نام الرجل بعد العشاء

نظر في وجوه الناس وهو جالس على كرسي مُذهَّب عالٍ يرتفع عن الأرض ارتفاعًا جعل رءوسَ الناس في مستوى قدميه، وعجب كيف ينظر الناس إلى قدميه في احترام بالغ مع أنه نسي أن يلبس الحذاء.

كيف نسي أن يلبس حذاءه.

كان هذا السؤال الذي يجوب في أنحاء نفسه ويكاد يسلِّمه إلى نوع من الذهول يطغى على ذلك الحزن الشديد الذي كان يشعر به كلما نظر إلى قدميه الحافيتين، وهما تستندان قاعدة الكرسي الموشاة بالذهب.

وشعر بالعرق يتصبَّب من وجهه، رأى أصابع قدميه متَّسخة وأظافرها سوداء، وتعجَّب كيف نسي أن يلبس الحذاء قبل أن يخرج من بيته، مع أنه تعوَّد على أن يلبسه كلَّ يوم منذ خمسة وأربعين عامًا، واشتدَّ عجبه حين رأى الناس ينظرون إلى قدميه في احترام وإجلال.

وأخذت نظراته المتسائلة الذاهلة تنتقل في قلق من قدميه الحافيتين إلى وجوه الناس الخاشعة، محاوِلًا أن يكتشف الحقيقة ويعرف مَن الأعمى؛ عيناه أم عيون الناس؟ لكنه لم يستطع؛ وكيف له وحده أن يعلم؟ لا بُدَّ من حكم، واستبدَّت به الرغبة في معرفة الحقيقة، فأشار بأصبعه الصغيرة إلى رئيس حاشيته، فانتفض الرجل للإشارة وترك مكانه على رأس الصفوف وأسرَعَ إليه ومَثل بين يديه راكعًا.

وأشار في ترفُّع إلى قدميه، وقال بلهجة ملكية آمِرة: انظر!

واهتزَّت عينا الرجل في خوف ونظر إلى قدميه، وقال في خشوع: نظرت يا مولاي!

فقال في غضب: انطق!

وارتجف صوت الرجل وهو يقول: ماذا تريد مني أن أقول يا مولاي؟

قال في ثورة: قُلْ ما تراه عيناك!

وبربش الرجل بعينيه الفَزِعتين وقال: أرى صاحبتَيِ السعادة قدمَيْك يا مولاي.

وصاح في غضب شديد: هل أنت أعمى؟ أَلَا ترى شيئًا غريبًا بالنسبة لهما؟

وقال الرجل مرتعدًا: غريبًا؟

لا … لا … يا مولاي!

وأحسَّ ببعض الارتياح، فهدأت أعصابه قليلًا ثم قال له: هل يعجبك لون حذائي؟

وشعر الرجل ببعض الطمأنينة والثقة وقال في حماس: كيف لا يعجبني يا مولاي! إنه رائع، أكثر من رائع!

وابتسمت أسارير وجهه ثم قال له: اذهبْ! فذهب.

وجلس على كرسيه المُذهَّب في كبرياء، لكنه عاد فرأى قدميه الحافيتين، فساوَرَه الشك مرة أخرى.

كيف له أن يتأكد؟ لا بدَّ من حكم آخَر.

وأشار إلى رجل ثانٍ من رجال حاشيته وسأله نفس الأسئلة، فأجاب نفس الإجابة، فسأل رجلًا ثالثًا ورابعًا وخامسًا حتى سأل كل رجال حاشيته، وكان جواب الجميع واحدًا.

إلى هنا تبدَّد شكه، وأيقَنَ أنه يلبس حذاءه، وأن نسيان الحذاء لم يكن إلَّا وهمًا صوَّره له خياله المرهق، وطاف إلى سطح ذاكرته ذات القلق الشديد الذي استولى عليه ليلة الأمس، فجعل خياله مرهقًا، بالرغم من الفراش الوثير الدافئ، وبالرغم من مروحة ريش النعام الناعمة التي كانت ترفرف على وجهه طول الليل، تمسك بها أنامل دقيقة.

وكان من حين إلى حين يمدُّ أصابعه في الظلام ويتحسَّس الجسد الحريري ويضمه إليه في قوة.

ويسمع الصوت الناعم وهو يقول: هل أُدلِّك صاحبتَيِ السعادة قدمَيْك يا مولاي؟

فيقول وهو مغمض العينين في تراخٍ وكسل: نعم، نعم، دلِّكيهما يا امرأة.

وكان من الممكن أن تمرَّ الليلة على خير كأية ليلة سابقة لولا أنه تذكَّرها ففتح عينيه، ونظر في وجه المرأة ثم صاح غاضبًا: اذهبي أيتها الجارية! كفى!

ونادى على رئيس الحاشية في غضب شديد، وقال: أين هي؟

وارتجف الرجل في هلع وقال: لقد رفضَتْ أن تأتي يا مولاي؟

وزمجر في غضب: رفضت؟! كيف هذا؟ أَلَمْ تقل إن هذه هي رغبة الملك؟

قال: نعم يا مولاي. ولكنها رفضت.

