مايو

هام وول

٥١ درجة شَمالًا

١ مايو. استرقَ السمع إلى جوقةِ فجرِ يوم عيد الربيع. كنت أُنتجُ بثًّا إذاعيًّا خارجيًّا يضيف أصوات طيور سومرست إلى مزيج من المقاطع الموسيقية التي تعلن استيقاظ العالَم، موجة من الأنغام تطوف الكرة الأرضية، لحظة سطوع شمس اليوم الجديد عليها، من شرق أوروبا إلى غربها ومن روسيا إلى أيرلندا.

جلسنا عند حافة أرضٍ مُقصَّبة وانتظرنا قدوم الفجر. لم ننَمْ — أو نحلم — بل أصغينا إلى ألف طائر يتململ ثم يفغر حنجرته ثم يغرِّد تغريدةً كاملة منذ الحادية عشرة ليلًا وحتى السادسة والنصف صباح اليوم التالي. كلُّ دقيقة كانت تختلف عن سابقتها: الهواء والضوء الذي يتخلل السُّحب الليلية، والظلام على الأرض، ثم انفراج السماء وهَلمَّ جرًّا.

يحل الفجر دائمًا في مكانٍ ما؛ في مكانٍ ما تسقط أول بقعة ضوء على الأرض. في الربيع، يوقظ ذلك الضوء الطيور لتغرِّد. الفجر هو ربيع اليوم — هو المعزوفة الأوضح والأكثر بهجةً لضوضاء الزمن. في مطلع شهر مايو تتحرَّك جوقة الفجر في نصف الكرة الشَّمالي بسرعة ١٣٠٠ كيلومتر في الساعة تقريبًا. إن كانت ثَمة «سرعة إلهية» فتلك هي. كل دقيقة، يُضيء واحدٌ وعشرون كيلومترًا من سطح الأرض وتَبُث فيه أغروداتُ الطيورِ الحياةَ.١

في آخِر تسعين دقيقة منها كانت الضوضاء جميلة جدًّا وثرية جدًّا حتى إننا أوقفنا جميع الأحاديث البشرية المصاحبة لها عن العلوم وأشعار أغرودات الطيور وأصغينا إليها. كانت مفاجأة مذهلة، والأفضل (بالنسبة إليَّ) هو أني لم أُضطر إلى التدخل بأي طريقة في صناعتها. لم نفعل سوى أننا فتحنا مؤشراتِ خفض الأصوات في جهاز المزج الصوتي المتنقل ورفعنا مستوى صوت العالَم.

ترتيب البَث: ضفدعة مستنقعية (مقطع صوت ماء كثيف)، هازجة صفصاف (مقطع صوت مِسلفة)، دجاجة ماء (مقطع كابوس تمرين)، غُرَّة (مقطع الحِرَفي)، صوت البط السماري (مقطع صوت التجشؤ الأول)، بط الزرقاي (مقطع صوت التجشؤ الثاني)، مرعة الماء (مقطع السجَّان يضرب قضبان القفص)، طائر الواق (مقطع إلهام)، صوت بلشون رمادي (مقطع نوم كئيب)، بومة سمراء (مقطع إن كنت مضطرًّا)، هازجة سيتي (مقطع عطسة كبيرة)، صوت هازجة سُعد (مقطع غناء المجارير)، شُحرور (مقطع عصيدة طوال اليوم)، صوت سُمْنة مغردة (مقطع إملاء جاد)، صعو (مقطع «انظر لي»)، قرقف كبير (مقطع «كلا، انظر لي»)، درسة الغاب (مقطع في جيبك مال موروث)، صوت قرقف أزرق (مقطع قارع طبول لعبة)، عصفور الشوك (مقطع تطريز بالشرائط غير مرغوب)، غراب جيَف (مقطع صوت ارتطام)، أبو قلنسوة (صوت تدليك شديد)، صوت شفشافة (إشعال شعلة)، هازجة صفصاف (صنبور ماء مفتوح)، دُخلة بيضاء الحَلق (مقطع إلحاح ليلي)، بلشون أبيض كبير (صوت ازدراد لعاب)، بلشون صغير (مقطع «أبعد يديك عني»)، وقواق (مقطع «كما هو مذكور»)، هازجة حدائق (كلمات متقاطعة مبهمة).

انتهينا، بعد أن نقلنا صباح العالَم واليوم الجديد، وسلَّمنا الراية إلى برنامج «اليوم» (هذا هو اسمه)، و«الأخبار» (اسمه كذلك) على إذاعة «بي بي سي ٤». صعِد الطاقم البشري شاحنةً أعادتنا إلى بريستول. لبضع دقائق، ثرثرنا في غمرة ابتهاجنا واحتفائنا بدفء المدفأة الكهربائية، لكن سرعان ما غطَّ الجميعُ في النوم من فرط التعب؛ الجميع ما عداني. كان مشهدًا لطيفًا — وكأنها نزهة بالحافلة لزمرة من الأطفال الكبار. كانت آخِر ساعة ونصف من البث هي أفضل عمل إذاعي أقدِّمه على الإطلاق: كان «البث الإذاعي» الأصدق، كان سردًا مثاليًّا — غير محرَّر ولا يتخلله شيء وغير مُعلَن عنه. أغنية حقيقية يتغنَّى بها الزمن — واضحة وأصلية وكاملة. كانت عنه هو نفسه — كانت تعبِّر عن حقيقته هو دون زيادة. ولأن مساهمتي في تأليفها كانت أقل من مساهمتي في أي برنامج آخر أنتجتُه يومًا، شعرتُ حين أنهيتُها أني حرٌّ طليق في العالَم الفسيح. أبقتني مستيقظًا أيضًا. كان ذلك تقريبًا هو آخِر برنامج أُنتجه قبل أن أغادر إذاعة «بي بي سي» بعد ثلاثين عامًا من عملي بها منتجًا.

