الفصل السابع

الرؤية

(١) تضخم القمر

أبرز خدعة بصرية في مناظرِ الطبيعة هو التضخُّم البارز للقمر حين يقترب من الأفق. هل يكون التضخُّم بسبب انكسار (انحناء) شعاع الضوء بفعل الغلاف الجوي، أم بسبب تغيُّر المسافة الفاصلة عن القمر أم بسبب خطأ في الإدراك من جانبك؟

الجواب: يبدو حجم القمر حين يقترب من الأفق أكبر بنسبة ٥٠٪ تقريبًا مما لو كان في كبد السماء بسبب خطأ في الإدراك. في الواقع، يحتل القمر دومًا زاوية تُقدر ﺑ ٠٫٥ درجة من مجال رؤيتك بصرف النظر عن علوِّه أم انخفاضه في السماء. وإذا كان انكسار الضوء بفعل الغلاف الجو ملحوظًا، فإنه يَنحو إلى تقليل العرض الرأسي للقمر، ولا ينحو إلى تضخيمه. أيضًا لا تتغيَّر المسافة الفاصلة بين الأرض والقمر بصورة ملحوظة في أثناء الساعات القليلة التي يستغرقها القمر في الشروق والغروب.
fig173
شكل ٧-١: بند ٧-١.

وعلى الأرجح يُعزى الإدراك الخاطئ الذي يقود إلى التضخُّم الظاهري للقمر إلى عدة أسباب متزامنة. ويبدو السبب الأساسي أنك تربط بين انخفاض القمر في كبد السماء والتضاريس الموجودة أمامك، وبناءً على التضاريس، يبدو القمر أكبر حجمًا. ويُمكنك أن تتغلب على هذا التأثير بكل سهولة: استَدِرْ وانحنِ وانظر إلى القمر بين ساقَيك؛ سيبدو حينها القمر بحجمه الطبيعي، على الأرجح لأنَّ التضاريس — الموجودة في الجزء العلوي من رؤيتك — لم تعد مستخدمة للاستدلال على القياسات. وتَشتمِل الأسباب المُحتمَلة الأخرى على إمالة العينَين لرؤية القمر وفي الوقت نفسه تعذَّر حدوث التقارب اللازم للعينَين عند مطالعة جسم بعيد للغاية.

(٢) شكل السماء

هل تبدو السماء على هيئة نصف كرة؟ معظم الناس يرونها كما لو أنها صحْن مقلوب مع دنوِّ الجزء الموجود فوق رأسك مباشرة أكثر من الأجزاء المُتاخِمة للأفق. جرب الملاحظات التالية. عندما يظهر الهلال في سماء النهار، تخيله مقسومًا إلى جزأين مُتماثلَين يفصل بينهما خط محدد. ونظرًا لأن الهلال يكون نتيجة أشعة الشمس، لا بد أن يكون الخط مشيرًا ناحية الشمس. ورغم ذلك، فهذا لا يحدث لأن إدراكك لشكل السماء يشوه الخط بينما تتبُّعه ذهنيًّا عبْر السماء. تكون أشعة الكشافات مستقيمة، ولكن عند رؤيتها من الجنب تبدو منحنية بسبب شكل السماء الواضح. لماذا لا تبدو السماء على هيئة نصف كرة؟

الجواب: شكل السماء له عدة أسباب على الأرجح؛ وإليك بعضًا منها: نظرًا لأنك ترى أفقًا شاسعًا، فأنت على الأرجح تعزو مساحة شاسعة إلى السماء الموجودة مباشرة فوق الأفق. ونظرًا لأنك لا ترى شيئًا فوقك مُباشَرة، فأنت على الأرجح تعزو مسافة أقصر إلى السماء الموجودة فوقَك مباشِرة، وهذا لأن عينَيك في حالة استرخاء طبيعية.

وقد يكون عَزو الأشكال إلى السماء قويًّا للغاية لدرجة أن ضوء الكشاف يبدو أنه يَنكسِر على امتداد انحناء السماء والخط المرسوم ذهنيًّا من القمر لا يتصل بالشمس. وكلا المشهدَين مثال على الخدع البصرية.

(٣) فصل الرأس عن الجسد باستخدام النقطة العمياء

لكل عين «نقطة عمياء» لا يُرى فيها شيء. وتقع هذه النقطة في مجال رؤيتك بعيدًا عن مركز الإبصار، ونحو الصدغ، بحوالي ١٥ درجة. وباستطاعتك تحديدها من خلال النظر باستخدام عين واحدة بينما تحرِّك جسمًا صغيرًا (كمَمحاة قلم رصاص على بُعد ذراعٍ منك) عبْر مجال رؤيتك. ثبِّت نظرك، وعندما يمر الجسم عبْر النقطة العمياء، سيَختفي تمامًا.

عندما أُجبر عالم النفس الشهير كارل إس لاشلي على تحمُّل ضيف مزعج على العشاء، أخذ يسلِّي نفسه بوضع النقطة العمياء فوق رأس هذا الشخص؛ فاصلًا رأسه عن جسده بدقة. وتُحكى قصة قديمة (غير حقيقية فيما يبدو) كيف كان ملك إنجلترا تشارلز الثاني يتخيَّل قطع رءوس ضيوفه بهذه الطريقة؛ ومِن سخرية القدر أن والده قُطع رأسه في الحقيقة.

كم تبلغ مساحة هذه النقطة ولماذا تُوصَف بأنها عمياء؟ ولماذا لا تُلاحظ النقطة العمياء عادةً؟

الجواب: تُغطَّى شبكية العين ﺑ «خلايا عصوية ومخروطية مستقبلة للضوء» باستِثناء المنطقة التي تتفرَّع منها المسارات العصبية عن الشبكية في طريقِها إلى المخ. ونظرًا لأن هذه المنطقة ينقصها الخلايا المستقبلة للضوء، فإنها تصير عمياء. وعدم ملاحظة النقطة العمياء يرجع إلى عدة أسباب؛ فعادةً ما تكون العينان مفتوحتَين، مما يُتيح لعين واحدة أن ترى الأجسام الواقعة في النقطة العمياء الخاصة بالعين الأخرى. كما أنك تركز على مركز الرؤية الذي يقع في «النقرة المركزية» (وهي عبارة عن تجويف صغير في الشبكيَّة يوجد فيه أكبر عدد من حزم الخلايا المخروطية)، لا على النقطة العمياء. بالإضافة إلى ذلك، تُوضع بعض التفاصيل في النقطة العمياء من خلال الحركات الدقيقة والطبيعية للعينين (حركة العين الرمشية) والتي تدور فيها العين بمقدار درجة تقريبًا. كما تَنحرِف العين ببطء وتُعاني من رعشة؛ ومِن ثَمَّ الصورة التي تقع أولًا عند النقطة العمياء سرعان ما تتحوَّل إلى نقطة أخرى على الشبكية بسبب هذه الحركات. وحتى مع غياب هذه الحركات، تمتلئ النقطة العمياء عادةً لأن المخ يستطيع أن يربط بين المشاهد الواقعة على جانبي النقطة العمياء بعضها ببعض ثم يَبتكِر صورة مستبعدًا النقطة العمياء؛ وذلك للربط بين تلك المشاهد.

(٤) الشبكات الرمادية في الصباح والبُقَع المندفعة في ضوء النهار

إذا حملقت في غرفة مضاءَة بأشعة الشمس فور فتح عينيك في الصباح، ستُغطِّي شبكة رمادية اللون مجال رؤيتك. سرعان ما تتلاشى الشبكة ولكن يُمكن استحضارها وقتما تشاء باستخدام كشاف ضوء رفيع أو ثقب ضوئي صغير (لا تؤذِ عينَيك بالضوء الساطع). حرِّكِ الكشاف الصغير في نطاق مجال رؤيتك داخل غرفة مظلمة، ومن المفترض أن تظهر أجزاء من الشبكة. ما الشبكة، ولماذا تتلاشى سريعًا جدًّا؟

وثمة ملاحظة وثيقة الصلة يُمكن أخذها في الاعتبار بخصوص ضوء النهار الساطع. عند التحديق في السماء الزرقاء الصافية، أجد أن مجال رؤيتي يَمتلئ بالكثير من النقاط الطافية (التي سنَتناولها في البند التالي) والبقع المتحرِّكة. تكون البقع ساطعة ذات أذيال مُعتمة. يُمكنني أن أربط بينها وبين نبضي؛ حيث إنها تتحرك سريعًا أثناء انقباض النبض وتتحرَّك على نحو أبطأ أثناء انبساطه. يعزز الضوء الأزرق رؤيتها، وهي تُرى في كل مكان باستثناء طول خط الرؤية مباشرةً (ذلك الخط الذي تتقاطَع فيها شبكية العين عند النقرة المركزية.) ما هذه البقع؟ ولماذا يكون الضوء الأزرق هو الأفضل لرؤيتها؟ ولماذا تغيب عن النَّقرة المركزية؟

الجواب: تتكوَّن الشبكة بفعل الظلال الموجودة في الأوعية الدموية للشبكية؛ حيث إنها تعوق الضوء عن الوصول إلى الخلايا المستقبلة للضوء الموجودة على عمق أكبر في شبكية العين. والبقع عبارة عن خلايا الدم البيضاء التي تتحرَّك عبْر الأوعية الدموية. والضوء الأزرق هو الأفضل لحدوث التباين لأن خلايا الدم الحمراء تمتصُّ الضوء عند طول موجي يبلغ حوالي ٤١٥ نانومتر (الأزرق)، بينما خلايا الدم البيضاء لا تفعل الشيء نفسه؛ ومِن ثَمَّ تتَّضح حركة خلايا الدم البيضاء أكثر مع الخلفية الزرقاء. ولا تمر الشبكة ولا البقع عبْر النقرة المركزية؛ لأن هذه المنطقة تَفتقِر إلى الأوعية الدموية.

ونظرًا لأن أي نمط ثابت في شبكية العين يَفقد تباينه الملحوظ في غضون ثوانٍ، تختفي الشبكة سريعًا. وإذا مرَّ ضوء صغير على مرأى منك؛ فالظلال التي تصنعها الأوعية الدموية تتنوَّع بالدرجة الكافية لإبقاء الشبكة واضحة.

وربما يُعزى إبقاء الشبكة واضحة داخل شبكية العين باستخدام ثقب مضاء إلى الملاحظات المحيرة لكوكب الزهرة التي سجَّلها عالم الفلك بيرسيفال لويل. كان لويل يلاحظ باستمرار «شعاع عجلة» على سطح كوكب الزهرة (هذا قبل أن يعرف أحد — بوقت طويل — أنه لا يُمكن رؤية السطح لأن السحب تحجبُه باستمرار.) علاوة على ذلك، كان الشعاع يظهر في المكان نفسه وهو ما أوحى بأن كوكب الزهرة يصدر الوجه نفسه إلى الأرض، وهو أمر غريب جدًّا بالتأكيد. وشعاع العجلة الذي رآه لويل كان راجعًا إلى الشبكة المتكونة في شبكية عينه على الأرجح؛ حيث إنه كان يرى كوكب الزهرة باستخدام جزء صغير فقط من النظارة العاكسة للأشعة الموجودة في التليسكوب ذي القُدرة العالية على التكبير. كان الموقف شبيهًا بالنظر من خلال ثُقب صغير، كان بإمكانه أن يرى كوكب الزهرة؛ إلا أن الشبكة الموجودة داخل شبكية العين كانت مطبوعة على صورة الكوكب.

(٥) عوائم العين ومراكز أُخرى في عينك

عندما أنظر إلى خلفية ساطعة بلا شكل واضح، كالسماء الصافية مثلًا، يَمتلئ مجال رؤيتي بنقاط صغيرة طافية وبقع متحرِّكة. شرحنا البقع المتحركة في البند السابق. النقاط الصغيرة الطافية تتكون من دوائر متحدة المركز؛ إلا أنني أرى أيضًا أشكالًا مستطيلة أكبر. يعوق شكل كبير في عيني اليمنى قدرتي على القراءة بتلك العين.

يُمكنك رؤية «العوائم»، كما يُطلَق عليها، بوضوح أكثر إذا كانت العين مضاءة بمصدر صغير للضوء. على سبيل المثال، أستعين عادةً بثُقب مضيء عبْر ورق مقوًّى غير مُنْفِذ للضوء. ورغم ذلك فإنَّ أي مصدر صغير للضوء الساطع، مثل مشبك ورقي عاكس للضوء، يُمكن أن يؤدي الغرض. (وأنا حريص للغاية على عدم تقريب أي جسم من العين.)

عندما أستخدم الثُّقب، أرى عدة صور أخرى مثيرة للاهتمام. ثمة بقع ساطعة تبدو أنها تفتقر إلى الدوائر المتحدة المركز التي تشتهر بها العوائم أكثر. أحيانًا أرى بقعًا داكنة ونمطًا ثابتًا من الخطوط الداكنة المُمتدة من مركز مجال رؤيتي. وبعد أن أطرف بعيني مباشرةً، أرى بقعًا ساطعة ونمطًا لخطوط أفقية ساطعة وداكنة. وأحيانًا أرى رقعًا ساطعة ثابتة أو رقعًا مجعَّدةً طافيةً. وما إن أفتح عيني في الصباح، ربما أرى بقعة أو أكثر من بقعة داكنة أكثر أو ساطعة أكثر (وهو أمر أكثر ندرة) عن باقي المشهد.

ما سبب هذه الأشكال المتنوعة؟

الجواب: ربما ترجع العوائم المُعتادة إلى وجود تعرجات في «الجسم الزجاجي» للعين (وهو عبارة عن مادة شفافة تملأ أغلب مساحة مقلة العين). أنت لا تستطيع أن ترى تعرج الجسم الزجاجي نفسه أو حتى ظلاله على شبكية العين. وبدلًا من ذلك، ترى حيودًا يصنعه التعرُّج داخل شبكية العين. والحيود هو عبارة عن نوع من تداخل الموجات الضوئية يحدث عندما تمر هذه الموجات عبْر فتحة صغيرة أو تمر بجانب عائق بسيط. في هذه الحالة، عندما يمر ضوء صادر من ثقب خلال التعرج الموجود في الجسم الزجاجي، يحيد الضوء وتتداخل الأنماط الموجية في شبكية العين. والنمط عبارة عن حزم ضوئية ساطعة متَّحدة المركز (حيث تعزز الموجات الضوئية بعضها بعضًا) وحزم ضوئية غامقة (حيث تنحو إلى محوِ بعضها بعضًا).

وإذا كان التعرج دائري الشكل تقريبًا، يكون النمط عبارة عن بقعة مركزية ساطعة، والتعرُّج المستطيل ينتج عنه نمط مستطيل. والعوائم التي تراها بطبيعة الحال تكون عبارة عن نمط حيود ضبابي. وإذا نظرت من خلال ثُقب، ترى النمط بوضوح أكبر ويُمكنك أن تفرق بين الحزم الضوئية الفردية الساطعة والداكنة. وتنجرف العوائم عبْر خط الرؤية لأن الجسم الزجاجي ليس صلبًا ويُمكنه تغيير موضعه. وربما تُعزى بعض العوائم إلى أن أجزاء من الجسم الزجاجي تتكسَّر وتطفو فوق طبقة مائعة واقعة أمام «النقرة المركزية»، الشكل الشبيه بالتجويف الذي يَنحدِر عنده خط الرؤية الخاص بك. وقد تُعزى أيضًا إلى خلايا الدم التي تتسرَّب إلى داخل الطبقة المائعة، ولكن في تلك الحالة من المرجح أن يتلوَّن مجال الرؤية باللون الأحمر. كل شخص يرى العوائم، ووجود هذه العوائم لا يشير بالضرورة إلى وجود مشاكل صحية. ومع تقدُّمك في العمر، سترى على الأرجح المزيد من العوائم.

وتُعزى البقع الساطعة ونمط الخطوط الساطعة والداكنة التي تَعقُب غمضة العين إلى الطبقة المائعة (سائل الدموع) المتبقية في القرنية. والتعرُّجات الموجود في تلك الطبقة قد تركز شعاع الضوء قليلًا لينتج عنها المناطق الأكثر سطوعًا. والخطوط المُنتشِرة من مركز الرؤية ربما تتكوَّن من أشكال شعاعية لعدسة العين. وربما تُعزى البقع الغامقة إلى المناطق الصغيرة المُعتمة. ولا يوجد تفسير مفهوم للبقع الداكنة والساطعة التي يراها البعض فور الاستيقاظ من النوم في الصباح.

(٦) هالات أعمدة الإنارة في الشوارع ووهج الشموع وأشكال النجوم

في المساء، يرى الكثيرون حلقات (هالات) تُحيط بمصادر الضوء الساطع عند النظر إليها مباشرةً (ورؤيتها من خلال نافِذة مُغطَّاة ببخار التكثيف تسفر عن مجموعة مختلفة من الهالات). وتُقدَّر أقطار الحلقات الأربعة الأولى (كما تُقاس بعدد الدرجات القوسية الذي تشغله في مجال رؤيتك) ﺑ ٢٫٥ و٤٫٥ و٥٫٥ و٦٫٠ و٩٫٠ درجات تقريبًا. وتكون الحلقات أكبر حجمًا في الضوء الأحمر مقارنةً بالضوء الأزرق؛ ومِن ثَمَّ إذا كان المصدر ينبعث منه ضوء أبيض، فربما تتلوَّن الحلقات باللون الأحمر من الخارج وباللون الأزرق من الداخل. ما سبب ظهور الحلقات؟

وتُظهر بعض رسومات الفنان فنسنت فان جوخ هالات حول مصادر الضوء، مثل الشمس الموجودة في لوحة «الكرم الأحمر» والنجوم في لوحة «ليلة النجوم». كان فان جوخ يَرسم الهالات ليفرض أسلوبه الخاص؛ لأنها تُعطي انطباعًا بالتألُّق على القماش. ورغم ذلك، يُقال إنه كان يرى هذه الهالات حول مصادر الضوء؛ لأن حاسة البصر لديه تغيَّرت بسبب استخدامه لعلاجات مقوية لعضلة القلب وصلت إلى جرعات سامة.

لماذا يُحاط لهيب الشمعة بوهج خافِت عندما يُرى اللهيب في غرفة مظلمة بعض الشيء؟ تتراقَص النجوم بسبب التغيُّرات في المناخ، ولكن ما سبب الشكل المعتاد للنجوم ذات النتوءات أو الخيوط الشعاعية؟

الجواب: الحلقات الموجودة حول الأضواء الساطعة، التي يُطلق عليها «هالات داخل العين»، ناتجة عن حيود الضوء أثناء مروره عبْر أشكال صغيرة (مناطق غير منتظمة) داخل العين في طريقها إلى الشبكية. والحيود عبارة عن شكلٍ من تشتُّت الضوء تنتشر فيه الموجات الضوئية حول عائق ما لتنتج نمطًا من الحزم الضوئية الساطعة والداكنة يتَّحد مركزها مع مركز بقعة ضوء ساطع. والمناطق الساطعة هي المناطق التي تعزز فيها الموجات الضوئية بعضها بعضًا؛ بينما المناطق الداكنة تنحو إلى محو بعضها بعضًا. لا تُرى البقعة المركزية للضوء الساطع؛ لأنها تتوافَق مع الرؤية المباشرة لمصدر الضوء (الأكثر سطوعًا)، ولكن يُمكنك رؤية أولى الحلقات الساطعة. ويتوقَّف حجمها الزاوي على حجم الشكل الذي يجعل الضوء يحيد والمسافة الفاصلة بين الشكل والشبكية؛ فالأشكال الأصغر حجمًا ينتج عنها حلقات أكبر حجمًا، وكذلك المسافة الأكبر ينتج عنها حلقات أكبر.

