الفصل الخامس

شهادة خبير

وكثيرًا ما تلجأ قُوى الظلام — من أجل تدميرنا — إلى قول الحق لنا،
وإلى استخدام تفاهاتٍ صحيحة من أجل اصطيادنا،
ثم تخوننا وتتخلَّى عنا في اللحظة الحاسمة.
مسرحية «مكبث» [ترجمة حسين أحمد أمين]

وسط هذا الوجوم العامِّ الذي خيَّم على الحضور هناك، سُمِع صوتُ دقٍّ عنيف للجرس. اتجهت كلُّ الأنظار في الحال تجاه باب غرفة الجلوس، بينما كان الباب يُفتَح ببطءٍ، ودخل الضابط، الذي كان محققُ الوفيات قد بعث به في ظروفٍ غامضة منذ ساعة، برفقة شابٍّ، بدا من هيئته الأنيقة، وعينَيْه النبيهتَين، والانطباع العامِّ عنه بأنه أهلُ ثقة، أنه المندوب الخاصُّ لمجموعةٍ تِجاريةٍ موثوقٍ بها، وفي الحقيقة كان كذلك.

تقدم دون أن يظهر عليه أيُّ ارتباك واضح، رغم أن كل الأنظار في الغرفة كانت مُسلَّطةً عليه في فضول واضح، وانحنى انحناءةً بسيطة لمحقق الوفيات.

قال: «لقد طلبت استدعاءَ أحدٍ من متجر بون وشركاه.»

حدث اضطرابٌ قوي في الحال. كان بون وشركاه متجرًا ذائعَ الصيت للأسلحة والذخائر في برودواي.

أجاب محققُ الوفيات: «أجل، يا سيدي. لدينا رصاصة هنا، لا بد لنا من أن نطلب منك فحصها، فأنت على دراية تامة بجميع الأمور المتعلقة بمجال عملك، أليس كذلك؟»

مكتفيًا برفع أحد حاجبَيه في إيماءة مُعبِّرة، أخذ الشاب الرصاصة في يده دون اكتراث.

«هل يمكنك أن تُخبرنا من أي نوع من المسدسات أُطلِقَت هذه الرصاصة؟»

قَلَّب الشاب الرصاصةَ بتأنٍّ بين إصبعَيه الإبهام والسبابة، ثم وضعها. وقال: «رصاصة رقم ٣٢، تُباع عادةً مع المسدس الصغير من صُنع سميث آند ويسون.»

صاح رئيس الخدم، قافزًا من مقعده: «مسدس صغير! كان سيدي يحتفظ بمسدسٍ صغير في درج خِزانته. رأيتُه كثيرًا. جميعنا كنا نعرف بشأنه.»

عمَّ هرجٌ عارم يصعب السيطرة عليه، لا سيما بين الخدم. سَمِعتُ صوتًا غليظًا يصيح: «هذا صحيح! رأيتُه مرةً بنفسي؛ كان سيدي يُنظفه.» كانت الطاهية هي من تكلمت.

سأل محقق الوفيات: «في درج خزانته؟»

«أجل، يا سيدي؛ عند رأس سريره.»

أُرسِلَ ضابطٌ لتفتيش درج الخزانة. وعاد في غضون بضع لحظات، ومعه مسدسٌ صغير وضعه على منضدة محقق الوفيات، قائلًا: «ها هو.»

في الحال، هبَّ الجميع واقفين، لكن محقق الوفيات، الذي كان يُناوله لمندوب متجر بون، استفسر عما إذا كان من صُنع الجهة السالفِ ذِكرُها. ومن دون ترددٍ أجاب: «أجل، سميث آند ويسون؛ يمكنك التأكدُ من ذلك بنفسك»، وواصل معاينته.

وجه المحقق سؤاله إلى الضابط قائلًا: «أين عثرتَ على هذا المسدس؟»

«في الدرج العلوي لمنضدةِ حِلاقةٍ بالقرب من رأس سرير السيد ليفنوورث. كان في حافظة مخمليةٍ مع علبة خراطيش، أحضرتُ واحدةً منها على سبيل العيِّنة»، ووضعها بجانب الرصاصة.

«هل كان الدرج مقفلًا؟»

«أجل، يا سيدي؛ لكن المفتاح لم يُؤخَذ منه.»

في تلك اللحظة، كان التشويق قد بلغ ذروته. اجتاحت الغرفةَ صيحةُ تساؤلٍ من الجميع: «هل هو محشو؟»

علَّق محقق الوفيات، مقطبًا جبينه في وجه الحضور، بنظرة وقار عظيمة:

«كنتُ على وشك أن أطرح ذلك السؤال بنفسي، لكن لا بد أولًا أن أطلب من الحضور الالتزامَ بالنظام.»

