الفصل السابع والثلاثون

ذروة الأحداث

الذهب الذي فيه الغواية للقديسين.

مسرحية «روميو وجوليت»

عندما لا تجعل منا أفعالنا خونة، فإن مخاوفنا تجعلنا كذلك.

مسرحية «مكبث» [ترجمة جبرا إبراهيم جبرا]

لم أرَ مطلقًا نظرةَ انتصارٍ مخيفةً على وجه رجلٍ كالتي سرَت على وجه المحقق.

قال: «حسنًا، هذا غير متوقَّع، لكنه ليس غيرَ مرغوب فيه كُليةً. أنا في غاية السرور أن الآنسة ماري بريئة؛ لكن لا بد أن أستمع إلى تفاصيلَ أكثرَ قبل أن أقتنع. قف، يا سيد هارويل، ووضِّح كلامك. إن كنتَ أنت مَن قتل السيد ليفنوورث، كيف تبدو الأمور كلها سوداويةً في حالة الجميع فيما عداك؟»

لكن في تلك العينَين المتقدتَين المضطربتَين للجسد الذي كان يتلوَّى عند قدمَيْه، كان ثمة توترٌ وألمٌ يصلان إلى حدِّ الجنون، وقليل من التوضيح. ما إن رأيته يبذل محاولاتٍ غيرَ مجديةٍ ليتحدث، حتى اقتربت منه.

قلتُ، وأنا أرفعه لينهض على قدميه: «استنِدْ إليَّ.»

استدار وجهه، الذي تخلَّص من قناع الكبت إلى الأبد، ناحيتي بنظرةِ روحٍ آيسة. قال بأنفاس لاهثة: «أنقذ! أنقذ! أنقذها … ماري … سيرسلون التقرير … امنع ذلك!»

قاطعه صوتٌ آخر: «نعم، إن كان يوجد هنا رجلٌ يؤمن بالرب ويوقِّر شرفَ النساء، فليُوقِف إرسال ذلك التقرير.» وتقدَّم هنري كلافرينج، وقورًا كحاله دومًا، ولكن في اضطرابٍ عارم، مندفعًا بيننا من بابٍ مفتوحٍ على يميننا.

لكن عند مرأى وجهه، ارتعد الرجل الذي بين أذرعنا خوفًا، وصرخ، وقفز قفزةً كانت ستقلب السيد كلافرينج، بجسده العملاق، على ظهره، لولا تدخلُ السيد جرايس.

صاح: «انتظر!»؛ ومُوقفًا السكرتير بيدٍ واحدة — أين هي قدماه المصابتان بالروماتيزم الآن؟! — وضع اليد الأخرى في جيبه وأخرج حينها مستندًا رفعَه أمام السيد كلافرينج. وقال: «التقرير لم يُرسل بَعدُ، هَوِّن عليك. وأنت»، تابعَ كلامَه، مستديرًا ناحية ترومان هارويل، «اصمت، وإلا …»

قوطعت جملته من قِبَل الرجل الذي انفلت من قبضته. وصرخ بشدة: «اتركني! اتركني أثأر من هذا الذي، مقابل كل ما فعلته من أجل ماري ليفنوورث، يتجرَّأُ على أن يدعوَها زوجته! اتركني …» ولكن عند هذه اللحظة توقَّف، وتيبَّس جسده المرتجف متحجرًا، وتراجعَت يداه المقبوضتان والممتدتان إلى حلق خَصمه. قال، وهو يُحدِّق خلف السيد كلافرينج: «أنصتوا! إنها هي! أسمعها! أشعر بها! تصعد السلم! تقف عند الباب! إنها …» ثم أنهت تنهيدةٌ خافتةٌ ومرتجفةٌ، تعكس حُرقةً ويأسًا، جملتَه، وانفتح الباب، ووقفَت ماري ليفنوورث أمامنا!

كانت لحظةً يَشيب لها الولدان. أن ترى وجهها، شاحبًا، هزيلًا، ثائرًا في ذعرٍ ثابت، يستدير ناحيةَ هنري كلافرينج، بتجاهلٍ تامٍّ للبطل الحقيقي في هذا المشهد المروع! لم يستطع ترومان أن يحتمل ذلك.

صاح قائلًا: «أها، أها، انظر إليها! إنها باردة، باردة؛ لم تنظر نحوي نظرةً واحدة، مع أني حلَلتُ حبل المشنقة من على رقبتها لأربطه حول رقبتي أنا!»

