الفصل السابع عشر

بداية مفاجآت كبيرة

إنك تنظر إلى النجم بدافعين؛ لأنه ساطع، ولأنه ممتنعٌ على الفهم. إن إلى جانبك شعاعًا ألطف، ولغزًا أعظم؛ المرأة.

رواية «البؤساء» [ترجمة منير البعلبكي]

وتوالت أيامٌ لم يبدُ أني أحرزت فيها إلا تقدمًا قليلًا أو لم أُحرز أيَّ تقدم على الإطلاق. فالسيد كلافرينج، الذي ربما أزعجَه حضوري، تخلى عن تردُّده المعتاد على المكان؛ ومن ثَمَّ حرمني من أي فرصةٍ للتعارف بأي طريقة طبيعية، بينما لم تُثمر الليالي التي أمضيتها في منزل الآنسة ليفنوورث إلا عن القليل بجانب الترقُّب والقلق الدائمَين.

كان المخطوط يحتاج إلى مراجعةٍ أقلَّ مما افترضت. لكن، أثناء إجراء تلك التغييرات الطفيفة حسب الضرورة، توفرَت لي فرصةٌ كبيرةٌ لدراسة شخصية السيد هارويل. وجدتُه سكرتيرًا ممتازًا لا أكثرَ ولا أقل. كان جافًّا، ومتحفظًا، ومتجهمًا، لكنه كان مخلصًا لعمله وجديرًا بالاعتماد عليه في أدائه، وتعلَّمت أن أكُنَّ له الاحترام، بل أن أُعجب به؛ وكان هذا، أيضًا، مع أني وجدتُ أن الإعجاب لم يكن متبادَلًا، بغضِّ النظر عن درجة الاحترام. لم يتحدث مطلقًا عن إلينور ليفنوورث أو، حتى، ذكر العائلة أو مُصابها بأي طريقةٍ كانت؛ حتى بدأت أشعر بأن كلَّ هذا الصمت كان له سببٌ أعمقُ من طبيعة الرجل، وأنه إذا تحدث، فسيكون لهدفٍ ما. عجزت عن أن أمنع نفسي من اختلاس النظر إليه من حينٍ لآخر، حتى أرى كيف يتصرف عندما يعتقد في داخله أنه غيرُ مراقَب؛ لكنه كان دائمًا على الحال نفسِه، عامل ساكن، مجتهد، يصعب استثارته.

أخيرًا صار هذا الدقُّ المستمر على حائطٍ حجري، فهكذا كنت أنظر للموقف، أمرًا لا يكاد يُطاق. فالسيد كلافرينج نافر، والسكرتير لا يمكن الدنوُّ منه؛ فكيف لي أن أظفر بأي شيء؟ ولم تساعد المحادثات القصيرة التي كنتُ أُجريها مع ماري في شيء. إذ كانت متعجرفة، متكلفة، متوتِّرة، نَزقة، ممتنَّة، جذابة، تجمع بين كل ذلك دفعةً واحدة، ولا تُكرر الصفة مرتين، تعلمت أن أهاب الحديث معها، رغم رغبتي فيه في الوقت ذاتِه. كان يبدو أنها تمرُّ بأزمةٍ ما جلَبَت لها أشدَّ المعاناة. رأيتها، حينما كانت تظن أنها بمفردها، ترفع يديها لأعلى في حركة نستخدمها لندرأ بها شرًّا آتيًا أو لنحجب مشهدًا بشعًا. رأيتها أيضًا واقفة ورأسها الشامخ صاغرٌ ذليلٌ، ويداها المرتجفتان ترتخيان، وجسدها كلُّه يهوي هامدًا، وكأن ثقل حملٍ عجزت عن رفعه أو عن طرحه جانبًا قد سلبها حتى قدرتها على إظهار المقاومة. لكن هذا لم يحدث سوى مرةٍ واحدة. عادةً ما كانت على الأقل تبدو شامخةً في عزِّ محنتها. حتى عندما كانت عيناها تلمعان باستمالةٍ رقيقةٍ إلى أبعد الحدود كانت تقف منتصبة، وتحتفظ بتعبيرٍ يعكس قوةً شعورية. حتى في الليلة التي قابلتني فيها في الردهة، بوجنتَين محمومتَين وشفتَين ترتجفان بشغف، لتستديرَ وتهرب من جديدٍ من دون أن تنطقَ بما كان عليها أن تبوح به، كانت تتصرَّف بكرامةٍ متَّقدة كادَت أن تكون مهيبة.