أعقب قولَه هدوءٌ في الحال. حرَصَ الجميعُ حرصًا شديدًا على منع أي عقبةٍ تحول دون إشباع فضولهم.

صاح المحقق قائلًا: «الآن، يا سيدي!»

أخرج مندوبُ متجر بون أسطوانةَ المسدس، ورفعها. قال: «توجد سبع حجيرات هنا، وجميعها محشوَّة.»

أعقَبَت هذا الإثباتَ همهمةُ إحباط.

أضاف بهدوء بعد معاينةٍ عابرة للوجه الأمامي لأسطوانة المسدس: «لكن هذه الرصاصات لم تكن جميعها محشوةً منذ وقت طويل. لقد أُطْلِقَت رصاصةٌ مؤخرًا من إحدى هذه الحجيرات.»

صاح أحد المحلَّفين قائلًا: «وكيف عرَفتَ؟»

أجاب، مستديرًا إلى محقق الوفيات: «كيف عرَفت؟ سيدي، هل لك أن تتفضل بمعاينة حالة هذا المسدس؟» وناولَه إلى ذلك الرجل. وأردف: «انظر أولًا إلى الماسورة؛ إنها نظيفةٌ ولامعة، ولا تُظهِر أيَّ دليل على أن رصاصةً مرت خارجةً منها من وقت قريب جدًّا؛ وذلك لأنها نُظِّفَت. ولكن الآن، لاحظ الوجه الأماميَّ للأسطوانة: ماذا تُلاحظ هناك؟»

«أُلاحظ خطًّا خفيفًا من السِّنَاج الأسود بالقربِ من إحدى الحجيرات.»

«بالضبط؛ اعرضه على السادة الأفاضل.»

ما لبثت أن تناقلَته الأيدي في الحال.

«هذا الخطُّ الخفيف من السِّنَاج الأسود، على حافة إحدى الحجيرات، هو العلامةُ يا سادة. الرصاصة عند مرورها خارجةً تُخلِّف سِناجًا أسودَ وراءها دائمًا. الرجل الذي أطلقَها، متذكرًا المعلومةَ، نَظَّفَ ماسورة المسدس، لكنه أغفل تنظيفَ الأسطوانة.» ثم تنحى جانبًا، وعقد ذراعيه.

تحدث صوتٌ حماسي أجشُّ: «بحق أورشليم! أليس ذلك مذهلًا!» جاء ذلك التهليلُ من رجلٍ قروي قد دخل من الشارع، وفي تلك اللحظة وقف فاغرًا فمَه عند مدخل الباب.

كانت مقاطعةً وقحة منه، لكنها لم تكن غيرَ مقبولة تمامًا. عمَّت ابتسامةٌ الغرفةَ، والتقط الرجال والنساء على حدٍّ سواءٍ أنفاسَهم بسهولة أكبر. ما إن استُعيد النظام أخيرًا، حتى طُلِب من الضابط أن يصفَ موضع الخِزانة، والمسافة بينها وبين منضدة المكتبة.

«منضدة المكتبة في غرفة، والخِزانة في غرفة أخرى. حتى يصل المرءُ إلى الغرفة الأولى من الغرفة الأخيرة؛ يتعين عليه المرورُ بغرفة نوم السيد ليفنوورث في اتجاهٍ قُطري، مارًّا عبر الممر الفاصل بين تلك الغرفة والغرفة الأخرى، و…»

«انتظر لحظة؛ أين موضع هذه المنضدة مِن الباب الذي يُفضي من غرفة النوم إلى الردهة؟»

«يمكن للمرء أن يدخل من الباب، ويمرَّ مباشرةً حول مؤخرة السرير وصولًا إلى الخِزانة، ويتحصل على المسدس، ويقطع نصف الطريق إلى الممر، دون أن يراه أيُّ أحد جالس أو واقف في المكتبة في آخر الممر.»

صاحت الطاهيةُ مذعورةً، وهي تُلقي مئزرها على رأسها وكأنها تمنع منظرًا مرعبًا ما: «بحق العذراء المقدسة! لم تكن هانا تمتلكُ أبدًا الشجاعة حتى ترتكب ذلك، أبدًا، أبدًا!» لكن السيد جرايس، ممسكًا بالسيدة في قسوةٍ، أرغمها على العودة إلى مقعدها، موبخًا إياها ومُهدِّئًا من رَوعها في آنٍ واحد، بأسلوبٍ بارع وعجيب. فبكَت متوسلةً إلى من حولها: «أتوسل إليكم أن تُسامحوني؛ لكن لم تكن هانا أبدًا، أبدًا!»

