الفصل الثاني

القيم ما بعد الحداثية

إذا كنَّا قد حاولنا في الفصل الأول تَتبُّع نشأة ظاهرة ما بعد الحداثة وتحديد أهم السمات الشكلية المتعلِّقة بفلسفة ما بعد الحداثة، فإن الحديث عن القيم أشبه بمحاولة تحديد الموضوعات المشتركة أو المبادئ التي يَتَّفق عليها فلاسفة ما بعد الحداثة، والتي يُمكن أن نستقيَها من كتاباتهم، وهي تُمثِّل في الوقت نفسه الاختلافات والفوارق التي تفصل الفكر ما بعد الحداثي عن نظيره الحداثي.

يُصنِّف ليمرت المفكرين ما بعد الحداثيين إلى ثلاث فئات:
  • الراديكاليون: ليوتار، وبودريار، وإيهاب حسن، الذين يَعتبرون الحداثة شيئًا ينتمي للماضي، وأن الوضع الثقافي الراهن لا يَحتمل مقولاتها.

  • الاستراتيجيون: ميشال فوكو، ودريدا، ودولوز الذين يتخذون من اللغة أو الخطاب أساسًا لتحليلاتهم، ويرفضون أيَّة صياغة لمفهوم الجوهر الشامل، والكلية أو القيم الشمولية.

  • الحداثيون المُتأخِّرون: مثل هابرماس وجيمسون، الذين يتخذون موقفًا نقديًّا من الأنساق الشمولية الكبرى، ولكنهم لا يَرفضون مفاهيم الحداثة.١
وتُفرِّق باتريشيا ووه بين صيغتَيْن قادمتَيْن من أُسسٍ فلسفية مُنفصلة: صيغة عفية، وأخرى هشة، ولكلٍّ منهما ميلُه التفكيكي ونزعتها القائمة على إعادة التركيب: لقد جاءت الصيغة القوية من قراءة ما بعد البِنيوية لنيتشه. أما الصيغة الهشة، فقد خرجت من القراءة التأويلية لهيدجر. وعادة ما يَنصبُّ الميل التفكيكي على نقد نظرية المعرفة الخاصة بحركة التنوير، بينما ترتكز إعادة التركيب على محاولة بناء نسق بديل للقيم.٢

ما يُمكن أن نخلص إليه إذًا أن هناك ما بعد حداثات عديدة، قد يصعب حصرها أو تصنيفها، والسؤال هو: ما القاسم المشترك بين هذه الاتجاهات العديدة؟ هل يُمكن الحديث عن قيم أو مبادئ عامة تشترك فيها هذه التوجُّهات؟

في كتابه «المنعطف ما بعد الحداثي» The Postmodern Turn يرسم «إيهاب حسن» سلسلةً من التعارضات النمطية بين الحداثة وما بعد الحداثة، تبدو من خلالها الثانية كردِّ فعلٍ على الأولى، فيجعل «حسن»، على سبيل المثال، الفوضى anarchy ما بعد الحداثية مقابل مفهوم التراتبية hierarchy الحداثي، والشمولية totalization مقابل التفكيك deconstruction، والحضور presence مقابل الغياب absence، والجذر root مقابل الجذمور rhizome … إلخ.٣ والواقع أن المصطلحات التي استخدمها «حسن» في جدولته هذه ليست خاصة بالحداثة أو ما بعد الحداثة، بقدْر ما هي أمثلة على تواترات ثقافية وفكرية، كانت ولا تزال شائعة في كلتيهما وغير مُميِّزة لأيهما على حدة. وربما يكون الأكثر جدوى ودقة من ذلك هو القول بأنه في مراحلَ معينةٍ من ثقافة الحداثة سادت — بدرجة أو بأخرى توجُّهات ما بعد حداثية، وفي مرحلة ما بعد الحداثة ما زالت هناك جذور حداثية. وباختصار، إنَّ الثنائيات التي أوردها «حسن» في جدولته ينقصها الدقة والإحكام، ويمكن النظر إليها على أنها تُعطينا مؤشرات على التوجُّه العام لتيار ما بعد الحداثة، ولا تَكشف بدقةٍ عن طبيعة هذا التوجُّه.
غير أنَّ «حسن» في موضعٍ آخَر، يُحدِّد بطريقة أكثر دقة، وإن كانت بالسلب، بعضَ الأسس المشتركة في تيارات ما بعد الحداثة، وهي كالآتي:
  • (١)

    رفض النظريات الشمولية، لا سيما النظريات الكبرى مثل: نظريات كارل ماركس، وهيجل، ووضعية كونت، والتحليل النفسي، مع التركيز على الجزئيات والرُّؤى المجهرية للكون والوجود.

  • (٢)

    رفض اليقين المعرفي المُطلق، ورفض المنطق التقليدي الذي يقوم على تطابق الدال والمدلول؛ أي تطابُق الأشياء والكلمات.

  • (٣)

    رفض الحتمية الطبيعية والتاريخية التي كانت سائدةً في مرحلة الحداثة، ولا سيما مفهوم التطوُّر الخطي.

  • (٤)
    مناهضة كل أشكال السلطة، سواء في الخطاب أو في السياسة أو في الفن.٤
وقد حاول كينيث آلن تَقنين بعض المقولات النظرية لتيار ما بعد الحداثة ليضعها في شكل (السبب/النتيجة) أو (المُتغيِّر المستقل/المُتغيِّر التابع)، متخذًا من الرأسمالية المتأخرة أو رأسمالية العَولمة موضوعًا لدراسته، وعلى سبيل المثال رأى آلن أن إعادة توطين رأس المال وسرعة حركته، هو سبب نتيجته زعزعة الرموز الثقافية وافتقادها القدرة على تقديم المعنى، كما ذهب إلى أن هيمنة التكنولوجيا في عملية الإنتاج، وهو مُتغيِّر مستقل، يؤثِّر على مُتغير تابع هو (عدم ثبات الذات وتشظيها وتفكُّكها).٥ والواقع أنه يصعب حصر المسألة في مجرَّد سبب ونتيجة؛ إذ النتيجة تتحوَّل إلى سبب، والسبب يتحوَّل بدوره إلى نتيجة، وهكذا. كما أن عبارات مثل «فقدان المعنى» و«تشظي الذات وتفكُّكها» هي عبارات شديدة التركيب والتجريد يصعب ردُّها إلى سبب واحد.
ويذهب كريستوفر نوريس C. Noriss إلى أن ما تَشترك فيه اتجاهات ما بعد البنيوية، رغم ما بينها من اختلاف في المنهج والاهتمامات، هو التزامها بشكل أو آخَر بالتحوُّل إلى اللغة والخطاب والنَّص. وهو تحوُّل يُشكِّل سمة بارزة في مجالات عديدة لا تَقتصر على الفلسفة والتاريخ. أما موضع الخلاف بينها فهو القدْر الذي يَسمح به كلٌّ منها بحيز لفكرة الحقيقة التاريخية، وسط انهماكها في النُّصوص والدلالات اللانهائية المُتولِّدة عنها، وهي تختلف كذلك في مدى تقبُّلها لمقولة فريدريك جيمسون أن التاريخ «أفق لا يُمكن تجاوزه».٦

على الرغم من وجاهة رأي كريستوفر نوريس؛ إذ النَّصية هي السمة الأبرز التي تَشترِك فيها معظم تيارات ما بعد الحداثة على اختلافها، إلا أن هذه واحدة من أُسسٍ عديدة أخرى تُبنى عليها وتَشترِك فيها هذه التيارات، سنحاول العرض لها تفصيلًا كما يأتي:

(١) ضد السلطة

هي القيمة الأبرز والأهم، وهي الأصل الذي تَفرَّع منه باقي القيم الأخرى. وباختصار يمكن النظر إلى ما بعد الحداثة على أنها الثقافة التي تَجتهد في البحث عن السلطة في كل شيء كي تهدمها؛ سلطة التاريخ، السلطة السياسية، سلطة الخطاب، سلطة المجتمع والأسرة، سلطة العقل والحقيقة والميتافيزيقا، سلطة الشمولية والكلية، سلطة الإعلام والصورة والفن.