ومتحرِّرًا من قبضة الرجل الذي كان سيكبح جِماحَه في فورة غضبه الغيور، سقط على ركبتَيْه أمام ماري، متشبثًا بثوبها بيدَين مضطربتَين. صاح: «سوف تنظرين إليَّ، سوف تسمعينني! لن أخسر نفسي وروحي من دون مقابل. ماري، قالوا إنكِ في خطر! لم أستطع أن أتحمَّل تلك الفكرة؛ ولهذا نطقتُ بالحقيقة … نعم، رغم أني أعرف العواقب … وكل ما أريده الآن أن تقولي إنكِ تُصدِّقينني، عندما أقسم أنني لم أقصد سوى أن أضمنَ لكِ الثروة التي طالما كنتِ توَّاقةً إليها؛ ولم أتخيل قطُّ أن الأمور ستصل إلى هذا؛ وأن ذلك كان لأنني أحببتُكِ، وتمنَّيْتُ أن أفوز بحبكِ في مقابل أن …»

لكن لم يبدُ أنها تراه، ولم يبدُ أنها تسمعه. كانت عيناها مثبتتَين على هنري كلافرينج وفي أغوارهما استفهامٌ مروع، ولم يستطع أحدٌ أن يؤثِّر فيها سواه.

صرخ البائس المسكين: «لا تسمعينني! لا إحساس لديكِ، ولن تلتفتي برأسكِ ولو ناديتُكِ من أعماق الجحيم!»

لكن حتى هذه الصرخة لم تلقَ أيَّ مبالاة. دافعةً يديها إلى أسفل على كتفيه وكأنها تزيل عقبةً من طريقها، حاولت أن تتقدم. صاحَت، وهي تشير إلى زوجها بيدٍ مرتجفة: «لماذا هذا الرجل هنا؟ ما الذي فعله حتى يؤتى به إلى هنا ليُواجهني في هذا الوقت الشنيع؟»

همس السيد جرايس في أذني: «أخبرتها أن تأتيَ إلى هنا لتُقابل قاتل عمها.»

لكن قبل أن أتمكن من الرد عليها، وقبل أن يتمكن السيد كلافرينج نفسُه من أن يُغمغم بكلمة واحدة، كان البائس المجرم أمامها قد هبَّ واقفًا على قدميه.

«ألا تعرفين؟ سأخبركِ أنا إذن. لأن هذَين السيدَين، النبيلَين والمحترمَين كما يظنان بنفسيهما، يعتقدان أنكِ أنتِ، صاحبةَ الجمال والإحساس، ارتكبتِ بيدك البيضاء جريمةَ القتل التي وهبَتْكِ الحرية والثروة. نعم، نعم، هذا الرجل»، ملتفتًا ومشيرًا إليَّ، «الصديق مثلما تظاهر، اللطيف والمحترم كما ظننتِ بلا شك، لكنه هو الذي في كل نظرة أسبغها عليكِ، ومع كل كلمة نطق بها على سمعكِ أثناء هذه الأربعة الأسابيع المريعة، كان يلفُّ حبلًا حول رقبتكِ؛ ظنًّا منه أنكِ التي قتلتِ عمك، ويجهل أن هناك رجلًا كان يقف بجانبكِ وكان على استعدادٍ لأن يمحوَ نصف العالم من طريقكِ إذا ارتفعت تلك اليدُ البيضاء نفسُها لتأمرَه. لدرجة أنني …»

«أنت؟» أخيرًا! بإمكانها الآن أن تراه، بإمكانها الآن أن تسمعه!

قال، وهو يتشبث بثوبها مرة أخرى بينما تراجعت بسرعة إلى الوراء: «نعم، ألم تعرفي ذلك؟ في تلك الساعة المفزعة عندما طردَكِ عمُّكِ، كنتِ تصرخين عاليًا مستنجدةً بأي أحد، ألم تعرفي …»

صرختْ، وهي تندفع لتبتعد عنه بنظرة فزعٍ تفوق الوصف: «لا تفعل!» وقالت بأنفاس لاهثة: «لا تقل ذلك! يا إلهي! أتعني صرخة غضب من سيدة منكوبة تطلب فيها المساعدة والتعاطف أن تستغيث بقاتل؟» ثم ابتعدَت في فزع، وتأوهت: «أي شخص سينظر إليَّ الآن سينسى أن رجلًا — مثل هذا الرجل! … تجرَّأ ورأى، نظرًا لأنني كنتُ في حيرة قاتلة، أنني كنت سأقبل بأن يُقتَل أفضل صديق لي حتى أستريح مما كنت فيه!» كان ذعرها بلا حدود. تمتمت: «يا إلهي، يا لها من معاقبة على الحماقة! يا له من عقاب على حب المال الذي كان دائمًا لَعْنتي!»