وهنا أُعْطِي مندوبُ متجر بون الإذنَ بالانصراف، وانتهز الجمعُ الفرصة ليُغيروا أماكنهم قليلًا، وبعد ذلك، نُودِيَ اسم السيد هارويل مجددًا. نهض ذلك الشخص والتردُّد بادٍ عليه. كان من الواضح أن الشهادة السابقة قد شوَّشَت على بعض أفكاره، أو دعمَت بلا شكٍّ بعضَ الشكوك غير المرغوب فيها.

بدأ المحقق كلامه: «سيد هارويل، علمنا بوجود مسدس تَئول ملكيتُه إلى السيد ليفنوورث، وعند التفتيش، وجدناه في غرفته. هل كنتَ على علمٍ بامتلاكه لهذا السلاح؟»

«كنتُ أعلم.»

«هل كان أمرًا معروفًا بوجهٍ عام في المنزل؟»

«يبدو كذلك.»

«كيف كان ذلك؟ هل كان من عادته أن يتركه في مكانٍ ما حيث يمكن لأي أحد أن يراه؟»

«لا يمكنني أن أجزم؛ يُمكنني فقط أن أُطلِعَك على الكيفية التي عرَفتُ عن طريقها بوجوده.»

«عظيم، تفضَّل.»

«كنَّا نتحدَّث ذات مرةٍ عن الأسلحة النارية. هذا الموضوع يَستهويني بعضَ الشيء، وكنتُ توَّاقًا دومًا إلى اقتناء مسدسٍ صغيرٍ بحجم الجيب. وعندما أفصحتُ له عن شيءٍ من هذا القبيل ذات يوم، نهض من مقعده، وأحضر إليَّ هذا المسدس، وأراني إياه.»

«منذ متى حدث هذا؟»

«منذ أشهرٍ قليلة.»

«أهذا يعني أنه كان يمتلك هذا المسدسَ منذ مدة؟»

«أجل، يا سيدي.»

«هل كانت تلك هي المناسبة الوحيدة التي رأيته فيها؟»

«لا، يا سيدي»، واحمرَّ وجهه، ثم أردف: «رأيته مرة واحدةً أخرى منذ ذلك الحين.»

«متى؟»

«منذ نحوِ ثلاثة أسابيع.»

«في أي ظروف؟»

أخفض السكرتير رأسَه، وظهرت فجأةً على وجهه نظرةُ إرهاق.

سأل بعد لحظة تردُّد: «أيمكنكم إعفائي من الإجابة، أيها السادة؟»

أجاب محقِّق الوفيات: «هذا مستحيل.»

ازداد وجهه امتقاعًا واستنكارًا. صرَّح في ترددٍ: «أجدُني مُضطرًّا إلى أن أذكر اسم سيدة.»

علَّق محقِّق الوفيات: «يؤسفنا ذلك جدًّا.»

اندفع الشاب بقوةٍ ناحيته. ولم أستطع أن أمنع نفسي من التعجُّب من أنني كنت قد ظننتُ أنه رجل عادي. وصاح قائلًا: «الآنسة إلينور ليفنوورث!»

عند سماع هذا الاسم، الذي نُطق به للتو، انتفضَ الجميع من أماكنهم عدا السيد جرايس، كان منهمكًا في عقد حوارٍ وثيق وسرِّي مع أطراف أصابعه، ولم يبد أنه انتبه.

واصل السيد هارويل حديثه: «بالتأكيد يتعارض مع قواعد اللياقة والاحترام التي نُكِنُّها جميعًا تجاه السيدة نفسِها، أن نذكر اسمَها في هذه المناقشة.» لكن نظرًا إلى أن محقق الوفيات كان لا يزال مُصرًّا على الحصول على إجابة، فقد عاد وعقد ذراعيه (وهي حركةٌ تدلُّ على الاتفاق معه)، وبدأ بنبرة منخفضة ومُكرَهة يقول:

