلًا من الضوء من جانب لآخر. ويعتمد وهْمُ مرور الضوء في اتجاه واحد فقط على أن الغرفة في جانب المرآة تكون مضيئة على نحو ساطع بينما تكون مُعتِمة على الجانب الآخر. وفي الغرفة الساطعة تكون الانعكاسات من المرآة شديدة السطوع لدرجة أنها تُخفي الضوء الخافت القادم عبْر المرآة من الغُرفة المُعتِمة. وفي الغرفة المُعتمة تكون انعكاسات الغرفة شديدة الخفوت لدرجةٍ تحول دون رؤيتها في مقابل الضوء الساطع القادم عبْر المرآة من الغرفة الساطعة.

(٧٣) مرآة الرؤية الخلفية

كيف تَحصُل على صور ساطعة من مرآة الرؤية الخلفية للسيارة أثناء النهار وتَحصل فقط على صور خافتة (ومِن ثَمَّ لا تُسبِّب بهر البصر) أثناء الليل؟

fig149
شكل ٦-٢٦: بند ٦-٧٣: مرآة رؤية خلفية (أ) للرؤية النهارية باستخدام الانعكاس الساطع من الطلاء العاكس الخلفي و(ب) للرؤية الليلية باستخدام انعكاس السطح الأمامي الخافت.
الجواب: مرآة الرؤية الخلفية عبارة عن إسفين زجاجي مَطلي بطِلاء عاكس على الجانب المقابل لك. عند ضبط المرآة للرؤية أثناء النهار، تدخل أشعة الضوء القادمة من خلف السيارة إلى الإسفين وتَنعكِس لك من ذلك الطلاء، فتَمنحك صورة ساطعة للمَشهد خلف السيارة (انظر شكل ٦-٢٦أ). ولإعادة ضبط المرآة للرؤية الليلية فإنك تَطوي قاعدة الإسفين نحو مؤخِّرة السيارة لتَدفع تلك الصور التي يعكسها الطلاء إلى السقف وتسمح للضوء المنعكس من السطح الأمامي للإسفين بالوصول إلى عينَيك (انظر شكل ٦-٢٦ب). وعلى الرغم من أن صور السطح الأمامي خافتة، فإنها ساطعة على نحو يُمكِّن عينَيك المتكيفة مع الظلام من رؤيتها.

(٧٤) مرآة الرؤية الجانبية

الغرض من مرآة الرؤية الجانبية هو السماح لك برؤية السيارة القادمة من خلفك في الحارة المرورية المُجاوِرة. إلا أن وضعيات كثيرة للمرآة المسطَّحة تُخلِّف «بقعة عمياء»، وهي منطقة تكون فيها السيارة القادمة من الخلف شديدة القُرب على نحوٍ يَحول دون ظهورها في المرآة (انظر شكل ٦-٢٧). ويكمن الخطر في أنك من المُمكن أن تبدل الحارات المرورية من دون أن تنتبه لتلك السيارة التي تمرُّ بجوارك ببطء. لتقليل البقعة العمياء، هل يجب أن تكون المرآة بالقُرب منك أم بالقرب من مقدمة السيارة؟
fig150
شكل ٦-٢٧: بند ٦-٧٤: بقعة عمياء، محددة تقريبيًّا، في مرآة رؤية جانبية. عادة ما تختلف البُقَع العمياء على جانبي السيارة.
الجواب: يجب أن توجد المرآة بالقرب من مقدمة السيارة. ومِن ثَمَّ فإن صورة السيارة المارَّة ستَبقى دائمًا في المرآة إلى أن تُصبح مقدمة السيارة مرئية في رؤيتك المحيطية. أما في حالة وجود المرآة في مكانها الطبيعي بجوار قائد السيارة فمن الممكن أن تختفي السيارة المارة ببطء لثوانٍ عديدة عن عين قائد السيارة.

(٧٥) لوحة «حانة في فولي بيرجير»

سحرت لوحة «حانة في فولي بيرجير» للفنان إدوارد مانيه مُشاهِديها منذ رُسمت في ١٨٨٢. يُوضِّح شكل ٦-٢٨ خطوطها الرئيسة. في المقدمة، تظهر اللوحة عاملةً في الحانة، تَفضح عيناها إرهاقها؛ إذ تقف خلف منضدتها. وفي مرآة كبيرة خلفها، نرى انعكاسات لها، ولزبون، ولزجاجات عدة على المنضدة، وللجمع الموجودين في المكان. ينبع جزء من جاذبية اللوحة مما فعله مانيه فيها من تلاعُب متقن بالواقع، تلاعب يضفي على المشهد شعورًا غريبًا، حتى قبل أن تلاحظ «الخطأ». فهل يمكنك إيجاده؟
fig151
شكل ٦-٢٨: بند ٦-٧٥: رسم تخطيطي للوحة «حانة في فولي بيرجير» لإدوارد مانيه.
الجواب: إن الصور التي تعكسها المرآة أشكالها صحيحة، لكن مواضعها خاطئة. وحينما تنظر إلى اللوحة للوَهلة الأولى، فقد تستشعر ذلك، حتى قبل أن تُدرك السبب. في الحقيقة، تقع الزجاجات التي إلى يسار اللوحة، بالقرب من مؤخرة المنضدة، أما في المرآة فتقع بالقُرب من مقدمتها. كما يجب أن تكون صورة المرأة خلفها، لا منزاحة إلى اليمين. ويتمثَّل الأمر الأكثر إرباكًا في أن المرأة تنظر إليك مباشرة، بينما في المرآة، هناك رجل أمامها مُباشَرة؛ وعليه فلا بد أن هذا الرجل هو أنت. لكن إذا كان الأمر كذلك، فيجب ألَّا تكون صورتك منزاحة إلى اليمين في اللوحة؛ ففي الحقيقة، لا بد أن يَحجب جسم المرأة رؤيتك لصورتك.

(٧٦) فن عصر النهضة والإسقاط البصري

يَعتقد بعض الرسامين والمؤرخين المعاصرين أن رسَّامي القرنين الخامس عشر والسادس عشر ربما يكونون قد استخدموا مرآة منحنية لإسقاط الصور على لوحات الرسم. إذا كان الأمر كذلك، فلربما وضَع هؤلاء الرسامون الخطوط الرئيسة وتفاصيل الصور ببساطة على اللوحة، ثم ملئوها بالألوان، فيما يُشبه عملية الرسم بالأرقام. كيف يمكننا التأكد مما إذا كانت مثل هذه التقنية قد استُخدمت؟

الجواب: إنَّ الواقعية التصويرية للوحات بعينها تَنتمي إلى عصر النهضة، مثل لوحة لورنزو لوتو «زوج وزوجة»، تُشير إلى أن مرايا مقعَّرة قد استُخدمت لإسقاط مشاهد على اللوحات. فلربما أقام فنان مرآة كهذه أمام المشهد المراد رسمه، وأقام حامل لوحته بمواجهة المرآة، منزاحًا إلى أحد الجانبَين قليلًا. وبعد ذلك، ضبط المرآة بحيث تسقط صورة المشهد (المعكوسة) الصادِرة عن المرآة، على لوحة الرسم. في المعتاد، يجب على الرسام أن يعمل على وضْع الصور المرسومة في مناظيرها المناسبة، ليُضفي على اللوحة مسحةً من الواقعية المجسَّمة، كما لو كان الرائي يرى العناصر الأصلية، لا مجرد تمثيل مُصمت لها. ومع ذلك، إذا أراد رسام أن يُسقِط المشهد على اللوحة ويشفَّ الخطوط الرئيسة للأجسام، فسيجري دمج المنظور تلقائيًّا.

يُبين تحليل اللوحات احتواءها في الحقيقة على أخطاء عدة في المنظور، مما يَدعم بشدة الرأي المعارض لفرضية استخدام المرايا (أو أي أدوات بصرية أخرى). على سبيل المثال، فإن أي خطين متوازيَين ممتدَّين من الرسام يجب أن يلتقيا في نقطة واحدة، تُسمى «نقطة التلاشي». يُفترض بالرسام الذي يسعى إلى تحقيق الواقعية في لوحته أن يَضع نقطة كهذه، وأن يرسم بعناية جميع خطوط المنظور بناءً عليها. في اللوحات التي جرى تحليلها، فإن خطوط المنظور في أجزاء مختلفة من اللوحة كانت موجَّهة إلى نقاط تلاشٍ مُختلفة، مما يُبيِّن أنها رُسمت رسمًا حرًّا، بدلًا من شفِّها ببساطة من صورة مُسقطَة.

(٧٧) فن الأنامورفيك

بعض اللوحات والرسومات التي أُنتجَت في القرون من الخامس عشر وحتى الثامن عشر، كان مشوهًا عن عمد، ما جعل عناصرها لا يُمكن فهمها على الفور، ربما للتمويه على موقف سياسي مُعارِض لأحد الملوك. في بعض القِطَع، يجب أن تنظر إلى اللوحة الفنية من إحدى الحافات قبل أن تستطيع إدراك العناصر المرسومة فيها. وفي قِطَع أخرى، يجب أن ترى صورة مُنعكِسة من اللوحة لتفهم العناصر. فمثلًا، قد يتوجَّب عليك أن تنظر إلى الانعكاس الذي يُوفِّره مخروط أو أسطوانة لامعة موضوعة في منتصف اللوحة. لماذا تكون العناصر مُمكنة الفهم بطرق المشاهدة الغريبة هذه وليس بالطريقة العادية؟

الجواب: إذا نظرت إلى لوحة أنامورفيك بالطريقة العادية، فإن عناصرها تصنع صورًا على شبكية عينك تكون أكثر تشوهًا من أن تُفهَم. ومع ذلك، عندما تنظر إلى اللوحة بالطريقة الخاصة التي قصدها الفنان، تكون صور العناصر المُتكوِّنة على الشبكية قريبة بما فيه الكفاية من أشكالها الطبيعية، بحيث يُمكنك أن تفهمها.

على سبيل المثال، لنفترض أن فنانًا رسم وجه قط، بينما يرى عمله من خلال عكسه عن مخروطٍ لامعٍ موضوعٍ في منتصف لوحة الرسم. حين يُزال المخروط، لا يُمكن تمييز الوجه بسبب المنظور المشوه. (العينان متباعدتان كثيرًا؛ الذقن عريض ومُحيط باللوحة؛ والتكوين لا يُشبه القط في شيء بكل تأكيد.) ولكن عندما تعيد المخروط إلى مكانه وتنظر إلى انعكاس اللوحة عن المخروط، يزول التشوُّه وتُميِّز الصورة المتكوِّنة على شبكيتك، باعتبارها وجه قط.

(٧٨) مصابيح الشارع الساطعة والخافتة

عندما يُضاء مصباحا شارع متماثلان (من النوع التقليدي المكشوف، المسبِّب للتلوث الضوئي)، أين تكون نقطتا السطوع العُظمى والصُّغرى على امتداد الرصيف الأوسط؟ إذا أضيء صف مُستقيم من المصابيح المُتماثِلة الواقعة على مسافات متساوية، أين تكون نقطتا السطوع العُظمى والصغرى على امتداد الصف؟ هل هناك ترتيبات أخرى للمصابيح (في الصف) ستزيد السطوع في النقاط الأكثر خفوتًا؟

الجواب: في حالة وجود مِصباحين فقط، فإن نقطة الإضاءة الصُّغرى تقع في منتصف المسافة بينهما، وتقع نقاط الإضاءة العُظمى على مسافة من قاعدة المصباح تَعتمد على ارتفاع المصباحين والبُعد بينهما. وفي صف طويل من المصابيح الواقعة على مسافات مُتساوية، فإن نقطة الإضاءة الصُّغرى تقع كذلك في منتصف المسافة بين المصابيح، لكن نقاط الإضاءة العظمى تقع الآن عند قاعدة المصابيح. لتكن «م» هي المسافة بين المصابيح في هذه الحالة. يُمكن أن يزيد السطوع في النقاط الأكثر خفوتًا إذا أعيد ترتيب المصابيح في أزواج تفصل بينها مسافة قدرها «م/٢» بين المصباحين، ومسافة قدرها «٢م» بين مراكز الأزواج. في الحقيقة، قد تتمكَّن من إيجاد ترتيب مشابه يُعطي إضاءة منتظمة تقريبًا على امتداد الصف.

(٧٩) صور متعدِّدة من نوافذ مزدوجة

إذا نظرت في أثناء الليل إلى مصدر للضوء، عبْر نافذة مكونة من لوحين زجاجيَّين، فقد ترى صورًا متعدِّدة للشيء. إذا استخدمت مثل هذه النافذة في برج مراقبة في أحد المطارات، فقد تُشكِّل الصور الإضافية خطرًا، لأنها يمكن أن تُفسَّر بأنها طائرات إضافية. فما الذي يسبب الصور الإضافية، وكيف يعتمد البُعد بينها على الزاوية التي يصل بها الضوء إلى النافذة؟ وهل تَعتمِد المسافات الفاصلة على الأحوال الجوية؟

fig152
شكل ٦-٢٩: بند ٦-٧٩: مسار الضوء عبْر نافذة مزدوجة.

يُمكنك رؤية صور متعدِّدة مشابهة ليلًا حين تنظر إلى ممر الإقلاع عبْر نافذة الطائرة. وبمجرَّد أن تصير في الهواء، إذا أضأت المصباح الموجود فوق مقعدك وأمسكت بجسم لامع في الضوء، فقد ترى انعكاسات عديدة للجسم على النافذة. ما الذي يُفسر الصور الإضافية؟

الجواب: عندما تنظر إلى مصدر للضوء عبْر نافذة مزدوجة، فإن الصورة الأساسية تنتج عن مرور الضوء مباشَرة عبْر كلا لوحَي الزجاج (شكل ٦-٢٩). أما الصور الثانوية الأكثر خفوتًا، فتنتج عن الضوء المُنعكِس بين اللوحَين، أو حتى بين سطحَي لوح الزجاج الواحد. تنتج الصورة الأكثر سطوعًا من بينها عن الضوء المُنعكِس أولًا عن السطح الداخلي للَّوح، ثم عن السطح الخارجي له، قبل أن يصل إليك. وتنطوي الصور الأخرى على انعكاسات أكثر. وتَسهُل أكثر رؤية الصور إذا كانت مُنفصلة تمامًا، وهو ما يحدث عندما يكون الضوء الآتي من المصدر مائلًا على النافذة.

أحيانًا يختلف ضغط الهواء بين اللوحَين عن ضغط الهواء في الخارج؛ مما يُؤدِّي إلى انحناء اللوحَين إلى الداخل أو إلى الخارج. يزيد ذلك الانحناء من تباعُد الصور. وللتغلب على هذه المشكلة في مراقبة حركة الخطوط الجوية، تكون لدى مثل هذه النوافذ وسائل لجعل ضغط الهواء بين اللوحين، والضغط الخارجي، متعادلَين؛ فمثلًا، قد تملك النافذة ثقبًا صغيرًا في كلا اللوحين.

تَنتج الصور الإضافية التي يمكن أن تُرى في نافذة طائرة، عن وجود ثلاثة ألواح زجاجية في النافذة. حين ترى مشهدًا مائلًا عبْر النافذة، فإنك ترى صورًا مُتعدِّدة، ناتجة عن انعكاسات متعدِّدة للضوء. وحينما تكون الطائرة على ارتفاعٍ عالٍ، يتقوَّس اللوح الزجاجي الخارجي باتجاه الخارج، بسبب ضغط الهواء الخارجي المُنخفِض، ويمكن لانحنائه أن يشوه الانعكاسات عنه، بطرق مُثيرة للدهشة.

(٨٠) الكشافات الأقوى في العالم

في ورقة بحثية صدرت عام ١٩٦٥ وأرَّخت لسيطرة التفكير المُتفائل على العلم أحيانًا، وصف آر في جونز عاملَي موانئ بريطانيَّين، ارتأيا أن سطوع الكشاف يُمكن زيادته بقدر كبير. بدءًا بضوء منبعث من قوس كربون، كان من المفترض أن تقوم مرآة بيضاوية بتركيز صورة من القوس. وبعدئذٍ تستخدم مرآة أخرى تلك الصورة، لتركز صورة أخرى، ثم تستخدم مرآة ثالثة تلك الصورة لتركز صورة أخرى كذلك وهكذا، إلى أن تركز المرآة الأخيرة صورتها مرةً أخرى على قوس الكربون، جاعِلةً القوس بذلك أكثر توهُّجًا بكثير مما كان عليه في الأصل. أريد لعَملية التكبير هذه أن تتكرَّر مرات عديدة، إلى أن تحين الحاجة إلى الكشَّاف، فتُزال إحدى المرايا للسَّماح للشعاع بالانطلاق. كان يُفترض بالضوء أن يكون ساطعًا على نحو استثنائي. فما الذي عاب هذه الخطة؟

الجواب: طبقًا لجونز، حين قدم العاملان خطتَيهما للتكبير إلى الجهات البريطانية المسئولة، تلقَّيا ردًّا مفاده أن الخطة لن تنجح؛ لأنها تخالف القانون الثاني للديناميكا الحرارية (وهو المتعلِّق بكمية تُعرف بالإنتروبيا). اعتذر عاملا الميناء سريعًا، قائلَين إنهما لم يُدركا أنهما كانا يخرقان قاعدة أساسية.

لا يُمكننا بالطبع أن نبدأ بكمية معينة من الطاقة، ثم نزيدها بطريقة ما، دون أي مصادر إضافية للطاقة. لذا فإن عكس الضوء مرات عدة يُمكن أن يُركِّزه، لكنه بالتأكيد لن يَرفع طاقته.

(٨١) شعاع أرخميدس المميت

لطالَما تجادَلَ المؤرِّخون حول ما إذا كان أرخميدس قد هزم الأسطول الروماني إبان حصاره لسرقوسة عام ٢١٢ قبل الميلاد، باستخدام «مرآة حارقة». فطبقًا للأسطورة، استخدم أرخميدس المرايا لتركيز ضوء الشمس على جانب سفينة رومانية، محرقًا إياها. وبعدما أُحرق عددٌ كافٍ من السفن وغرق، انسحبَت السفن الباقية. هل مثل هذا العمل البطولي مُمكِن؟

الجواب: إن إحراق الأخشاب مِن على مسافة، باستخدام مجموعة من المرايا أو مرآة واحدة مُنحنية ومُركَّزة، لهو أمر مُمكن، ولكن من المستبعد للغاية أن يكون أرخميدس قد طبَّق هذه التقنية. كانت الأسلحة الأكثر تقليديةً آنذاك ستُؤدي الغرض على نحوٍ أفضل، لأن هناك عدة مشكلات في استخدام المرايا.

تتعلَّق إحدى هذه المشكلات بالتركيز؛ فلتسليط كثافة التركيز الملائمة على الخشب، يجب أن تركز المرآة الضوء على بقعة صغيرة. لن تصنع مرآة مستوية واحدة مثل هذه الكثافة (وهذا في الحقيقة من حُسن الحظ، لأنه لو كان الأمر عكس ذلك، لأمكن أن يؤدي أي استخدام أهوج لمرايا التجميل في ضوء الشمس إلى إشعال الحرائق). فلتركيز الضوء بشدة أكبر، سنحتاج إلى سلسلة من المرايا المستوية المرتبة جيدًا في قطع مكافئ. ومع ذلك، لإضرام النار في سفينة، يجب أن يُضبَط البُعد البؤري بحيث يعادل بُعد السفينة، وهو شرط يتعذَّر تحقيقه أثناء المعركة.

وتتعلق مشكلة أخرى بالزمن الذي يحتاجه الضوء المركز لإشعال الخشب. وحيث إن السفن تكون على الأرجح متحرِّكة (ومُترجرجة) خلال الهجوم، فإن تسليط شعاع مركز من ضوء الشمس على نقطة واحدة من إحدى السفن لوقتٍ كافٍ لإحراقها سيكون غير قابل للتطبيق على الإطلاق. وحيث إن الخشب على جوانب السفن كان رطبًا على الأرجح، فقد كانت المهمة مستحيلة فعليًّا بالنسبة إلى أرخميدس. باختصار، هذه الأسطورة الخاصة بأرخميدس ما هي إلا خرافة شائقة.

في عام ١٩٩٣، وضعت روسيا مرآةً بلاستيكية قُطرها ٢٢ مترًا في مدار لاختبار إمكانية عكس ضوء الشمس على المرتفعات الروسية خلال ساعات الإظلام في شتائهم الطويل. صنَعَت المرآة رقعة خافتة من الضوء يبلغ عرضها عدة كيلومترات، جالت أنحاء أوروبا في أثناء الاختبار. لاحظ أشخاص كُثُر الضوء، على الرغم من الغطاء السحابي في تلك الليلة.

قصة قصيرة

(٨٢) إضرام النار في حكم مباراة

في قصة آرثر سي كلارك القصيرة «حالة ضربة شمس بسيطة»، جرت مباراة كرة قدم بين دولتَين متنافستَين، أمام جمهور من ١٠٠ ألف شخص. كان حوالي نصف المُتفرِّجين من العسكريين الذين أُعْفُوا من الخدمة ومُنِحوا قلائد كبيرة وجميلة، أُحيطت بمعدن لامع يشبه الفضة، تخليدًا لذكرى الحدث.

كان الترقُّب يكتنف المباراة، خاصة أن الفريق صاحب الأرض خسر مباراة العام السابق، لأن الفريق الزائر رَشا حكم المباراة. في واقع الأمر، فقد رشا الفريق المُضيف الحكم أيضًا، لكن من الواضح أنها لم تكن رشوة كافية.

وحيث إنه طبقًا للقواعد، كان للفريق المضيف الحق في اختيار حكام المباراة، فقد اختير الرجل نفسه. كان الجمهور مترقبًا لرؤية مدى نزاهته في تحكيم المباراة هذه المرة. في البداية، بدَت معظم قراراته عادلة تمامًا، غير أنه بعد ذلك، وبمجرد أن سجل الفريق الزائر هدفًا، أبطل الحكم هدفًا من هجمةً مرتدَّة سجَّله أحد لاعبي الفريق المضيف، ومنح الفريق الزائر ركلةً حرة أحرزوها. وفي ظل تراجع الفريق المُضيف بهدفين، اغتمت جموع مشجعيه.

ومع ذلك فقد ارتفعت آمالهم حينما استعاد فريقهم الباسل الهجوم، محرزًا هدفًا نظيفًا للغاية، بحيث لم يستطع حتى الحكم المنحاز نفسه أن يَطعن فيه. بعد ذلك، سرعان ما هب مشجعو الفريق المضيف واقفين، حينما استطاع أحد لاعبيهم أن يخترق بالكرة صفوف عدة مدافعين وهز بها شبكة المرمى من جديد، مُحرِزًا التعادل. ووسط هتافات التشجيع، انطلقت صافرة الحكم، مقررًا عدم قبول الهدف، بزعمه المُثير للذهول، بأن اللاعب قد لمس الكرة بيده.

أوغر الغضب صدور بعض جماهير الفريق المضيف، وهدَّدوا بإشعال الملعب، لكن لم يكن بينهم العسكريُّون المنضبطون. وبعدما عاد كل فريق من الفريقَين إلى جانبه من الملعب، تاركين الحكم وحده في منتصف الملعب، انطلق نفيرٌ صاخِب، وفي حركة توافُقية رفع العسكريون قلائدهم اللامعة، ووجهوها نحو ضوء الشمس الساطع. وبوميض مُبهِر، تحوَّل الحكم إلى كومة مشتعلة، تصاعد منها عمود من الدخان.

في بعض البلدان، تُؤخَذ كرة القدم بجدية أكثر من اللازم.

(٨٣) الأضواء المخيفة في المقابر

في مقبرة قديمة، تَبعُد حوالي ميل واحد عن سيلفر سيتي؛ البلدة الصغيرة الواقعة في كولورادو، يَجتمع الزوار أحيانًا في الليل لمشاهدة الأضواء الغريبة المتراقصة بين شواهد القبور الرخامية السوداء. يكون المكان مظلمًا لأنَّ البلدة بعيدة، والمنطقة التي على الناحية المقابلة شبه مُقفرة. عادةً ما تكون الأضواء على هيئة نقاط بيضاء، لكنها تبدو أحيانًا أكبر، وتتَّخذ وهجًا أزرق. هل تخرج الأشباح للعبث أم أن هناك تفسيرًا منطقيًّا أكثر لهذه الأضواء؟

الجواب: يمكن لرخام الشواهد الأسود أن يعمل عمل المرآة، عندما تدنو أشعة الضوء من سطح الحجر بزاوية مائلة، غير أن الأشعة تُمتَص حينما تكون الزاوية بينها وبين السطح أكبر. إذا تجولت في منطقة مقابر مظلمة، ستكون بعض الشواهد موجهة توجيهًا مناسبًا لتعكس الضوء إليك، من البلدة أو من النجوم. قد تأتي الانعكاسات من الواجهة العريضة للشاهد، أو من جوانبه المستقيمة أو المنحنية. وعندما تتحرك أنت، سيبدو لك أن الصور المُنعكِسة تتحرَّك هي الأخرى، أو تأتي وتذهب بطريقة مربكة، مما يجعلها تسلُك ما يُشبه سلوك الكائنات الحية. تتحرَّك الصور أيضًا بفعل تقلُّبات حرارية، يُمكِن أن تؤدي باستمرار إلى تنويع المسارات التي تسلكها أشعة الضوء؛ ولعلك رأيت من قبل حركات مشابهة، تُسمى «الاهتزاز»، تحدث للضوء الذي يعبر فوق النيران أو الطرق الحارَّة.

(٨٤) ما يراه الصياد من السمكة

إذا أطلقت سهمًا على سمكة مغمورة في الماء، فهل عليك أن تسدد السهم مباشرةً إلى السمكة؟ يعرف أي صياد ماهر أن عليك في العموم أن تُسدِّد على مستوى منخفض. لماذا؟ هل يتغيَّر الموقع الظاهري للسمكة إذا أملت رأسك بحيث تقع عيناك على محور رأسي؟ (من المُثبت أن محاولتك إصابة سمكة بإبقاء رأسك أفقيًّا، هي دعوة لإصابة نفسك في قدمك.)

fig153
شكل ٦-٣٠: بند ٦-٨٤: موقعا السمكة الظاهري والحقيقي.
الجواب: إن أشعة الضوء الصادرة من السمكة، عندما تعبر سطح الماء إلى الهواء، تَنعكِس (تنحرف) عن المستوى الرأسي (شكل ٦-٣٠). وبمجرد أن تصل الأشعة إلى عينَيك، يُمكنك أن تَستنتج موقعها الأصلي عن طريق المد التخيُّلي العكسي للخطوط، على امتداد الأشعة، لكن دون السماح بانحرافها. ونتيجة لذلك، تدرك أن السمكة أعلى مما هي عليه في الحقيقة، وهكذا عليك أن تُسدِّد تسديدًا منخفضًا؛ أي تحت المكان الذي ترى فيه السمكة.

يَزداد تعقيد الموقع الظاهري للسمكة بفعل الطريقة التي تُحدِّد بها بُعد الجسم عنك، وبمدى الْتقاء عينَيك لكي تراه. ولأن الشعاع الذي يصل إلى عينك اليُسرى منحرف إلى يسارك، والشعاع الذي يصل إلى عينك اليمنى مُنحرف إلى يمينك، يجب أن تجري عيناك مقاربة أكبر مما تُجريها في حالة عدم حدوث انحراف. وبناءً على المقاربة، تدرك أن السمكة أقرب مما هي عليه. وإذا أملتَ رأسك لتضع عينَيك على محور رأسي، بينما تنظر أيضًا في الماء باتجاه مائل، فستظهر السمكة في الماء أكثر قربًا وارتفاعًا.

(٨٥) ما تراه السمكة من الصياد

ما الذي يُمكن لسمكة أن تراه من العالم الخارجي، حين تنظر إلى أعلى؟ هل تكون صورة العالم مشوَّهة بسبب المسار الذي تسلكه أشعة الضوء عبْر سطح الماء؟ هل تعتمد الصورة على العمق الذي توجد فيه السمكة؟

عند الصيد بالحشرات، إذا رميت الحشرة نحو السمكة، فهل عليك أن تُوجِّهها بدقة، أم هل بمقدور السمكة أن ترى حشرات طافية أبعد؟

لنَفترض أنك مُستلقٍ على ظهرك في قاع حمام سباحة ضحْل. هل تكون رؤيتك للعالم الخارجي مُشابهة لرؤية السمكة له؟ هل يتغيَّر المشهد الذي تراه إذا ارتديت قناعًا له سطح بلاستيكي مستوٍ ويَحتوي على الهواء؟ إذا كان نظرك لا يحتاج إلى تصحيح، فلماذا يكون نظرك تحت الماء ضعيفًا للغاية عندما لا تَرتدي قناعًا يحتوي على الهواء؟ إذا كنت مصابًا بقِصَر النظر أو طوله، فهل يكون نظرك تحت الماء أفضل؟

عندما ترى سمكة نابلة حشرة في طُعم مُتدلٍّ فوق الماء، فإنها تخرج خطمها من الماء قليلًا، ثم تنفث من فمها نافورة من الماء نحو الحشرة، لكي تُسقطها في الماء إلى حيث يمكن أن تُلتقط وتُلتهم. عندما توجه السمكة نافورتها، تكون عيناها تحت الماء. فهل تستهدف النقطة التي ترى فيها الحشرة؟

الجواب: إن صورة العالم الخارجي التي تراها السمكة مشوَّهة، بسبب انكسار الضوء المار من الهواء خلال سطح الماء ليَصل إلى عينَي السمكة. يحني هذا الانكسار شعاع الضوء عند السطح، ليكون رأسيًّا أكثر داخل الماء. تكون قيمة الانحناء صفرًا في حالة الشعاع الرأسي في الأصل، وتزيد تدريجيًّا في حالة الشعاع المائل على الرأسي بزاوية أكبر.
يعني الانكسار أن العالم الخارجي يُرى في إطار دائرة على سطح الماء، فوق السمكة مباشرة (شكل ٦-٣١). تقع صورة لأفق العالم الخارجي على محيط الدائرة، بينما تقع صور العناصر الخارجية داخل الدائرة.
fig154
شكل ٦-٣١: بند ٦-٨٥: الضوء الخارجي يصل إلى السمكة عبْر دائرة فوقها.

أما خارج الدائرة، فترى السمكة بصورة رئيسة انعكاسًا مرآويًّا لقاع البِركة المائية، في حال كانت المياه ضَحلة، وترى سطحًا مُعتمًا، في حال كانت المياه عكرة أو أكثر عمقًا. إذا أردت للسمكة أن ترى كل ذبابة ترمي بها، فيجب أن تكون الذبابة قريبة من مركز الدائرة. أما إذا كانت قريبة من محيطها، فيكون الجزء الجاف من الذبابة مشوَّهًا بقدر كبير، ومختفيًا على الأرجح وسط ما يحيط به من فوضى صور الأشجار والعناصر الأخرى اللائحة في الأُفُق. وإذا كانت الذبابة خارج الدائرة، تستطيع السمكة رؤية الجزء المغمور منها فقط. وكلما كانت السمكة على عمقٍ أبعد، كانت الدائرة أصغر.

إذا كان نظرك طبيعيًّا، فلن ترى صورة واضحة للعالم الخارجي في مثل هذه الدائرة، عندما تكون مغمورًا تحت الماء. ينتج معظم تركيز عينَيك للضوء، من انكسار الضوء أثناء مروره من الهواء إلى قرنية العين. عندما يُجاور الماء القرنية، يكون هذا الانحراف غير موجود تقريبًا ولذا يغلب أن تبصر تحت الماء إبصارًا ضعيفًا.

يتحسَّن نظرك إذا كنت ترتدي قناعًا؛ لأنَّ الهواء المُجاور للقرنية يعيد انكسار الضوء إلى القرنية؛ ومِن ثمَّ التركيز. ومع ذلك، لا بد من أن يَنكسِر أيضًا الضوء الآتي من الماء، عبْر سطح القناع البلاستيكي الشفاف، وصولًا إلى الهواء المحتجز في القناع. يلغي هذا الانكسار الإضافي تشكُّل الدائرة العلوية على سطح الماء؛ وحينئذٍ يبدو العالم الخارجي شبيهًا بما يبدو عليه لعينك وهي فوق الماء.