وعند رؤية عدة حلقات، تتسبَّب الأشكال المختلفة في حيود الضوء بأحجام ومسافات مختلفة تفصلها عن شبكية العين. لا أحد يعرف قطعًا ما الأشكال المسئولة عن حيود الضوء. ومن بين المسبِّبات المُحتملة خلايا النسيج الأمامي للقرنية (ظهارة القرنية التي يبلغ حجمها ما بين ١٠ و٤٠ مايكرومترًا)، وخلايا الطبقة البطانية للقرنية، وخدوش القرنية وألياف العدسة.

وحيود الضوء داخل العين مسئول أيضًا عن الوهج الخافت الذي يُحيط بلهيب الشمعة وعن النقاط التي تراها في صور النجوم ذات النتوءات المُعتادة أو أي مصدر ضوئي صغير وساطع على مسافة بعيدة منك. ونتوءات النجوم تكون بسبب تعريجات خطوط الدرز (روابط ألياف العدسة) الموجودة على السطح الأمامي لعدسة العين.

(٧) الوَبْصَة (ظهور أشكال وامضة تحت تأثير المخدرات)

أحيانًا يرى السجناء المحبوسون في زنزانات مظلمة أشكالًا من الضوء الساطع، تُسمَّى «الوَبْصَة»، والتي ربما تكون ملوَّنة بالكامل أو ذات بقع ملونة. يرى أيضًا سائقو الشاحنات مثل هذه الأشكال بعد التحديق في الطرق المغطَّاة بالثلوج لفترات طويلة. والحق أنه في كل مرة تغيب فيها المحفزات الضوئية، تظهر هذه الأشكال.

قد يُسفر الصداع النصفي وبعض عقاقير الهلوَسَة (مثل عقار إل إس دي) عن ظهور أشكال ومضية مَهيبة؛ والشيء نفسه يتكرَّر مع حركة الرأس الشديدة السرعة التي يعاني منها الطيارون ورواد الفضاء. ويُمكن أيضًا استدعاء هذه الأشكال حسب الرغبة من خلال الضغط برفق على عينك المغلقة. تظهر أشكال مختلفة عند تحريك الإصبع فوق الجفن، وزيادة الضغط ينتج عنها أنماط معقَّدة أكثر. (لا تضغط لدرجة أن تؤذي عينَيك، ولا تضغط على عينَيك مطلقًا إذا كنت ترتدي عدسات لاصقة.) وتظهر تصميمات هندسية إذا ضغطت على كلتا العينَين في الوقت نفسه.

تظهر هذه الأشكال أيضًا عندما ينظر الجمهور إلى ضوء ساطع مثل جهاز الستروبوسكوب في حفلات الروك أو نوادي الرقص. وعندما أرى ضوءًا وامضًا يسطع بمعدل يتراوح بين ١٠ و٣٠ مرة في الدقيقة، تظهر مصفوفات هندسية ملوَّنة (لأغراض السلامة، أغلق عيني أثناء مواجهة جهاز الستروبوسكوب؛ فالضوء ساطع بالدرجة الكافية لينفذ خلال جفني عيني المُغمضتَين). أحيانًا أرى مصفوفة مربعات لوحة الشطرنج، وأحيانًا أرى مثلثات وأشكالًا سُداسية. وبالنسبة إلى الومضات البطيئة، تكون الوَبْصَة عبارة عن دوَّامات، وهي تَختفي مع الومضات السريعة. تتطلَّب الأنماط الهندسية المعقَّدة إضاءة كلتا العينَين، ومن خلال إضاءة عين واحدة فقط، أرى أنماطًا بسيطة من الخطوط والدوامات.

ويمكن أن تَنتج الوبصات أيضًا حين يمرُّ تيار كهربائي خفيف عبْر رأس الشخص. (مستحيل أن أفعل شيئًا خطيرًا كهذا، وينبغي لك أنت أيضًا ألا تفعل ذلك.) كانت حفلات الإضاءة الوامضة رائجة للغاية في القرن الثامن عشر (حتى إن بنجامين فرانكلين شارك فيها ذات مرة)، وكان الحاضرون الذين يشبكون أيديهم في دائرة يتلقون صدمة كهربائية من خلال مولد كهروستاتيكي ذي جهدٍ عالٍ وتيار منخفض. وفي كل مرة كان التيار الكهربائي يمرُّ عبر جمهور الحضور، كانوا يرون أشكالًا وامضة.

بل الأغرب من ذلك (والأكثر سخفًا) هي التجارب التي أجراها عالم وظائف الأعضاء يوهانس بيركينجي في عام ١٨١٩. وضع قطبًا كهربائيًّا على جبهته وقطبًا آخر على فمه، ثم أخذ يفصل أحدهما على نحو متكرِّر بحيث تسري نبضات من التيار الكهربائي عبْر رأسه. ولَّدت النبضات أشكالًا وامضة ثابتة.

ما سبب ظهور الأشكال الوامضة (الوَبْصَات)؟

الجواب: عندما تضغط على عينك المُغلَقة، يضغط الجسم الزجاجي الذي يملأ العين على الشبكية، مما يحثُّ الخلايا المستقبلة للضوء أو المسارات العصبية على إرسال إشارات إلى المخ كما كان ليحدث لو كانت العين مضاءة؛ ومِن ثَمَّ أرى ضوءًا حتى من دون أن يدخل الضوء إلى العين.

تنشأ الأشكال الوامضة (الوَبْصَة) أيضًا إذا نظرت إلى ضوء وامض. وتتطلب الأنماط الهندسية الأكثر تعقيدًا إثارة كلتا العينَين، مما يوحي بأنها تأويلات يفرضها العقل على الإشارات القادمة من العينين. وتظهر الأشكال الهندسية لأنَّ الإشارات العصبية تنشط مستشعرات الخطوط والأشكال الموجودة في المخ، وتنشأ الألوان عند تنشيط مُستشعِرات الألوان. (ومِن ثَمَّ، لا يُعزى إدراك الألوان مباشرة إلى استشعار اللون من خلال الخلايا المخروطية المستقبِلة للضوء الموجودة في شبكية العين.) وربما من قبيل الصدفة أن تتوافَق الأضواء الوامضة مع شفرة المخ للألوان. وإذا كان الأمر كذلك، ربما يسفر اللون الأبيض الوامض عن تمييز مصفوفات ملونة بألوان ساطعة. والأرجح أن الألوان تنشأ من تداخل متبادَل بين المسارات العصبية في شبكية العين وتلك المسارات المؤدية إلى المخ.

ويمكن أن تنشأ الوبصات المتولِّدة من تيار كهربائي عند استثارة المخ مباشرة. ومن خلال تلك الوبصات، قد يستردُّ بعض المكفوفين البصر. ترسل كاميرا فيديو مصغَّرة مثبتة على إطار (كتلك المستخدمة للنظارات) إشارات إلى معالج بيانات دقيق، يولد وبصات من خلال إرسال إشارات ذات تيار كهربائي مُنخفِض مباشرةً إلى المخ. على سبيل المثال، عندما ترصد كاميرا الفيديو جسمًا على يسار مجال رؤية الشخص، يُستثار المخ بحيث يرى الشخص الوبصة الموجودة يسار مجال الرؤية؛ ومِن ثَمَّ تُمَثَّل الأجواء المحيطة للشخص على صورة أشكال وامضة (وبصات) وبدرجة ما يستطيع الشخص أن «يرى».

ويبدو أن الوبصات التي تظهر تحت تأثير المخدِّرات رُسمَت في الفن الحجري الموجود في المنحدرات الصخرية وداخل الكهوف. وربما تكون الوبصات جزءًا من التجربة البصرية لشخص (ربما كاهن) في حالة تنويم مغناطيسي، وربما تكون رموزًا دالة على السحر الكامن الذي كان الناس يؤمنون أنه يحكم العالم.

(٨) الهمهمة تصنع جهاز ستروبوسكوب

من خلال الهمهمة بالتردُّد المناسب، تَستطيع أن تُوقف دوران مروحة دفع الطائرة أو ريشة مروحة، على غرار جهاز الستروبوسكوب. وإذا همهمتَ بتردُّد أقل بعض الشيء، فإن النمط يدور ببطء في الاتجاه الذي يدور فيه الجسم. وإذا همهمتَ بتردُّد أعلى قليلًا فإن النمط يدور في الاتجاه المعاكس.

ويُمكن توليد توقُّف مشابه إذا همهمت أثناء مشاهَدة التليفزيون على بعد مسافة كبيرة بالدرجة الكافية. فالهمهمة تولِّد خطوطًا على الشاشة تكون ثابتة بالنسبة إلى تردُّد واحد، ولكنها تتحرَّك إلى أعلى أو أسفل بالنسبة إلى التردُّدات الأخرى.

ومن أجل دراسة كيف تُغيِّر الهمهمة رؤيتي، أعددتُ شكلًا ورقيًّا موضوعًا على طاولة دوارة. كان الشكل عبارة عن أجزاء بيضاء وسوداء، كلٌّ منها تقدر مساحته بدرجة، ممتدَّة من النقطة المركزية إلى الخارج. سمحت لأشعة الشمس أن تُضيء الشكل أثناء دورانه بمعدل دورة في الدقيقة الواحدة. (ويوفر المصباح المتوهِّج ضوءًا وامضًا.) ونظرًا لأنني لم أَستطِع الإمساك بمفكرة، أسندت ذقني على مكبر صوت صغير يهتزُّ بمقدار ١٠٠ مرة في الثانية (كان يعمل من خلال مذبذب صوتي). توقف الشكل الدوار على الطاولة الدوارة في نمط معتم ومشوش. في هذا المثال وفي أمثلة أخرى، لماذا يوقف الاهتزاز (الصادر من مكبِّر الصوت أو الهمهمة) الحركة الدوارة؟
الجواب: الهمهمة أو الخرخرة أو هزُّ رأسي مع مكبِّر صوت صغير يسفر عن اهتزاز عمودي لعينيَّ. إذا كان الاهتزاز يتمتع بالتردد المناسب، فإن الشكل الذي يمرُّ عبْر مجال رؤيتي يظل في نفس الموقع بشبكية العين على مدار غالبية دورة اهتزاز العين.

هب أنني حدَّقتُ في جزء من الشكل الموجود على الطاولة الدوارة في أثناء نزول هذا الجزء عبْر مجال رؤيتي. عندما تنزل عيني أثناء دورة الاهتزاز، يُواصل الشكل إضاءة نفس الجزء من شبكية عيني؛ ومِن ثَمَّ يبدو ثابتًا. وعندما تبدأ عيني في التحرُّك إلى أعلى، يتحرك الشكل المُضيء في القرنية ولكن لفترة قصيرة فقط، ويقع الشكل الأبيض والأسود الأصلي سريعًا في نفس الأماكن الموجودة في الشبكية كما حدث من قبل. إن جهازي البصري يعمل على موازنة سطوع الضوء أثناء دورة الاهتزاز. وتُرى الأماكن التي تستقبل الصورة الساطعة في أثناء أغلب دورة الاهتزاز بوصفها ساطعة. وفي المقابل، تكون الأماكن المُستقبلة للصورة المظلمة في أثناء أغلب دورة الاهتزاز مُظلمة؛ ومِن ثَمَّ، يظهر الشكل الأبيض والأسود ثابتًا.

وتنشأ الصورة التليفزيونية من خلال حركات دائرية أفقية، خط تلو الآخر، من أعلى الشاشة إلى أسفلها. وخفوتُ كلِّ خط تخفيه سرعة الحركة الدائرية وثبات رؤيتي. وعندما أهمهم بالتردُّد المناسب، فإن اهتزاز عيني يوقف الحركة الدائرية. وخلال أغلب دورة الاهتزاز، ثمة خط أفقي يمر عبْر شبكية عيني وهو عبارة عن صورة للخط الموجود على الشاشة حيث تَخفت الصورة القديمة وتكون صورة جديدة على وشك الظهور. وبهذا أرى باستمرار خطًّا داكنًا على شاشة التليفزيون.

(٩) ثَبِّت عينك على كرة البيسبول

زعم لاعب البيسبول المُحترِف تيد ويليامز أنه كان بإمكانه أن يرى الكرة المضروبة وهي تصطدم بمضربه. ولقد زعَم عدةُ لاعبين آخرين أن بإمكانهم أن يروا غُرَز الخيط الخاص بالكرة ودورانها أثناء مرورها من أمامهم. هل يستطيع لاعب أن يلحظ هذه الأمور حقًّا؟ هل يتابع اللاعب الكرة ببصره من لحظة انطلاقها من يد الرامي حتى تجتاز القاعدة الأولى أو تصطدم بالمضرب؟

هل يجب أن يستخدم اللاعب كلتا عينَيه لممارسة لعبة البيسبول؟ كلا فيما يبدو. إذن، كيف يُحدِّد اللاعبون، الذين يستخدمون عينًا واحدة، مسافة الكرة ومسارها؟ وعلى نحو مُماثل، كيف يستطيع شخص يرى بعين واحدة فقط أن يُحدِّد العمق في مجال الرؤية أثناء قيادة السيارة أو الطائرة؟ على سبيل المثال، يتطلب الهبوط بالطائرة بالتأكيد إدراك عنصر العمق، رغم ذلك فإن حاسة البصر لدى الطيار الشهير وايلي بوست كانت مُقتصِرة على عين واحدة.

الجواب: هب أن لاعب بيسبول محترفًا يضرب الكرة بالمضرب مستخدمًا يده اليمنى عند القاعدة الأولى. إذا أراد اللاعب تتبُّع مسار الكرة المُلقاة نحو القاعدة، فلا بد أن يدير خط الرؤية ناحية يمين الرامي. وأغلب اللاعبين الماهرين يستطيعون القيام بذلك حتى تكون الكرة على بُعد ٥٫٥ أقدام من القاعدة؛ إلا أن الدوران اللازم بعد ذلك يكون سريعًا للغاية. ورغم ذلك، «يستطيع» اللاعب أن يرى الكرة تصطدم بالمضرب إذا كان اللاعب مصيبًا في توقُّعه لموضع تصادم الكرة بالمضرب، بحيث يَقفِز خط الرؤية إلى تلك النقطة. كان تيد ويليامز يستعين على الأرجح بهذه القفزة البصرية، التي يُطلَق عليها «حركة العين الرمشية»، لكي يرى الكرة تصطدم بمضربه.

وثمة عامل آخر قد يشارك في المتابعة البصرية للكرة؛ إذ يبدو أن باستطاعة الجهاز البصري أن يدرك عمق الحركة لجسم ما حتى إن كان عاجزًا عن إدراك موقع هذا الجسم. ولهذه القُدرة عامل واضح في البقاء؛ إذ يُمكنك أن تحدد ما إذا كان ثمة جسم يتجه نحوك حتى إن عجزت عن تحديد موقعه بالضبط في اللحظة الراهنة. ويُمكِن إدراك عنصر العمق في حركة الجسم باستِخدام عين واحدة. ومِن ثَمَّ يستطيع الأشخاص الذين يَستخدِمون عينًا واحدة فقط أن يُمارسوا الرياضات ويقودوا الطائرات. فعند استخدام كلتا العينين، قد يُقارن المخ الحركة النسبية التي تراها كل عين على حدة. على سبيل المثال، إذا كانت عينك اليمنى ترى جسمًا يتحرك نحو اليسار وعينك اليسرى تراه يتحرك نحو اليمين، فإن الجسم يتَّجه مباشرة ناحيتَك.

(١٠) الأسلوب الانطباعي في الرسم

في الأسلوب الانطباعي للرسم والتصوير، تُرسَم الأجسام وخلفياتها على هيئة أشكال عامة بدلًا من رسم تفاصيلها. على سبيل المثال، اشتهر كلود مونيه برسوماته الانطباعية للمَشاهد الخارجية. ومع تقدُّمه في السن، احتفظ بالأسلوب الانطباعي في الرسم، إلا أن أعماله غلب عليها «الألوان النارية» أكثر، مثل الأحمر والأصفر، وافتقرت إلى الألوان الموجودة على الجهة المقابلة من الطيف المرئي. على الرغم من أن الانطباعية تُعتبر أسلوبًا فنيًّا جذابًا، هل يُمكن أن يعود الأسلوب الانطباعي في الرسم إلى أسباب فيزيائية أو فسيولوجية؟ ما سبب تغيُّر الألوان في أعمال مونيه؟

الجواب: كان الكثير من فنَّاني الحقبة الانطباعية يُعانون من مشاكل بصرية. بعضهم كان مصابًا بقصر النظر؛ ومِن ثمَّ كانوا يرون الأجسام التي يرسمونها مشوشة وضبابية؛ وهو أمر مُناسِب تمامًا للأسلوب الانطباعي الخاص بالصور المشوشة والضبابية. وكان فنان واحد على الأقل يضع اللوحة القماشية على بعد ذراع بحيث تكون اللوحة خارج بؤرة التركيز. بينما عانى فنَّانون آخرون، مثل مونيه، من المياه البيضاء على العين (إعتام عدسة العين) التي تَحُول دون الرؤية لمسافة أبعد من بضعة أمتار. وكان مونيه يعاني على الأرجح من «الإعتام النووي»، الذي يمتص الطرف الأزرق من الطيف المرئي ويترك الطرفين الأصفر والأحمر، وهذا يفسر هيمنة هذين اللونين على أعماله الأخيرة. وبعد إجراء عملية لإزالة المياه البيضاء في أواخر حياته، استشاط غضبًا من أعماله السابقة التي غلَب عليها اللونان الأصفر والأحمر، وهدَّد بالتخلُّص منها أو الرسم عليها مرة أخرى.

(١١) اللوحات التنقيطية

لا تُرسَم اللوحات التنقيطية، مثل لوحة الفنان جورج سورا بعنوان «بعد ظهيرة يوم الأحد على جزيرة لاجراند جات»، بضربات الفرشاة المعهودة، وإنما يُستخدم فيها عدد ضخم من النقط الملوَّنة الصغيرة. يُمكنك أن ترى النقط إذا وقفت على مقربة من اللوحة بمسافة كافية؛ ولكن حين تَبتعِد عنها، تمتزج هذا النقط ولا يمكنك تمييزها. وعلاوة على ذلك، فإن اللون الذي تراه في أي موضع بالصورة يُمكن أن يتغيَّر أثناء تحركك مُبتعدًا عنها، ولهذا السبب تحتوي الرسومات التنقيطية على نقط. ما سبب هذا التغيُّر في اللون؟

الجواب: عندما يمرُّ الضوء خلال العضلات الدائرية للقزحية فإنه يحيد؛ بمعنى أنه ينتشر ويُكوِّن نمطًا متداخلًا. وإذا رأيت مصدرًا للضوء على شكل نقطة، يُكوِّن حيود الضوء صورة دائرية لذلك المصدر عند شبكية عينك. وإذا رأيت مصدرَين مُتجاورَين للضوء، فكلٌّ منهما ينحو إلى تكوين صورة دائرية خاصة به، ولكن إذا كانا قريبَين جدًّا، تتداخل الصورتان ولا يمكنك أن تميز إلا صورة واحدة مدمجة فقط؛ ومِن ثَمَّ فإن تداخل هاتين الصورتين يحدُّ من قدرتك على فصل مصدري الضوء كنقطتين منفصلتين.