•••

كنا حينئذٍ قد سمعنا بالفعل جزءًا من إلقاء شيموس هيني لقصيدته «عُشبي». بجانب وصفها لوطء الأزهار برقة، تُذكَر فيها كلمة تعلَّمتُها في مسيرتي الإذاعية، وكانت هي كلمتي المفضَّلة. كانت بالنسبة إليَّ هي المفهوم الإذاعي الأحب إلى قلبي. كنت أحبُّها لدرجةِ أني صنعت فيلمًا تليفزيونيًّا عنها قبل أن أتوقَّف عن العمل في ذلك المجال مباشرة.

أتذكُر كَم أردتَ.
أن يسجِّل مسجِّل الصوت دورة،
خلفية صوتية لصوت قدمَيك.
وهي تطأ الأرض المُبتَلة.
في أطراف الحقل؟

«الخلفية الصوتية» هي المصطلح الإذاعي للصوت الذي يُسمَع خلف الأصوات المنشودة، أو ما نُسميه نحن «أتموس»؛ هي الركيزة المسموعة، التي تحدِّد مكانك وتدُل عليه، وترسم له سياقًا صوتيًّا، لكنها بجانب ذلك تساعد في تنقيح وتوحيد — تنقية — الصوت أو الأصوات البشرية التي ستُسمَع في طليعتها. تُجرى كلُّ عمليات التنقيح على نحوٍ أقل وضوحًا وتكون لها خلفية صوتية؛ إذ تساعد في جعلِ ما يقال أيًّا كان يتدفَّق بسلاسة، فهي بمثابة غراءٍ صوتي ذي ترميز زمني.

الخلفية الصوتية هي صوتيات الأماكن على اختلافها؛ هي أغرودة طائر وصوت الرياح وموج البحر وسقوط المطر، لكنها أيضًا صوت الزحام المروري وهدير الطائرات التي تمرُّ فوق رءوسنا ووقع الخطوات وقعقعة القطارات وأجراس الكنائس وعجيج السوق، وساحات اللعب المدرسية وقت الغداء، وأصوات الأشجار في الغابات. إنها تحدُث في خلفية الحدث الرئيسي لكنها هي ذاتها تفصح عن الكثير.

إن العودة من مهمة تسجيل وقد حُزت وفرةً من أصوات الخلفية لأمرٌ يشعرك بالأمان. فبدونها قد تقع مشكلة. إذ إن تزييفها صعب جدًّا. قديمًا في بعثات التسجيل العملية على شاطئ البحر كانت توضع بضع شرائح من الخبز بجوار عُدَّة التسجيل لإحكام التقاط الصوت الدلالي للمكان عن طريق جعل النوارس تنعق. تعلَّمتُ منذ البداية أن أجمع دقيقتَين على الأقل من صوت كل مكان أقصده.

كانت الطيور هي متاعي طوال سنوات عملي مع إذاعة «بي بي سي»، لكن كل أعمالي الإنتاجية تقريبًا كانت عن البشر، ولم أعمل قط في قطاع التاريخ الطبيعي. لكن في حالتي، جاءت الطيور لتقتحم هواء برامجي. كلما أطلتُ العمل على المحتوى الأساسي — على ما يُدعى «القصة» — وجدتُ في نفسي ميلًا لأنْ أُولي أصواتَ الخلفية عنايةً، وأن أقدِّمها إلى الطليعة، وأن أنظر إلى الخلفية على أنها شيءٌ جوهري وأن أحوِّل ما كان عابرًا إلى حاضر.

حين أوشكتُ أن أنهي مسيرتي الإذاعية التي دامت ثلاثة عقود، ازدادت أهمية أصوات الخلفية أكثرَ لديَّ. أحد الأسباب هو أن حياتي تسير في اتجاهٍ واحد لا رجوع فيه؛ ولهذا صرت أنجذب إلى صور الحياة التي يمكن أن تدور في دائرة، التي تروح وتجيء؛ والسبب الثاني هو أني أحب حديث الطيور وكلامها العالَمي، حتى (وربما بسبب) مع أن سمعي يضعف ويتضاءل؛ والسبب الثالث هو أنه صار لديَّ شعورٌ متزايد، أظن أن منبعَه بُغضي للبشرية، بأني سمعتُ ما يكفي، وأحيانًا أكثر حتى مما يكفي، من ثرثرتنا نحن البشر. مرَّ في مخيِّلتي أن أتخلص من المناقشات التافهة التي جمعتُها، ثم أجلس في ظلام حالِك، يومًا بعد يوم، أستمع إلى شرائط تسجيلاتي، إلى أصوات الخلفية ومقاطع «أتموس» التي سجَّلتها لجميع تلك الأصوات العارضة، جميع تلك الأغاني الأرضية.