إذا كنت تعاني من قِصَر النظر، تركز عيناك صورة للأجسام البعيدة أمام شبكية العين. وإذا قلَّلت الانكسار في القرنية بغمر عينَيك في الماء، فقد تسقط الصورة على الشبكية، ومِن ثَمَّ تُرى بوضوح.

في بعض الأحيان تَنفُث السمكة النابلة الماء نحو حشرة تقع فوقها مباشرة، وفي هذه الحالة فإن خط الإبصار الخاص بالسمكة لا يتأثر بالانكسار. ومع ذلك، يكون الانكسار مهمًّا في الاتجاهات الأخرى، ولا بد أن تضعه السمكة في الاعتبار إما بالتجربة والخطأ (إلى أن تصيب نافورة الماء الحشرة أخيرًا)، أو بالتعلم من الخبرات السابقة، أو بالترميز الجيني.

(٨٦) قراءة ما بداخل مظروف مغلق

لنَفترِض أنني برهنت على مهارتي في قراءة الأفكار، كما يلي: سأجعلك تكتب كلمة على ورقة، ثم تضع الورقة في مظروف أبيض قياسي، يَحتويها دون الحاجة إلى طيِّها، وتُغلق المظروف. ستَفحص المظروف قبل أن تُناولني إياه. لا تُرى الكلمة من خارج المظروف، والغرفة تفتقر إلى أي ضوء ساطع يمكن أن يَخترق المظروف ليظهر الكلمة على هيئة ظل.

عندما أُمسك بالمظروف، سأجعلك تفكر في الكلمة لكي «أراها» في عقلي. ورغم أنني أنظر إلى المظروف من وقت لآخر، لا أحاول أبدًا أن أرفعه في الضوء. بعد بضع دقائق من التركيز، أخبرك بالكلمة.

الحقيقة بالطبع هي أنه ليس لديَّ أي قوى لقراءة الأفكار. فكيف أستطيع تحديد الكلمة؟ إليك تلميح: هناك فيزياء مشابهة تجعل الأقمشة — لا سيما القطن الأبيض مثلما في القمصان — شبه شفَّافة عندما تكون مُبتلَّة.

الجواب: بعدما تسلمت المظروف، قمتُ سرًّا بدهنه بكمية قليلة من الشحم. لا يخترق الضوء عادةً المظروف، لأنه يُشتَّت بفعل الألياف والمواد المالئة الموجودة في ورق المظروف. يمكننا توضيح كمية التشتُّت حسب «معامل انكسار» المادة، الذي يقيس مدى سرعة انتقال الضوء في تلك المادة. يَحتوي الورق على جيوب من الهواء ذات معامل منخفض، وألياف ومواد مالئة ذات معامل أعلى؛ يؤدِّي الفرق الكبير بين هذَين المعاملين إلى كمية كبيرة من التشتُّت عند سطوح كل الجيوب الهوائية.

يُمكنني تقليل كمية التشتُّت عن طريق جعل الورقة تمتص الشحم، الذي لديه معامل انكسار متوسِّط. لا يتغير المعامل كثيرًا فيما بين الهواء والشحم، ولا فيما بين الشحم والألياف والمواد المالئة. ولأن الضوء لا يتشتَّت كثيرًا، فإنه يخترق المظروف أكثر، ويُمكنه إظهار علامات الحبر أو الرصاص المشكِّلة للكلمة، والورقة التي تقع عليها. تمتصُّ العلامات الداكنة الضوء إلى حدٍّ كبير، لكن الورق المحيط بها يُشتِّت بعض الضوء النافذ رادًّا إياه إليَّ في النهاية، عبْر المظروف المُشَحَّم. أستطيع تمييز العلامات (ومِن ثَمَّ الكلمة) من خلال تبايُنها الواضح عما حولها.

قصة قصيرة

(٨٧) ابتلاع السيوف ومنظار المريء

اليوم، يُعدُّ منظار المرِّيء عملية روتينية، تُمدُّ فيها أداة معاينة مكوَّنة من ألياف بصرية، في حلق المريض نزولًا إلى معدته، بحيث يَفحص الطبيب المجرى. تكون أداة المعاينة منحنية لكي تسلك المسار المنحني من الفم إلى المريء. يحمل جزء من الأداة ضوءًا في نهايتها، لإضاءة المسار أو المعدة. ويَحمل جزء آخر صورة للداخل المضاء، إلى الأعلى، حيث يوجد جهاز يعرض الصورة على شاشة. يستطيع الطبيب تطويع الجهاز، ليُغيِّر الجزء الداخلي المضاء، وقد يبحث عن علامات لوجود سرطان، أو قُرحة، أو حتى لفافات غير مشروعة من المخدِّرات، التي يُقدِم بعض الناس على تهريبها عن طريق بلعها (التهريب الجسدي).

إننا نفهم منظار المريء الحديث على نحو جيد، لكن بداياته كانت غريبة نوعًا ما. كان «منظارًا داخليًّا» بسيطًا، يتكون من أنبوب مستقيم مُضاء بشمعة، يُستخدم بالفعل لفحص الطرف السفلي للقولون. وكذلك في منظار المريء الأول، استُخدم أنبوب مستقيم، لكنه كان أقصر من أن يصل إلى المعدة. ومع ذلك فإن ذلك الطبيب الرائد توصَّل إلى طريقة لاستخدام أنبوب أطول؛ حيث استعان بمُبتلع سيوف، وهو شخص يستطيع إمالة رأسه إلى الوراء، وإرخاء عضلات معيَّنة بامتداد المريء، وصنع ممر مستقيم إلى حدٍّ كبير، من الحلق إلى المعدة. وحينما أضاء الطبيب الطرف الحر للأنبوب الذي أدلاه، رأى الجزء الداخلي للمَعدة، وبدأ عصر منظار المريء الحديث.

(٨٨) بصريات باب حوض الاستحمام

احمل قطعة من شريط بلاستيكي شفاف مباشرة فوق كلمات مطبوعة، ثم حرِّك الشريط باتجاهك. لماذا يكون باستطاعتك في البداية رؤية الكلمات من خلال الشريط، ولكن ليس عندما يبعد الشريط عنها بما يزيد عن نصف سنتيمتر؟ لماذا تَسهُل رؤية جسم المستحم عبْر باب حوض استحمام بلوري (محبَّب) فقط عندما يكون الشخص ملاصقًا للباب مباشرة (شكل ٦-٣٢أ)؟
fig155
شكل ٦-٣٢: بند ٦-٨٨: (أ) يُرى المستحم فقط عندما يكون قريبًا من الباب البلوري. (ب) تشتُّت الضوء بفعل عدم الانتظام.

تَستخدم بعض متاحف الفنون خصائص بصرية مُماثلة في عرضها للوحات الفنية. تُحمى اللوحات بطبقة من الزجاج أو البلاستيك، لكن لو كانت الطبقة عبارة عن لوح عادي، تكون رؤيتُك للوحة مشوبة بالانعكاسات المُختلفة لما في الغُرفة. ولتلافي التشويش، تُجعل الطبقة محبَّبة قليلًا. لماذا يزيل التحبيب انعكاسات الغُرفة، دون تشويه رؤيتك للوحة؟

الجواب: عندما تَنظُر إلى نقطة عبْر لوح زجاجي عادي، فإن عينَيك تَعترضان بعض أشعة الضوء المنبعثة من النقطة، ويُمنطقُها مخك، عن طريق مد الأشعة رجوعًا إلى الوراء، لخلق صورة مفهومة للنقطة. تكون هذه الصورة واضحة ومحدَّدة، لأن الأشعة التي تعترضها أنت تأتي من منطقة صغيرة على الزجاج، تنتمي إلى خط رؤيتك للنقطة.
عندما نستعيض عن الزجاج بقطعة من شريط بلاستيكي، فإن كل شعاع يخترق الشريط يتشتَّت بفعل عدم انتظامه إلى رذاذ مخروطي من الأشعة (شكل ٦-٣٢ب). إنك الآن تعترض أشعة نقطة إضافية، من نقاط على الشريط لا تَنتمي إلى خط رؤيتك للنقطة. ومع ذلك فإن دماغك يمد أي أشعة مُعترَضة رجوعًا إلى الوراء، في محاولة لفهم مصدرها. إذا كان الشريط قريبًا من النقطة، فإن انتشار الأشعة يكون قليلًا، بقدر صغر المنطقة من الشريط التي تعترض الأشعة فيها، ويظل باستطاعتك أن ترى صورة للنقطة، واضحة ومحدَّدة المعالم إلى حدٍّ ما. ومع ذلك فعندما تزيد المسافة بين الشريط والنقطة، يزيد الانتشار الزاوي، كما تزيد مساحة الشريط التي تعترض الأشعة منها. عندئذٍ فإن ما تراه هو نقطة مكبَّرة وغير واضحة.

إذا نظرت عبْر الشريط إلى صفحة مطبوعة، فإن قدرتك على قراءة المطبوع عليها تعتمد على نجاحك في تمييز الحروف المطبوعة. عندما يبعد الشريط عن المطبوع أكثر من نصف سنتيمتر، فإن انتشار صور الحروف يُسبِّب تداخلًا كبيرًا لا تستطيع معه تمييز الحروف.

تكون الحالة مشابهة مع المستحم خلف باب حوض استحمام محبَّب، ومع غطاء اللوحة الفنية. في حالة الغطاء، تكون اللوحة قريبة منك بما يكفي لتمييز تفاصيلها، ولكن عناصر الغرفة بعيدة كفاية، بحيث لا تتَّضح تفاصيلها المنعكسة ولا يُمكِن تمييزها. في حالة باب حوض الاستحمام، قد تتساءل عن سبب وضع التحبيب عادةً على السطح الخارجي للباب. إذا تناثَر الماء على التحبيب، فإنه يَملأ فراغات عدم الانتظام، مُعطيًا سطحًا أكثر استواءً، وبهذه الطريقة يُقلِّل انتشار أشعة الضوء. وعندئذٍ سيكون المُستحم مرئيًّا بوضوح، حتى لو كان بعيدًا عن الباب نسبيًّا. (الخصائص البصرية المُراعية الوقور يُمكنها أن تيسِّر احتشام المستحم المنظور إليه.)

(٨٩) سحر الانكسار

يَلفُّ ساحرٌ جريدةً حول أنبوب اختبار، ويُكسِّره إلى قطع صغيرة باستخدام مطرقة، ثم يُلقي القِطَع في دورق مياه شفاف. وبعد تمتمَة قصير بكلمات سحرية تستحث القطع لتعيد تجميع نفسها لتكوِّن أنبوب الاختبار من جديد، يمدُّ يده إلى الماء، ليَكتشِف أن القطع فعلت مما أمرها به تمامًا، ويخرج أنبوب الاختبار. كيف نجَحَت الخدعة؟

ضع كرةً زجاجية شفافة في كأس زجاجية، وضَعْهُما على مادَّة مطبوعة. عندما تنظر إلى أسفل عبْر الكرة، تكون المادة المطبوعة غير قابلة للقِراءة. كيف عساك تُبرز المادة المطبوعة دون تحريك الكأس الزجاجية؟

الجواب: لتدبير خدعة أنبوب الاختبار، ضع أولًا أنبوبًا في الماء. يمكنك رؤيته في الماء لأن الضوء الذي يمر عبْر الماء إما أن يَنعكِس وإما أن ينكسر بواسطة أنبوب الاختبار. ويمكنك إخفاء الأنبوب بإذابة سكَّر في الماء. عندما يكون لكلٍّ من محلول الماء والسكر وزجاج أنبوب الاختبار الخواص البصرية نفسها (أي عندما يكون لهم معامل الانكسار نفسه)، فإن الضوء المارَّ عبْر الماء يمكنه المرور عبْر الزجاج من دون تغيُّر ملحوظ في اتجاه الانتقال. ولذا يكون أنبوب الاختبار غير مرئي. وكذلك لا تُرى القطع المكسورة من أنبوب اختبار (ثانٍ) عندما تنثرها في ماء السكر. وعندما تمدُّ يدك لسحب أنبوب الاختبار الأول، ابحث عنه بأصابعك.

تُركِّز الكرة الزجاجية الضوء الصادر من المادة المطبوعة تركيزًا شديدًا، إلى حدِّ أنك لا تستطيع تمييز الصورة. ولتقليل التركيز، اسكب الماء في الكأس. إنَّ معاملَي انكسار الماء والكرة مُتقاربان، ولذا تتعرض أشعة الضوء لانكسار طفيف عندما تعبر من أحدهما إلى الآخر. يُمكن لعينَيك حينئذٍ أن تركِّزا الضوء الصادر، بما يُمكِّنك من قراءة المادة المطبوعة.

(٩٠) الرجل الخفي والحيوانات الشفافة

كتب إتش جي ويلز رواية عن رجل يُصبح خفيًّا (انظر شكل ٦-٣٣). هل هذا الأمر ممكن من الناحية البصرية؟ هل سيُصبِح الرجل خفيًّا إذا أصبح شفافًا مثل الزجاج. إذا كان الرجل خفيًّا فهل يستطيع الرؤية؟ لماذا عيناك شفافة وليس جلدك؟ هل يمكن لأي حيوان أن يُصبح شفافًا إلى حد كبير؟
fig156
شكل ٦-٣٣: بند ٦-٩٠: الرجل الخفي مسترخيًا على كرسيه المفضل.
الجواب: بطبيعة الحال من المستحيل وجود رجل خفي. فإذا كان شفافًا تمامًا مثل الزجاج، فإن الجزء المُنحني من جسمه سيَعمل مثل العدسة المعقدة فيُشوِّه رؤيتك لما يوجد خلفه أثناء سيره أمامك. بالإضافة إلى ذلك، فسوف يعكس الضوء من سطحه مثلما تفعل المنحوتة الجليدية. ولتقليل التشوه والانعكاس يحتاج الرجل إلى الخواصِّ البصرية للهواء، وهذا يعني ضرورة أن يتكون من الهواء وهذا مطلب مستحيل.

ولكي يرى الرجل فلزامًا أن يسلط الضوء ثم يمتص قدرًا منه. ومن أجل أن تُسلِّط عدسات العين الضوء لا بد أن تكون خواصها مختلفة عن خواص الهواء. ولكي تمتصَّ الشبكية الضوء لا بد أن تكون على الأقل مُعتمة جزئيًّا. وكلا الأمرَين سيكونان واضحَين إذا نظرت إلى عينَيه. أما إذا افترضنا أنه يسلط الضوء من خلال نقاط دقيقة (انظر المعلومات المتعلقة بكاميرات نقاط الدبوس في البند ٦-١٠٢) ثم يمتصُّ جزءًا من الضوء فحسب؛ ففي هذه الحالة قد لا يُكتشَف أمره.

عندما يُرسَل الضوء المرئي إلى الجسم البشري فإنه يتشتَّت من الكولاجين والأغشية والمكونات الأخرى المُختلِفة الموجودة في طريقه عند النقاط التي تتغيَّر فيها الخواص البصرية. ويكون التشتت كبيرًا لأن هذه الاختلافات في الخواص البصرية تحدث على مسافات «أكبر» من الطول الموجي للضوء. وأي صورة تُرسَل عبْر الجلد تُبعثَر كثيرًا بفعل هذا التشتُّت؛ ولذلك فالإنسان ليس شفافًا في الضوء المرئي. (إلا أنه توجد طرق من خلالها يُمكن «إبطال» هذه البعثرة من خلال التحليل الحاسوبي؛ ومِن ثمَّ «يُمكن» مرور الصورة عبر النسيج البشري.)

تتَّسم قرنية وعدسة العين البشرية بالشفافية تجاه الضوء المرئي على الرغم من ألياف الكولاجين الموجودة في القرنية والبروتينات المتبلِّرة في العدسة. والسبب في ذلك هو أن الألياف والبروتينات مجمعة بكثافة ولديها ما يطلق عليه «ترتيب قصير المدى». وهذا يعني أن الألياف أو البروتينات في منطقة صغيرة (أقطار ألياف قليلة) لديها جميعًا الاتجاه نفسه. والتجمُّع الكثيف يعني أن التغيرات في الخواص البصرية تحدث في مسافة «أصغر» من الطول الموجي. ونتيجة لذلك فإن الضوء يتشتت في الأساس في الاتجاه الأمامي؛ أي نحو الشبكية؛ ومِن ثَمَّ يستطيع الضوء أن يحمل معلومات عن الصورة عبْر العين إلى الشبكية؛ حيث يَجري التعرُّف على الضوء ويبدأ إدراك الصور.

بعض الحيوانات البحرية تُقلِّل من إمكانية رؤيتها من خلال عكسها للضوء لكي يرى المرء قدرًا أكبر من المحيط بدلًا من رؤية الحيوان. وهذه الانعكاسات قد تُخفي عيون الحيوان كي لا يتعرف عليها المُفترِس، أو قد تُخفي المعدة المُعتِمة بسبب وجود الطعام فيها. في الوقت الحالي ليس مفهومًا تمامًا ظاهرة الشفافية التي تُحقِّقها بعض الحيوانات البحرية لكنَّها من المؤكد راجعة إلى تقليل التنوع في الخواص البصرية للمُكوِّنات البيولوجية من أجل تقليل تشتُّت الضوء. وتحدث التنوعات «الموجودة» في المسافات الأصغر من الطول الموجي للضوء، ولذلك فإن الضوء يتشتَّت دائمًا في الاتجاه الأمامي كما لو كانت التنوعات غير موجودة. وتتَّسم حيوانات قليلة بالشفافية لسبب بسيط؛ ألا وهو قدرتها على التسطح إلى أن تُصبح كمية التشتت داخلها غير ملحوظة تقريبًا.

يُخفي حبار هاواي القصير الذيل نفسَه باستخدام بروتينات فريدة كثيرة في الصفائح الدموية. تعمل هذه الصفيحات الدموية كأغشية رقيقة يُمكنها عكس الضوء مثلما تعكس سلسلة من أغشية الصابون المُتوازية الضوء. الأمر الغريب في هذا الحبار هو أن الضوء تنتجه بكتيريا في عضو في الجانب السفلي للحبار. فعندما يُضاء الحبار بضوء القمر على سبيل المثال فإنه يرغب في تجنُّب إلقاء ظلِّه على أرض البحر لأن ذلك الأمر سيَكشف عن وجوده. ولذلك يُغيِّر تدفُّق الأكسجين إلى البكتيريا ليَستحثَّها كي تُصدِر الضوء؛ ومِن ثمَّ تَعكِس الصفائح الدموية الضوء إلى منطقة الظل، فتُضيء الظل.

(٩١) انحناء الطريق بفعل انكسار الضوء

إذا جلستَ في مقعد بجوار النافذة في طائرة نفَّاثة، سواء فوق الجناح أو بالقُرب من الحافَّة الخلفية للجناح، فراقب منظورك لطريق مستقيم وهو يمرُّ أمام الحافة الأمامية. غالبًا ما يُصبِح الجزء الأقرب من الطريق للجناح معوجًا (انظر شكل ٦-٣٤أ). ومع انزلاق قدر أكبر من الطريق ظاهريًّا أسفل الجناح، يستمر الاعوجاج على طول الطريق. فما سبب هذا الاعوجاج؟
fig157
شكل ٦-٣٤: بند ٦-٩١: (أ) منظورك للطريق. (ب) منظور جانبي لشعاع ضوء يمر أمام مقدمة الجناح.
الجواب: تَسير أشعة الضوء القادم من معظم الطريق المنظور في خطٍّ مستقيم، فترى الشكل الحقيقي للطريق. أما الضوء القادم من الجزء الذي تراه قريبًا نسبيًّا من الحافة الأمامية للجناح فلا بد أن يمر عبْر الهواء الذي يَختلف كثيرًا في كثافته نظرًا لاختراق الجناح للهواء. ويؤدِّي اختلاف الكثافة إلى انحراف (انحناء) أشعة الضوء لأعلى (انظر شكل ٦-٣٤ب). وعندما تَنظر إلى أشعة الضوء فإنها تبدو في نظرك كما لو كانت نشأت في مستوًى منخفض عن مستواها الحقيقي. والانحناء هو النقطة التي تفصل الأشعة المتأثِّرة بالانحراف عن تلك التي لم تتأثر.

(٩٢) ري النباتات في ضوء الشمس

يقول بعض البستانيِّين إنه يجب عدم ري العُشب أو الشجيرات عندما يكون ضوء الشمس ساطعًا؛ لأن قطرات الماء على الأنصال والأوراق يمكن أن تركز الضوء على نحوٍ يَكفي لحرق تلك الأسطح. فهل هذا الزعم صحيح؟

الجواب: لم يُفِد أي باحث بحدوث ضرر للأوراق في مثل هذا الموقف. في الواقع، قال أحد الباحثين إن وجود الماء يُمكن أن يبرد الورقة فعليًّا. وترجح الحسابات أن التسليط والتسخين الناتج يُصبحان مؤثِّرَين فقط إذا تحبَّبت القطرة على الورقة. في معظم النباتات يَميل الماء إلى الانتشار (يقال إن الماء «يبلل» الأوراق). إلا أن بعض النباتات مثل نبات اللوتس تتميز أوراقها ببِنًى مجهرية خاصة تجعل الماء يتحبَّب في شكل شبه كروي. وعلى الرغم من أن هذه النباتات معرَّضة لخطر زيادة الحرارة في ضوء الشمس المباشر، فإن هذه الأشكال الشبه الكروية تميل إلى التدحرج من على الأوراق.

ونصيحة ري الأرض أثناء الليل بدلًا من الري في ضوء النهار مُفيدة في المناطق القاحِلة؛ فبمجرد زوال الشمس، تزداد فرصة تشرُّب الأرض بالمياه بدلًا من تبخرها.

(٩٣) إشعال النار بالجليد

في قصة «صحراء الجليد» للكاتب جول فيرن يتمرَّد طاقم السفينة على القبطان هاتريس وبعض رفاقه المُخلصين ويتركونهم مُنعزلين قرب المحيط القُطبي في أثناء محاولة الوصول للقطب الشمالي. وعلى الرغم من أن هؤلاء الرجال المهجورين كانوا يَمتلكون الحطب لإشعال النار فإنهم لم يكن بحوزتهم أي مواد مسبِّبة للاشتعال أو أي وسيلة لإشعال الحطب. وعندما وجد الرجال المهجورون أن أمامهم رحلة طويلة سيرًا على الحقل الجليدي للوصول إلى سفينة أخرى، عرفوا أنهم سرعان ما سيتجمَّدون حتى الموت. إلا أن طبيب السفينة توصَّل إلى خطة من خلالها يُمكن أن يشعل الجليد النار في الحطب. هل يمكنك أن تخمن كيف ذلك؟ وهل سيفلح هذا الأسلوب حقًّا؟

الجواب: وفقًا للقصة فقد صنَع الطبيب عدسة محدَّبة من قطعة جليد شفافة (ليس بها فقاعات الهواء المحبوسة عادةً داخل الجليد أثناء عملية التجمُّد). فقد استخدم البلطة وقطع جزءًا وشكَّله، ثم صقَل الشكل بسكِّينه ودفْء أصابعه. وأثناء حمل العدسة الجليدية في ضوء الشمس الساطع ضبَط ارتفاعها بحيث تكون نقطة تجمع ضوء الشمس المركز (البؤرة) موجَّهةً نحو الحطب. وخلال ثوانٍ اشتعل الحطب.

ربما نشأت فكرة هذه الخطة على يد العالم البريطاني الشهير ويليام سكوريسبي الذي يُشتهَر بريادة استكشاف القطب الشمالي. وقد وصَف ذات مرة كيف يُمكن لعدساته غير المتقنة الصنع التي صنعها من الجليد الشفاف إشعال الحطب وإذابة الرصاص وإشعال غليون البحَّار. ومؤخرًا، أخبَرَني ماثيو ويلار، من قرية ماكبرايد في كولومبيا البريطانية، كيف أنه التقط صورًا فوتوغرافية باستخدام كاميرا تَستخدم عدسة جليدية بدلًا من عدستها التقليدية.

وقد تتمكَّن أيضًا من إشعال النار باستخدام عدسة نظارة عادية. فإذا كانت النظارة مصمَّمة لشخص يُعاني من طول النظر، فإنه يمكن توجيه بؤرتها نحو الحطب. أما إذا كانت النظارة مصممة لشخص قصير النظر، فإن العدسة لا تجمع الأشعة. ومِن ثَمَّ، فإن قصة إشعال النار في قصة «أمير الذباب» خاطئة؛ فلقد كان بيجي شخصًا يُعاني من قِصَر النظر بشدة، ومِن ثَمَّ لم يكن رالف ليستطيع إشعال الحطب بنظارة بيجي كما ذكرت القصة.

(٩٤) الألماس

لماذا يلمع الألماس؟ ما سبب ألوانه، ولماذا تكون ألوانه أكثر سطوعًا في الألماس الأكبر حجمًا؟ لماذا تكون الألماسة مُظلِمة إذا نظرت عبْر سطحها السُّفلي إلى مصدر ضوء صغير؟ ولماذا تُقلِّل الأوساخ على سطحها السفلي من السطوع المرئي عبْر سطحها العلوي؟

الجواب: لكي تتلألأ الألماسة بالألوان يجب أن ينفصل الضوء الداخل إلى سَطحها العلوي إلى ألوان ثم يعود عبْر السطح العلوي؛ ومِن ثَمَّ، فعندما يصل الضوء إلى السطح السفلي فإنه يجب أن يَنعكِسَ بالكامل وألا يهرب عبْر ذلك السطح. ولتجنُّب تلك الخسارة، يُصبح السطح السفلي مائلًا بشدة ناحية اتجاه انتقال الضوء، مما يَجعل السطح يَعكِس كل الضوء. ويُقال إن الضوء يتعرض ﻟ «انعكاس داخلي كامل». ولذلك تكون الرؤية مُظلمة إذا نظرت لأعلى عبْر السطح السفلي. أما إذا كان السطح السفلي مغطًّى بالزيت أو غيره من الأوساخ، فإن بعض الضوء يُمكن أن يتسرَّب إلى هذه الطبقة المغطَّاة، فيُقلِّل من بريق الألماسة؛ ومِن ثَمَّ إذا أردت الحفاظ على بريق الألماسَّة، فيجب أن تُنظِّف «كلا» السطحين العلوي والسفلي.

يُعد «معامل الانكسار» الخاص بالمادة أحد مَقاييس مدى كفاءة المادة في فصل الألوان عند إضاءتها بالضوء الأبيض. فالألماس الذي يتمتَّع بمعامل انكسار كبير يفصل الألوان على نحو أفضل من الزجاج ذي القيمة المُنخفِضة في معامل الانكسار؛ ومِن ثَمَّ فإن الألماس المزيَّف المصنوع من الزجاج قد يتلألأ إذا كان متعدِّد الأوجُه عند قطعه، لكنه يَفتقِر إلى تلاعُب الألوان الذي تراه من الألماس الحقيقي. ومن الناحية النظرية، فإن الألماسة الكبيرة ملوَّنة أكثر من الألماسة الصغيرة؛ لأن طول المسافة التي يَقطعها الضوء عبْر الألماسة يزيد من فصل الألوان في الضوء.

(٩٥) أحجار الأوبال

ما السبب في ألوان حجر الأوبال الرائعة؟ يجب التفريق بين إنتاج الألوان في هذا الحَجر وبين إنتاج الألوان في الألماس؛ لأن حجم حجر الأوبال لا يتحكَّم في فصل الألوان. بالإضافة إلى ذلك، فإن الألوان مُختلفة. فعند تدوير ألماسة أسفل ضوء أبيض ساطع، سوف ترى تنوعًا في الألوان عبْر الطيف المرئي كاملًا. أما عند تدوير حجر الأوبال في هذا الضوء فسوف ترى نطاقًا ضيقًا من الألوان. فما الذي يتحكَّم في الفرق بين حجر الأوبال الرخيص عديم اللون وحجر الأوبال الأسود النفيس؟

الجواب: الأوبال حجر غير مُتبلوِر لكنه مكوَّن من السيليكا غير المتبلورة مع نسبة صغيرة من الماء. تتخذ السيليكا شكل كرات صغيرة (قطرها حوالي ١٠٠ نانومتر) مرصوصة على نحو شديد التقارب على شكلٍ شبيه بثمار برتقال في وعاء. وتحتوي الفراغات الفاصلة بين الكرات على الهواء، أو بخار الماء، أو مياه سائلة. وترتيب الكرات والفراغات بهذه الطريقة يكون نسقًا تتبايَن فيه الخواص البصرية. فعندما يمر الضوء الأبيض في الأوبال، فإنه يتعرض للحيود (وهو نوع من التشتت) بفعل النسق فتُرسَل الألوان المختلفة مرة أخرى خارجة من حجر الأوبال بزوايا مختلفة. وتعتمد زاوية انحراف أيِّ لون على المسافة المنتظمة للنسق (أقطار الكرات) وزاوية الضوء الداخل. وإذا تحرك الأوبال أثناء فحصك له، فسترى نقاطًا ذات ألوان مختلفة تُومض وتنطفئ، ويُطلق على هذا العرض «نار» الأوبال.

ولكي تكون الألوان ساطعة ومميزة كما هي الحال في الأوبال الأسود فيَجب أن يتكون كل لون من نطاق ضيق من الأطوال الموجية لا غير. ولتكوين هذه النطاقات الضيقة لا بد أن تكون الكرات شبه مُتساوية في الحجم بحيث يكون الحيود من أي جزء من حجر الأوبال موحَّدًا. أما أفضل العروض ذات الألوان البراقة التي ترى من أي زاوية فتحدث في أحجار الأوبال التي يكون فيها تجمُّع السيليكا مختلفًا في الاتجاه والترتيب من منطقة لأخرى؛ وفي هذه الحال يوصف التجمع بأن به «عيوبًا». يزيد من جمال الأوبال الأسود ذي العيوب وجودُ جزيئات صغيرة (كربون، أو أكسيد الحديد، أو أكسيد التيتانيوم) تمتص الضوء الذي لم يتعرض للحيود، فيُعطي خلفية سوداء للضوء الملوَّن الذي تراه ويجعل الضوء أكثر وضوحًا. في الأوبال الرخيص يكون الاختلاف في أحجام الكرات كبيرًا وتكون الألوان غير ساطعة. ويكون الاختلاف في أحجام الكرات أصغر في أحجار الأوبال البيضاء، لكنه يظل رغم ذلك كبيرًا على نحو يسمح بوجود «بريق أبيض غائم».

(٩٦) تأثير ألكسندرايت

لون معظم الأحجار الكريمة يظل تقريبًا كما هو في ظلِّ ضوء الشمس والإضاءة المتوهجة، لكن بعض الأحجار الكريمة، مثل حجر ألكسندرايت وحجر تنزانيت، يمكن أن يتغيَّر لونهما تغيرًا ملحوظًا من اللون الأخضر المزرقِّ في ضوء الشمس إلى الأحمر المُصفرِّ في الإضاءة المتوهجة. عندما اكتُشفت أول قطعة من حجر ألكسندرايت الكريم في جبال الأورال في روسيا عام ١٨٣١ سُمِّيت ظاهرة تغيُّر الألوان باسم «تأثير ألكسندرايت» تكريمًا للقيصر الروسي ألكسندر الثاني. فما السبب في هذا التغيُّر اللوني؟

الجواب: يَنقل الحجر الكريم الذي يظهر تأثير ألكسندرايت الضوء جيدًا في الجزء الأخضر المزرق والجزء الأحمر من الطيف المرئي، ولا ينقله في الجزء المحصور فيما بينهما. بالإضافة إلى ذلك، يكون نقل الضوء في الجزء الأخضر المزرق أفضل من الجزء الأحمر. وعند مشاهَدة أحد الأحجار الكريمة في ضوء الشمس المكون من الطيف المرئي كله، يغلب انتقال الضوء في الجزء الأخضر المزرق على ما تراه من الحجر الكريم. أما الضوء المتوهِّج فيَصدر عن السلك الساخن في المصباح وعادةً يكون مُعتمًا عند الطرف الأزرق من الطيف. لذلك عند مشاهدة الحجر الكريم في ضوء مصباح متوهِّج، يكون انتقال الضوء الأخضر المزرق مُعتمًا بدرجة أكبر من انتقال الضوء الأحمر، ومن المفترض بطبيعة الحال أن يكون الحجر أكثر احمرارًا في ضوء الشمس. إلا أن الحجر يكون أكثر احمرارًا ممَّا يتوقَّعه هذا التفسير. ويَبدو أن الاحمرار الزائد نتيجةً لجِهاز الرؤية لديك؛ أي إنَّ جزءًا من لون الحجر يكون مصدرُه دماغك.