ولا يُشير مفهوم السلطة عند فلاسفة ما بعد الحداثة إلى شيء محدَّد المعالم يمكن الإمساك به وتحديده، إنما هو مفهوم فضفاض يتسرَّب إلى كل مجالات الحياة وظواهرها، وهو ذو مستويات متعدِّدة وأشكال خفية كامنة خلف كل خطاب من الخطابات التي تُحيطنا، ذلك إذا اعتمدنا تعريف فوكو للخطاب من أن كل ظواهر المجتمع يُمكن النظرُ إليها على أنها أنظمة خطابية. والنتيجة أن العالم خطاب، والتاريخ خطاب، والعالم سلطة، والخطاب سلطة، والحقيقة سلطة، والتاريخ سلطة والفيلسوف هو أيضًا سلطة، سلطة الأستاذ؛ يقول رولان بارت: «ها نحن نرى أن السلطة حاضرة في أكثر الآليات التي تتحكَّم في التبادل الاجتماعي رهافةً، في الدولة، وعند الطبقات والجماعات، ولكن أيضًا في أشكال الموضة والآراء الشائعة، والمهرجانات، والألعاب، والمحافل الرياضية والأخبار والعلاقات الأُسروية Familialism والخاصة، بل وحتى عند الحركات التحرُّرية التي تسعى إلى معارضتها.»٧ بل إنَّ السلطة تمتد لتشمل حروف اللغة ذاتها «إننا نُحسُّ سلفًا أن A, Z, E, R, T، على ملامس الآلة الكاتبة، مجموعةٌ من بؤر السلطة، مجموعة من علاقات القوى بين الحروف الأبجدية في الفرنسية، حسب نظام ورودِها، وبين أنامل اليد، حسب البعد الذي يَفصل بعضها عن بعض.»٨
كان تجاوز تاريخ الفلسفة ومُحاولة الخروج عليه والالتفاف حوله الهمَّ الأول عند فلاسفة ما بعد الحداثة، يقول دولوز: «لقد كان تاريخ الفلسفة دائمًا عاملًا سلطويًّا داخل الفلسفة وحتى داخل الفكر. لقد لعب دور المُضطهَد (القامع)، كيف تودُّون التفكير دون قراءة أفلاطون وديكارت وكانط وهيدجر وكتاب فلان أو فلان عنهم؟ … لقد تكوَّنت عبْر التاريخ صورة عن الفكر تُدعى «الفلسفة تمنع الناس تمامًا من التفكير».»٩ لذا يدعونا دولوز لتجاوز تاريخ الفلسفة والتمرُّد عليه من أجل إبداعٍ جديد. إن خطورة تاريخ الفلسفة هو أنه يقدِّم صورة نمطية لأساليب التفكير وطرق البحث بحيث تُصبح مع الوقت هي الصورة المشروعة التي من خلالها يجب أن يُفكِّر الآخرون، يَتحوَّل تاريخ الفلسفة إلى «تابو» Taboo مقدَّس يُحدِّد شكل التفكير وموضوعات البحث وأسلوب الكتابة والصياغة، وفي هذا يقول فوكو: «خلال السنوات (١٩٤٥–١٩٦٥م)، أفكِّر في أوروبا، كانت هناك طريقة مستقيمة معينة في التفكير، كان هناك أسلوب معيَّن في الخطاب السياسي، وأخلاقية معينة للمثقف. كان عليك أن تكون مع ماركس في كل شيء، وألا تَترُك أحلامك تتيه بعيدًا عن فرويد، وأن تعالج نسق العلامات — الدال — باحترام كبير. كانت هذه هي الشروط الثلاثة التي تعطي الاعتبار وطابع القبول لهذا الاهتمام المتفرِّد الذي هو فعل الكتابة، وقول جانبٍ من الحقيقة حول ذات المثقَّف وعصره.»١٠
في هذا الإطار يدعونا دولوز إلى الخروج عن تاريخ الفلسفة؛ «إذ الهدف ليس الإجابة على أسئلة، وإنما الخروج، الخروج منها.» لا توجد نقطة نهاية أو لحظة اكتمال، كأن ندَّعي أنها موجودة عند هيجل؛ ذلك أن نقاط النهاية أو فجوات الخروج لا متناهية، يقول: «كنتُ أفضلَ الكتَّاب الذين كان يبدو كأنهم ينتمون إلى تاريخ الفلسفة. لكنهم كانوا يَنفلتون من إحدى جوانبه، ومن ثَمَّ يخرجون منه كلية، أمثال لوكريس وسبينوزا وهيوم ونيتشه وبرجسون. ففي ميدان الفكر، ليس هناك أساس مُشترك، والمفكرون لا يطرحون الأسئلة ذاتها، ولا يستعملون المفاهيم عينها. ليس هناك ما يجمع المُفكِّرين ويضمهم داخل تاريخ موحد. كل ما هناك حركات متفردة وخطوط متقاطعة … ينبغي الخروج من الفلسفة والقيام بأي شيءٍ كان للتمكُّن من إنتاجها من الخارج.»١١ ولا يتعلَّق الأمر فقط بتجاوز تاريخ الفلسفة، وإنما بفكِّ وحدته الموهومة للعثور فيها على ما هو متفرِّد «يتعلق الأمر ببعث الحدث في وحدته وتفرُّده داخل ما يُسمَّى حركة كلية. ذلك أن متابعة أحداث الفكر من شأنها أن تبرز الفكر كحدث. فلسنا هنا، كما يقول فوكو، أمام وحدات، أو كليات، وإنما أمام تَفرُّدات.»١٢ لذا يُشبِّه دولوز تاريخ الفلسفة بفن البورتريه في الرسم؛ فكل فيلسوف لديه بورتريه خاص به … بورتريه ذهني مفهومي. ومهمة المُتعامل مع تاريخ الفلسفة ليس مجرَّد ترديد أو استنساخ ما قاله الفيلسوف، بل «قول ما يُضمره بالضرورة؛ أي ما لا يقوله وهو ماثل مع ذلك فيما يقوله.»١٣
هذه الروح المتمرِّدة على كل ما هو متصل وثابت تقف موقفًا مماثلًا أمام استخدام المنهج في الفلسفة «إن كلمة منهج كلمة رديئة.»١٤ فالمنهج يُمارس سلطته أيضًا على المؤلِّف، كما أن المنهج ذو قوالب ثابتة تقف عثرة أمام كل تغيير وصيرورة. في مقدمة الكلمات والأشياء Les Mots et les choses يقول فوكو: «إن بعض المُعلِّقين الذين تَنقصهم الفطنة، في فرنسا، يُلحُّون على إلحاق صفة «البنيوي» structural بشخصي. وقد عجزتُ عن أن أُدخِل إلى عقولهم الضيقة حقيقةَ أنني لا أستخدم المناهج والمفاهيم أو المُصطلحات الأساسية التي يَتميَّز بها التحليل البِنيوي، ولا أي منهج آخر.»١٥ والحق أنه لا دولوز، ولا فوكو، ولا فلاسفة ما بعد البِنيوية يستخدمون أيًّا من المناهج المُتعارَف عليها في تاريخ الفلسفة بصورة أساسية؛ بمعنى أنه إذا كان شائعًا في تاريخ الفلسفة انتماءُ الفيلسوف لمذهبٍ ما، أو إخلاصه لمنهجٍ ما، فإن هذه القاعدة لم تَعُد سارية في فلسفة ما بعد الحداثة. فهناك مُستويات منهجية متباينة داخل النَّص الواحد دون التلميح أو الإشارة إلى استخدام منهج بعينه، حتى تفكيكية دريدا ليست منهجًا إنما هي ممارسة على النُّصوص والظواهر، أو استراتيجية stratégie كما يُفضِّل هو نفسه وصفها. يقول دريدا: «إن تفكيك الفلسفة يعني الاشتغال عبْر الجينولوجيا، التي قد شيدت مفاهيم الفلسفة، اشتغالًا يُقيم عند هذه المفاهيم إقامة يُداخلها الشك، ويُعيِّن في الوقت نفسه — من منظور خارجي ليس بالإمكان منحه اسمًا أو وصفًا بعدُ — بقدْر ما قد حجَبه هذا التاريخ أو أبعده، ذلك التاريخ الذي قد أنشأ نفسه من أوله إلى آخره، تاريخًا لهذا الكبت. وها هنا يَكمُن الرهان.»١٦
سيحتلُّ مفهوم السلطة مكانة بارزة في أعمال دولوز وفوكو — على وجه التحديد، وسيكون حاضرًا — بل مُستهدَفًا — في كلِّ تحليلاتهم الخطابية، بدءًا من الأعمال الأولى وحتى مؤلَّفاتهم المتأخرة؛ فقد كانت أولى أعمال دولوز الإشراف على مجموعة من الدراسات حول مفهوم السلطة، وقد صدرت تحت عنوان «الغرائز والمؤسسات» Instincts et institutions، كما كان موضوع السلطة، هو الموضوع الأساس، في دراسته المطوَّلة عن «الرأسمالية والشيزوفرنيا» Capitalisme et schizophrénie، كما كان مدخله لدراسته عن «فوكو». وقد رأى دولوز أننا لسنا في حاجة إلى نظرية في السلطة، بقدْر ما نحن في حاجة إلى سياسة وتدبير جديد لعلائق السلطة «لن نجد أبدًا معنى شيءٍ ما، إذا لم نعرف ما هي القوة التي يَمتلكها الشيء، والتي يَستغلُّها ويحتكرها ويُعبِّر عن نفسه من خلالها. إن الظاهرة ليست مجرَّد مظهر أو حتى عملية ظهور، ولكنها علاقة أو عرض يجد معناه في قوةٍ آنية. الفلسفة بأسرها هي عِلم للأعراض syptomologie وعِلم للعلامات séméiologie١٧ ويمكن صياغة سؤال دولوز كالآتي: كيف تعمل السلطة؟ وكيف تَنتظِم الحقيقة والسلطة معًا ضمن تشكيلة خطابية واحدة؟ يَنطلِق دولوز، تمهيدًا لمُناقشة هذه الإشكالية، من انتقاد احتكار الفكر السياسي لمفهوم السلطة؛ فمفهوم السلطة يَتجاوز السياسي، ليشمل العديد من المظاهر الأخرى «كل قوة هي امتلاك وسيطرة واستغلال لكمٍّ من الواقع، حتى الإدراك في كل مظاهره المتنوعة هو تعبير عن القوى التي تمتلك الطبيعة.»١٨ ذلك أنه لا ينبغي في نظره، أن نبحث عن السلطة عند نقطة مركزية تكون هي الأصل، عند بؤرة وحيدة للسيادة تكون مصدر إشعاع لباقي الأشكال الثانوية التي تتولَّد عنها، وإنما ينبغي رصدُها عند القاعدة المتحركة لعلائق القوى التي تولد، دونما انقطاع، حالات للسلطة «إن تاريخ شيءٍ ما بشكل عام هو تتابع القوى التي تحتكره، والتواجد المشترك للقوى التي تكافح لحيازته.»١٩ ومن نفس هذا المُنطلَق، يرى فوكو أن هناك مفهومًا ميتافيزيقيًّا لاهوتيًّا عن السلطة ينبغي تقويضه للوقوف عند تلك العلائق. فليست السلطة تنزل من أعلى أو تنبع من فوق، إنها تأتي من كل صوب، وهي منتشرة في كل مكان، حاضرة في جميع الأفعال وأنماط السلوك، وهي لا تَفتأ تنتج نفسها في كل لحظة وحين. ولكن ليس ذلك لأنها تتمتَّع بقدرة جبارة على احتضان كل شيء، وضمه تحت وحدتها التي لا تُقهَر، وإنما لأنها تتولَّد، كل لحظة، عند كل نقطة، أو بالأحرى، في علاقة كل نقطة بالأخرى.
لذا فإن السؤال «ما السلطة؟ أو ما مصدرها وأصلها؟» في غير محله، والأجدى أن نتساءل عن الكيفية التي تتحقَّق بها أو كيف تُمارس نفسها وتظهر إلى الفعل؛ يقول دولوز: «إن السلطة تتغلغل في كل جانب حيثما توجد فرديات مهما كانت بسيطةً ومتناهية في الصِّغر … تارةً تقمع، وأخرى تُموِّه أو تخدع وتوهم، تارةً تتقمَّص زي الشرطة، وتارةً ثانية تتخذ شكل الدعاية.»٢٠ لا معنى إذًا للقول بمراكز للسلطة، إنَّ السلطة ليست متاعًا يُكتسب. إنها ليست «شيئًا» يُحصَل عليه ويُنتَزع أو يُقتَسم، شيئًا نحتكره أو ندعه يفلت من أيدينا. السلطة استراتيجية تُمارس، وهي تُمارس انطلاقًا من نقاطٍ لا حصر لها، وفي خضمِّ علائق مُتحرِّكة لا متكافئة «إنها كالفأر لا تُرى بوضوح إلا في متاهات الممرات الأرضية وداخل جُحورها مُتعدِّدة المنافذ … إنها تُمارس نفسها كسلطة، انطلاقًا من نقاطٍ لا حصر لها … تمارس نفسها في خفاء.»٢١
من نفس المنطلق رأى فوكو أن هناك علاقة وثيقة بين أنظمة المعرفة (الخطابات) ونوع المُمارسات التي تُحقِّق السيطرة والهيمَنة الاجتماعية داخل سياقاتٍ محدَّدة مُتعيِّنة كالسجون ودُور العبادة، والمستشفيات، والجامعات، والمدارس، وعيادات الطب النفسي، فكلها أمثلة على المواقع التي تُمارس فيها كل أشكال القمع والقهر. وكل موقع من هذه المواقع له استراتيجية للقمع تختلف عن الموقع الآخر؛ لذا فإنَّ تفاصيل ما يَحدُث في كل موقع لا يُمكن فهْمها بمجرد الإحالة على نظريةٍ تعميميةٍ كبرى. والموقع الوحيد الذي لا يُمكن محوه، بحسب فوكو، هو الجسد البشري، فعليه تُسجَّل وإلى الحد الأقصى كلُّ أشكال القمع. ويذهب فوكو إلى أنه «لا يُمكن أن تقوم علاقات سلطة بدون مقاومات.»٢٢ وبؤر المقاومة عند فوكو، كما هي عند دولوز أيضًا، تتمثَّل في جماعات المهمَّشين، والجماعات الإثنية، والملوَّنين، وحتى الشواذ جنسيًّا، هذه الجماعات تُحدِث خرقًا في النظام، وفي القواعد؛ لأنَّ القوى المسيطرة تُسقطها دائمًا من حساباتها.٢٣ وقد عبَّر الفيلسوف الألماني هربرت ماركيوز H. Marcuse عن هذا المعنى مِن قبل في كتابه «الإنسان ذو البُعد الواحد» Der eindimensionale Mensch عندما قال: «خلف الطبقات الشعبية المحافظة يوجد أساس للمُهمَّشين، والخارجين على قواعد المجتمع … السُّلالات الأخرى … الألوان الأخرى … الطبقات المُستغَلة المضطهدة، والعاطلون، وأولئك الذين لا يُمكن توفير فرص عمل لهم. إنهم يَتمَوقعون خارج المسُلسل الديمقراطي، وحياتهم تُعبِّر عن الحاجة، الأكثر إلحاحًا وواقعية، إلى وضع حدٍّ للظروف والمؤسسات التي لا تُطاق … إنَّ معارضتهم تضرب النظام من الخارج، ومن ثَمَّ، فإن النظام لا يُمكنه أن يدمجها. إنها قوة أساسية تخرق قواعد اللعبة، وبفعل هذا العمل تظهر أن تلك اللعبة — لعبة الديمقراطية — كانت فاسدةً.»٢٤ والواقع أن هذا هو النموذج الجديد للثورات التي يَرى فيها دولوز إمكانيةً للتحقُّق، في ظلِّ تنامي وتوحُّش الرأسمالية العالَمية، وسيطرة وسائل الإعلام. فنموذج الثورة الشعبية التقليدية، باتَ وفقًا لدولوز، ينتمي إلى الماضي، والبديل يكون عبْر قيام ثورات جزئية على يد الأقليات المُهمَّشة، تُحدِث بالتدريج خرقًا في النظام، يُؤدي لانهياره.٢٥
ثمَّة ارتباط دائم بين اللغة والسلطة؛ فالبناء اللغوي المستقر يُمارس دورًا سلطويًّا «لم تُصنع اللغة من أجل الاعتقاد فيها وإنما من أجل الخضوع لها.»٢٦ والعلاقة وثيقة بين إنتاج المعنى والقوى التي تَهدف إلى الإخضاع والسيطرة؛ ففي اللغة تجد مفاهيم السلطة إمكانية دوامها وخلودها. من هنا تُصبح اللغة ذاتها فِعلَ سلطةٍ، صادر عمن بيده الهيمنة «حينما تُفسِّر المعلِّمة عمليةً معيَّنة للأطفال أو حينما تعلِّمهم التركيب، فإنها لا تُعطيهم في الحقيقة معلومات، وإنما تُمرِّر لهم تعليماتٍ وتبلغهم أوامرَ وتُنتِج لهم تلفُّظاتٍ «وجيهة»، وأفكارًا «صحيحة» مُطابِقةً بالضرورة للدلالات السائدة.»٢٧ من هنا تُصبح استراتيجيةُ إطلاق الأسماء وتحديد العبارات والمعاني، استراتيجيةَ هيمنةٍ وتسلُّط. لقد قال نيتشه من قبلُ: «إن حق السيد في إطلاق الأسماء يذهب إلى مدًى بعيد، إلى حدِّ أنه يُمكن اعتبار أصل اللغة كفعل سُلطة صادر عن هؤلاء الذين يُهيمنون. إن هؤلاء قالوا هذا كذا وكذا، وألصقوا بموضوعٍ ما وفعلٍ ما لفظًا معينًا فتملكوهما.»٢٨ وبالتالي لن تُصبح مسألة المعنى متوقِّفة على تحديد مواطن الحقيقة. بل إن مفهوم الحقيقة ذاته سيتَّخذ معنًى آخَر ليُصبح مجموعَ الطرق والعمليات التي يتمُّ بفضلها إنتاج العبارات وتوزيعها وتداولها. صحيح أنَّ الحقيقة ستظلُّ مرتبطة بأنظمة السلطة التي تولِّدها وتدعمها، لكنها سترتبط أيضًا بنتاجات السلطة التي تتولَّد عنها، يقول فوكو: «لا شيء أضعف من نظام سياسي لا يَكترث بالحقيقة، لكن لا شيء أخطر من نظام سياسي يدَّعي تحديد الحقيقة.»٢٩ حينئذٍ سيُصبح لكل مجتمع نظامٌ معيَّنٌ للحقيقة، وسياسة للمعرفة؛ أي أنواع من الخطابات يَقبلُها ويسمح بتداولها على أنها خطاب الحقيقة، وآليات ومنابر تسمح بتمييز الصواب من الخطأ، وتقنيات وطُرُق للتوصُّل إلى الحقيقة، ووضعية معيَّنة لأولئك الذين يُوكَل إليهم إصدار قولٍ ما يعمل كحقيقة. يقول جرامشي Antonio Gramsci: «الجماعة التي تُمْسِك بزمام السلطة في المجتمع تُصرُّ دومًا على أن المناقشة الفكرية يجب أن تتمَّ من خلال اللغة التي تستخدمها (هذه الجماعة) أو التي تَفهمُها وتُقدِّم طريقتها للنظر إلى العالم وتأويله والهيمنة عليه.»٣٠ وقد رأى دولوز في نظرية العلامات ﻟ «دي سوسير»، ما يُعضِّد هذا الجانب السلطوي للغة، وما يجعل من النَّص بِنيةً مغلقةً لا تسمح بتعدُّدية المعنى.
إنَّ أحد الإسهامات الهامة لدولوز، في تيار ما بعد الحداثة، هو الاهتمام بتفكيك الخطاب السلطوي والكشف عن تجلياته وأشكاله في مجالات عدة،٣١ وسيَكون هذا عبْر تحرير المعنى، وتأسيس تعدُّديته. وبعد أن كان الحديثُ عن السلطة ولغتها لا يتمُّ إلا لمامًا وبواسطةِ طرقٍ رمزيةٍ ملتويةٍ — مثل جعل الخطاب على لسان الحيوانات كما في مزرعة الحيوان لأورويل Orwell — أصبح الآن يتمُّ الحديث عنها على أساس هذا التعدُّد الحضوري لها في كل خطاب «فهناك دائمًا تعدُّد في المعنى، تركيز وتكثيف وتركيب من التتابُعات اللغوية وأشكال التواجُد المشترك، التي تجعل من التفسير والتأويل فنًّا ممكنًا.»٣٢