والنقطتان المُتجاورتان في لوحة للرسومات التنقيطية تقوم مقام مصدرَي الضوء. هب أن النقط ملوَّنة بألوان مختلفة. فإذا وقفت أمام اللوحة مباشرة، تكون النقط مُتباعِدة بالقدر الكافي في مجال رؤيتك لتُكوِّن صورًا منفصلة عند شبكية عينك؛ ومِن ثمَّ ترى اللون الحقيقي للنقط. لكن حين تبتعد عن اللوحة، تُكوِّن النقط صورًا متداخلة، ثم لا يعود بإمكانك أن تميزها. واللون الذي ينتبه إليه مخك ربما لا يكون لون النقط أو حتى مزيجًا من ألوان النقط، بل ربما يكون لونًا يختلقه المخ. على سبيل المثال، هب أن نقطة أرجوانية اللون (أزرق وأحمر) تجاور نقطة صفراء، يُرى مزيج اللونَين على أنه لون وردي. وهكذا، يستغلُّ راسم اللوحات التنقيطية جهازك البصري لابتكار ألوان اللوحة الفنية.

وعادةً ما تكون اللوحات الزيتية أغمق مِن اللوحات التنقيطية؛ لأنَّ ألوانها تَعتمد على خليط من الطلاءات المَمزوجة بطبقة زيتية. لا بد أن يَنفذ الضوء من خلال الطبقة، وينعكس ثم ينفذ مجددًا من خلال الطبقة كي يصل إليك. عندما تحتوي الطبقة على المزيد من الصبغة الملوَّنة، يكون الضوء المنبثق من اللوحة معتمًا أكثر. ونظرًا لأن اللوحات التنقيطية تقوم بمزج الألوان داخل مخك، لا على اللوحة القماشية، فإنها لا تُعتِّم الضوء كثيرًا.

والكثير من الأسطح الملوَّنة، مثل الفسيفساء والأقمشة المنسوجة والمطبوعات الملونة وشاشات المراصد الملونة، تكون عبارة عن مصفوفات من نقط ذات ألوان مختلفة. ووفق نظرية اللون التقليدية، من المفترض أن تُولِّد الألوان الثلاثة الأساسية (الأحمر والأزرق والأخضر) كل الألوان المُمكنة. ومِن ثَمَّ، تحتوي الشاشة الملوَّنة على مصفوفة نقط ملوَّنة بهذه الألوان الثلاثة. وأي لون مرغوب فيه يتولَّد من خلال التحكم في كيفية إضاءة كل نقطة من هذه النقط بضوء ساطع.

(١٢) أنماط متموجة

عندما تُغطِّي شبكة دقيقة الأبعاد نمطًا ذا تصميم مُشابه، تستطيع أن ترى نمطًا ذا أبعاد أكبر يُسمى «النمط المتموِّج». أرى أنماطًا مُتموِّجة عندما تتراكَب طبقة من الحرير فوق طبقة أخرى، أو حين يقع سياج خشبي خلفَ سياج آخر مُوازٍ له. كما أنني أراها أيضًا في مصفوفات الثقوب الدائرية. فعندما تقع مصفوفة مُثقَّبة أمام مصفوفة أخرى على بُعد عدة سنتيمترات، أرى نمطًا متموِّجًا دائريًّا داخل المزيج الناتج. ما سبب ظهور الأنماط المتموجة؟

الجواب: تظهر الأنماط المُتموِّجة للعيان بسبب النسق المتكرِّر للأنماط المتراكبة. على سبيل المثال، تأمَّل سياجَين مُتوازيَين يبعد أحدهما عن الآخر قليلًا ومِن ورائهما خلفية مضاءة. في مواضِعَ معيَّنة، تصطفُّ فراغات في السياج في مجال رؤيتك، وهكذا ترى مناطق ساطعة. وفي مواضعَ أخرى، تصطفُّ أجزاء السياج وراء بعضها؛ ومِن ثَمَّ ترى مناطق داكنة. وعندما لا يكون الاصطِفاف متطابقًا على خطٍّ واحد، ترى مناطق ضيقة من الإضاءة. وتراكب هذه المناطق الساطِعة والداكنة يُمثِّل النمط المتموِّج الذي تتمُّ رؤيته على السياج، وهو نمط مُتكرِّر في تباين السطوع يحدث على طول السياج. ولو تحرَّك أحد السياجين لمسافة أقل من عمود، لتغيُّر النمط المتموِّج على نحو ملحوظ، كما لو أنه يُضخم الحركة الفعلية للسياج.

وأفضل تفسير وراء الجاذبية الكبيرة للأنماط المُتموِّجة هو أن جهازك البصري حسَّاس بصفة خاصة لتقاطعات الخطوط ويبحث عنها. وبسبب هذه الحساسية، فإن الإزاحة الصغيرة للمَصفوفة، التي ينتج عنها نمط متموج، تكون واضحة.

(١٣) الفنون البصرية

عندما تُشاهد نموذجًا ﻟ «الفنون البصرية» (ابتُكر مصطلح الفن البصري عام ١٩٦٤)، يخلق النسق الثابت للخطوط أو المكعَّبات أو النقط خدعًا بصرية مُتحرِّكة، كما لو أن أجزاءً من العمل الفني تتراقص أو تدور أو تُومض وتَخفت. وربما يخلق النسق ألوانًا خادعة يبدو أنها تنساب من جزء لآخر. ما سبب هذه الخدع البصرية؟

الجواب: لا يَستطيع أحد أن يفسر خدع الفنون البصرية تفسيرًا وافيًا؛ إذ إنها لا تزال قيد الاستكشاف والتصنيف والمقارنة. من وجهة نظر الفنانين، ربما تقود الاكتشافات الجديدة إلى أعمال فنية مُبتكَرة. ومن وجهة نظر اختصاصيي علم وظائف الأعضاء، فإنها ربما تقود إلى أفكار تبصيرية بخصوص كيفية عمل الجهاز البصري والمخ.

يستطيع الجهاز البصري أن يَحتفظ بصورة ما لفترة قصيرة كما لو أنها «صورة تَلَوية». تقوم العين بوثبات صغيرة تُسمى «حركة العين الرمشية»، فيها يتغيَّر المنظر قليلًا. عندما تفحص عملًا من الفنون البصرية ذا تصميم هندسي، قد تتراكَب الصور التلوية من الحركات الرمشية المُتتابعة في مخيلتك. ورغم ذلك، ونظرًا لأن الصور التلوية مختلفة قليلًا، يبدو التصميم وكأنه قد تحرك من صورة تلوية إلى الصورة التالية عليها. تكاد الخدعة تكون غير ملحوظة وربما لا تُدركها أنت؛ فأنت تعرف ببساطة أن الفنون البصرية تَختلف عن غيرها من الصور الثابتة للخطوط.

fig174
شكل ٧-٢: بند ٧-١٣: شبكة ذات نقط داكنة مؤقتة تظهر في التقاطعات.
تخلق بعض المصفوفات الهندسية خدعًا بصرية من النقط الساطعة أو الداكنة التي لا وجود لأي منها فعليًّا. على سبيل المثال، تستطيع الشبكة الموجودة في شكل ٧-٢ أن تَخلق خدعة بصرية بوجود نقط داكنة مؤقَّتة في التقاطُعات الخاصة بالمسارات البيضاء، ويُقال إنَّ النقط الداكنة «مستحثة». والخداع البصري غير مفهوم فهمًا كاملًا، ولكن ربما يُعزى إلى تداخُل الخلايا المستقبلة للضوء الموجودة في منطقة ما بالعين مع الخلايا المستقبلة للضوء في المناطق المُجاوِرة، كما هو موضح فيما يلي في بند لاحق خاص بتدريجات ماخ اللونية. وفي بعض المصفوفات الملوَّنة، قد تظهر خطوط أو بقع اللون المستحثة (يُقال إنها «انتشار اللون الشبيه بالنيون»)، مما يشير إلى تداخل الرسائل الخاصة بالألوان التي ترسلها العين إلى المخ.

(١٤) عنصر العمق في اللوحات الزيتية

أسهمت المدرسة الفلمنكية للرسم بالقرن الخامس عشر كثيرًا في الخدع البصرية الخاصة بعنصر العمق في الرسوم الزيتية، وذلك من خلال وضع طبقة رقيقة من الطلاء الشفاف (طلاء لامع) على خلفية بيضاء. لماذا تبدو أجزاء من اللوحة وكأنها أمام أجزاء أخرى، ولماذا تبدو الألوان وكأنها تَنبثِق من داخل اللوحة، وليس من السطح؟

fig175
شكل ٧-٣: بند ٧-١٤: لوحة زيتية ذات طبقة طلاء لامِعة، يتشتَّت الضوء من الأمام والخلف؛ ومِن أصباغ التلوين الموجودة داخل تلك الطبقة.
الجواب: ينعكس جزء من الضوء الذي تعترضه إحدى هذه اللوحات من الطبقة الأمامية للطلاء اللامع، أما باقي الضوء فيَنتقِل عبْر الطبقة (شكل ٧-٣). تُشتِّت أصباغ التلوين العالقة في الطبقة اللامعة الضوء إلى الخارج ونحو الخلفية. وأي ضوء، سواء أكان مباشرًا أم منتشرًا، يصل إلى الخلفية ينعكس من طبقة الخلفية البيضاء (غير المُنفذة للضوء). وبينما ينتقل الضوء عبْر الطبقة اللامعة مرة أخرى، يُمكنه أن ينتشر مرةً أخرى بسبب أصباغ التلوين. وعندما تعترض الضوء الصادر من اللوحة، ترى جزءًا منه ينعكس من السطح الخارجي للطبقة اللامعة. ورغم ذلك، تبدو نقاط اللون وكأنها تنبثق من وراء السطح الخارجي للطبقة اللامعة، لا سيما حين تنظر إلى اللوحة بكلتا عينيك بحيث إن التقاءهما على نقطة ملونة يتيح لك إضافة عمق للنقطة.

يستطيع الرسَّام أن يتحكَّم في درجة تشبُّع اللون (أو درجة السطوع) من خلال وضع أكثر من طبقة واحدة للطلاء اللامع من نفس صبغة التلوين. وتَزيد كل طبقة إضافية من حدَّة اللون الذي تَراه مِن أصباغ التلوين؛ لأنَّها تزيد من انتشار الضوء. على سبيل المثال، إذا نشَر أحد أصباغ التلوين طولًا موجيًّا معينًا للون الأزرق أكثر من الأطوال المَوجيَّة الأخرى، فإن الطبقات الإضافية التي تَحتوي على هذه الصبغة تُبرز المزيد من اللون الأزرق في اللوحة.

عادةً ما تُوضَع طبقة من الورنيش على اللوحة لحِمايتها. وهذا النوع من طبقات الحماية لا يُسهِم في الإحساس بالعُمق في اللوحة. بل على العكس، عادةً ما يَنتقِص امتصاصَه الجزئي للضوء من اللوحة من خلال تعتيم الألوان، بل ربما إخفاء ألوان خفيفة معيَّنة.

(١٥) القراءة في الظلام

أكثر صورة تلَوية مُدهشة رأيتُها هي تلك الصورة الناتجة عن وميضٍ ساطِع في غرفة مُظلِمة. فتحتُ مجلةً أمامي ثم أطفأتُ الأنوار. وبعد أن اعتادت عيناي الظلام (من ١٠ إلى ١٥ دقيقة تقريبًا)، أمسكت بفلاش الكاميرا إلى جوار رأسي وأنرتُ مجال رُؤيتي بومضة ضوء واحدة. كان الوميض ساطعًا للغاية بالنسبة إليَّ، لدرجة أنه أعاقني عن تمييز المجلة.

وإذا ثَبَّتُّ ناظِري أثناء تلاشى الوهج، تَظهر صورة تفصيلية للمجلة، كما لو أنَّ المجلة مُنارة بضوء ساطِع ثابِت. ما أراه يُطلَق عليه «صورة تلوية موجبة» لأنَّ المَناطق الساطعة في المجلة تَظهر بيضاء اللون والمناطق الداكِنة تبدو سوداء اللون. ويَسهل تمييز الصور والرسومات ونسق الفقرات، على الرغم من أنه لا يُمكِن رؤية أيٍّ منها على ضوء الوميض. بل يُمكنني أن أقرأ كلمات أيضًا. وبعد مرور ١٥ ثانية تقريبًا، تَتلاشى الصورة التلوية المُوجَبة وتتحوَّل إلى «صورة تلوية سالبة» تتبدَّل فيها المناطق البيضاء والسوداء.

وإذا ومَض الضوء مرتَين، أرى صورتَين تلويتَين موجبتَين مُتراكبتَين. وإذا ألقيتُ عملة معدنية أثناء سُطوع الوميض مرتَين، أرى صورتَين للعملة المعدنية أثناء سقوطها، كما لو أنَّني أرى صورة ستروبوسكوبية. وأحيانًا قد تكون الصورة التلوية الموجَبة غريبة. فإذا ومض الضوء وأنا أضع يدي أمامي ثم أضعها على ظهري، أرى صورةً ليَدي في وضعها الأول، ورغم ذلك أشعر بها على ظهري. وإذا ومَضَ الضوء أثناء وقوفي والنظر إلى أرضية الغُرفة ثم جلستُ في وضعية القُرفُصاء، أرى الأرضية كما لو أنَّها بعيدة، ورغم ذلك أُدرك أنها أكثر قربًا حتمًا، مُستدلًّا على ذلك من اتجاه جسدي.

رأيتُ أيضًا صورة تلوية موجبة في عرض باليه. أثناء فترة الاستراحة، أبقَيتُ عينيَّ مُغلقتَين. وحين بدأ النصف الثاني من العرض، فتحتُ عيني لفترة وجيزة لأرى طُوفانًا من الضوء يَنساب على خشبة المسرح. وبمجرَّد أن أغلقتهما مرةً أخرى، رأيتُ صورة تلوية للراقِصين على خشبة المسرَح.

يُمكنني أن أرى صورًا تلوية مُشابهة عندما أستَيقِظ من النوم في غُرفة جيدة الإضاءة. بينما أرقد وعيناي مُغلَقَتان، لا يُمكنني أن أرى شيئًا سوى ضوء أحمر يتسرَّب من خلال جفنَيَّ. أُثبِّتُ يدي أمام وجهي ثم أفتح عيني لفترة وجيزة. وحين أُغلقُ عينيَّ مرة أخرى، أرى صورة تلوية نابضة بالحياة تكون في البداية صورة سالبة، ثم تتحوَّل إلى صورة موجبة. وإذا فتحتُ عينيَّ لبضع دقائق لكي تَعتادا على الضوء الموجود في الغرفة، لا يكون في وسعي أن أُكرِّر التجربة.

وتظهر هذه الصور التلوية المُوجَبة المختلفة بشرط أن أثبت ناظِري، إلا أنها سرعان ما تَختفي إذا ما حركتُ عينيَّ نسبةً إلى رأسي. ما السبب وراء هذه الصور؟ وما الذي يتسبَّب في ظهور صور تلوية سالبة؟

الجواب: سبب ظهور الصور التلوية المُوجَبة غير مفهوم. فالوميض الضوئي الوجيز يُشبع الخلايا العصوية المُستقبِلة للضَّوء لبُرهة؛ وبذلك يتعذَّر تمييز التفاصيل الخاصَّة بالمجلة. ورغم ذلك، تفرز صورة المجلة مادةً أو تُحدِث تأثيرًا عبْر المسارات العصبية البصرية يستمرُّ لوقت أطول من زمن التشبُّع. ومع تلاشي التشبُّع، يُمكِن تمييز الصورة. وترجع الصورة التلوية السالبة على الأرجح إلى الإجهاد الذي يُصيب الجهاز البصري. وتلك الأجزاء المُحفَّزة بقوة بسبب المناطِق الساطعة تُصاب بالإجهاد، تاركةً بهذا صورًا أغمق من الأجزاء المُحفِّزة على نحو ضعيف بسبب المناطِق الداكنة.

(١٦) تعقُّب الطيف الضوئي

ثمة صورة تلوية أخرى — ربما تكون ذات صِلة بالصورة التلوية الموجبة التي تناولناها في البند السابق — نجدها في حركة نُقطة صغيرة من الضوء داخل غرفة مُظلِمة. فبعد أن تَعتاد عيناك على الظلام لبضع لحظات، حرك مصدر ضوء خارجيًّا أمام عينيك المفتوحتَين. يتبع ذلك ظهور طيف ضوئي، متأخِّر قليلًا. وعقب ظهور الطيف الضوئي، يبقى أثر خافت للضوء.

وإذا كان المُثير الضوئي ذا لون أحمر، لا يظهر الطيف ولا أثره. وإذا كان المثير الضوئي ذا لون أصفر أو أحمر مُصفَرٍّ، ربما يكون لون الطيف (وربما أثره كذلك) أزرق باهتًا. ورغم ذلك، إذا اعتادت عيناك الظلام تمامًا (يستلزم الاعتياد فترة زمنية تتراوَح من ١٠ دقائق إلى ١٥ دقيقة)، يكون لون الطيف وأثره رماديًّا دومًا. لماذا يظهر الطيف وأثره، وما تفسير اللون؟ ولماذا لا يظهر الطيف وأثره عند استخدام مُثير ضوئي ذي لون أحمر قاتم؟

الجواب: ربما يُعَد الطيف الضوئي وأثره صورةً تلويةً تولدها الخلايا العصوية المستقبلة للضوء بمجرد أن تُنار بمصدر ضوئي. وتحتاج الخلايا العصوية، أو مساراتها العصبية أو المخ، وقتًا قصيرًا لتوليد إدراك حسي ثانٍ للضوء؛ ومِن ثَمَّ فإنَّ إدراكك للطيف الضوئي يتأخَّر (ولو كان الطيف الضوئي بسبب ثبات الرؤية، لن يحدث هذا التأخير). والأثر عبارة عن مزيج للصور التلوية بينما تتلاشى تدريجيًّا. والضوء الأحمر القاتم لا يَستثير الصورة التلوية؛ لأنه لا يستطيع تنشيط الخلايا العصوية.

ويتعذَّر فهم مصدر اللون الخاص بالطَّيف الضوئي ونادرًا ما يُشار إليه. وأنا أعتقد أنه يَنشأ من الخلايا العصوية المُتعارِضة مع الرسالة الخاصة باللون التي تُرسلها الخلايا المخروطية الواقعة على طول المسار المضاء بشبكية العَين. وعلى الرغم من أنه لا يُعتقد أن الخلايا العصوية قادرة على إرسال معلومات خاصة بالألوان إلى المخ، فإنها تبدو قادرةً على تثبيط هذه المعلومات القادمة من الخلايا المخروطية. وعندما يُثير الضوء الأصفر أو الأحمر المصفر شبكية العين، تفرض الخلايا العصوية إدراك اللون الأزرق، وهو اللون المكمِّل للون الأصفر. وهذا التثبيط يَختفي بمجرد أن تعتاد العين الظلام تمامًا. حينئذٍ، يظهر الطيف الضوئي رمادي اللون.

(١٧) العيون العاكسة للضوء

أشعَّة صغيرة تَنساب من كشافك اليدوي عبْر الظلام الدامس. وفجأة تظهر عينان لامعتان على ضوء الكشَّاف، إلا أن خوفَك يَتلاشى حين تسمع مواءً رقيقًا صادرًا عن قطة.