لم يعُد بإمكان هنري كلافرينج أن يمنع نفسه أكثرَ من ذلك، فهَبَّ إلى جانبها، ومال إليها. «ألم يكن الأمر سوى حماقة، يا ماري؟ هل أنت بريئة من أي إثم أعظمَ من ذلك؟ ألا يربط بينكما الاشتراكُ في الجريمة؟ ألم يكن في نفسكِ أي شيء سوى رغبةٍ جامحة في الحفاظ على مكانكِ في وصية عمكِ، حتى على حساب أن تكسري قلبي وأن تظلمي ابنةَ عمكِ الشريفة؟ هل أنت بريئة في هذه المسألة؟ أخبريني!» قال ذلك واضعًا يده على رأسها، ودفعها في بطءٍ إلى الوراء وحدق في عينيها؛ ثم دون أن ينبس بكلمة، ضمها إلى صدره ونظر في هدوءٍ حوله.

قال: «إنها بريئة!»

انجلَت حينئذٍ سحابةٌ كثيفة خانقة. شعر جميع من بالغرفة، باستثناء ذلك المجرم البائس الذي كان يرتعد أمامنا، بدفعة أمل مفاجئة. حتى ملامح ماري تألَّقت. همستْ، وهي تنسحب من بين ذراعيه لتنظر على نحوٍ أفضل إلى وجهه: «يا إلهي! أهذا هو الرجل الذي تلاعبتُ به، وجرحتُه، وعذبتُه، حتى أصبح اسم ماري ليفنوورث يَبث فيه رعدة؟ أهو هذا الرجل الذي تزوجت منه في نزوةٍ، فقط لأتخلى عنه وأنكره؟ هنري، هل تُعلن أنني بريئة مع كل ما رأيتَه وسمعتَه؛ ومع كل أنين، وثرثرةِ ذلك البائس الواقف أمامنا، وجسدي الذي يرتعش خوفًا ويبدو عليه الفزع؛ ومع أنك تتذكر الخطابَ الذي عَلِق في قلبك وعقلك والذي كتبتُه لك في الصباح بعد جريمة القتل، ورجوتك فيه أن تبتعد عني؛ لأني في خطرٍ مُهلِك حتى إن أبسط تلميح أُعْطِيَ للعالم بأن لديَّ سرًّا أخفيه كان سيُودي بي إلى الهلاك؟ هل تعلن أنني بريئة وبإمكانك أن تفعل ذلك وستُعلن ذلك أمام الرب والعالم؟»

قال: «أُعلنه.»