أول برنامج إذاعي من بنات أفكاري وصياغتي أُنتجه في إذاعة «بي بي سي» كان عن أغنية الربيع للعندليب وقيمة اعتبار ذلك الطائر فنانًا طبيعيًّا، إن وُجدَت. بعد ثلاثين عامًا، كان أحد آخِر البرامج التي شاركتُ فيها هو بَث فجر الربيع. حين عاد الضوء ذلك النهار، دوَّت أصواتُ الخلفية في كل مكان، كان للعالَم صوت. وكان صوتُه ثريًّا. كافيًا.

بريستول

٥١ درجة شَمالًا

٢ مايو. رحلة بالدراجة زيَّنت فيها حشراتُ الأرق رموشنا. كان ثَمة كتابة جدارية على جانب الطريق تقول: «لا شيء يدوم للأبد».

منزل توتلاي بارتون

٥١ درجة شَمالًا

٣ مايو. القمر غير ظاهر؛ عوضًا عنه دوَّت أغنيةٌ جماعية بصوتِ بوم أسمر من الأجمات والأسوار النباتية المتاخمة لنهر توريدج في مقاطعة ديفون. كانت تُحكِم صيحة: «ووه». كان يوجد ثلاثة ذكور منها. لنعيب البوم الأسمر كله وقعٌ يشبه اللون البُني، وهكذا أيضًا أرى الطيور نفسَها، وكأنها أجرام بُنية ناعمة تشق طريقها في الظلام ناعبةً: «ووه». كانت الطيور المغنية عند منزل تولاي تُفضل الغناءَ المنفرد، فتحافظ على نغمة نعيبها والفجوة الزمنية بين الأصوات، كما تفعل أبواق الضباب في الفنارات المتاخمة حتمًا. وقت الشفق، بدأت تصيح جميعًا بحُسن نية. يترك واحد منها بين صيحاته خمس عشرة ثانية ويترك آخر قرابة العشرين ثانية. لكنها أيضًا مُجبَرة على أن ترد نعيبَ أيِّ خَصم لها. ولذا كان كلٌّ منهما يستحث الآخر وسرعان ما انخرطا في مباراةٍ لا طائلَ منها. ثم انضم لهما ثالث. كان صوتُ صيحاته الوقورة أقلَّ صخبًا من صيحات المتبارين، لكنَّ كليهما تزاحمَ في أداءٍ جماعي. بدأت تلك الصيحات الثأرية تبدو مجهدة ومبحوحة. في النهاية، بعد ساعة، سكت أحدُ الطيور وهدأ الاثنان الآخران.

كنت أُصغي إلى البوم فيما أشاهد خفوت آخِر شعاع ضوء. كنت قد رأيتُ آنفًا قُضاعة تخوض في الماء بسرعةٍ عكس تيار النهر، ودنقلة سريعة ومنتفخة تحلِّق فوق المنعرج نفسِه، أشعرني ذلك بهشاشة جمَّة. في مرعًى رطبٍ بجوار النهر، كانت توجد أبقار بضخامة خزانات الملابس. عادةً تخيفني الأبقار إلى حدٍّ ما، لكن ليس الليلة. بدت الرُّقع الناصعة البياض الموجودة بعضها على بعض كالأبواب المنفتحة على آمالٍ يرسمها ضوءُ القمر. بطريقةٍ ما صادرت أزهار حُرف الماء ذات اللون الوردي المائل إلى الكريمي الموجودة في الحقل نفسه أجزاءً من ضوء النهار نفسه في التوقيت الصيفي. لا يُفترَض أن تبدو بقرة ووردة متشابهتَين، لكن الليلة سمحَت بذلك. وأنا أسير عائدًا من بين أفراد القطيع، خارت إحدى البقرات. أجابتها واحدة أخرى من الجانب المظلم من سياج شجري. وهذا جعل البوم يبدأ نعيبه ثانية.

بريستول

٥١ درجة شَمالًا

٤ مايو. تمرُق السمامات فوق شقَّتي مثل رشقاتِ خناجر؛ تلك هي المرة الأولى لهذا العام. إنها تتسلَّق السماء؛ لا شيء سواها يُثري الهواء، أو يُظهِر قابليته للغزو إلى هذا الحد.

ويكن فين

٥٢ درجة شَمالًا

في كل عام تسنَح لي الفرصة، أذهبُ إلى هناك لمشاهدة ديوك الغاب تحلِّق مستعرِضة. في الأعوام الثلاثين الأخيرة، في سبخات كامبريدجشاير، بمحاذاة صَف من أشجار الصفصاف عند حافة أرض مُقصَّبة، رأيتُ تلك الطيور تحلِّق وقتَ الغسق مرة أو مرتَين في معظم فصول الربيع. إنها من الطيور المُفضَّلة لديَّ، لكني لا أكاد أعرف عنها شيئًا.

«الأفخاخ» كلمةٌ تخصُّ ديوك الغاب (فهي تُصاد بها)؛ وإجمالي حصيلة مشاهداتي لديوك الغاب هو ثلاثون مشاهدة على مدار سنوات مراقبتي للطيور: واحدٌ طار من عند قدمي خارج الباب الأمامي لمنزلي، وواحد طار تحت باشق، وواحد قادم من البحر في الخريف، واثنان يُهرَعان فوق الطرق السريعة في الشتاء، وواحد مهاجر رأيتُه مرَّ فوق رأسي في شارعٍ داخل المدينة وقت الغسق، وواحد مهاجر كان خارجًا من بستان جزيرة، وما يزيد على عشرين منفصلة تصنع مداراتها الربيعية الوحيدة.