(٩٧) حجر الزفير النجمي

عندما تَنظر إلى حجر الزفير النَّجمي المُضاء بمصدر ضوء صغير لماذا ترى نجمة سداسية تَطفو فوق الحجر؟

الجواب: تتكوَّن النجمة بسبب الضوء المتشتِّت من إبر أكسيد التيتانيوم المتجمِّعة في واحد من اتجاهات ثلاثة مُتشعِّبة عن بعضها بزاوية ١٢٠ درجة. يُكوِّن الضوء المشتَّت من كل مجموعة خطًّا في رُؤيتك. لذلك ترى ثلاثة خطوط متقاطِعة عند مُنتصفها بحيث تُشكل أشعة النجمة السداسية. إذا قُطع الحجر على شكل قبَّة دائرية أو بيضاوية (بدلًا من أن يكون له جوانب عند قطعه) فإن النجمة تكون نسبيًّا فوق القُبة مما يُعطي مظهر الطفو. هذه الصورة «افتراضية» وهذا يعني أنها شيء يَستحضِرُه جهاز الرؤية لديك ليحسَّ بالضوء. فالنجمة المضيئة لن تظهر فوق بطاقة موضوعة على موقعها الظاهري.

(٩٨) أشكال الضوء المكونة من كأس خمر ونافذة وقطرة الماء

تَفقَّد ضوء الشمس الساطع المار عبْر كأس نبيذ أبيض ويسقط على طاولة. ستَجد أن الكأس لا يُضيء الطاولة على نحوٍ موحَّد، لكن يُغطِّيها بواحد أو أكثر من الخطوط الساطعة التي يُطلَق عليها «مُنحنيات». إنَّ انحناء الكأس يعيد توجيه الضوء ليُصدر تلك الخطوط. تَعكس النوافذ أشكالًا مشابهة على الأشياء المحيطة بها. أما أكثر المُنحنيات شيوعًا فهو على الأرجح ذلك الذي يتكون داخل فنجان القهوة الخزفي أو البلاستيكي (وليس المصنوع من الفوم). يتكوَّن المنحنى من خطين مقوَّسين ساطعَين متقاطعَين (انظر شكل ٦-٣٥أ).
fig158
شكل ٦-٣٥: بند ٦-٩٨: أشكال ضوئية ناتجة عن (أ) فنجان قهوة في ضوء الشمس. (ب) وقطرة ماء صغيرة قريبة من العين. و(ﺟ) قطرة ماء أكبر قريبة من العين.

يُمكن تكوين مجموعة أكبر من الأنواع المختلفة للمُنحنيات من خلال توجيه شعاع ليزر عبر طبقة من البلاستيك المجعَّد أو المُموَّج مثل ذلك الموجود في الأغطية المحيطة بالمصابيح الفلورسنت في المكاتب. وإذا حركت الطبقة البلاستيكية مع الموسيقى فستُنتِج عرض ليزر ضوئيًّا مصغَّرًا. ويُمكنك أيضًا استخدام طبقة بلاستيكية شفافة مسطحة موضوع عليها كمية فوضوية من الغراء الشفاف. بالإضافة إلى ذلك، يُمكن رؤية المنحنيات الضوئية المتحرِّكة في قاع حمامات السباحة عندما يتحرك ضوء الشمس عبْر الدوَّامات الموجودة على سطح المياه.

أما أروع أشكال المُنحنيات الضوئية فيُمكِن رُؤيتها إذا نظرت إلى مصباح الشارع ليلًا عبْر قطرة ماء. مِن المُمكِن أن تكون القَطرة على عدسات نظارتك أو على زجاج النافذة (وفي هذه الحال قرِّب عينك جدًّا من القطرة). إذا كانت القطرة صغيرة وغير مُنتظِمة، فسيكون الشكل الذي تراه مكوَّنًا من خطوط ساطِعة مقعَّرة للخارج ومُتقاطِعة (انظر شكل ٦-٣٥ب). وإذا كانت القطرة أكبر حجمًا وعالقة على نحوٍ مُتدلٍّ، فسيكون أسفل الشكل شبيهًا بالشكل الذي تكوَّن في القَطرة الأصغر حجمًا، لكن أعلى الشكل سيكون خطًّا ساطعًا محدَّبًا للخارج (انظر شكل ٦-٣٥ﺟ). أما داخل القطرة فيُوجد نجوم يُمكن أن تجعلها ترقص إذا هززت القطرة برفق. إذا استطعت تدوير القطرة حول خط رؤيتك للمِصباح، فسوف يتقلَّص الجزء السُّفلي أولًا، ثم يدخل للداخل ليكوِّن النجمة.

فما سبب تكوُّن الأشكال التي تراها في هذه الظروف المُختلفة؟ وهل يُمكن انقسام الأشكال إلى وحدات أساسية؟

الجواب: يُمكن تقسيم منحنيات الضوء إلى شكلين أساسيين؛ ألا وهما: «الطيات» (الخطوط المنحنية) و«النتوءات» (تقاطُع طيتَين). الوحدات الأساسية هي أمثلة بصرية للطريقة الرياضية التي يُطلَق عليها اسم «نظرية الكارثة». وهي تظهر لأن السطح (سواء كأس النبيذ أو الماء المُتموِّج … إلخ) يحزم الأشعة من خلال الانكسار أو الانعكاس؛ ومِن ثمَّ يركز الضوء في صورة خطوط ساطعة. وبالتحديد، فإن الضوء يتركز في صورة بنية ثلاثية الأبعاد في الهواء. وعندما تعترض عينك أو سطح مشاهدة هذا الضوء فإنه يتَّخذ شكل شريحة ثنائية الأبعاد في تلك البنية.

لهذه البِنى الثلاثية الأبعاد ثلاثة أنواع، ولكل نوع «نقطة تفرُّد» يكون فيها المُنحنى في الشريحة في أقصى درجات الانضغاط. وإذا أخذت الشريحة لمكان آخر عبْر إحدى هذه البِنى الثلاثة، فعندها تُوصف البنية بأنها «غير مطوية».

يُمكن لضوء الشمس المُنعكِس على الجدار من نافذة أحد المباني أن يُكوِّن صورة مشابهة للشكل العام للنافذة لكن ذات حافات مُنحنية تُسمَّى طيات. وهذه الطيات إما أن تكون مقعَّرة أو محدَّبة اعتمادًا على إذا ما كانت النوافذ بارِزةً للداخل أم للخارج. فعندما تكون النافذة محدَّبة للخارج، يَخلق الانعكاس شكلًا بيضاويًّا؛ وعندما تكون مقعَّرة للخارج فإنها تكوِّن صليبًا ساطعًا. أما النافذة المكوَّنة من لوحَين زجاجيَّين والمُحتوية على كلا النوعين من المُنحنيات فمن المُمكن أن تُكوِّن كلا الشكلَين.

(٩٩) الظلال ذات الحافات والأشرطة الساطعة

أثناء الاستحمام تَفقَّد ظِلَّ قلم رصاص مضاء بمِصباح عُلوي واحد. (إياك أن تَضع المصباح بطريقةٍ تجعلُه قد يسقط في الماء فتموت صعقًا بالكهرباء!) إذا أمسكت القلم الرصاص فوق الماء أو غمرته فيه بالكامل، فإن ظلَّه في قاع حوض الاستحمام سوف يُشبه القلم الرصاص. أما إذا غمرتَه جزئيًّا في الماء وعلى نحوٍ مائل، فسوف يُكوِّن ظلَّين على شكل النقانق يفصل بينهما شريطٌ أخضر (انظر شكل ٦-٣٦أ). فما سبب هذا المشهد الذي يُطلق عليه «تأثير ظل النقانق»؟
fig159
شكل ٦-٣٦: بند ٦-٩٩: ظلال (أ) قلم رصاص و(ب) شفرة موسى في مياه ضحلة. (ﺟ) كيف يُسلط انحناء الماء قرب الشيء أشعة الضوء ليكوِّن شريطًا ساطعًا عند حافة الظل؟

بعد ذلك، أدخل قلم الرصاص عموديًّا في سطح الماء. واضبط العمق عند الطرف السُّفلي لقلم الرصاص. إذا كان الطرف قرب قاع حوض الاستحمام، فسوف يُكوِّن قلم الرصاص ظلًّا صغيرًا. لماذا تظهر نقطة ساطعة بدل الظل إذا حركت الطرف السُّفلي لأعلى نحو سطح الماء؟

اجعل موسى مسطَّحًا مزدوج الحدَّين (وليس من النوع ذي الجانب المعزَّز) طافيًا على الماء من خلال تدلية الشفرة بحرص على الماء. إذا كان العمق الماء مجرد بضعة سنتيمترات فستكون حافات ظل الشفرة عادية. فلماذا يتكوَّن لدى الحافات حدٌّ ساطع إذا كان الماء أعمقَ من ذلك (انظر شكل ٦-٣٦ب)؟ هل تُصبِح الحافات ساطعة إذا رفعت الشفرة بحيث تُصبح نسبيًّا فوق المُستوى الطبيعي للماء؟

لماذا تكوِّن الشَّعرة الطافية مجموعةً من أجزاء الظلال بعضُها حافاته عادية وبعضُها حافاته ساطعة؟

مرِّر إصبعًا أو قلم رصاص في ماء استحمام عمقُه ستة سنتيمترات على الأقل. لماذا يَظهر في قاع حوض الاستِحمام حلقات داكنة ذات حافات ساطعة. لماذا قد ترى ظلالًا مُشابهة على قاعِ حمام سباحة في ضوء الشمس عندما يَسبح فيه شخص أو يَخرج من الماء؟

الجواب: في تأثير ظلِّ النقانق يَنسحب الماء لأعلى قلم الرصاص بفِعل التوتُّر السَّطحي (نتيجةً لانجذاب جزيئات الماء بعضها إلى بعض وإلى القلم). وهذا يجعل سطح الماء مقعَّرًا. وعندما يمر الضوء بجوار قلم الرصاص وعبر سطح الماء المقوَّس، فإنه ينتشر في جزء من الظل وينتج فجوة مضيئة بين الظلال التي خلَقَها الجزء الجاف والجزء المغمور من قلم الرصاص.
ويضغط وزن شفرة الموسى على سطح الماء فيُصبح السطح محدَّبًا. يَميل الضوء المار عبر السطح المقوَّس إلى التركز، لكن إذا كانت المياه ضحلةً على نحوٍ كافٍ فإن القاع يعترض الأشعة قبل تركُّزها ويُصبح للظلِّ حافة عادية. وإذا كان الماء أكثر عمقًا، فإن الأشعة تتركز على طول حافة الظل فتمنحه حدًّا ساطعًا (انظر شكل ٦-٣٦ﺟ). عندما ترفع شفرة الموسى، فإن الماء ينجذب إلى أعلى في شكل مقعَّر يجعل الضوء ينتشر في المنطقة الضحلة دون أي تركز؛ ومِن ثَمَّ تكون حافات الظل عادية.

يُمكن للشَّعرة الطافية أن تنتج ظلال النقانق، وحافات عادية، وحافات ساطعة اعتمادًا على طريقة تقوُّس سطح الماء على طول السطح.

فعندما تُحرِّك شيئًا عبْر الماء فإنك تترك دوامات غائرة تدور على سطح الماء. يكون الجزء الداخلي من الدوَّامة القريب من المركز مقعَّرًا وينشر الضوء فيخلق دائرة مُظلِمة في القاع الذي يكون فيه الضوء ضعيفًا. أما بعيدًا نسبيًّا عن الدوامة فإن السطح يكون محدَّبًا. يُسَلَّط الضوء المار في هذا الجزء على حافة الظل، فيَمنحها حدًّا ساطعًا. وإذا كانت المياه عميقة على نحوٍ كافٍ، فإن الحد يتمدَّد نحو شريط الضوء، وتصبح الحافات الداخلية والخارجية شديدة السطوع.

(١٠٠) أشرطة ساطعة وأشرطة قاتمة فوق جناح الطائرة

يصف إيه هيويش في تقرير عام ١٩٨٣ شريطَين أحدهما قاتم والآخر ساطِع وجدهما على امتداد جناح طائرة نفاثة أثناء الطيران (انظر شكل ٦-٣٧أ). كان عرض الشريط القاتم يَتراوح بين سنتيمتر واحد وسنتيمترَين، وكان مُنخفض التباين مع بقية الجناح الذي يُضيئه ضوء الشمس. كانت الشمس مُرتفعة بزاوية ٢٥ درجة تقريبًا فوق الحافة الخلفية للجناح، وكان الشريطان واضحَين لمدة تزيد عن ساعة. ومع هبوط الطائرة، تحوَّل الشريطان إلى الحافة الأمامية للجناح واختفيا في النهاية.
fig160
شكل ٦-٣٧: بند ٦-١٠٠: (أ) شريط ساطع وشريط قاتم على طول جناح الطائرة. (ب) شريط قاتم يمتد لأعلى من الجناح.
لقد رأيت أشرطة مشابهة ورأيت أيضًا ظاهرة وثيقة الصلة عندما كانت الشمس على الجانب الآخر للطائرة: كان يوجد شريط قاتم يقف مُنتصِبًا في منتصف الجناح تقريبًا، وكان يُشوِّه على نحو واضِح تفاصيل النصف الخارجي للجناح (انظر شكل ٦-٣٧ب). وكنت عندما أحرك رأسي إلى الأمام أو إلى الخلف على طول جسم الطائرة يتحرَّك الشريط أيضًا. وفي بعض الأحيان رأيت شريطَين.

فما سبب تكوُّن هذه الأشرطة؟

الجواب: لنتأمَّل الأمر من منظور الطائرة أثناء تدفُّق الهواء على جناح ثابت. يَخلق التدفُّق على الجناح «جبهة صدمة» تَنخفِض فيها سرعة الهواء القادم فجأة ومِن ثَمَّ تَزداد كثافة الهواء. تقف جبهة الصدمة عمودية على الجناح وتمتدُّ على طوله. (لو كانت جبهة الصدمة مرئيةً لأصبَحَت شبيهةً بحاجز مسامي على طول الجناح.) عندما تَنزلِق أشعة الضوء على جبهة الصدمة، فمن المُمكن أن تَنعكِسَ على نحو ملحوظ بسبب التغيُّر في كثافة الهواء. ووفقًا لما شاهَدَه هيويش فإن أشعة الضوء التي كانت متوجِّهة نحو مكان معيَّن على الجناح أعيد توجيهها بفعل انكسار الضوء إلى مكان آخر أبعد إلى الوراء من الجناح؛ ولذلك يتكون شريط ساطع هناك ويتكوَّن شريط قاتم في المكان الذي كان سيَسقُط فيه الضوء لولا جبهة الصدمة.

أما الشريط القاتم الإضافي الذي وجدتُه فقد كان ناتجًا أيضًا عن أشعة الضوء المنزلقة على جبهة الصدمة والصادرة عن تفاصيل الجناح المُضاء بضوء الشمس. فعندما مرَّت الأشعة الآتية من تفاصيل الجناح المُجاوِرة عبْر نقطة الصدمة، انحنَت بكميات مختلفة. وانتشار الأشعة الناتج جعل المنطقة الواقعة بين التفاصيل قاتمة نسبيًّا، وكوَّن تجمع هذه النقاط القاتمة الشريط القاتم الذي رأيته.

قصة قصيرة

(١٠١) أمواج صدمية من سيارة ثراست إس إس سي النفاثة

عندما كسَرَت السيارة ثراست إس إس سي المزوَّدة بمُحرِّك نفاث الرقم القياسي للسرعة على الأرض عام ١٩٩٧ أثناء السباق على صحراء الصخرة السوداء في نيفادا، كانت سرعتها «خارقة للصوت» أي (أسرع من سرعة الصوت). لم يَقتصِر الأمر على سماع الجمهور دويًّا مرتفعًا ناتجًا عن اندماج الأمواج الصدمية من أجزاء مختلفة من السيارة، بل التقطت الصور الفوتوغرافية للسيارة علامات الأمواج الصدمية نفسها. كان من المفترض أن نرى في هذه الصور الفوتوغرافية منظرًا غير مشوَّه للتلال الواقعة خلف مسار السيارة، لكن عندما مرت أشعة الضوء القادمة من هذه التلال عبْر الموجة الصدمية في طريقها إلى الكاميرا، تغيَّرت اتجاهات انتقالها نسبيًّا بسبب اختلاف كثافة الهواء داخل الأمواج الصدمية. وأدَّى التغير في الاتجاه إلى تشويه صورة التلال في الخلفية؛ ومِن ثمَّ ظهرت الأمواج الصدمية. وفي إحدى هذه الصور الفوتوغرافية أستطيع أن أرى أربع موجات صدمية ممتدة لأعلى من السيارة.

(١٠٢) كاميرا ثقب الدبوس وكاميرا نقطة الدبوس

تتكون كاميرا ثقب الدبوس من فتحة صغيرة دائرية لا بد من مرور الضوء عبرها للوصول إلى الفيلم. فكيف يُمكِن لهذه الطريقة تكوين الصورة على الفيلم؟ كم يجب أن يَبلغ حجم ثقب الدبوس؟ يمكن لبعض الأسطح العاكسة الصغيرة، مثل شظية زجاج، أن تعمل بالطريقة نفسها لإنتاج الصورة.

يُمكنك عمل نسخة أكبر من كاميرا ثقب الدبوس من خلال السماح للضوء بالمرور من فتحة صغيرة في سلك النافذة إلى غُرفة مُظلمة، وقد ترى على الحائط البعيد صورة مقلوبة للمنظر الموجود خارج النافذة. كانت هذه التقنية أمرًا عجيبًا تمامًا في نظر الناس قديمًا.

نشر باتريك إيه كيب الأستاذ في جامعة نورث كارولينا في بيمبروك نسخة مُثيرة من هذه الظاهرة باستخدام كرة البينج بونج. في هذه التجربة تقوم باختصار بما يلي: (أ) ادهن نصف كرة البينج بونج باللون الأسود. (ب) اثقب حفرة قطرها مليمتران في مركز الجزء المسود. (ﺟ) لف ورقة سوداء من الورق المقوَّى على شكل أسطوانة أصغر نسبيًّا من الكرة. (د) ضع الكرة في أحد طرفَي الأسطوانة، واجعل نصفها الأسود مواجهًا للخارج. (ﻫ) الصق أسطوانة الورق المقوَّى وثبِّت الكرة في مكانها بمادة لاصقة دون أن تسدَّ الثقب. (و) انظر في الطرف المفتوح من الأسطوانة ووجه الطرف البعيد نحو مَشهد ساطع الإضاءة. سترى صورة مقلوبة للمشهد على جدار الكرة داخل الأسطوانة.

تتكوَّن كاميرا نقطة الدبوس من نقطة صغيرة مُعتمة موضوعة أمام فيلم (يُمكِن رسم النقطة على رقاقة بلاستيكية شفافة). والفتحة الكبيرة الموجودة أمام النقطة تعمل كفتحة الكاميرا التي تُحدِّد مدى الضوء المار إلى النقطة. فما نوع الصورة المتكوِّنة على الفيلم من هذه الطريقة؟

يمكنك أيضًا إعداد تجربة تَحجُب فيها نقطة الدبوس جزءًا من الضوء الصادر عن أنبوب فلوري يضيء شاشة. فما نوع الصورة المتكوِّنة على الشاشة؟

الجواب: ضع مصدر ضوء صغيرًا أمام كاميرا ثُقب الدبوس. تتعرض الأمواج الضوئية الصادرة من مصدر الضوء إلى الحيود عبْر ثُقب الدبوس؛ ومِن ثَم تَنتشر من ثقب الدبوس وتتعرَّض للتداخل فيدعم بعض الأمواج بعضها بعضًا وتميل موجات أخرى إلى إلغاء بعضها بعضًا. وتكون النتيجة بسيطة؛ حيث يُكوِّن الضوء نقطة صغيرة ساطعة على الفيلم. هذه النقطة هي صورة للمصدر، وتكوِّن مصادر الضوء الصغيرة الأخرى مثل هذه الصور أيضًا. إذا كان ثقب الدبوس كبيرًا جدًّا، فإن الصور تتداخل ربما لدرجة تحول دون تمييزها. ويقل التداخل إذا أصبح ثقب الدبوس أصغر، ولكن في هذه الحالة سوف تَنخفِض أيضًا شدة إضاءة كل صورة. إذن، ما هو أفضل حجم لثقب الدبوس؟

يعتمد الجواب على طريقة انتشار الموجة الضوئية من الجسم أثناء انتقالها إلى الفيلم. عندما تصل الموجة إلى سطح ثقب الدبوس يُقال إنها تنقسم إلى مناطق دائرية تتمركز كلٌّ منها على ثقب الدبوس. يصل الضوء عبْر المنطقة المركزية إلى الفيلم «مُتطاورًا» (أي متزامنًا)؛ ولذلك تميل الموجات إلى تعزيز بعضها بعضًا (أي يحدث لها «تداخل بنَّاء») وتُكوِّن صورة ساطعة.

إذا كان ثقب الدبوس متطابقًا مع المنطقة المركزية بالضبط، فستكون الصورة في أعلى معدلات السطوع. وإذا كان ثقب الدبوس أصغر، فإنه يحجب بعض الضوء المار عبْر المنطقة المركزية، وتكون الصورة أكثر قتامة. وإذا كان ثقب الدبوس أكبر، فإنه يَسمح بوصول جزء من ضوء المنطقة التالية إلى الصورة على الفيلم. ونظرًا لأن أشعة الضوء تسلك مسارات قاتمة أكثر طولًا فإنها تصل «غير متطاورة» مع أشعة المنطقة المركزية (على نحو غير مُتطاور). ونتيجة لذلك، فإن الموجات يلغي بعضها بعضًا (أي تتعرض إلى «تداخل هدَّام»)؛ مما يجعل الصور قاتمة. والحل الأفضل يتمثل في أن يكون ثقب الدبوس صغيرًا على نحو يكفي لمرور الضوء عبْر المنطقة المركزية فقط. في هذه الحالة ستكون الصورة ساطعة وحادة على نحوٍ كافٍ.

تُلقي النقطة المعتمة في كاميرا نقطة الدبوس نقطة ظلِّية على الشريط لكل مصدر ضوء صَغير على الجسم المواجه للكاميرا. وتكون هذه النقاط الظلِّية مجتمعة «صورة ظلِّية» (أو «صورة سالبة») للجسم.

وإذا وقعت النقطة بين أنبوب فلوري وشاشة، فإن الصورة الظلِّية للأنبوب تظهر على الشاشة. فالنقطة تلقي ظلًّا لكل جزء من أجزاء الأنبوب على الشاشة، وهذه الظلال مجتمعة تكوِّن صورة قاتمة للأنبوب. ولا تكوِّن الصورة مظلمة بالكامل لأن معظم الأنبوب ما زال يُضيء كل جزء فيها.

(١٠٣) الصور الشمسية تحت الشجرة

أثناء كسوف الشمس، ما الذي ينتج صورًا كثيرة صغيرة للشمس في الظل الممدود من الشجرة؟ هل يوجد صور للشمس في ظل الشجرة في أوقاتٍ أخرى؟ لماذا تحت ظل أوراق الأشجار العالية تظهر صور ظلية للأوراق تكون ذات حافتين متداخلتين في بعض الأحيان؟ لماذا لا تظهر تلك الصور الظلية أسفل الأشجار الأقصر طولًا؟

الجواب: تظهر صور الكسوف بسبب الثقوب الصغيرة الموجودة في أوراق الشجر أو بين الأوراق المُتجاوِرة. يعمل كل ثقب عمل كاميرا ثقب الدبوس (انظر البند السابق) حيث يُلقي صورة الشمس على ظل الشجرة على الأرض. تظهر الصور أيضًا حتى في حالة عدم وجود الكسوف، لكن يكون من الصعب تمييزها؛ لأن الوهج العام لضوء الشمس القادم من السماء والمنظر الطبيعي يضيء الظل جزئيًّا. وأثناء الكسوف يقلُّ الوهج بسبب الظلام العام وعندها تزداد القُدرة على إدراك الصور. وفي كلتا الحالتَين تكون رؤية الصور على سطح مُستوٍ أسهل من رؤيتها على أرض غير مستوية أو على أرض عشبية.

أما ظل ورقة الشجرة الذي نراه أسفل ظلِّ أوراق أشجار عالية فيتكوَّن بسبب ورقة توجد على ارتفاع مُنخفِض ينيرها ضوء الشمس المتدفق من ثقب أعلى في هذه الظلة. وإذا أضاء ثُقبان علويان ورقة شجرة موجودة على مستوى ارتفاع أقل، فمن الممكن أن ترى صورتَين ظلِّيتَين مُتداخلتَين، فتكون صورة حافة الورقة موضوعة داخل صورة أخرى لحافة الورق.

(١٠٤) الأضواء عبْر سلك النافذة والخطوط بين الإصبعين

إذا رأيت ليلًا عبْر سلك النافذة مصباحًا بعيدًا ساطعًا يبعد عنك عدة أمتار على الأقل، فسيُكوِّن الضوء الصادر عن المصباح نسقًا من الخطوط المظلمة والساطعة (انظر شكل ٦-٣٨أ). فما سبب هذا النسق؟ يُمكن أن ترى نسقًا مشابهًا إذا نظرت إلى مصباح ساطع عبْر قماش معظم المظلات الشائعة. وفي بعض الحالات من المُمكن أن ترى ألوانًا. إذا نظرت ما بين الإبهام والسبابة وهما شبه متلامستَين في غرفة ساطعة الإضاءة، فلماذا ترى بينهما عددًا من الخطوط المظلمة (انظر شكل ٦-٣٨ب)؟
fig161
شكل ٦-٣٨: بند ٦-١٠٤: النسق المرئي عبْر (أ) شبكة، و(ب) بين الإبهام والسبابة. (ﺟ) الضوء المرسل عبْر ثقب دبوس يضيء فتحة ضيقة فينتج نسق حيود على سطح المشاهدة. (د) الضوء المرسل عبْر الفتحة نفسها يضيء بُؤبؤ العين فينتج نسقَ حيود في الشبكية.
الجواب: عادةً ما يَرجع ظهور أنماط الخطوط القاتمة والساطعة إلى حيود الضوء، وهذه الظاهِرة تجعل الضوء يتوهَّج عند مروره عبْر فتحة ضيقة أو أمام شيء ضيق. بالإضافة إلى ذلك، فإن الموجات في الضوء المتوهِّج تكون «متطاورة» (أي متزامنة) عند زوايا معينة وتُعزِّز بعضها البعض (أي يحدث لها تداخل بنَّاء)، فتصدر خطًّا ساطعًا. وعند زوايا أخرى تكون الموجات «غير متطاورة» (أي غير متزامنة) ويميل بعضها إلى إلغاء بعض (أي يحدث لها تداخل هدَّام)، فتصدر خطًّا قاتمًا. وإذا سقط هذا الضوء المتوهج على سطح مشاهدة عديم الملامح فإن الخط الساطع والخط القاتم يُكوِّنان نسقًا.
غير أن هذا النسق لا يظهر إلا إذا كان الضوء المتَّجه صوب الفتحة الضيقة «مترابطًا»، أي لا بد أن تكون الموجات متزامنة (أو شبه ذلك) قبل أن تتعرَّض للحيود. الضوء الصادر عن معظم مصادر الإضاءة التقليدية مثل المصباح الكهربائي، فهو «غير مُترابط»؛ فالموجات تتولد عشوائيًّا بدون أي تناسق. يمكن تكوين الضوء المترابط من خلال تمرير الضوء غير المترابط عبْر ثقب (انظر شكل ٦-٣٨ﺟ). ونظرًا لصِغَر الثقب، فإن كل الموجات الضوئية المارَّة عبره تكون شبه مُتطابِقة؛ ومِن ثمَّ تكون شبه مُتزامِنة. وعندما يَخترق الضوء فتحة ضيقة كما هي الحال في قماش المظلات أو في سلك النافذة، فإن الفتحة تجعل الضوء يحيد ومِن ثَمَّ يتكون نسق الحيود.

إذا أزلت الثقب بحيث يسقط الضوء غير المترابط الصادر عن مصدر الضوء (المصباح مثلًا) مباشرةً على الفتحة الضيقة، فإن نسق الحيود يختفي. وسوف يستمر الضوء في التوهُّج عند الفتحة الضيقة، لكن يتغير التوهج بين لحظة وأخرى مع مرور موجات الضوء غير المُتناسقة مرورًا عشوائيًّا عبْر الفتحة. وسترى على سطح المشاهدة إضاءة لا ملامح لها.

وإذا افترضنا أن العين حلَّت محل سطح المشاهدة وأنك ترى الضوء مباشرةً من الفتحة الضيقة، فسوف تكون الفتحة بمنزلة الثُّقب في الترتيب التقليدي (انظر شكل ٦-٣٨د). ونظرًا لصِغَر الفتحة، فإن الموجات الضوئية المُنتشِرة منها تكون شبه مُتزامنة (مترابطة) عندما تصل بؤبؤ العين. ولذلك تتعرَّض للحيود عند المرور عبْر بؤبؤ العين وتنتج نسق حيود مرئيًّا على الشبكية. وترى هذا النسق عندما تنظر إلى مصباح بعيد عبْر سلك النافذة أو قماش المظلَّة ليلًا أو بين إصبعي الإبهام والسبابة عند وضعهما متقاربتَين.

(١٠٥) خدوش ساطعة وشِباك ملونة

عندما تنظر نحو الشمس عبْر نافذة طائرة أو أحد المباني، لماذا يكون لدى النافذة خُدوش ساطعة مرتَّبة في صورة دوائر متَّحدة المركز (انظر شكل ٦-٣٩أ)؟ لماذا تبدو الخدوش أحيانًا مثل خطوط ضوء مُشيرة إلى الشمس؟ لماذا عادةً لا ترى تلك الخدوش عندما لا تنظر نحو الشمس؟
fig162
شكل ٦-٣٩: بند ٦-١٠٥: (أ) نسق خدوش ساطعة متحدة المركز في نافذة متجهة نحو الشمس وبعيدًا نسبيًّا عنها. (ب) تشتُّت الضوء بفعل الخدش. قدوم الضوء من خارج النافذة وتشتته في الغرفة.

إذا وُجدَت شبكة عنكبوت قريبة من نظرك للشمس فلماذا تبدو ملونة، ولماذا تَختلف الألوان إذا غيرت زاوية رؤية شبكة العنكبوت؟ (قد تبدو الألوان باهتة؛ وستتمكَّن من رؤيتها على نحو أفضل في حالة وجود خلفية قاتمة لشبكة العنكبوت، لكن لا بد أن تكون شبكة العنكبوت في ضوء الشمس المباشر.)

الجواب: إنَّ ترتيب الخدوش في صورة دوائر متحدة المركز ليس إلا وهمًا. فمن المحتمل أن تحتوي النافذة على عدد هائل من الخدوش القصيرة العشوائية الاتجاهات التي يَلمع بعضها فقط أمام ناظرَيك وهذا ما يَخلق الوهم. وعندما يتشتَّت الضوء من الخدش، يكون التشتت مقتصرًا على شكل مروحة مسطحة في سطح عمودي على طول الخدش (انظر شكل ٦-٣٩ب). ولرؤية الخدش يجب أن تكون عيناك في المروحة.

