ثمن الدم

لم يكن يشعر وهو جالس على بلاط الحجرة أن زوجته تركت ابنها الرضيع على الأرض بجوار فوطة الخبز الفارغة، وزحفت إلى جواره وهزَّته في كتفه هزات رقيقة حزينة وهي تقول بصوتها الضعيف الممزق: أبو محمود، أبو محمود، أنت نمت؟

وسمع صوتها كأنما هو آتٍ من بعيد، وأراد أن يفتح فمه ويقول لها: لا، أنا لم أنم، ولكني لا أرى ولا أحس.

ولكنه لم يستطع أن يفصل شفتيه الجافتين اليابستين عن بعضهما، أو لعله استطاع أن يفعل لكن صوته لم يخرج من بينهما، وضاع في ذلك السرداب الخاوي المظلم الذي يصل بين قلبه وشفتيه.

وعادت شفتاه إلى الالتصاق، لكن جفونه انفرجت عن عينين واسعتين بارزتين، يغرق سوادهما الصغير الباهت في صفار كروي كبير تتخلله شعيرات دموية حمراء.

ودارت عيناه حول نفسيهما فرأى وجه زوجته يستطيل تارةً حتى يشبه البلطة، ثم يستدير تارةً أخرى كالبلونة.

– أبو محمود، أبو محمود، قوم ربنا يفتح عليك، النهار قرب ينتهي والبنك حيقفل.

وتنبَّه أبو محمود حين سمع كلمة «والبنك حيقفل»، ورفع رأسه الثقيل وطافت عيناه الصفراوان في الحجرة الضيقة كأنما تبحثان عن شيء، ورأى وابور الجاز على الأرض وإلى جواره صندوق خشبي كبير هو كل ما يملك من أثاث.

ورأى ابنه الرضيع يرفس بقدميه الصغيرتين على البلاط، وإلى جواره فوطة الخبز مبسوطة لا يعلوها شيء.

وقال في صوت ضعيف خائر: فين محمود وسنية يا أم محمود؟

– راحوا للست توحيدة.

– مفيش فايدة فيها.

– يمكن تحن برغيف يمسك بطنهم لغاية ما ترجع من البنك يا أبو محمود. قوم ربنا يفتح عليك.

واتكأ أبو محمود بذراعيه ونهض على قدميه يستند على الحائط الرمادي المبلل الذي نشعت فيه مياه المطر، وسعل سُعالًا حادًّا وهو ينتفض، ثم بصق على البلاط بصقة كبيرة حمراء.

ووضعت زوجته على كتفيه شيئًا مهلهلًا يشبه المعطف، وقالت وهي تحاول أن تشجعه: ربنا معاك يا أبو محمود؛ يا ريت أروح بدالك النهاردة، لكن أنا دوري بعد أربعة أيام.

وفتح أبو محمود باب الحجرة، فلفحت وجهه ريح باردة، ولف المعطف على رأسه وعبر السطح ثم نزل مستندًا على الحائط عشرة أدوار كاملة، وتقطَّعت أنفاسه وتمزَّق سعاله حين وصل إلى الشارع الواسع، وأخذ ينقل قدميه بلا وعي، وخُيِّل إليه أنه لا يسير بإرادته، وإنما شيءٌ ما يدفعه من الخلف إلى الأمام.

وفجأةً شعر بقبضةِ يدٍ صلبة تُوجِّه إلى فكِّه لكمةً قوية، وسمع صوتًا خشنًا يقول له في غضب: أنت أعمى؟ ولم يشعر بأي ألم في جسده أثر اللكمة؟ ولم يفهم لماذا يخاطبه ذلك الصوت الغاضب.

وواصل سيره يدبُّ على الأرض بخطًى واهنة ممزقة، ومرَّ بقهوة الحاج بدوي وشمَّ رائحة الدخان والشاي، وودَّ لو جلس لحظةً والتقط بعض أنفاسه من الجوزة المعمرة، وارتشف كوبًا من الشاي الأسود الساخن؛ لكنه تذكَّرَ أن الحاج بدوي هدَّده بالضرب حتى الموت إذا اقترب من القهوة دون أن يحمل في جيبه الثلاثين قرشًا التي تراكمت دينًا عليه من شرب الدخان والشاي.

وأخفى رأسه في المعطف وحاول أن يسرع الخطو بعض الشيء وهو يمرُّ أمام القهوة، وأدركته رغبة شديدة في السعال فكتمها في صدره حتى لا يسمعه الحاج بدوي الذي يستطيع أن يتعرف على صوت سعاله من بين المئات.

وما إن ابتعد عن القهوة حتى هدأ قلبه وأطلق رغبته المكتومة في السعال، وشعر بنوع من الراحة والحرية وهو يسعل بملء فمه دون أن يخشى شيئًا، ثم بصق على الأرض بصقة كبيرة حمراء.

ولم يدْرِ أبو محمود كم أنفق من الوقت وهو يسير من شارع إلى شارع، وينتقل من رصيف إلى رصيف، وقد ترك زمام نفسه إلى قدميه اللتين تعرفان الطريق كل المعرفة.

ووصل أخيرًا إلى البنك، ورأى الطابور هو الطابور يقف أمام الباب، والوجوه هي الوجوه التي يلقاها كلَّ مرة، والرائحة هي الرائحة التي يشمها، والصوت هو الصوت الذي يسمعه في كل مرة: إزيك يا أبو محمود.

– الله يسلمك يا درويش.

