الفصل الأول

ما الذي يمكننا عمله بالكيمياء الحاسوبية من منظور بعض المفاهيم الأولية؟

سنتعرَّف في هذا الفصل بصورة سريعة ومبدئية على بعض الخطوط العريضة لما نستطيع عمله بالكيمياء الحاسوبية، وسنُوضِّح المفاهيم بحلِّ بعض الأمثلة التي قد تُثير شغفَ القارئ وتساؤلاته، متضمنةً عددًا من المفاهيم الأولية وبعض المصطلحات المتداولة، منها:
  • (١)

    ما الهندسة الجزيئية؟ وما الشكل الأمثل؟

  • (٢)

    كيفية الحصول على الشكل الهندسي الأمثل وملفات إدخال البيانات المستخدَمة لذلك لبعض حُزَم البرامج، وعلى الأخص برنامج أوركا (أحدث إصدار).

  • (٣)

    ما منحنيات طاقة الوضع في بُعْدَين وثلاثة أبعاد؟

  • (٤)

    كيفية الحصول على منحنيات طاقة الوضع في الحالة الأرضية والمثارة، ومعرفة الجهد اللازم لتكسير جزيء في كلٍّ من الحالات الأرضية والمثارة.

  • (٥)

    كيفية تتبُّع المسار الكيميائي للتفاعل مع إعطاء أمثلة واقعية.

  • (٦)

    النشاط الكيميائي وخريطة التوزيع الإلكتروني وأكوادها الملونة ومعاملات النشاط.

  • (٧)

    التعرف على أشكال أوربيتالات المواجهة، واستخدام طاقاتها لحسابات معاملات النشاطية.

  • (٨)

    كيف تُحقِّق وتفسِّر نتائجُ الحسابات المختلفة حقيقةً معملية (كمثال خمول جزيء الأسيتاميد تجاه تفاعله مع الماء)؟

الكيمياء الحاسوبية (وتُسمَّى أيضًا النمذجة الجزيئية؛ فالمصطلحان يعنيان الشيء نفسه) عبارة عن مجموعة من التقنيات وحُزَم البرامج لإيجاد حلول للمشكلات الكيميائية باستخدام جهاز كمبيوتر. والقضايا التي يتم بحثها في إطار هذا العلم بشكل عام هي:

(١) الهندسة الجزيئية

fig1
شكل ١-١: يُوضِّح — باستخدام منحنيات طاقة الوضع النسبية في ثلاثة أبعاد — الشكلَ الهندسي الأقل طاقةً (الأكثر استقرارًا) لجزيء الماء (شكل ١-٢) عند الأبعاد ذات الإحداثيات: طول الرابطة بين ذرتَي الأكسجين والهيدروجين = ٠٫٩٦ أنجستروم، والزاوية بين ذرتَي الهيدروجين والأكسجين = ١٠٤٫٣٣ درجات. فنقطة الإحداثيات هذه تُمثِّل وجود الجزيء في الشكل المثالي في حالة الاتزان.
أشكال الجزيئات في الفراغ تمثلها أطوال الروابط Bonds، والزوايا Angles، والزاوية بين سطحين Dihedral Angles. وشكل ١-١ يوضِّح إحدى طرق معرفة الشكل الهندسي الأمثل، وهو الأكثر استقرارًا لجزيء الماء (شكل ١-٢). هذا الشكل يُوضِّح مفهومًا هامًّا جدًّا في الكيمياء الحاسوبية، وهو منحنيات طاقة الوضع.
fig2
شكل ١-٢: جزيء ماء.
إن كيفية الحصول على الشكل والطريقة المستخدَمة لذلك هما غاية في الأهمية في موضوعاتٍ كيميائية مختلفة، ولمناقشات علمية قادمة ستُجرى في حينها. بعدَ أن استخدمنا إحدى واجهات البرامج لبناء شكل جزيء الماء، اخترْنا رابطة الهيدروجين مع الأكسجين وحدَّدنا مدًى لتغيير طول الرابطة بعددٍ محدَّد من الخطوات. يقوم البرنامج بحساب بروفيل الطاقة عند كل مسافةٍ مقيدة ليعطي أقلَّ طاقةٍ ممكنة عند هذه المسافة (أطوال الرابطة المتحكم فيها). وكذلك اختِيرت الزاوية ومدى التغير المطلوب في قيمتها، وقام البرنامج بحساب الطاقة عند كل زاوية (عملية مسح مقيدة Scan). هاتان العمليتان تم حسابهما معًا عند كل إحداثي ذي مُتغيرَيْن متزامنَيْن (مسافة وزاوية)، ثم قمنا برسم قِيَم الطاقة النسبية عند كل إحداثي ثنائي تُمثِّله كلُّ كرة مصمتة ظاهرة على السطح المرسوم.
ومن الممكن استخدام حزمة برامج أوركا ٤٫٢ (ORCA 4.2)، وهي متاحة مجانًا للأكاديميين: https://orcaforum.kofo.mpg.de/app.php/dlext/.