لماذا تبدو عينا القطة لامعتَين حين تواجه أشعة كشافك اليدوي مباشرةً، ولكن لا يَحدث الشيء نفسه حين تنظر بعيدًا عن ذلك الاتجاه؟ لماذا قد تنتهي الحال بشخصٍ ما يُصَوَّر فوتوغرافيًّا بظهور عينَيه حمراء في الصورة؟

للمحار المَروحي عينان تتكوَّنان من عدسة وشبكية سميكة ومرآةٌ مقعَّرة (خلف الشبكية). العدسة ضعيفة جدًّا لدرجة أنه من الصَّعب أن تَكسِر (تَثني) شعاع الضوء؛ ومِن ثَمَّ لا يُمكِن أن تكون مسئولة عن تكوين أيِّ صورة. علاوة على ذلك، للمحار المروحي عينان ذات عدستَين تقعان على الجهة المقابلة للشبكية، مما لا يَفسح المجال أمام الشعاع المُنكسِر ليتَقاطَع مع شعاع آخر ويُكوِّن الصورة، على عكس عيون البشر. إذن، كيف تتكوَّن الصورة في عينَي المحار المروَحي؟ المرآة سطح عاكس مُمتاز. كيف يُمكِن لجهاز بيولوجي أن يَحظى بسطح عاكس يضاهي المرايا المعدنية العصرية (أو حتى يتفوَّق عليها)؟

الجواب: خلف الخلايا المستقبلة للضوء في شبكية عيني القطة توجد طبقة تعكس جزءًا من الضوء عبْر هذه الخلايا لكي يُتاح لها فرصة ثانية لامتصاص الضوء. وهذه الكفاءة المتزايدة قد تكون مفيدة لها أثناء التجوال ليلًا. وعندما توجِّه كشافًا يدويًّا إلى عينَي القطة وهي تنظر ناحيتك، ترى جزءًا من الضوء يَنعكِس من مؤخِّرة شبكية عينَي القطة.

وبالنسبة إلى البشر، الطبقة الموجودة خلف الخلايا المُستقبِلة للضوء لا تكون عاكسةً مثل عينَي القطة ولا تتسبَّب في لمعان العينَين بشكل خاصٍّ عند إضاءتِهما بكشَّاف يَدوي في الليل. ورغم ذلك، قد تُلاحظ ضوءًا منعكسًا في الصور إذا نظر المرء مباشرة إلى الكاميرا ذات الفلاش الوامِض.

تنشأ المعلومات الخاصة بالصورة في عينَيك من انكسار الضوء بواسطة القرنية وعدسة العَين. وفي عين المحار المروحي، تأتي المعلومات من انعكاس الضوء بواسطة المرآة المقعَّرة المَوجودة وراء شبكية العين. تنفذ الأشعة إلى عين المحار المروحي وتمرُّ خلال العدسة والشبكية، وتنعكس من المرآة، ثم تتركَّز (بسبب الانعكاس) لتكوِّن صورة أثناء وجودها داخل الشبكية.

المرآة ليسَت عبارة عن طبقة واحدة لمادَّة عاكِسة مثل مرآة حمَّامك؛ وإنما تتكوَّن من طبقات تبادُلية للسيتوبلازم (الذي يحظى بمعامل انكسار مُنخفِض) وبلورات الجوانين (الذي يَحظى بمعامل انكسار مُرتفِع) (ومعامل الانكسار هو مقياس لسرعة نفاذ الضوء عبْر مادة. وينتقل الضوء ببطء عبْر المواد ذات المعامل المرتفع). يصل سُمك كل طبقة إلى ربع الطول الموجي للضوء. ونظرًا لهذا السُّمك والقِيَم المتغيرة لمعامل الانكسار، تتوافَق موجات الضوء المنعكسة بعضها مع بعض، مما ينتج عنه انعكاس لامع أكثرَ مما يُمكن الحصول عليه من خلال طبقة عاكسة واحدة.

(١٨) الرؤية تحت الماء بالنسبة إلى البشر والبطاريق والتماسيح

لماذا نَفقِد قدرتنا على تركيز شعاع الضوء عندما نكون تحت الماء؟ لماذا يرى الشخص المصاب بقِصَر النظر أفضل من غيره تحت الماء؟ لماذا يستطيع أي شخص أن يستعيد الرؤية عند ارتداء قناع الغطس؟ لماذا يستطيع بعض الناس، مثل سكان بورما والساحل الغربي لتايلاند، أن يَرَوا جيدًا تحت الماء بدون استخدام أقنعة؟

البطريق يعيش في الهواء ولكنه يصطاد طعامه تحت الماء. فكيف يُمكنه أن يرى في الماء والهواء؟

الجواب: في الهواء، يَحدث أغلب تركيز شُعاع الضوء من خلال العين عند القرنية؛ أما باقي التركيز فيَحدُث من خلال عدسة العين التي يُمكن التحكُّم فيها باستخدام العضلات. وعندما تغمرك المياه تمامًا، تفقد كل التركيز الذي تقوم به قرنية العين لأنَّ الخواص الضوئية لمادة العَين تكاد تتطابَق مع الخواصِّ الضوئية للمياه الموجودة خارج العين؛ ومِن ثَمَّ لا يَنحني شعاع الضوء عند نفاذه إلى العين. وهذا لا يُتيح تركيز شعاع الضوء إلا من خلال العدسة، ولكن معظمنا لا يُمكنه تغيير شكل العدسة بالدرجة الكافية لتكوين الصور الواضحة عند شبكية العين. ورغم ذلك، فإن سكان بورما والساحل الغربي لتايلاند درَّبوا أنفسهم على الرؤية تحت الماء؛ حيث إنهم يُضيِّقون بُؤبؤ العين ليُقلِّلوا من انتشار شعاع الضوء النافذ إلى العين. كما أنهم يُجبِرون عدسة العين على أن تكون مُنحنية بأقصى قدر مُمكِن. وهذان الإجراءان ينتجان صورًا شبكية تكون واضحة إلى حدٍّ معقول. (يُقال إن أي شخص يستطيع أن يتعلم هذا الإجراء.)

والشخص المُصاب بقِصَر النظر يتمتَّع بقدر كبير للغاية من التركيز الذي تقوم به قرنية عينه وعدستها، التي تنحو إلى تكوين صور أمام الشبكية. فعندما يصل شعاع الضوء من جسم بعيد إلى الشبكية، يسفر عن انتشار شعاع الضوء صورًا مشوشة. وعندما يكون الشخص المصاب بقِصَر النظر تحت الماء، فإن عدم تركيز الشعاع باستخدام القرنية يُغيِّر مكان الصورة المركزة إلى الخلف نحو الشبكية، ربما فوق الشبكية؛ ومِن ثَمَّ يَستطيع الشخص المُصاب بقِصَر النظر أن يرى بوضوح أكثر من الشخص المُصاب بطول نظر أو صاحب الرُّؤية الطبيعية.

إذا كان الغطَّاس يَرتدي قناعًا، يقع الهواء بجوار القرنية؛ ومِن ثَمَّ يكون انحناء شعاع الضوء عند سطح القرنية طبيعيًّا.

وقرنية البطريق تكاد تكون مسطحةً. لذا، حين يتحوَّل البطريق بين الرؤية في الماء وفي الهواء، من الصعب أن يتأثَّر تركيز شعاع الضوء الذي تقوم به قرنية العين. يتكيف البطريق على الرؤية في الماء لأنه يَجد فيه طعامه؛ ومِن ثَمَّ تكون عدسة عينِه مُنحنية للغاية لتركز شعاع الضوء عند شبكية العين. وعندما يكون في الهواء، يستطيع أن يُقلِّل من انحناء العدسة؛ إلا أن العدسة على الأرجح تركز شعاع الضوء كثيرًا من أجل تكوين صور واضحة عند الشبكية. وهكذا، يُصاب البطريق بقصر بالغ في النظر أثناء وجوده في الهواء على الأرجح. ورغم ذلك، يستطيع البطريق أن يحدَّ من تشويش الصور من خلال تضييق بؤبؤ العين إلى ثقب مربع صغير. ومثل هذا الثُّقب الصغير يحصر المدى الزاوي للشعاع القادم من جسم ما، مما يجعل صورة الجسم عند الشبكية أوضح.

يستطيع التمساح أن يَرى جيدًا في الهواء، لكن ليس تحت الماء. وكما هي الحال مع البشر، لا يستطيع التمساح أن يُغيِّر شكل عدسة العين بالدرجة الكافية لتعويض فقْد تركيز شعاع الضوء الذي تقوم به القرنية. ومع ذلك، فإنه مُطارد محترف تحت الماء؛ لأنه يستعين بوسائل أخرى لتحديد مكان الفريسة.

(١٩) السمكة ذات العيون الأربعة والرؤية تحت الماء

ثمَّة سمكة غريبة، تُدعى «سمكة أنابليس»، تسبح وعيونها ممدودة جزئيًّا فوق سطح الماء لكي يُمكنها أن ترى فوق الماء وتحته في آنٍ واحد. كيف يُمكِن لعيونها أن تُركِّز شعاع الضوء في كلٍّ من الماء والهواء؟

الجواب: عدسة عين هذا النوع من الأسماك تكون على شكل بيضة لتُعوِّض انكسار الضوء الضئيل نسبيًّا الناتج عن وصول الضوء من المشهد الموجود تحت الماء. يَنكسِر الضوء القادم من فوق سطح المياه بمجرَّد أن ينفذ إلى العين ويَزداد انكساره من خلال عدسة العين؛ ومِن ثمَّ يكون شعاع الضوء مركزًا حين يصل إلى الشبكية في الجزء السفلي من العين.

أما الضوء القادم مِن تحت الماء فيَنكسِر على نحو ضعيف بمجرَّد أن ينفذ إلى العين. ورغم ذلك، فإن الانحناء الشديدة لعدسة العين يُوفِّر درجة كافية من الانثناء تتركز بها الصورة الخاصة بالمشهد الموجود تحت الماء عند شبكية مُنفصِلة في الجزء العلوي من العين. والمسافة الطويلة نسبيًّا بين العدسة والشبكية العلوية تُساعِد أيضًا في تركيز شعاع الضوء.

(٢٠) تأثير قطة شيشاير

ضع مرآةً لتعكس مشهدًا في عين واحدة، بينما ترى العين الأخرى مشهدًا آخرَ مباشرةً. ربما يكون بإمكانك أن تدمج المشهدَين معًا، أو تُشاهِد المشهدَين بالتناوب (فيما يُعرَف ﺑ «تنافس العينين»)، أو تُشاهد مشهدًا واحدًا فقط لأغلب الوقت. ولكن إذا اعترضت أيًّا من المشهدَين بيدك بدون أن تتابع الحركة بعينَيك، سيَختفي المشهد الثاني (الآخر) إما جزئيًّا أو كليًّا. وعندما يكون الاختفاء جزئيًّا، يتطابق الجزء المحذوف في المشهد الثاني مع المنطقة التي تتحرك عبرها اليد. فإذا كان المشهد الثاني عبارة عن وجه شخص، ربما يكون بإمكانك أن تحذف جزءًا من وجه الشخص، تاركًا فقط الفم المُنفرِج باتساع، والذي يشبه فم قطة شيشاير من قصة لويس كارول «أليس في بلاد العجائب». ما سبب هذا الحذف والاختفاء؟

الجواب: كآلية للحفاظ على البقاء على الأرجح، يركز الجهاز البصري على أيِّ حركة تَراها؛ أي العينين، ويَغرس في الوعي المشهد المُتعلِّق بتلك الحركة. وعادةً ما ترصد كلتا العينَين الحركة ويَبدو المشهد المُدمج طبيعيًّا. ولكن عندما تعكس المرآة مشهدًا مختلفًا للغاية في إحدى العينَين (حالة غير طبيعية)، يعوق التركيز على المشهد ذي الحركة إدراك المشهد الآخر برمته أو جزء منه. ولو كانت عيناك على الجهتَين المقابلتَين من رأسك (كما هي الحال مع بعض أنواع السمك)، لكان هذا الخداع البصري معتادًا أكثر.

(٢١) التأثير البصري للأنف

أغلق عينك اليُسرى، وحدِّق أمامك مباشرةً بعينك اليُمنى، مُدَّ ذراعك اليسرى ناحية اليسار مع رفع إصبع واحدة من يدك، ثم أدِر ذراعَكَ حتى تكاد إصبعك تظهر في المشهد. بعد ذلك، أدر عينك اليمنى ناحية الإصبع. ستَختفي الإصبع على الأرجح. إنها تظهر واضحةً حين تنظر مباشرةً إلى الأمام، لا حين تحاول أن تنظر ناحيتها. ما الذي يجعل الإصبع تختفي؟

الجواب: لكي ترى شيئًا، لا بد أن يمر الضوء الصادر منه عبْر فتحة عينك. فإذا حدقت أمامك مباشرةً وأدخلت إصبعك إلى المشهد كما ذُكر، يمرُّ الضوء الصادر من الإصبع سريعًا مرورًا بأنفك قبل أن ينفذ إلى فتحة عينك. وعندما توجه عينك نحو إصبعك، فأنت تحرك الفتحة نحو «ظل» الأنف. ومِن ثَمَّ يعترض الأنفُ الضوءَ الصادر من الإصبع ولا ينفذ الضوء إلى فتحة العين، وهو تأثير معروف باسم «التأثير البصري للأنف». ورغم ذلك، لا يظهر هذا التأثير إذا كان أنفك أفطس.

دائمًا ما يحجب الأنف والجبين والوجنتان جزءًا من المشهد الذي تراه العين. ورغم ذلك، يركز مخُّك على المعلومات المتاحة في المكان المحيط بنظرتِك المباشرة ويتجاهَل الأجزاء المفقودة الموجودة على الجانبين.

(٢٢) السحب الطائرة وشخصيات بلو مينيز الخيالية

وصف ثورن شيبلي، الأستاذ بكلية طب جامعة ميامي، ذات مرة خداعًا بصريًّا غير مألوف. فبينما كان على متن طائرة على ارتفاع شاهق، رأى طبقتَين من السحاب. إحدى الطبقتَين، التي بدت على مسافة أبعدَ من الأخرى، كانت تتحرَّك بسُرعة نحو الخلف. وبدت حركة الأخرى وثيقة الارتباط بحركة الطائرة، بحيث تتعقَّبها تمامًا على طول الطريق. وفي وقت لاحق أثناء الرحلة الجوية، استَطاع شيبلي أن يرى سطح المحيط من أسفله على بُعدٍ ساحق. وعلى الفور تبادَلَت طبَقَتا السحاب المسافات، ورأى الطبقة البَعيدة ثابتة. ما التفسير الصحيح للمسافة والحركة نسبةً إلى الطائرة؟

وفي فيلم بعنوان «الغواصة الصفراء» (والمُستَوحى من أغنية لفريق بيتلز بنفس العنوان)، مرت شخصية بلو ميني الخيالية بتحوُّلٍ ملحوظ. فعندما يكون على بُعد، يكون ضخمًا ومتوحِّشًا. وحين يكون عن قُربٍ يبدو أصغر حجمًا وأقل رعبًا. لماذا يُعدُّ هذا التحوُّل غريبًا؟

الجواب: إحدى طبقتَي السحاب كانت بعيدة بما يَكفي؛ بحيث إنها بدَت وكأنها لا تتحرَّك من منظور شيبلي. تحرَّكت الطبقة الأقرب عبْر مجال رؤيته لأن حركة الطائرة تجاوزَتْها. ونظرًا لأن المشهد كان شبه خالٍ من الإشارات الأخرى الدالة على الحركة والمسافة، فُسِّرَ عدم تحرُّك الطبقة الأولى على أنه دليل على أنها كانت تُلازم الطائرة في طيرانها؛ ومِن ثَمَّ كانت قريبة حتمًا. (وهذا النوع من الإدراك يُطلق عليه «الالتقاط البصري».) أما الطبقة الثانية فقد اعتُبر أنه لا يُوجد أي ارتباط بينها وبين الطائرة؛ وأنها مِن ثَمَّ كانت بعيدة. ولم تظهر الدلائل الوافية على العُمق والحركة لتصحيح هذه الخدعة البصرية إلا حين رأى شيبلي سطح المحيط.

وشخصية بلو ميني تبدو غريبة لأنه لا بد أن يشغل زاوية صغيرة من رؤيتك عندما يكون على بعد، ويَشغل زاوية أكبر عندما يقترب منك. ويقول شيبلي إنه كلما كانت الأجسام أقرب، من المرجح أكثر أن تزداد خطورتها مقارنةً بالأجسام البعيدة، على عكس الصورة التي خرجت عليها شخصية بلو ميني تمامًا.

(٢٣) خدعة البندول البصرية (خدعة بولفريش)

ضع بندولًا متأرجِحًا بحيث تراه في مجال رؤيتك، وفي الوقت نفسه غطِّ إحدى عينَيك بفلتر معتم (ولكنه غير أكمد). ستؤدِّي عدسة واحدة من نظارة شمسية الغرض. وعلى الرغم من أن البندول يتأرجَح في مُستوًى رأسي، فأنت تراه يتأرجَح في شكل إهليلجي. ويزداد العمق الظاهري لحركة البندول إذا رأيت أيضًا مرجعًا رأسيًّا (مثل عصا أو حبل معلَّق) أو إذا استخدمت فلترًا معتمًا أكثر. ومع وضع الفلتر فوق العين اليسرى، يبدو البندول وكأنه يدور في اتجاه عقارب الساعة (من منظور فوقي). وتَنعكِس حركة البندول عند تغطية العين اليمنى بالفلتر.

وتكون الحركة محيِّرة قليلًا إذا وضعتَ بندولَين يتأرجَح أحدهما بالقُرب من الآخر. فكلٌّ منهما يدور حول الآخر، الأمر الذي قد يستلزم أن يلفَّ الحبلان أحدهما حول الآخر. ونظرًا لأنهما لا يتشابكان، فإن حركتهما تكون غريبة.

وإذا قُدْت السيارة أثناء وضع فلتر مُعتم على عين واحدة، تتغير السرعة التي يتحرك بها جسم ما يجتاز سيارتك في المشهد. فالأجسام الموجودة على أحد جانبي السيارة تمر ببطء شديد؛ بينما تمر الأجسام الموجودة على الجانب الآخر بسرعة بالغة. كما أن الفلتر يُغيِّر المسافات الواضحة للأجسام.

كيف يغير الفلتر المعتم من إدراكنا الطبيعي لعنصرَي العمق والسرعة؟

الجواب: كمية الضوء المُتناقِصة في العين المغطَّاة بالفلتر المعتم تؤخِّر الإشارة التي ترسلها العين إلى المخ. (وهذا التأخُّر يُطلق عليه «الكمون البصري».) ومِن ثَمَّ ترى العين المكشوفة الموضع الحقيقي للبندول بينما ترى العين المغطَّاة موقعًا سابقًا. يدمج مخك المشهدين، وترى البندول إما أقرب أو أبعد مما هو عليه فعلًا. وعلى الرغم من أن حركة البندول تكون في خط مستقيم، فإن مخك يفرض عنصر العمق على الحركة، مما يجعل البندول يبدو وكأنه يتأرجح في شكل إهليلجي.
على سبيل المثال، هب أن عينك اليسرى مغطاة بالفلتر والبندول يتحرك ناحية اليمين (شكل ٧-٤أ). تقع الصورة المتأخِّرة للبندول إلى يسار الموضع الحقيقي. وبعد أن يَدمج مخُّكَ الصورتين، ترى البندول في موقع أبعد مما هو عليه في الحقيقة. وبعد أن يتحرك البندول ناحية اليسار، تكون الصورة المتأخِّرة يمين المَوضع الحقيقي (شكل ٧-٤ب). في هذه المرة، ترى البندول في موقع أقرب مما هو عليه في الحقيقة.
fig176
شكل ٧-٤: البندان ٧-٢٣ و٧-٣٠: خدعة بولفريش الخاصة بتأرجُح البندول (أ) ناحية اليمين و(ب) ناحية اليسار.