كنت واثقًا من أن كل هذا كان يعني شيئًا؛ ومن ثَمَّ تحلَّيْتُ بالصبر على أمل أن تبوح بما لديها يومًا ما. فتلك الشفتان المرتجفتان لن تظلَّا مطبقتَين دومًا؛ وستكشف هذه الإنسانة القلقة، إن لم يكن شخص آخر، عن السرِّ المتعلق بشرف إلينور وسعادتها. لم يكن تذكُّر ذلك الاتهام غيرِ العادي، إن لم يكن القاسي، الذي كنت قد سمعتها تُصرِّح به كافيًا ليحطم هذا الأملَ — إذ كان قد تنامى حتى صار أملًا — حتى إنني وجدتُ نفسي بلا وعيٍ مني أُقلِّل من الوقت الذي أقضيه مع السيد هارويل في المكتبة، وأُطيل من زياراتي المنفردة مع ماري في غرفة الاستقبال، حتى وجد هذا السكرتير الهادئُ نفسه مُجبرًا على التذمُّر من أنه كثيرًا ما يُترَك ساعاتٍ من دون عمل.

لكن، كما أقول، مرَّت الأيام، وحلَّت أُمسيَّة يومِ إثنين ثانية من دون أن أرى نفسي أُحرز أي تقدمٍ إضافي بشأن المعضلة التي كنتُ قد أخذت على عاتقي أن أحلَّها أكثر مما كان عليه الحال عندما بدأت فيها منذ أسبوعَين. لم يكن موضوع جريمة القتل قد طُرِح حتى؛ ولا سُمِعت أي أخبارٍ عن هانا، رغم أنني لاحظتُ أنه لم يُسمَح بأن تُترَك الصحف مهمَلةً للحظةٍ على عتبة مدخل المنزل؛ إذ أظهرَت سيدة المنزل والخدمُ الدرجةَ نفسَها من الاهتمام بمحتوياتها. كل هذا كان غريبًا في نظري. كان الأمر أشبهَ بأن ترى مجموعةً من البشر يأكلون، ويشربون، وينامون على حواف بركانٍ مُتَّقدٍ ثار مؤخرًا، وأخذ يضطرب معلنًا تَوَلد ثَورانٍ جديد. كنت أشتاق إلى أن نُحطم هذا الصمت مثلما نُحطم الزجاج: بالصراخ باسم إلينور عبر تلك الغرف المذهبة والأروقة المدثَّرة بستائر حريرية. لكن عشية هذا الإثنين كنتُ في حالٍ أهدأ. كنتُ عازمًا على ألَّا أتوقَّع شيئًا من زياراتي إلى منزل ماري ليفنوورث؛ ودخلته عشيةَ ذلك اليومِ في هدوءٍ لم أعهدْهُ في نفسي منذ أولِ يومٍ مررتُ فيه تحت مداخل أبوابِه التعسة.

لكن عندما رأيت ماري، لدى اقترابي من غرفة الاستقبال، تذرعُ الغرفة جَيئةً وذَهابًا في مظهرِ مَن ينتظر في قلقٍ شيئًا ما أو شخصًا ما، اتخذتُ قرارًا مفاجئًا، وسِرت نحوها، قائلًا: «هل أنتِ بمفردكِ، يا آنسة ليفنوورث؟»

توقَّفَت عن حركتها السريعة، وتورَّدَت وجنتاها وانحنَت، ولكن، على غير عادتها، لم تطلب مني الدخول.

سألتُ: «إذا تجرأتُ بالدخول، فهل سيصبح هذا تطفلًا مفرطًا من جانبي؟»

ألقَت نظرةً سريعةً مضطربةً نحو الساعة، وبدَت أنها على وشك أن تعتذر، لكن من دون مقدمات أذعنَت، وبعدما سحبَت كرسيًّا أمام المدفأة، أشارت إليَّ ناحيته. على الرغم من أنها بذلت جهدًا لكي تبدوَ هادئةً، شعرت على نحوٍ مبهمٍ أنني كنت قد صادفتها في واحدةٍ من أكثر حالاتها المزاجية اضطرابًا، وأنه كان عليَّ فقط أن أتطرَّقَ إلى الموضوع الذي شغل ذهني حتى أرى عجرفتها تتلاشى أمامي كذوبان الثلج. شعرت كذلك أنه لم يكن أمامي سِوى دقائقَ قليلةٍ أفعل فيها ذلك. ولذلك خضتُ في الموضوع على الفور.