ونستخدم ملف الإدخال الآتي:

# ملف إدخال البيانات المطلوبة لإجراءِ حساباتٍ لجزيء الماء للحصول على السطح الموضَّح في شكل ١-١.

نلاحظ أن الإحداثيات الداخلية بها جزء «مظلَّل بالأصفر»، وهو يدلُّ على ربط الذرات بعضها ببعض، والزوايا الموجودة بين الروابط.

ويستطيع القارئ أن يَنسخ هذا ويُسمِّي الملف water.inp مثلًا؛ حيث يُقرَأ بواسطة أوركا، بالتعامل مع نافذة الأوامر Commands or Terminals على الحاسوب لاستدعاء البرنامج «أوركا» كالتالي: C:\orca4\orca water.inp > water.out.
هذا على فرضِ أنَّ الملف والبرنامج موجودان على القسم C:\ في القرص الصلب للحاسوب. وبعد انتهاء الحسابات سوف تُخزَّن النتائج في الملف المختار water.out؛ لذا وجب على الدارس أن يلجأ إلى كتاب تعليمات أوركا، وهو متاح مجانًا على موقع أوركا على الإنترنت: https://orcaforum.kofo.mpg.de/app.php/dlext/?view=detail&df_id=68.

(وقد يحتاج المستخدِم إلى إنشاء حساب له في الموقع مجانًا كي يستطيع الولوج إليه.)

هذه النوعية من الحسابات استخدمنا فيها نظرية دالية الكثافة (تُسمَّى الحسابات النظرية لدالية الكثافة Density Functional Theory) وهي تَعتمِد على حل معادلة شرودنجر باستخدامِ تقريبٍ بطريقةٍ مبتكَرة، حصل بسببها عالِمان أمريكيان على جائزة نوبل في الكيمياء في ثمانينيات القرن الماضي. وتُبنَى هذه الطريقة على حساباتٍ مباشِرة للكثافة الإلكترونية (متخطِّية الدوال الموجية)، ومنها نحصل على طاقة الجزيء. والمقصود ﺑ «دالية» هو دالة الكثافة الإلكترونية المعرفة أو المتعلِّقة بدالَّة الأبعاد الفراغية والزمن.
وحساباتُ الكثافة الدالية DFT عادةً ما يكون إجراؤها يسيرًا نسبيًّا. ويُمكن الرجوع إلى الموقع الإلكتروني التالي (انظر ملحق (٤) للمزيد من المراجع) لمعرفة المزيد من الوصف لهذه الطريقة: http://newton.ex.ac.uk/research/qsystems/people/coomer/dft_intro.html.

وخلاصة القول أن هذه الطريقة تُعَد حلًّا تقريبيًّا لمعادلة شرودنجر تتخطَّى به حلول الدوال الموجية للوصول إلى الطاقة مباشَرةً.