وتنطوي الصور المشوَّهة للسيارة المتحركة أيضًا على كُمونٍ بصري. هب أن الفلتر يُغطي عينك اليسرى وأنت تنظر إلى جسم ما على الجانب الأيمن من السيارة. فالاختلاف بين الموضع الحقيقي للجسم (كما تراه العين اليمنى) والموضع الذي كان فيه الجسم قبل وقت قصير (كما تراه العين اليسرى) يُجبرك على رؤية الجسم في موقع أبعد — بالنسبة إلى السيارة — مما هو عليه في الحقيقة. ونظرًا لأن الوقت الذي يستغرقه الجسم ليمرَّ خلال مجال رؤيتك يتغير، تستنتج أن الجسم الذي يبدو بعيدًا يتحرك بسرعة حتمًا. وعلى الجانب الآخر من السيارة، يجبرك الكُمون البصري على رؤية الجسم على مسافة أقرب مما هو عليه في الحقيقة. ويبدو الجسم وكأنه يمر ببطء شديد.

أخبَرَني جيري ليرنر عن صورة جديدة لهذا النوع من الخداع البصري. استَبدِل جسمًا يدور على نحو أفقي بالبندول. يُمكنك أن تُرتِّب وضع الفلتر والدوران بحيث يكون الدوران الظاهر في عكس اتجاه الدوران الحقيقي وبضَعف المُعدَّل. سيبدو الجسم وكأنه يَتمدَّد ويَنكمِش على نحو غامض.

وإنَّ تأخُّر الإشارة البصرية الصادرة عن ارتداء نظارة شمسية داكنة (أو وجود زجاج أمامي معتم للسيارة) قد يزيد المسافة اللازمة لإيقاف السيارة. هب أن النظارة الشمسية داكنة بالقدر الكافي لتأخير الإشارة البصرية لمدة ٠٫١ ثانية تقريبًا (حالة قصوى). فعند سرعة ٥٥ ميلًا في الساعة (حوالي ٩٠ كيلومترًا في الساعة)، يزيد التأخُّر مسافة التوقف حوالي ٢٫٥ متر.

(٢٤) متتالية تأخر ضوء مصابيح الشوارع

عندما تُضاء مصابيح الشوارع في آنٍ واحد عند الغروب، ربما تبدو المصابيح الأقرب لك وكأنها تُضاء في وقتٍ أبكر، مما يُعطي انطباعًا خادعًا بأن الإضاءة تَسري في المصابيح على طول الشارع مُبتعِدة عنك. وربما تبدو مجموعة المصابيح المتقاربة الموجودة عند تقاطعات الطرق وكأنها تُضاء في وقت أبكر قليلًا من المصابيح المتباعِدة. ما السبب وراء هذه الخدعة البصرية؟ لا يمكن أن تعتمد الخدعة البصرية على السرعة التي يَسري بها التيار من مصباح إلى آخر لأن تلك السرعة كبيرة للغاية. بالإضافة إلى ذلك، تَنطلق المتتالية الضوئية بعيدًا عنك أينما كان موقعك.

الجواب: ربما تعود خدعة متتالية مصابيح الشوارع إلى الكمون البصري الذي ناقشناه في البند السابق؛ حيث تكون المصابيح القريبة ساطعة أكثر من المصابيح البعيدة؛ ومِن ثمَّ يستجيب الجهاز البصري لها على نحو أسرع. وتنتج الخدعة البصرية للمصابيح التي تُنار بالترتيب المُتتالي عن الاستجابة المتأخرة تدريجيًّا للضوء الخافت أكثر، المنبعث من المصابيح الأبعد. ربما يكون هذا التفسير غير مكتمل. وقد يتوقَّف زمن الاستجابة أيضًا على الموضع الذي تقع عنده صورة مصباح الإضاءة عند شبكية العين.

(٢٥) تدريجات ماخ اللونية

fig177
شكل ٧-٥: بند ٧-٢٥: تدريجات ماخ اللونية عبْر الحد الخارجي للظل.
هب أن مصدرًا واحدًا قويًّا للضوء (مثل الشمس) يُضيء جسمًا ما ليكوِّن ظلًّا. سأتوقع أن يكون للظل حد خارجي يَتلاشى عبره سطوع الضوء تدريجيًّا حتى يصل إلى الإعتام الكامل. ورغم ذلك، في الكثير من الحالات، أجد تدريجين متوازيَين للحد الخارجي. يقع التدرُّج الغامق داخل الظلِّ والتدرُّج الفاتح خارجه (شكل ٧-٥). وإذا التقطتُّ صورة للظل وفحصتُ الحد الخارجي في الصورة، فسأظلُّ أرى التدريجات اللونية، التي يُطلَق عليها «تدريجات ماخ اللونية»، وسُميت بهذا الاسم على اسم العالم إرنست ماخ، وهو عالم النفس والفيزياء النمساوي الذي كان أول مَن درَّس هذه التدريجات.

تظهر تدريجات ماخ اللونية غالبًا عند الحدود الخارجية للظل، لكن عادةً ما يتمُّ تجاهلها. ورغم ذلك، حرص بول سينياك — رسَّام يَنتمي إلى المدرسة الانطباعية الحديثة وُلد في القرن التاسع عشر — على دمج التدريجات اللونية في لوحة له بعنوان «الغداء الشهي». تستطيع أن ترى التدريجات على جانبَي ظلِّك في ضوء الشمس. إذا كان الظل قريبًا منك (ربما يكون على الحائط)، يكون الظل محدَّدًا بشدة بالغة وتتكون تدريجات ماخ اللونية. وتكون التدريجات ظاهرة أكثر إذا كان ظلك يقع على الرصيف، ولا سيما حين تتحرَّك.

ما السبب وراء التدريجات اللونية؟ هل تنشأ من بعض الحِيَل الضوئية عند الحدود الخارجية للجسم الذي يُلقي بظلاله، أم أنها تتكون في الجهاز البصري للمرء؟

الجواب: ينتج الجهاز البصري تدريجات ماخ اللونية، ولا يُمكن رصدها بأجهزة قياس شدة الإضاءة عند الحد الخارجي للظل. ويُكوِّن الجهاز البصري التدريجات اللونية حين يُدرك صورة فوتوغرافية للظل بنفس سرعة تكوينه إياها عند إدراك الظل نفسه. وفي الوقت الحالي، لا يوجد أحد لديه تفسير كامل لسبب ظهور التدريجات اللَّونية؛ إلا أنني سأُقدِّم هنا تفسيرًا جزئيًّا فقط.

تُعزى التدريجات اللونية إلى تداخُل متبادل (يُطلق عليه «التثبيط الجانبي») بين مجموعات الخلايا المستقبلة للضوء في العين ومساراتها العصبية وأجزاء من المخ. والمجموعة التي تنشط بالإضاءة تُضعف قوة الإشارات المُرسلة إلى المخ عبْر المجموعات المُجاوِرة.

تتدبَّر المجموعات التي تقع خلاياها المستقبلة للضوء على مقربة معقولة من حدود الظل داخل شبكية العين. تثبط المجموعات البعيدة عن الظل بعضها بعضًا؛ ومِن ثَمَّ تُرسل إشارة مُتوسِّطة يُدركها الوعي على أنها منطقة مضاءة. والمجموعات الموجودة داخل الظل بالضبط تنشط على نحو ضعيف، ويُثبط بعضها بعضًا على نحو ضعيف وحسب، وترسل إشارة ضعيفة يدركها الوعي على أنها منطقة مُعتمة.

تنشأ التدريجات المُثيرة للفضول من المجموعات المتوسِّطة التي تمتدُّ عبْر الحد الخارجي للظل. تأمل مجموعة تُجاورها مجموعات مضاءة إضاءة قوية على جانب وعلى الجانب الآخر مجموعات مضاءة إضاءة ضعيفة. فالمجموعة المجاورة الأولى تثبط المجموعة — التي نتأمَّلها — أما المجموعة الثانية فتفعل ذلك على نحو ضعيف وحسب. ونظرًا لأن هذه المجموعة تعاني من تثبيط بدرجة متوسطة فقط، فإنها ترسل إشارات إلى المخ أكثر مما تفعله المجموعة البعيدة عن الظل. ومثل هذه المجموعات القريبة من الحد الخارجي للظل تُكوِّن التدريج اللوني الساطع.

بعد ذلك، تأمل مجموعة تجاورها مجموعات واقعة في الظل على جانب واحد، وعلى الجانب الآخر مجموعات مُضاءة إضاءة ضعيفة عند الحد الخارجي للظل. تُسفر المجموعة عن ظلامٍ؛ لأنها تُواجه تثبيطًا أقل من المجموعة الموجودة داخل الظل بالضبط. ومثل هذه المجموعات تُكوِّن التدريج اللوني الداكن.

وتبرز تدريجات ماخ اللونية حين يَشغل الحد الخارجي للظل (منطقة الانتقال من المجموعات المضاءة إضاءة جيدة إلى المجموعات المُعتمة) زاوية مقدارها درجتان تقريبًا من المشهد الذي تراه. ولا تظهر التدريجات عندما يكون الحد الخارجي محددًا بدقة أكبر.

(٢٦) عالمٌ مقلوبٌ رأسًا على عقب

نظرًا لأن العين تقوم مقام العدسة المحدبة، فإنها تُكوِّن صورة حقيقية للعالم مقلوبة في شبكية العين. (على سبيل المثال، تظهر الأرض في الجزء العلوي من شبكية العين، بينما تظهر السماء في الجزء السفلي). إذن، كيف نرى العالم في الاتجاه الصحيح؟ لو ارتديت نظارات خاصة (منشورًا زجاجيًّا) تعكس صورة العالم، فهل سترى العالم مقلوبًا رأسًا على عقب؟

الجواب: في الرؤية الطبيعية، يُفسِّر المخ صورة العالم المقلوبة في الاتجاه الصحيح من واقع الخبرة السابقة. على سبيل المثال، عندما تفرد يدك لأعلى أمام وجهك، تكون صورة يدك — المتكوِّنة في الشبكية — ممدودة إلى أسفل. ورغم ذلك، يدرك المخ الصورة من خلال تفسير مد اليد على أنها حركة متجهة إلى أعلى. وإذا ارتديت نظارات خاصة تقلب الصورة، يستغرق المخ عدة ساعات، وربما أيام، لضبط تفسيراته. وحتى ذلك الحين، سيبدو العالم مقلوبًا رأسًا على عَقِب، ولكن بعد الضبط سيرى المخ العالم مرة أخرى في اتجاهه الصحيح. وعندما تَخلع النظارات سيحتاج المخ إلى إجراءِ ضبط آخر قبل أن يبدو العالم في وضعه الصحيح مرة أخرى.

(٢٧) الظلال المعكوسة، وتأثير الفقاعة

اصنع ثقبًا في قطعة ورق غير شفافة، وأمسك بالورقة على بُعدِ بضعة سنتيمترات من عينك، وأغمض عينك الأخرى، ثم أمسك مسمارًا دقيقًا بين الثقب وعينك المفتوحة. حرك المسمار حتى تظهر صورة ظلية للمسمار داخل دائرة الضوء الصادر من الثقب. لماذا تكون الصورة معكوسة بالنسبة إلى اتجاه المسمار؟ لماذا تتكون الصورة فيما يبدو خلف الورقة؟

انظر بعينٍ واحدة إلى ضوء بعيد عبْر الثغرة التي تصنعها بإصبع الإبهام وإصبع أخرى، بحيث تكون الإصبع أبعد بعض الشيء عن إصبع الإبهام. تتكون فيما يبدو «فقاعة» على إصبعك على امتداد الجزء الموجود داخل الثغرة. وكلما ضاقت الثغرة، برَزتِ الفقاعة أكثر إلى أن تملأ الثغرة بالكامل. ما سبب «تأثير الفقاعة»؟

لاحظ القبطان جيمس كوك تأثير الفقاعة عام ١٧٦٩ أثناء مرور كوكب الزهرة أمام الشمس؛ فبينما كان كوكب الزهرة يتحرَّك عبْر مجال رؤية كوك للشمس، كوَّن كوكب الزهرة نقطةً سوداء، ورغم ذلك، عندما اقترب من حافة الشمس، ظهر حاجز أسود بين النقطة والحافة، كما لو أن النقطة تحوَّلت إلى فقاعة.

الجواب: تقوم العين مقام العدسة المحدبة، وتُنتج صورة مقلوبة عند الشبكية. هب أن رأس المسمار بالقرب من مركز رؤيتك ويمتد إلى أسفل. تكون الصورة مقلوبة رأسًا على عقب وتمتد عبْر النصف العلوي من شبكية العين. ومن واقع الخبرة، يقلب مخك الصورة لكي ترى المسمار في الاتجاه الصحيح.

كما أن المسمار يُكوِّن ظلًّا داخل شبكية عينك لأنه يَحجب جزءًا من الضوء الصادر من الثقب. ونظرًا لأن المسمار موجود في النصف السفلي من المشهد، يقع الظل عبْر النصف السفلي من شبكية العين. ورغم ذلك، ونظرًا لأن المخَّ يقلب الصور المتكوِّنة عند شبكية العين، ترى الظل في النصف العلوي من المشهد. ومِن ثَمَّ ترى المسمار في اتجاهه الصحيح، ولكن يكون ظله مقلوبًا رأسًا على عقب.

أما بالنسبة إلى تأثير الفقاعة، فبينما تُقلِّل الفجوة التي تراها بين إصبع الإبهام والإصبع الأخرى، تحجب إصبع الإبهام جزءًا من الضوء الذي يمرُّ عبْر الإصبع. وينتج عن تقليل الإضاءة منطقة مُعتمة عند شبكية العين إلى جوار صورة الإصبع التي تمتد فيما يبدو إلى الفجوة كما لو أنها فقاعة. وكلما كانت الفجوة ضيقة، حجبت المزيد من الضوء، ويبدو الامتداد أكبر حجمًا.

(٢٨) انعكاس عجيب لكرة تتدلى من شجرة الكريسماس

تستطيع كرة لامعة تتدلَّى من شجرة الكريسماس أن تَعكِس لك غرفة بأكملها تقريبًا. هب أنك وضعت مصدرًا صغيرًا للضوء (مثل ثقب مضيء) أمام الكرة ثم نظرت إلى انعكاس الكرة من بُعد ١٠ سنتيمترات. إذا كان نور الغرفة مضاءً، فسيكون انعكاس المصدر عبارة عن نقطة من الضوء. وإذا كان نور الغرفة مغلقًا، يمتدُّ الانعكاس تدريجيًّا في خطٍّ مستقيم. ويَنكمِش سريعًا مرةً أخرى إذا أضأت نور الغرفة. ما سبب حدوث هذا التشوُّه حين تكون الغرفة مُظلمة؟

الجواب: ينعكس شعاع الضوء من مصدر الضوء في عدة اتجاهات من السطح الكروي للكرة. إذا كانت عيناك قريبتين بالدرجة الكافية، فإنها تعترضان سبيلَ قدرٍ كبير من الشعاع المتشعِّب وتركزانه عند الشبكية. ما تراه هي صورة للمصدر تبدو واقعة خلف سطح الكرة القريب. فعندما تكون الغرفة ذات إضاءة جيدة، يضيق بؤبؤ العين بالدرجة الكافية لإنفاذ نطاقٍ محدود من الشعاع المنعكس. وحينئذٍ تكون صورة مصدر الضوء عبارة عن نقطة صغيرة. وعندما تكون الغرفة مُظلمة، يتسع بؤبؤ العين، ويسمح بنفاذ نطاقٍ أكبر من الشعاع المنعكس إلى داخل العين، وترى صورة ممتدة للمصدر.

(٢٩) أشكال النقاط العشوائية الدوارة

انثر حبرًا أو طلاءً على قطعة ورق ثم انسخها نسخة فوتوغرافية على ورقة شفافة. ضع الورقة الشفافة على النسخة الأصلية لكي تتطابق النقاط مع النقاط المُتماثلة. ضع إصبعك على نقطة في الورقة الشفافة بينما تدير باقي الورقة حول إصبعك. بالنسبة إلى الدوائر الواسعة البعيدة عن المحور تَبقى النقاط عشوائية، أما بالنسبة إلى الدوائر الضيقة القريبة منه، فيبدو أن نقاطًا كثيرة تقع على دوائر غير مرئية.

ومع مزيد من التدوير، يتَّجه ترتيب النقاط هذا إلى الداخل نحو إصبعك إلى أن يختفي. ويمكن تكوين تصميمات أخرى بتحويرات مختلفة للورقة الشفافة وتحريكها على نحو مختلف. وإذا أنتجت ورقة شفافة بماكينة التصوير أصغر من النسخة الأصلية نوعًا ما، ثم وضعت الورقة الشفافة فوق النسخة الأصلية، تظهر أشكال حلزونية وغيرها من الأشكال الأخرى. ما هو سبب ظهور هذه الأشكال بهذه الترتيبات المتنوعة التي سُمِّيت «أشكال جلاس» على اسم العالم ليون جلاس من جامعة مكجيل الذي اكتشف هذه الأشكال عام ١٩٦٩؟ ويختفي هذا الترتيب إذا كان الشكل الثاني صورة سلبية للشكل الأول وذا خلفية رمادية ظلية متدرجة. هل هذه النتيجة تُشير إلى أن رؤية دوران الأشكال تتوقف على درجة التباين بين النقاط والخلفية الموجودة في كل شكلٍ من الأشكال؟

الجواب: الحركة الدائرية الموجودة في أشكال النقاط العشوائية غير مفهومة بالتفصيل؛ فالجهاز البصري يفحص الشكل بالكامل ليربط بين أزواج النقاط التي كانت مصطفَّة فيما سبق. وإذا نظرت إلى جزء صغير وحسب، تعجز عن ربط النقاط ببعضها ولا ترى أي شكل. وقد يرجع الربط بين أجزاء المشهد بأكمله إلى ترتيب الجهاز البصري لها في مجموعات مصمَّمة لتمييز الخطوط والحدود.

هب أن الكثير من هذه المجموعات يستثيرها زوج من النقاط التي كانت مُصطفَّة فيما سبق. حينئذٍ، يقارن المخ بين المجموعات ويُدرك أن لكل نقطة زوجًا من النقاط المترابطة في دائرة غير مرئية، ويستوعب المخ الحركة الدائرية. وعندما يدور شكل بعيدًا عن الشكل الآخر، تحث النقاط التي كانت مصطفة فيما سبق ظهور مجموعات مختلفة وتعجز أنت عن إدراك الحركة الدائرية.