ظهرَت ببطءٍ على وجهها استنارةٌ لم يسبق أن ظهرت عليه من قبل. قالت، وهو يفتح شفتَيه: «إذن فليسامحني الرب على إساءتي لهذا القلب النبيل؛ لأني لا أستطيع أن أسامحَ نفسي أبدًا! انتظر! قبل أن أقبل أي أمارة أخرى على ثقتك الكريمة، اسمح لي أن أُريَك حقيقتي. ستعرف الجانب الأسوأ من المرأة التي اختارها قلبك.» ثم صاحت، مستديرةً ناحيتي للمرة الأولى: «سيد ريموند، في تلك الأيام، عندما، بأشدِّ ما يكون الولع بثروتي (كما ترى أنا لا أصدق تلميحاتِ هذا الرجل)، حاولتَ أن تحثني على أن أتحدث وأخبرَك بكل ما أعرفه بخصوص هذه الفعلة المشينة، لم أفعل بسبب مخاوفي الأنانية. عرَفت أن القضية لم تكن في صالحي. إلينور قد أخبرتني بذلك. إلينور نفسها صدقَت أني الجانية، وكانت تلك أقوى ضربة كان عليَّ أن أتحملها. كان لديها أسبابها. عرَفت أولًا، من الظرف المرسل الذي كانت قد عثرت عليه أسفلَ جثة عمي الهامدة على منضدة المكتبة، أنه كان منخرطًا لحظةَ وفاته في استدعاء محاميه ليُجريَ تغييرًا في وصيته كان من شأنه أن ينقل حقوقي لها؛ ثانيًا: أنه على الرغم من إنكاري للأمر، كنت قد نزلتُ بالفعل إلى غرفته الليلة السابقة؛ إذ كانت قد سمعَت باب غرفتي يُفتح وثوبي يُصدر حفيفًا يُخشخش أثناء مروري. لكن ذلك لم يكن كل شيء؛ المفتاح الذي شعر الجميع أنه دليلُ إدانة قاطعٌ بصرف النظر عن المكان الذي عُثِر عليه فيه، كانت قد أخذَتْه من أرضية غرفتي؛ والخطاب الذي كتبه السيد كلافرينج إلى عمي عُثِر عليه في مدفأتي؛ والمنديل الذي كانَتْ قد رأَتْني آخذه من سلة الملابس النظيفة، قُدِّم في التحقيق متسخًا بشحم المسدس. لم يكن بإمكاني أن أُفسِّر كل هذه الأدلة. بدا وكأنَّ شبكةً قد تعقَّدت خيوطُها حول قدمَيَّ. فلم يكن بإمكاني أن أتحرك من دون أن أتعثر في شبكةٍ جديدة. كنت أعرف أني بريئة؛ لكن إذا كنت قد فشلت في أن أقنع ابنة عمي بهذا، فكيف لي أن أتطلَّع إلى إقناع عامة الناس، إذا طُلب مني ذات مرة أن أفعل ذلك. لكن الأسوأ من ذلك، أنه إذا كانت إلينور، التي كان لديها كلُّ الدوافع الواضحة التي تجعلها تتمنَّى طول العمر لعمنا، قد وُضِعت في موضع شبهة بسبب بضعة أدلةٍ ظرفية ضدها، فما الذي سيضمن لي ألَّا أخاف من أن تنقلب تلك الأدلةُ ضدي أنا، الوريثة الشرعية؟! لقد أظهرت نبرة المحلف وأسلوبُه في الاستجواب، حين سأل عن المستفيد الأكبر من وصية عمي، الأمرَ بوضوحٍ تام. ولذلك، حينما أطبقَت إلينور، التي تتبع فطرتها الكريمة، شفتَيْها وامتنعَت عن الحديث في الوقت الذي كان من شأن حديثها أن يجلبَ لي الخراب، تركتُها تفعل ذلك، مبررةً ذلك لنفسي بفكرة أنها قد اعتبرَتني قادرةً على ارتكاب الجريمة؛ ولهذا لا بد أن تتحمل العواقب. ولم أتراجع عندما رأيتُ أنه من المرجح أن يتبرهنَ أن هذه الأدلة الظرفية ستكون ذاتَ أثر مروع. الخوف من الفضيحة، والقلق، والخطر الذي من شأن الاعتراف أن يستتبعه جعلني أُطبِق شفتيَّ. لم أتردَّد إلا مرة واحدة. كان ذلك عندما، في آخر مقابلةٍ بيننا، رأيتُ أنك كنت مؤمنًا ببراءة إلينور رغم القرائن ضدها، وخطر ببالي أنه ربما يمكن حملك على التصديق ببراءتي إذا ألقيتُ بنفسي تحت رحمتك. لكن عندئذٍ جاء السيد كلافرينج؛ وفي لمح البصر يبدو أنني أدركت كيف ستكون حياتي في المستقبل موصومةً بالشك، وبدلًا من الخضوع لرغبتي، مضيتُ بعيدًا في الاتجاه المعاكس وهدَّدت السيد كلافرينج بإنكار زواجنا إن اقترب مني مرةً أخرى حتى يزول الخطر تمامًا.

نعم، سيخبرك أن هذا كان ترحيبي به عندما جاء، بقلبٍ وعقل منهَكَين من القلق لمدةٍ طويلة، إلى بابي من أجل كلمة طمأنةٍ واحدة بأن الخطر الذي كنت فيه لم يكن من صنيعي. كانت تلك هي التحية التي منحتها إياه بعد عامٍ من الصمت كانت كلُّ لحظةٍ فيه بمثابة عذابٍ له. لكنه سامحني؛ أرى ذلك في عينَيْه؛ وأسمعه في نبرة صوته؛ وأنت … أوه، إن كان بإمكانك في السنوات الطويلة القادمة أن تنسى ما جعلتُ إلينور تُقاسيه جراء مخاوفي الأنانية؛ إذا كان بوسعك، في ظل إساءتي لها الماثلة أمامك، وبفضل بعض الأمل الجميل أن تفكر فيَّ بطريقةٍ أقلَّ قسوة قليلًا، فافعل. أما فيما يتعلق بهذا الرجل … فالتعذيب لا يمكن أن يكون أسوأَ عندي من وقوفي هذا معه في الغرفة نفسها … فليتقدَّم ويعلنْ إن كنتُ بنظرةٍ أو كلمةٍ أعطيته سببًا ليعتقد أني فطنت إلى شغَفه بي، فضلًا عن مبادلته إياه.»