وإذا كان الخدش على اليسار أو اليمين مباشرةً من الشمس، فسوف تكون في مروحة الضوء المشتَّت فقط إذا كان الخدش عموديًّا. وإذا كان الخدش فوق الشمس أو تحتَها، فسوف تكون في مروحة الضوء المشتَّت فقط إذا كان الخدش أفقيًّا. ويُمكِنُنا تعميم هذا المطلب. فمن أجل رؤية الخدش يجب أن يكون مماسيًّا لدائرة حول منظورك للشمس. وهكذا، عندما ترى الكثير من الخدوش القصيرة تتوهَّم أنها موجودة فعليًّا في دوائر محيطة بالشمس. أما إذا كانت هذه الخدوش مجتمعة، فمِن المُمكن أن تبدو وكأنها تُكوِّن خطًّا شعاعيًّا يمتدُّ من الشمس.

يُمكن أن تكون في مروحة الضوء المشتَّت من الخدش فقط عندما يكون الخدش قريبًا من رؤيتك للشمس. وبدون ذلك فلن ترى الضوء المشتَّت، وفي هذه الحالة عادة ما تُصبح الخدوش غير ملحوظة.

أما حالات نوافذ الطائرات المخدوشة المتطرِّفة فحدثَت عندما حلَّقت الطائرة بالصُّدفة في عمود رماد أحد البراكين المُنفجِرَة. على سبيل المثال، حلَّقت طائرة جامبو نفاثة عبر عمود رماد بركان جبل جالونجونج في إندونيسيا، مما تسبَّب في تعطُّل المحرِّكات الأربعة واحتكاك الرمال بنوافذ مقصورة الطيار. تمكَّن الطيار من إعادة تشغيل ثلاثة من المحركات وتوجَّه إلى الهبوط الاضطراري في جاكرتا في الظلام. إلا أنه لم يستطع الرؤية من خلال النوافذ. واضطرَّ إلى الاعتماد على الطيار المساعد الذي كان يُحدِّق خلال مليمترات قليلة غير مخدوشة في النافذة محاولًا محاذاة الطائرة مع أضواء المدرج.

عندما تُوجد شبكة عنكبوت بالقرب من منظورك للشمس فإن الضوء يتشتَّت (يحيد) من الخيوط الحريرية وأيضًا من الكرات اللزجة التي يتركها العنكبوت على بعض الخيوط للإيقاع بالفريسة. والتشتُّت الصادر عن الخيوط الحريرية يُشبه كثيرًا التشتُّت الصادر عن الخدش الموجود على النافذة؛ فالضوء المشتَّت يتوهج للخارج في المروحة. أما التشتُّت في الكرة اللزجة فهو على هيئة مخروط من الضوء. وفي أي نوع من نوعَي التشتُّت يختلف المدى الزاوي للتشتُّت باختلاف الطول الموجي، وهذا يَعني أن التشتُّت يُمكن أن ينشر ضوء الشمس الأبيض القادم إلى نسق ألوان مميَّزة. ومع تغيير منظورك لشبكة العنكبوت، يُمكنك تغيير الألوان التي تراها. وانتشار الألوان نفسه يُمكن أن يجعل الخدوش الساطعة على النافذة تبدو ملوَّنة.

(١٠٦) الخطوط الساطعة على الزجاج الأمامي للسيارة

عند القيادة تحت المطر ليلًا، تُصدر مصابيح الشوارع وغيرها من مصادر الضوء خطوطَ ضوء أمام الزجاج الأمامي للسيارة (انظر شكل ٦-٤٠أ). تكون هذه الخطوط إما مستقيمة وإما منحنية، ومتَّجهة نحو نقطة مشتركة، وتدور حول هذه النقطة أثناء تحرُّك السيارة. يُمكنك أيضًا أن ترى هذا الخط نهارًا إذا نظرت إلى الشمس عبْر الزجاج الأمامي للسيارة.
fig163
شكل ٦-٤٠: بند ٦-١٠٦: (أ) الأشكال المرئية على الزجاج الأمامي للسيارة. (ب) الانعكاس الداخلي للضوء داخل الزجاج الأمامي للسيارة.

غالبًا ما يَبدو الخط الصادر عن المصباح أو الشمس عميقًا؛ فيبدو مثل طريق مستقيم يَقود من الزجاج الأمامي للسيارة إلى مصدر الضوء. وعندما يكون الخط مُنحنيًا، فإنه يشبه طريقًا يمتد على طول أحد الأودية صعودًا إلى أحد التلال. فما سبب هذا الخط وما الذي يَمنحُه العُمق؟

يُمكن رؤية مجموعة أخرى من الخطوط أو البُقَع الباهتة على زجاج السيارة الأمامي ليلًا. يُمكن أن تكون البقع موزعة عشوائيًّا لكنها تكون منظمة أحيانًا في شكل خط مستقيم أو مُنحنٍ. وأحد أنواع هذه الخطوط يبدو كما لو كان يمرُّ عبْر مصدر الضوء مثل الخط الموصوف للتو، لكنه ليس متجهًا نحو أي نقطة معينة على زجاج السيارة الأمامية وفي بعض الأحيان يُمكن رؤيته عبْر أنواع أخرى من النوافذ. ومن المُمكن أن ترى هذه الخطوط أيضًا عبْر النظارات.

الجواب: تحفر مسَّاحة الزجاج خطوطًا غائرة دائرية في المادة اللزجة المُلتصقة بزجاج السيارة الأمامي. ويُشتِّت الخط الغائر ضوء المصباح في صورة مروَحة مُسطَّحة عمودية على طول الخط الغائر (انظر البند السابق). وتجمُّع الضوء المشتَّت من عدد كبير من الخطوط الغائرة المُتجاورة يُكوِّن خطًّا مرئيًّا. واعتمادًا على انحناء الزجاج الأمامي يُمكن أن يكون الخط مستقيمًا أو منحنيًا. وفي أيٍّ من الحالتين فإن الطرف السُّفلي من الخط يُشير نحو مركز الدوائر؛ أي إنه يشير إلى نقطة دوران المسَّاحة.

يبدو الخط عميقًا لأن كل عين ترى في واقع الأمر خطًّا مُختلفًا. ويكون الفاصل بين الخطين أصغر ما يكون عند الطرفَين القريبَين من منظورك إلى مصدر الضوء، ويكون أكبر ما يكون بالقُرب من نقطة دوران المسَّاحة. وإذا مزج عقلك الصورتين في صورة واحدة فسوف يرى الأجزاء ذات الفواصل الكبيرة على أنها أقرب من الأجزاء ذات الفواصل الصغيرة. وقد يبدو مظهر العُمْق غريبًا على مصدر إضاءة واسِع، لأنَّ الخط في هذه الحالة سيكون أوسع ما يكون قرب منظورك لمصدر الإضاءة، لكن هذا الجزء من الخط سيَبدو أكثر بُعدًا. والنتيجة هي النقيض تمامًا من المسافة والعرض الظاهرَين اللذَين قد تراهما في مسار حقيقي يَمتدُّ بعيدًا عنك.

والنوع الثاني من الخطوط التي يُمكن أن تراها على الزجاج الأمامي للسيارة وعلى أنواع أخرى كثيرة من الزجاج أو البلاستيك سببه هو انعكاس الضوء داخل الطبقة (انظر شكل ٦-٤٠ب). فالضوء يبدأ في الشعاع المتَّجه مباشرة من مصدر الضوء إلى عينَيك. وعندما يمر الشعاع في الطبقة ينعكس بعضه داخليًّا. ومِن المُمكن أن يَنعكس ذلك الضوء مرات كثيرة داخل الطبقة، وعند كل نقطة انعكاس يتسرَّب بعض الضوء للخارج. وإذا كانت الطبقة منحنية وكان الجانب المقعر مواجهًا لك، فمِن المُمكن أن ترى جزءًا من الضوء المتسرِّب عند النقاط على جانب منظورك المباشر لمصدر الضوء. وما تراه هو خطٌّ ممتد مِن المنظور المباشر. أما إذا حجبتَ بطريقة ما الشعاع المباشر مِن الوصول إلى الزجاج، كأن تمدَّ إصبعك خارج نافذة السيارة وتضعها أمام الزجاج الأمامي، فسوف يَختفي الخط. (بطبيعة الحال يجب أن تفعل ذلك والسيارة متوقِّفة، فإجراء هذه التجربة لا يَستحِق خسارة ذراعِك في حادث مروري.)

أما البُقَع الساطعة فهي بسبب الانعكاسات أو التشتُّت من مناطق المادة اللزجة. وإذا كانت المنطقة مُنحنية، فسوف ترى بعضًا من الضوء ومِن ثَمَّ ترى البقعة.

(١٠٧) انعكاسات أسطوانة الفونوغراف

ضع أسطوانة مصنوعة من الفينيل على طاولة واضبطها بحيث يكون مركزها في المنتصف تقريبًا بينك وبين مصباحٍ مكتبي صغير يشعُّ ضوَءُه على الأسطوانة. اجعل الغرفة مظلمة، وأَغمِض إحدى عينَيك وانظر إلى الانعكاسات الموجودة على الأسطوانة. ستجد أنَّ السطح ليس ساطعًا بالتساوي ولا توجد عليه بقعة واحدة ساطعة مثلما سيَحدُث على المرآة. بل ستجد نسقًا من الخطوط الضيقة الساطعة.

وبتعديل مكان الأسطوانة يُمكنك تكوين نسق يُشبه الصليب أو نسق يَحتوي على خطٍّ أو خطَّين من القطوع الزائدة على الأسطوانة. وفي كلتا الحالتين يمر خط واحد على الأقل عبر مركز الأسطوانة. وفي بعض الأحيان سترى بقعة شديدة السطوع على الأسطوانة، وتوجد دائمًا على الخط المار بالمركز. وأحيانًا يُمكن أن ترى بقعًا ساطعة مشابهة على الستائر المعدنية عندما تنظر عبرها على مصباح الشارع ليلًا. هل يُمكنك تفسير هذه المشاهدات؟

الجواب: إنك ترى الضوء فقط من الأماكن التي تَحتوي بها الحُفَر في الأسطوانة على الميل المناسب لعكس الضوء نحو عينَيك. فكل الحفر تعكس الضوء لأعلى حتى ارتفاع عينَيك، لكن وحدها الحفر ذات الميل المناسب هي ما تعكس الضوء رأسيًّا وأفقيًّا بحيث ترى العينُ الضوء. وتوجد هذه الحفر على طول الخطوط الساطعة للنسق الذي تراه. أما البقعة شديدة السطوع فهي انعكاس مرآتي للمصباح.

تُشبه أنماط الانعكاس الموجودة على الأسطوانة خط الضوء الذي تراه على الزجاج الأمامي للسيارة (انظر البند السابق)، وإذا كان مصدر الضوء ساطعًا بما يَكفي، فقد ترى العمق في الأنماط كما هي الحال في خطِّ الضوء على زجاج السيارة الأمامي.

(١٠٨) الألوان على الأشياء ذات الحفر الضيقة

عندما يضيء الضوء الأبيض أحد الأقراص الموسيقية أو أقراص الأفلام أو أنواعًا معينة من الورق المحتوي على أشكال زخرفية تكون الانعكاسات ملوَّنة بشدة. ومن المُمكن أن ترى الألوان أيضًا من أسطوانة فينيل موسيقية إذا أمَلْتَها في الضوء على نحوٍ صحيح.

على الرغم من أن مِصباح الشارع قد يبدو أنه يشعُّ إما الضوء الأبيض أو الضوء الأصفر، فمن الممكن رؤية وتصوير الألوان العديدة المكوِّنة للإشعاع إذا أضفت إلى عدسة الكاميرا الفوتوغرافية «محزز حيود» (وهو قطعة بلاستيكية ذات حفر أو شقوق ضيقة كثيرة). تبدو الصورة المُباشِرة للمِصباح كما هي مرئية عبْر الكاميرا عادية، إلا أنَّ طيفًا من الألوان المكوِّنة يمتدُّ إلى الخارج على كلا جانبَي هذا المنظور.

وفي كلتا الحالتَين، لماذا يُصبح الضوء المبدئي ملوَّنًا في النهاية؟

الجواب: يتعرَّض الضوء المشتَّت (المحيد) من خلال البِنى ذات الحفر الضيقة إلى كلٍّ من «التداخل البنَّاء» و«التداخل الهدَّام». تأمل البقعة التي تبدو حمراء. عندما يتشتَّت الضوء الأبيض من على تلك البقعة تتَّجه المكونات الحمراء نحو عينَيك وتتعرَّض لتداخُل بنَّاء؛ أي إن الموجات الحمراء تُصبح متطاورة ويُعزِّز بعضها بعضًا. أما المكونات اللونية الأخرى التي تتشتَّت نحوك من البقعة فتتعرض لتداخل هدَّام؛ أي تُصبح الموجات غير متطاورة وتميل إلى إلغاء بعضها بعضًا. ولذلك، فما تراه من البقعة هو ضوء يغلب عليه الأحمر. أما البقع الأخرى ذات الزوايا المُختلفة في منظورك فتُرسل لك ضوءًا يَغلب عليه الألوان الأخرى.

ولكي يُوجد انفصال ملحوظ بين الألوان لا بد أن يكون انفصال الحفر في منظورك (ومن في «منظور» المصباح) صغيرًا وتقريبًا في حجم الطول الموجي للضوء المرئي. إذا لمع الضوء مباشرة على أسطوانة الفينيل ونظرتَ أيضًا إلى أسفل مباشرة، فسوف تكون المسافات الفاصلة بين الحفر على الأسطوانة واسعة جدًّا على نحو يَحول دون تكوُّن الألوان، ولن ترى إلا سواد بلاستيك الأسطوانة المصبوغ. ولفَصلِ الألوان المكوِّنة للضوء الأبيض، يجب أن تضبط شعاع الضوء المبدئي ومنظورك للأسطوانة بحيث يكونان تقريبًا على طول سطح الأسطوانة. وفي هذه الحالة ستكون المسافات بين الحفر على طرفَي الأسطوانة القريب والبعيد قريبةً في منظورك (ومنظور المصباح) على نحو يكفي للفصل بين الألوان.

(١٠٩) الوسائل المتغيرة بصريًّا المانعة للتزييف

من السمات الأمنية في بطاقات الائتمان ورُخَص القيادة وأنواع كثيرة من بطاقات التعريف الأخرى «العرض المتغير» الذي يتغير عند إمالة البطاقة. وغالبًا ما يُطلَق على هذا العرض المتغير «هولوجرام»، وهو نوع من التصوير الفوتوغرافي الذي يمنح عمقًا ومنظورًا للصور. في الواقع، كانت النسخ الأولى من هذه العروض المتغيِّرة على البطاقات الائتمانية من نوع الهولوجرام. إلا أن استخدام عروض الهولوجرام كإجراء أمني لم يكن ناجحًا للغاية لسببَين. أولًا: كانت عروض الهولوجرام مُعتمة ومُظلِمة وصعبة الرؤية في إضاءة المتاجر التقليدية. ثانيًا: الأسوأ من ذلك كان سهولة الحصول على نسخ أخرى منها بالتزييف. أما الآن فالعروض المُتغيِّرة ساطعة وواضحة ومن السهل رؤيتها في إضاءة المتاجر. والأفضل من ذلك أنه من الصعب للغاية تزييفها. فكيف أصبحت العروض المُتغيِّرة ساطعة وغير قابلة للتزييف؟

الجواب: معظم بطاقات الائتمان تَحمِل حاليًّا «رسوميات مُتغيِّرة بصريًّا» تُنتِج صورة من خلال حيود الضوء المنتشر (مثل ضوء المتاجر) عن طريق مناطق دقيقة الملمس يُطلَق عليها محزِّزات الحيود. ترسل محززات الحيود مئات، بل آلاف، الموجات الضوئية. والشخص الذي يُشاهد البطاقة يرى بعضًا من هذه الموجات، ويكون الضوء المتجمِّع صورة افتراضية (خيالية) تُمثِّل جزءًا من شعار البطاقة الائتمانية إن جاز التعبير. على سبيل المثال، في الشكل (٦-٤١أ) تنتج محززات الحيود عند النقطة (أ) صورة معيَّنة عندما يكون المشاهد عند الاتجاه (أ)، وفي الشكل ٦-٤١ب تنتج محززات الحيود عند النقطة (ب) صورة مختلفة عندما يكون المشاهد عند الاتجاه (ب). ويرجع سطوع ووضوح هذه الصور إلى تصميم محززات الحيود على نحو يُتيح مشاهدتها في الضوء المنتشر.
fig164
شكل ٦-٤١: بند ٦-١٠٩: (أ) يرسل محزِّز الحيود عند النقطة أ الضوء إلى المشاهد عند الاتجاه أ، فيُكوِّن صورة افتراضية معينة. (ب) يرسل محزز الحيود عند النقطة ب الضوء إلى المشاهد عند الاتجاه ب، فيُكوِّن صورة افتراضية مختلفة.

من الصعب جدًّا تصميم الرسوميات المتغيرة بصريًّا لأن المهندسين البصريِّين يحتاجون إلى العمل على نحو معكوس عند تصميم أحد الرسوميات التي مِن بينها الشعار على سبيل المثال؛ إذ يجب على المهندسين تحديد صفات محزز الحيود عبْر الرسوميات المتغيرة بصريًّا من أجل رؤية صورة معينة عند النظر من مجموعة زوايا معينة، وظهور صورة مختلفة عند النظر من مجموعة زوايا مشاهَدة مختلفة. هذا العمل يتطلب برمجة حاسوبية معقدة. وبمجرد تصميم الرسوميات المتغيرة بصريًّا تكون بِنيَتُها بالغة التعقيد على نحو يَجعل تزييفها شديد الصعوبة.

(١١٠) الحلقات الملوَّنة الصادرة عن المرايا التي يُغطِّيها الضباب أو التراب

بعد أخذ حمام ساخن وتَغطية البُخار لمرآة الحمام، أطفئ الأنوار، وواجه المرآة وأشعل عود ثقاب بعيدًا نسبيًّا عن أحد جانبَي رؤيتك المباشرة للمرآة. ستكون صورة اللهب في المرآة الضبابية محاطة بحلقات ملوَّنة. وسترى أيضًا هذه الحلقات إذا كانت المرآة مغطَّاة بالتراب أو بمسحوق بدلًا من قطرات الماء.

fig165
شكل ٦-٤٢: بند ٦-١١٠: طريقان لتشتُّت الضوء إلى المشاهد من جسيم غبار أمام مرآة.

بعد ذلك اجعل المرآة الضبابية أمامك في غرفةٍ مُعتِمة ذات نافذة ساطعة الإضاءة وراء ظهرك. واضبط المسافة بينك وبين المرآة إلى أن ترى حلقات فوق انعكاسك فيها. وعند المسافة المناسبة، أجد أن صورة عينيَّ حلَّ بدل كلٍّ منهما مجموعة من الحلقات الملوَّنة التي تُشبه الرسوم الناتجة عن تناول عقاقير الهلوسة. ومرةً أخرى، من الممكن أن تحل المرآة المتربة محل المرآة الضبابية.

فما سبب تكوُّن هذه الحلقات؟

الجواب: تتضمَّن التجربتان طريقتَين مُختلفتَين لتشتُّت الضوء (حيوده) من خلال الجسيمات (إما قطرات الماء أو ذرات التراب) على المرآة. ويوجد ترتيبان أساسيان:

في أحد الترتيبَين، تتمركز الحلقات على مصدر ضوء صغير محمول على جانب منظورك للمرآة. في هذا الترتيب يُشتِّت كل جُسَيم الضوء إلى المرآة مرة أخرى وفي نسق دائري يكون المركز فيه ساطعًا وتتبدل فيه الحلقات المحيطة بين السطوع والقتامة. ونظرًا لأن زاوية التشتُّت تَعتمِد على الطول الموجي للضوء، فإن الألوان تظهر عند زوايا مُختلفة؛ ومِن ثَمَّ تكون منفصلةً في منظورك. وبالتحديد، فإن اللون الأحمر يظهر عند الحافة الخارجية للحلقة ويَظهر اللون الأزرق عند الحافة الداخلية؛ لأن الضوء الأحمر يتشتَّت عبْر زاوية أكبر نسبيًّا مقارنة باللون الأزرق. وأنت في واقع الأمر لا ترى إلا جزءًا من النسق من كل جسيم، لكن مجموع كل جزء من أجزاء الجسيمات الكثيرة هو في حد ذاته نسق دائري تراه متمركزًا على الصورة المنعكسة لمصدر الضوء.

في الترتيب الثاني تكون الحلقات مُتمركزةً على عينك ومصدر الضوء كبير وخلفك. وفي هذا الترتيب تكون الحلقات ناتجة عن مجموعتَين من الضوء شتتتها لك الجسيمات (انظر الشكل ٦-٤٢). تأمل أحد الجسيمات: (١) إنه يستطيع تَشتيت الضوء (الشعاع «أ» في الشكل) إلى ظهر المرآة؛ حيث يوجد السطح اللامع، ثم يعكس لك الضوء. (٢) يُمكنه أيضًا أن يشتت لك الضوء الذي انعكس لك بالفعل من ظهر المرآة الشعاع «ب».

وتتداخَل هاتان المجموعتان عندما تَصِلان لك. مع بعض الجُسَيمات تصل المجموعتان إلى عينَيك غير مُتطاورتَين وفي تداخل هدَّام؛ أي تُلغي إحداهما الأخرى. أما مع الجسيمات الأخرى، فتصل المجموعتان مُتطاورتين وفي تداخل بنَّاء، فتُعزِّز إحداهما الأخرى. أما النسق المركب فهو حلقات ساطعة وقاتِمة متَّحدة المركز، تكون فيها الحلقات الساطعة ملونة بسبب انفصال الألوان البسيط الذي ينطوي عليه تشتت الضوء.

ويَعتمِد نوع نسق التداخل الذي تراه على اتجاهك واتجاه مصدر الضوء. ويمكن أن يحدث تداخل بين النسقين إذا وضعت مصدر ضوءٍ صغيرٍ مباشرةً بين عينَيك وبين المرآة.

(١١١) لون اللبن في الماء

سلِّط شعاعًا ضيقًا من الضوء الأبيض ليَسطَع عبْر حوض سمك صغير (أو أي وعاء آخر جدرانه شفَّافة ومسطَّحة) مملوء بالماء. أثناء انطفاء الأضواء، ابدأ في إضافة قطرات من اللبن الكامل الدسم (وليس اللبن قليل الدسم). في البداية، سترى قدرًا قليلًا من الشعاع في الماء، لكن سرعان ما سيُصبِح الشعاع مرئيًّا جيدًا. ومع الاستمرار في إضافة القطرات، لاحظ لون الشُّعاع في الماء من الجانب ومِن زاوية شبه مباشرة نحو مصدر الضوء. وفي النهاية ستجد أن الشعاع ضارب إلى الزُّرقة عندما تنظر من الجانب وضارب إلى الحُمْرة عندما تنظر له مباشرةً. فما سبب تكوُّن هذه الألوان؟ لماذا يكون اللبن الذي تَشربه أبيض اللون وليس أحمر أو أزرق؟

الجواب: يَحتوي اللبن على كريات دهون صغيرة تُشتِّت الضوء. يتشتَّت الطرف الأزرق من الطيف بشدة أقوى ناحية الجانب مقارنة بالطرف الأحمر من الطيف. ومِن ثَمَّ فعندما يكون تركيز كريات الدهون كبيرًا على نحو يسمح بإدراك الألوان أولًا، يغلب اللون الأزرق على الضوء المشتَّت للجانب، بينما يغلب اللون الأحمر على الضوء المشتَّت نحو الاتجاه المبدئي للشعاع.

تَعتمد رؤيتك للألوان على التركيز المُنخفِض للكريات. فعندما يكون تركيز الكريات عاليًا كما هي الحال عادةً في اللبن، فإن الضوء يتشتَّت مرات عديدة قبل أن يُغادِر الوعاء. وبعد ذلك، تستقبل في أي اتجاه رؤية قدرًا من الطرف الأحمر للطيف مساويًا لقَدرِ الطرف الأزرق من الطيف، وتكون النتيجة المُجتمعة هي اللون الأبيض.

عند إمالة كوب يَحمل قدرًا قليلًا من اللبن بحيث تكون حافَّة اللبن في قاع الكوب، سوف ترى شريطًا شفافًا ساطعًا على الحافة. يوجد الشريط في المنطقة التي يُكوِّن فيها اللبن سطحًا مقوسًا لأنه يتسلَّق سطح الزجاج لمسافة قصيرة. يتَّسم الضوء المنعكس من السطح المنحني بالتركيز؛ ومِن ثمَّ يكون أكثر سطوعًا من الضوء المنعكس من بقية سطح اللبن. وهذا الضوء المركز يُخفي التشتُّت بفعل الجُسَيمات الموجودة داخل اللبن، ولذلك لا ترى بياض اللبن في هذا الشريط حول القاع.

(١١٢) لون دخان نار المخيم

عند رؤية الدخان المتصاعد من نار مخيَّم على خلفية قاتمة مثل الأشجار المحيطة يكون لون الدخان أزرق، لكن عند مشاهدته على خلفية فاتحة مثل السماء يكون لونه أصفر أو أحمر أو برتقالي. فما سبب اختلاف الألوان في كل ظرف من ظرفَي المشاهَدة؟

الجواب: جسيمات الدخان في نار المخيم صغيرة للغاية لدرجة أنها تُشتِّت الطرف الأزرق من الطيف أقوى من تشتيتها للطرف الأحمر. ولذلك، فإن الضوء المستمر في الاتجاه الأصلي يضعف في الطرف الأزرق، ويُصبِح أصفر أو أحمر أو برتقاليًّا. وإذا شاهدت الدخان على خلفية داكنة فيجب أن يكون مصدر الضوء خلفك (من المُمكن أن يكون الشمس أو جزءًا ساطعًا من السماء). فيتشتَّت الضوء الأزرق في اتجاهك. وإذا شاهدت الدخان على سماء ساطعة، عندها سيكون هذا الجزء من السماء هو مصدر الضوء. وفي هذه الحالة سترى الضوء الذي ضعف لونه الأزرق بعد مروره عبْر الدخان؛ ومِن ثمَّ يغلب على الضوء الطرف الأحمر من الطيف.

(١١٣) تأثير شراب الأوزو

تُظهِر بعض المشروبات الكحولية المُستخلَصة من اليانسون مثل شراب «الأوزو» في اليونان، وشراب «باستيس» في فرنسا، وشراب «الراكي» في تركيا، وشراب «سامبوكا» في إيطاليا سلوكًا غريبًا؛ فعند إضافة الماء تدريجيًّا إلى الشراب الشفاف تمامًا يتحوَّل الشراب فجأة إلى لون بياض اللبن. فما سبب هذا التغيُّر؟ أي ما الذي يفعله الماء، وما سبب التغير في مظهر الشراب؟ يمكن عكس هذا التأثير عند إضافة المزيد من الكحول.

الجواب: كل شراب من هذه المشروبات عبارة عن محلول يحتوي على توزيع مُتساوٍ لزيت اليانسون وكحول الإيثانول. عند وصول شعاع ضوء (مثل ضوء الشمس) إلى المحلول، فإنه يظهر على الجانب المقابل كشُعاع. وعند إضافة الماء (سائل ثالث) يُمكِن أن تتغيَّر الأمور؛ لأن زيت اليانسون لا يستطيع الذوبان في الماء. في البداية يكون الشراب شفافًا (فينتقل شعاع الضوء عبره كشُعاع). رغم ذلك، عندما يَبلغ محتوى الماء نسبة معينة في السائل، تُوصَف بأنها «قيمة حرجة»، تشكل جزيئات الزيت تلقائيًّا قطرات عالقة في السائل. ويُقال إن الشراب يتعرَّض إلى «تحول طوري»، فيتحول من محلول سائل-سائل متجانس (موحد)، إلى تشتُّت سائل-قطرات غير متجانس (أو مستحلب). تُشتت القطرات الضوء المرئي، ولذلك عند انبعاث أي شعاع إلى الشراب فإنه يتشتَّت إلى جهات كثيرة، مما يَمنح الشراب مظهره الحليبي. وعند صب المزيد من الكحول إلى الشراب، وخفض محتوى الماء لمستوى أقل من القيمة الحرجة، ينعكس التحول الطوري ويصبح الشراب شفافًا مرة أخرى.

(١١٤) ألوان البقع الزيتية وأغشية الصابون وآنية الطهو المعدنية

لماذا البقع الزيتية الموجودة على الشوارع المبتلَّة تُظهر الألوان؟ ولماذا تغيب هذه الألوان لو كان الشارع غير مُبتل؟ ولماذا يُمكن أن تتكون الألوان حتى في حالة احتجاب الشمس وراء السحب؟

fig166
شكل ٦-٤٣: بند ٦-١١٤: انعكاس الضوء إلى عينك قادمًا من السطح الأمامي والسطح الخلفي لغشاء رقيق.

لماذا أغشية وفقاقيع الصابون ملوَّنة؟ ولماذا تختفي الألوان عندما يكون الغشاء شديد الرقة أو السُّمك؟ ولماذا لا ترى ألوانًا مُشابهة من شريحة المجهر أو اللوح الزجاجي؟

افترض أن غشاءً صابونيًّا رقيقًا معلَّقًا رأسيًّا ومضاءً من الأمام من خلال شعاع ضوء أبيض. مع سحب الجاذبية للغشاء، ستبدأ الأشرطة الملوَّنة الأُفقية الموجودة على الغشاء في النزول لأسفل؛ ومِن ثَمَّ سيتحوَّل الجزء العُلوي إلى الأسود (شريطة أن تكون الخلفية وراء الغشاء قاتمة). فكيف يُمكِن أن يُصبح الغشاء أسود رغم الإضاءة الساطعة الواقعة عليها من المقدمة؟ إذا فحصت المنطقة السوداء جيدًا، من المُمكن أن تجد نقاطًا شديدة السواد. فلماذا تظهر هذه المناطق؟ ولماذا الشريط الموجود أسفل المنطقة السوداء أبيض اللون وليس أزرق؟ (اللون الأزرق له أصغر طولٍ مَوجيٍّ مرئي؛ ومِن ثمَّ يجب أن يتوافق مع الجزء شديد الرقة من الغشاء الواقع أسفل المنطقة السوداء.)

في بعض الأحيان تُوجد مناطق ملوَّنة على آنية الطهو رغم تنظيفها بعناية. فما سبب تكون هذه الألوان؟ وتظهر ألوان مشابهة عند تسرُّب الزيت من سطح معدني مَصقول. فلماذا لا تظهر مثل هذه الألوان عندما يكون السطح غير مصقول؟

الجواب: الطبقة الشفافة ذات السمك المساوي تقريبًا للطول الموجي للضوء المرئي يُمكن أن تُنتج ألوانًا عند إضاءتها بالضوء الأبيض. افترض أن شعاع أحد الألوان ساقط على نحو عمودي على هذا الغشاء (انظر شكل ٦-٤٣). سنجد أن بعضًا من الضوء ينعكس من السطح الأمامي للغشاء بينما ينتقل قدرٌ من الجزء المتبقي عبْر الغشاء وينعكس من السطح الخلفي، ثم ينتقل مرة أخرى عبر سُمك الغشاء ويخرج مرة أخرى. عندما ترى عينك مغادرة هاتين الموجتين للغشاء؛ فإنهما تتعرضان للتداخل. إذا كانت الموجتان مُتطاورتَين (متزامنتَين)، يحدث تداخل بنَّاء (وتُعزِّز كلٌّ منهما الأخرى)، وترى لونًا ساطعًا على الغشاء. أما إذا كانتا غير متطاورتَين تمامًا (غير متزامنتَين)، فسيحدث تداخل هدَّام (وتميل كلٌّ منهما إلى إلغاء الأخرى) وترى ظلامًا على الغشاء.