(٢) ضد العقلانية والحقيقة الموضوعية

هي قيمة بارزة أيضًا من القيم النظرية لاتجاهات ما بعد الحداثة؛ إذ دائمًا ما تُوصَف بأنها «نزعات مُعادية للعقل» hostile à la raison. وهذه القيمة تعود إلى نيتشه في الأساس. فالواقع أن الكثير من الطرق الرئيسة والفرعية لاتجاهات ما بعد الحداثة تعود إلى نيتشه؛ لذا ينبغي أن نتوقَّف عند نقد نيتشه للعقل، ثم نُوضِّح كيف تمَّ توظيفُ ذلك النقد في تيار ما بعد الحداثة.

لقد رأى نيتشه أنَّ صنم الفلاسفة الأكبر هو العقل: لقد آمنوا بقدرته على اكتشاف الحقيقة والوجود، وجعلوا منه حاكمًا مُطلَقًا، وجعلوا من قوانينه قوانين الوجود، ثم نزعوه من الحياة، وجعلوه في منزلة أعلى من الوجود. وبدءوا يخلعون عليه صفات القداسة والسيادة، وتحوَّل من كونه أداةً للحرية إلى أداة للقمع والقهر.

وقد نظَر نيتشه إلى المنطق وقوانين الفكر، على أنها مجرَّد أوهام ضرورية للحياة، وأدوات للتملُّك والسيطرة. فهي ضرورية للعقل كي يقوم بالتفكير، لكنه ما يَلبث أن يفرضها على العالم والوجود، ثم يدعي أنها مستمدَّة منه ونابعة من داخله، في حين أنها أوهام من خلق العقل ولا تمت للواقع بصلة. فأشياء العالم الخارجي لا تسير وفق قوانين محدَّدة، إنما هي في صيرورة دائمة وتدفُّق مستمر، ومِن المستحيل وجود قانون يُحدها أو يستوعبها، إنما القوانين مجرَّد أداة وحيلة اخترعها العقل فقط كي يقوم بعملية الإدراك. وبالتالي فإن «عدم معقولية شيء من الأشياء ليست حجة ضد وجوده، بل بالأحرى إنها شرط لوجود هذا الشيء»؛ لأن الوجود المليء بالصيرورات يَتناقض مع العقل ويَتنافى مع المعرفة العقلية؛ «إنَّ الذي يُمكن تصوُّره عقليًّا، لا بد أن يكون وهمًا لا حقيقة له.»٣٣
يَستبدل نيتشه في فلسفته «إرادة القوة» Der Wille zur Macht ﺑ «إرادة المعرفة» Der Wille zur Wissen؛ فليسَت المشكلة عند نيتشه مُتعلِّقة بالبحث عن الحقيقة أو محاولة الكشف عنها؛ لأنَّ الحقيقة نفسها كلمة مُضلِّلة، فهي تَنفي الاختلاف الذي هو من صميم الحياة. والمشكلة، وفقًا لنيتشه، أنه لم يتوقَّف فيلسوف من قبل للتساؤل عن كنهِ الحقيقة، بل كانت كل الأسئلة مُتمحوِرة حول كيفية بلوغها أو شروط إمكانها. كل الفلسفات اعتَبرت أن مسألة الحقيقة ليسَت في حاجة إلى ما يُبرِّرها «اسألوا أقدم الفلسفات وأحدثها عن هذه المسألة تجدوا أنه ليس هناك من فلسفة واحدة تعي أن إرادة الحقيقة بالذات تَحتاج إلى تبرير.»٣٤ بل وأكثر من ذلك، غدَت مسألة الحقيقة هي المُنطلق والأساس الذي تتأسس عليه كل فلسفة، وبالتالي أصبحت الحقيقة «صنمًا أو إلهًا يُقدِّسه الفكر باحثًا عن كل سبيل لبلوغه.»٣٥ في مقابل هذا الفهْم، ينظر نيتشه للحقيقة على أنها حشد من الاستعارات والكنايات التي تكوَّنت عبْر التاريخ، وتم التعامل معها بعد ذلك بوصفها بديهيات أو حقائق؛ «فالحقائق أوهام نسينا أنها كذلك.»٣٦ وبالتالي فالعقل هو أكبر مُنتِجٍ للأوهام. من هنا يُعلن نيتشه في «أفول الأصنام» الحربَ على كل الأصنام التي رسَّختها الفلسفة من قبله استنادًا إلى قوانين العقل، التي هي في صميمها محض تلفيق.
كان طبيعيًّا أن يلجأ نيتشه إلى الفن بوصفه الميدان البديل الذي تغيب عنه مفاهيم الحقيقة والعقل والضرورة، وبوصفه منتجًا للزيف والوهم، وقد قام نيتشه بنقل مفهوم الوهم من الميتافيزيقا إلى الفن ليَتحوَّل إلى مفهوم جمالي؛ «فالفنُّ والوهم مفهومان مرتبطان يشكلان وحدة يَنبثق داخلها معنًى جديد للحياة؛ حيث يتمُّ التزاوج بين الفكر والحياة داخل أحضان الجمالي؛ فالفن والوهم إمكانية جديدة للحياة.»٣٧
وقد تابع فلاسفة ما بعد الحداثة تلك المقولات النيتشوية وأعادوا تفعيلها وتطبيقها على ظواهر مختلفة؛ فقد تابع دولوز، على سبيل المثال، نيتشه في نفيه لوجود حقيقة متعالية، وفي رفضه للتقسيم الأفلاطوني للعالم إلى ظاهر ومتعالٍ، كما مضى بمُحاولة نيتشه «قلب الأفلاطونية» إلى نهايتها. كما أن تصوُّر دولوز للعالم الذي تحكمه الصيرورة والعود الأبدي … الاختلاف والتكرار، مستمَدٌّ في مجمله من فلسفة نيتشه. أما بالنسبة للفن، فقد اعتبره دولوز، مثل نيتشه، أرقى قوة للزائف؛ إذ هو «يُعظِّم الحياة بوصفه خطأ، ويُقدِّس الكذب ويجعل من إرادة الخداع مثلًا أعلى.»٣٨ وإذا كان الفن يَقف عند ظاهر الأشياء ولا يُعبِّر عن حقيقتها، كما ذهب أفلاطون، فإن دولوز يرى أنه ليس ثمة «ما وراء» لهذا الظاهر، وأن أكثر الأماكن عمقًا هو السطح الخارجي للشيء. كل هذه الآراء مُستمَدة من نيتشه، وقد وظَّفها دولوز في فلسفته، وبنى عليها العديد من مواقفه.
تُوصف حركة ما بعد الحداثة بأنها حركة «جمالية» Aesthetics.٣٩ تُعلي من الشأن الجمالي بوصفه بديلًا معاصرًا للعقلانية، ومن «الجسد» و«الرغبة» بديلًا للعقل والفكر، ومِن الصيرورة والاختلاف بديلًا لقوانين الهوية وعدم التناقض. وقد استمر الخط النيتشوي في التضخُّم بعد الدعم الذي تلقَّاه من فلاسفة النظرية النقدية وفلسفة هيدجر، ليَصل إلى أقصى إمكاناته وقدراته الكامنة عند فلاسفة ما بعد الحداثة. كان نيتشه يقول عن نفسه إنه «ديناميت»، وقد ظلَّ هذا الديناميت في النمو والتضخُّم إلى أن انفجر مدويًّا في مرحلة ما بعد الحداثة، مُحدِثًا أثرًا تفجيريًّا — وربما تدميريًّا — هائلًا.

لقد رأى فلاسفة ما بعد الحداثة أن إخراج الإنسان من النسق الذي حوَّله إلى ماهية عقلية مجرَّدة، يمكن أن يتحقَّق خارج لغة المنطق وأسوار العقل؛ وذلك بالعودة إلى الفن واللغة، هنا يُمكن أن يتجلَّى البعد الوجودي للإنسان. إنَّ الحكماء السابقين على سقراط لم يكونوا يتكلمون بلغة «المنطق الصوري» للتعبير عن الإنسان وعن الوجود، بل كانوا يُعبِّرون بواسطة القصائد الشِّعرية وبلغة الرمز. لكن عندما جاء أفلاطون، ومن بعده أرسطو، وضع الشعر في أدنى مراتب القول؛ لأنَّ الشعر لا يتحرَّك في فضاء الحقيقة وإنما يتحرَّك في مجال المجاز. وبعد أفلاطون سيطَرت لغة المنطق والعقل على الخطاب الفلسفي، وتحوَّل الإنسان إلى قضية منطقية تتكوَّن من موضوع ومحمول. لذا، فتحرير الإنسان لا يُمكن أن يَتحقَّق إلا إذا غيَّرنا الطريق الذي أوصله إلى العبودية. وقد وجد فلاسفة ما بعد الحداثة — متابعين في ذلك نيتشه — أن البديل هو أن نستبدل القول الفني أو الجمالي بالقول المنطقي؛ أي العودة إلى ديونيزوس من جديد. لذا تحفل مؤلفات فلاسفة ما بعد الحداثة بالإحالة على تاريخ الفن، أكثر من إحالتهم إلى تاريخ الفلسفة.