بالإضافة إلى الحاجة إلى تدوير الأشكال في دوائر صغيرة، قد يتطلَّب المخُّ أن تحظى النقط بنفس درجة التباين مع الخلفية. ومِن ثَمَّ فعندما يكون أحد الأشكال صورة سلبية لشكل آخر وذا خلفية ظلية رمادية اللون، لا يتمُّ تمييز أي نمط، حتى عندما توجد حركة دائرية صغيرة للنقاط.

(٣٠) أشكال التشويش على شاشة التلفزيون

اضبط التلفزيون على قناة لا تنقل أيَّ إشارة بحيث تَمتلئ الشاشة بالموجات العشوائية المتداخِلة التي يُطلَق عليها التشويش. إذا وضعت دائرة حول الشاشة، يبدو أن التشويش ينساب على طول حدود الدائرة. وإذا وضعت شبكة ذات خطوط قطرية على الشاشة، تبدو النقاط وكأنها تتحرك عموديًّا على الخطوط؛ ومِن ثمَّ تظهر وكأنها تتحرَّك في دوامة. وتُجبر شبكة من الدوائر متَّحدة المركز النقاط على التدفُّق بسرعة إلى الخارج من مركز الشبكة. لماذا تظهر مثل هذه الأشكال من تشويش شاشة التلفزيون؟

عندما تنظر إلى الشاشة المشوشة بعين واحدة مغطَّاة بفلتر مُعتم (ولكن غير أكمد)، يتجزأ التشويش إلى شكل مذهل. (ستؤدي عدسة نظارة شمسية الغرض.) تظهر النقاط البيضاء الموجودة على الشاشة على مستويين؛ أحدهما أمام الشاشة والآخر وراءها. تتحرك النقاط الموجودة على أحد المستويَين بانتظام ناحية اليسار؛ في حين تتحرك النقاط الموجودة على المستوى الآخر بانتظام ناحية اليمين. ما السبب وراء ظهور هذا الشكل الواضح واتجاه حركة النقاط وتغيُّر العمق؟

الجواب: الحركة الواضحة للنقاط، المُحفَّزة بوجود شكل معين أو شبكة على الشاشة، هي بالتأكيد خدعة بصرية؛ لأن النقاط تظهر وتختفي على نحو عشوائي. ورغم ذلك، يُصرُّ الجهاز البصري على رؤية سلسلة نقاط على امتداد اتجاه واحد باعتبارها حركة لنقطة واحدة فقط. ولا أحد يعلم تحديدًا السبب وراء وجود اتجاه مفضل للحركة التي تراها العين. ورغم ذلك، من الواضح أن الاتجاه المفضل يُحفَّز باتجاه حدود الشبكة أو الشكل الموجود على الشاشة.
عندما تُغطَّى عين واحدة بفلتر معتم (ولكن غير أكمد)، تتأخر الإشارة البصرية القادمة من تلك العين. وفي حين أن العين المكشوفة ترى في التوِّ نقطة على الشاشة، فإن العين المغطَّاة ترى نقطة على الشاشة في وقت لاحق. وكما هي الحال مع خدعة بولفريش (التي ناقشناها في البند ٧-٢٣)، يحاول المخ أن يتعرَّف هاتَين الصورتين باعتبارهما نقطة واحدة. ولكي يقوم بذلك، تُرى النقطة على أنها أمام الشاشة أو خلفها (انظر شكل ٧-٤). ومِن ثَمَّ، تنشأ الخدعة البصرية الخاصة بعمق النقاط من تأخُّر الإشارة البصرية القادمة من العين المغطاة.

هب أنك ترى في اللحظة التالية زوجًا من النقاط يمين الزوج الأول مباشرة. مرةً أخرى يدمج المخ الصورتين ليرى نقطة واحدة. ويستطيع المخ أيضًا أن يفسر النقطة الجديدة باعتبارها نقطة سابقة أُزيحت في تلك اللحظة ناحية اليمين. والمزيد من الدمج والتفسيرات يُعطي انطباعًا خادعًا بأن النقطة تتحرك إلى اليمين على الشاشة. وتبدو النقاط الأخرى وكأنها تتحرَّك ناحية اليسار.

ولعلَّ تفسيري يجانبه الصواب؛ فربما يهتم المخ أولًا بالبحث عن حركة ظاهرة ثم يهتم بإضافة عمق لها. والنتيجة النهائية واحدة: يتسبَّب المخ في خدعة النقاط المتحركة في اتجاهين متعاكسين وعلى مستويين مختلفين وبعمقين مختلفين.

(٣١) ابتسامة الموناليزا

واحدة من أكثر الابتسامات سحرًا في العالم هي ابتسامة لوحة الموناليزا لليوناردو دا فينشي. ما الذي يجعل تلك الابتسامة فاتنة للغاية؟

الجواب: ربما تبدو رؤيتك ثابتة على نحو معقول؛ إلا أنها تتغيَّر باستمرار بسبب «الموجات العشوائية المتداخلة» الخفية؛ أي تذبذُب الإشارات ومعالجة الإشارات من شبكية العين على طول الطريق وصولًا إلى المستوى الواعي للمخ. عند استثارة الخلايا المستقبلة للضوء والخلايا العصبية فإنها تُطلق إشاراتها أو تفشل في ذلك، وتتذبذب درجة امتصاص الضوء في الخلايا المستقبلة للضوء، ويُساء تفسير الخطوط والأشكال أو تتذبذب بين تفسيرات مُتباينة. وهذه التذبذبات وغيرها من التنويعات تُغيِّر من زوايا ابتسامة الموناليزا على نحو مُبهَم، مما يتسبب في رفع أو إنزال زوايا الفم على نحو عشوائي ويُغيِّر الحالة المزاجية البادية على وجه الموناليزا. أنت لا تدرك هذه التغييرات، ولكن تأسرك الابتسامة الغامضة على أيِّ حال.

(٣٢) الصور المتكرِّرة العائمة على شاشة التلفزيون

أثناء مشاهدة التلفزيون في غرفة مُظلمة إلى حدٍّ ما، انظر بسرعة من مسافة متر تقريبًا إلى يسار الشاشة إلى يمين الشاشة بمسافة متر. في أثناء الحركة الدائرية السريعة ناحية يمين شاشة التلفزيون، سترى نسخةً واحدةً أو أكثر مُطابقة وساطِعة ومُفصلة للصورة المعروضة على شاشة التلفزيون. تكون كل نسخة مائلة نحو اليمين.

ما الذي يُكوِّن هذه النسخ المطابقة؟ في أي اتجاه ستميل الصور إذا حركت نظرتك حركة دائرية سريعة في الاتجاه المعاكس؟ لماذا يؤدِّي ازدياد المسافة بينك وبين الشاشة إلى زيادة انحراف النسخ المتطابقة والمسافة الفاصلة بينها؟ هل الحركة الرأسية تُسفِر عن صور مُتكرِّرة؟ هل يمكن تكوين الصور عندما تُحرِّك نظرتك سريعًا أثناء مشاهدة فيلم على شاشة التلفزيون؟

الجواب: تُكوِّن الخطوط الأفقية الصورة المعروضة على شاشة التلفزيون بسرعة بالغة، بدايةً من أعلى الشاشة ونزولًا إلى أسفل، خطًّا تلو الآخر. هب أن نظرك يتحرَّك نحو اليمين أمام الشاشة بينما تُكوِّن الأشعة الخط العلوي. يبقى الخط مرئيًّا لمدة قصيرة بسبب ثبات الرؤية. ونظرًا لأن نظرك يتحرك نحو اليمين، تنتقل الصورة الثابتة للخط العلوي ناحية اليمين حين يتكون الخط الثاني على الشاشة. في الواقع، بينما يتكون خط جديد على الشاشة، لا يزال بإمكانك أن ترى الخط السابق؛ إلا أن الخطوط تنتقل ناحية اليمين بسبب حركة نظرك. تكون الحركة أكبر ما يكون بالنسبة إلى الخط العلوي وأقل ما يكون بالنسبة إلى الخط السفلي. وتراكب الخطوط هو ما يضيف عنصر الانحراف إلى النسخة المطابقة لما هو معروض على شاشة التلفزيون.

وينتج عن تحريك نظرك نحو الأسفل نسخة مطابقة مضغوطة، بينما تسفر الحركة نحو الأعلى عن نسخة مطابقة ممطوطة رأسيًّا. ونظرًا لأن الأفلام تُعرَض على شاشة التلفزيون على هيئة سلسلة من الصور السينمائية المتتابعة، فإنها لا تظهر نسخًا متطابقة متكررة.

(٣٣) القراءة عبْر ثقب صغير

هل يُمكنك أن تقرأ بإجهاد أقل للعين إذا ما قرأت عبْر ثقب أمام عينيك؟ تُباع نظارات القراءة ذات الثقب الصغيرة على أمل تخفيف الشد العضلي للعينين لأنه يتمُّ تقليص الحاجة إلى التكيُّف (التركيز) التي تفرضها هذه العضلات بطبيعة الحال أو التخلُّص منها. وتتمثل الحجة هنا في أنك حين تنظر عبْر ثقب صغير، فأنت تزيد من «عمق البؤرة» (المدى الذي تكون فيه الأجسام تحت بؤرة التركيز) ولا تحتاج إلى تكييف العينين. هل هذه الحجة سليمة؟

الأبراص، التي تعيش في المناطق الصحراوية، لا تقرأ عبْر الثقوب الصغيرة، إلا أنها تَستخدمها لترى خلال الأنوار الساطعة؛ فأثناء الليل، ينفتح غشاءان فوق فتحة العين ليُكوِّنا شقًا طوليًّا يستطيع البرص أن يرى من خلاله. وأثناء النهار، يُغلق الغشاءان الشق؛ ولكن تبقى أربع فتحات على حواف الغشاءين. كيف يستعين البرص بالأربع فتحات ليرى الضحية؟ أليست فتحة واحدة ستؤدي الغرض على نحو أفضل؟

الجواب: الحجة الخاصة بالقراءة عبْر ثقب صغير ليست حجة سليمة. فالتكيف مقرون بتقارب العينين؛ أي توجيههما إلى زاوية يلتقي فيها خطا الرؤية عند نفس الجسم. عندما تقرأ هذه الصفحة على بعد ٢٥ سنتيمترًا مثلًا، يجب أن تتقارب عيناك عند زاوية معينة لكي تتمكنا من دمج الصورتين الآتيتين من العينين ذهنيًّا وتكوين صورة واحدة. والتقارب يجبر العين تلقائيًّا على التكيف؛ حتى وإن كنت تنظر عبْر ثقوب صغيرة. ومِن ثَمَّ، فالثقوب الصغيرة لا تخفف إجهاد العينين.

تقلل الفتحات المتعددة في العين المغلقة للبرص عمق البؤرة. حينئذٍ يستطيع البرص أن يؤقلم عينه بحيث تكوِّن الفتحات الأربع صورة واضحة واحدة لجسم الضحية بينما تكوِّن أربع صورًا متداخلة نوعًا ما لأي جسم آخر. يولي البرص الانتباه إلى الصورة الواضحة، لا إلى الصور الضبابية الأخرى.

(٣٤) لونا إصبعك

بينما تجلس في غرفة معتمة وتنظر بعين واحدة فقط، مد ذراعك وافرد إصبعًا واحدةً أمام نافذة بعيدة ساطعة. ركِّز على النافذة (أو حتى على ما هو أبعد من ذلك)، لا على إصبعك. يحفُّ بجانبَي إصبعك ضوء ملوَّن باهت؛ أحمر على جانب وأزرق على الجانب الآخر. ما سبب ظهور اللونين؟

الجواب: أولًا تأمل شعاع ضوء أبيض يمر ناحية يسار إصبعك مباشرة. يوصف الضوء باللون الأبيض لأنه يتكون من كميات متساوية تقريبًا من الألوان الواقعة في نطاق الطيف المرئي. وبمجرد أن يخترق الضوء العين ثم ينفذ إليها، تنتشر الألوان في نهاية الأمر عبْر مساحة صغيرة من شبكية العين، بحيث يكون اللون الأزرق على جانب واحد واللون الأحمر على جانب آخر، وتَنتشِر الألوان الفرعية (الوسيطة) بين اللونين الأحمر والأزرق. وبوجه عام، لا يمكنك أن ترى هذه الألوان بسبب تداخلها عند شبكية العين. وعلى الرغم من ذلك، عند وضع الإصبع أمام نافذة مضاءة بضوء ساطع، تُلقي الإصبع بظل قاتم على شبكية العين، مما يحد من تداخل الألوان المجاورة لهذا الظل؛ وبذلك يُمكنك أن ترى اللون على طول ذلك الظل. واستنادًا إلى الزاوية التي يَنفُذ بها الضوء إلى العين، يظهر اللون الأحمر على أحد جانبَي الظل بينما يظهر اللون الأزرق على الجانب الآخر.

(٣٥) رؤية النجوم أثناء النهار عبْر أسطوانة

منذ أن طرح أرسطو الفكرة لأول مرة، والناس يؤمنون أن بإمكانهم أن يروا النجوم أثناء النهار إذا ما نظروا خلال أسطوانة طويلة كمدخنة طويلة مثلًا. تقلل الأسطوانة كثيرًا من وهج السماء، تاركةً رقعة صغيرة فقط عند الفوهة. يتيح الضوء المتناقص للناظر التكيُّف جزئيًّا على الظلام. ورغم ذلك، هل هذه التدابير كافية لإتاحة رؤية النجوم في تلك الرقعة من السماء؟

الجواب: لا يمكن رؤية النجوم عبْر أسطوانة طويلة بالطريقة الموصوفة آنفًا؛ لأن رقعة السماء المحيطة بالنجوم تكون على نفس قدر السطوع الذي تكون عليه السماء بدون استخدام الأسطوانة. وعلى الرغم من أن النظر عبْر الأسطوانة يقلِّل الوهج الإجمالي النافذ إلى العين، فإنه لا يُغيِّر حقيقة الافتقار إلى درجة التباين بين النجوم وما يُحيط بها. بل ربما تقلل الأسطوانة من وضوح رؤية النجوم؛ فإذا نظرت إلى منطقة صغيرة مُضيئة يحيط بها الظلام، لا بد أن تكون المنطقة المضيئة أكثر سطوعًا من درجة معينة لو أردنا رؤيتها. وتقل هذه الدرجة إذا كانت المنطقة المحيطة ساطعةً بعض الشيء.

(٣٦) حركة عين مراقب النجوم

لماذا تكون فرصتُكَ أفضل لرؤية النجوم المُعتمة المجاورة للنجوم الساطعة إذا حركت عينيك ناحية جانب واحد من النجوم؟ وعندما تكون في مكانٍ مظلم جزئيًّا، لماذا يُمكنك أن ترى مصدرًا للضوء الخافت على نحو أفضل إذا تحاشيت النظر إليه مباشرةً؟ استغَل أرسطو هذا الأسلوب ليُبرهن على أن المُذنَّبات ليست كواكب يفصل بين ظهورها فترات زمنية طويلة؛ لأنه عندما تتحرَّك العينان ناحية جانب واحد من المُذنَّب، يُمكنك أن ترى الذيل.

الجواب: في الإضاءة الخافتة، عندما تنظر إلى نجمةٍ في ليلةٍ مُظلِمة مثلًا، يتبلَّد الإحساس في الخلايا المخروطية المستقبلة للضوء ولا يُمكن تمييز الضوء إلا من خلال الخلايا العصوية. وإذا نظرتَ مباشرةً إلى النجمة، تقع صورتها عند النقرة المركزية، التي تحتوي على الخلايا المخروطية فقط؛ ومِن ثَمَّ لا يُمكنك أن تراها. وإذا حركت نطاق رؤيتك المباشرة عبْر النجمة، تقع الصورة عند أجزاءٍ أخرى من شبكية العين حيث توجد الخلايا العصوية؛ وحينئذٍ تستطيع رؤية النجمة.

(٣٧) درجة وضوح الأجسام من الفضاء الخارجي

ما أصغر جسم يستطيع أن يراه رواد الفضاء على سطح الكرة الأرضية من الفضاء الخارجي دون الاستعانة بأيِّ أجهزة؟ هل يُمكنهم رؤية المدن الكبيرة أو المباني الضخمة مثل الأهرامات؟ كانت الرحلات الأولى لكوكب المريخ مخيِّبة للآمال بالنسبة إلى البعض؛ لأن الصور لم تُبدِ أيَّ مظاهر دالة على وجود حياة ذكية. ما مظاهر الحياة على كوكب الأرض التي تظهر في الصور الفوتوغرافية للكوكب لو أن درجة الوضوح مقتصرة على مسافة كيلومتر واحد تقريبًا؟

الجواب: ليس بإمكان رائد الفضاء أن يرى أي مَظاهر للحياة الذكية على كوكب الأرض عندما يرى سطح الكوكب مِن الفضاء بالعين المجرَّدة أثناء النهار. يُحدِّد حيود الضوء (انتشاره) أثناء مروره عبْر بؤبؤ العين نطاق وضوح رؤية المرء. ومن الفضاء الخارجي (على بعد ٨٠٠ كيلومتر فوق سطح الأرض، مثلًا) يكون الحيود كافيًا لتشويش تفاصيل كافة مظاهر العمران الإنساني تقريبًا. والمباني التي يصل عرضها إلى كيلومتر تقريبًا تكون عند الحد الأدنى للوضوح. ورغم ذلك، عندما يرى رائد الفضاء كوكب الأرض أثناء الليل، تَبرُز الشواهد الدالة على وجود حياة لأنه يُمكن رؤية الأضواء المنبعثة من المدن الكبرى.

(٣٨) النحل ونمل الصحراء والضوء المُستقطَب

يُقال إن شعاع الضوء القادم إليك مباشرةً من الشمس يكون «غير مُستقطَب»؛ لأن مجالاته الكهربائية تتذبذب في كل اتجاه مُتعامد على شعاع الضوء. ورغم ذلك، يُقال إن شعاع الضوء الذي يصل إليك بعد الانتشار عبْر جزيئات الهواء يكون «مُستقطَبًا» لأن مجالاته الكهربائية تتذبذب على طول محور وحيد مُتعامد على الشعاع. لعلك لا تلاحظ الفارق، إلا أن بعض الحيوانات، مثل النحل ونمل الصحراء، تتبين طريقها برصد شكل الضوء المُستقطَب الذي تراه في السماء. على سبيل المثال، عندما تخرج نملة الصحراء بحثًا عن طعام، فإنها تلاحظ الزوايا بين اتجاه جسدها واتجاه استقطاب ضوء السماء. وحين ترغب في العودة إلى عشِّها مرةً أخرى، تحسب اتجاه العش من خلال جمع كافة المعلومات الخاصة بالزوايا بكل كفاءة. وهذه العملية الحسابية مُدهِشة؛ لأنها قد تشتمل على عدة مئات من الزوايا.

كيف تكتشف هذه الحشرات استقطاب الضوء؟

الجواب: يُقال إن عيون النحل ونمل الصحراء مركبة؛ لأنها تتكوَّن من ألف خلية أو أكثر من الخلايا المُستقبِلة للضوء التي تُسمى «الأوماتيديا». وفي كل خلية من هذه الخلايا، ينفذ الضوء عبْر عدسة أمامية ومخروط يتكون من مادة بلورية شفافة ثم إلى داخل بِنية مستطيلة تُسمى «رابدوم» (شعيرة حسية). وتلك البِنية مقسَّمة إلى تسعة أجزاء فرعية مرتَّبة حول المحور الرئيسي على امتداد طولها. وتترابط هذه الأجزاء معًا من خلال تداخل المناطق التي تحتوي على الصبغة الحساسة للضوء (الرودوبسين). وتؤدِّي خلايا الأوماتيديا وظيفتها من خلال إرسال الضوء على طول خط الوسط لكي يتسنى للصبغة أن تمتصها وترسل إشارة إلى مخ الحشرة.