موحشةٌ هي مسيرة ديك الغاب في نظري. طيرانه الاستعراضي: مسار دائري حتمي يسلُكه في السماء بعد حياة عاشها على الأرض بكلِّ ما تحمله الكلمة من معانٍ. طيرانه الاستعراضي: هو شكل يَتَّبعه في الهواء. طيرانه الاستعراضي المتروي بالأعلى عند أفول ضوء النهار في سماء ظلماء داكنة: تلك الدورات الجوية التي غرضُها التعبيرُ عن الحب أو التحكمُ في الغضب داخل منطقتها — التي يُلزَم فيها الذكور في وقت الغسق أيام الربيع بذرع السماء مرفرِفةً أجنحتها ببطءٍ كي تفصح للأرض عن هويتها. الطيران الاستعراضي — هو تعبير حصري لذلك الطائر: تعبير تُرِك وحيدًا، رقصة لم يَعُد أحدٌ غيره يرقصها، رقصة باليه رديئة، راقصُها عجور قَذِر متبرِّم يؤدي عرضًا لأول مرة بعد ساعات الدوام، وعلى الأرجح لا يعرف مُزيل العَرق، مثل غُرَير أُجبِر على الطيران.

شهدنا طيرانها ذلك لِما يزيد على عشرين غسقًا. أو حلَمنا بها. تذْرَع السماء جَيئة وذهابًا في دائرة مرارًا وتكرارًا. إنها طيور عتيقة، وطيرانها الاستعراضي هو طقسٌ تؤديه غافلةً عن غرضه. كلُّ ربيع تسلك ديوك الغاب المسار نفسه في هواء الليل الذي سلكته العام المنصرم أو الذي سلكه آباؤها أو أجدادها من قبلها. شبَبتُ في ظل دوراتها الجوية تلك.

أكثر ما يُثير الدهشة بخصوص الطيران الاستعراضي هو مخالفته لطبيعة ديك الغاب. فتلك الطيور قرينةُ الأرض، تظل مختبئة فيها حتى تسوقها نزعةٌ موسمية مُلِحة متأصلة فيها — مخرجةً إياها من باطن الأرض — إلى السماء نحو الظلام المقبِل. راسمًا حدود منطقته، سالكًا طريق الآلام الخاص به، يكرِّر الذَّكر مساره منتظرًا الظلال لتبارك عودته إلى الأسفل. وفي أثناء ذلك يتحرَّك حركاتٍ جامدة بإيماءاتٍ وهمية، مقلِّدًا استعراضًا ما، ببطءٍ وتروٍّ، على مسافة خفيضة في سماء المساء المُبهَمة.

أثناء حركته يتكلَّم بلغةٍ تشبه «نظام الكتابة الخطية أ». يقول ألفريد نيوتن في «قاموس الطيور» المنشور عام ١٨٩٦: «يبدو صوتُه بالنسبة إلى الكاتب المعاصِر عصيًّا على الوصف، مع أن بعض مَن سمِعوه حاولوا تقسيمَه إلى مقاطعَ صوتية». «بسست». «بسست». ثم نعرة خنزير. الليلة فوق السُّبْخة شعرتُ أني أفهمه. كان مثل رجل أعمال يرقص بخطواتٍ مرتبِكة غير بارعة، لم يبلغ منه السُّكْر مَبلغه فيُفقِده تحفظاته في الملهى، عدا الريح التي كانت تخرج منه عرَضًا أثناء حركته. بدا مثل أبي عام ١٩٧٥. لكني سالفًا كنت أرى ديك الغاب جالبًا للغسق أو كاتبًا متثاقلًا يحمل سجلًّا ثقيلًا ويشق طريقه في صَحن من حَساء البازلاء. بوسعك أن تنظر إليه وتطلق العِنان لخيالاتك، لكن كل شيء يستدعيه ذلك الطائر وتحليقه الدائري يسحبك إلى الخلف ويُثقِلك، وهو دومًا هَرِم أو فانٍ أو مُحتضَر، وأغبر ومُوحِل. الأحلام وغيرها من مخلوقات الليل تتبادل ورقة تاروت واحدة فيما بينها: الخفافيش والبوم والسِّبْدان التي تُعرَف أيضًا باسم الضُّوَع، والسمامات التي تقلع عن سطح الأرض وتنام أثناء تحليقها. لكن من بينها جميعًا، يُعَد ديك الغاب أقذرَها وأقدمها.