وفي هذا المقام يجدر الإشارة إلى أن مُنحنيات طاقة الوضع ذات قيمة في الحصول على معلوماتٍ عن الجزيء المراد دراسته؛ معلوماتٍ عن سلوك تفتُّته، ليس فقط في الحالة الأرضية العادية، لكنْ أيضًا في الحالات المثارة (بامتصاص الضوء مثلًا).

والمثال التالي يُوضِّح تغيُّر المسافة بين ذرة الكربون وذرة الأكسجين في جزيء أول أكسيد الكربون، وذلك في كلتا الحالتين الأرضية والمثارة (تُعرَف باسم حالات «سنجلت»، وتعني: إلكترونات لها حركة مغزلية — أي دوران حول محورها — في اتجاهين متضادين).

fig3
شكل ١-٣: تغيُّر طاقة جزيء CO مع تغيُّر طول الرابطة. المسافة الرأسية بين عمق المنحنى عند حوالي ١٫١ أنجستروم وبين الخط الأفقي عند البُعْد حوالي ٢٫٣ أنجستروم تعطي طاقة التفتُّت للجزيء.
وشكل ١-٣ يُبيِّن استقرارًا في طاقة جزيء أول أكسيد الكربون عند طول الرابطة ١٫١ أنجستروم «في الحالة الأرضية»، وبمقارنةِ عمقِ منحنى الطاقة في حالة S0 يتَّضح أن الجزيء احتاج إلى طاقةٍ أكبرَ لتكسيره (لإبعاد الكربون عن الأكسجين، ومقدارها حوالي ١١٠٠ كيلوجول لكل مول) من تلك التي يَحتاجها الجزيء وهو في الحالة المثارة S1 (أيْ يَسهُل تكسير الجزيء في الحالة المثارة، ويحتاج إلى حوالي ٣٩٤ كيلوجولًا للمول).
ويجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن طاقةَ تفتُّتِ أو تكسيرِ الجزيئات تقلُّ رأسيًّا في هاليدات الهيدروجين (أحماض: هيدرو فلوريك، هيدرو كلوريك، هيدرو بروميك إلى هيدرو أيوديك)؛ وذلك لضَعْف الرابطة بين الهيدروجين وبين أيون الهاليد. ويستطيع الدارس أن يُجرِي حسابات مُماثِلة لما أجريناه على أول أكسيد الكربون ليحسب بنفسه طاقة تكسير أو طاقة تفتيت المركب، وكذلك طول الرابطة. ولتسهيل المهمة سنطرح النتائج المعملية المقاسة في جدول ١-١، ويقوم الدارس بتحقيقها حسابيًّا.
جدول ١-١: طاقة تفتُّت بعض الجزيئات الثنائية وطول الرابطة.
الجزيء طاقة التفتُّت بالكيلوجول لكل مول طول الرابطة بالأنجستروم
CO ١٠٠٠ ١٫١٠
HF ٥٧٠ ٠٫٩٢
HCl ٤٣٠ ١٫٢٧
HBr ٣٧٠ ١٫٤١
Hl ٣٠٠ ١٫٦٣

وملف الإدخال (ملف المهمَّة) المستخدَم لبرنامج أوركا كما يلي:

(٢) مسار التفاعل الكيميائي

مسار التفاعل ونظرياته هما من الموضوعات التي تَظهر عادةً عبر المخطَّطات، مثل شكل ١-٤.
fig4
شكل ١-٤: مسار التفاعل، ويُوضِّحه تغيُّر الطاقة مع إحداثي داخلي (محور السينات)؛ حيث تحتاج المواد المتفاعِلة إلى طاقة التنشيط (دلتا إي) لتصل إلى الحالة الانتقالية، ومنها هبوطًا إلى المواد الناتجة. والفرق في الطاقة هو دلتا إتش، وهي طاقة التفاعل.