قلت: «آنسة ليفنوورث، لديَّ هدفٌ من تطفُّلي عليكِ الليلةَ غير منحِ نفسي هذا الشرف. لقد جئت بالتماس.»

على الفور رأيت أنني كنت قد بدأت بدايةً خاطئة. سألَتْني، وكل ملامح وجهها تشعُّ برودةً: «التماس مني؟»

تابعتُ، باندفاعٍ حماسيٍّ: «أجل، بعدما أخفقت في كل مسعًى لمعرفة الحقيقة، جئت إليكِ، إلى مَن أُومِن بجوهرها النبيل، من أجل تلك المساعدة التي يبدو من المرجَّح أن يَخيب طلبُنا لها من أي اتجاهٍ آخر: من أجل الكلمة التي، إن لم تُنقذ ابنة عمِّكِ قطعًا، ستضعنا على الأقل على المسار إلى ما سيُؤدِّي إلى إنقاذها.»

احتجَّت، وهي تنكص قليلًا: «لا أفهم ما تقصده.»

واصلت حديثي: «آنسة ليفنوورث، لست بحاجةٍ إلى أن أخبركِ بالوضع الذي تقف فيه ابنة عمِّك. أنت تتذكَّرين نمط ومغزى الأسئلة التي وُجِّهت إليها في التحقيق، وتفهمينها كلَّها دون أي توضيحٍ مني. لكن الأمر الذي لعلكِ لا تعرفينه هو أنها إن لم تُعفَ سريعًا من الشبهة التي أُلصقتْ باسمها، بحقٍّ أم لا، فالعواقب التي قد تترتب على هذه الشبهة لا بد أن تنهال عليها، و…»

صاحت: «يا إلهي الرحيم! أنت لا تقصد أنها سوف تكون …»

«مُعرَّضة لأن يُلقى القبض عليها؟ بلى.»

نزل ردِّي عليها كالصفعة. كانت كل ملامح وجهها الأبيض تشي بالخزي، والذعر، والحسرة. تمتمت: «وكل هذا بسبب ذلك المفتاح!»

«مفتاح؟ كيف علمتِ أيَّ شيءٍ عن مفتاح؟»

صاحت، ووجهها يتورَّد ألمًا: «عجبًا؛ لست متأكدة؛ ألم تُخبرني بشأنه؟»

أجبتُها: «نعم.»

«مِن الصحف، إذن؟»

«الصحف لم تذكره مطلقًا.»

تفاقمَ اضطرابها أكثرَ فأكثر. فأقرَّت في فورة مفاجئة من الخجل والندم: «ظننت أن الجميع عرَفوا بشأنه. لا، ولا أنا حتى. كنت أعرف أنه كان سرًّا؛ لكن … يا إلهي، سيد ريموند، كانت إلينور نفسها هي من أخبرتني.»

«إلينور؟»

«أجل، في آخر ليلة كانت هنا؛ كنَّا معًا في غرفة الجلوس.»

«ماذا أخبرتكِ؟»

«أن مِفتاح المكتبة شوهد في حوزتها.»

لم أستطع أن أُخفي ارتيابي. إلينور، مع إدراكها للشك الذي كانت ابنة عمها تنظر إليها به، تخبر ابنةَ عمها تلك بحقيقةٍ يُفترض أنها ستزيد من ذلك الشك؟ لم أستطع أن أُصدق هذا.

تابعت ماري قائلةً: «لكنك كنت تعرف بالأمر؟ لم أبُح بشيءٍ كان عليَّ أن أُبقيه سرًّا؟»

قلت: «لا، وهذا، يا آنسة ليفنوورث، ما يجعل موقف ابنة عمِّكِ في غاية الخطورة. إنها الحقيقة التي، إذا ما تُرِكَت من دون تفسير، لا بد أن تربط اسمها إلى الأبد بالخزي؛ دليل ظرفي بسيط، لا يمكن لأي مغالطةٍ أن تُخمده، ولا لأي إنكارٍ أن يطمسه. لا شيء يُجنِّبها حتى هذه اللحظةِ قبضة ضباط العدالة سوى سمعتِها النقية حتى الآن، ومحاولات شخص يؤمن ببراءتها، رغم الدلائل الظاهرية. ذلك المفتاح، والتزامها الصمت بشأنه، يهوي بها ببطء إلى حفرةٍ عما قريب لن تكون قصارى جهود أصدقائها المقربين كافيةً لانتشالها منها.»