تقتات ديوك الغاب بالتحسُّس؛ إذ تتلمَّس حركة الدود في التربة. فتُثني مناقيرها تحت الأرض. هكذا يحيا ديك الغاب كعاملٍ ليليٍّ، كآكل تراب أو «طائر دنيء»: له منقار طويل، وقدمان تشبهان أقدام السحالي، وريش بُنِّي مُخطَّط، ويُعزِّز كلَّ سمات القِدَم فيها صيحاتُها الحادَّة القصيرة، وخرخراتها ونُعَراتها وإخراجها ريحًا من غاز الميثان. إنها كائنات هَرِمة قديمة وكريهة. وعلى ما يبدو لا توحي «سوى» بالقِدَم. يختبئ ديك الغاب لفصلَين آخرَين منذ تلك اللحظة خلف سِتار مزدوج من الظلام: دِثار الليل ولِحاف التربة. لم أرَ قطُّ واحدًا على الأرض، مع أنه الطائر الأوثق رباطًا بالأرض. إنه يفضل أن يؤدي كل المهام الضرورية، بجميع جوانبها، وهو على مقربة من الأرض والليل. ولا يظهر طواعيةً في السماء إلا لبضع دقائق من العام. حتى حين يظهر، يكون تريُّضه مقيدًا بجموده. وفيما عدا ذلك، فإنه طائر ليلي يعيش في التربة ويحمل في داخله شيئًا من التراب الموجود فينا جميعًا. إنه عتيق بقدرِ الغائط. أو بقدرِ فضلات الدود، لكونها نشأت من تربة دُفنَت مرتَين سبق لها بالفعل أن لفظها جسمٌ تحرَّكت خلاله، من تربةٍ هي نفسها مدفونة في باطن الأرض.

في موطنه وسط التراب، يحتفظ ديك الغاب منذ وقت طويل بدرع خشبي نصف مُتوارٍ بين أوراق الشجر المتعفِّنة، هو جائزته باعتباره الطائر الأقل لجوءًا إلى الحداثة. تتبارى معه أيضًا في تلك المسابقة مرعة الغيط والحمامة البرية وقرقف الصفصاف. لكن لأن ديك الغاب يؤدي دوراته الجوية منذ زمن طويل ولأن مظهره يبدو ملائمًا للدور الذي يؤديه، كصبي كبير الرأس يُتوج ملكة الربيع كل عام، أو كناظم شعر ذي راية شبه منكَّسة دائم الفوز في مسابقات الشعر الولزية «آيستدفود»، تخلَّى مَن سواه عن تخيُّل إمكانية فوزهم أبدًا، وتَقرَّر من باب الإحسان أن من الأفضل أن يحتفظ ديك الغاب بجائزته تلك إلى الأبد.

كتبت إليزابيث بليتسو قصيدةً عن ديك الغاب في ديوانها الشعري: «طيور كِتاب قُدَّاس شيربورن» جاء فيها: «شبه حاضر، شبه غائب: لستُ ها هنا، إنني شيءٌ آخر». «… هل يُستعجَب أننا ما زلنا نجد صعوبة في تهيئة الطائر ليلائم زمننا الحالي؟ أي ورشة تلك التي يمكنها أن تقدِّم ديك الغاب في ثوبٍ حديث؟ وكيف سيبدو؟ مثل ثوب كيلمسكوتي؟ مثل إناء فخاري من ماركة «ليتش» مصقول بطبقةٍ لامعة تيلورية؟ مثل فطيرة تقليدية؟ أثَمَّة مَن يقرأ شِفرته العمودية من درجات اللون البُني ويُرقِّم طائرًا قدماه ومنقاره ما زالا مغروسَين في الوحل؟ هل بوسعك أن تصمِّم واحدًا على طراز ستيم بانك من الدود ونفايات الأخشاب، أجزاؤه الصلبة مصنوعة من عصًا مَبرية، والأجزاء الأخرى من الوحل وأوراق الشجر العَفِنة عدا العينين من الكشمش الأسود؟

يقول ألفريد نيوتن مُردِفًا: «ريشُه … يستحيل وصفه بإيجاز. استرشِد بالتربة. أطفِئ الضوء. دحرِج الحُزمة التي جمعتها تحت أصابعك العمياء في التراب. اجمع أحداث التاريخ الأسود. تحسَّس كيف صنعتَ طائرًا على غرارِ رجلِ الجليد له ألوان الليل. وأدرِك وأنت ترى الحياة تدِّب فيه، كم هو قديم بالفعل، وكيف أن ديك الغاب قد جمع كلمات خاصة به في سالف العصر وظل «أسيرها»، ظل حبيسها، وكأنه ديناصور لُطخ بقطران اللغة اللاتينية وريشها. اعلم كيف أن الطيور لا تحمِل أمتعة لكنها تأتي مثقلة بماضيها.