سُمك الغشاء من العوامل التي تحدد إذا ما كان لون معين سيتمتَّع بالسطوع أم لا؛ ومِن ثَمَّ فعندما تسحب الجاذبية غشاءً رأسيًّا وتجعله أكثر سمكًا عند القاع تبدأ ألوان مختلفة في الظهور عند ارتفاعات مختلفة. وإذا غيَّرتَ منظورك للغشاء فإنك تُغيِّر المسافة التي يقطعها الضوء عبْر الغشاء ليصل إليك. ومِن ثَمَّ، فإنك تُغيِّر الألوان التي تسطع. والعروض الملونة التي تغير الألوان مع تغير زاوية الرؤية تُوصَف بأنها «قزحية» اللون. (أما القميص الأزرق الذي اكتسب زُرقته من الصبغة فلا يوصف بأنه قزحي اللون.)

يمكن أن ترى ألوانًا قزحية على بقعة الزيت إذا كوَّن الزيت طبقة أفقية رقيقة على الماء. ويُمكن أن تكون الألوان واضحةً حتى عندما تكون الشمس محتجبة، شريطة أن يكون جزء من السماء أكثر سطوعًا من بقية السماء. أما إذا وقَع الزيت على شارعٍ جاف، فإن السُّمك يَختلف عبْر الطبقة بسبب الملمَس الخَشِن للشارع الواقع أسفل طبقة الزيت. تتداخل الألوان المختلفة السُّمك، ويصبح النسق باهتًا وربما عديم اللون.

أما في الجزء العلوي من البالوعة فيصبح غشاء الصابون الرأسي أكثر رقة من الطول الموجي للضوء، وتُلغي كل موجات الضوء الصادرة عنه بعضها بعضًا على نحو شبه كامل، ويُصبِح الجزء العلوي أسود. يُمكن أن يتوقف هذا الترقق لحظيًّا في هذه المرحلة لسببين: (١) طبقات جزيئات الصابون على جانبي الغشاء المتُقابلَين أصبحت الآن متقاربة على نحو يكفي للتنافُر كهربائيًّا. (٢) جزيئات الماء على طول كل سطح أصبحت مرتَّبة على نحو واضح (ترتيبًا يشبه نسبيًّا الترتيب الموجود في البلورة الجليدية) وبدأت في التداخل. ونظرًا لأن التداخل يتطلب طاقة، فإن الترقق يميل إلى التوقُّف عند هذه المرحلة. وعلى الرغم من هذه الأسباب، فإن الطبقة الرقيقة تكون غير مستقرة ومن المحتمل أن تنهار فجأة وتنفجر. إلا أنه إذا احتوى الغشاء على شوائب مشحونة، فقد يتمكَّن من زيادة الترقق دون الانفجار. وهذه المناطق تكون أجزاءً شديدة السواد في المنطقة السوداء الرقيقة.

ويتَّسم الشريط أسفل المنطقة السوداء بالزرقة الباهتة؛ لأن الضوء الأزرق يتعرَّض إلى «تداخل هدَّام جزئي» (فالموجات شبه مُتطاورة؛ ومِن ثَمَّ يُعزِّز بعضها البعض نسبيًّا). إلا أنه من الصعب رؤية اللون الأزرق، وقد تجد أن أول شريط يُمكن تمييزه أسفل المنطقة السوداء هو اللون الأبيض. وفي هذا الجزء يتمتَّع الغشاء بسُمك يسمح لكل ألوان الطيف المرئي بالتعرض لتداخُلٍ بنَّاء جزئي، ويبدو تجمُّعهم باللون الأبيض. وأسفل الشريط الأبيض نجد شريطًا لونه أحمر مُصفرٌّ (برتقالي)، ثم نجد شريطًا لونه أحمر مُزرقٌّ (أرجواني). بعد ذلك فقط نجد شريطًا يكاد يكون لونه أزرق صافيًا.

ومع تسرب الغشاء وازدياد سُمكه عند القاع، تبدأ الأشرطة الملوَّنة في القاع في التداخل. وفي النهاية يكون التداخل كافيًا لإزالة الألوان، ويُصبح ذلك الجزء من الغشاء أبيض.

إلا أن الأشرطة الملوَّنة لن تظهر حتى لو حوَّلنا مصدر الضوء إلى لون صافٍ. والمشكلة هي الانبعاثات العشوائية للموجات الضوئية من أي مصباح عادي. فمِن لحظة إلى أخرى، تَنبعِث أطوال موجية قصيرة (يُطلَق عليها «قطارات مَوجيَّة») من المصباح. وإذا كان الغشاء رقيقًا لدرجة تجعل الأمواج المُنعكِسة من السطح الأمامي والسطح الخلفي جزءًا دائمًا من القطار المَوجِي نفسه، ففي هذه الحالة يُمكن حدوث نوع معين من التداخل ويمكن إنتاج شريط ملون ثابت. أما إذا كان الغشاء أكثر سمكًا، فمن الممكن أن تكون الموجتان المنعكستان من قطارَين مَوجيَّين «مختلفين» ومِن ثَمَّ يُمكن أن يتحوَّل التداخل عشوائيًّا من بنَّاء في لحظة إلى هدَّام في اللحظة التالية. ومِن ثَمَّ لا يُمكِن أن يتكوَّن شريط ثابت اللون؛ ولهذا السبب لا تحدث أنماط التداخل والتقزُّح في الأغشية السميكة وشرائح المِجهر وألواح النوافذ الزجاجية وأكواب الشرب الزجاجية، وما إلى ذلك.

غالبًا ما تظهر الأشرطة الملوَّنة على آنية الطهو المعدنية الجافة بسبب وجود طبقات رقيقة من أكسيد المعدن. بالإضافة إلى ذلك، إذا كان المعدن يَحتوي على طبقة رقيقة من الزيت وكان لامعًا، فمن المُمكِن أن تنتج طبقة الزيت تداخلًا في الألوان. ورغم ذلك، إذا كان السطح خشنًا، فإن الضوء المنعكِس من السطح الخلفي لطبقة الزيت يتشتَّت في اتجاهات عشوائية؛ ومِن ثمَّ يُدمر عرض الألوان.

(١١٥) الألوان الهيكلية للحشرات والأسماك والطيور ومؤخِّرات القردة

يتَّسم عصفور الكناري باللون الأصفر نظرًا لوجود صباغ في ريشه يمتصُّ كل الألوان المكوِّنة للضوء الأبيض ما عدا اللون الأصفر. ومعظم الألوان التي نجدها في عالمنا اليومي، بما في ذلك ألوان الحيوانات، يعود إلى صبغة مشابهة. إلا أن كثيرًا من الحيوانات لا يعود تلوُّنها إلى الصبغة، إنما إلى سمة بصرية غريبة لتركيبة سطحها الخارجي (مثل الجناح أو القوقعة أو الريش أو الجلد … إلخ). فما سبب التلون في الأمثلة التالية؟

بعض الفراشات والحشرات لها أجنحة قزحية اللون؛ أي تتغير ألوانها مع تغيير زاوية الرؤية. ومن الأمثلة الجميلة جناح فراشة المورفو. فعلى الرغم من أن الصباغ على الجناح بني اللون (كما يبدو على السطح السفلي للجناح)، فإن السطح العُلوي أزرق متقزِّح ساطع.

تستخدم سمكة الرنجة خصائص بصرية شبيهة (لكنها أكثر تعقيدًا نسبيًّا) لتجعل نفسها بيضاء فضية. ومن مزايا هذا التلوُّن أن المفترس يجد صعوبة بالغة في تمييز سمكة الرنجة في الماء.

تُظهر بعض الخنافس الدوارة الاستوائية انعكاسًا قويًّا لضوء الشمس (الأبيض) عند مُشاهدتها من زاوية معينة، لكن تُظهر ألوانًا قزحية لافتة للانتباه عند مشاهدتها من زوايا أخرى. تُظهر أنواع أخرى عديدة من الخنافس انعكاساتٍ قوية وألوانًا قزحية مشابهة. لعل أكثر الألوان الهيكلية إثارة هي تلك التي تظهرها خنافس سكارابيدا التي يعمل سطحها كنوع من البلورات السائلة ليَعكِس ضوءًا ساطعًا لألوان متعدِّدة. على النقيض من ذلك، تستخدم الخنافس النمرية خصائص بصرية لإخفاء نفسها من خلال الاقتصار على عكس الألوان المُتوافِقة مع التربة المحلية.

تتميز بعض الثدييات بجلد ملوَّن ساطع. على سبيل المثال، يتسم قرد الماندريل الذكر بجلد أزرق على الوجه والعجز والصفن. وعلى الرغم من سطوع هذا اللون فإنه ليس قزحيًا.

يُستخدَم نوع مختلف من الخصائص البصرية لتكوين المناطق الزرقاء والمناطق البيضاء في يرقات الخيام ولتكوين اللون الأزرق في طائر القيق الأزرق.

لون الجناحَين الأماميَّين لخنفساء هرقل إما أصفر أو أسود اعتمادًا على الرطوبة. وإذا تغيَّرت الرطوبة فجأة فلن تحتاج الخنفساء إلا دقائق قليلة لتغيِّر لونها.

الجواب: السبب في أن كثيرًا من المناطق الملوَّنة في الفراشات والعثث قُزَحي اللون هو وجود حراشف شفافة شبيهة بالجليدة تتسبَّب في تداخل الضوء. إن الحراشف الموجودة على السطح العلوي لجناح فراشة المورفو مرتَّبة في بنية شبيهة بالشُّرفة. وعند سقوط الضوء الأبيض على هذه الحَراشف تسفر انعكاسات الضوء الأزرق الصادرة عن الحراشف المُتعاقِبة (مثل الحرشفة العليا والتالية التي أسفل منها) عن تداخل هدَّام، وهذا بسبب سُمك الحراشف وانفصالها رأسيًّا. أما انعكاسات الألوان الأخرى المكوِّنة للضوء الأبيض فتُسفِر عن تداخل هدَّام جزئي أو كامل، ولذلك ترى اللون الأزرق من الجناح. ومع تغيُّر زاوية الرؤية، فإنك تُغيِّر نسبيًّا مسار الضوء الواصل لك؛ وهذا التغيُّر يغير الطول الموجي، أو لون الضوء المتعرِّض للتداخُل البنَّاء. ونظرًا لاعتماد اللون الذي تراه على الجناح على زاوية الرؤية، فإن الجناح قزحي اللون.

لون سمك الرنجة يعود أيضًا إلى التداخل البصري بفعل الحراشف، لكن توجد ثلاثة ترتيبات لتداخل الحراشف، يُسفر كلٌّ منها عن تداخل بنَّاء للضوء المنعكس في جزء مختلف من الطيف المرئي. وعندما ترى هذه الأنواع الثلاثة من الانعكاسات الساطعة، فإنك تراها باللون الأبيض عند اجتماعها. إلا أن هذا البياض يختلف عن اللون الأبيض العادي نظرًا لوجود تغيُّر بسيط في اللون عند تغيير زاوية رؤيتك للسمك. ويكون من الصعب تحديد مكان سمكة الرنجة في الماء؛ لأن الضوء المنعكس يشبه تقريبًا الضوء المحيط بها تحت الماء.

يُغطي سطح الخنفساء الدوارة الاستوائية حراشف ضيقة مصطفَّة كما لو كانت محزز حيود، وهذه وسيلة بصرية تتكوَّن عادةً من العديد من الشقوق الرفيعة المتوازية التي تنتج نسقًا متداخلًا. إذا نظرت إلى الجزء الساطع المركزي في نسق حيود الخنفساء، فسوف ترى الضوء الأبيض الساطع. وإذا رأيت الأجزاء الساطعة البعيدة عن المركز، فسوف ترى الألوان التي انتشرت بفعل الحيود على نحو يَسمح بتمييزها. وعندما تدور إحدى هذه الخنافس في الماء، تحدث تغيُّرات سريعة في الشدة واللون؛ مما يمكن أن يتسبَّب في ارتباك المفترس.

لا تعود انعكاسات خنفساء سكارابيدا إلى الحراشف، بل إلى ترتيب غريب للويفات دقيقة. فهي مرتبة في طبقات، ومحاذاة كل طبقة تختلف عن الطبقة التالية. وعندما يخترق ضوء الشمس الطبقات، فإن الانعكاسات الصادرة عن الطبقات التي يَفصل بينها مسافات مناسبة تتعرض للتداخل البنَّاء وتخرج من الخنفساء في صورة ضوء ملوَّن ساطع.

من المُمكن أن تبدو الخنافس النمرية بُنِّية أو سوداء في عينك (لتُوافِق التربة الموجودة فيها)، لكنَّها في الحقيقة متعدِّدة الألوان. على سبيل المثال، تحتوي أغطية جناح الخنفساء النمرية المسماة «سيسينديلا أوريجونا» على بُقَع دائرية لونها أخضر مزرق مُحاطة باللون الأحمر. وكلا اللونَين ناتجان عن تداخُل راجع إلى الحراشف الشبيهة بالجليدة الموجودة على الجناح. وعندما ترى الخنفساء على الطبيعة يَدمج جهازك البصري الألوانَ المرئية ويَجعلُك تُدرك اللون البني. ويحدث دمج شبيه للألوان من المناطق الصغيرة جدًّا التي لا يُمكن إدراكها على حدة عندما تُشاهِد الشاشات الملوَّنة واللوحات التنقيطية.

يعود لون الجلد الأزرق في قرود الماندريل وغيرها من الثدييات الأخرى إلى الترتيب الدوري نسبيًّا (أو شبه الدوري) لألياف الكولاجين في الأدمة. وفي أي منطقة مجهرية، تكون هذه الألياف متوازية ولديها عرض ومسافات بينية يُشتِّتان الضوء الأزرق خارج الجلد. أما في الأماكن الأخرى مثل الوجه فتكون ألياف الكولاجين متشعِّبة لدرجة أن الأزرق يُسيطر على الضوء الخارج من الجلد. وفي أماكن أخرى مثل العجز تكون كمية ألياف الكولاجين أقل، لكن تكون هذه الطبقة واقعة على ميلانَين يمتصُّ الضوء المار عبْر الكولاجين. ونظرًا لوجود الخلفية الداكنة المُتمثِّلة في الميلانَين، يكون الضوء الأزرق الخارج من الجلد لافتًا للنظر. ورغم ذلك، لا يكون هذا اللون قزحيًّا، فالتقزُّح يتطلب ترتيبًا أكثر انتشارًا لمناطق التشتيت.

السبب في المنطقة الزرقاء الموجودة على يرقة الخيام هو تشتُّت الضوء بفعل الشعيرات الشفافة للمادة الشبيهة بالجليدة التي تُغطِّي السطح العلوي لليرقة. ويوجد تحت هذه الشعيرات سطح قاتم. وهذه الشعيرات بالغة الصِّغَر لدرجة أنها تُشتِّت الضوء الأزرق في الأساس ليعود نحوك؛ بينما يظلُّ بقية الضوء في السطح القاتم الذي يمتصُّه. ولذلك ترى الضوء الأزرق بصفة أساسية في هذه المنطقة. وتَختلف المنطقة البيضاء في أن السطح السُّفلي يعكس أو يُشتِّت الضوء نحوك، وأنه ليس داكنًا. وفي هذه الحالة، فإن الضوء الأزرق الموجود في الشعيرات يَضيع في الضوء الأبيض الأكثر سطوعًا الموجود في السطح السفلي.

يعود سبب الزرقة في ريشة طائر القيق إلى التشتُّت التفضيلي للطرف الأزرق من الطيف بفعل الخلايا السنخية الصغيرة في أطراف الريش. أما الألوان في الطيور الأخرى فيكون سببها كلًّا من التشتُّت والتصبُّغ أو طرقًا مختلفة يتعرَّض من خلالها الضوء للتداخُل.

يتكوَّن الجناح الأمامي الجلدي الصلب لخنفساء هرقل من سطح علوي شفاف رقيق يقع على طبقة إسفنجية صفراء. وأسفل الطبقة الإسفنجية توجد مادة سوداء شبيهة بالجليدة. وعندما تَمتلئ الطبقة الإسفنجية بالهواء، يتشتَّت منها الضوء ويخسر معظم الألوان ما عدا الأصفر؛ ومِن ثَمَّ يبدو الجناح أصفر. وعندما تكون الخنفساء في رطوبة شديدة، تَمتلئ الطبقة الإسفنجية بالماء، ويمر مزيد من الضوء عبْر تلك الطبقة ليصلَ إلى مادة الجليدة السوداء فتمتص ذلك الضوء. وفي هذه الحالة يبدو الجناح أسود اللون.

(١١٦) اللؤلؤ

ما سبب الألوان البراقة والقزحية التي نراها في اللؤلؤ وداخل صدفاتها (أم اللؤلؤ)؟

الجواب: نظرًا لأن الألوان قزحية (أي تتغير مع تغيُّر زاوية المشاهدة)، فلا بد أنها راجعة إلى تداخل الموجات الضوئية وليس إلى امتصاص بسيط من قِبل الأصباغ. تتكون اللؤلؤة من «عرق اللؤلؤ» وهو مجموعة مركَّبة مثل الطوب والملاط مؤلفة من كربونات الكالسيوم (الكالسيت أو الأراجونيت) ومادة نسيجية مكوَّنة من جزيئات حيوية كبيرة. تَفصل فجوات شديدة الضيق تحتوي على المادة النسيجية (الملاط) بين صفائح الأراجونيت المسطحة (الطوب). ويُعزى ما نراه في اللؤلؤة من لمعان وألوان إلى تداخل الموجات الضوئية المشتَّتة من الفجوات وليس من داخل الطوب. وتؤدِّي الفجوة الأكثر اتساعًا إلى تداخل ساطع (تداخُل بنَّاء) للأطوال المَوجية الأكثر طولًا (نحو الطرف الأحمر من الطيف المرئي). ولكي يتَّسم لون أو طول مَوجي معيَّن ﺑ «النقاء» (أي يُمكن تمييزه بوضوح) في اللؤلؤة، لا بد أن يكون عرض الفجوات مُتماثلًا تقريبًا، ولا بد أن يكون الفاصل بين الفجوات شبه متماثل؛ بحيث تعزز الموجات الضوئية المشتَّتة من الفجوات بعضها بعضًا. وإذا تباين عرض الفجوات وفواصلها، فسوف تكون الألوان «باهتة» أو «شاحبة». تحتوي بعض اللآلئ السوداء على هذا التأثير اللوني، لكن يَبدو أنها تحتوي أيضًا على صباغ مسئول عن خلفيتها القاتمة.

(١١٧) النتوءات في عيون الحشرات والطائرة الشبح

تتكوَّن عين الحشرة من جوانب عديدة يُطلَق عليها «عيينات» يمرُّ من خلالها الضوء إلى مُستقبِل؛ حيث تبدأ عملية المعالجة البصرية؛ وترى الحشرة فُسيفساء للصور التي تنتجها العيينات. تمتلك كثير من الحشرات عيينات ذات أسطح خارجية مصقولة. لماذا تمتلك بعض الحشرات عيينات ذات نتوءات صغيرة مدبَّبة على الأسطح الخارجية؟ تظهر أيضًا الصفات الفيزيائية لتلك النتوءات على الأسطح الماصة للطائرة الشبح وفي طلاء النوافذ ذات الأسطح الزجاجية الثنائية والثلاثية.

fig167
شكل ٦-٤٤: بند ٦-١١٧: تُقلِّل النتوءات في عين الحشرة قدر انعكاس الضوء من العين.
الجواب: من مقاييس الخواص البصرية لأي مادة «مُعامل الانكسار»، المرتبط بسرعة الضوء في هذه المادة. فعندما يواجه الضوء حاجزًا يتغيَّر عنده مُعامل الانكسار، ينعكس بعض الضوء من الحاجز وينتقل البعض الآخر خلاله. فعلى سبيل المثال، إذا وصل شعاع ضوء إلى طبقة من الزجاج، فإن قدرًا من الضوء يَنعكِس عند الحاجز الفاصل بين الهواء والزجاج.
يحدث انعكاس مشابه عند السطح الفاصل بين الهواء والعيينات في عين الحشرة لأن معامل الانكسار في العيينات أكبر من معامل انكسار الهواء؛ لذلك عادةً ما ينعكس بعض الضوء الساقط على عين الحشرة ولا يُساهِم في عملية الرؤية. إلا أن العيينات ذات النتوءات يقلُّ فيها الانعكاس؛ ومِن ثَمَّ يدخل العيينات المزيد من الضوء. تكمن ميزة النتوء في بنيتِه المدبَّبة، فهو رفيع عند الطرف الخارجي ويَزداد عرضه كلما اتجهنا نحو القاعدة (انظر شكل ٦-٤٤). ومِن ثَم، عندما يدخل الضوء إلى العيينات لا يجد حاجزًا واحدًا يتغيَّر عنده معامل الانكسار تغيُّرًا حادًّا، بل يجد معامل انكسار يزداد تدريجيًّا مع تحرك الضوء على النتوء. وهذه الزيادة التدريجية تُقلِّل كمية الضوء المنعكس؛ ومِن ثمَّ يدخل العين المزيد من الضوء.

إن الانعكاسات على النوافذ المتعددة الطبقات الزجاجية يمكن أن تنتج صورًا متعدِّدة لكل ما يوجد خارج النافذة. وإذا كانت النافذة جزءًا من برج مراقبة جويَّة أو مقصورة الطيار فإن هذه الصور الزائدة يُمكن أن تكون مضلِّلة على نحو خطير. وإذا كانت النافذة موجودة في طقس بارد فإن أي انعكاس على النافذة يعني قلة الضوء الواصل لتدفئة الداخل. ولتقليل الانعكاسات لهذه الأسباب يجب تغطية واحد من الألواح الزجاجية أو أكثر بطبقة بلاستيكية تحتوي على نُتوءات.

من الأسباب التي تجعل من الصعب على الرادار اكتِشاف الطائرة الشبح أن سطحها مُغطًّى بنتوءات مصنوعة من مادة تمتصُّ موجات الرادار. لو كان السطح مسطحًا لامتصَّ جزءًا فقط من إشارة الرادار وعَكَسَ الباقي. (سيكون الموقف مشابهًا للضوء الذي يلمع على الزجاج الأسود، فعلى الرغم من امتصاص قدر كبير من الضوء، فإنه يَعكِس لك قدرًا كافيًا من الضوء يسمح بإظهار وجود الزجاج.) يحتوي سطح الطائرة الشبح على نتوءات ذات فواصل أصغر من الطول الموجي لموجات الرادار، وهذه الموجات هي نوع من الموجات الدقيقة. وأثناء مرور موجة الرادار على النتوء تُمتَص تدريجيًّا؛ ومِن ثمَّ يَنعكِس القليل منها إلى كاشف الرادار.

(١١٨) النباتات القزحية

في الظلِّ الشديد في الغابات المطيرة الاستوائية تحصل النباتات على قدر ضئيل من الضوء. وهذا هو سبب التقزُّح الذي يتقلب بين الأزرق والأخضر، والذي يظهر على بعض السرخسيات والنباتات المُزهِرة التي تنمو هناك. يُغطِّي أوراق النباتات الأخرى لمعانٌ مخملي ناتج عن الخلايا البشروية المحدَّبة. فما الفائدة التي تقدمها هذه الصفات لبقاء النباتات في هذه الإضاءة المُنخفِضة؟

الجواب: سبب تقزح السرخسيات بين الأخضر والأزرق هو التداخل البصري للضوء المنعكس من الطبقات المتراكمة المختلفة الصفات البصرية. وعلى وجه التحديد، فإن الطبقات تتقلَّب بين قِيَم مرتفعة وقيم مُنخفِضة لمعامل الانكسار الذي يُعدُّ مقياسًا لسرعة الضوء في المادة. كما أنها تتفاوَت أيضًا في الكثافة. ونتيجة لذلك تُصبح الطبقات كما لو كانت مجموعة من الأغشية الدقيقة. تخرج الموجات المنعكسة في الطرف الأزرق من الطيف المرئي في تطاوُر شديد (متزامنة) ويُعزز بعضها بعضًا؛ ومِن ثمَّ نرى الضوء أخضر مزرقًّا. تستمر الموجات المنقولة عند الطرف الأحمر من الطيف في النَّفاذ إلى الطبقات في تطاوُر شديد ويُعزِّز بعضها بعضًا؛ ومِن ثمَّ ينتقل الضوء الأحمر إلى داخل الورقة (إلى البلاستيدات الخضراء حيث يتم البناء الضوئي). ويبدو أن هذا الترتيب يزيد كمية الضوء الذي تمتصُّه الأوراق مقارنةً بما تمتصُّه دون حدوث التداخل البصري. تحتوي ثمار بعض النباتات أيضًا على تقزُّح أزرق بسبب الطبقات الرقيقة التي تُسبب التداخل البصري.

تتخذ الخلايا البشروية المحدبة في الورقة ذات اللمعان المخملي شكل العدسة لكي تسلط الضوء على البلاستيدات الخضراء الموجودة تحتها. وهذا التسليط يضاعف على أقل تقدير تركيز الضوء على البلاستيدات الخضراء، فيمكن النبات من العيش في الإضاءة المنخفضة. (أما اللمعان الذي يعد تأثيرًا جانبيًّا فهو انعكاس مرآتي للضوء من جوانب الخلايا.) وقد تحتوي ورقة الشجر أيضًا على غشاء قزحي لتقليل كمية الضوء المنعكس من الورقة.

أما تقليلُ انعكاس الضوء في الأنواع الأخرى من أوراق الأشجار فيتم من خلال شكل الخلايا. وعلى الرغم من أن هذه الخلايا لا تركز الضوء على البلاستيدات الخضراء بطريقة جيدة جدًّا، فإن الضوء الزائد الموجود داخل الخلايا يبدو مفيدًا.

(١١٩) الأحبار المتغيِّرة الألوان المانعة للتزييف

تسعى الحكومة في مختلف أنحاء العالم إلى استباق المزورين الذين يُسارعون في استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية لتزييف العملات الورقية. ومن الإجراءات الأمنية المستخدمة لردع المزورين الخيوط الأمنية والعلامات المائية الخاصة (التي يُمكن رؤية كلٍّ منهما عند تعريض العملة الورقية للضوء) بالإضافة إلى الطباعة الدقيقة (المكونة من نقاط متناهية الصغر على نحو يَحُول دون إعادة نسخها بالماسح الضوئي). وعلى الأرجح فإن أكثر سمة يصعب على المزورين تقليدها هي اللون المُتغيِّر الناتج عن الأحبار المتغيِّرة الألوان. فعلى سبيل المثال، يحتوي الرقم «٢٠» في الركن الأيمن السفلي من وجه ورقة الدولار الأمريكي فئة العشرين على حبر مُتغيِّر اللون. إذا نظرت إلى الرقم مباشرة، فسيكون أحمر اللون أو أصفر محمرًّا. وإذا أمَلْتَ الورقة ونظرت إليه من زاوية مائلة، فإن اللون يتغيَّر إلى الأخضر. ويُمكن لماكينة التصوير تقليد اللون من زاوية واحدة فقط، ومِن ثَمَّ لا تستطيع نسخ هذا التغيُّر في الألوان. فكيف تغير الأحبار المتغيِّرة الألوان ألوانها؟

الجواب: تعتمد الأحبار المُتغيِّرة الألوان المستخدمة في أوراق العملات على التداخل الناجم عن رقائق رفيعة شفافة عالقة في الحبر العادي. إن الضوء الذي يَخترق الحبر العادي فوق الرقاقة ينتقل عبْر طبقات رقيقة من الكروم وفلوريد المغنسيوم والألومنيوم. تعمل طبقة الكروم كمرايا ضعيفة، وتعمل طبقة الألومنيوم كمرآة أفضل، وتعمل طبقات المغنسيوم كأغشية صابون. ونتيجة لذلك فإن الضوء المنعكس لأعلى من كل حد فاصل بين الطبقات يرتد عائدًا عبْر الحبر العادي ثم يتعرض للتداخل في عين المشاهد.

يتحدد اللون الذي سيتعرض لتداخل بنَّاء (حيث تُعزز موجات الضوء بعضها البعض) اعتمادًا على سُمك طبقات فلوريد المغنسيوم. في الولايات المتحدة، قيمة سُمك طبقات فلوريد المغنسيوم في العملات المطبوعة بأحبارٍ متغيِّرة الألوان تكون مصمَّمةً بطريقة تُحقِّق تداخُلًا بنَّاءً كاملًا للضوء الأحمر أو الأصفر المحمر عندما ينظر المشاهد لأسفل مباشرة نحو العملة. وعندما يُميل المشاهد العملة ومِن ثَمَّ يُميل الرقائق فإن الضوء الواصل للمُشاهد من الرقائق يتعرض لتداخل بنَّاء بالنسبة إلى الضوء الأخضر. وهذا التحول في الطول الموجي يعود إلى المسار الأطول الذي يَسلُكُه الضوء عبْر الرقائق المائلة. ومِن ثَم، فمن خلال تغيير زاوية المشاهدة يستطيع المشاهد تغيير اللون. تستخدم الدول الأخرى تصاميم أخرى لهذه الرقائق رفيعة الأغشية لتحقيق تغييرات مختلفة في ألوان العملات. وحاليًّا أصبحت الأحبار والدهانات المتغيرة الألوان متاحة للاستخدام التجاري.

(١٢٠) التشبُّع اللوني في بتلات الزهور

يَختلِف لون كثير من الأزهار من بتلة إلى أخرى عندما تكون البتلات في الزهرة، لكن إذا قطفتَ البتلات ووضعْتَها مسطحة جنبًا إلى جنب، فسيكون لونها واحدًا. فما سبب اختلاف اللون في الترتيب الطبيعي؟

الجواب: عندما تكون البتلات مسطحة وجنبًا إلى جنب، فإنك ترى الضوء المنعكس من سطح البتلة مرة واحدة فقط. يميل الانعكاس الذي يُشتِّت الضوء في اتجاهات كثيرة إلى إزالة بعض الألوان من الضوء من خلال امتصاص الجزيئات له في البتلات. فعلى سبيل المثال، تَميل البتلات الحمراء إلى إزالة الطرف الأزرق من الطيف المرئي بحيث ترى اللون الأحمر في الأساس. أما في حالة انعكاس الضوء مرة واحدة، كما هي الحال أثناء وضع البتلات في وضعٍ مستوٍ، فيُزال قدر قليل من الطرف الأزرق من الطيف ويكون الضوء أحمر «غير مشبع» (أحمر باهت).

والوضع مشابه إذا كانت البتلات شبه مستوية (على المستوى نفسه) أثناء وجودها في الزهرة. وعلى سبيل التذكرة، فإنك ترى الضوء المنعكس من البتلة، أو المار عبْر البتلة، مرة واحدة فقط. ويختلف هذا الموقف إذا كانت البتلات مُتجمِّعة على نحو مُتقارِب وبزوايا مختلفة من منظورك. ففي هذه الحالة يكون بعض الضوء الذي تراه قد انعكس أكثر من مرة من البتلات؛ في واقع الأمر تكون البتلات «حواجز ضوء مسرِّبة». ونظرًا إلى ميل الانعكاس إلى إزالة ألوان معينة وترك ألوان أخرى، فإن الألوان المتبقية تُصبح أكثر «تشبعًا» (أنقى). بالإضافة إلى ذلك، فإذا نظرتَ من بتلة إلى بتلة أو إذا نظرت عبْر سطح بتلة واحدة فسترى أن التشبُّع اللوني يختلف من نقطة لأخرى.

