حَامِي التخوم

هلم أيها الروح من الرياح الأربع، وهُبَّ في هؤلاء المقتولين فيحيوا.

حزقيال ٣٧

***

١

هنيئًا لك يا فاعل الخير عندَ الله …

ردَّدَها كثيرًا فما صدَّقه أحد، وظلَّت يدهُ فارغة كصندوق الوقف، وخزانة الدولة … وكوَته الشمس فركع في سفح حائط يصلِّي:

«يا مقسِّم الأرزاق أراك نسيتني!

يا رازق الحشرات أَشبِعْ هذه الدودة الآدميَّة!

يا مسعف الفراشة بجناحين شدِّد رُكَبَنا المخلَّعة!

يا كافلًا رزقَ الجميع أسألك رغيفًا!

سلطتني على البهائم والطير، وأسعدتها دوني.

أُصلِّي والرغيف مجفل مني، والراحة معرضة عني.

رقَّت عظامي وحالي، وكالحشيش يبست.

علمتني أَلَّا أهتمَّ للغد، فطويت أَمسي متَّكلًا عليك.

وأَعطيت خبزي باسمك فطويت أيامي جائعًا.

ليتك تردُّ لي مئتي واحدًا فأشبعَ.»

وتَبَسَّطَ البائس في نجواه حتى جمح فقال:

«أعطني يا ربُّ خبز عيالي، أَو هُدَّ هذا الحائط عليَّ.»

قضقض الجدار فتقهقر الرجل مذعورًا وقال بابتسامة المستغرب:

«وا لَوَّهْ! أتقتل إنسانًا ولا تعطيه رغيفًا؟! ترى ماذا يفعل عدوُّ البشر؟»

فانتهزها إبليس، فحذف من قرنيهِ وذَنَبه ما استطاع.

وظهر فوَشت به ابتسامته القرمزية، فخاف الرجل وبسمل.

وقهقه الشيطان واستخفى.

وانتهت التجربة.

٢

خرج الأمير للصيد في بطانة رخيمة، فوقف «المصلي» في طريقه داعيًا باكيًا، فما بالى به، فطفق يقول وهو يسايرُ الموكب:

أنا من رجال مولانا الأمير الأتقياء.

أنا من عشيرة تصلي لأجلك كل يوم ولا تثور ولا تتمرد.

شريعتنا: لا سلطة إلَّا من الله، وشعارنا: الحكم ملح الأرض.

كم دعمنا عرشك بجماجمنا، ورفعنا سواعدنا حوله سُورًا، أسماؤنا مسجلة في بلاطك، وفي بيتنا خط من أجدادك.

سأل خبزًا فأُطعِم وعدا.

وسار الموكب.

٣

وفي ذلك اليوم وتلك الساعة قطع الطريق على «الأمير» زعيم عصابة، وفي يده خنجر محموم، وطبنجة حبلى، وحوله رجال يصلون صلاة عقلية …

فَمَرْحَبهُ الأمير مداعبًا وسمَّاهُ سبع الغاب …

أغنتِ الرجل فراستُه وشكَّته عن الضراعة والابتهال، فوهبهُ الأمير ما وهب.

وأوصاهُ بخفر الحدود، ومنع التخوم، فصار من أصهار بيت المال.

٤

وهام المصلي على وجهه يطلب قوتًا، استَخْبَرَ الريح فَنَمَّت، فأدرك العصابة على الطعام فأكلَ من شوائها وتزوَّد.

جرى حديث «الأمير» فحار طرف المصلي في الأفق البعيد، وألقى الزعيم على الأرض نظرة جبار عنيد.

سار المصلي يعدُّ حبات مسبحته، ثم توسد الصدقة الحمراء مهمومًا.

وفرَّق «حامي التخوم» دنانير الأمير على عصبته، ونام يخفره السيف متخومًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١