وأحد الأجزاء الموجودة في خلايا الأوماتيديا يستطيع تمييز استقطاب الضوء. وداخل بعض خلايا الأوماتيديا، يكون التواء هذا الجزء في اتجاه عقارب الساعة حول المحور الرئيسي، بينما يكون الالتواء في باقي الأجزاء الأخرى عكس اتجاه عقارب الساعة. وتتبيَّن الحشرة اتجاه استقطاب الضوء وقوَّته من خلال توظيف ثلاث إشارات؛ اثنتان منها تأتيان من الأجزاء الحساسة للاستقطاب، واحدة من كل اتجاه من اتجاهي الالتواء. وتأتي الإشارة الثالثة من مجسَّات الأشعة فوق البنفسجية الموجودة في خلايا الأوماتيديا التي تُظهر سطوع الأشعة فوق البنفسجية. وبناءً على هذه الإشارات الثلاث الآتية من مجموعة خلايا الأوماتيديا الموجودة في جزء من العين، تستطيع الحشرة أن ترصد استقطاب السماء.

في الوقت الحالي، لا أحد يعرف كيف يُوظِّف مخ الحشرة هذه المعلومات. ورغم ذلك، فإننا نعرف قطعًا أن النحل ينقل المعلومات فيما بينه من خلال «الرقصة الاهتزازية»، وهي عبارة عن مسار تحليق دائري خاص يُرمَز فيه إلى المعلومات.

ويُمكن استغلال القدرة على تمييز الضوء المُستقطَب بطرق أخرى بخلاف معرفة الطرق. على سبيل المثال، بعض الحشرات المائية تتتبَّع الأجسام تحت المياه من خلال استقطاب الضوء المنعكس من المياه. ويرتدي الناس نظارات شمسية مُستقطِبة لأن العدسات تمتص الضوء المُستقطَب أفقيًّا؛ ومِن ثمَّ تقصي الوهج بعيدًا عن المياه. والأهم بالنسبة إلى سائقي السيارات، يُستقطَب الضوء المنعكس من سطح الأسفلت أفقيًّا ومِن ثَمَّ تُقصيه النظارات الشمسية المُستقطِبة. وأحيانًا تخطئ حشرة ذبابة مايو في إدراك الضوء المُستقطَب المنعكس من الأسفلت على أنه مياه. وحينئذٍ تندفع نحو الأسفلت وتضع بيضها الذي سرعان ما يَهلك في هذا الموضع.

(٣٩) فرشاة هايدينجر

في مقدور معظم الناس أن يُميِّزوا استقطاب الضوء بالعين المجردة. انظر إلى خلفية ساطعة ليس بها أشكال مميزة عبْر فلتر مُستقطِب. (عدسة نظارة شمسية مُستقطِبة ستؤدِّي الغرض هنا.) على طول خط الرؤية الخاص بك، ولمدة بضع ثوانٍ، من المفترض أن ترى شكلًا باهتًا صغيرًا أصفر اللون على هيئة ساعة رملية، محاطًا بمناطق زرقاء اللون (شكل ٧-٦). يُسمى الشكل «فرشاة هايدينجر» على اسم العالم فيلهلم كارل فون هايدينجر الذي اكتشف الشكل عام ١٨٤٤.
fig178
شكل ٧-٦: بند ٧-٣٩: الشكل الذي تراه في الضوء المُستقطَب.

وللحفاظ على وضوح رؤية فرشاة هايدينجر، قم بتدوير الفلتر حول خط رؤيتك بحيث يتغير اتجاه استقطاب الضوء النافذ إلى عينك. يدور شكل الساعة الرملية أيضًا (بحيث يُبقي المحور القصير للجزء الأصفر موازيًا لاتجاه استقطاب الضوء). يتعزز الشكل إذا كانت الإضاءة تميل إلى اللون الأزرق أكثر من أي لون آخر، والسماء الزرقاء تؤدِّي الغرض على نحو جيد.

لا يستطيع جميع الأشخاص أن يروا فرشاة هايدينجر، ويبدو أن شكلها يعتم مع التقدم في العمر؛ فحين كنتُ أصغر سنًّا كان بإمكاني أن أراها بدون استخدام فلتر؛ وذلك من خلال النظر إلى ضوء السماء، الذي يكون مُستقطَبًا. أي جزء من العين يتسبَّب في ظهور هذا الشكل وما سبب حساسية العين تجاه استقطاب الضوء؟

الجواب: يُعزى ظهور فرشاة هايدينجر عادةً إلى «بُقعة الشبكية»، وهي عبارة عن منطقة متداخلة مع النقرة المركزية. في البداية، كان يُعتقَد أن الحساسية تجاه استقطاب الضوء تُعزى إلى توزيع جزيئات الصبغة المسئولة عن اللون الأصفر في تلك المنطقة. تمتصُّ هذه الجزيئات الضوء الأزرق ذي درجة الاستقطاب المحدَّدة. وكان يُعتقد أن الجزيئات موجهة على طول خطوط قُطْرية ذات مركز مشترك. وتشير أحدث النماذج إلى أن الجزيئات يجب ألا تكون موجهة في حد ذاتها. وبدلًا من ذلك، قد تجتمع في مناطق يتسبَّب توجُّهها معًا في الامتصاص الانتقائي لأحد اتجاهات استقطاب الضوء الأزرق.

ومن أجل فهم أيٍّ من هذَين النموذجَين، أتخيَّل أن الأصباغ التي تُغطي بقعة الشبكية تقع على طول خطين مُتقاطعَين، أحدهما أفقي والآخر رأسي. فإذا نفذ ضوء أزرق مُستقطَب رأسيًّا إلى عينَيك، يُمرر الخط الرأسي الضوء إلى الخلايا المخروطية الكامنة، إلا أن الخط الأفقي يمتص الضوء، مانعًا إياه من الوصول إلى هذه الخلايا. وعوضًا عن ذلك، إذا نفذ الضوء المُستقطَب أفقيًّا إلى عينَيك، يمرر الخط الأفقي الضوء ولا يمرره الخط الرأسي.

هب أن الضوء المُستقطَب رأسيًّا ينفذ إلى العين، وأن لون الضوء أبيض تقريبًا إلا أنه يحتوي على قدر من اللون الأزرق أكبر من أيِّ لون آخر. حينئذٍ تُستثار الخلايا المخروطية الموجودة خلف الخط الرأسي وأنت ترى الضوء الأزرق على طول الخط الرأسي. ورغم ذلك، يمتص الخط الأفقي الضوء الأزرق، وتَستقبل الخلايا المخروطية الموجودة خلف ذلك الخط باقي الألوان الموجود في الضوء النافذ إلى العين. ويُرى اللون الأصفر نتيجة لإقصاء اللون الأزرق من الضوء الأبيض أو الأقرب إلى الأبيض. ومِن ثَمَّ أنت ترى خطًّا أفقيًّا من اللون الأصفر يظهر على هيئة الساعة الرملية من الفرشاة. وترى الخط الرأسي أزرق اللون على هيئة المنطقتَين الزرقاوين على جانبي الساعة الرملية.

وإذا كان هذا التفسير كاملًا، فلن ترى المنطقتَين الزرقاوين عندما ترى الفرشاة في السماء أو في أي نطاق واسع من الضوء الأزرق الطاغي؛ لأنه لا يُمكن تمييز المناطق الزرقاء عن الخلفية. ومِن أجل استكمال التفسير، يجب أن نفترض أن المخ يرى اللون الأزرق «الإضافي» في هذه المناطق. ومن المفترض أن هذا «التلوين الذاتي» يُستثار باللون الأصفر الخاص بالساعة الرملية المُجاورة لهذه المناطق.

(٤٠) لون الظلال

في عام ١٨١٠، وصف يوهان فولفجانج فون جوته، أحد المستكشفين الرواد لمفهوم رؤية الألوان، التجربة التالية: «ضع شمعة قصيرة مضاءة في فترة الغروب على ورقة بيضاء، ثم ضع قلم رصاص في وضع قائم بينها وبين ضوء النهار المتضائل بحيث يبرز ظله الذي تلقي به الشمعة، ولكن لا يتلاشى أمام ضوء النهار الضعيف: سيظهر الظل بأروع لون أزرق على الإطلاق.»

يُمكنك أن تُجري هذه التجربة بطريقة مماثلة. في غرفة مظلمة، قم بتشغيل شاشة متصلة بجهازي عرض بيانات (بروجيكتور). أمام شعاع أحد الجهازين، ضع فلترًا ملوَّنًا؛ قطعة ورق سيلوفان حمراء مثلًا. ضع يدك أمامها بحيث تُلقي بظل صغير على الشاشة. وخارج حدود الظل تكون الشاشة ذات لون وردي لأنها مضاءة بضوء أحمر قادم من الجهاز الأول وضوء أبيض قادم من الجهاز الثاني. داخل الظل، من المفترض أن تكون الشاشة بيضاء اللون لأنَّ يدَكَ تحجب الضوء الأحمر القادم من الجهاز الأول ولا يُضيء الشاشة سوى الجهاز الثاني. ورغم ذلك، داخل الظل تكون الشاشة ملوَّنة بلون أخضر مزرق. لماذا تكون منطقة الظل ملونة؟

الجواب: سأشرح تجربة البروجيكتور محل النقاش هنا ولكني سأترك تجربة جوتة لتستكشفها بنفسك. الصور المتكوِّنة على الشاشة والظل الذي تصنعه يدك يثيران ثلاثة أنواع من الخلايا المخروطية المُستقبلة للضوء الموجودة في شبكية العين. فصورة الشاشة ذات اللون الوردي تُحفِّز الخلايا المخروطية الحمراء بقوة وتحفز الخلايا المخروطية الخضراء والزرقاء على نحو أقل.

من المفترض أن تكون صورة الظل بيضاء اللون لأنَّ جهاز البروجيكتور الثاني، الذي لا يغطيه فلتر، يضيء منطقة الظل؛ ومِن ثَمَّ من المفترض أن تثير هذه الصورة جميع الخلايا المخروطية. ورغم ذلك فإن الخلايا المخروطية الحمراء المُحَفَّزة بفعل الشاشة الوردية تثبط الإشارة القادمة من الخلايا المخروطية المُحَفَّزة داخل صورة الظل. ويفسر الجهاز البصري هذا التثبيط على أنه إشارة باللون الأخضر المزرق، اللون المُكمِّل للون الأحمر. ولا تزال كيفية حدوث التثبيط وسبب رؤية اللون المكمل لغزين غامضين.

(٤١) عنصر السلامة في النظارات الشمسية

تُقلِّل النظارات الشمسية حدة وضوح الضوء والأشعة فوق البنفسجية النافذة إلى العين عن طريق امتصاص الضوء؛ إلا أن التعتيم يتسبب أيضًا في اتساع بؤبؤ العين. هل من الممكن أن ينفذ «المزيد» من الأشعة فوق البنفسجية إلى العين بسبب اتساع بؤبؤ العين ومِن ثَمَّ ينبغي عدم ارتداء النظارات الشمسية؟

لماذا كان السكان الأصليون في المنطقة المعروفة حاليًّا بكندا وألاسكا يُغطُّون أعينهم عادةً بقطعة من العظام أو الخشب مزودة بشقوق ضيقة لإتاحة الرؤية؟ لماذا يضع الرياضيون (لا سيما لاعبو كرة القدم الأمريكية) طلاءً أسود اللون أو شحمًا فوق وجناتهم عند اللعب في أشعة الشمس الساطعة؟

الجواب: تُقلِّل النظارات الشمسية صافي الأشعة فوق البنفسجية النافذة إلى العين رغم اتساع بؤبؤ العين. والنتيجة تستند إلى دراسة أُجريت على ٤٠٠ نوع من النظارات الشمسية، وحتى أرخص الأنواع تقلِّل صافي الأشعة فوق البنفسجية النافذة إلى العين.

سعى السكان الأصليون في كندا وألاسكا إلى تقليل الضوء الساطع الذي يواجهونه في الحقول المغطاة بالثلوج والجليد والمُضاءَة بنور ساطع. والشقوق التي ينظرون من خلالها لم تُقلِّل وضوح الضوء والأشعة فوق البنفسجية بدرجة كبيرة وحسب، بل الأشعة تحت الحمراء أيضًا، التي تتسبَّب في إرهاق العينين. ويُقلِّل الطلاء الأسود أو الشحم الذي يضعه اللاعبون على وجناتهم من انعكاس الضوء على وجناتهم إلى داخل أعينهم، وهو ما قد يُعيق رؤية اللاعب. والوهج المنعكس على الوجنات أمر مزعج بشدة عندما تتصبَّب الوجنة بالعرق، وعندما تُقام المباراة تحت أشعة الشمس الحارقة أثناء النهار أو تحت الأضواء الساطعة في المساء.

(٤٢) عدسة عين السمكة

نحن البشر نرى لأنَّ العين تَثني (أو تَكسِر) شعاع الضوء بحيث يُكوِّن صورة واضحة عند شبكية العين. ويحدث نحو ثلثي هذا الانثناء عند السطح المنحني للقرنية؛ وباقي الانثناء يحدث عند مرور الشعاع عبْر عدسة العين الموجودة خلف القرنية تقريبًا. أما السمك فمختلف عنا؛ لأن عينَيه مغمورتان أسفل الماء، الذي يتمتَّع بنفس الخصائص البصرية للعين، والعدسة وحدها تستطيع أن تثني شعاع الضوء. علاوةً على ذلك، نظرًا لأن العدسة يجب أن تَثني شعاع الضوء بزاوية حادة لتركز هذا الشعاع خلفها مباشرةً، تنحو العدسة لأن تكون كروية. إلا أنه يحدث «زيغ كروي» للعدسة الكروية؛ لأن الشعاع يمر عبْر الفتحة الخارجية بزاوية كبيرة عند سطح العدسة، لدرجة أنه ينثني بدرجة كبيرة. ينفذ شعاع الضوء المار على امتداد المحور الرئيسي للعدسة بزوايا أصغر؛ ومِن ثمَّ ينثني بدرجة أقل بكثير. والنتيجة هي أن الشعاع يتركز في نطاق واسع خلف العدسة؛ ومِن ثمَّ لا ينتج صورة واضحة (شكل ٧-٧أ). في الواقع، العدسة الكروية في عين السمكة لا بد أن تجعل السمكة عمياء تمامًا؟ إذن، كيف ترى السمكة؟
fig179
شكل ٧-٧: بند ٧-٤٢: تركيز شعاع الضوء عبْر عدسة كروية الشكل (أ) ذات معامل انكسار موحَّد و(ب) ذات معامل انكسار متدرج.
الجواب: تتوقف درجة انثناء شعاع الضوء النافذ إلى داخل عدسة العين والخارج منها على تغيُّر معامل الانكسار في مادة الوسط. فإذا مر الشعاع خلال مزيج من الماء والبروتين في جزء كبير من العين إلى عدسة ذات معامل انكسار كبير، ينحو الشعاع إلى الانثناء كثيرًا. وإذا كانت العدسة ذات معامل انكسار أصغر، فإن الشعاع ينثني على نحو أقل. والعدسة الموجودة في عين السمكة ليس لها قيمة واحدة لمعامل الانكسار؛ وإنما تحظى بمُعامل انكسار كبير على طول المحور الرئيسي ومعامل انكسار أصغر نحو الحد الخارجي. والنتيجة هي أن التركيز على طول المحور الرئيسي والتركيز عند الحد الخارجي ينتجان صورة عند الموضع نفسه خلف العدسة (شكل ٧-٧ب).

وبهذه الطريقة تستطيع السمكة أن ترى. ويُعزى تفاوت معامل الانكسار، الذي يُطلَق عليه «معامل الانكسار المتدرِّج»، إلى تفاوت مزيج الماء والبروتين في العين. ويُمكنك أن تكتشف تفاوت المزيج من خلال فحص عين سمكة طازجة أو مَطهوَّة؛ حيث يكون النسيج أكثر صلابة بالقرب من المحور الرئيسي.

تتمتع عدسة العين البشرية بمعامل انكسار مُتدرِّج أيضًا (يتفاوت من القيم الأكبر إلى القيم الأصغر نحو الحد الخارجي). ورغم ذلك، ونظرًا لأننا نعيش في الهواء وليس الماء، تصحح العين البشرية الزيغ الكروي بالأساس عند سطح القرنية، والقرنية ليست كروية ولكنها تتَّخذ هذا الشكل لمعادلة الزيغ الكروي.

ويستعين سرطان حدوة الحصان بمعامل الانكسار المتدرج، ولكن بطريقة معقَّدة أكثر؛ إذ يَمتلك عينين مركبتَين تتكون كل عين منهما من عدة عدسات شفافة، لكل عدسة سطح أملس مستوٍ. ينفذ الضوء عبْر العدسة ليصل إلى الجهاز البصري في نهاية القناة. من المفترض أن يُقلِّل الافتقار إلى سطح مُنحَنٍ من إمكانية تكوين صورة، إلا أن وراء كل عدسة تتكون صورة. على طول خط وسط القناة (الممتدة من الأمام إلى الخلف)، تكون قيمة معامل الانكسار عالية، وبالقرب من جدران القناة تنخفض قيمة معامل الانكسار. ومِن ثَمَّ ينثني شعاعُ الضوء المارُّ بالقرب من مركز العدسة أكثر من الشعاع المار بالقرب من الجدران. والانثناء غير المُتساوي يجبر شعاع الضوء أن يتقاطع بعضه مع بعض ليُكوِّن صورة خلف القناة.

(٤٣) عنصر العمق في اللافتات ذات اللونين الأحمر والأزرق

تحت الإضاءة الساطعة، تظهر الأجزاء الحمراء في اللافتة ذات اللونين الأحمر والأزرق أمام الأجزاء الزرقاء المُجاورة. وتحت الإضاءة الخافتة، يَحدث العكس. ما تفسير الخدعة البصرية المرتبطة بعنصر العمق وسبب حدوث العكس تحت الإضاءة الخافتة؟

الجواب: أولًا: تخيَّل أنك ترى ثلاثة أجسام أمامك على بُعد مسافات مختلفة. إذا ركزت على الجسم الأوسط، تُكَوِّن كل عين صورة واضحة له عند نقطة تقاطع خط الرؤية وشبكية العين. يُكوِّن الجسم البعيد صورة ضبابية عند شبكية العين أقرب إلى الأنف بعض الشيء من الصورة الشديدة التركيز. ويُكوِّن الجسم القريب صورة ضبابية عند شبكية العين أقرب إلى الصدغ بعض الشيء من الصورة الشديدة التركيز. يقارن المخ أماكن هاتَين الصورتين ويَعزو المسافات الصحيحة إلى الأجسام التي تُكوِّن هذه الصور.
وتُفسِّر مقارنة مشابهة بين الصورتَين الخدعة البصرية لعنصر العمق في اللافتات ذات اللونين الأحمر والأزرق. هب أنك رأيت تحت الإضاءة الساطعة نقطتين متجاورتَين؛ واحدة حمراء اللون والأخرى زرقاء. ينفذ شعاع الضوء المنبعث من النقطتين إلى داخل العينَين ويَنكسر (ينثني) ليُكوِّن صورتَين عند شبكية العين. ورغم ذلك، ينثني الشعاع الأزرق على نحو أكثر من الشعاع الأحمر؛ ومِن ثمَّ لا يُمكن أن تكون النقطتان في بؤرة تركيز شديدة في آنٍ واحد. هب أنك تنظر مباشرةً إلى النقطة الحمراء وتركز عليها. هكذا، تتكون صورة لها في كلتا العينَين عند نقطة تقاطع خط الرؤية وشبكية العين. وتُكوِّن النقطة الزرقاء صورة ضبابية أكبر عند شبكية العين (شكل ٧-٨).
fig180
شكل ٧-٨: بند ٧-٤٣: عندما تركز العين على النقطة الحمراء بشدة، فإنها تركز النقطة الزرقاء أمام الشبكية.