(١٢١) اللمعان الأصفر في شجر الحور الرجراج

في الخريف، عندما تتحول أوراق الشجر إلى اللون الأصفر، لماذا تصبح أوراق شجر الحور الرجراج أكثر لمعانًا عند مشاهدتها في الاتجاه العام للشمس مقارنة برؤيتها من الاتجاه المقابل؟

الجواب: عندما تبدأ أوراق شجر الحور الرجراج في الاصفرار فإنها تميل إلى امتصاص الطرف الأزرق من الطيف المرئي تاركةً الطرف الأحمر المصفر بصرف النظر عما إذا كنتَ تُشاهدها في اتجاه الشمس أو في الاتجاه المقابل. وعند مشاهدة الأوراق في اتجاه الشمس، فإنها تُزيل الطرف الأزرق من الطيف بالتساوي جيدًا، ومِن ثَم يكون الضوء المُنتقِل عبْر الأوراق هو الأصفر الفاقع. وعندما تكون الأوراق في الاتجاه المقابل، فإنها «لا تزيل» الضوء الأزرق بالدرجة عينها. وإذا انعكس الضوء من الوجه العلوي للورقة فسيُمتَص اللون الأزرق جيدًا ومِن ثَمَّ فلن يَنعكِس. أما إذا انعكس الضوء من الوجه السُّفلي، فلن يمتص اللون الأزرق جيدًا ومِن ثَمَّ يظل في الضوء المنعكس. وعندما تكون الأوراق في مواجهة الشمس فإنَّ بعض الأوراق تُوجِّه وجهها العلوي ناحيتك، وبعضها يوجه لك وجهه السفلي. ونظرًا لأنك ترى اللون الأزرق من الوجوه السفلية فإن أوراق الحور الرجراج لا تكون صفراء فاقعة مثلما تراها في اتجاه الشمس.

(١٢٢) ألوان العيون

ما المسئول عن تكوين ألوان عيون الإنسان الزرقاء والخضراء والبُنِّية؟ لماذا يكون لون عيون البعض في بداية حياتهم أزرق، ثم يتغير هذا اللون بعد فترة قصيرة إلى اللون البني؟

الجواب: يرجع لون العيون الزرقاء إلى التشتُّت الارتدادي التفضيلي للضوء الأزرق بفعل البروتينات والدهون والجسيمات الأخرى الموجودة في سائل العين بالقزحية. يكون اللون مرئيًّا إذا كانت خلفية السائل عبارة عن طبقة داكنة. أما إذا كانت الخلفية أفتح أو إذا كانت هناك صبغات على سطح القزحية، لا يُصبح الأزرق ملحوظًا، وقد تبدو العيون بُنية اللون. تكون العيون خضراء اللون إذا كانت تُوجد صبغة تختزل اللون الأبيض إلى الأصفر؛ وذلك لأن التشتُّت الارتدادي لمزيج اللونين الأزرق والأصفر يظهر باللون الأخضر. لون العينَين الأزرق قد يتغيَّر مع التقدُّم في العمر إذا كَبُرَت الجُسَيمات الموجودة داخل القزحية بما يَكفي لتشتُّت كل الألوان بشكلٍ مُتساوٍ بدلًا من تشتيت اللون الأزرق تفضيليًّا.

(١٢٣) لماذا يتحوَّل الجسم إلى اللون الأزرق عند البرودة الشديدة؟

لماذا يتحوَّل لون البشرة القوقازية الفاتحة إلى اللون الأزرق عند البرودة؟ لماذا تتسبب حلاقة الشعر القصير لهذا النوع من البشرة في تلونها باللون الأزرق بعد الحلاقة؟ لون الدم أحمر وليس أزرق، فلماذا يظهر هذا اللون؟

fig168
شكل ٦-٤٥: بند ٦-١٢٣: (أ) تُشتِّت البشرة الضوءين الأزرق والأحمر خارجها. يخترق الضوء الأحمر البشرة بصورة أعمق. (ب) تمتص الأوردة الكثير من الضوء الأحمر، ولا يتشتَّت خارج البشرة سوى الضوء الأحمر الضعيف.
الجواب: بعض الجسيمات الموجودة في سطح البشرة القوقازية تشتِّت الضوء الأزرق بصورة أكبر من باقي الألوان. ومع ذلك، تكون الصبغة باهِتة بما يَكفي فلا تحتاج إلى خلفية داكنة لتكون مرئية. إذا فُحصِت بشرة شخص ينمو شعرُ وجهِه بكثافة بعد الحلاقة الدقيقة للشعر القصير، يُمكِن أن يُرى اللون الأزرق نتيجة للخلفية الداكِنة التي تتسبَّب فيها جذور الشعر الموجودة أسفل سطح البشرة. عندما يشعر شخص قوقازي ذو بشرة شاحِبة بالبرودة، يُمكن أن ينخفض تدفق الدم عبر الشُّعيرات الدموية للبشرة بدرجة كافية بحيث تَفقد البشرة لونها الوردي الطبيعي، ويصبح من الممكن تمييز الضوء الأزرق المشتَّت. وبالمثل، يتحوَّل لون بشرة الجثة إلى اللون الأزرق بنفس الطريقة.
تظهر الأوردة باللون الأزرق لأن الضوء الأحمر يَخترق البشرة بعمق أكبر من الضوء الأزرق. لمعرفة سبب أهمية هذا الأمر، لنُلقِ نظرة على الضوء الذي شُتِّتَ من منطقتَين مُتجاورتَين من البشرة، كما هو مبين بشكل ٦-٤٥؛ حيث المنطقة (أ) هي بشرة لا يوجد أسفلها وريد، بينما المنطقة (ب) هي بشرة يوجد أسفلها وريد. في المنطقة (أ) نَعترض كميتَين معينتين من الضوءين الأزرق والأحمر بسبب التشتت. بينما في المنطقة (ب) نعترض نفس الكمية من الضوء الأزرق، الذي لا يتأثر بالوريد الموجود أسفله لأنَّ الضوء الأزرق لا يَخترق البشرة بالعُمق الكافي ليصل إلى الوريد. ومع ذلك، يصل الضوء الأحمر إلى الوريد ويَمتَصُّهُ الدمُ جزئيًّا. ومِن ثَمَّ تتشتَّت كمية أقل من الضوء الأحمر من المنطقة (ب) مقارنة بالمنطقة (أ).

ولأن المنطقتَين متجاورتان فإننا نقارن لا شعوريًّا بين لونَيهما. فعليًّا تكون كميتا الضوء الأزرق في المنطقتَين متساويتَين، وتكون كمية الضوء الأحمر أقل في المنطقة (ب). ولذلك، تظهر المنطقة (ب) وكأن بها ضوءًا أزرق أكثر من المنطقة (أ) بسبب قلة الضوء الأحمر فيها. وهكذا، يَظهر الوريد الموجود أسفل المنطقة (ب) باللون الأزرق؛ أي إن دماغك يُلَوِّنُ الوريد بهذا اللون.

(١٢٤) أشكال بقع الضوء

يمكننا أن نرى على العديد من الأسطُح التي يُضيئها نور الشمس الساطع أشكالًا محبَّبة (أنماطًا على هيئة بقع) من النقاط الساطعة والداكنة، والتي غالبًا ما تكون بألوان زاهية. لنُجرِّب سطحًا أسود مسطح أولًا. بمجرد التعرف على نمط الشكل، سنتمكَّن من رؤية هذا النمط نفسه على الأسطح الأخرى مثل سطح معدني لامع أو حتى أحد الأظافر. عادة ما تكون تلك الأنماط الشكلية أكثر وضوحًا إذا كان مصدر الضوء هو ضوء الليزر.

إذا فحصنا شكل إحدى بقع الضوء التي ينتجها ضوء الليزر ونحن نُحرِّك رأسنا إلى الجانب في تلك الأثناء، قد نجد أن الشكل يتحرَّك في نفس الاتجاه أو في عكسه، أو قد نجده يتحرَّك سريعًا دون اتجاه معيَّن. فما الذي يُحدد نوع الحركة التي نراها؟

في بعض الحالات، يُمكن أن تكون بقعة الضوء متحركة حتى إذا كنتَ أنت ساكنًا. املأ ملعقة جزئيًّا بالحليب (تجنَّب استخدام الحليب الخالي من الدسم) وضعها في ضوء الشمس الساطع. ستجد أنه عند الحافة المسطَّحة من الحليب تتراقَص نقاط لونية مضيئة. إذا أُضيئَت تفاحة حمراء أو ثمرة طماطم حمراء بضوءٍ أحمر من ليزر الهيليوم-النيون يتقلَّب شكل بقعة الضوء التي تظهر على سطح الثمرة، فما السبب وراء تلك الظواهر؟

الجواب: يَنتج شكل بقعة الضوء من تداخل موجات الضوء المنعكسة من السطح. تقترب الموجات من السطح بالتزامن بعضها مع بعض تقريبًا، ولكن قد يتغير الوضع نتيجة لخشونة السطح مجهريًّا. ومِن ثَم، فالموجات الضوئية التي تنعكس نحوك من أحد النقاط المنخفضة على السطح على سبيل المثال، تقطع مسافة أبعد نسبيًّا من الموجات التي تنعكس نحوك من نقطة مُرتفعة مجاوِرة. وهكذا، ووفقًا للظروف، فالموجات التي تصل إلى عينَيك قد تكون متزامنة أو غير متزامنة ويمكنها أن يُعزِّز بعضها بعضًا أو يُلغي بعضها بعضًا. باختصار، يكون بعض المناطق في شكل البقعة الضوئية ساطعًا، وبعضها الآخر معتمًا.

لن ترى مثل هذا الشكل في ضوء المصباح؛ وذلك لأن ضوء المصباح يَصدُر من الذرات عشوائيًّا. ومِن ثَم، فالموجات التي تُضيء سطحًا قد تكون مُتطاوِرة في إحدى اللحظات، وغير مُتطاوِرة في اللحظة التالية. تتغير أشكال بقع الضوء بين كل لحظة وأخرى بسرعة كبيرة جدًّا بحيث لا تلاحظها عيناك؛ وبالتالي فجلُّ ما ستراه هو سطح مضيء خالٍ من أي أشكال ظاهرة. إذا كنت ترغب في رؤية أشكال لبُقَع الضوء، فلا بد أن تستخدم ضوءًا مترابطًا (موجات ذات علاقة متطاورة ثابتة تقريبًا). عمليًّا، هذا يعني أنك لا بد أن تستخدم إما ضوء الشمس (وهو مُترابط جزئيًّا) وإما ضوء الليزر. على الرغم من أن انبعاث الضوء من الشمس عشوائي بلا أدنى شك، إلا أنها بعيدة جدًّا بحيث إنها تعمل كمصدر ثابت للضوء يُمكننا أن نقول إن موجاته الضوئية مترابطة.

إذا كنت تُعاني من قِصَر النظر، فقد تبدو أشكال بُقَع الضوء المنبعثة من الليزر أقرب من سطح المشاهدة؛ إذ لن تكون على علم ببُعدها الحقيقي؛ ومِن ثمَّ فإن التركيز الطبيعي لعينيك سيجعل شكل بقعة الضوء يبدو أقرب. إذا حركت رأسك في أحد الاتجاهات فسيبدو الشكل وكأنه يتحرَّك في الاتجاه «المعاكس» أمام سطح المشاهَدة. يحدث خداع بصري مُشابه إذا ثَبَّتَّ إصبعك بين عينَيك والمصباح مع الحفاظ عليها ثابتةً. وبما أننا نعلم أن المصابيح لا تتحرَّك بينما تتحرَّك الأصابع، يحدث خداع بصري شديد يجعلك تعتقد أن الإصبع القريبة من عينَيك تتحرَّك في الاتجاه المعاكس لحركة رأسك. أما إذا كنت تعاني من طول النظر، فستبدو أشكال بقع الضوء أبعد عنك من سطح المشاهَدة؛ وذلك لأن عينيك تتكيف بشكل طبيعي على رؤية المسافات البعيدة. إذا حركت رأسك في أحد الاتجاهات، فسيبدو الشكل البعيد وكأنه يتحرَّك في «نفس» الاتجاه.

وإذا كان نظرك طبيعيًّا فستعتمد الحركة الظاهرية لبُقعة الضوء على لون الضوء؛ وذلك لأن كل لون ينكسر بكمية مختلفة عند دخول العين، وبذلك فقد يُفَسَّر كل لون بأنه يصدر من مسافة مختلفة. يقترح بعض الباحثين وجوب استخدام بُقعة ضوء الليزر في فحص العين عندما يكون المريض، كطفل صغير مثلًا، غير قادِر على قراءة الحروف الموجودة على جدول فحص الرؤية المعتاد.

تعود المَظاهر الحركية في الحليب إلى نوعَين من الحركة: (١) البخر الذي يحدث على طول الحافة الرقيقة للحليب يتسبب في حركة دوران في السائل. (٢) حتى دون وجود حركة الدوران، تخضع الجزيئات ﻟ «الحركة البراونية» التي تَصطدم فيها عشوائيًّا بعضها ببعض وببروتينات الحليب وكريات الدهون. يُغيِّر كلا النوعين من الحركة باستمرار طريقة تشتُّت الضوء من الحليب. لا بد أن تكون طبقة الحليب رقيقة أو سيتشتَّت الضوء عدة مرات قبل مغادَرة سطح الحليب حيث يُصبح تطاور الموجات مُضطربًا ولا يُمكن رؤية أي مظهر من مظاهر التداخل. في هذه الحالة، يكون لون الحليب أبيض فحسب.

أما «بُقعة الضوء المتحركة» على جانب ثمرة تفاح أو طماطم فيُعتَقَدُ أنها تعود إلى الحركة الطفيفة للجُسَيمات الصبغية (البلاستيدات) الموجودة في القشرة. يتغيَّر بُعدها عنك أثناء تحرُّكها، وهو ما يغير تداخل موجات الضوء التي تتشتت نحوك؛ ومِن ثمَّ يغير شكل بقعة الضوء الظاهرة.

(١٢٥) ألوان الإضاءة الفلوريسنت

إذا أدرتَ جسمًا، كعملة معدنية مثلًا، تحت إضاءة فلوريسنت، ربما تجد أن الجسم يُظهِر ألوانًا باهتة مثل الأزرق والأصفر. تَنجح التجربة أكثر إذا كان الجسم موضوعًا على خلفية داكنة أثناء إضاءة المصباح الفلوريسنت. يُمكن رؤية الألوان نفسها إذا اهتزَّ حبل من المصابيح الفلوريسنتية: تبهت ألوان الأجزاء الضبابية الناجمة عن حركة حبل المصابيح. ويُمكن رؤية الألوان أيضًا على طبقة رقيقة من المياه الجارية المحيطة بالموضع الذي تَصطدم فيه مياه الصنبور بالحوض. ما سبب ظهور الألوان؟

الجواب: يُثار المصباح الفلوريسنت بفعل موجة (تيار) من الإلكترونات تسري عبْر ذرات البخار الزئبقي داخل الأنبوب. تتصادَم الإلكترونات بالذرات وتثيرها، وسرعان ما تزول الإثارة، لينبعث ضوء أزرق وأخضر وكذلك أشعة فوق بنفسجية. تُمتَص الأشعة فوق البنفسجية بفعل طبقة فسفورية مبطنة للجزء الداخلي من المصباح، الذي «يتوهَّج» لبرهة (بمعنى أن الفسفور يتوهج). وإذا كان الضوء العام المراد هو الضوء الأبيض، يقع الاختيار على الفسفور لينبعث منه ضوء أحمر وأصفر بصفة عامة لتِكملة الضوء المنبعث من ذرات الزئبق؛ ومِن ثمَّ ترى الضوء الأبيض.

وبالنسبة إلى العين، ينبعث من المصباح ضوء أبيض بلا انقطاع. ورغم ذلك، يتذبذب انبعاث الضوء الأزرق والأخضر من الزئبق عدة مرات في الثانية الواحدة؛ لأنه يتمُّ التحكُّم في التيار، الذي يسري عبْر المصباح، من خلال مصدر كهربائي ذي تيار متردِّد يتفاوت في قوته واتجاهه عدة مرات في الثانية الواحدة. ومن بين موجات الانبعاثات الزئبقية، لا ينبعث من المصباح إلا اللونان الأحمر والأصفر الفسفوري. ومِن ثَم، إذا أُضيء الجسم المتحرِّك بإضاءة فلوريسنت، فإن انعكاساته في اتجاهات مختلفة تتذبذب بين اللون الأبيض واللونين الأحمر والأصفر، وترى الألوان الظاهرة بانتظام. الموقف أشبه بالانعكاسات الصادرة عن وتر مُهتز أو الصادرة عن موجات صغيرة تتحرَّك على سطح المياه بالقرب من نقطة الاصطدام أسفل الصنبور مباشرة.

(١٢٦) النظارات الشمسية المستقطِبة

كيف تكون النظارات الشمسية المُستقطِبة أكثر فعالية في حجب الوهج المنبعث من الطريق الأسفلتي مقارنةً بالنظارات الشمسية المعتمة وحسب؟ لماذا يُمكن للنظارات الشمسية المُستقطِبة أن تحسن رؤيتك تحت الماء بحيث يمكنك تحديد مكان الأسماك أثناء الصيد مثلًا؟

اخلع النظارات، وأمسك بفلتر أمام إحدى عينَيك وأغلق الأخرى، وانظر في خطٍّ مائل إلى بُحيرة. أَدِر الفلتر حول خط الرؤية. لماذا تَختفي البحيرة عند تحريك الفلتر في بعض الاتجاهات؟

الجواب: الضوء عبارة عن موجة من المجالات الكهربائية والمغناطسية المُهتزَّة. هذه المجالات تكون موجهة دومًا في اتجاه عمودي على اتجاه انتقال الضوء، ولو مثَّلناها بأسهم قصيرة، فإن الرسمة ستبدو أشبه بساق زهرة تَنبثِق على جانبَيها الأشواك. و«استقطاب» الضوء (أو عدم الاستقطاب) يشير إلى اتجاه المجال الكهربائي؛ أي الأسهم القصيرة تُمثِّل المجال الكهربائي. إذا كان الضوء «غير مُستقطَب»، قد تُشير هذه الأسهم إلى أي اتجاه عمودي لاتجاه انتقال الضوء. وإذا كان الضوء «مُستقطَبًا»، تمتدُّ هذه الأسهم على خط واحد، إما في اتجاه واحد على طول الخط أو في الاتجاه المعاكس. وهذا الضوء المُستقطَب مميَّز؛ لأن الضوء المنبعث من جميع مصادر الضوء السائدة تقريبًا، بما فيها الشمس، يكون غير مُستقطَب.

وإحدى الطرق لجعل الضوء غير المُستقطَب مُستقطَبًا هي عبْر انعكاسه من على أنواع أسطح معينة. على سبيل المثال، إذا كانت أشعة الشمس (غير المُستقطَبة) تنعكس من على الرصيف أو المياه، فإنها تَصير «مُستقطَبة أفقيًّا». هذا يعني أن المجالات الكهربائية في الضوء تكون أفقية (الأسهم القصيرة تكون أفقية). إذا اعترضت عيناك سبيل هذا الضوء، فإنهما تَريان بُقعة لامعة على الرصيف أو مياهًا عند نقطة الانعكاس، ويُوصف الضوء بأنه «ساطع». ومثل هذا الضوء يُجهد العين ويقلل وضوح الرؤية أثناء القيام بعدة أنشطة، مثل قيادة السيارات.

يُمكنك أن تُقلِّل سطوع الوهج من خلال ارتداء النظارات الشمسية المُعتادة، التي تَحتوي على أقراص بلاستيكية ملوَّنة، إلا أنها تعتم باقي المشهد، وهو أمر مكروه إذا كنت تُراقب حركة المرور القادمة في اتجاهك. والنظارات الشمسية المُستقطِبة مُختلفة؛ إذ إنها تحتوي على فلتر مُستقطِب يَحجب (يمتص) الضوء المُستقطَب الأفقي؛ ومِن ثمَّ فإنها تحجب الوهج المُنعكس من الرصيف أو المياه. ونظرًا لأن النظارات الشمسية المُستقطِبة تكون ملوَّنة قليلًا، فإنها تعتم المشهد بأكمله ولكن ليس بدرجة كبيرة. ومِن ثَمَّ فإنها تُوفِّر رؤية واضحة وساطعة نسبيًّا بدون وهج معتاد. ولعلك تكون قادرًا على رؤية الأسماك تحت الماء، والتي كانت مُتخفية من قبل تحت الوهج الساطع المُنعكِس من المياه.

وإذا أدرت أحد الأسطوانات المُستقطِبة حول خط الرؤية حين تَنظر إلى بحيرة، تَختفي البحيرة حين يحجب الفلتر الضوء المُستقطَب أفقيًّا المُنعكِس منها. وأثناء الطيران بحثًا عن المياه، تستدل بعض الحشرات المائية على وجود المياه من خلال تعقُّب الضوء المُستقطَب أفقيًّا المنعكس من المياه. فمثل هذا الضوء يكون أكثر سطوعًا حين يكون ارتفاع الشمس حوالي ٤٠ درجة فوق خط الأفق، ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الحشرات المائية تبحث عن المياه في الصباح الباكر أو في وقت متأخِّر من بعد الظهيرة أكثر فترات الظهيرة.

(١٢٧) استقطاب السماء

لماذا يكون الضوء مُستقطَبًا في غالبية أجزاء السماء الصافية؟ ولماذا يكون غير مُستقطَب في بعض الأجزاء؟

لماذا يكون الضوء الصادر من السحاب غير مُستقطَب عادةً؟ (هذه الحقيقة تساعد في تصوير السحاب: ضع فلترًا مُستقطِبًا على العدسة وأَدِرْها حتى تبرز السحب وتتميز عن السماء الموجودة في الخلفية.) لماذا يكون الضوء المنبعث من السحب مُستقطَبًا إذا كانت السحب موجودة في الشرق بالقرب من غروب الشمس أو في الغرب بالقرب من شروق الشمس؟ إذا نظرت إلى تلك السُّحب أثناء الطيران وأنت ترتدي نظارة شمسية مُستقطِبة، لعلك ترى خطًّا ساطعًا يمر فوق السحب نحو جزء من خط الأفق في الجهة المقابلة من الشمس. وإذا أدرتَ النظارة الشمسية حول خط الرؤية، يختفي الخط. ما سبب ظهور الخط؟

الجواب: على الرغم من أن أشعة الشمس المباشِرة تكون غير مُستقطَبة، فإن الضوء القادم من غالبية أجزاء السماء يكون مُستقطَبًا لأنه يتشتَّت بفعل جزيئات الهواء. وكمثال على ذلك، هب أن الشمس على ارتفاع مُنخفِض ناحية الغرب وأن الضوء مُنتشِر نحوك عبْر جزيئات الهواء العلوية. يكون المجال الكهربائي للضوء الذي تراه في الاتجاه الجنوبي الشمالي، ونقول إنَّ الضوء مُستقطَب أفقيًّا في الشمال والجنوب. وأغلب الضوء القادم من باقي السماء يكون مُستقطَبًا نحو الشمال والجنوب حين تكون الشمس على ارتفاع مُنخفِض. ورغم ذلك، الانتشار عبْر جزيئات الهواء يجعل أجزاءً من السماء بالقرب من الأفق الشمالي والجنوبي مُستقطبة رأسيًّا.
ومن المفترض أن يكون الضوء القادم من أجزاء السماء الموجودة في الجهة المقابلة من الشمس (خط الأفق الشرقي حين تكون الشمس على ارتفاع مُنخفِض ناحية الغرب) مُستقطَبًا في الاتجاه الجنوبي الشمالي (شكل ٦-٤٦أ). وعلى الرغم من ذلك، فالضوء القادم من تلك الأجزاء يكون مُستقطَبًا رأسيًّا؛ لأنها مضاءة بفعل الضوء القادم من باقي السماء (التي يَنبعث منها ضوءٌ مُستقطَبٌ رأسيًّا) أكثر من كونها مُضاءة بفعل أشعة الشمس المباشرة. ويوجد موضع، فوق الجزء المواجه للشمس نسبيًّا، يختفي فيه الاستقطاب، وهو يُميز التحول من الجزء السفلي المُستقطب رأسيًّا من السماء إلى الجزء المُستقطَب في الاتجاه الجنوبي الشمالي.
فيما يَلي أداة بسيطة تُوضِّح استقطاب ضوء السماء على نحو دقيق. الصق شرائح مُتوازية من شريط سيلوفان شفاف على ورقة مُستقطِبة، مع توجيه الشرائح بزاوية ٤٥ درجة في اتجاه الاستقطاب على الورقة. (إذا كان اتجاه الاستقطاب ليس مبيَّنًا على الورقة، انظر عبر الورقة إلى بحيرة. أَدِرِ الورقة حتى تختفي البحيرة. حينئذٍ يكون اتجاه الاستقطاب رأسيًّا.) أضف طبقة ثانية من الشرائح. ثم قصَّ الورقة إلى ١٢ مثلثًا متساوي الأضلاع ذي زاويا رأسية مقدارها ٣٠ درجة وقواعد موازية لاتجاه الاستقطاب على الورقة (شكل ٦-٤٦ب). بعد ذلك، وعلى قطعة زجاج شفافة، ضع المثلَّثات في دائرة مع مراعاة تُلامس الزوايا الحادة وتوجيه الجوانب المُثبتة للشريط اللاصق نحوك (شكل ٦-٤٦ﺟ). الآن، استعن بقطعة صغيرة بقدر الإمكان من الشريط اللاصق لتلصق قاعدة كل مثلث بالشريحة الزجاجية، ضع قطعة صغيرة جدًّا من الشريط اللاصق على الزوايا الحادة المُتجاوِرة. وعندما تنظر إلى السماء من خلال هذه الأداة، مع وضع المثلثات في الجهة المقابلة من الزجاج، قد يظهر استقطاب ضوء السماء في تلون المثلثات باللون الأزرق أو الأصفر.
fig169
شكل ٦-٤٦: بند ٦-١٢٧: (أ) حالات استقطاب ضوء السماء. أداة مستخدَمة لرصد استقطاب ضوء السماء مصنوعة من (ب) لصق شريط شفاف على ورقة مُستقطِبة، (ﺟ) ثم وضع المثلثات في شكل دائرة.

وعلى الرغم من أنه ليس من السهل تفسير ظهور هذَين اللونَين، فإن إعداد هذه الأداة سهل. عندما ينفذ ضوء السماء المُستقطَب إلى الأداة، فإنه ينتقل عبْر سُمك معيَّن للشريط اللاصق، الذي يتسبَّب في دوران اتجاه المجال الكهربائي للضوء حول اتجاه انتقال الضوء. تدور الألوان المختلفة بمقادير مختلفة. وعندما ينفذ الضوء من خلال الشريط اللاصق، تتمتَّع بعض الألوان بالاستقطاب الصحيح لتمرَّ عبْر فلتر الاستقطاب الموجود على الزجاج؛ ومِن ثَمَّ ترى الألوان. أما الألوان الأخرى، ذات الاستقطاب الخطأ، فيمتصها الفلتر، وبذا لا تراها.

أشعة الشمس المُنتشرة عبْر السُّحب تكون غير مُستقطَبة بطبيعة الحال؛ لأن الأشعة تَنتشر عبْر طبقات متعدِّدة، وهو ما يمحو أي استقطاب سابق حظيَ به الضوء من قبل. وإذا تفحصت السحاب مقارنة بالسماء أثناء النظر عبْر فلتر مُستقطِب (أو أثناء التصوير)، يُمكنك أن تدير الفلتر حتى تصير السماء معتمة. ونظرًا لأن الدوران لا يغير درجة سطوع السحب، فإن درجة التباين بينها وبين السماء تزداد.

ورغم ذلك، عندما تكون الشمس على ارتفاع منخفض، قد يظهر الاستقطاب الأفقي على السحب الموجودة فوق النقطة المقابلة للشمس مباشرةً بارتفاع من ٣٠ إلى ٤٠ درجة. ينفذ جزء من أشعة الشمس، التي تضيء مباشرة تلك السحب، إلى قطرات المياه وتنعكس من الجزء الخلفي لسطح القطرات، ثم يَنفصِل عن القطرات. يُكوِّن هذا الضوء «قوس السُّحُب»، وهو شبيهٌ بقوس قُزح باستثناء أن قطرات المياه تكون صغيرة جدًّا بدرجة يتعذَّر معها فصل الألوان. ورغم ذلك، هذه العملية تستقطب الضوء كما يَحدث مع قوس قزح.

عندما تدنو الشمس من خطِّ الأفق أو تكون تحته تقريبًا، تُضاء السُّحب القريبة من الجهة المقابلة للأفق بالضوء المنُتشِر من الأفق بصفة أساسية ولا تُضيئها أشعة الشمس المباشرة. وفي الأغلب، يكون ذلك الضوء المنتشر مُستقطَبًا رأسيًّا، وكذلك يكون الضوء القادم إليك من تلك السحب. إذا كنت ترتدي نظارات شمسية مُستقطِبة أثناء النظر إلى تلك السحب من طائرة، تمرر النظارة الضوء المُستقطَب رأسيًّا وتكون تلك السحب مضاءة نسبيًّا، بينما تكون السحب الموجودة على كلا الجانبَين — والتي ترسل إليك ضوءًا غير مُستقطَب — معتمة أكثر؛ ومِن ثَمَّ ترى سحبًا ساطعة تبدو أنها تشق مسارًا يمتدُّ إلى الأفق الموجود في الجهة المقابلة للشمس.

ووفقًا للأساطير، حدَّدت قبائل الفايكنج موقع الشمس عندما تختفي خلف حجر سحري يُعتقد أنه حجر الكورديرايت. فعندما يمرُّ الضوء عبْر هذا الحجر، يتوقَّف لون الحجر على اتجاه استقطاب الضوء. وفي عصر الفايكنج، كان الراصد يَنظر إلى جزء من السماء الصافية من خلال الحجر بينما يُديره في نطاق خطِّ رؤيته. وأثناء الدوران، كان لون الحجر يتغيَّر بين اللونَين الأصفر الفاتح والأزرق الغامق. وبالتجربة وبعد فحص عدة أجزاء من السماء، يستطيع الراصد أن يُحدِّد موقع الشمس حتى وإن كانت تقع تحت خط الأفق؛ وهو ما كانت الحال عليه كثيرًا عند دوائر العرض المرتفعة التي استكشَفَها الفايكنج.

(١٢٨) انتقال النمل من مكان إلى آخر

يعيش نمل الصحراء الفضِّي في سهول الصحراء الكبرى. وعندما يخرج النمل من عشه بحثًا عن الطعام، فإنه يقطع رحلة بحث عشوائية قد يَصل طولها إلى ٥٠٠ متر، بها مئات المُنعطفات الفجائية. علاوة على ذلك، قد يمتد مسار الرحلة عبْر أرض مستوية لا يوجد بها أي معالم مميزة. ورغم ذلك، عندما يُقرِّر النمل العودة، فإنه يُولي وجهه نحو عشه ويعدو مباشرة في طريق مستقيم. كيف يعرف النمل الطريق بدون أيِّ دلائل إرشادية موجودة في السهول الصحراوية؟

الجواب: عندما يغادر النمل عُشَّه، فإنه يتتبع المسافة المقطوعة (إذ يقوم مقام عداد المسافات) والاتجاهات التي سلكها. يستطيع النمل أن يحدد الاتجاه؛ لأن أعينه حساسة للضوء المُستقطَب؛ ومِن ثَمَّ يستطيع أن يرصد استقطاب الضوء القادم من السماء ويُحدِّد اتجاه جسمه حسب اتجاه أشعة الشمس المُستقطَبة.

والسِّمة المميِّزة فعلًا لمخ النمل هي أنه يُحَدِّث باستمرار المعلومات الخاصة بالمسافات والاتجاهات بحيث يعرف بدقة اتجاه العودة إلى عشه. يتعامل النمل مع كل جزء من رحلته باعتباره متجهًا (ذي طول واتجاه محدَّد)، ويُجري النمل بكفاءة عملية جمع المتجهات. ولعله يستغل المعالم الرئيسية إن وجدت، ولكن في التجارب التي أُزيلت منها المعالم الرئيسية في أثناء رحلة العودة إلى العش، اختار حوالي نصف عدد النمل إجراء عملية جمع المتَّجهات بدلًا من أن يضلَّ الطريق بسبب غياب المعالم الرئيسية للطريق. يُعد جمع المتجهات تحديًا صعبًا بالنسبة إلى العديد من الطلاب؛ إلا أن مخ نمل الصحراء، الذي لا يتعدَّى وزنه ٠٫١ ملِّيجرام، يستطيع أن يُجري هذه العملية الحسابية تلقائيًّا.