«وأنت تُخبرني بهذا …»

«لعلكِ ترأفين بهذه الفتاة المسكينة، التي لن تأخذَها رأفةٌ بنفسها، وبتوضيح بعض الملابسات، التي لا يمكن أن تكون ألغازًا لكِ، تُساعدين في تخليصها من الهاجس المخيف الذي يُهدِّد بالقضاء عليها.»

صاحَت، مستديرةً نحوي بنظرةٍ تتَّقد بغضبٍ عارم: «وهل أنتَ يا سيدي تُلمِّح بأني أعرف أكثر مما تعرف أنت عن هذه القضية؟ وأن لديَّ أيَّ معلوماتٍ لم أُفصِحْ عنها بخصوص هذه الكارثةِ المفجعةِ التي حوَّلت بيتنا إلى قَفْر، وحوَّلت حياتنا إلى رعبٍ دائم؟ هل حلَّت نكبة الارتياب عليَّ أنا، أيضًا، وجئتَ لتتهمَني في منزلي …»

ناشدتُها قائلًا: «آنسة ماري، هدِّئي من روعكِ. أنا لا أتهمكِ بشيء. لا أريد منكِ إلا أن تُبصِّريني بدافع ابنة عمِّكِ المحتمل إلى هذا الصمت الذي يُدينها. من غير الممكن أنكِ تجهلينه. أنت ابنة عمها، في منزلة أختها، وكنتِ في كل الأحوال رفيقتَها لسنوات، ولا بد أنكِ تعرفين مِن أجل مَن أو ماذا تُطْبِق شفتَيْها، وتُخفي حقائقَ، إن عُرِفَت، قد توجِّه الاشتباهَ إلى المجرم الحقيقي، هذا إن كنتِ تؤمنين بما شهدتِ به حتى هذه اللحظة، وهو أن ابنة عمكِ امرأةٌ بريئة.»

لم تنطقْ بأي إجابةٍ على هذا، فنهضتُ وواجهتها. «آنسة ليفنوورث، هل تُصدِّقين أن ابنة عمكِ بريئةٌ من هذه الجريمة، أم لا؟»

«بريئة؟ إلينور؟ أوه! يا إلهي؛ ليت العالمَ كلَّه في مثلِ براءتها!»

قلت: «إذن، لا بد أنكِ تؤمنين بالمِثل أنها إذا كانت تمتنعُ عن التحدُّث فيما يتعلَّق بأمورٍ تبدو للمراقبين العاديِّين أمورًا يجب تفسيرُها، فهي لا تفعل ذلك إلا بدافع الشفقة تجاه شخصٍ ليس بريئًا مثلها.»

«ماذا؟ لا، لا؛ أنا لا أقول ذلك. ما الذي حمَلكَ على التفكير في مثل هذا التفسير؟»

«التصرف نفسُه. مع إنسانٍ بشخصية إلينور، تصرفٌ كتصرفها هذا لا يقبل أيَّ تأويل آخر. إما أنها مجنونة، أو أنها تتستَّر على شخصٍ آخر على حساب نفسها.»

أخذت شفتا ماري، اللتانِ كانتا ترتجفانِ من قبل، تسكنان في بطءٍ. «وعلى مَن استقر فِكرُك أنه الشخص الذي تُضحي إلينور بنفسها من أجله؟»

قلت: «حسنًا، تلك هي النقطة التي ألتمسُ مساعدتكِ فيها. بِناءً على معرفتكِ ماضيَها …»

لكن ماري ليفنوورث، متراجعةً بعجرفةٍ في كرسيها، أوقفتني بإيماءة صامتة. قالت: «عذرًا؛ ولكنك ترتكب خطأً. أنا لا أعرف إلا أقلَّ القليل أو لا أكاد أعرف شيئًا عن مشاعر إلينور الشخصية. لا بد أن يحل اللغزَ شخصٌ آخر غيري.»

غيرتُ خطتي.

«عندما اعترفَت إلينور لكِ أن المفتاح المفقود شُوهِد في حوزتها، هل أخبرَتكِ كذلك من أين حصلت عليه، ولأي سببٍ كانت تُخفيه؟»

«لا.»