يكتب فوكو عن «تاريخ الحمق» Histoire de la Folie لا عن «تاريخ العقل»؛ لأنَّ الحمق هو خطاب اللاعقل، إنه الخصم العنيد للنظام الذي يَنبني عليه العقل. أعاد فوكو قراءة تاريخ الحمق لاكتشاف بِنيَتِه؛ فالحمق واقعة إنسانية وظاهرة مُرتبطة بالمدنية الحديثة التي استبعدته باعتباره شذوذًا عن القاعدة باسم العقل؛ لذا يذهب موريس كلافيل Maurice Clavel إلى أن كتاب فوكو «ولادة العيادة» Naissance de la Clinique هو الكتاب الأول الذي برهَنَ على أن العقلانية أداةُ هيمنة واستعباد للناس.٤٠ لقد نظر فوكو إلى الحمق في سياق علاقته بمفهوم السلطة؛ فالسلطة العقلية هي التي أعطَت لنفسها حق التمييز بين «العقل» و«الحمق». إنَّ المجنون كمريض، قدَّمته الشرطة بعد إلقاء القبض عليه إلى الطبيب، أصبح موضوعًا لعلم جديد. لذا فالعلم الجديد لم يُكتشَف موضوعه طبقًا لشروطٍ إبستمولوجية معيَّنة، بل قدَّمته له السلطة ﻛ «قضية» أو «ملف». لقد أظهر فوكو أن السلطة تُعاقب مَن يخرج عن طاعتها وتُهمِّشه بوصفه شاذًّا،٤١ بوصفه آخر؛ أي إن كل مَن يَخرج عن منطق «العقل الاجتماعي» القائم على قيم الإنتاج، سوف يُلقى به في دائرة الشذوذ.
والواقع أن ما يُمكن أن نستخلصه من أطروحة فوكو هو أن الحقيقة، أو ما يبدو على أنه حقيقة، هو في عمقه لعبة سلطوية تُمارس على فئة بعينها من أجل خدمة القوى المتحكِّمة في الصراع، يقول فوكو: «إن الحقيقة مُرتبطة بأنظمة السلطة التي تُولدها وتساندها.»٤٢ في نفس السياق تقريبًا يرى دولوز أن هناك تنظيمًا يُوجِّه الفكر إلى ممارسة ذاته وفق قواعد سلطة أو نظام سائدَين، وبمرور الوقت «يتحوَّل هو ذاته (أي الفكر) إلى سلطة، أو محكمة»، هذه المحكمة التي تُمثِّلها «سلطة العقل»، حدث بينها وبين الدولة (كنظام سياسي) نوع من التواطؤ، بحيث أصبحت الفلسفة اللغة الرسمية للدولة. وبالتالي فإن من مصلحة الدولة أن تجعل من الفلسفة أداةً للسيطرة على الفكر ووضعه في قوالب جامدة.٤٣ وبديلًا لهذه القوالب الجامدة الموروثة من تاريخ الفلسفة، يطرح دولوز العديد من المفاهيم التي تقف أمام ثبات الفكر، والصورة التقليدية للعقل ومقولاته، ﮐ «الصيرورة» و«الارتحال» و«خطوط الهروب» و«الرغبة».٤٤
ويجعل جاك دريدا من «تفكيك الأنساق الميتافيزيقية التي شيَّدها العقل المحض» هدفًا لمشروعه التفكيكي. ويجعل ليوتار من مبدأ الرغبة أساسًا لمناهضة فكرة «العقل»، ويُحاول رورتي (١٩٣١–٢٠٠٧م) من خلال ما أسماه الفلسفة المنشأة La philosophie édifiante أن يُزيل التمييز بين مفهوم «الحقيقة» و«المجاز»، ليجعل من الفلسفة «جنسًا أدبيًّا بسيطًا» يُمكن إدراجه تحت تاريخ الفنون. ومن نفس المنطلق أيضًا يرى بودريار أن محاولة اكتشاف الحقائق الثابتة الكامنة خلف الأشياء هو وهم يَجب التخلُّص منه «فما بعد الحداثة في الأصل مناهضة لفكرة المعنى الكامن وراء الأشياء.»٤٥ والنتيجة ضياع مفهوم «العقل»، وغياب «الحقيقة»، في واقع تتجاوَرُ به قوى عديدة تسعى للسيطرة عليها واستحواذها.
والواقع أن نفيَ ادعاء امتلاك الحقيقة الذي يُنادي به فلاسفة ما بعد الحداثة لا يَستوجِب أبدًا نفي وهدم كل المقولات المعرفية الخاصة بمسألة المعنى والحقيقة والواقع. وهنا ربما تجدر العودة إلى هابرماس:٤٦
لقد رأى هابرماس أن المآل الذي وصلَت إليه هذه الطرق، أسوأ من الأزمة التي انتهَت إليها الحداثة. ذلك أن ردَّ الفعل العنيف تجاه العقلانية الحديثة التي تلازمَت مع الحداثة، أدى بأصحابه إلى السقوط في الاتجاه المضاد؛ أي في الطرف الأقصى للحداثة، وهو اللاعقل. كما أن محاربة النسق أدَّى إلى تدمير الذات المسجونة فيه، مما جعل الإنسان يغيب من مشاريع ما بعد الحداثة. لم ينتبه هؤلاء إلى أن سَحْقَهم للأنساق، جرف معه انسحاق الإنسان أيضًا. وما عبارة فوكو التي يقول فيها إن النزعة الإنسانية هي أثقل ميراث انحدر إلينا من القرن التاسع عشر … وقد حان الأوان للتخلُّص منه، ومهمتنا الراهنة هي العمل على التحرُّر نهائيًّا من هذه النزعة؛٤٧ إلا دليل سافر على ذلك.
لهذا يرى هابرماس أنَّ البديل المُمكن للعقل الحديث ليس هو اللاعقل، بل هو العقل التواصُلي Der Grund Kommuniationsmaschine؛ أي البحث عن بديل لنوعية العقل، وليس إلغاء العقل كليًّا. فالعقل الخالص الذي حوَّل الإنسان إلى ماهية ميتافيزيقية، يُمكن أن نقارنه بعقل آخر قادر على الربط بين هذه الذرات المُنعزلة، وهذه الماهيات الكامنة وراء الوجود. إذًا فالقضية ليست هي: كيف نَسحق النسق؟ بل هي: كيف نُحرِّر الذات من سجن النسق؟
العقل التواصُلي — كحل للخروج من أزمة العقل النظري — لا يهدف إلى إنتاج معرفة علمية عن الموضوع أو عن الذات، كما كانت تهدف فلسفات الحداثة، بل هدفه إقامة أرضية صالِحة للتفاهم بين الذوات وإخراجها من عزلتها. هدف العقل التواصُلي إقامة الجسور القادرة على الربط بين الأنا والآخر، والبحث عن الوسائل المُمكنة لتحقيق هذا الهدف. ولهذا يعود هابرماس إلى هيجل؛ لأنَّ هيجل هو الذي حاول إقامة التواصُل بين الأنا والآخر بواسطة الجدل. فالذات يُمكن أن تتحوَّل — بفضل المنهج الجدلي — إلى نقيضها؛ أي إلى الموضوع، وبذلك تَتمكَّن من تحقيق حريتها. إلا أن هيجل عندما أوقف حركية الجدل، انغلق النسق من جديد.٤٨ ورغم أننا نعثُر عند هيجل على نظرية للسلطة والسيادة (جدل السيد والعبد) تصلح للبناء عليها، إلا أن ما بعد الحداثة لا تلتفت إلا إلى ما يخدم تصوُّراتها، يقول هابرماس: «لقد كان هناك نضجٌ مُبكِّر في نقد الأوجه القمعية للعقل عندما يكون هذا الأخير مشدودًا إلى بُعدٍ واحد … وهذا النقد الذاتي للعقل، والذي نُظر إليه منذ نيتشه بوصفه كشفًا جديدًا، كان حاضرًا منذ البداية عند كانط، ثم استمر مع هيجل ونيتشه، كان حاضرًا في قلب الحداثة ذاتها، لكنه لم يُستثمر.»٤٩ وأمام دعاوى موت الإنسان، ونهاية الفلسفة، وتفكيك العقل، والانتصار للاعقل، يُلاحظ هابرماس، بنوع من الهدوء أنه «في العشر سنوات الأخيرة، أصبح النقد الراديكالي للعقل مجرَّد موضة.»٥٠