وعنصر العمق الذي يُضاف إلى هاتَين الصورتين يتوقَّف على الموقع الذي تتكوَّن عنده الصورة في شبكية العين نسبةً إلى خطِّ الرؤية. عادةً لا يمرُّ خط الرؤية عبْر مركز بؤبؤ العين. وتحت الإضاءة الساطعة، يكون خطُّ الرؤية عند مركز بؤبؤ العين من الجانب المُجاوِر للأنف. وبهذه الطريقة يُزاح مركز الصورة الضبابية للنقطة الزرقاء قليلًا نحو الأنف بعيدًا عن خطِّ الرؤية. ومن واقع إدراك المخ لعنصر العمق، فإنه يرى هذه الصورة باعتبارها صورة لجِسم (النقطة الزرقاء) أبعد من الجسم الذي يُكوِّن صورة واضحة عند خط الرؤية (النقطة الحمراء). ومِن ثَمَّ ترى النقطة الزرقاء أبعد من النقطة الحمراء.

وفي الإضاءة الخافتة، يتَّسع بؤبؤ العين وينتقل خط الرؤية إلى مركز بؤبؤ العين في الجانب المُجاور إلى الصدغ. وهذه الإضاءة تزيح الصورة الضبابية الخاصة بالنقطة الزرقاء عبْر شبكية العين إلى أن يقع مركزها بالقرب من الصدغ بعيدًا عن خط الرؤية. ويفسر مخك هذا الموضع الجديد على أن النقطة الزرقاء أقرب من النقطة الحمراء.

ويُمكنك أن ترى العمق في الخرائط ذات الرموز اللونية الحمراء والزرقاء إذا كنت تنظر إلى الخريطة بعدسة محدَّبة كبيرة، كعدسة مكبَّرة كبيرة. هنا يحدث الفصل بين اللونَين داخل العدسة المحدبة؛ لأن الضوء الأزرق ينكسر على نحو أكبر من الضوء الأحمر.

(٤٤) قوسا بيركينجي الزرقاوان

في الهواء الطلق في ليلة ظلماء، لاحظ عالم الوظائف يوهانس بيركينجي أن جمرة صغيرة أظهرت قوسين زرقاوين في مجال رؤيته. وعلى الرغم من أنهما تلاشيا سريعًا، فإنه لم يستطع أن يحدثهما مرةً أخرى من خلال هزِّ الجمرة.

ولكي ترى القوسين، اتبع هذا الإجراء: أغلق نور الغرفة لمدة دقيقتين. ثم افتح عينًا واحدة فقط، وأشعل ضوءًا أحمر صغيرًا. أفضل مصدر للضوء هو مُستطيل صغير لا يشغل زاوية مساحتها أكبر من ٠٫٢٥ درجة من مجال رؤيتك. وبهذه العين المفتوحة، من المفترض أن ترى قوسًا أو ثقبًا باهتًا أزرق اللون لمدة ثانية تقريبًا. يتوقف شكل القوس على المكان الذي ينبعث منه الضوء الأحمر في مجال رؤيتك. ولكي تُظهِر القوس مرة أخرى، أضئ نور الغرفة لمدة دقيقتين تقريبًا ثم كرِّر العملية مرة أخرى.

يُمكنك أيضًا رؤية قوسين باهتين مباشرةً بعد إغلاق الضوء المُحفِّز. وفي كلتا الحالتَين، إذا أتحت لعينك الاعتياد تمامًا على الظلام، يكون لون القوسَين رماديًّا (عديم لون).

لماذا يظهر القوس أو الثُّقب، ولماذا يتوقف شكل المنطقة الزرقاء على موضع الضوء المُحفِّز في مجال رؤيتك؟ كيف يُمكن لضوء مُحفِّز صغير أن يصنع قوسًا يمتد عبْر منطقة شاسعة إلى حد ما من مجال رؤيتك؟ لماذا يكون القوسان ذوَا لون أزرق عندما تعتاد العين الضوء جزئيًّا ولكن يصبح لونهما رماديًّا حين تعتاد الظلام تمامًا؟

الجواب: عندما تتكون صورة الضوء الأحمر داخل شبكية العين، ينشِّط الضوء الخلايا المخروطية المسئولة عن التعرف على هذا الضوء. تقع المسارات العصبية المنبثقة من تلك الخلايا المخروطية بجوار المسارات المرتبطة بالخلايا العصوية الموجودة في مكان آخر من شبكية العين. ومِن الواضح أن إثارة المسارات العصبية للخلايا المخروطية يُحفِّز مسارات الخلايا العصوية، ويُوهم المخ بأن يظن أن الخلايا العصوية مضاءةً أيضًا. ونظرًا لأن هذه الخلايا العصوية منتشرة في قوس عند شبكية العين، يرى المخُّ قوسًا مضاءً.

يكون لون القوسَين أزرق إذا كانت بعض الخلايا المخروطية لا تزال ترسل إشارات باللون الأصفر إلى المخ بسبب التعرض المسبق لنور الغرفة. ويتطور إدراك للون الأزرق على النحو التالي: الضوء الأحمر المُحفِّز ينشط الخلايا المخروطية؛ حيث تَتكوَّن صورة للضوء عند شبكية العين. والمسارات العصبية المتصلة بهذه الخلايا المخروطية؛ تنشط المسارات العصبية المتصلة بالخلايا العصوية الموجودة في شكل القوس الملحوظ. وهذه المسارات العصبية العصوية تُثبِّط الإشارة الخاصة باللون الأصفر التي ترسلها الخلايا المخروطية على طول ذلك القوس.

ويُقال إن اللونين الأصفر والأزرق هما «لونان متقابلان» لأنه عند تثبيط رسالة اللون الأصفر، يرى المخ اللون الأزرق؛ ومِن ثَمَّ عندما تثبط المسارات العصبية للخلايا العصوية رسالة اللون الأصفر الآتية من الخلايا المخروطية الموجودة في القوس، يرى المخ القوس باللون الأزرق. وفيما بعد عندما تصير الخلايا المخروطية خاملة (بمعنى أنها تعتاد الظلام)، لا تجد الخلايا العصوية أيَّ رسائل لتُثبِّطها؛ ومِن ثمَّ يكون القوس ذا لون رمادي.

(٤٥) بُقْعَةُ ماكسويل

انظر إلى ورقة بيضاء عبْر فلتر أصفر اللون. ثم استبدل سريعًا فلترًا أزرق بالفلتر الأصفر. ربما ترى للحظة بقعة ماكسويل، وهي عبارة عن بقعة صغيرة داكنة أو صفراء اللون تظهر عند خط الرؤية الخاص بك. يُمكنك أن تستخدم فلترين ملوَّنين آخرين بشرط أن يُمرِّر الفلتر الثاني الضوء الأزرق بقدر أكبر من الفلتر الأول. ما سبب ظهور بقعة ماكسويل؟

الجواب: يَرجع أحد تفسيرات بُقعة ماكسويل إلى أن الخلايا العصوية المُستقبلة للضوء تعوق المعلومات الخاصة بالألوان التي تُرسلها الخلايا المخروطية إلى المخ. عندما ترى الورقة البيضاء لأول مرة عبْر الفلتر الأصفر فإن الضوء الأصفر، الذي ينفذ إلى داخل العين، يُنَشِّط الخلايا المخروطية وباقي الجهاز البصري المسئول عن التعرُّف على اللون الأصفر.

وبعد استخدام الفلتر الأزرق مباشرةً، تظل تلك الخلايا المخروطية نشطة. ومع نفاذ الضوء الأزرق إلى داخل العين، ترسل الخلايا المخروطية الأخرى إشارات خاصة باللون الأزرق إلى المخ. ورغم ذلك، تستجيب الخلايا العصوية للون الأزرق أيضًا (أكثر من استجابتها إلى اللون الأصفر). ورغم أنها لا تستطيع إرسال إشارات خاصة بالألوان إلى المخ (إذ إنها لا ترسل إلا الإشارات الخاصة بدرجة السطوع فقط)، فإن نشاطها قد يُثبِّط الإشارة الخاصة باللون الأصفر الآتية من الخلايا المخروطية التي ما زالت نَشِطة بسبب التعرض السابق للضوء الأصفر.

ويُقال إن اللونين الأصفر والأزرق هما «لونان متقابلان»؛ لأنه عند تثبيط الرسالة الخاصة باللون الأصفر، يرى المخ اللون الأزرق. ومِن ثَمَّ عندما تُثبِّط المسارات العصبية للخلايا العصوية رسالة اللون الأصفر الآتية من الخلايا المخروطية، يرى المخ اللون الأزرق. ونظرًا لأنه يستقبل إشارة باللون الأزرق من الخلايا المخروطية الأخرى المُنشَّطة بالضوء الأزرق النافذ إلى العينَين الآن، يبدو الضوء الأزرق أكثر سطوعًا مما هو عليه في الحقيقة.

ونظرًا لعدم وجود خلايا عصوية في النقرة المركزية (حيث يتقاطَع خط الرؤية مع شبكية العين)، لا يتمُّ تمييز اللون الأزرق الساطع في تلك المنطقة. وبالمقارنة مع باقي أجزاء شبكية العين، تبدو النقرة المركزية صفراء اللون بسبب تقابُل اللونين الأزرق والأصفر في دائرة تمييز الألوان. وهذا التلون للنقرة المركزية هو ما يُسمَّى ببقعة ماكسويل.

(٤٦) المثيرات البصرية الناجمة عن الإشعاع

أثناء الوجود في الفضاء السحيق، أفاد رواد الفضاء — الذين اعتادت أعينهم الظلام — برؤية ومضات ضوئية على هيئة نقاط أو نجوم أو نجوم مزدوَجة أو ومضات ضوئية قد تملأ جزءًا كبيرًا من مجال الرؤية. تظهر الأشكال بسبب الأشعة الكونية النافذة إلى عيون رواد الفضاء (والأشعة الكونية عبارة عن جسيمات، ذات سرعة عالية عادةً، تنشأ في الفضاء الخارجي).

شوهدت أشكال مشابهة في معامل الأبحاث عندما وجهت جسيمات سريعة مباشرة إلى عين الشخص الخاضع للتجربة. كيف تصنع الجسيمات هذه الأشكال؟ هل تصطدم مباشرة بالخلايا المستقبلة للضوء الموجودة في شبكية العين، مجبرةً إياها على بعث الإشارات إلى المخ، أم هل تخلق ضوءًا داخل العين تعترضه الخلايا المستقبلة للضوء؟ هل يستطيع مُتسلِّقو الجبال أو ركاب الطائرات رؤية هذه الأشكال على ارتفاعات شاهقة؟

الجواب: ربما تنشأ الأشكال التي يراها رواد الفضاء من الضوء الناتج عن الجسيمات ذات سرعة فائقة عندما تمرُّ عبْر الجسم الزجاجي (وهو عبارة عن مادة شفافة تملأ مُقلة العين) وشبكية العين. وسرعة الجسيمات تفوق سرعة الضوء الفعلية داخل العين. (تقلُّ سرعة الضوء بسبب تفاعلها مع الجزيئات الموجودة في الجسم الزجاجي.) وقد تتكون «موجة صادمة» للضوء (يُطلق عليها «إشعاع شيرينكوف») في الجسم الزجاجي وتستشعرها الخلايا المستقبلة للضوء الموجودة في شبكية العين.

لوحظت هذه الأشكال الضوئية في تجارب أُجريت على الميوونات ذات السرعة العالية (وهي جسيمات شبيهة بالإلكترونات) التي وُجِّهَت إلى عين الشخص الخاضع للتجربة. تستطيع الجسيمات (حتى البطيء منها) أن تُكوِّن أشكالًا بصرية عندما تصطدم مباشرة بالخلايا المستقبلة للضوء في شبكية العين. وتنشأ نوعية أخرى من الأشكال من الأشعة السينية (أشعة إكس)؛ إذ يرى المراقب فيضًا ضوئيًّا موحدًا بدلًا من النبضات الضوئية المتفرِّقة التي وصفها رواد الفضاء. ولم يُصرِّح أحد برؤية أيٍّ من هذه الأشكال أثناء ركوب الطائرة، حتى على ارتفاعات شاهقة ودوائر عرض مرتفعة للمسارات الجوية القطبية التي تتضمَّن التعرض للإشعاع لدرجة تتطلب وجود أجهزة مُستشعرة للإشعاع.

(٤٧) الضوء الأحمر في لوحات التحكم

في المساء، لماذا تُضيء لوحة التحكم الموجودة في مقصورة قيادة السفينة بضوء أحمر قانٍ؛ وهو أقصى درجات اللون الأحمر الموجودة في الطيف المرئي؟

الجواب: على الرغم من أن الخلايا المخروطية المستقبلة للضوء لا تؤدِّي وظيفتها على نحو جيد في الضوء الخافت، فإن الخلايا العصوية تستطيع أن تتعرف على هذا الضوء. ورغم ذلك، لكي ترى في ضوء خافت، عليك أن تُتيح للخلايا العصوية الاعتياد على الأجواء المعتمة؛ بمعنى أن تُغلق الأنوار لمدة عشر دقائق على الأقل. حينئذٍ، ستكون الخلايا أكثر حساسية لمصدر الضوء الخافت. ونظرًا لأن الخلايا العصوية لا تنشط بفعل أقصى درجات الضوء الأحمر الموجودة في الطيف المرئي، فإن لوحات التحكم تُضيء عمومًا بمثل هذا الضوء في المساء؛ فعندما تنظر إلى لوحة التحكم، تُضيء الخلايا المخروطية، إلا أن الخلايا العصوية تُعتم ومِن ثَمَّ تكون متأهِّبة عندما تتولى المراقبة في ليلة مظلمة.

(٤٨) قدرة سوبرمان على الرؤية بالأشعة السينية

وفقًا للحكايات، يستطيع سوبرمان أن يرى عبْر جدار مُصمت من خلال إصدار الأشعة السينية من عينَيه. دعنا نتجاهل السؤال المعقَّد بكل وضوح والمتعلِّق بكيفية انبعاث الأشعة السينية من العينين. وبدلًا من ذلك، دعنا نركز على سؤال أسهل: هل يُمكن تمييز شيء ما على الجانب الآخر من الجدار باستخدام الأشعة السينية؟

الجواب: إذا كان سوبرمان يريد أن يعترض سبيل أشعة مرتدَّة من جانب شخصية شريرة مثلًا تقف عند الجانب الآخر من حائط، فسيتعيَّن على الشرير أن يَعكِس الأشعة. ولكن هذا يعني أنه يجب أن يعكس الجدار الأشعة أيضًا. قد تقول إن أيَّ مادة قد تنقل الأشعة أو تعكسها جزئيًّا. ومِن ثَمَّ، قد يَخترق جزء من الأشعة الجدار؛ وجزء بسيط من الأشعة يَنعكِس من الشرير، وفي النهاية قد يصل قدر ضئيل من الأشعة المُتبقية إلى سوبرمان بعد أن تنفذ عبْر الجدار. والمشكلة هي أن الأشعة المُتبقية قد تكون ضئيلة للغاية لدرجة أنه قد يُخفيها وهج الأشعة المنعكسة من الجدار وجميع الأجسام الواقعة خلف الشرير. وحتى إذا كان بإمكان سوبرمان أن يعالج الأشعة في ذهنه ويكوِّن صورة للشرير، فلا يزال أمامنا المشكلة التالية: كيف تمتصُّ عينا سوبرمان الأشعة إذا كانت ستنعكس وتنتقل بسرعة بالغة؟ (أعرف أنه ينبغي قراءة قصص المغامرات المصورة، لا تحليلها ودراستها.)

(٤٩) خدعة الألعاب النارية

عند إطلاق وهج الألعاب النارية إلى أعلى مباشرةً في ليلة هادئة مظلمة، من المفترض أن ينتشر الحطام المشتعل الناجم عن الانفجار بشكل أفقي ومنتظم. لماذا إذن يبدو الحطام متجهًا نحوك عمومًا؟

الجواب: هذه الخدعة البصرية لم تُفسَّر بالتفصيل. ورغم ذلك، لعلك تُخمِّن أن التجربة الواقعية تهيِّئ الأجواء للخدعة البصرية، فحين تنظر فعليًّا إلى كل جسم (ثلاثي الأبعاد)، ترى تفاصيل الجانب القريب، ونادرًا ما ترى تفاصيل الجانب البعيد. ومِن ثَمَّ في الليلة المظلمة ومع غياب أيِّ دلائل على العمق (مثل وجود سُحُب في الخلفية)، فإن الظهور الممتدَّ للحطام المشتعل سيُفسَّر على أنه تفاصيل خاصة بالجانب القريب لجسم مُتمدِّد غير مرئي.

(٥٠) النظر إلى السقف

استلقِ على ظهرك في منتصف غرفة ذات سقف معلَّق وإطار للباب. إذا نظرت إلى السقف في اتجاه قدمَيك، يبدو السقف المعلق وإطار الباب في وضعهما الطبيعي. ولكن إذا قمت بإمالة رأسك إلى الوراء بحيث تَنظر إلى الجانب المُقابل من السقف، فسيَنتابك إحساس غريب بأنك تنظر إلى أسفل نحو السقف، كما لو أن بإمكانك أن تَسير عليه. سيبدو مصباح السقف في تلك الغرفة وكأنه ينبثق إلى أعلى نحوك، وسيبدو إطار الباب كعائق يتعيَّن عليك تخطيه. ما سبب هذه الخدعة البصرية؟ هل تراها إذا كنت تنظر إلى السقف أثناء وقوفك على رأسك؟

الجواب: البحث المنشور عن هذه الخدعة البصرية يُشير إلى أنك حين تستلقي على ظهرك، ينعكس لديك الاتجاهان، الأعلى والأسفل؛ لأنك تفتقد الدلائل الطبيعية من الجاذبية بخصوص الاتجاه إلى أعلى والاتجاه إلى أسفل. وبطبيعة الحال، المنطقة المقلوبة إلى أسفل تكون في النصف السُّفلي من مجال رؤيتك والمنطقة الموجودة في الأعلى تكون في النصف العلوي من مجال رؤيتك. وإذا عكست في مخيلتك الجزء العلوي مكان السُّفلي عندما تستلقي على ظهرك، يكون السقف نحو قدمَيك في الجزء السفلي من مجال رؤيتك ويبدو كما لو أنه متجه إلى «أعلى»، والجانب المعاكس من السقف يكون في النصف العلوي من المجال ويبدو أنه متجه إلى «أسفل». وهذه الخدعة البصرية لا تظهر إذا وقفت على رأسك؛ لأنه يكون لديك حينئذٍ دلائل قوية من الجاذبية بخصوص ما هو متَّجه لأعلى ولأسفل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