«اكتفت بإخباركِ بالأمر، دون أي توضيح؟»

«أجل.»

«ألم يكن من الغريب أن تُقدم معلومةً لا داعي لها لمن كانت، قبل ساعاتٍ قليلةٍ فحسب، قد اتهمَتْها صراحةً بارتكاب جريمةِ قتل؟»

فسألَت، وقد أخذ صوتُها في الانخفاض فجأةً: «ماذا تقصد؟»

«لن تُنكري أنكِ كنتِ آنفًا، لم يكن لديكِ استعدادٌ لأن تُصدقي أنها مذنبة فحسب، بل وجَّهتِ بالفعل اتهامًا لها بارتكاب هذه الجريمة.»

صاحت: «وضِّح كلامك!»

«آنسة ماري، ألَا تتذكرين ما قلتِه في تلك الغرفة بالطابق العلوي، حين كنتِ على انفرادٍ مع ابنة عمكِ صبيحةَ يوم التحقيق، مباشرةً قبل أن أدخل أنا والسيد جرايس إليكما؟»

لم تُخفِض عينَيها، لكنهما امتلأتا بذعرٍ مفاجئ.

همست: «أسمعت؟»

«رغمًا عني. كنتُ خلف الباب مباشرةً، و…»

«ماذا سمعت؟»

فأخبرتها بما سمعته.

«والسيد جرايس؟»

«كان بجانبي.»

بدا وكأنَّ عينَيها ستفترسان وجهي. فقالت: «لكن، لم يُقل شيء عند دخولكما؟»

«لا.»

«وأنتما، مع ذلك، لم تنسيا أبدًا ما قيل؟»

«كيف يمكننا ذلك، يا آنسة ليفنوورث؟»

سقط رأسُها إلى الأمام بين يدَيها، وللحظةٍ جامحة بدا أنها قد استسلمت لليأس. ثم انتصبت، وصاحت بقنوط:

«ولهذا السبب أتيت إلى هنا الليلة. بذلك الحُكم المكتوب في قلبك، تقتحم خصوصيتي، وتُعذِّبُني بأسئلة …»

قاطعتُها قائلًا: «عذرًا؛ ولكن هل ينبغي لشخصٍ مثلكِ، بما لديكِ من مراعاةٍ متَّزنة لشرف مَن ألفتِ عشرتَها، أن يتردَّد في الإجابة عن أسئلتي؟ هل أنتقص من رجولتي عندما أسألكِ عن كيفية توصلكِ إلى اتهامٍ بهذه الخطورة والسبب وراء توصلكِ إليه، في وقتٍ كانت جميعُ ملابسات القضية ماثلةً حديثًا أمامكِ، فلم تزدادي إلا إصرارًا بتلك القوة على براءة ابنة عمِّكِ عندما وجدتِ أنَّ ثمة أسبابًا أخرى لاتهامكِ لها أكثرَ مما كنتِ قد افترضتِ؟»

بدا أنها لم تسمعني. تمتَمَت: «يا إلهي! يا لقدَري القاسي. يا لقدري القاسي!»

قلت، وأنا أنهض وأقف أمامها: «آنسة ليفنوورث؛ مع وجود جفاءٍ عارض بينكِ وبين ابنة عمكِ، لا يمكن أن تكون لديكِ رغبةٌ في أن تَبْدي عدوةً لها. تحدَّثي، إذن؛ دعيني أعرفْ على الأقل اسمَ مَن تُضحي بنفسها هكذا من أجله. بتلميحٍ منكِ …»

لكنها وقفت، بنظرةٍ غريبةٍ تعتلي وجهها، وقاطعتني بتعليقٍ حازم: «إن لم تكن تعرف، فلا يمكنني أن أخبرك؛ لا تسألني، يا سيد ريموند.» ثم ألقَتْ نظرةً على الساعة للمرة الثانية.

سلكتُ منحًى آخر.

«آنسة ليفنوورث، سألتِني ذات مرة إن كان يجب بالضرورة على شخصٍ اقترف خطأً أن يعترف به؛ وأجبتُكِ بالنفي، ما لم يكن يمكن باعترافه أن يُصلح ما فعله. هل تتذكرين؟»

تحرَّكَت شفتاها، ولكن من دون أن تنبس بأي كلمة.