(٣) لماذا يحدث التفاعل الكيميائي؟

نودُّ الإجابة عن هذا التساؤل بمثال مشهور نعرضه ونشرحه في هذا المقام. هذا المثال يُعنَى بمفهوم هام في الكيمياء، خاصةً في الكيمياء العضوية، وهو: لماذا يُحوَّل كلوريد الأستيل إلى حمض الأستيك (الخليك) بالتفاعُل مع الماء، بينما لا يحدث هذا التفاعل بين الماء والأسيتاميد حسب الآتي:

fig5
شكل ١-٥: مُنحنى الطاقة النسبية لتفاعُل الماء مع كلٍّ من الأسيتاميد (الشكل الأسفل) وأستيل الكلوريد مرورًا بالحالة الانتقالية. يُلاحَظ أن التفاعل مع الأستيل كلوريد نتَج عنه استقرار في الطاقة بحوالي −٤٠ كيلوجولًا/للمول، مُقارَنةً بطاقة المواد المتفاعلة. بينما تسبَّبَ التفاعل مع الأسيتاميد في عدم استقرار الناتج بحوالي +٢٥ كيلوجولًا/للمول، وهو تفاعُل غير جائز من ناحية طاقة النواتج.

لذا، سنحاول الآن الإجابة باستخدام نتائج حسابات تفاعل جزيء الماء مع كلٍّ منهما على حدة. والأسلوب المتَّبَع في الحسابات بصورة بسيطة هو إجراءُ مسحٍ على المسافة بين جزيء ماء وبين كلوريد الأستيل أو الأسيتاميد.

شكل ١-٥ يبين نتائج الحسابات؛ حيث يتَّضح استقرارُ الأستيل كلوريد باقتراب جزيء الماء منه (أعلى طاقة سالبة عند ١٫٤ أنجستروم، مُقارَنةً بالطاقة قبل التفاعُل)؛ فتحلُّ مجموعة هيدروكسيل من الماء محلَّ الكلوريد. الوضع مختلفٌ مع الأسيتاميد، الذي تقل طاقته (طاقة نسبية موجبة عند حوالي ١٫٥ أنجستروم، مُقارَنةً بالطاقة قبل التفاعل)؛ لذا فباقتراب جزيء الماء لا يتم التفاعل.
سنَذكُر في الصفحات التالية المزيد من الأدلة على خمول الأسيتاميد وعدم قدرة مجموعة الأمين (NH2) على ترك مكانها لمجموعة الهيدروكسيل.

(٤) النشاط الكيميائي

يَكمُن النشاط الكيميائي في السؤال: كيف سيتصرَّف الجزيء الكيميائي عندما يَلتقي مع جزيء آخر؟

لذا فالنشاط الكيميائي بصورة عامة يُمكن النظر إليه على أنه قدرة المركبات الكيميائية على التفاعُل فيما بينها لتكوين مركبات كيميائية جديدة. وسنَستدلُّ على النشاط الكيميائي بطريقتين نظريتين من حسابات الكم:

أولًا: خريطة الكثافة الإلكترونية طبقًا لطاقة الجهد الإلكتروستاتيكي

سنستدلُّ هنا على نشاط الجزيء كيميائيًّا وأيُّ الأماكن على سطحه ستكون أكثر نشاطًا واستعدادًا للتفاعل مع الجزيئات الأخرى؛ فعلى سبيل المثال، إن معرفة أين تتركز الإلكترونات (المواقع المحبَّة لشحنة الأنوية؛ النيكليوفيلات)، وأين تريد أن تذهب هذه الإلكترونات (المواقع المحبة للشحنة الإلكترونية؛ الإلكتروفيلات) تمكننا من التنبؤ بالمكان الذي ستهاجم فيه أنواعٌ مختلفة من الكواشف جزيئًا ما.