طلبتُ من الصندوق البريطاني لعلم الطيور، الذي وعد بإجراء مسحٍ عن ذلك الطائر يستمر لمدة عام، أن يصلني بالعاملين المختصين بديك الغاب. هل يمكنني الاتصال بهم؟ في تلك الأثناء، كنت مضطرًّا أن أرجع إلى الكتب القديمة. حملقتُ إلى «منحوتة على الخشب: الرجل الوحشي» ذي المنقار لتوماس بيويك. كتبتُ منه نسخة مُحققَّة تركِّز على الطيور على الكمبيوتر. الطائر المُتبلد الذهن ذو الأنف المثني الذي يقتات بالمصِّ ويقضي الشتاء على القمر. الطيور الأربعمائة التي قُدِّمت للضيوف في مأدبةٍ أقامها مطران في خريف عام ١٤٦٥؛ الطيور الأربعمائة وسبعون التي غرقت والتقطها قارب صيد واحد قُرْب لويستوفت في خريف ١٩٢٨؛ الطائر الذي أسقطه عرَضًا صاروخُ ألعاب نارية رخيص فوق منطقة وسط لندن في احتفالات ليلة جاي فوكس. وحكاياتٌ أخرى عن ديوك غاب تحمل أو تسوق طيورَ صعو صفراء العُرف أنهكها التعب عبر بحر الشَّمال. عن ووردزورث الذي كان يسرق في صباه ديوك الغاب من «أفخاخ» الصيادين الآخرين. وذَكر تولستوي بضع عبارات بلسان كلب ليفن المدعو لاسكا في رواية «أنا كارينينا»، حين يخرج الكلب مع ليفن وأوبلونسكي لصيد طيور الشنقب، حين يطرح ليفن سؤالًا فتأتيه أخبار كيتي، التي حَسِب أنه فقدها، في اللحظة التي يطير فيها ديك غاب نحوهم: «يا له من توقيت ذلك الذي اختاراه للحديث … ها قد جاء مُحلِّقًا … كما يجِب، ها هو ذا. سيُفوِّتانه …» وملاحظات جيلبرت وايت عن إرسال أحدهم له ديكَ غاب أبيض كاللبن، سمينًا وبحال جيدة، وقلقه من الدود — «انتابني الفضول عدة مرَّات تجاه شق بطون ديوك الغاب … لكن لم يحدث قطُّ ما يساعد على تفسيرِ ما عساها تقتات عليه: لم أجد قطُّ إلا مخاطًا رقيقًا، يستقر فيه العديد من الحصوات الصغيرة الشفافة.» ثم رأيتُ واحدًا يحلِّق فوق طريق إم فورتي تو، «صوب» بريمنجهام على نحوٍ جعل من الحتمي أن أميز اتجاه حركته بعلامتَي اقتباس هكذا. ثم حاولتُ تذكُّر ما قاله تي إس إليوت (أكان هو؟) عن كلمة «إلدريتش» أنها في ذاتها تجسيدٌ لمعناها — مخيفة وغريبة الأطوار وقديمة — وخطرَ لي الشيء نفسه بشأن كلمة «وود كوكس» أو ديوك الغاب. مضيتُ في طريقي وأكلتُ واحدًا منها على شريحة خبز في شارع ليكسينجتون في منطقة سوهو. بالأحرى نصف واحد: مشطور إلى نصفين، أخذ صديقي روبن النصف الأيمن وأخذت أنا الأيسر. كان عصا منقاره وساقاه يشبهان سقالة ترفع لحمه إلى فمَينا. كانت شريحة الخبز بُنية، لكن لون الطائر البُني كان أغمق منها. وكذلك كان طعمه. كان فيه سرخس، وشيء من التربة حول ساق حبَّة من فطر عيش الغراب.

انتابتني رغبةٌ عارمة في معرفة تسلسل درجات اللون البُني الباهتة المتداخلة المُقلَّمة في رأس ديك الغاب حيًّا — بُني فاتح ثم داكن ثم فاتح ثم داكن — وبحثتُ عن تشكيلة متنوعة من الكلمات التي تصف ذلك الطائر الخزفي التي من شأنها أن تشير إلى درجةِ لون منه على أنها نظير مُباين لدرجةٍ أخرى، لكن كل مرة أشرع في النظر إلى الصور (التي ليس لديَّ سواها أستند إليه)، يربكني رأسُ الطائر المُقبَّب (الشبيه برأس مُعلِّم، أو رأس فيليب لاركن، أو رأس موبي ديك) وعيناه الشبيهتان بالخرزتَين (هاتان الكشمشتان السوداوان اللتان تشبهان قليلًا عينَي القاقم) على نحوٍ يجعل من الصعب أن أدرك أيَّ شيء جديد وراء ما هو موجود أمام ناظري تمامًا ولكنه مُربِك. هكذا أدركتُ كيف يتلاعب لونه المُموه بالذهن وكذلك بشبكية العين.

•••

في مقاطعة كامبريدجشاير حيث منزلي الذي أنزل فيه أحيانًا، تكاد أعداد ديوك الغاب تقل عن أي مكان آخر في بريطانيا. في السُّبخات، تأتي بضعة أسراب من أقصى الشرق شتاءً في الليالي التي «يسطع فيها ضوء القمر» كما وصفها جيلبرت وايت كي تجثم في المصارف والمجارير. ولو فاضت الحقول أو تجمَّدت وحالفك الحظ، فربما ترى ديك غاب يدوِّر قفعته الخشبية الدوَّارة ليخرجَ إلى الهواء الطلْق. لم يحدث ذلك معي قط. يريد الطائر حقًّا أن يقطن الغابات، والمقاطعة لا تكاد تحوي أكثر من بضعة طيور تُعَد على أصابع اليد الواحدة. منذ ثلاثة شتاءات أو أربعة، رأى جاري زوجًا منها يتدليان من حزام صياد خارج قريتنا مباشرةً. منذ ثلاثين عامًا في صباح يوم ضبابي من أيام نوفمبر، أسرتُ واحدًا من صندوق زرع خشبي في وسط كامبريدج لمَّا فتحت الباب الأمامي لمنزلي آنذاك. أتذكَّر صدمتي أكثر مما أتذكَّر الطائر، أتذكَّر الضجة لا الريش، والهواء المُخلخل.