واصلتُ بنبرة جادة، مسترشدًا بمشاعرها: «بدأت أظن أن الاعتراف هو السبيل الوحيد للخروج من هذه المحنة؛ إنه بالكلمات التي يمكنكِ أن تنطقي بها يمكن إنقاذ إلينور من القدر المشئوم الذي ينتظرها. ألن تُثبتي إذن أنكِ امرأةٌ صالحةٌ بالاستجابة لمناشداتي المخلصة؟»

بدا أنني قد أصَبتُ الوتر الصحيح؛ لأنها ارتجفت، وامتلأت عيناها بنظرة أسًى. وتَمتَمَت: «آهٍ، لو كان بيدي!»

«ولماذا ليس بيدكِ؟ لن تَنعَمي بسعادةٍ مطلقًا حتى تفعلي. إلينور تُصرُّ على الصمت؛ ولكن ذلك ليس سببًا لأن تَحذي حَذْوَها. إنكِ بهذا تجعلين موقفَها أكثرَ مَدعاةً للشكِّ فحسب.»

«أعرف ذلك؛ ولكن ليس بوسعي أن أفعل. فالقدر يُكبلني بقوةٍ كبيرةٍ؛ فلا يمكنني الإفلات منه.»

«هذا غير صحيح. بإمكان أي شخصٍ أن يُفلت من قيودٍ وهمية كقيودك.»

اعترضَت: «لا، لا؛ أنت لا تفهم.»

«ما أفهمه هو أن الطريق المستقيم هو الطريق الصحيح، وأن من يجنح إلى طرق ملتوية سيضِلُّ.»

مرَّت ومضةُ نورٍ خاطفة، لمحة شجية تفوق الوصف، لوهلة عبر وجهها؛ ارتفعَت حنجرتها وكأنها على وشك أن تهمَّ بنشيجٍ عنيف؛ وانفتحت شفتاها؛ بدا أنها سترضخ، عندما … دق صوتُ جرس حادٌّ من الباب الأمامي!

صرخت، وهي تستدير بعنفٍ: «يا إلهي، أخبره بأنني لا يمكنني مقابلته؛ أخبره …»

قلت، وأنا أُمسكها من كلتا يدَيها: «آنسة ليفنوورث، دعكِ من الباب؛ لا تُلقي بالًا لأي شيءٍ سوى هذا الأمر. سألتكِ سؤالًا يتعلَّق بسرِّ هذه القضية بأكملها؛ أجيبيني إذن، لأجل نفسكِ؛ أخبريني، ماذا كانت الظروف المشئومة التي يمكن أن تدفعكِ إلى …»

لكنها أفلتت يديها من يديَّ. وصاحت: «الباب! سينفتح، و…»

مندفعًا إلى الممر، قابلت توماس صاعدًا من سلالم القبو. قلت: «ارجع؛ سأناديك عند الحاجة إليك.»

وبانحناءةٍ اختفى.

صاحت، عندما عاودت الدخول: «تتوقَّع مني أن أجيب. الآن، في تلك اللحظة؟ لا يمكنني.»

«ولكن …»

شاخصةً ببصرها إلى الباب الأمامي: «مستحيل!»

«آنسة ليفنوورث.»

ارتعدَت أوصالها.

«يؤسفني أن أقول إن الوقت لن يأتيَ أبدًا، إن لم تتكلَّمي الآن.»

كرَّرَتْ: «مستحيل.»

دق الجرس مرةً أخرى.

قالت: «أتسمع؟!»

مضيتُ إلى الردهة وناديتُ توماس. قلت: «يمكنك أن تفتح الباب الآن»، وتحركت عائدًا إلى جانبها.

لكن، بحركةٍ آمِرة، أشارت للطابق العلوي. «اتركني!» وانتقلت نظرتها إلى توماس، الذي توقف حيثما كان.

قلت: «سأراكِ ثانيةً قبل أن أغادر»، وأسرعت الخطى إلى الطابق العلوي.

فتح توماس الباب. سمعت صوتًا فخيمًا، مرتجفًا يستفسر: «هل الآنسة ليفنوورث بالداخل؟»

أتى صوت رئيس الخدم بلهجته البالغةِ الوقار والرزانة: «أجل، يا سيدي»، ومستندًا إلى الدرابزين، أذهلني أن أرى السيد كلافرينج يدخل الردهة الأمامية ويتحرك ناحيةَ غرفة الاستقبال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