(٣) ضد الكلية والشمولية

كانت فكرة النسق سائدة في الحقبة الحداثية؛ حيث كان الفيلسوف يُنظَر إليه، ويَنظر هو إلى نفسه، على أنه مُفكِّر كوني شمولي، وبالتالي لا بد أن يكون له رأي في كل قضية، وهذا الرأي يُشكِّل، بجوار آرائه الأخرى، نسقًا متكاملًا يتصف بالكلية والشمولية. وقد ظلَّت فكرة النسق سائدة حتى القرن العشرين، وإن خفَتَت حدَّتها مع ظهور الفلسفات التي اهتمَّت بالمناهج لا المذاهب — كالفينومينولوجيا والفلسفة التحليلية. لكن ظلَّت فكرة النسق كامنةً بصورة أو بأخرى في لا وعي الفيلسوف، يقول دولوز: «لقد اعتَبر المثقف نفسه خلال فترة طويلة ممتدة من القرن الثامن عشر حتى الحرب العالمية الثانية (ربما حتى سارتر وزولا) حاملًا لقِيمٍ شمولية.»٥١
ونتيجةً للتغيُّرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي زادت وتيرتها في القرن العشرين، بدأ بعضُ المُفكِّرين (من أمثال فلاسفة مدرسة فرانكفورت، والفلاسفة الوجوديين) النظرَ إلى مفهوم الكلية والشمولية بعين الريبة؛ أولًا: لأن الواقع لا يتجاوب مع كل ما هو كلي أو شمولي. ثانيًا: لأنَّ التاريخ لم يُقدِّم لنا نموذجًا مُتحقِّقًا لفكر شمولي. وثالثًا: لأن هذه الأفكار تم توظيفها من قِبَلِ قوًى تهدف للسيطرة والهيمنة. مِن هذا المنطلق رأى أدورنو Adorno أن الكلية ينبغي أن يُنظَر إليها على أنها حقل من القوة مُتشظٍّ ومُتنافر بعيد عن الانسجام، فكل ما هو مفرط في نظاميته وسلاسته ينبغي أن يُنظر إليه بعين الريبة والشك، وعلى أنه يَعكس ضروبًا زائفةً من التناغُم والانسجام تنبعث من المجتمع. والحال، أن أدورنو يرفع شعارًا مُقتضبًا يقول «الكل غير حقيقي».٥٢
استثمر فلاسفة ما بعد الحداثة انتقادات أدورنو — ومن قَبْله نيتشه — وغيره من فلاسفة مدرسة فرانكفورت، للأنساق الكلية الشمولية، وبدءوا في عملية نقدٍ عنيف لكلِّ النظريات والفلسفات التي ادَّعت الكلية والشمولية، يقول إيجلتون: «تُشير ما بعد الحداثة إلى موت السرديات الكبرى، تلك التي كانت تتمثَّل وظيفتها الإرهابية السرية في وضعِ أساسٍ لوَهمِ تاريخ بشري «شامل» وإضفاء الشرعية عليه. نحن الآن في سياقِ عملية الصحوة للانتقال مِن كابوس الحداثة، مع عقلها المخادع Manipulative وتبجيلها المبالَغ فيه لفكرة الكلية، إلى التعددية الراسخة ما بعد الحداثية، تعدُّدية المجال المتنافر اللامتجانس لأساليب الحياة وألعاب اللغة التي تخلَّت عن دافع الحنين إلى الكليات وإلى شرعنتِها. وعلى العلم والفلسفة أن يتخلَّيا بالتالي عن ادعاءاتهما الميتافيزيقية الفخمة والنظر إلى ذاتهما بتواضُعٍ أكبر، باعتبارهما فئة أخرى بالضبط من الروايات.»٥٣ هذا النَّص يُلخِّص تمامًا الموقف ما بعد الحداثي من فكرة الكلية والشمولية والأنساق المُغلَقة، وفي مقابل ذلك يختص فلاسفة ما بعد الحداثة بالتعدُّدية والاختلاف والتشظِّي.
في كتابه «الوضع ما بعد الحداثي» (١٩٧٩م) يُعلن ليوتار وفاة «السرديات الكبرى» أو الحكايات الميتافيزيقية méta-récits، ويقصد بها التصوُّرات الشمولية التي كانت سائدة إبان عصر الحداثة، والتي تَعتمِد في بنائها على تصوُّر كلي، كالروح المطلق وخلق الثروات والشيوعية والديمقراطية والنزعة الإنسانية والرُّوح العلمية … إلى آخر تلك الأفكار التي أطلقها الغرب وأثبت الواقع فشَلَها «ذلك أن معسكر التعذيب في أوشفيتز ينتقص القول العقلاني، وتجبُّر وعناد ستالين يُفنِّدان الأطروحة الإنسانية، واندلاع ثورة مايو ١٩٦٨م إيذانًا بانزلاق مزاعم الليبرالية في هوة سحيقة.»٥٤
وقد ميَّز ليوتار على الخصوص بين ثلاث من تلك السرديات وهي: العلم الوضعي باعتباره مفتاحًا للتقدُّم البشري، على ما يقول ماخ، وهرمينوطيقا (المعنى) باعتبارها مفتاحًا للتكوين الذاتي البشري على ما يَذهب إليه همبولت والمثالية الألمانية، والصراع الطبقي كمفتاح لخلاص الجنس البشري أو الإنسان على ما يقول ماركس. إلا أن هذه الميتاحكايات أو السرديات الثلاث قد ظهر فسادها على الرغم من كل ما قدَّمته من قضايا ونظريات عامة كلية وشاملة، وهو الشمول الذي يَرفضُه ليوتار وفلاسفة ما بعد الحداثة، ويقفون منه موقف التشكيل والمعارضة؛ فمشروعية المعرفة في مجتمع ما بعد الحداثة تتمُّ عن طريق أمور أخرى بعد أن فقدت هذه الأساطير مصداقيَّتها، ولم يَعُد هناك في نظر ليوتار أي أسطورة أو قصة أو حكاية عليا مسبقة، كما لم يَعُد هناك أي صورة واحدة أو صيغة واحدة للخطاب يُمكن أن تقوم وتعلو وتَرتفِع فوق غيرها من الصور أو الصيغ، كما أنه لم يَعُد هناك شكل واحد للمعرفة يُمكن اعتباره أساسًا لبقية أشكال المعرفة الأخرى، وإنما هناك بدلًا من ذلك أشكال وأنواع وصيغ مُتعدِّدة لما يُسميه الألعاب اللغوية، وهو مصطلح مُستمَد من كتابات فتجنشتاين الُمتأخِّرة كما سبق لنا القول، وتقوم فكرته عند ليوتار على أساس أنه لكي نَعرف معنى كلمة أو عبارةٍ ما فلا بد من أن نَعرف طريقة استخدامها، وكيف تُؤدي دورها في التفاعل بين الناس. وعلى ذلك، فليس هناك لغة ماورائية (أو ميتا-لغة) واحدة يمكن أن تضمَّ كل أشكال وألوان العبارات والتعبيرات وتُؤلِّف خلفية أو أرضية لها كلها. وإذا كان العلم يصدر أحكامًا وتعبيرات معرفية، فإن هناك أنواعًا أخرى كثيرة من التعبيرات تخرج عن نطاق العلم مثل التعبيرات الأدائية، فحين يُعلن رئيس جامعة — مثلًا — أن العام الدراسي قد بدأ، فإن هذه العبارة لا تؤلِّف تعبيرًا أو حكمًا معرفيًّا، وإنما هي تعبير عن فعل أدائي فحسب. وعلى ذلك فإن قواعد وشروط الخطاب ليسَت مقرَّرة سلفًا، وإنما هي تظهر وتتَّضح أثناء الحديث نفسه. ولذا فقد يكون من التعسُّف محاولة إقرار وفرض نوع واحد أو شكل واحد من أشكال الخطاب أو التفكير، وليوتار يصف مثل هذه المحاولات بأنها «شمولية» أو «فاشية» أو حتى «إرهابية» خليقة بأن تقابل بالرفض لأنها تهدف إلى تحطيم الآخر. والخلاصة من هذا كله، هي عدم وجود قاعدة عامة أو دستور أو قانون كلي Code مُطلق للمعرفة وعدم وجود أي معيار كلي مُطلَق للصدق، وأن ما بعد الحداثة تؤلِّف من الناحية المعرفية البحتة الخطوة أو الحركة الأخيرة في (الحرب ضد الشمولية) والكلية والعمومية التي كانت تُسيطِر على الفكر الغربي الحديث حتى منذ ما قبل أيام ماكس فيبر.٥٥
ويرى ليوتار أن هذه السرديات روَّجها الغرب للحفاظ على الاستقرار والنظام، وهي أوهام يَنفيها الواقع العملي. وكل مجتمع — في نظر ليوتار — له سردياته التي يُروِّج لها؛ «فالوهم الكبير في الثقافة الأمريكية هو أسطورة أن الديمقراطية هي شكل الحكم الأكثر تنويرًا و«عقلانية»، وأن «الديمقراطية ستقود إلى السعادة الإنسانية».» والأمر نفسه في الماركسية أيضًا؛ «فوهم الماركسية هو أن الرأسمالية ستَنهار ويَنهض على أنقاضها عالَم اشتراكي طوباوي.» ويُؤكِّد ليوتار أن كل جوانب المجتمعات الحديثة، بما في ذلك العلم كشكل أوَّلي للمعرفة، تعتمد على هذه السرديات الكبرى، والتي يكون الهدف منها استخدامها كقناع لإخفاء التناقُضات والاختلافات في أي تنظيم أو ممارسة اجتماعية. بعبارة أخرى، فإن كل محاولة لخلق «نظام» ينتج عنها دائمًا خلق موازٍ من «الاضطراب والفوضى»، ولكن «السرد الكبير يُخفي تناقض هذه النماذج الفوضوية من خلال التأكيد على أن «الاضطراب» بالفعل فوضوي ورديء، وأن «النظام» بالفعل عقلاني وخير.»٥٦ وبديلًا لذلك يدعو ليوتار إلى حكايات صغرى petits récits موضوعية، تتناول قضايا المهمَّشين والمنبوذين وثقافات الأطراف، «إنها حكايات عارضة، ظرفية، لا تدَّعي العالمية والحقيقة، أو العقل والاستقرار.»٥٧ وهو بهذا، يُؤكِّد على التخلي عن الأطر المستقرَّة، وعلى عدم جدوى أية محاولة للتغيير الجذري للمجتمع الراهن، وهو ما يتَّضح في مفاهيمه كالتجاوز والذات والتاريخ والتقدُّم، واعتباره التاريخ مفتوحًا على احتمالات عدة.