في محمية ويكن فين، في مكانٍ ما بالقرب من مستنقعات الخُث الجنوبية، تنمو أشجار من المستنقع الآخِذ في الجفاف، ومنذ خمسينيات القرن العشرين تجدها ديوك الغاب كثيفة بما يكفي كي تختبئ تحتها. تلك السُّبخة هي واحدة من ثلاثة مواقع في المقاطعة تتكاثر فيها الطيور في الوقت الحالي. على مدار الربيع، كانت تخرج في دوراتها الاستعراضية فوق الأشجار وخارجًا فوق القصب والسُّعد، مسارات إحصائها، تتقاطع مقاطعها وتاريخها مع رحلات الطيران التي تشبه الألعاب النارية وقرع الطبول القبائلي للشناقب، التي هي أبناء عمومتها الأكثر تعرُّضًا للماء والتي تُدفَع مثلها على حين غِرة إلى الهواء العلوي في موسم معيَّن لكنها تُظهِر حيوية ومعنويات مرتفعة أكثر وهي هناك.

وأنت تسير في أرض المحمية المستوية، تسافر أفكارك إلى أبعد من وِجهتك، تمامًا كما تعود دورات طيران ديك الغاب الاستعراضية في الهواء إلى نقطة بدايتها رابطة نهايتها ببدايتها. فُك الحبْلَ، واشعر بالطيور من جنس «سكولوباكس» تداعبك. كانت السُّبخات غابةً ذات يوم؛ تفصح عن ذلك أشجار البلوط المستنقعية التي ما تزال تطفو أحيانًا كظهور الحيتان وسط الخُث المهترئ. اعتَبِر ديكَ الغاب شجرةَ بلوط مستنقعية أو غصنًا ذهبيًّا: شجرة رطبة ظلَّت محفوظة تحت الأرض حتى انبثقت منها، قديمة دون أن تُمَس، ما تزال مُورِقة مع أن قوامها عَفِن؛ أو غصنًا مورقًا إلى الأبد ربما يكون تذكرة المرور إلى الأراضي المظلمة.

تتمثَّل هِبة الطبيعة في طاقتها الرائعة التي تصل إلينا ونعايشها في حاضرٍ دائم. «آنيتُها» و«واقعيتُها»، وتفاصيلها، تقمع أيَّ شعور قد ينتابنا بأنَّ العالَم يشيخ. الأمر سيَّان بالنسبة إلى الفصول جميعًا وإلى أعمارها. نموت نحن، لكن الأرض تتجدَّد. لكننا نختبر التجدُّد كموجةٍ تظل تتكسَّر إلى الأبد. هذا يعقب ذاك، حاضرٌ يعقب حاضرًا. رحلاتُ الطيور دليلٌ دامغ على ذلك: إنها كالزمن معلَّق في الهواء وبادٍ للعِيان. لكن في حالة دورات ديك الغاب الاستعراضية، نكون أمام رحلة تحليق تحمل من الحياة المتوارية في الأرض التي هو منها أكثر مما تحمل من الحياة النابضة التي يحلِّق فيها الآن. يدل ذلك على أن أمورًا كثيرة حدثت قبل لحظة التقائنا. وديك الغاب البُني، المتعفِّن أو الذهبي الصدئ للأبد، مثل تفاحة عتيقة من جنَّة عَدَن عتيقة، هو طائر يأتي محلِّقًا من الماضي.

في ثلاثينيات القرن العشرين، أجرى الصندوق البريطاني لعلم الطيور أولَ مسح لديوك الغاب. اعترى عِلمَ الطيور في بريطانيا ثورةٌ تجديدية عارمة. كان يترأس مسح ديوك الغاب دبليو بي ألكسندر. وقد اشتريتُ من بائع كتب مستعملة في كامبريدج نسخةً مُعاد طباعتها ومُجلَّدة من الصفحات التي تسرُد النتائج التي توصَّل إليها السيد دبليو بي المنشورة في موسوعة «إيبيس»، اشتريتُها مقابل خمسة جنيهات إسترلينية. وُضِعت أسئلة استبيان ووُزِّع لجمع بيانات عن تكاثر تلك الطيور وهجرتها وأوضاع تشتيتها، وعن «أهم أعداء» ديوك الغاب وسلوكيات طيرانها الاستعراضية الجديرة بالملاحظة. استعلم الاستبيانُ أيضًا عن أشهر الخرافات عن ديك الغاب — «هل رأيتَ قط الوالدَين يحملان صغارهما؟»

بعض الطيور تكون ذائعة الصيت إلى حدٍّ ليس في صالحها، ومستسلمة للغاية للمهتمين بالطيور. بإمكاننا أن ندرج في تلك القائمة في يومنا هذا طيور النكَّات ومُزرة المستنقعات وحتى الواق. قد تبدو تلك الطيور المميَّزة في بريطانيا، الطيور التي قد تخرج للبحث عنها قصدًا، مملوكة أو مُسيَّرة وتكاد تكون مقيدة بمعاقلها وحصونها. ديك الغاب ليس كذلك. إنه أكثر حيودًا عن ذلك القياس لأن شهرته سابقًا كانت تفوق شهرته الآن. ديوك الغاب هي طيور لجأت إلى العزلة. وهي، بجانب الطيهوج الأحمر، آخِر نوع من الطيور البرية في بريطانيا التي يألفها مَن يريدون قتلها أكثرَ ممَّن كانوا سيحبونها إن أتيحت لهم الفرصة. جميع المشاهدات المدوَّنة لديك الغاب الأمريكي في أوروبا مصدرها جعابُ الصيادين. لم يرَه أحدٌ ممَّن قد يُظهِرون الحب لهذا الطائر وهو على قيد الحياة (هذا الطائر الذي هو أحد أقرباء النوع الأوروبي) حيًّا يُرزَق على جانبنا من المحيط الأطلنطي.