«هذه هي المرة الوحيدة، أيها السادة. ذاتَ يوم بعد الظهيرة، منذ قرابة ثلاثة أسابيع، تَسنَّى لي أن أذهب إلى المكتبة في ساعةٍ لم أَعْتَد الذَّهاب فيها إلى هناك. وعندما كنت أتَّجِه ناحية رفِّ المدفأة لكي أُحضر مِطواةَ جيب كنت قد تركتها دون انتباهٍ هناك في الصباح، سمعتُ ضوضاء في الغرفة المجاورة. وإذ كنتُ أعلم أن السيد ليفنوورث كان بالخارج حينها، وظنًّا مني أن السيدَتَين كانتا بالخارج أيضًا، سمحتُ لنفسي بالدخول لأتبيَّن مَن كان الدخيل؛ حينها أذهلَني أنني وجدتُ الآنسة إلينور ليفنوورث واقفةً بجانب فِراش عمِّها، والمسدس في يدِها. مرتبكًا جرَّاء فعلتي المتهورة، حاولتُ الهرَب دون أن تلمحَني، ولكن عبثًا، وذلك لأنه ما إن كنتُ أعبر عتبة الباب، حتى التفتَت، ونادَتْني باسمي، وطلبَت مني أن أوضح لها المسدس. أيها السادة، حتى أتمكنَ من فعل ذلك، كنت مضطرًّا إلى أن أمسكه بيدي؛ وتلك، يا سادة، هي المناسبة الوحيدة الأخرى التي رأيت فيها مسدسَ السيد ليفنوورث أو أمسكته.» ثم نكَّس رأسه، وانتظر السؤال التاليَ في قلقٍ لا يُوصف.

«طلبَت منك أن توضح لها المسدس؛ ماذا تقصد بذلك؟»

تابع بضعف، ملتقطًا أنفاسَه محاولًا دون جدوى أن يبدوَ هادئًا: «أعنى كيفية حشوِ المسدس، والتصويب به، وإطلاق الرصاص منه.»

ظهرَت ومضةٌ عابرة من التنبه على وجوه جميع الحاضرين. وحتى محقق الوفيات ظهرَت عليه أماراتُ انفعال مفاجئة، وحدَّق جالسًا في الوجه المنكَّس والشاحب للرجل الماثل أمامه، بنظرةٍ غير مألوفة من الشفقة المندهشة، نجحَت في أن تتركَ انطباعًا في النفس، ليس فقط على الشاب نفسه، ولكن على جميع من أبصروه.

أخيرًا سأله: «سيد هارويل، هل لديك أيُّ شيء تُضيفه إلى الإفادة التي أدليت بها للتو؟»

هزَّ السكرتير رأسه نفيًا في أسًى.

وهنا همستُ: «سيد جرايس»، متشبثًا بذراع ذلك الشخص وجاذبًا إياه لأسفل بجانبي؛ مردفًا: «طَمْئنِّي، أتوسَّل إليك …» لكنه لم يدَعْني أُكمل كلامي.

قاطعني سريعًا: «محقق الوفيات على وشك أن يستجوبَ السيدتَين الشابتَين. إذا كنت ترغب في أن تؤديَ واجبك تجاههما، استعِدَّ لذلك، وهذا كل ما في الأمر.»

أؤدِّي واجبي! هذه الكلمات البسيطة جعلَتني أسترجع زِمام نفسي. فيمَ كنتُ أفكر؛ أجُننت؟ ودون أن يكون في ذهني شيءٌ أفظعُ من صورةٍ شجية لابنتَي العمِّ الحسناوَين المنكبَّتين في حُرقةٍ على جثمانِ مَن كان عزيزًا عليهما وفي منزلة الأب لهما، نهضتُ ببطء، وبِناءً على طلبٍ مُقَدَّم من أجل الآنسة ماري والآنسة إلينور ليفنوورث، تقدمتُ وقلت إنه، بصفتي صديقَ العائلة — وهي كذبة صغيرة، آمُل ألا تنقلب ضدي — ألتمس الإذن بأن أذهب إلى السيدَتَين وأصطحبهما إلى الأسفل.

على الفور نظرَت عشراتُ الأعين نحوي بنظراتٍ خاطفة، وشعرتُ بإحراجِ مَن، بكلمةٍ أو بفعلٍ غيرِ متوقع، جذَب تجاهَه انتباهَ وتركيزَ غرفةٍ بأكملها.

لكن بعد أن قُوبل الإذن الذي طلبتُه بالموافقة في الحال، تمكنتُ سريعًا من الانسحاب من ذلك الوضع المزعجِ نوعًا ما، ووجدتُ نفسي، تقريبًا قبل أن أدرك، في الردهة، ووجهي متَّقد، وقلبي ينبض من شدة الانفعال، وكلمات السيد جرايس ترن في أذني: «الطابق الثالث، الغرفة الخلفية، أول باب عند مقدمة السُّلم. ستجد السيدَتَين الشابتَين في انتظارك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