سنأخذ المثال التالي في حالة جزيء الماء (شكل ١-٢ وشكل ١-٦) لتوضيح المفاهيم بصورة عاجلة.
fig6
شكل ١-٦: خريطة كود الألوان للكثافة الإلكترونية الموزَّعة طبقًا لطاقة الجهد الإلكتروستاتيكي Electrostatic Potential Energy map (ESP map). القيم العددية على دليل الألوان هي قيم الطاقة بالوحدة المذكورة أعلاه. واللون الأحمر يدل على كثافة إلكترونية عالية طاقتها القصوى هي −165kJ. وتتدرَّج الألوان، ومن ثَمَّ قِيَم هذه الطاقة، إلى أن تصل إلى أقلِّ كثافةٍ إلكترونية بطاقة موجبة أقصاها قيمة للون الأزرق هي 257kJ.
وشكل ١-٦ سيُوضِّح خريطة توزيع الكثافة الإلكترونية طبقًا للجهد الإلكتروستاتيكي مقاسًا بالكيلوجول (كيلوجول kJ).
حيث يُوضِّح شكل ١-٦ أن جزيء الماء قطبي؛ أحد القطبين سالب على ذرة الأكسجين، والآخر موجب بين ذرتَي الهيدروجين. ذرات الهيدروجين فقدت مقاديرَ من شحنات إلكترونية تُمثِّلها المنطقة الزرقاء، اكتسبتْها ذرة الأكسجين، وتُمثَّل هذه الشحنات باللون الأحمر كما ذُكِر سابقًا. هذه الخريطة تُوضِّح أماكنَ غنيةً بالشحنات الإلكترونية بقِيَم متدرجة، ابتداءً من اللون الأحمر وصولًا إلى مناطق فقيرة (زرقاء اللون) في تلك الشحنات الإلكترونية.
سنَستدلُّ في هذا المقام على النشاط الكيميائي لكلوريد الأستيل وخمول الأسيتاميد، بحساب أسطح طاقة الجهد الإلكتروستاتيكي كما في شكل ١-٧.
fig7
شكل ١-٧: يُوضِّح خريطة كود الألوان للكثافة الإلكترونية الموزَّعة طبقًا لطاقة الجهد الإلكتروستاتيكي (أو باختصار، الخريطة الإلكتروستاتيكية) لكلٍّ من الأسيتاميد وكلوريد الأستيل.
ونستطيع باستخدام هذه الخرائط تفسير إمكانية التفاعل بصريًّا؛ فشكل ١-٧ يوضِّح أنَّ رغبة «ذرة كربون مجموعة الكربونيل» في جزيء الأسيتاميد في إلكترونات الماء صغيرةٌ جدًّا، وتكاد تكون منعدمة، مُقارَنةً بمثيلتها في جزيء الأستيل كلوريد الذي تزداد فيه الرغبة في الإلكترونات لتصل قيمة الجهد الإلكتروستاتيكي إلى ٩٢ كيلوجولًا/مول (لاحِظْ كود اللون على ذرة الكربون التي يحدث عندها التفاعل؛ فهي زرقاء في حالة كلوريد الأستيل، وخضراء في حالة الأسيتاميد؛ وهو الجزيء الخامل). لذا فقابليةُ تفاعل كلوريد الأستيل مع النيكليوفيلات (مثل الماء) تكون مرتفعة.

نحصل على هذه الخرائط باستخدام الواجهات الرسومية لحزم البرامج الحسابية. والمثال التالي قد يُوضِّح مدى سهولة حصولنا على هذه الخرائط الإلكترونية.

نَحصُل على شكل ١-٨ بالضغط على في القائمة الأفقية، ثم نختار حسابات خريطة الجهد الإلكتروستاتيكي، وسيظهر المربع الصغير أعلى يسار النافذة، وبالنقر عليه نحصل على شكل السطح المطلوب.
fig8
شكل ١-٨: واجهة برنامج سبرتان، وكيفية الحصول على سطح خريطة توزيع الشحنات طبقًا لطاقة الجهد الإلكتروستاتيكى.
وأشهرُ الأمثلة التي تُعزِّز ما ذكرناه وتوضِّحه، هو مثالُ الجزيء المزدوج الشحنات كما يُوضِّحه الحمض الأميني (بيتا ألانين)؛ حيث ينتقل بروتون من مجموعة الكربوكسيل (فتُصبح حاملةً لشحنة سالبة، ويتلوَّن السطح باللون الأحمر دليلًا على وجود إلكترونات)، إلى مجموعة الأمين (فتُصبح حاملةً لشحنة موجبة، وتتلوَّن الخريطة في هذه المنطقة باللون الأزرق دليلًا على الفقر الإلكتروني أو وجود شحنة كهربية موجبة). وخريطة الجهد الإلكتروستاتيكي في شكل ١-٩ تُوضِّح ذلك بصورةٍ جلِيَّة.
fig9
شكل ١-٩: يُوضِّح خريطة الكثافة الإلكترونية في حالة البيتا-ألانين.