لقد رفض فلاسفة ما بعد الحداثة فكرة أن تستطيع بِنيةٌ فكريةٌ ما، أو وحدة منطقية مزعومة، أن «تمثِّل» عددًا معينًا من البنيات أو الوحدات الفكرية الأخرى. فالواقع متعدد ومختلف، لا قانون له سوى قانون الصيرورة، ولا مكان فيه لفكرة الاتساق والاكتمال.

في مقالته «بلاغة الصورة» Rhétorique de l’image (١٩٨٧م) رأى بارت أن الأحكام الكلية تَنبثِق غالبًا من «منظومات فكرية مكتملة» أو من تكوينات منطقية تَدَّعي «الشمول»، ثم تصير نفسها سجينة النظرة المقعَّرة التي تُشكلها هذه النظم. وفي النهاية يغيب الواقع ووقائعه عن هذه النظم وما تحتويه.٥٨ ووفقًا لهذا الفهْم فإن المُفكِّر لا بد أن يَنطلِق من إشكاليات جزئية يحاول الإجابة عليها إجابات جزئية لا تدعي الشمول. ويُعطينا دولوز أمثلة من هذه الإشكاليات يصيغها على شكل أسئلة كالآتي: ماذا أستطيع أن أعرف؟ ماذا أستطيع أن أرى؟ ماذا باستطاعتي التعبير عنه؟ ماذا بإمكاني أن أعمل وإلى أية سلطة نطمح، وأية مُقاومة يلزم إبداؤها؟ ماذا باستطاعتي أن أكون؟ كيف أُولد كذات؟ في هذه الأسئلة — يقول دولوز — لا يُشير ضمير المتكلم إلى شيء كلي، بل إلى جملة من المواقع الفردية تشغلها أفعال غير مَبنية للمعلوم ولا تستند إلى فاعل؛ فهي مبنية للمجهول … وأي إجابة كَيفما كانت لا يُمكن نقلها والقفز بها من عصر إلى آخر.٥٩ ومن هنا يَدعو دولوز لصورة جديدة للمُفكِّر والمثقف، صورة أكثر واقعية وأكثر التصاقًا بالحياة «لقد صار المثقَّف يتقلب اليوم بين أمكنة نوعية وبين نقاط فردية … لقد بات المثقف قادرًا على أن يتكلم لغة الحياة، بدل لغة الحق.»٦٠ وهو يرى أن ما حدَث في ١٩٦٨م ساهم بصورة قوية في ظهور هذه الصورة الجديدة. في نفس السياق يقول ميشال فوكو محدِّدًا أرضية ميلاد هذا الجيل الجديد: «لقد مرَّت تلك الحقبة الكبرى من الفلسفة المعاصرة، حقبة سارتر وميرلوبونتي؛ حيث كان على كل نصٍّ فلسفي، أو نصٍّ نظريٍّ ما، أن يُعطيك في نهاية المطاف معنى الحياة والموت ومعنى الحياة الجنسية، ويقول لك هل الله موجود أم لا، وما هي الحرية وما يَنبغي عمله في الحياة السياسية، وكيف تتصرَّف مع الآخرين … إلخ. لقد تكوَّن لدينا انطباع بأنه لم يَعُد ممكنًا اليوم ترويج مثل هذه الفلسفة، وبأن الفلسفة قد تكون في حالة تشتُّت، إن لم تكن قد تبخَّرت، وبأن ثمة عملًا نظريًّا يغلب عليه بشكل أو بآخر طابع التعدُّد.»٦١
ويُميِّز فوكو بين «المفكر الشمولي» والمفكر «المُتخصِّص»؛ فالأول يعتبر نفسه مالك الحقيقة والعدالة «ضمير الجميع وممثل الكل»؛ أما الثاني فهو مفكِّر في «حدودٍ معينة» في «نقطٍ دقيقة» ومجالات ومشكلات خاصة «لا يتمثَّل عمل المثقَّف في تشكيل الإرادة السياسية للآخرين؛ إذ بأي حقٍّ يَفعل ذلك، بل في إعادة مساءلة البديهيات والمصادرات عن طريق التحليلات التي يقوم بها في المجالات الخاصة به، وفي زعزعة العادات وطرق العمل والتفكير، وفي تبديد المألوف والمسلَّم به، وفي استعادة حدود القواعد والمؤسسات.»٦٢ ولا يتمُّ هذا — بحسب فوكو — وفقًا لنظريات وأنساق كبرى، ولا بأن يتصور المفكِّر أنه ضمير المجتمع والمُتحدِّث نيابة عن الآخرين. إن ما اكتشفه المُثقَّفون منذ انتفاضة ١٩٦٨م — يقول فوكو — هو أن الجماهير لم تَعُد تحتاج إليهم لمعرفة واقعها، إنها تعرف ذلك تمامًا وبوضوح وبشكل أفضل منهم، لكن يوجد نظام من السلطة يسدُّ ويمنع ويُقلل من قيمة هذا الخطاب وهذه المعرفة. سلطة لا توجد فقط في الأوامر العليا للرقابة ولكن تَتجذَّر بعمق وبدقة في كل شبكات المجتمع. والمُثقَّفون أنفسهم يُشكلون جزءًا من نظام السلطة هذا، وفكرتهم القائلة بكونهم أدوات «الوعي» و«الخطاب» تُشكِّل أيضًا جزءًا من هذا النظام.٦٣ وقبل فوكو ودولوز اضطر سارتر نفسه تحت وطأة الضربة القوية التي أحدثتها ثورة مايو ٦٨ في ذات المثقَّف، إلى تغيير تصوُّره للمُثقَّف: «إن أحداث مايو ٦٨ التي انخرط فيها، والتي مسَّته بعمق، كانت بالنسبة له فرصة لمُراجعة جديدة. لقد أحسَّ بتشكُّك من وجوده كمُثقَّف، ومن ثَمَّ اضطر في غضون السنتين اللاحقتَين، إلى التساؤل حول دور المثقف، وإلى تغيير التصوُّر الذي كان لديه عنه.» وهو في هذا يَتشابه كثيرًا مع مفكري ٦٨ «إن المثقف محكوم عليه بالانسحاب من الأفق كإنسان يُفكِّر بدل الآخرين: أن نُفكِّر بدل الآخرين، أمرٌ غير معقول يضع مفهوم المثقف ذاته موضع سؤال.»٦٤
يُعدُّ مفهوم «التشظي» fragmentation من المفاهيم الحاضرة باستمرار داخل النَّص ما بعد الحداثي «إن حقيقة ما بعد الحداثة الأكثر بروزًا هي قبولها الكامل للَّحْظي، المُتشظِّي والمتقطع والفوضوي.»٦٥ ذلك أن الحياة ذاتها مُتشظية، لا تخضع لأي نوع من الوحدة والانسجام. وإذا كان ذلك كذلك، فإن طريقة استجابة ما بعد الحداثة لهذه الحقيقة، إنما تجرى بطريقة خاصة؛ فهي لا تُحاول تجاوزها ولا الهجوم عليها، ولا حتى بلوغ العناصر «الثابتة والدائمة» التي يُمكن أن تكون فيها. ما بعد الحداثة واقع يسبح، بل يتمرغ، في موجة من التشظي والتغيُّر والصيرورة كما لو كان ذلك هو كل ما في الأمر٦٦ «أن يكون كلُّ شكل وقتيًّا وعابرًا، تلك هي البداهة نفسها، ما دام يتبع علاقات القوى ويكون رهينًا بتقلباتها.»٦٧ ويقترح علينا دولوز «تطوير ممارسة وفكر ورغبات» عبْر «تفضيل ما هو وضعي ومُتعدِّد، وتفضيل الاختلاف على التجانس، والمُتحرِّر على الموحد، والمُنفلِت على النظام، والمتغيِّر على الثابت.»٦٨ ذلك أن «كل شيء يتَّسم بالتغيُّر وعُرضة للتنوع.»٦٩ بل إنَّ الكتابة نفسها عند بارت «ليست أبدًا وسيلة اتصال … إنها فوضى تنثال عبْر الكلام وتمنحه الحركة …»٧٠
يَستنِد مفهوم التشظِّي عند فلاسفة ما بعد الحداثة على تصوُّرهم للتاريخ البشري بوصفه مكوَّنًا من لحظات منفصلة غير مترابطة، وبدلًا من محاولة تقديم أساس لإمكانية قيام ذاتٍ مُتماسكة في ظل عالَم من الوقائع المتغيِّرة، يحاول فلاسفة ما بعد الحداثة السباحة مع التيار، استنادًا لعدم إيمانهم بفكرة التقدُّم الخطي للتاريخ «لقد انهار نظام الكوزموس، وتفتَّت عبْر تداعيات ووجهات نظر لا تتواصَل فيما بينها.»٧١ ووَفقًا لهارفي فإن مقولة ماركس وفلاسفة النظرية النقدية عن «استلاب الذات» ستكون بلا معنًى؛ إذ إنه لتكون الذات مُستلَبة، يجب أن تكون أولًا مُتماسكة مُتجانسة، وليست مجرد أجزاء أو شظايا. وقدرة الفرد على التفكير في المستقبل، إنما هي مُمكنة فقط «بفضل شعوره بمركزية ذاته أو هويته.»٧٢ لذا فإن اختزال حياتنا في «سلسلة من لحظات الحاضر المجرَّدة وغير المُترابطة» ينجم عنه «أن عيش الحاضر» يغدو موقوفًا وبقوة ﻟ «المادي» وللظاهر، «إنه عالَم يأتي إلى الانفصام عنيفًا، وحاملًا قوة المشاعر السرية والقمعية، ومتوهجًا بدوافع الهلوسة. وعليه فما الذي يحدث إذا فقد العالَم آنئذٍ عمقه وبات عرضة لأن يكون سطحًا رقيقًا، ووهمًا، أو مجرَّد تتابع لصور فيلم من دون معنًى؟»٧٣
والنتيجة أنَّ هذه الرُّوح المتشظية قد حوَّلت الذات من كونها واعية لديها القدرة على تكوين المعنى، إلى ذات انفصامية تَفتقِد المعنى في كل ما يَتراءى لها (الانفصام هنا ليس بالمعنى السريري الضيق).٧٤ ويَفترض دولوز وجاتاري في «أوديب-مضادًّا l’Anti-Oedipe» علاقةً بين انفصام الشخصية والرأسمالية التي تَشيع «في المستوى الأعمق نفسه من الاقتصاد، وعملية الإنتاج» مُستنتِجين أن «مجتمعنا يُنتج الانفصامات مثلما ينتج شامبو «بريل» وسيارات «فورد» مع فارق وحيد هو أن «الانفصامات لا تُباع».»٧٥