قال بأنفاسٍ لاهثة: «ولِمَ تسألين! ألا ترَين أن لامبالاتكِ هي التي دفعَتني إلى الجنون؟ أن أقف أمامكِ، أن أتألَّم من أجلكِ، أن أتتبَّعَكِ بأفكاري في كل خطوةٍ خطوتِها؛ أن أعرف أن روحي قد التحمَت بكِ بروابط من حديدٍ لا نار تصهرها؛ ولا قوة تحطمها، ولا أزمة تقطعها؛ أن ننام تحت السقف نفسِه، ونجلس على المائدة نفسها، ولا أجد منكِ ولا حتى نظرة واحدة تُظْهِر لي أنكِ تفهمين! كان هذا ما جعل حياتي جحيمًا. كنتُ مُصرًّا على أنكِ يجب أن تفهمي. إذا كنت سأقفز في حفرةٍ من نار، يجب أن تعرفي كيف كان حالي، ومقدار الحب الذي كنتُ أحمله لكِ. وأنتِ فهمتِ ذلك. أنتِ تدركين الأمر كلَّه الآن. ابتعدي كما تشائين عن حياتي، اهربي كما تشائين إلى الرجل الضعيف الذي تُسمينه زوجَكِ، لا يمكنكِ أبدًا أن تنسَي حب ترومان هارويل؛ لن تنسي أبدًا أن الحب، الحب، الحب كان القوة التي دفعَتْني لأنزل إلى غرفة عمِّك تلك الليلة، ومنحتني إرادة أن أسحب الزناد الذي فاض عليكِ بكل تلك الثروة التي بين يديكِ اليوم.» وتابع حديثه، وهو ينهض عاليًا في يأسه الفائق حتى بدا هنري كلافرينج نفسه بجسده المهيب قزمًا بجانبه: «نعم، كل دولار يرنُّ في حقيبتكِ سيحكي عني. كل بريق يلمع على هذا الرأس المتعجرف، المتغطرس الذي تكبَّر على أن ينحنيَ لي، سيصرخ باسمي في أذنيكِ. الملابس، البذخ، الترف؛ ستحصلين على كل ذلك؛ ولكن حتى يفقد الذهبُ بريقه وتخبوَ جاذبيتُه، لن تنسَي أبدًا اليدَ التي منحَتْك تلك الأشياء!»

بنظرة انتصارٍ شيطانيةٍ أعجز عن وصفها، تأبَّط ذراعَ المحقق المنتظر، وفي اللحظة التالية كان سيُقتاد خارج الغرفة؛ عندما رفعَت ماري رأسها، وهي تكظم سيل المشاعر الذي كان يتأجَّجُ في صدرها، وقالت:

«لا، يا ترومان هارويل، ليس بإمكاني حتى أن أمنحَك تلك الفكرة ليستريح ضميرك. الثروة الفاحشة لا تجلب إلا العذاب. وليس بوسعي أن أقبل العذاب؛ ولهذا لا بد أن أتحررَ من الثروة. من هذا اليوم، لن تملك ماري كلافرينج شيئًا سوى ما يأتيها من الزوج الذي ظلمَتْه طويلًا بكل وضاعة.» ثم رافعةً يدَيْها إلى أذنَيْها، انتزعَت الألماس الذي كان متدليًّا منهما، وطرحته عند قدمَيِ الرجل البائس.

كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير. بصرخةٍ لم أكن أتخيَّل مطلقًا أن أسمعها تدوِّي من بين شفتَيْ رجلٍ، رفع ذراعَيْه لأعلى، بينما كان شرر الجنون الصارخ يتأجَّج في وجهه. وقال في أنين: «وأنا قد زجَجتُ بنفسي إلى الجحيم لمجرد خيال! لمجرد خيال!»

•••

«حسنًا، هذا أفضل يوم عمل في حياتي! لنسمع تهانيك، يا سيد ريموند، على نجاح أكثر لعبة جريئة شهدها مكتبُ محقِّق.»