والمنطقة الخضراء، بين الأحمر والأزرق، لا تَحمِل شحنات؛ وهي منطقة مجموعة الإيثان. وفي هذه المنطقة الخضراء تكون الرابطة تساهُمية. أمَّا طرفا الجزيء الأحمر والأزرق فيدلان على قطبية الجزيء.

ما ذُكِر يُشير إلى إمكانية استخدام الكيمياء الحاسوبية في شرح المفاهيم العلمية وأساسياتها لطلاب التعليم الثانوي والجامعي على حدٍّ سواء. والفصل التالي يحتوي على أمثلة أساسية لذلك.

وكتطبيق عملي مباشِر لِمَا تمكِّننا منه استخداماتُ هذه السطوح، سنَستعرض كيف نستطيع استنتاج قوة الأحماض — على سبيل المثال — كما سنُوضِّحه في المثال التالي لمقارنة قوى أحماض الكلور الأكسجينية المعبَّر عنها بمقياس pKa العملي (انظر جدول ١-٢) بعضها ببعض. والمقصود هنا بقوة الحمض هو سهولة فصل البروتون منه. وسنعرض المزيد في هذا الشأن في الفصل الثاني.
جدول ١-٢
الحمض أعلى قيمة لسطح الجهد الإلكتروستاتيكي (kJ) مقياس قوة الحمض pKa
الهيبوكلورس (HOCl) ٢٩٩٫٧١ ٧٫٤٩
الكلوروس (HClO2) ٣١٤٫١٧ ١٫٩٤
الكلوريك (HClO3) ٣٧٠٫١٤ −١
البيركلوريك (HClO4) ٣٨٢٫٨٨ −١٫٦٠
لذا فاللون الأزرق الدال على الفقر الإلكتروني هو محل الاهتمام في هذا المقام؛ فأعلى قيمة للجهد الإلكتروستاتيكي الموجب يحملها بروتون حمض البيركلوريك، وهو أقوى هذه الأحماض. وطبقًا للقيم العددية في جدول ١-٢، وبالإشارة إلى الأسطح الإلكتروستاتيكية المبيَّنة في شكل ١-١٠؛ يكون ترتيب هذه الأحماض بحسب قوتها كالتالي:
ومن الأمور المشوِّقة محاولةُ إيجادِ علاقةٍ بيانية بين القيم العددية للمتغيرات في جدول ١-٢. وشكل ١-١١ يمثِّل منحنًى تصاعديًّا للعلاقة بين قوة الحمض وطاقة الجهد الإلكتروستاتيكي الموجبة والملوَّنة باللون الأزرق في شكل ١-١٠.
fig10
شكل ١-١٠: يُوضِّح خريطة سطح الجهد الإلكتروستاتيكي لأحماض الكلور الأكسجينية؛ حيث يتركَّز اللون الأزرق حول ذرة الهيدروجين دليلًا على فقدانها إلكترونات الرابطة لصالح ذرة أكسجين الرابطة OH.
fig11
شكل ١-١١: العلاقة الأسية بين مقياس قوة الحمض والقيمة القصوى لطاقة الجهد الإلكتروستاتيكي على ذرة الهيدروجين.

وسنُقدِّم مثالًا آخَر عن قوة الأحماض في الفصل الثاني.