(١٢٩) الألوان والبقع والاستقطاب

في الصباح التالي لليلة باردة، ابحث عن طبقة رقيقة من الجليد (أزهار الصقيع) على نافذة مواجهة للشمس. انتظر حتى يَذوب بعض الثلج ليَصنع بِركةَ مياهٍ أو أَضِف أنت المياه بنفسك (شكل ٦-٤٧). انظر إلى البِركة لكي ترى طبقات الجليد في الانعكاس. لماذا يكون الجليد ملوَّنًا في الانعكاس؟
fig170
شكل ٦-٤٧: بند ٦-١٢٩: انعكاس بلورات الجليد عبْر بِركة المياه ينتج عنه ألوان.

يُعتبَر غشاء تغليف الطعام البلاستيكي عديم اللون، ولكن إذا أدخلت طبقة طويلة ومشدودة من غشاء التغليف بين فلترين مُستقطِبَين، فإنها تتلوَّن بألوان متنوعة. وإذا أدرت أحد الفلترين حول مركزه، يتغيَّر اللون. ويمكن الاستعاضة عن غشاء تغليف الطعام بطبقات متعدِّدة من شريط لاصق شفاف. ما سبب هذه الألوان؟

تستند أعمال فنية حديثة إلى الألوان الناتجة عن بلاستيك موضوع في ضوء مُستقطَب. وفي بعض الأعمال، تنشأ ألوان الفسيفساء المختلفة من خلال الاستعانة بطبقات سيلوفان مشدودة ذات سُمك واتجاه مُتباين. وتُضاء الفسيفساء من خلال الضوء القادم من فلتر مُستقطِب مُثبت على واجهة جهاز بروجيكتور مُضيء. يرى الناظر الفسيفساء عبْر فلتر مُستقطِب آخر.

كما يَبتكِر بعض الفنانين أعمالًا فنية ثلاثية الأبعاد باستخدام البلاستيك والفلاتر المُستقطِبة. يُستقطَب الضوء المار عبْر البلاستيك إما من خلال فلتر مُثبت على البلاستيك أو من خلال انتشار الضوء القادم من الجزيئات الموجودة في السماء. وربما ترى أحيانًا استعراضًا مشابهًا للألوان إذا ارتديت نظارة شمسية مُستقطِبة أثناء النظر عبْر نافذة الطائرة أثناء طيرانها.

إذا كنتَ تَرتدي نظارة شمسية مُستقطِبة أثناء قيادة السيارة، لعلك تلاحظ بقعًا كبيرة، عادةً تكون مرتبة في شكل أنماط معينة، على النوافذ الخلفية للسيارات الموجودة أمامك. ما سبب ظهور هذه البقع؟

الجواب: يُقال إنَّ الثلج وغشاء تغليف الطعام المشدود وشريط السوليفان الشفاف والنوافذ الخلفية المضغوطة هي «مواد ذات انكسار مزدوج». عندما يَنتقِل الضوء المُستقطَب عبْر مادة ذات انكسار مزدوج، فإن اتجاه الاستقطاب يدور حول مسار الضوء. ويختلف مدى الدوران باختلاف الألوان؛ حيث يَبزر اللون الأحمر من مادة ذات استقطاب معيَّن، بينما يبرز اللون الأصفر من استقطاب مختلف؛ وهكذا. وإذا قطع فلتر مُستقطِب طريق الضوء البارز، فإنه ينقل اللون ذي الاستقطاب «المناسب» ويحجب الضوء ذي الاستقطاب «غير المناسب». وعلى الرغم من البدء بالضوء الأبيض، فإننا نَنتهي بضوء ملوَّن.

وفي حالة أزهار الصقيع، يكون الضوء المبدئي ضوءَ سماء مُستقطَب والجليد هو المادة ذات الانكسار المزدوج. ورغم ذلك، الضوء المنبعث من الجليد لا ينفذ عبْر فلتر مُستقطِب. وبدلًا من ذلك، ينعكس الضوء من بِركة المياه. ينتقي ذلك الانعكاس الضوء المُستقطَب أفقيًّا فقط، وتصلُك الألوان المنبعثة من الجليد الذي له ذلك الاتجاه من الاستقطاب.

وفي حالة النافذة الخلفية للسيارة، تصير أشعة الشمس مُستقطَبة أفقيًّا عندما تنعكس إما من السطح الخارجي أو الداخلي للنافذة المائلة. وارتداء سائق السيارة الخلفية نظارة شمسية مُستقطِبة يَحجب الضوء المُستقطَب، ومن المفترض أن تبدو النافذة مُعتمة نسبيًّا. ورغم ذلك، ينتقل جزء من الأشعة المنعكسة من السطح الداخلي عبْر أجزاء من الزجاج ذات انكسار مزدوج وعبر تغيرات في الاستقطاب. تلك الأجزاء من الزجاج هي تلك التي تعرضت للضغط أثناء عملية التصنيع لأسباب تتعلق بالسلامة. وتم تبريد الزجاج سريعًا من حالة الانصهار باستخدام نفاثات هوائية بحيث يتعرض الزجاج للضغط. وإذا تحطم الزجاج فيما بعد، يتسبَّب الضغط المعزز داخل الزجاج في تهشُّمه إلى أجزاء صغيرة غير مؤذية؛ وليس إلى شظايا خطيرة. والأجزاء التي تم تبريدها بالنفاثات الهوائية هي المواضع التي يتغير عندها استقطاب الضوء المنعكس من السطح الداخلي. والنظارة الشمسية المُستقطِبة التي يَرتديها سائق السيارة الخلفية تمرر جزءًا من ذلك الضوء؛ ومِن ثمَّ تكون تلك الأجزاء أكثر سطوعًا عن باقي النافذة الخلفية.

ربما يكون نسق الضغط ظاهرًا على نحو طفيف حتى من دون ارتداء نظارات شمسية مُستقطِبة إذا كان الضوء الذي يُضيء النافذة الخلفية هو ضوء سماء مُستقطَب بالأساس بدلًا من أشعة الشمس المباشرة غير المُستقطَبة. وعندما يمر الضوء المُستقطب عبْر النافذة لينعكس على السطح الداخلي، يمر جزء من الضوء عبْر الأجزاء المضغوطة ويتغيَّر اتجاه استقطابه. وتختلف حدة انعكاسات هذا الضوء والضوء الثابت المُنبعث من باقي السطح الداخلي؛ ومِن ثمَّ يَستطيع سائق السيارة الخلفية أن يرى النسق على النافذة الخلفية. ويُمكن رؤية نسق مُشابه على نافذة الطائرة أيضًا.

(١٣٠) رغوة عديمة اللون ومسحوق ناعم

لماذا تكون رغوة الجعة بيضاء اللون بدلًا من أن تكون صفراء أو داكنة كأغلب سائل الجعة الموجود في الزجاجة؟ لماذا تفقد أغلب المواد الملوَّنة لونها عندما تُطحَن وتتحول إلى مسحوق؟ لماذا يكون الزجاج الصافي شفافًا بينما الزجاج المهشَّم لا يكون كذلك؟ لماذا تكون حبيبة واحدة من الملح شفافة ولكن طبقة حبيبات الملح لا تكون كذلك؟

الجواب: الضوء المار عبْر الجعة الصفراء يفقد جزءًا من الألوان غير الصفراء نتيجة لامتصاص الجزيئات الموجودة في الجعة. وفي حالة الجعة الداكنة، يحدث المزيد من الامتصاص. ورغوة كلا النوعَين من الجعة تكون بيضاء اللون؛ لأن أغلب أشعة الضوء تَنعكس من الفقاعات الكثيرة الموجودة على السطح وتتفادَى الامتصاص الذي يحدث داخل السائل نفسه. (على الرغم من أن الطبقات الرقيقة المُتكوِّنة على هذه الأسطح قد يظهر عليها ألوان متداخلة باهتة عند النظر إليها عن قرب، وهذه الألوان تتداخَل عادة لينتج عنها الضوء الأبيض عند رؤية الجعة من مسافة عادية.)

ويأتي لون أغلب المواد الصلبة من الامتصاص الانتقائي للألوان الأخرى داخل الجزء الأكبر من المادة. وعندما تُطحَن المادة، يَنتشر الضوء العارض المنبعث من الأسطح المُتعدِّدة الناجمة عن عملية الطحن، والقليل من الضوء الذي تراه يخترق حبيبات المسحوق يحدث له امتصاص انتقائي. فإذا أنار ضوء أبيض الحبيبات، يتشتَّت الضوء الأبيض ويصل إليك.

يكون لوح الزجاج شفافًا بسبب ترتيب الجزيئات داخله. فعلى كلا السطحَين، يَنعكِس جزء من الضوء، إلا أنَّ أغلبه ينفذ عبْر الجزء الداخلي من الزجاج. ويُشتِّت كل جزيء موجود على السطح الداخلي الضوء النافذ في جميع الاتجاهات، إلا أن الضوء الذي يُشتت في الاتجاه الأمامي فقط يحدث له تداخل بنَّاء (فالموجات تُعزِّز بعضها بعضًا). في حين أن الضوء المُشتَّت في الاتجاهات الأخرى يحدث له تداخل هدَّام (تنحو المَوجات إلى إلغاء بعضها البعض).

وإذا تهشم الزجاج وتجمعت شظاياه على هيئة كومة، ينعكس الضوء عدة مرات من الأسطح المتعدِّدة للشظايا، وتنتهي الحال بارتداد قدر كبير من الضوء من كومة الشظايا. ينعكس وينكسر شعاع الضوء الذي استطاع النفاذ عبْر الكومة عدة مرات؛ ومِن ثَمَّ إذا اعترضت عينك سبيل هذا الضوء، فإنها تَعجز عن تكوين صورة لمصدر الضوء الأصلي؛ ومِن ثَمَّ لا يكون الزجاج المكسور شفافًا.

ولأسباب مُماثلة، حُبيبة الملح الواحدة تكون شفافة، أما كومة الحُبيبات يكون لها عدة أسطح، ولذا يتعذر أن تكون شفافة.

(١٣١) القماش المخملي الأسود اللامع، والورنيش اللامع

لماذا يكون القماش المخملي الأسود ذا جانب لامع وجانب منطفئ؟ بما أن المواد ذات اللون الأسود تمتصُّ جميع الألوان، كيف يكون القماش المخملي الأسود لامعًا؟ لماذا يكون الورنيش لامعًا؟ لماذا تُصقَل المرايا بطبقة معدنية وليس طبقة ورقية مثلًا؟

الجواب: الجانب اللامع من القماش المخملي الأسود يكون ذا نسق مُنتظِم من التجاعيد المُتوازية. فإذا نظرت إلى القماش مِن على مستوًى عمودي على طول التجاعيد، يَنعكس الضوء من جانبها نحوك. ويكون القماش لامعًا بأقصى درجة عندما تنظر إليه من هذا الاتجاه في مواجهة مصدر الضوء. وعلى الرغم من أن الصبغة الموجودة داخل النسيج تمتصُّ بعض الضوء، ينعكس القدر الكافي من الضوء بفعل النسق الموحَّد للتجاعيد الذي يجعل القماش لامعًا. ويفتقد الجانب المنطفئ إلى هذا النسق الخاص بالتجاعيد. يتشتَّت الضوء الواقع على القماش في عدة اتجاهات بفعل الخيوط، مُزيلًا بذلك احتمالية الانعكاس الساطع في أي اتجاه واحد بعينه.

يُعزى لامعان الورنيش والطلاء إلى انعكاس الضوء الساطع، الشبيه بانعكاس المرآة، على السطح الخارجي. وفي حالة الطلاء اللامع جزئيًّا، ينفذ بعض الضوء إلى طبقة الطلاء حيث تتشتَّت الأشعة في عدة اتجاهات من الأصباغ التي يحتوي عليها الطلاء. وهذا المزيج من الضوء المُشتَّت والضوء المنعكس من الطبقة الخارجية يُقلِّل الوهج المنبعث من الطلاء.

كلا السطحين الورقي والمُغطى بطبقة معدنية بهما بروزات غير متساوية، إلا أن هذه البروزات تكون صغيرة على الطبقة المعدنية مقارنة بالطول الموجي للضوء. وكنتيجة لذلك، يُكوِّن الضوء المُشتَّت بفعل الطبقة المعدنية صورة في عينك. أما البروزات الموجودة على السطح الورقي فتكون أكبر وتشتِّت أشعَّة الضوء في عدة اتجاهات لدرجة أنها لا تكوِّن صورة في عينك؛ ومِن ثَمَّ المرآة التي تنظر إليها في أثناء تصفيف شعرك تكون مصقولةً بطبقة معدنية لا ورقية.

(١٣٢) الألوان المُنعكسة من الزجاج الأخضر والقماش المَخملي الأخضر

إذا نظرت عبْر طبقة من الزجاج الأخضر إلى السلك الموجود داخل مصباح متوهِّج فسترى، بالطبع، ضوءًا أخضر اللون. ما الذي سيحدث إذا نظرت إلى السلك عبْر ثلاث طبقات أو أكثر من الزجاج الأخضر؟

إذا فردتَ قطعة قماش مخملي أخضر اللون، فسترى أن القماش لونه أخضر. ماذا سترى إذا طويت القماش المخملي إلى ثنايا؟ لماذا تلمع أطراف الثنايا (الجزء الخارجي من الثنايا) على نحوٍ ساطع دون أن يَظهر عليها أيُّ ألوان؟

إذا كان أحدهم يَرتدي ملابس بها أجزاء من القماش المخملي، لماذا تبدو بعض الأطراف خضراء (كالمعتاد) بينما تبدو أطراف أخرى بيضاء اللون؟

الجواب: بالنسبة إلى الكثير من أنواع الزجاج الأخضر (ولكن ليس بالضرورة جميع الأنواع)، اللون الذي تراه أثناء النظر عبْر الزجاج يتوقَّف على سُمك الزجاج. فعبر طبقة واحدة، ترى الضوء الأخضر أولًا، إلا أنَّ قدرًا من الضوء الأحمر ينفذ عبْر الزجاج أيضًا. وحين يَزيد سمك الزجاج من خلال إضافة المزيد من الطبقات، تقلُّ حدة انتقال كلا الضوءَين الأخضر والأحمر؛ إلا أن الضوء الأخضر يقلُّ على نحوٍ أسرع من الأحمر. ومع وجود ثلاث طبقات، قد تجد أن الضوء ضارب إلى البياض، لأنَّ شدة الضوءَين الأخضر والأحمر تكون حينئذٍ متساوية تقريبًا ويُرى المزيج على أنه لون أبيض. ومع وجود المزيد من الطبقات، تهيمن شدة الضوء الأحمر وترى ضوءًا به مسحة ضاربة إلى الحُمرة.

وتتحقَّق نتيجة مشابهة مع القماش المخملي أخضر اللون، الذي يَعكِس في الأصل الضوء الأخضر وكذلك قدرًا معينًا من الضوء الأحمر. عندما يكون القماش مفرودًا، ينعكس الضوء الذي يصل إليك من القماش المخملي مرةً واحدة وترى اللون الأخضر. ولكن عندما يُطوى القماش المخملي في صورة ثنايا، يَنعكِس الضوء الذي يصل إليك مرتَين أو أكثر داخل هذه الثنايا. ومع كل انعكاس، فإن شدة الضوء الأخضر والأحمر تَقِل؛ إلا أن شدة الضوء الأخضر تقلُّ على نحو أسرع. وإذا انعكس الضوء بالقَدرِ الكافي داخل الثنايا، يَصير اللون ضاربًا إلى الحمرة.

وعندما تَنظُر إلى قطعة قماش مخملي مُسلَّط عليها ضوء أبيض، فأنت تعترض الكثير من الضوء الذي يتشتَّت من الأطراف الخارجية للنسيج المخملي، وذلك الضوء لا يَفقِد الكثير بفعل الامتصاص لأنه يتشتَّت مرةً واحدة فقط؛ ومِن ثمَّ يظلُّ ضوءًا ساطعًا وأبيض اللون. ويصير الضوء، الذي يَخترق القماش المخملي وينبعث منه، أخضر اللون وأغمق عن باقي القماش. وعند الرسم على القماش المخملي أو ثنايا القماش، تُصبَغ الأطراف بخط أبيض ناصع لتصوُّر اللمعان الذي يراه الفنان، مقارنةً باللون الأغمق الذي تراه على باقي القماش المخملي.

(١٣٣) البشرة المتورِّدة والنضارة الواضحة

تستطيع أن تُخمِّن ما إذا كانت بشرة شخص ما، طفل مثلًا، نضرة أم لا من خلال الاستدلال بمؤشِّر بصري، لا سيما حين يَنعكِس مصدر الضوء من خلف هذا الشخص على البشرة ويرتد إليك. وقد تفتقد المحاكاة الحاسوبية للأشخاص إلى هذا المؤشر، وحينئذٍ قد تبدو البشرة جامدة، مما يُوحي أنها مجرد محاكاة وحسب. وتلاحظ نفس نوعية المؤشِّر البصري للنضارة حين تنظر إلى ثمرة خوخ ناضِجة في ضوء قادم من الخلفية، وهو أمر مختلف على نحو جدير بالملاحظة عن ثمرة الدراق مثلًا، ونتيجة لذلك ترى أن ثمرة الخوخ نضرة أكثر. ما هو المؤشِّر البصري؟

الجواب: المؤشِّر الخاص بنضارة البشرة هو كمية الضوء القليلة التي تتشتَّت على الحافة الخارجية لرؤيتك لشخص ما، سواء على الطبقة الخارجية للبشرة أو (الأفضل) الشُّعيرات المنبثقة من البشرة. حتى حين تبدو البشرة ملساء، فلا بد أن بها شعيرات قصيرة ملساء لا تُرى بالعين المجرَّدة حين تنظر إليها مباشَرة. ورغم ذلك، حين يَنعكِس مصدر الضوء القادم من خلف الشخص على البشرة ويرتدُّ إليك، يَنتشِر جزء من الضوء القادم من الحافة الخارجية لرُؤيتك من تلك الشعيرات، مما يعطي بريقًا نضرًا لتلك الحافة. وأنت ترى هذا البريق باعتباره مؤشرًا على النضارة. والحافة التي لا يَنعكِس عليها بريق تكون أكثر حدَّة ومحدَّدة على نحو أفضل؛ ومِن ثَمَّ تبدو «جامدة».

يُعطي الزغب الدقيق الذي يَبرُز من ثمرة الخوخ وهجًا ناضرًا حول حافة الثمرة تحت الإضاءة المناسبة، مما يجعل الثمرة تبدو نضرة. أما ثمرة الدراق، التي تَفتقِر إلى هذا الزغب، فتبدو جامدة. وانتشار الشعيرات الملساء على بشرة بعض الشابات يُعطيهنَّ مظهرًا نضرًا حتى إنهن يتَّصفْن بأنهن يتمتَّعن ﺑ «بشرة نضرة كالخوخ».

وفي تأثير ذي صلة، إذا وقف أحدهم أمام مصدر الضوء، الشمس مثلًا، يُمكنك أن ترى وهجًا مثيرًا على الطبقة الخارجية من الشعر الموجود أعلى الرأس.

(١٣٤) حفلات كعك التوينكي وهلام الفازلين

في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يُقال إنَّ بعض الحفلات الطلابية تُقام على الأضواء السوداء (الأشعة فوق البنفسجية) المنبعثة من مصابيح الإضاءة فوق البنفسجية. يُلطِّخ المشاركون أجسادهم بهُلام نفطي من الفازلين أو بكريمة حشو كعكة التوينكي. ولعلهم يتناولون ماء التونيك، الذي يَحتوي على وهج أزرق غريب. لماذا ينتج وهج عن هذه المواد تحت الأشعة فوق البنفسجية؟

الجواب: تُشعُّ بعض المُكوِّنات التي يحتوي عليها الهلام النفطي وكريمة حشو كعك التوينكي من خلال امتصاص الأشعة فوق البنفسجية وإطلاق ضوء مرئي عند الطرف الأزرق للطيف المرئي. أشك أن المكوِّن عبارة عن هيدروكربون عطري. يُستخدم الفازلين باعتباره مادة مُثبتة لبعض الهيدروكربونات العطرية الأخرى على الأجسام التي يُريد رجال الشرطة تعقُّبها بينما يَتداولها المُجرمون. يُدهَن الجسم عشوائيًّا ببقع من الفازلين، ويُمكن التعرف على المركبات الهيدروكربونية العطرية لاحقًا عندما تُضيء البُقع بالأشعة فوق البنفسجية. يتوهج ماء التونيك باللون الأزرق تحت الإضاءة السوداء لأنه يحتوي على مركب الكينين، الذي يمتص الأشعة فوق البنفسجية ثم يشعُّ الضوء الأزرق.

(١٣٥) لون اللحم

لماذا يكون لون السطح الخارجي للَّحم البقري الطازج أحمر زاهيًا بينما يكون لون الأجزاء الداخلية أحمر مائلًا للأُرجواني؟ لماذا يتحوَّل لون الأجزاء الداخلية للحم المشوي إلى الأحمر الزاهي عند طهْوه بدرجة قليلة النضج ويتحوَّل لونُه إلى البُني عند طهوه بدرجة شديدة النضج؟ لماذا تُغطَّى لفائف لحم الخنزير المقدَّد والمُدخَّن واللحم البقري المحفوظ جزئيًّا بالكارتون أو تُحفَظ في المخزن بحيث يكون اللحم بعيدًا عن الإضاءة؟ لماذا يظهر على اللحم المقدد أحيانًا طبقة صفراء أو خضراء فلوريسنتية؟ ما سبب ظهور التقزُّح اللوني أحيانًا على اللحم؟

الجواب: يُعزى لون اللحم في أغلبه إلى صبغة الميوجلوبين المسئولة عن نقل الأكسجين من الرئتين، في الحيوانات الحية، إلى اللحم بواسطة الهيموجلوبين الموجود في الدم. عند ذبح الحيوانات، ينقطع إمداد الأكسجين ويتحوَّل الميوجلوبين إلى اللون الأحمر المائل إلى الأرجواني. وبمجرد أن يتم تقطيع اللحم وعرضه في الهواء، يتَّحد الأكسجين الموجود في الهواء مع الميوجلوبين الموجود على السطح المكشوف، مكوِّنًا الأوكسيميوجلوبين ذي اللون الأحمر الزاهي. وتحت السطح قليلًا، حيث يكون الأكسجين موجودًا ولكنه أقل وفرةً، يتفكك الأوكسيميوجلوبين ويتأكسد الحديد الموجود داخله ويتحول إلى حديد ثلاثي التكافؤ (حديديك). يكونُ لون المركَّب الناتج، المسمى متميوجلوبين، أحمر مائلًا إلى البُنِّي. وعند طبقة أعمق من اللحم؛ حيث توجد كمية أقل من الأكسجين، يظلُّ لون الميوجلوبين أحمر مائلًا إلى الأرجواني. ويعرض الجزار اللحم عادةً في لفائف مُثقبة ينفذ من خلالها الهواء لكي يكون لون السطح الخارجي للحم أحمر زاهيًا، وهو ما يُوحي للزبون بأن اللحم طازج.

وعند تسخين اللحم، يتَّحد الميوجلوبين داخل أغلب أجزاء اللحم مع الأكسجين ليُكوِّن الأوكسيميوجلوبين ذا اللون الأحمر الزاهي. (ومِن ثَمَّ، إذا قطَعْتَ قطعةَ لحم مشوية بدرجة قليلة النضج، يكون لون الجزء الداخلي أحمر زاهيًا بسبب هذا التغير.) وفي الوقت نفسه، تتغير خواص الميوجلوبين الموجود في الجزء الخارجي من اللحم، ويبدأ عنصر الحديد في التأكسد، مما يجعل لون الجزء الخارجي بُنيًّا. وإذا استمر التسخين، يمتد هذا التغير في اللون إلى الأجزاء الداخلية.

وفي حالة اللحوم المقدَّدة، مثل لحم الخنزير المقدَّد والمُدخَّن واللحم البقري المحفوظ، يتحَّد أحادي أكسيد النيتروجين مع الميوجلوبين ليُكوِّنا الميوجلوبين أحادي أكسيد النيتروجين المركب، ذي الصبغة الوردية. وإذا وُضع اللحم تحت الإضاءة أثناء تعرضه للأكسجين، يفكك الضوء أحادي أكسيد النيتروجين ليُكوِّن المتميوجلوبين ذا اللون الأحمر المائل للبُنِّي. وأحيانًا يتأكسد جزء آخر من المركب، ليُكوِّن صبغة صفراء أو خضراء مشعة. ولتفادي هذا التغير البغيض في اللون، تُوضع لفائف اللحم المقدد في المخازن لوقايتها من الضوء. وبدلًا من ذلك، يمكن وضعها في لفائف محكمة الغلق ومفرغة من الهواء للتخلُّص من الأكسجين.

ويُعزى التقزُّح اللوني في اللحم النيِّئ أو المطبوخ إلى حدوث تداخُل في الضوء الذي يُشتَّت بفعل اللُّيَيْفَات العَضَلِيَّة (وهي عبارة عن ألياف عضلية) عند السطح الخارجي للحم أو أسفله مباشرةً. وعندما يقع الضوء على نحوٍ عمودي على اللُّيَيْفات العضلية، يتداخل الضوء المشتَّت عند نقطة ما مع الضوء المُشتَّت عند نقطة أخرى، مع حدوث تداخُل بنَّاءٍ عادةً للضوء الأخضر. ويَحدُث التقزُّح اللوني بالأساس في الجزء الأخضر من الطيف المرئي، بسبب حدوث جفاف للسطح الخارجي. والأمر ليس مرتبطًا بالضرورة بحدوث تلوُّث بكتيري للحم ولا يعني بالضرورة أن اللحم قديم وغير صالح للاستهلاك الآدمي.

(١٣٦) كأس الجعة الصغير

لماذا تكون كأس الجعة ذات جدار سميك ومُستدقٍّ وقاعدة سميكة؟ ربما يرجع السبب وراء هذا التصميم جزئيًّا إلى إضفاء شعور ﺑ «الثِّقَل والامتلاء»، ولكن كيف يُمكن لهذا التصميم أن يصنع خدعة بصرية بأن الكأس تحتوي على كمية من الجعة أكبر مما هي عليه بالفعل؟

fig171
شكل ٦-٤٨: بند ٦-١٣٦: منظر علوي لكأس الجعة يُعطي انطباعًا وهميًّا باحتوائها على كمية كبيرة.
الجواب: يَصنع الجدار السميك لكأس الجعة خدعة بصرية بسبب أن انكسار الضوء يحدث عند مروره من الجعة عبْر الزجاج ثم إلى الهواء. على سبيل المثال، ينكسر الشعاع القادم من أقصى يسار سائل الجعة نحو مركز رؤيتك للكأس (شكل ٦-٤٨). وعندما ترى الشعاع، فأنت تتخيَّل امتداده في خطٍّ مُستقيم عائدًا إلى الكأس وتَستنتِج أنه يمتد إلى اليسار أكثر مما هو عليه بالفعل؛ ومِن ثمَّ تبدو كمية الجعة في الكأس أكبر مما هي عليه فعلًا. وقد يُغير سُمْك الزجاج وتقوُّسه من العمق الظاهري لكأس الجعة. وفي الحالات القصوى، ربما يكون محتوى الكأس الفعلي نصف كمية المحتوى الظاهري.

(١٣٧) ناصعة البياض

ذات مرة ادَّعت إحدى الإعلانات الشهيرة لمسحوق غسل بأن المُنتَج يجعل الملابس البيضاء «ناصعة البياض». ماذا تعني هذه العبارة؟

الجواب: يترك مسحوق الغسل مُنصِّعات فلورية في الملابس تُغيِّر قدرًا من الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس إلى أشعة زرقاء، ومِن ثَمَّ تزيد كمية الضوء المرئي المنبعثة من الملابس. تكون الملابس «ناصعة البياض» بمعنى أن الملابس تُشعُّ قدرًا إضافيًّا من الطيف المرئي.

والمُنصِّع ضروري لأنَّ مسحوق الغسل يترك صبغة صفراء على الملابس. تمتصُّ الصبغةُ الضوء الأزرق. ومن دون المنصِّعات، ستصفرُّ الملابس البيضاء بمجرد أن تُغْسَل. وقبل إضافة المنصِّعات إلى مساحيق الغسل، كانت المساحيق تحتوي على صبغة زرقاء بالإضافة إلى الصبغة الصفراء. ووجود كلتا الصبغتَين على الملابس كان يسفر عن إزالة اللون تقريبًا من الملابس البيضاء، إلا أنهما كانتا تتركان لونًا رماديًّا باهتًا غير مُستحَب.

(١٣٨) اختفاء العملة المعدنية

ضع عملة معدنية في برطمان مُمتلئ بالماء، واضبط خطَّ رؤيتك بحيث ترى صورة للعملة المعدنية عبْر السطح العلوي للماء، كما هو مبين في شكل ٦-٤٩. إذا وضعت يدك عند أقصى طرف البرطمان، فإنَّ الصورة لا تتغيَّر. ورغم ذلك، إذا كانت يدك مُبلَّلة، تختفي الصورة. لماذا يُخفي البلل صورة العملة؟
fig172
شكل ٦-٤٩: بند ٦-١٣٨: عملة معدنية تُرى عبْر سطح الماء داخل البرطمان.
الجواب: العملة المعدنية تكون واضحةً في البداية لأنك ترى بعض الضوء القادم منها عبْر الانعكاس على السطح الخارجي عند أقصى طرف البرطمان. إذا وضعت يدك الجافة على منطقة الانعكاس، لا يتغيَّر الانعكاس لسببين؛ أولًا: لأن يدك تلامس الزجاج بعض الشيء. وثانيًا: لأن قدرًا ضئيلًا من الضوء يَنفُذ عبْر جلدك. ورغم ذلك، إذا كانت يَدُك مبتلَّة، تكون درجة تلامس المياه بالزجاج كبيرة. وعلاوة على ذلك، عند موضع التلامس، قد ينفذ قدر كبير من الضوء من الزجاج إلى المياه؛ لأن الخواص البصرية لكلا الوسطَين مُتقاربتان. ومِن ثَمَّ يُفقَد معظم الضوء الذي كان يَنعكِس من قبل عند أقصى طرف للبرطمان عبْر المياه الموجودة على يدك؛ ومِن ثَمَّ تختفي صورة العملة المعدنية.

(١٣٩) النظارات الشمسية والضباب

إذا ارتديت نظارة شمسية مُستقطِبة في أثناء مشاهدة جبل مغطًّى بالضباب خلفه سماء صافية، ربما في إمكانك أن تجعل الجبل يَظهر ويختفي من خلال إمالة رأسك والنظارة الشمسية. وقد تختفي الكثير من المعالم الموجودة على الجبل وتظهر أيضًا. ما سبب حدوث هذه التغيرات؟

الجواب: عندما تُشاهد جبلًا مُغطًّى بالضباب خلفه سماء صافية، فأنت ترى ثلاثة مصادر للضوء: أولًا: الضوء المشتَّت عبْر جزيئات الهواء الموجودة في السماء الموجودة بالخلفية (هذا الضوء يكون مُستقطَبًا). ثانيًا: الضوء المُشتَّت بفعل جسيمات الضباب الموجودة بينك وبين الجبل (وإذا كان قُطْر الجُسَيمات يتراوح بين ٠٫٥ و٥٫٠ ميكرونات، يكون الضوء مُستقطَبًا جزئيًّا في نفس اتجاه الضوء القادم من السماء الموجودة في الخلفية). ثالثًا: الضوء المُنعكِس من معالم السطح على الجبل (يكون هذا الضوء مُستقطَبًا على نحو ضعيف في عدد كبير مِن الاتجاهات). ويتوقَّف مدى الضوء الذي تراه من هذه المصادر على اتجاه النظارة الشمسية المُستقطِبة.