نَظَرتُ في ذهولٍ إلى وجه السيد جرايس المبتهج بالنصر. صِحتُ قائلًا: «ماذا تقصد؟ هل خطَّطت لكل هذا؟»

كرَّر ما قلتُه: «هل خططت؟ وهل يُعقل أن أقف هنا، وأرى الأمورَ تصير إلى ما صارَت إليه، إن لم أكن خططتُ لها؟ يا سيد ريموند، دعنا نُرِح أنفسَنا. أنت رجل محترم، لكن بإمكاننا أن نتصافحَ مباركةً لهذا النجاح. لم أعرف قطُّ على مدار حياتي المهنية نهايةً مُرضِيةً لمهمة عملٍ صعبةٍ مثل هذه النهاية.»

تصافحنا بالفعل، طويلًا وبحماس، ثم طلبت منه أن يوضِّح.

قال: «حسنًا، كان ثَمة أمرٌ واحد يزعجني طوال الوقت، حتى في اللحظة التي بلَغَت فيها شكوكي في هذه السيدة أوْجَها، وكان هذا الأمر، هو مسألة تنظيف المسدس. لم أستطع أن أربط بين هذا العمل وما كنتُ أعرفه عن طبيعة النساء. استعصى عليَّ أن أتخيَّل أن هذا العمل من صنيع امرأة. هل عرَفتَ من قبل امرأةً نظَّفت مسدسًا؟ لا. بإمكانهن أن يطلقْنَ النار منه، ويفعلْنَ ذلك بالفعل؛ لكن بعد استخدامه في إطلاق النار، لا يحرصْنَ على تنظيفه. والآن ثمة قاعدةٌ يعرفها جميع المحققين، وهي أنه إذا كان من بين مائة حدَثٍ رئيسي مرتبطٍ بالجريمة، تسعةٌ وتسعون حدثًا تشير إلى الطرف المشتبه فيه بيقينٍ بالغ الدقة، لكنَّ الحدثَ رقم مائة الذي لا يقل أهميةً هو حدثٌ لا يمكن أن ينفِّذَه ذلك الشخص، فإن بِنْيةَ الشك كلَّها تنهار. عملًا بهذا المبدأ، إذن، كما أوضحت، ترددتُ عندما وصل الأمرُ إلى نقطة إلقاء القبض عليها. فالسلسلة كانت مكتملة؛ والحلقات كانت متصلةً ببعضها البعض، لكن حلقة واحدة كانت ذات حجمٍ ونوعية مختلفَين عن باقي الحلقات؛ وهذا ما أيَّد وجودَ ثغرة في السلسلة. توصلتُ إلى أن أمنحها فرصةً أخيرة. فاستدعيتُ السيد كلافرينج والسيد هارويل، وهما شخصان ليس لدي أيُّ سببٍ يدعوني لأن أشك فيهما، لكنهما كانا الشخصَين الوحيدين بالإضافة إليها اللذَين كان بإمكانهما ارتكابُ هذه الجريمة، ولكونهما الشخصيْنِ الوحيدَين النابهَين اللذَين كانا في المنزل أو يُعتقد ذلك، وقتَ وقوع الجريمة، أخبرتُ كلًّا منهما على حدةٍ أنه لم يُعثَر فحسب على قاتل السيد ليفنوورث، وإنما أوشك أن أقبض عليه في منزلي، وأنهما إن كانا يرغبان في سماع الاعتراف الذي من المؤكد أنه سيعقبه، فقد تكون لديهما الفرصة أن يفعلا ذلك إذا أتيا إلى هنا في تلك الساعة. أبدى الاثنان اهتمامًا بالغًا، رغم الاختلاف الشاسع في الأسباب، لدرجةٍ استعصى عليهما معها أن يُمانعا في الحضور؛ ونجحتُ في أن أحثَّهما على الاختباء في الغرفتَين اللتَين رأيتهما يخرجان منهما، مدركًا أنه إن كان أي منهما هو مَن ارتكب هذه الجريمة، فقد ارتكبها حبًّا في ماري ليفنوورث؛ ومن ثَمَّ لن يحتمل أن يسمعها تُتَّهم بهذه الجريمة، وتُهَدَّد بإلقاء القبض عليها، دون أن يكشف عن نفسِه. لم أُعلِّق أملًا كبيرًا على هذه التجرِبة؛ فضلًا عن أن أتوقَّع أن يثبت أن السيد هارويل هو الجاني؛ لكن من يعِشْ يتعلم، يا سيد ريموند، مَن يَعشْ يتعلم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