ثانيًا: معامَلات النشاط الكيميائي من أوربيتالات المواجهة

توجد بعض المعاملات التي نستطيع حسابها، وتُسمَّى «معاملات النشاط» Reactivity Indices، وهي تشير إلى نشاطية أفراد سلسلةٍ من المركبات ومشتقاتها مقارنةً بعضها ببعض. هذه المعاملات يمكننا حسابها من طاقة أوربيتالات المواجهة Frontier Molecular Orbitals (HOMO – LUMO). فمستويات الطاقة داخل أي جزيء وطاقة الأوربيتالات تُحسَب دائمًا عند حسابات الشكل الأمثل للجزيء. وأعلى أوربيتال مشغول بالإلكترونات HOMO ستكون طاقته السالبة أكبرَ من أدنى أوربيتال خاوٍ أو غير مملوء بالإلكترونات LUMO، وأهم ثلاثة معاملات وأكثرها انتشارًا قد عُرِّفت في المراجع العلمية كالآتي:
«إيتا» القسوة ( ): مقياس الصعوبة أو القسوة في إعطاء إلكترونات، ويدل على الاستقرار الكيميائي أو الخمول الكيميائي. ويجدر الإشارة إلى أن مقلوب القسوة يُشار إليه بالليونة في التخلي عن الإلكترونات، ويُسمَّى هذا المقياس Softness = 1/η (مقياس السيولة).
«ميو» الجهد الكيميائي ( ): وهو مقياس القدرة على النشاطية؛ فانخفاض طاقة LUMO (اللومو) يزيد من حامضية الجزيء؛ حيث يقيس الإلكتروفيليسيتي (أي القدرة على اكتساب الإلكترونات)، وهو مقياس للحامضية، وارتفاع قيمة طاقة HOMO (الهومو) يقيس القدرة على إعطاء الإلكترونات؛ أيْ هو مقياس للقاعدية (النيوكليوفيليسيتي). لذا يُعَد ميو معاملًا للقابلية على تبادُل الإلكترونات مع الجزيئات المتفاعِلة.
«أوميجا» الإلكتروفيليسيتي ( ): مقياس الرغبة في البحث عن الإلكترونات أو القدرة على جذبها.
وجدول ١-٣ يَحوي نتائج حُصِل عليها من حسابات بسيطة لأوربيتالات المواجهة، ومنها حُسِبت المعاملات لبعض مركبات النيترو؛ حيث يتضح من القيم العددية أن مركب فوكس-٧ هو أكثرها نشاطيةً كيميائية؛ فهو أقلُّ هذه المركبات قسوةً إلكترونية (أقل قيمة للمعامل إيتا)، وأقل رغبةً في اكتساب مزيد من الإلكترونات (أقل قيمة عددية للمعامل أوميجا)، بينما يَظهر أقلَّ قدرةً على تبادل الإلكترونات (أقل قيمة للمعامل ميو).
جدول ١-٣: معاملات النشاطية الكيميائية لبعض مركبات النيترو العضوية وطاقة أوربيتالات المواجهة.
اسم المركب E LUMO (eV) E HOMO (eV)
ثلاثي نيترو بنزين ٤٫٤٩ −٦٫٥٣ ٤٫٧٥ −١٫٧٨ −١١٫٢٨
ثلاثي نيترو طولوين ٤٫١٤ −٦٫١٢ ٤٫٥٢ −١٫٦٠ −١٠٫٦٤
ميتا-نيترو بنزين ٣٫٧٠ −٥٫٨٦ ٤٫٦٤ −١٫٢٢ −١٠٫٥٠
نيترو بنزين ٢٫٧٩ −٥٫٠٧ ٤٫٦٠ −٠٫٤٨ −٩٫٦٧
ثنائي نيترو، ثنائي أمينو-إيثلين Fox-7 ٢٫٤٥ −٤٫٦٦ ٤٫٤٤ −٠٫٢٢ −٩٫١٠
ويمكننا استخدام أي برنامج متاح مثل سبارتان، وبحسابات نظرية دالية الكثافة DFT تحت نفس الظروف (نفس الدالية Functional، ونفس مجموعة أو فئة الأوربيتالات الأساسية Basis Set (انظر ملحق ٨))؛ وذلك للحصول على هذه الأوربيتالات وطاقاتها. وشكل ١-١٢ يعطي مثالًا على قيمة مستويات الطاقة لهذه الأوربيتالات المعنية وأشكالها في حالة مركب النيترو المعروف باسم فوكس-٧، وهو مركب اكتُشِف حديثًا عام ١٩٩٨ من قِبَل باحثين في السويد.
fig12
شكل ١-١٢: مُستويات طاقة أوربيتالات المواجَهة وأشكالها للمركب فوكس-٧.
ومرةً أخرى سنستدل على خمول الأسيتاميد تجاه الماء باستخدام معاملات النشاطية، التي حُسِبت من أوربيتالات المواجهة. جدول ١-٤ يلخص هذه النتائج.
جدول ١-٤: معاملات النشاطية للأسيتاميد وكلوريد الأستيل.
الجزيء E LUMO E HOMO
الأسيتاميد ٠٫٧١ −٢٫٩١ ٥٫٩٩ ٣٫٠٨ −٨٫٩
كلوريد الأستيل ١٫٩٢ −٤٫٦٧ ٥٫٦٧٥ ١٫٠١ −١٠٫٣٤
وتُوضِّح نتائج جدول ١-٤ أنَّ كلوريد الأستيل ذو إلكتروفيليسية عالية؛ لذا فهو سيتفاعَل مع إلكترونات ذرة أكسجين جزيء الماء. بينما قيمة أوميجا المنخفضة للأسيتاميد لن تُمكِّنه من التفاعل مع الماء مثل كلوريد الأستيل. كما أن إيتا مرتفعةٌ في حالة الأسيتاميد دليلًا على خموله، بينما مقياس الجهد الكيميائي مُتمثِّلًا في مقياس ميو يدلُّ على ضَعْف الأسيتاميد للتفاعلات الإلكترونية مع الماء، وذلك عكس كلوريد الأستيل.