لكن في ظلِّ غياب مفهوم العقل والحقيقة والنسق والمعيار، وحلول قيم العدمية والتشظي والتعدُّدية والاختلاف، هل يوجد في الخطاب ما بعد الحداثي مفهوم محدَّد للأخلاق؟ هل يُمكن الحديث عن أخلاق ما بعد حداثية؟ أو عن معايير أخلاقية في عالَم ما بعد الحداثة؟

ما دُمْنا لا نستطيع، كما يُشدِّد مُفكرو ما بعد الحداثة، أن نطمح إلى أي تمثيل موحَّد للعالم، أو تصوُّره كلًّا مشتملًا على روابط وصلات، وإنما مجرَّد شظايا في حالة تدفُّق مستمر؛ فإن الحديث عن «ما هو معياري» سيُصبِح ضربًا من الوهم. لذا يَضيع مفهوم «الأخلاق» بالمعنى التقليدي ويتم استبداله بمفهوم «القانون»؛ فالقانون وقتي ووَضعي وقابل للتغيُّر وهو مرتبط بظروف المكان والزمان الذي يوجد فيهما. سوف تُصبح إذًا مفاهيمُ «الخير» و«الشر» مفاهيمَ نسبية عابرة داخل حدودٍ وظروفٍ ما محدودة وفي إطار تفسيري ما، وحين يُنظر إلى أي فعل خارج هذَين المجالين سيُصبِح بلا معنًى. ويرى رورتي في مقالة كتبها بعنوان «التضامن» Solidarity أن هؤلاء الذين ساعَدوا اليهود في الحرب العالَمية الثانية قد فعلوا ذلك ليس لأنهم رأوا فيهم إخوانًا في الإنسانية، ولكن لأنهم يَنتمون إلى نفس المدينة، أو نفس المهنة، أو نفس المجموعات الاجتماعية التي يَنتمون إليها هم أنفسهم. ونفس الدافع أيضًا هو الذي يدفع الأحرار الأمريكيِّين العصريين إلى مُساعدة الأمريكيين السود المَقهورين، ويتساءل رورتي: «هل ينبغي أن نقول إن هؤلاء الناس يجب أن نقدم لهم المساعدة لأنهم إخواننا في الإنسانية، إنهم قد يكونون كذلك بالفعل، لكن الشيء المقنع سواء أخلاقيًّا أو سياسيًّا، هو أن نَصِفهم بأنهم إخواننا في الوطن الأمريكي، وأن نُصرَّ على أنه شيء مخزٍ أن يعيش أي أمريكي بلا أمل.»٧٦ يَربط إذًا رورتي الأخلاق بالعرقية ويَجعلها تابعة لمفهوم الوطنية والانتماء، رغم أن الوطنية والانتماء ينبغي النظر إليهما على أنهما «فضيلتان أخلاقيتان».
figure
التعددية: القيمة الأبرز لفلسفة ما بعد الحداثة.
من نفس المُنطلَق أيضًا ترفض ما بعد الحداثة فكرة «المساواة» و«حقوق الإنسان» بصيغتها العالَمية بما تتضمَّنه من تنميط للإنسان؛ فهي أقرب إلى الأفكار الشمولية الحداثية؛ لأنها تَنطلِق من فرضية مفادها وجود قاسم مشترك بين البشر (المساواة)، لكن الواقع وتجارب الشعوب تُثبِت تهافُت هذا الادعاء؛ فهو مفهوم طوباوي غير قابل للتحقُّق في عصر الرأسمالية، وانفصام الشخصية، والإنسان الذي يَحكمه فقط قوانين الربح والخسارة والقيم الاستهلاكية. كما أن «الدعوة لحقوق إنسان عالمية» تَلغي الاختلاف والتمايز بين الشعوب، ولا تضع الأقليات والجماعات الإثنية في حساباتها. إنها تهدف إلى «توحيد» البشر و«تنميطهم»، وبالتالي المؤالفة بينهم بدل المخالفة، كما أنها «أداة» في يد القُوى المُهيمنة تُلوِّح بها وقتما تشاء وتتغاضى عنها حسبما تقتضيه مصلحتها. والسؤال هو مَن يَمتلك تحديد الحقوق؟ مَن الذي يملك تحديد العادل مِن غير العادل؟ يقول ليوتار في مقاله «شرطة الفكر» La Police de la Pensée٧٧ «إنَّ إضفاء الشرعية على حقوق الإنسان يشترط إبراز اللحظة اللاإنسانية للقانون.» ويقصد ليوتار بذلك أن تحديد حقوق عالمية للإنسان تَفترض وجود ذات لا إنسانية هي التي قامت بتحديدها، وما دام هذا لم يَتحقَّق، فإن شرط مشروعيتها قد سقط.
وكبديل لهذا الخطاب الشمولي، يرى فلاسفة ما بعد الحداثة (ليوتار، فوكو، دولوز، دريدا) أن وظيفة المثقَّف في عصرنا الحالي أن يكون ممثلًا في المجال العام لأناس لا يجدون مَن يُعبِّر عنهم، أو كما يقول دولوز: «إننا نمنح دائمًا، بفعل كتابتنا، الكتابة لأولئك الذين لا يَملكونها.»٧٨ ويقول دريدا: «على المثقَّف اليوم أن يكون لسان حال الهامشيين أو المرأة أو شعوب العالم الثالث.»٧٩ وبنفس منطَق ما بعد الحداثة يحقُّ لنا أن نتساءل نفس سؤالهم الذي ورد في سياقات مختلفة، بأي حق يجعل المثقَّف من نفسه لسان حال المهمَّشين أو الأقليات؟
في مقابل الكلية والشمولية يَطرح فلاسفة ما بعد الحداثة مفهوم التعددية والاختلاف كأرضية مُشتركة للتفاعُل والحوار مع «الآخر» أو «العوالم الأخرى»، ويطرح فوكو مصطلح «اليوتوبيا غير المتجانسة» L’utopie hétérogène ليُعبِّر عن الرؤية ما بعد الحداثية للآخر، وما يعنيه فوكو بهذا المُصطلَح، هو تساكن «عدد كبير من العوالم المُتشظية المُمكنة» في «فضاء افتراضي»، أو على نحو أبسط، تواجُد فضاءات مُتجاوِرة ومفروض بعضها على الآخر.٨٠ ولا تتوقَّف الشخصيات في هذه الفضاءات طويلًا عند كيفية حل أو البحث عن إجابة للأسئلة المركزية؟ إلا أنها مُلزَمة في المقابل بالتساؤل عن «أي عالَم هو الذي نحياه؟ ما العمل حياله؟ وأي «أنا» ستقوم بذلك؟ … إلخ.»
يحتلُّ مفهوم التعددية والاختلاف مكانةً بارزةً في الخطاب الفلسفي لما بعد الحداثة، بحيث وُصف فلاسفتها ﺑ «فلاسفة الاختلاف».٨١ ويَصعب تحديد ما إذا كانت فكرة الاختلاف نتيجةً للأفكار السابقة أم سببًا لها، لكن المؤكَّد أن الفلسفة ستتحوَّل من كونها أداةً نسقيةً تَبتغي الوحدة إلى أداة مهمَّتها تَفتيت الأشياء وتفكيكها «إنَّ الحاجة تدعو إلى تفتيت الأشياء وتهشيمها … تفتيت الكلمات والجمل والقضايا، تفتيت الكيفيات والأشياء والموضوعات.»٨٢ سيَتلاشى مفهوم الجوهر من الخطاب ما بعد الحداثي ليحلَّ محله مفهوم «التعدُّدية» … التعددية بكل أشكالها، تعددية الخطاب والمعنى والظاهرة والقوى؛ فالفلسفة وفقًا لدولوز وجاتاري منطق للتكثُّر والتضاعُف logique de la multiplicité،٨٣ تضاعَف المعنى للشيء وللظاهرة الواحدة. وهذا التضاعُف يُرجِعه دولوز إلى تتابُع القوى والعلاقات التي تتناوب على الشيء الواحد «فكل خضوع وكل سيطرة تُعادل تفسيرًا جديدًا.» من هنا يُفسِّر دولوز صيحة نيتشه الشهيرة «لقد ماتت الآلهة» تفسيرًا جديدًا حينما يقول: «لقد ماتت الآلهة، ولكنها ماتَت من الضحك عندما سمعت إلهًا يقول إنه الواحد.» لا يوجد حدث ولا ظاهرة ولا كلمة ولا فكرة إلا ومعناها مُتعدِّد؛ فأي شيء قد يكون هذا أو ذاك وأحيانًا يكون شيئًا أكثر تركيبًا بحسب القوى التي يَحوزها. من هنا لا يوجد معنًى حقيقي للشيء الواحد، هناك تعدُّدية … وجهات للنظر … تجاوُبات مع الأحداث والوقائع … فالظاهرة الواحدة لها أقنعة عديدة و«خلف كل قناع يَكمُن قناع آخر». وعلى الفلسفة أن تغزو هذه الأقنعة وأن تَخترقها لا للوصول إلى جوهرها وأصلها، وإنما لكي تُعطي لكل قناع معنًى جديدًا «أن تَكتشِف ما يتقنَّع ولماذا، ومن أجل أي هدف نحتفظ بقناع مع تعديل شكله في كل مرة.»٨٤
لقد أخذ فكر الاختلاف على الفلسفة الكلاسيكية إقصاء الآخَر والاستحواذ عليه أنطولوجيًّا وإبستمولوجيًّا وسياسيًّا. ففي الوقت الذي كانت تقرُّ فيه بأن العالم مُتعدِّد ومتنوع، فإنها تحاول دومًا إلغاء تعدُّده وتنوُّعه في وحدة معنًى تَفترض أنها ثابتة. وإذا عُرض عليها أن تُفكِّر في المتعدد الاجتماعي فإنها ستؤكد أنه غير مُنسجم أو غير مستوًى في وحدة واحدة، لكنها ستُحاول أيضًا أن تُوحِّده وتضمَّه في وحدة الدولة. منطق الفلسفة الكلاسيكية إذًا هو «منطق التطابق» logique de l’identité سواء تعلَّق الأمر بتطابق الوعي أو الكوجيتو أو الذات أو الدولة. كل هذه المقولات مُطلقة وبواسطتها تحوَّلت الفلسفة إلى تقنية لاختزال الفوارق، وأداة نسقية موجهة نحو إلغاء التعارضات. غير أن الحُلم يُشكِّك في وضوح الوعي (دريدا)، والفن يدحض التمثيل (دولوز)، والمنبوذ يَخترق الوحدة السعيدة للدولة (فوكو).
كان هيجل نموذج الفيلسوف الذي اجتمعَت في فكره كل المقولات التي جاءت ما بعد الحداثة لتتبنَّى عكسها، إنه مثال للمُفكِّر السلطوي الذي أراد أن يحكم مستقبل الفلسفة وهو يرقد في قبره. يقول كوجيف Alexandre Kojive — الذي انتقلت على يديه الهيجلية إلى فرنسا: «إنَّ خطاب هيجل يستنفد كل إمكانات الفكر، فلا يُمكننا أن نعارضه بأي خطاب دون أن ينتهي هذا الخطاب إلى أن يشكل جزءًا منه أو أن يعيد صياغة فقرة من النسق باعتباره عنصرًا مؤسِّسًا «للحظة» من المجموع.»٨٥ وأفضل دليل على هذا الغرور الهيجلي ما ردَّده إريك فيل من أن هيجل كان يَنوي أن يضع للفلسفة نقطة النهاية.٨٦ والحق أن هذه الرؤية سواء أكانت مُنطلِقة من هيجل، أم من تلامذته وشرَّاحه، لا يُمكن أخذها على محمل الجد؛ إذ هي ليست إلا نوعًا من الغرور البشري الساذج، ولا يُمكن أن تُفهم إلا في هذا السياق، بالإضافة إلى أن أي نقطة نهاية، سرعان ما ستتحوَّل إلى بداية جديدة.
كانت البداية الجديدة التي وجدها فلاسفة ما بعد الحداثة في الهيجلية هي مفهوم الاختلاف أو بالتحديد التناقُض. الطرف الثاني في معادلة الجدل الهيجلية؛ لقد احتلَّ التناقض مكانة بارزة في النسق الهيجلي، بصورة ربما لم يَسبِق لها مثيل في تاريخ الفلسفة. لكن المشكلة أن لحظة الاختلاف في هذا النَّسَق سرعان ما تتحوَّل إلى لحظة تطابُق وهوية لتدخل في مركب واحد يتلاشى بداخله أي أثر للاختلاف والتناقُض. إنها لحظة التطابُق بين الشيء ونقيضه، لحظة انتصار الهوية على الاختلاف، والوحدة على التعدُّد. إنَّ التناقض عند هيجل يُشكِّل جوهر الاختلاف وليس مجرَّد نمط من أنماطه، وهذا التناقُض سرعان ما يرتدُّ نحو التطابق «إن هذا الاختلاف يُقحَم عَنوةً داخل تطابُق مسبق، فيُقاد نحو مُنحدَر التطابق الذي يحمله بالضرورة حيث يشاء، ويجعله ينعكس حيث يريد التطابق.»٨٧ يتعلَّق الأمر إذًا بتحرير السلب من هيمنة الكل، إطلاق سراحه من داخل النسق، وعدم توقيف عمله بفعل أي تركيب، أو سجنه داخل منطق التعارض. الاعتراف به كآخر لا كنقيض. هذا الآخر قد يكون كتابةً (دريدا) أو رغبةً (دولوز) أو حمقى (فوكو). إنه «الانسياب اللانهائي للخارج» (بلانشو).
في كتابه حوارات يرى دولوز أن إحدى مهام الفلسفة الآن هي الإعلاء من قيمة السلب في الفكر، الجذمور أو العشب ضد الأشجار، آلة الحرب ضد آلة الدولة، التعددية ضد الشمولية، قوة النسيان ضد الذاكرة، الجغرافيا ضد التاريخ، الخط ضد النقطة. ويرى دولوز أنه لحلِّ إشكالية الثنائية لا بد أن نُحدِث ثورةً في مجال اللغة، أن نُناضل ضدها، وأن نَبتكِر طرقًا مختلفة للتعبير. فموطن الثنائيات هو اللغة «إن اللغة مؤسسة في عمقها على التقسيمات الثنائية: مذكر/مؤنث، مفرد/جمع، تركيب اسمي/تركيب فعلي.» وهكذا فنظرتنا للشيء ونقيضه تَنطلِق من داخل اللغة، إذًا ينبغي تحرير اللغة من مَنطق التعارضات الثنائية «يُمكننا دائمًا إضافة «ثالث» إلى «اثنين» ورابع إلى «ثلاث» … إلخ.» وحتى في حالة وجود حدَّيْن فقط فهناك بين الحدَّين عناصر لا يُمكن ضمُّها إلى أيٍّ منهما (المذكر والمؤنث والمخنث). ينبغي في نظر دولوز إحلال حرف العطف «واو» محل العلاقة «أو».٨٨
هل يُمكن بهذا المعنى إذًا أن نتجاوَز حد السياج والانغلاق clôture الذي ضرَبه هيجل على الفكر من بعده؟ مع فكر الاختلاف ستتطوَّر الفلسفة عبْر هوامشها، عبْر «تفتيت الخط الذي يفصل بين نص وهامشه» (دريدا)، أو «جعل تاريخ الفلسفة مُشابهًا لعملية رسم البورتريه في فن الرسم» (دولوز)، أو «أن نتحدَّث في لغة الذات عن قيمة الآخر» (فوكو). كان «فكر الاختلاف» في أوانه يبدو غريبًا فلم يُنتبه إليه لكنه ما لبث أن أصبح شعارًا لجيل وعصر بأكمله، يقول دولوز: «إن ما حاولتُ أن أقوم به في هذا الميدان من جانبي استُقبل بصمتٍ كبيرٍ في أوساط اليسار الفرنسي المثقف، وإنه فقط بعد ١٩٦٨م، أخذتْ هذه الأسئلة دلالتها.»٨٩
ستحتلُّ مقولة الاختلاف مكانة هامة، وسيكون لها حضور قوي في كتابات كل فلاسفة ما بعد البنيوية، بوصفها مقولة مؤسِّسَة ينبني عليها العديد من الرؤى في ميادين متباينة، عند كريستيفا Kristeva وبارت ودريدا في النقد الأدبي، وعند بودريار في تحليله لوسائل الإعلام، وعند دولوز وجاتاري وليوتار في نقدهم وقراءاتهم للفلسفات الكلاسيكية، وفي تصوراتهم الأنطولوجية والفنية.
١  محمد حسام الدين، المرجع نفسه، ص٢٧.
٢  باتريشيا ووه، ما بعد الحداثة، ترجمة: شعبان مكاوي. في «موسوعة كمبردج في النقد الأدبي» العدد ٩ (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ٢٠٠٥م) ص٤٢٩.
٣  Hassan, Ihab. The Postmodern Turn, Essays in Postmodern Theory and Culture (Columbus: Ohio State UP, 1987) P. 120. & Hassan, Ihab. The Question of Postmodernism, Performing Arts Journal, Vo16, No. 1, 1981, P. 34.
٤  Hassan, Ihab. The Culture of Postmodernism. Theory, Culture and Society Journal Vo12, no. 3, 1985, P. 45.
٥  محمد حسام الدين، المرجع نفسه، ص٨٤.
٦  كريستوفر نوريس، «مقدمة المجلَّد التاسع من موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي»، ترجمة: رضوى عاشور، ص١٤.
٧  رولان بارت، اللغة والسلطة، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، «مجلة فكر ونقد»، ع١٧.
٨  Deleuze, Foucault, p. 2.
٩  دولوز، «حوارات في الفلسفة والأدب والتحليل النفسي والسياسة»، ترجمة: عبد الحي أزرقان — أحمد العلمي (المغرب: أفريقيا الشرق، ١٩٩٩م) ص٢٣.
١٠  محمد الشيخ، «المثقَّف والسلطة»، ص٩٦.
١١  دولوز، «حوارات»، ص٩٤.
١٢  عبد السلام بنعبد العالي، «الفكر في عصر التقنية» (المغرب: أفريقيا الشرق، ٢٠٠٠م) ص٨٤.
١٣  ريمون بيلور، جيل دولوز: الفيلسوف المترحل، ص٤١.
١٤  دولوز، «حوارات»، ص٢٩.
١٥  Foucault, M. The Order of Things: An Archaeology of the Human Sciences (London: Routledge Press, 2002) p. xv.
١٦  جوناثان كلر، التفكيك، ترجمة: حسام نايل. «مجلة فصول»، العدد ٦٦، ٢٠٠٥م، ص٨٩.
١٧  أنور مغيث، جيل دولوز: الأصل والمعنى عند نيتشه، «مجلة إبداع»، ع٩، ٢٠٠٧م، ص٢٧.
١٨  أنور مغيث، المرجع نفسه، ص٢٧.
١٩  أنور مغيث، المرجع نفسه، نفس الموضع.
٢٠  Deleuze, Foucault, p. 28.
٢١  Ibid, p. 82.
٢٢  Ibid, p. 77.
٢٣  يرى هابرماس أن مفهوم السلطة عند فوكو هو مفهوم ميتافيزيقي وكلي الحضور Omni Presence يُذكِّرنا بالقدرة اللامتناهية والحضور الكلي للإله في علم اللاهوت؛ ففي الوقت الذي يُهاجم فيه فوكو كل المفاهيم التي تُدعى الكلية والشمول، يطرح علينا مفهوم السلطة الذي تَتوفَّر فيه نفس سمات المفاهيم التي هاجمها. راجع هارفي، المرجع نفسه، ص٦٦.
٢٤  محمد الشيخ، «المثقَّف والسلطة»، ص٨٨-٨٩.
٢٥  دولوز، «حوارات»، ص٨٢.
٢٦  دولوز، «حوارات»، ص٣٣.
٢٧  دولوز، المرجع نفسه، ص٣٣.
٢٨  عبد السلام بنعبد العالي، أُسس الفكر الفلسفي المعاصر: مجاوزة الميتافيزيقا (الدار البيضاء: دار توبقال، ٢٠٠٠م) ص١٤٨.
٢٩  فرانسوا إوالد، ميشال فوكو: الانهمام بالحقيقة. في «مسارات فلسفية»، ص٣٧.
٣٠  فيليب ثودي، «بارت»، ص١١٢.
٣١  لم يقتصر الاهتمام بمقاومة الخطاب السلطوي على دولوز وفوكو وليوتار؛ إذ نجده حاضرًا بقوة في مؤلَّفات آلن جولد شليجر وبير بورديو. لمراجعة ذلك:
  • آلن جولد شليجر، نحو سيمياء الخطاب السلطوي، ترجمة: مصطفى كمال (الدار البيضاء: بيت الحكمة، ١٩٨٧م).

  • بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، (الدار البيضاء: دار توبقال، ١٩٨٦م).