– فاكر اسمك ولا ناسيه؟

– أنا أنسى عمري ولا أنساه!

– ما تعملش جدع، أجدع واحد فينا أحيانًا ينسى اسمه، هو العقل دفتر؟

– على رأيك، هو العقل دفتر!

– أنت لك كام اسم يا أبو محمود.

– ثلاثة بس والله.

– بسيطة، ها ها ها.

وضحك الرجلان وقد شعرا بنوع من السعادة لأنهما يستطيعان أن يتحايلا على شيء، ويستطيعان أن يخدعا أحدًا، وقد اتخذ كلٌّ منهما اسمًا في كل بنك من البنوك التي تشتري الدم من الناس، حتى يستطيع أن يبيع دمه في ثلاثة أو أربعة بنوك دون أن يكتشفه أحد.

ورنَّ ضحكهما كعواء كلاب مريضة ضالة، لكن سرعان ما التصقت ضحكاتهما بحلقيهما الجافين، وعاد العبوس يرسم خطوطه البشعة على وجهيهما الناحلين بعظامهما البارزة المدببة، ووقف كل منهما في مكانه من الطابور يلهث صامتًا.

وقطع صوت الأنفاس اللاهثة صوتٌ ينادي الأسماء، ويعقب تلاوةَ كلِّ اسم رجلٌ يخرج من الصف ويدخل من الباب، ثم يختفي ليعود بعد قليل وقد أمسك بذراعه وزاد وجهه شحوبًا وتساقطت بعض حبات من العرق على جبينه.

ورن اسم «سعيد علي عوضين» في الجو، وسَرت همهمة في الطابور، ثم أحسَّ أبو محمود بلكزة في كتفه وصوت صديقه يهمس في أذنه: إنت نمت يا أبو محمود، ولا نسيت اسمك؟

وانتفض أبو محمود كأنما يفيق من غيبوبة ولفَّ رأسه بالمعطف واتجه إلى الباب السحري، وسار في الدهليز الضيق القصير بضع خطوات يعرف طولها وعرضها كما يعرف طول ذراعه وعرضه، وانحرف إلى اليمين، ودخل حجرة صغيرة، ورقد على السرير المعدني الرفيع، وأحس باليد القوية، نفس اليد التي ترفع كمه القذر، ورأى نظرة الامتعاض والتأفف هي نفس النظرة، وأشاح بوجهه عن الإبرة الطويلة السميكة وهي تدخل في جلد ذراعه الجاف بصعوبة كما تدخل مسلة الإسكافي في نعل الحذاء.

ولم يشعر هذه المرة بالألم الذي كان يعانيه حين تُغرَز الإبرة في ذراعه، ولم يفتح عينيه ليرى لون دمه الأحمر القاني وهو يرتفع في الزجاجة حتى يصل إلى علامةٍ تُشير إلى رقم ٥٠ سنتيمترًا. وكان في كل مرة يتابع بعينيه صعود الدم من ذراعه إلى الزجاجة حتى لا تنساب منه قطرة تزيد عن الكمية المحددة، وتنتقل عيناه من ذراعه إلى الزجاجة في يقظة شديدة كما تنتقل عينا البقال من الميزان إلى علبة الزيت، وقد حرص على ألَّا تزيد قطرة، أو لعله حرص على أن تنقص قطرة.

لكن «أبو محمود» هذه المرة كان تائهًا، ولم يشعر بالقوة أو الرغبة التي تعينه على أن يفتح عينيه ويتابع بهما شيئًا، وكان كلُّ ما يريده هو أن يتركوه راقدًا على السرير؛ لكنه سرعان ما أحسَّ بلكزة في كتفه تدعوه إلى النهوض والخروج، وقام متثاقلًا ولفَّ المعطف على رأسه، واتجهت قدماه المدربتان إلى حجرة أخرى على اليسار، ووقف أمام نضد طويل، ومد يده مبسوطة ثم سحبها تقبض على ورقتين، إحداهما كبيرة ناعمة قيمتها جنيه، والثانية أصغر حجمًا وأقل نعومةً قيمتها نصف جنيه.

وضغط بأصابعه النحيلة الطويلة على الورقتين في سعادة، وقال لنفسه باسمًا: سأشتري خبزًا ولحمًا ودُخَّانًا وشايًا وكل شيء.

وسار بخطواته المهتزة إلى الباب، ورأى الطابور الهزيل الواقف يتضاعف فجأةً إلى أربعة طوابير، ورأى عيني صديقه درويش تتضاعفان فجأةً إلى ثماني عيون تشخص إليه في فزع ودهشة.

ولم يَدْرِ أبو محمود ما سرُّ ذلك التضاعف أو تلك الدهشة، لكنه رأى وجهًا كبيرًا يقترب من وجهه، استطاع أن يتعرف فيه على ملامح صديقه درويش، ورأى عيونًا بارزةً صفراء كثيرة تحملق فيه.

ولم يفهم أبو محمود شيئًا مما يدور حوله، ولم يسمع صوتًا، لكن شفتيه اليابستين انفرجتا عن ابتسامة ضيقة، وخرج صوته في مجهود كبير وهو يمدُّ يده قابضة على الورقتين: درويش، درويش، خذ الجنيه والنص وديهم لمراتي ولمحمود وسنية، وديهم يا درويش أوع تنس، أوع … درويش … الجنيه والنص … عشان يشتروا بها العيش واللحم … درويش.

وترنَّح جسمه الهزيل وتداعى إلى الأرض وأغمض عينيه ومات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