لقد حقَّقتْ وأيَّدتْ كلُّ نتائج الحسابات، سواء المصوَّرة أو المرسومة بيانيًّا أو عدديًّا، ما حُصِل عليه معمليًّا من أن الأسيتاميد خاملٌ تجاهَ الماء، بينما أظهر كلوريد الأستيل نشاطًا ملحوظًا بتفاعله مع الماء مُكوِّنًا حمض الخليك.

الخلاصة

تضمَّنَ هذا الفصل عددًا من المفاهيم الأولية وبعض المصطلحات المتداولة، ومنها تعرَّفنا على:
  • (١)

    بعض الخطوط العريضة والمبدئية لما نستطيع عمله بالكيمياء الحاسوبية.

  • (٢)

    ما هي الهندسة الجزيئية، وما هو الشكل الأمثل.

  • (٣)

    كيفية الحصول على الشكل الهندسي الأمثل، والملف المستخدَم لذلك.

  • (٤)

    ما هي منحنيات طاقة الوضع في بُعْدين وثلاثة أبعاد.

  • (٥)

    كيف نحصل على منحنيات طاقة الوضع في الحالة الأرضية والمثارة، ومعرفة الجهد اللازم لتكسير جزيء في كلٍّ من الحالات الأرضية والمثارة.

  • (٦)

    كيفية تتبُّع المسار الكيميائي للتفاعل.

  • (٧)

    تتبُّع منحنى الطاقة لتفاعل الماء مع كلٍّ من كلوريد الأستيل والأسيتاميد مرورًا بالحالة الانتقالية.

  • (٨)

    النشاط الكيميائي وخريطة التوزيع الإلكتروني وأكوادها الملونة ومعاملات النشاطية.

  • (٩)

    كيف نَستنتج قوة الحمض من قيمة أقصى جهد إلكتروستاتيكي.

  • (١٠)

    التعرف على أشكال أوربيتالات المواجهة واستخدام طاقاتها لحسابات معاملات النشاطية.

  • (١١)

    كيف حقَّقت وفسَّرت نتائج الحسابات المختلفة حقيقةً معملية؛ وهي خمول جزيء الأسيتاميد تجاه تفاعُله مع الماء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