وصاح في ثورة: أَلَمْ تقل لها إنني أستطيع أن أستولي على بيتها وأطردها من مملكتي؟

قال: نعم يا مولاي. ولكنها رفضت.

وانفجر غاضبًا: أَلَمْ تقل لها إنني أستطيع أن أرسل لها جنودي، فيجرُّوها من شعرها ويسوقوها إلى المشنقة؟

قال: نعم يا مولاي. ولكنها رفضت.

وانتفض حانقًا: كيف هذا؟ امرأة في أرضي تعصي أمري؟!

إني ذاهب إليها بنفسي، أَعِدَّ لي الجواد.

قال: سمعًا وطاعةً يا مولاي.

امتطى الملك الجواد وسار في الطريق الطويل المظلم، ورأى باب البيت مُغلَقًا، والنوافذ مسدودة، وأطلَّ له البوَّاب من فتحة صغيرة في الباب.

فقال له بلهجة ملكية آمِرة: افتحْ! أنا الملك!

وفتح الرجل الباب وهو يرتعش، ونزل الملك من فوق الجواد وسار في ممر البيت المظلم حتى رأى بصيصًا من نور يطلُّ من إحدى الحجرات، واقترب متخفيًا ورأى من خلال الباب المرأة الحسناء مستلقية على أريكة خضراء وإلى جوارها رجل! لا، في أحضانها رجل!

ووقف الملك مشدوهًا، واستطاع رغم ذهوله أن يتعرف على وجه الرجل، وعرف أنه رجل من الشعب.

وعاد الملك متخفيًا إلى قصره كما جاء، وجمع الحاشية وقرَّر إعدام الرجل ومثول رأسه بين يديه على صينية من الذهب. وجاء رأس الرجل، ونظر إليه الملك متشفيًا وقال له: أنت الذي كنت تقف في طريقي أيها الصعلوك!

وتمدَّد الملك في فراشه الوثير الدافئ وأمر بإحضار المرأة.

وجاء الرسول مرتجفًا يقول: لقد رفضت يا مولاي!

وانتفض الملك واقفًا في غضب وامتطى جواده، وذهب إليها، ورأى نفس البصيص من النور ينبعث من نفس الحجرة، ومن خلال الباب رأى المرأة الحسناء مستلقية على الأريكة الخضراء وفي أحضانها رجل!

فعاد كالمجنون وأمر برأس الرجل الثاني على صينية من الذهب، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس حتى نفدت صواني القصر.

ووضع الملك رأسه بين يديه حائرًا، ثم أرسل في طلب أكبر حكماء البلد.

وجاء الحكيم ومَثل بين يدي الملك، فحكى له الحكاية، وارتسمت على شفتَي الحكيم بسمةُ أهل العلم والفلسفة، وقال: وهل جاءت المرأة إلى هنا يا مولاي ورأت قصرك وكنوزك وعرشك وحاشيتك وسطوتك؟

قال الملك: لا.

قال الحكيم: إنها لا تعرفك إذن أيها الملك، ولا تعرف كنوزك وقوتك وعظمتك.

قال الملك: وماذا ترى؟

قال الحكيم: أرى أن تدعوها إلى هنا لترى بعينيها؛ فيبهرها هذا المُلك العظيم يا مولاي ولا تملك إلا أن تخضع لك.

وسعد الملك بهذا الرأي، وأمر بإقامة حفل كبير ودعاها إلى قصره.

وجلس الملك على كرسيه المُذهَّب العالي، وطاف الحكيم بالمرأة يُطلِعها على كنوز الملك وقصوره وحاشيته وقوته، ثم ذهب بها إلى الملك.

وانتفخ الملك على عرشه الرفيع العالي الذي يرتفع عن الأرض ارتفاعًا يجعل رءوس الناس في مستوى قدمَيْه.

وقال لها: لماذا لم تطيعيني؟

ونظرت إليه في دهشة ولم ترد.

وصاح غاضبًا: ما الذي يدهشكِ؟ لماذا لا تردين؟

وقالت في هدوء: يدهشني أن أرى قدمَي الملك حافيتين!

وانتفض الملك فوق عرشه مذعورًا.

وفتح عبد الإمام عينَيْه فرأى وسادته القذرة تحت رأسه، وسمع شخيرًا إلى جواره، ورآها راقدة كالجثة الهامدة كما كان يراها كل ليلة منذ عشرين عامًا.

ولكزها في كتفها وقال في غضب: ناوِليني كوبًا من الماء يا امرأة.

وزمجرت المرأة وهي تحلم، ثم واصلت شخيرها.

فلكزها مرة أخرى وصاح غاضبًا: قومي يا امرأة واسقيني، كتم الله أنفاسك كما كتمتِ أنفاسي بعشائك الدسم!

وتقلَّبت المرأة في فراشها وزمجرت، ثم قامت تستند على عمود السرير الأسود وقالت لنفسها في ضجر: لماذا لا تسقي نفسك أيها البغل! وذهبت لتأتي له بالماء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