هب أن جسيمات الضباب تحظى بالقطر المذكور مداه آنفًا. إذا أملتَ رأسك والنظارة الشمسية نحو اليسار أو اليمين حتى تكون السماء الموجودة في الخلفية ساطعةً بأقصى درجة، تنفذ النظارة الشمسية الضوء من جميع المصادر الثلاثة. ورغم ذلك، ينفذ الضوء المُستقطَب المشتت جزئيًّا بفعل جسيمات الضباب عبْر النظارة الشمسية بصورة جزئية فقط. ما تراه هو الحدود الخارجية المعتمة مقارنةً بالسماء الساطعة. تكون درجة التباين كافية بالنسبة إليك لكي ترى الجبل، إلا أن الضوء الخافت المُشتَّت بفعل الضباب لا يزال ساطعًا بالدرجة الكافية ليَحجُب معالم السطح على الجبل.

والآن، إذا أملت رأسك والنظارة الشمسية بزاوية ٩٠ درجة (إما عن يمينك أو يَسارك، أو العكس، في أي اتجاه تشعر فيه بالراحة)، فستَحجُب النظارة الشمسية الضوء كله القادم من السماء الموجودة في الخلفية ومُعظَم الضوء القادم من جسيمات الضباب. ولعلك تستطيع أن تُميِّز معالم السطح التي تكون موجَّهة لتَعكِس الضوء المُستقطَب الذي قد ينفذ عبر النظارة الشمسية.

(١٤٠) سطوع المحيط

افترض أن السماء صافية وأنك تركب قاربًا فوق مياه المُحيط حيث الأمواج معتدلة. أين يكون الماء في أشد درجات سطوعه، تحتك مباشرة بينما تنظر إلى الأسفل إليه أم على امتداد الأفق؟ أين ترى بالأساس انعكاسات ضوء الشمس المباشر أو السماء؟ أين يُمكنك أن تكون قادرًا على رؤية الأجسام المَغمورة بالمياه؟

الجواب: ثمَّة ثلاثة مصادر للضوء يُمكن المقارنة بينها؛ بريق ضوء الشمس المُنعكِس من الماء، وضوء السماء المنعكس من الماء، والضوء الصاعد من أسفل سطح الماء. دائمًا ما يكون المحيط في أكثر درجات سطوعه على امتداد الأفق؛ لأنَّ انعكاس ضوء السماء هناك يكون بزاوية مائلة بحيث لا يضيع الكثير من الضوء في الماء. وبينما تُوجِّه نظرك إلى الداخل، يدخل المزيد من ضوء السماء المنعكس إلى الماء نتيجة للزوايا الأكثر انحدارًا.

المنطقة التالية من حيث السطوع هي الخاصة ببريق ضوء الشمس، والتي تتحدَّد بواسطة ارتفاع الشمس في السماء. تتحرَّك منطقة البريق نحوك من الأفق الشرقي خلال شروق الشمس، وتكون أسفلَكَ أو بالقُرب منك حين تكون الشمس في أعلى نقطة في السماء، وتتحرَّك مُبتعدةً عنك نحو الأفق الغربي خلال غروب الشمس.

وعلى مبعدة منطقة البريق وعلى مسافة أقرب إليك من الماء البعيد، ربما يُهيمِن الضوء الصاعد على الضوء الذي تعترضه من مناطق معينة. وفي تلك المناطق ربما تكون قادرًا على رؤية الأجسام المغمورة بالمياه.

(١٤١) شريط أزرق على أفق البحر

عادةً ما يبدو جزء من البحر أسفل الأفق مباشرة بلون أزرق أو رمادي أكثر قتامةً من بقية البحر أو من جزء السماء الذي يعلو الأفق مباشرة. وفي يوم صافٍ يشبه هذا الجزء من البحر شريطًا أزرق. ويَختفي الشريط الأزرق إذا ما استلقَيتَ على الشاطئ أو ارتفعت عنه ارتفاعًا كبيرًا. فما الذي يُنتِج الشريط الأزرق؟

الجواب: عندما تنظر إلى سطح الماء أسفل الأفق مباشرة، فعادةً ما ترى انعكاسًا للسماء يَعلو الأفق بنحو ٣٠ درجة (انظر الجواب السابق). وعندما تكون السماء صافية، يكون ذلك الجزء من السماء أكثر زرقة من السماء عند الأفق، والتي تكون عادة بيضاء، والتباين بين الأفق الأبيض والانعكاس الأزرق يجعل اللون الأزرق ملحوظًا. وإذا كان الجزء المنعكس من السماء رماديًّا، حينها يكون الشريط رماديًّا، ويتباين بالمِثل مع الأفق الأبيض المُتاخِم. يختفي الشريط الأزرق أو الرمادي حين تستلقي على الشاطئ لأن الأمواج الآتية تحجب رؤية البحر أسفل الأفق مباشرة. كما أنهما يَختفيان إذا ارتفعت عن مستوى الشاطئ، غير أنني لا أعرف السبب يقينًا.

(١٤٢) حلول الظلام بشكل مباغت

لماذا يكون غروب الشمس في المناطق الاستوائية أسرع منه عند دوائر العرض المُرتفعة؟

الجواب: زمن الشفق هو الزمن المُنقضي بين بداية غروب الشمس والوقت الذي يكون فيه مركز صورة الشمس أسفل الأفق بزاوية معيَّنة. (في حالة «الشفق المدني» تكون الشمس أسفل الأفق ﺑ ٦ درجات، وفي حالة «الشفق البحري» تكون أسفل الأفق ﺑ ١٢ درجة، وفي حالة «الشفق الفلكي» تكون أسفل الأفق ﺑ ١٨ درجة.) وتعتمد السرعة التي تتحرَّك بها الشمس بين هاتين النقطتين على الكيفية التي يتقاطع بها مسارها الظاهري عبْر السماء مع الأفق. عند دوائر العرض المنخفضة يكون المسار رأسيًّا أو نحو ذلك؛ ومِن ثمَّ تتحرك الشمس بسرعة بين الموضعَين، وهو ما يؤدي إلى شفق قصير. وعند دوائر العرض المرتفعة يتقاطع مسار الشمس مع الأفق بزاوية صغيرة؛ ومِن ثمَّ تتحرَّك الشمس بين الموضعَين على امتداد مسار منحرف، وهو ما يؤدي إلى شفق طويل.

(١٤٣) خطوط التكثُّف الملونة

عادةً ما تكون خطوط التكثُّف (آثار تكثف الماء التي تخلفها الطائرات) بيضاء. لماذا تكون ملونة أحيانًا؟ وكيف يُمكن للجزء الملون من خط التكثُّف أن يتحرَّك خلف الطائرة مباشرة؟ فعلى أي حال، القطرات التي تتألَّف منها خطوط التكثُّف لا تتحرك بتلك السرعة.

الجواب: بينما تتشكل القطرات ثم تنمو عن طريق امتصاص الماء من الهواء، فإن باستطاعتها المرور بنطاق حجم معين تقوم فيه بفصل الألوان الموجودة في ضوء الشمس نتيجةً للحيود (نوع من التشتت). وبمجرد أن تنمو القطرة لأكبر من حدٍّ معيَّن، تختفي الألوان. وهكذا يمكن أن يوجد موضع معين وراء الطائرة يُميِّز المكان الذي يتسبب فيه نمو القطرات في إحداث خطِّ التكثُّف الملون. تكون القطرات القريبة من الطائرة أصغر من أن تنتج هذا الخط، بينما القطرات الأبعد من هذا الموضع تكون أكبر من أن تنتجه.

(١٤٤) السحب الصدفية

للسحب الصدفية (التي تسمى أيضًا سحب الستراتوسفير القطبية) ألوان جميلة بالغة الرقة. وهي نادرة الوجود ولا تُرى عادةً إلا على ارتفاعات عالية وقبل شروق الشمس وبعد غروبها بقليل. ويعني توقيت ظهورها هذا أنها لا بد أن تكون على ارتفاعات عالية بحيث تظلُّ مُضاءة بضوء الشمس بينما الأرض من أسفلها مظلمة. إن السحب العادية الأكثر انخفاضًا تظهر الألوان على امتداد حافاتها فقط أو حين تقع أمام الشمس أو القمر، بينما بمقدور السحب الصدفية أن تُظهر ألوانًا عديدة مُبهِرة حتى حين تكون بعيدة عن الشمس بزاوية تصل إلى ٤٠ درجة.

ما الذي يُفسِّر ألوان السُّحُب الصدفية؟ وإذا كانت الألوان راجعة إلى قطرات الماء، فكيف يمكن أن يوجد ماء سائل في البيئة شديدة البرودة (نحو سالب ٨٠ درجة مئوية) عند الارتفاعات التي توجد بها هذه السحب؟

الجواب: تُعزَى ألوان السحب الصدفية إلى تشتُّت ضوء الشمس وانفصال الألوان بواسطة القطرات الصغيرة للماء وثلاثي أكسيد الكبريت داخل السحب. باستطاعة قطرات الماء الصافي الضئيلة الحجم البقاء في حالة سائلة حتى درجة حرارة تبلغ سالب ٤٠ درجة مئوية. لكن عند إدخال ثلاثي أكسيد الكبريت، باستطاعة القطرات البقاء عند درجات حرارة أقل كثيرًا، مثل تلك الموجودة على ارتفاع ١٨ إلى ٢٢ كيلومترًا؛ حيث تتكون السحب الصدفية. إذا جمعت القطرة الموجودة داخل السحابة الصدفية مزيدًا من الماء تدريجيًّا ومِن ثَمَّ نمَت في الحجم، فسيبدأ التجمُّد لا محالة، ولا يعود بوسع القطرة الإسهام في عملية فصل الألوان التي تقوم بها السحابة. يُعتقَد أن هذه القطرات المتجمِّدة تُشكِّل الذيل الأبيض الممتد من السحب الصدفية.

(١٤٥) ضوء الشفق الأرجواني

ما الذي يتسبَّب في ضوء الشفق الأرجواني الذي يظهر على نحو وجيز في سماء الغرب فوق الموضع الذي غربت فيه الشمس بعد الغروب بفترة تتراوَح بين ١٥ و٤٠ دقيقة، بعد أن تكون ألوان الغروب الأخرى قد اختفَت؟ هل الآلية نفسها مسئولة عن الضوء الأرجواني الثاني غير المعتاد، والذي يَظهر بعد مرور ساعتَين على الغروب؟ كيف يُمكن للشَّمس أن تُواصِل إمداد الضوء لسماء الغرب لهذا الوقت الطويل بعد الغروب؟

الجواب: ضوء الشفق الأرجواني هو مزيج من الضوء الأحمر المُشتَّت بواسطة الهواء مُنخفِض الارتفاع والضوء الأزرق المتشتِّت بواسطة الهواء عالي الارتفاع. الجزء الأحمر هو ضوء الشمس الذي يحف انحناء الأرض، ويمرُّ عبر الهواء المُنخفِض الكثيف. وخلال هذا الطريق يَفقِد الضوء كثيرًا من لونه الأزرق بسبب تشتُّت الهواء. وحين يتشتَّت الضوء في النهاية إليك، يُهيمِن عليه اللون الأحمر. أما الجزء الأزرق فهو ضوء الشمس الذي يسلك طريقًا طويلًا عبْر طبقة الأوزون المُرتفعة، وخلال هذا الطريق يفقد الضوء الكثير من لونه الأحمر نتيجة امتصاص جزيئات الأوزون له. وحين يتشتَّت الضوء إليه في النهاية، يُهيمِن عليه اللون الأزرق. وبهذا، حين تنظر إلى السماء فوق المَوضِع الذي غربت فيه الشمس ستَحصُل على مزيج من اللونين الأحمر والأزرق وتُدركه على أنه لون أرجواني. وفي بعض المواقع يُمكن لهذا الضوء الأرجواني أن يُضيء قمم الجبال بعد غروب الشمس، وهو ما يعرف باسم «الشفق الألبي».

ليس ضوء الشفق الأرجواني الثاني مفهومًا جيدًا. وربما يكون راجعًا إلى الضوء الذي يتشتَّت من طبقة جسيمات عالية لا يزال ضوء الشمس يضيئها بعد الغروب بوقت طويل. تقع مثل هذه الطبقة الرقيقة على ارتفاع ٨٥ كيلومترًا وتتألَّف من حطام المذنَّبات والكُويكِبات الذي تعترضه الأرض.

(١٤٦) تموجُّات في السماء

أفاد عدة مراقبين بوجود تموُّجات داكنة وساطعة تتحرَّك عبْر السحاب. في بعض الحالات بدَت التموُّجات عشوائية، وفي البعض الآخر بدت أشبه بالموجات.

خلال القتال بالقُرب من خط سيجفريد في الحرب العالمية الثانية، شاهدت القوات الأمريكية ظلالًا داكنة تمرُّ فوق سحب الطخرور البيضاء. كانت هذه الظلال على شكل أقواس تقع مراكزها فوق الجانب الألماني.

فما الذي يُسبِّب هذه الظواهر؟

الجواب: ليست التموجات مفهومة جيدًا، ولكن يُعتقَد أنها ترجع إلى موجات الصوت التي تتحرَّك عبْر بلورات الجليد داخل السحب. وبما أن القوات الأمريكية لم تَسمَع صوتًا فمن المؤكَّد أن مصادر الصوت كانت بعيدة، وربما كانت مدفعيةً ثقيلة أو انفجارات ضخمة خلف خطوط العدو. من شأن موجة الصوت أن تعيد توجيه البلورات، وتغير من سطوع الانعكاس الصادر عنها. (وفق نظرية مبكِّرة فربما تتسبب موجات الصوت، بدلًا من ذلك، في تغيير مدى التكثُّف مؤقتًا داخل السحابة، وبذا تغيِّر من سطوع السحابة على امتداد شريط مُتحرِّك.)

(١٤٧) خط عبْر المطر البعيد

حين ترى مطرًا بعيدًا يهطل في ضوء الشمس المباشر، ربما تلاحظ خطًّا أفقيًّا يَفصل بين الهطول الأعلى الأكثر سطوعًا والهطول الأدنى الأقل سطوعًا. ما تفسير هذا الخط؟

الجواب: بصفة عامة، تقلُّ درجة الحرارة مع الارتفاع. ويُميِّز الخط الارتفاع الذي تذوب فيه بلورات الجليد وتصير قطرات مطر. تعكس البلورات ضوء الشمس أكثر مما تَعكِسُه قطرات المطر، وبذا تكون المنطقة فوق الخط أكثر سطوعًا من المنطقة أدناه.

(١٤٨) ليالٍ مضيئة

إذا كنت تعيش في منطقة لا تُلوِّثها في الليل الأضواء الشاردة، فربما تجد أن بعض الليالي مضيئة بشدة، حتى حين لا يكون القمر موجودًا. تبدو هذه الليالي مرتبطة بزخات الشهب، كما لو أن الشهب تجعل السماء أكثر سطوعًا. ومع ذلك فإن الشهب تَحترق لفترة قصيرة لا تفسر الضوء الإضافي. فهل هناك عامل آخر؟

الجواب: عندما يتحرك الشهاب في الغلاف الجوي على ارتفاع يبلغ نحو ٩٠ كيلومترًا، فإنه يُسَخِّن الهواء على امتداد مساره. ينتُج أكسيد النيتروجين في المناطق الساخنة، ثم يتفاعل مع الأكسجين لينتج ثاني أكسيد النيتروجين. تطلق هذه العملية ضوءًا في النطاق الأخضر والأصفر والأحمر من الطيف. والعين المُتكيفة مع الظلام حساسة لمثل هذا الضوء. وبهذا يُمكن لزخة شهب أن تجعل سماء الليل أكثر سطوعًا.

(١٤٩) الضوء البروجي والوهج المعاكس وأضواء الليل الأخرى

في السماء المُظلِمة غير المقمرة، بعيدًا عن أضواء المدينة، ربما يكون بمَقدورك ملاحظة رقعتَين مُثيرتَين للاهتمام من الضوء. «الضوء البروجي» هو مثلَّث لبني يُمكن رؤيته في الغرب بعد غروب الشمس ببضع ساعات أو في الشرق قبل شُروق الشمس. تكون المشاهَدات الليلية في أفضلها قرب الاعتدال الربيعي، وتكون المشاهَدات الصباحية في أفضلها قرب الاعتدال الخريفي. يكون المثلَّث ساطعًا بقدر سطوع مجرَّة درب التبانة، وموجهًا على امتداد المسطح الذي تدور فيه الأرض حول الشمس.

أما «الوهج المعاكس» فهو ضوء خافت يستطيع بعض الناس رؤيته في النقطة المقابلة للشمس في السماء (النقطة المقابلة تمامًا للموضع الذي تشغله الشمس). يكون الضوء خافتًا لدرجة أنك ستحتاج إلى ظروف خاصة من الظلام كي تُشاهِدَه، بعينَين مُتكيفتَين مع الظلام جيدًا. وحتى حينئذٍ ربما لا يكون بمَقدورك رؤية الضوء إلا باستخدام «الرؤية الجانبية»، التي فيها تحرك عينَيك جيئة وذهابًا عبْر السماء بدلًا من أن تُثبتهما على موضع الوهج المعاكس. في نصف الكرة الشمالي تكون المشاهدة في أفضلها في شهر أكتوبر، لأن خلفية النجوم وقتها تكون مظلمة نسبيًّا.

في بعض الأحيان شُوهدت مناطق كبيرة متحرِّكة في سماء الليل، لكنها غير مرتبطة بالشفق.

ما تفسير هذه الأضواء الليلية؟

الجواب: يَرجع سبب الضوء البروجي والوهج المعاكس إلى تشتيت ضوء الشمس بواسطة الغبار الكوكبي، الآتي على الأرجح من المذنبات. يكون التشتيت في أكثر صوره سطوعًا في الاتجاه الأمامي، وأضعف في الاتجاه الخلفي، وأضعف في حالة الزوايا الأخرى. يقع الغبار المسئول عن الضوء البروجي داخل مدار الأرض. ويُمكنك رؤية الضوء المتشتِّت عنه حين يكون في مجال رؤيتك بعيد الغروب أو قبيل الشروق، ففي كلا هاتَين الحالتَين سترى الضوء المُشتَّت إلى الأمام تقريبًا.

في مُنتصَف الليل قد تكون قادرًا على رؤية ضوء الشمس المُشتَّت عكسيًّا بواسطة الغبار الموجود في مدار الأرض. وهذا هو الوهج المُعاكِس. والأشكال الساطعة المُتحرِّكة يُعتقَد أنها وهج هوائي، قادم على الأرجح من جزيئات الهيدروكسيل الموجودة على ارتفاعات عالية والتي تَستثيرُها «موجات الكثافة» (وهي تذبذبات شبه موجية في الضغط ودرجة الحرارة، يُطلَق عليها غالبًا موجات الجاذبية) التي تتحرَّك عبْر المنطقة.

(١٥٠) انعكاسات أفق البحر

في أثناء وقوفك على شاطئ البحر، انظر إلى الانعكاسات الآتية من البحر أسفل الأفق مباشرة حين يكون البحر كثير الأمواج. إذا كان البحر عديم الأمواج فسيعكس السماء وكأنه مرآة أفقية كبيرة. ولكن نظرًا لأن الأمواج لها أسطح مائلة، فإنها تعكس أجزاءً مُتباينة من السماء. والجزء المُنعكِس من كل موجة يكون مائلًا بزاوية على المستوى الأفقي بمقدار ضعف ميل الموجة.

من الغريب أن الانعكاس الذي تراه أسفل الأفق مباشرة هو في المعتاد خاص بجزء السماء الواقع عند ٣٠ درجة تقريبًا فوق الأفق. وهذه الزاوية تُشير إلى أن الانحدار المتوسط للموجات مقداره ١٥ درجة. ومع ذلك تكشف القياسات عن أن الموجات ليس لها انحدار كبير بهذه الدرجة. فلماذا إذن يكون الانعكاس عند ٣٠ درجة تقريبًا؟

الجواب: تدبَّر أمواج البحر أسفل الأفق مباشرة. إن الأمواج الصغيرة، ذات الميول الضحلة، تعكس جُزء السماء القريب من الأفق. ورغم أن هذه الأمواج عددها وفير، فإن مساهمتها في الانعكاس الذي تراه صغيرة لأنَّ كلًّا منها لا يمتلك إلا مساحة سطح صغيرة (فهي أشبه بالمرايا الصغيرة). أما الموجات الأكبر حجمًا نوعًا ما ولها ميول متوسطة فتعكس الأجزاء الأعلى من السماء. ورغم أن تلك الموجات الأكبر حجمًا أقل عددًا من الموجات الصغيرة، فإنَّ مساهمتها في الانعكاس الذي تراه أكبر لأن كل موجة منها لها مساحة سطح كبيرة. أما الموجات الأكبر من ذلك فهي قليلة العدد للغاية لدرجة أن مساحتها العاكسة الكبيرة تكون عديمة الأهمية. وتكون النتيجة النهائية هي أن معظم الانعكاس الذي تراه يبدو كما لو أن الماء مُغطًّى بأمواج لها ميل متوسط مقداره ١٥ درجة، وهو ما يُعطي انعكاسًا للسماء مقداره ٣٠ درجة فوق الأفق.

(١٥١) استخدام كرة معدنية صلبة لتركيز الضوء

في عام ١٨١٨، قدم العالم أوجستان جان فرينل نموذجًا للموجات الضوئية في مسابقة نظمتها الأكاديمية الفرنسية. اعترض العالم سيميون دي بواسون، أحد أعضاء لجنة التحكيم، بشدة على هذا النموذج، محاولًا تَسفيهه من خلال إجراء هذه التجربة الفكرية: إذا أضيء جسم مُصمت ذو مقطع عرضي دائري (مثل عملة معدنية أو كرة) باستخدام شعاع من الضوء، افترض نموذج فرينل للموجات الضوئية أنَّ من شأن منطقة ساطعة أن تظهر في مركز الظل الذي يُحدثه الجسم على شاشة بعيدة.

رتب دومينيك إف أراجو، عضو آخر بلجنة التحكيم، لاختبار الفرضية على الرغم من الاستنتاج العبثي. ومِن المُثير للدهشة أنه وجد البقعة المركزية المضيئة. ومن قبيل المفارقة التاريخية، أن المنطقة تُعرف الآن إما باسم بقعة بواسون أو بقعة أراجو، رغم أن كلا الرجلَين كانا لا يَعتقِدان في وجودها.

ومنذ اكتشاف المنطقة، استغلَّت عدة أبحاث الأجسام المُصمَتة، مثل كرة معدنية صغيرة مأخوذة من مَحمل، لتقوم مقام العدسة لتكوين الصور. وإذا تكونت الصورة على فيلم، يمكنك أن تصنع صورة فوتوغرافية كما هي الحال باستخدام كاميرا. لماذا تتكوَّن بقعة بواسون وكيف يُمكن لشيء مثل كرة صلبة مُصمَتة أن تجبر الضوء على تكوين صورة؟

الجواب: هب أن مصدر الضوء عبارة عن نقطة ساطعة بعيدة، وأن تكوين الصورة يتمُّ من خلال كرة مُصمتة. عندما تصل موجات الضوء إلى الكرة، تَحيد الموجات حول جانبَيها، لتنتشر إلى الخارج بسرعة وصولًا إلى داخل منطقة الظل الخاصة بالكرة. إذا وضعت شاشة خلف الكرة مُباشَرة، يُكوِّن الضوء نمط حيود ضئيلًا لدوائر متحدة المركز ساطعة وقاتمة. يكون مركز النمط هو البقعة الساطعة؛ لأن الموجات المارة إلى جهة واحدة من الكرة تقطع نفس المسافة التي تقطعها إلى المركز المَوجات المارة من الجهة المقابلة، ومن ثَمَّ تصل المَوجات وهي متطاورة ويحدث لها تداخل بنَّاء.

تكون الدائرة المُعتِمة الأولى بسبب التداخل الهدَّام. لاحظ قمة الدائرة. المَوجات التي تمر خلال الجزء السفلي من الكرة لا بد أن تقطع مسافة أطول من الموجات التي تمرُّ خلال الجزء العلوي من الكرة لتصل إلى تلك النقطة. وتصل المسافة الإضافية إلى نصف طول موجي، ومِن ثَمَّ يَحدث للمَوجتَين (واحدة من أسفل وواحدة من أعلى) تداخُل هدَّام حين تَصلان إلى النقطة الموجودة على الشاشة.

يُعزى باقي النمط إلى تداخل بنَّاء أو هدَّام مشابه؛ ففي بعض المواضع، تختلف المسافة التي تقطعها الموجات القادمة من الجهة المقابلة من الكرة بمقدار عدد صحيح من الأطوال الموجية، وهو ما يسفر عن تداخل بنَّاء، يجعل الموجات مُتطاوِرة. وفي مواضع أخرى، يكون مقدار الاختلاف في الطول عبارة عن عدد فردي من نصف الأطوال المَوجية، وهو ما يُسفِر عن تداخل هدَّام؛ حيث إنها تجعل الموجات غير مُتطاورة.

وعندما تُكوِّن الكرة صورةً للجسم، فإن كل جزء لامع من الجسم يقوم مقام مصدر نقطي للضوء ويخلق نقطة ساطعة مُزاحة قليلًا بالقرب من مركز نمط الحيود. وتراكب هذه النقاط الساطعة يكرر تقريبًا شكل الجسم؛ ومِن ثَمَّ ينتج عنه صورة للجسم.

(١٥٢) دورة سريعة في مرآة المقوسة

اثنِ طبقةً لامعة من الورق المُفضَّض اللامع لتكون أسطوانة. أمسك بهذه المرآة المقوَّسة بحيث يكون المحور الطويل للأسطوانة أفقيًّا، ثم انظر عبْر الجزء الداخلي المقوس. اضبط تقوس المرآة والمسافة التي تَفصِلُك عنها بحيث تكون صورتك معكوسة (حينئذٍ تكون خارج بؤرة المرآة). إذا أدرت الأسطوانة بزاوية مِقدارها ٩٠ درجة مئوية بحيث يكون المحور رأسيًّا، فستنقلب صورتك لتصبح في وضعها الصحيح، بمعنى أنها ستدور بزاوية مقدارها ١٨٠ درجة مئوية. لماذا يكون دوران الصورة ضعف دوران الأسطوانة؟

الجواب: اعتبر الأسطوانة مرآتَين؛ واحدة مستوية وموازية لمِحور الأسطوانة، بينما الأخرى تتقوس حول المرآة، لتصنع تقاطعًا عموديًّا مع المرآة الأولى. الصورة المتكوِّنة على المرآة المستوية تكون غير معكوسة (كما هي الحال مع المرآة المسطحة)، إلا أن أي صورة تتكون على المرآة المقوَّسة تكون معكوسة.

ومع توجيه الأسطوانة في أي اتجاه، ترى الصور بنوعَيها؛ صورة معكوسة حقيقية أمام المرآة (تُكوِّنها المرآة المقوسة) وصورة افتراضية غير معكوسة أكثر تشويشًا خلف المرآة (تُكوِّنها المرآة المستوية). وعند توجيه الأسطوانة نحو اتجاه معين، يُهيمِن أحد النوعَين على رؤيتك. وعند توجيهها نحو الاتجاه آخر، يُهيمِن النوع الآخر. وهكذا، عندما تدير الأسطوانة بين الاتجاهَين، تتبدَّل الصورة التي تراها بين النوعَين، مما يُعطي انطباعًا واهمًا بأن ثمة صورة واحدة تدور بزاوية ١٨٠ درجة.

(١٥٣) لون دخان السجائر

لماذا ينحو لون الدخان المتصاعد مباشرة من سيجارة مشتعلة إلى الزرقة؛ بينما يكون لون الدخان الذي ينفثه المدخِّن أبيض اللون؟

الجواب: جزيئات الدخان المُتصاعد من سيجارة مشتعلة تكون صغيرة بالدرجة الكافية لتشتيت المزيد من الضوء الأزرق القادم إليك من نور الغرفة. وعند استنشاق الدخان، فإن تكثيف المياه في الجزيئات يزيد من حجمها، لدرجة أنه بمجرد أن يتمَّ نفث الدخان تُشتِّت الجزيئات الألوان المختلفة للضوء الواقع عليها على نحو مُتساوٍ، مما يُعطي لونًا مائلًا إلى الأبيض.

(١٥٤) ماذا لو بإمكانك أن ترى في ضوء الأشعة فوق البنفسجية؟

تُعزى مَحدودية رؤيتك للون الأزرق عند أقصى طرف للطيف المرئي — جزئيًّا — إلى تزايد امتصاص القرنية وعدسة عينك للضوء. وإذا خضعت لعملية إزالة المياه البيضاء وقمتَ بزراعة عدسة صناعية، فربما تستطيع أن ترى ضوءًا أكثر قليلًا في نطاق الأشعة فوق البنفسجية. هبْ أن هذا كل ما تَستطيع أن تراه، هل سيبدو العالم الخارجي مختلفًا؟

الجواب: ستكون المدن مُعتمة حتى لو كانت مصابيح الإنارة مُشتعلة، ذلك لأن الأغطية الزجاجية للمصابيح ونوافذ المَباني تمتصُّ الأشعة فوق البنفسجية؛ ومِن ثَمَّ لن ترى الضوء المُنبعِث من هذه المصادر المُعتادة. ولنفس السبب، ستكون النظَّارة الطبية أشبه بنظارة شمسية سوداء. وستكون الظلال باهتة، ولن ترى بوضوح حتى في ضوء النهار؛ لأنَّ جزيئات الهواء تُشتِّت الأشعة فوق البنفسجية بفعالية أكثر من تشتيتها للضوء المرئي. وهكذا ستبدو الأجسام البعيدة معتمة، وستُطمس أيُّ ظلال جزئيًّا بسبب تشتيت الضوء بفعل الهواء.

(١٥٥) حيود حروف الأبجدية

إذا مرَّ شعاع ليزر عبْر فتحة صغيرة على هيئة حرف أبجدي، هل يُمكنك أن تتوقع نمط الحيود الذي سيترتَّب على ذلك؟ أو إذا عُرض عليك صورة للنمط، هل يمكنك أن تتوقع الحرف الأبجدي المستخدم؟ وإذا كان لديك جهاز أشعة ليزر، لعلك ترغب في ابتكار أحجية الأنماط المختلفة لحيود الضوء، باستخدام حروف الأبجدية. ومن أجل حل هذه الأحجية، قد يعمل أحدهم على فك شفرة الرسالة المكتوبة بهذه الحروف الأبجدية.

الجواب: تستطيع أن تُخمِّن الحرف الأبجدي من خلال معرفة الاتجاه الذي يَحيد فيه الضوء. عندما يحيد الضوء عند حافَّة ما، ينتشر الضوء على نحو عمودي على هذه الحافة. على سبيل المثال، الحرف O يجعل الضوء يَحيد في جميع الاتجاهات لأنَّ حافاته دائرية تقريبًا، أما الحرف Z فيجعل الضوء يحيد لأعلى وأسفل وعلى طول خط مستقيم متعامد على القطعة المستقيمة الوسطى لذلك الحرف.

(١٥٦) لعبة الانعكاسات

أحضِر مرآتَين مُستطيلتَين صغيرتَين، وثبِّت عليهما شريطًا لاصقًا من الخلف بحيث يُمكن تثبيتهما على محور مشترك، ثم ضعهما فوق رسمة بقلم الرصاص. قد تبتكر الصورة الأصلية وانعكاسها تصميمًا مثيرًا.

هب أن الرسمة تتكوَّن من خط مستقيم أو خطَّين مستقيمين يمتدَّان من مرآة إلى أخرى بحيث يتلامَس الخطَّان وصورتاهما. وإذا عدلت وضعية المرآتَين وزواياهما، تستطيع أن تبتكر أشكالًا هندسية مُنتظمة.

ومن خلال إبقاء الزاوية أقل من ١٨٠ درجة، اكتشف أقل عدد مُمكن للخطوط المستقيمة اللازمة لابتكار شكل مربَّع ومُثمَّن ونجمة سداسية الأضلاع. ما رأيك في ابتكار نجمة داخل نجمة أخرى، مع محاذاة أطراف النجمتَين بعضها مع بعض أو عدم محاذاتها على الإطلاق؟ ما أقل عدد مُمكن للخطوط المستقيمة اللازمة لصنْع مربَّع بداخله مربع صغير عند كل زاوية؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