٣٢  Deleuze, Logic of Sense, p. 17.
٣٣  عبد الرحمن بدوي، نيتشه (الكويت: وكالة المطبوعات، ١٩٧٥م)، ص٢٠٣ وما بعدها.
٣٤  سمير الزغبي، نيتشه: الفن والوهم وإبداع الحياة (بيروت: دار التنوير، ٢٠٠٩م)، ص٤١.
٣٥  سمير الزغبي، السابق، نفس الموضع.
٣٦  سمير الزغبي، السابق، ص٤٣.
٣٧  Deleuze, Nietzsche and Philosophy. Trans Hugh Tomlinson (London: Continuum Press, 2002) p. 102.
٣٨  Deleuze, Ibid, p. 102.
٣٩  باترشيا ووه، ما بعد الحداثة، ص٤٢٢.
٤٠  محمد الشيخ، السابق، ص١٦٢.
٤١  في عام ١٩٩٣م أصدر الكاتب الأمريكي جيمس ميللر James Miller كتابه آلام ميشال فوكو، وهو مُحاولة لكتابة سيرة ذاتية لفوكو. وفي الكتاب يُلِحُّ ميللر على ضرورة قراءة فوكو في ضوء هُويته كمثليِّ الجنسية؛ فثمَّة ارتباط إشكالي بين سلوك فوكو — يقول ميللر — وإنتاج فوكو الفيلسوف. ويرى ميللر أن هذا هو الدافع وراء اهتمامات فوكو بقضايا المُهمَّشين، والأقليات. وقد كتب دولوز تعليقًا أو مراجعة على الكتاب، ألحقه ميللر في الطبعة الثانية منه. والواقع أن هذه المقاربة من ميللر تتجاهل أن الاهتمام بقضايا المُهمَّشين والأقليات كان جزءًا رئيسًا من التوجُّه العام لتيار ما بعد الحداثة، وبالطبع لم يكن سلوك كل المُنتمين للتيار مشابهًا لفوكو. Miller, James. The Passion of Michel Foucault (London: Harper Collins, 1993).
٤٢  محمد الشيخ، مرجع سابق، ص١٦٥.
٤٣  دولوز، «حوارات»، ص٢٣.
٤٤  مفاهيم سيَرِد ذكرها تفصيلًا في الفصل الرابع — الجزء الخاص بدولوز.
٤٥  نيكولاس رزبرج، «توجُّهات ما بعد الحداثة». ترجمة: ناجي رشوان (القاهرة: المجلس الأعلى للكتاب، ٢٠٠٢م)، ص٢٣.
٤٦  في عام ١٩٩١م قام بعض الفلاسفة الشباب في باريس بانقلاب على نيتشه وتلامذته الفرنسيِّين من أمثال فوكو، ودولوز، ودريدا … إلخ. وقد أصدروا كتابًا جماعيًّا بعنوان: «لماذا نحن لسنا من أتباع نيتشه؟» وكان مما جاء في مقدمته: نحن ننتمي إلى جيل الطلاب الذين درسوا الفكر والفلسفة في الستينيات. وكان أساتذتنا آنذاك هم أقطاب الفكر المُسيطِرون على الساحة أمثال: فوكو، دولوز، دريدا، ألتوسير، لاكان. وكانوا يقولون ما معناه: إنَّ مثال فلسفة التنوير ليس إلا خدعة رديئة، أو أسطورة سوداء. وأما مؤيدو الفلسفة الإنسانية والعقلانية، من أمثال موريس ميرلوبونتي، فقد أصبحوا شاحبين، أو قُدماء بالين. وقُل الأمر ذاته عن سارتر الذي انصرفَ معظمنا عن قراءته بعد أن أصبح مكرَّرًا أكثر من اللزوم. ولم يَعُد في الساحة إلا فلاسفة الشك والارتياب: أي ماركس، فرويد، هيدجر، ثم بالطبع نيتشه. ماذا تعني فلسفة الشك والارتياب التي تبنَّاها فوكو ودريدا ودولوز على أثر نيتشه؟ إنها تعني عدم الثقة ببراءة أي شخص أو أي نص. فهي عندما تقف أمام نصٍّ لا تتساءل: ما معنى هذا النَّص؟ ما مضمونه؟ ما محتواه؟ وإنما تتساءل: مَن الذي كتب هذا النَّص؟ ولماذا كتَبه؟ وما هي مصلحته الشخصية في ذلك؟ وما هي الدوافع الخلفية التي دفعته إلى كتابته؟ وهكذا لا يعود هناك أي مجال للفكر الموضوعي في مثل هذا الجو المحموم من الارتيابات والشكوك. عندئذٍ يُصبِح كل شيء مشبوهًا ونقضي العمر كله في تفكيك النُّصوص الفلسفية السابقة دون أن نُفكِّر في بناء فلسفة جديدة قائمة على الإيجاب لا على السلب، أو على التعمير لا التدمير … ثم يُردف هؤلاء الفلاسفة الشباب قائلين: لا يَنبغي على الفلسفة الحديثة أن تقضي كل عمرها في تفكيك ما سبق، وإنما ينبغي أن تعيد الصلة بتراثها العقلاني المشروع والشرعي؛ أي التراث الضخم للتنوير وكانط وهيجل وكل أتباعهما. لقد ملِلنا من تفكيكه وتحطيمه على يد فلاسفة ما بعد الحداثة العدميِّين والنيتشويِّين الفوضويين. لا يَنبغي أن نخجل من هذا التراث العقلاني الكبير بعد اليوم على الإطلاق. لماذا؟ لأنه هو الذي صنع الحضارة الأوروبية الحديثة التي يُمكن القول بأنها أعظم الحضارات التي ظهرت على وجه الأرض حتى الآن أيًّا تكن نواقصها وعيوبها. فهي وحدها التي تَسمح بحرية التفكير والتعبير والنقد بلا حدود. وهي وحدها التي قضَت على الأصولية الدينية ومحاكم التفتيش، وأسَّست التسامح والحريات الديمقراطية التي نَنعم بها حاليًّا على عكس معظم شعوب الأرض تقريبًا. لا ريب في أن التفكيك؛ أي تفكيك التراث المُتراكم للحداثة بعد أن انحرف عن مقاصدِه النبيلة إبان المرحلة الاستعمارية، كان ضروريًّا بل وتحريريًّا ولكنه أكَل وقته كما يُقال ولا نستطيع الاكتفاء به أو التوقُّف عنده. وإنما يَنبغي أن نذهب إلى ما بعده. لقد آن الأوان للانتقال إلى فلسفة جديدة تتجاوَز نيتشه ومرحلته وأتباعه وكل نقاد الحداثة والناعين عليها. وهؤلاء الفلاسفة الشباب الذين يُدافعون عن ميراث التنوير كلهم من أتباع هابرماس. عن هاشم صالح، نيتشه في مرآة الفكر الفرنسي، «مجلة أوان»، ٢٠٠٨م http://www.alawan.org.
٤٧  Deleuze, Foucault, p. 127.
٤٨  هذا ما أشار إليه ماركس Marx حين اعتبر الجدل الهيجلي مقلوبًا يَسير على رأسه بدل رجليه؛ إذ يرى ماركس أن الأفراد قادِرون على التحوُّل إلى كائنات تواصلية بواسطة العمل؛ ومن ثَمَّ يتحوَّل الإنسان من ماهية إلى ممارسة، ويتحوَّل العقل إلى تاريخ. هكذا يُمكن أن نفهم لماذا كانت المادية تجد لنفسها مأوًى في الجدل؛ لأن الجدل هو القادر على تحرير الذات من النَّسق بتحويلها إلى نقيضها.
٤٩  محمد سبيلا، «الحداثة وانتقاداتها»، ص٩٣.
٥٠  محمد سبيلا، السابق، نفس الموضع.
٥١  Deleuze, Ibid, p. 92.
٥٢  آلن هاو، النظرية النظرية النقدية عند مدرسة فرانكفورت، ترجمة: ثائر ديب (دمشق: وزارة الثقافة، ٢٠٠٥م). ص٧٦.
٥٣  هارفي، «حالة ما بعد الحداثة»، ص٢٦.
٥٤  Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge, p. XXIII.
٥٥  أحمد أبو زيد، البحث عن ما بعد الحداثة، مجلة العربي، العدد ٥٠٦، يناير ٢٠٠١م (بتصرف).
٥٦  Lyotard, Ibid, p. 37.
٥٧  Lyotard, Ibid, p. 37.
٥٨  Barthes, Roland. Image-Music-Text: Essays Selected. translated by Stephen Heath (London: Fontana press, 1977) p. 35.
٥٩  Deleuze, Foucault, p. 115.
٦٠  Deleueze, Ibid, p. 93.
٦١  محمد الشيخ، «المثقَّف والسلطة»، ص٧١.
٦٢  السابق، ص١٠٨.
٦٣  السابق، ص١٠٩.
٦٤  السابق، ص١٠٩، ١١٠.
٦٥  هارفي، مرجع سابق، ص٦٧.
٦٦  يرى جيمسون أن الوقوف عند العرضي والزائل واليومي، هي التي دفعت لارتباط ثقافة ما بعد الحداثة بالمنطق الرأسمالي وقيم المستهلك. راجع هذا في مقالة جيمسون: Jameson, F. Postmodernism, or the Cultural Logic of late Capitalism (1984) in The Jameson Reader Proust and Signs. (Oxford; Black Well Press, 200). P. 88. وتَجدر الإشارة إلى أن هذه السمة سيكون لها انعكاساتها الهامة على مفهوم الفن والنظرية الجمالية كما سيرد ذلك في الفصل القادم.
٦٧  Deleuze, Foucault, p. 33.
٦٨  Deleuze, Foucault, p. 37.
٦٩  Deleuze, Ibid, p. 116.
٧٠  بارت، «الكتابة عند درجة الصفر»، ترجمة: محمد نديم (الدار البيضاء: مركز الإنماء الحضاري، ٢٠٠٢م) ص٢٧.
٧١  Deleuze, Proust and Signs. Trans Richard Howard (NY: Minnesota Press, 2000) p. 113.
٧٢  هارفي، مرجع سابق، ص٧٧.
٧٣  المرجع السابق، ص٧٨.
٧٤  هذا هو المعنى الذي يُعطيه لاكان Lacan للشيزوفرنيا؛ فهو ينظر إليها كاختلال لغوي، أو انهيار في السلسلة الدالة على المعاني والتي تُؤلِّف جملًا لها معنًى. وعندما تَنهار السلسلة الدالة هذه «يُصيب الفردَ الانفصامُ على شكل خلط بين المدلولات المنفصلة وغير المُترابطة.»
٧٥  Deleuze and Guattari, Anti-Oedipus: Capitalism and Schizophrenia. trans by Robert Hurley, Mark Seem and Helen R. Lane. Preface by Michel Foucault (New York: University of Minnesota, 1983) p. 245.
٧٦  ديفيد هارفي، مرجع سابق، ص٧٩.
٧٧  هذه المقالة كتبها ليوتار للرد على كتاب لوك فيري Ferry ورانو Ranaut  «فكر ٦٨» La Pensée 68 وهو كتابٌ يوجِّه نقدًا لاذعًا لفلاسفة الستينيات فوكو ولاكان ودولوز وبلاتشو ودريدا، وتتمثَّل أطروحة الكتاب الأساسية في القول بأن «الفلسفة الفرنسية المعاصرة التي تَندرِج في إطارِ ما أصبح يُعرف اليوم بفكر ما بعد الحداثة، ما هي إلا تكرار بشكل مبالغ فيه للفكر الألماني في القرن اﻟ ١٩ وأوائل اﻟ ٢٠ وخصوصًا فلسفتَي نيتشه وهيدجر.» ويُقدِّم الكتاب مجموعة من المعادلات على غرار: فوكو = هيدجر + نيتشه؛ لاكان = هيدجر + فرويد؛ دريدا = هيدجر + نيتشه؛ دولوز = نيتشه + ماركس … إلخ. وقد ترجم محمد أندلسي هذه المقالة ونُشرت في الموقع الإلكتروني: http://www.midouza.org/md/modules/news/article.php?storyid=420 والاقتباس أعلاه من هذه الترجمة.
٧٨  دولوز، «حوارات»، ص٦٠.
٧٩  أنور مغيث، المثقَّفون والسياسة: حوار مع جاك دريدا. «مجلة إبداع»، ع٤، ٢٠٠٠م، ص١٤١.
٨٠  هارفي، مرجع سابق، ص٧١. ويُشبِّه هارفي مصطلح فوكو عن اليوتوبيا غير المتجانسة، بالفكرة الرئيسة لفيل «المخمل الأزرق» Blue Velvet (١٩٨٦م) لديفيد لانش D. Lynch حيث تتردَّد الشخصية الرئيسة في الفيلم بين عالمَيْن متناقضَيْن؛ العالَم المعلن لمدينة صغيرة محافظة في خمسينيات أمريكا بمدرستها الثانوية وصالونها الثقافي، وعالَم آخَر سفلي غريب، وعنيف، ومُنحرِف ومهووس بالمُخدرات والجنس. وإذ يبدو مستحيلًا ظاهريًّا تواجد العالمَيْن في الفضاء نفسه، تتحرَّك الشخصية الرئيسة بينهما بالفعل، وهي غير متأكدة أيهما العالم الحقيقي، إلى أن يَنهار العالَمان معًا، وعلى نحوٍ مرعبٍ وداوٍ.
٨١  فيلب مانج، «نسق المتعدد أو جيل دولوز»، ص٨.
٨٢  Deleuze, Foucault, p. 43.
٨٣  راجع دولوز، «حوارات»، ص١٨٩. وأيضًا أنور مغيث، جيل دولوز: الأصل والمعنى عند نيتشه، ص٢٧.
٨٤  Deleuze, Logic of Sense, p. 42.
٨٥  محمد الشيخ، «المثقَّف والسلطة»، ص٦٧.
٨٦  محمد الشيخ، السابق، ص٦٩.
٨٧  عبد السلام بنعبد العالي، «مجاوزة الميتافيزيقا»، ص٩٥.
٨٨  دولوز، «حوارات»، ص٣٤.
٨٩  Deleuze, Negotiations, p. 33.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١