إنه الربيع. تخيَّل ديكَ غاب ينيره ضوءُ الشمس وهو على أرض غابة. يتوارى في مكانٍ ما بين الضوء المفعم بالحياة والأوراق الميتة في غفوةٍ ناعسة. قبوعه في الأرض أمرٌ غامض لدرجةِ أن عُشه لا يكاد يُعثَر عليه أبدًا. لم يدرِ ديفيد لاك — صاحب أول مؤلَّف عن طيور مقاطعة كامبريدجشاير المنشور عام ١٩٣٤ — إلا بمشاهدة مُسجَّلة حديثة واحدة. يصف نتائجها في تشيبنهام فين بنبرةٍ فيها تأدُّب اجتماعي لرجلٍ يكتب بطاقة شركاء الرقص لامرأة في حفل راقص: «دلَّ السيدُ ميرسير الحارس الضليع المعرفة بالطائر السيدَ آلان الوكيل العقاري على العش.» يرشد مكتشِف العش، مثل كلب صيد، سيدَه إلى الطائر؛ الأمر الذي يؤكد بدوره صحةَ رواية الرجل الريفي.

كان حراس الأراضي البريطانية هم أصحابَ روايات ديوك الغاب التي تحمل صغارَها، التي وردت على لسان أصحاب الأطيان والإقطاعيين. يُفترض أن الطيور البالغة المذعورة تساعد فراخَها التي لا تستطيع الطيران على الوصول إلى بر الأمان بحملها إياها. وإلى جانب ذرعه السماء مستعرضًا في رقصته الجنسية العرجاء، يحمل ديك الغاب صغاره عاليًا هربًا من فِخاخ العالَم الأرضي الذي يحبه في الأحوال الأخرى. هكذا يُظهِر لنا الطائر نفسَه في اللحظة التي يفِر فيها منَّا. هكذا يلتقي الماضي والحاضر. شهد بعض الناس رحلات الطيران تلك من الأرض، لكنَّ مؤلفي الكتب ليسوا واثقين من حدوثها تمامَ الثقة. تساءل جيلبرت وايت الذي جمع بين الأمرين إن كان تحليق ديك الغاب مُدعيًا الإصابة بغرض الإلهاء؛ حيث ينكس ذنَبه بين ساقَيه، قد يجعله يبدو وكأنما يحمل كيسًا به فرْخه. لكن دبليو بي ألكسندر يورِد في تقاريره: «الحراس في مقاطعات هامبشير وورسيسترشير وجلامورجان وتشيشير ولانجشير أرسلوا تفاصيل …» أفلتت بعضُ ديوك الغاب صغارَها وهي وسط الهواء، وشُوهِدَت تلك الفراخ تسقط أو وُجدَت وحيدةً على الأرض، وشُوهِدت فراخٌ أخرى يحملها والداها لمسافاتٍ أبعد: شُوهِد سبعة وتسعون فرخًا محمولًا بين الساقَين أو بين الساقَين والصدر؛ وثمانية وثلاثون فرخًا تحملها ديوك الغاب البالغة بقدمَيها أو مخالبها؛ وتسعة عشر تسندها الطيور البالغة جزئيًّا بذيولها وثلاثة عشر تسندها بمناقيرها؛ وسبعة تركب على ظهور أبويها.

•••

في خريفٍ قريب، قابلتُ في بريستول فنانةً تُدعى لوسي جوريل بارنز. تعمل مع اللاجئات والمهاجرات في بعض الأراضي المستأجرة في المدينة؛ حيث يتقابلن ويزرعن الخضراوات ويتحادثن. وفي صباح يومٍ شتوي، حين وصلت لوسي لتقابل النساء في منطقة سبيدويل، وجدَت ديك غاب نافقًا حديثًا في مصرف الماء بالطريق. إنها طيور بديعة حين تُرى عن قرب، ولها نقوش ذات تفاصيل دقيقة باهرة؛ ومن ثَم التقطت لوسي الطائر الضحية وأرت مجموعتَها إياه. حزِنَّ لرؤية الطائر الميت، لكنهن انبهرن بريشه. لكن مِزاج النسوة تبدَّل حين أخبرتهن لوسي كيف أنه يُعتقد أن الطيور البالغة تحمل صغارها وقت الخطر إلى برِّ الأمان. فالعديد من النسوة — اللاتي جِئن من السودان والصومال واليمن — فعلن ذلك مع رُضَّعهن وأطفالهن أثناء رحلاتهن الخطِرة اللاتي قطعنها إلى بريطانيا.

ماراموريش

٤٨ درجة شَمالًا

في أحدِ شهور مايو الممطرة شَمال رومانيا، ذرعتُ أنا وكلير الفَصلَ جَيئةً وذهابًا. وصلت طيور الربيع الجديد في غيمة. العديد من الطيور المهاجرة لم تبتلَّ منذ آخِر مرة كانت فيها هنا في العام الماضي. كان ثَمة ذكَر حميراء في شجرة تفاح في قرية سابونتزا. راقبتُ قطرات المطر تنساب من ذنَبه المهتز، غاسلةً ألوانه وجاعلةً ريشَه المنطفئ اللَّمعة يترقرق للحظة. في القرية نفسِها وتحت الزَّخةِ نفسِها، غرَّدت حميراء سوداء من مدخنة مبلطَّة بالآجرِّ الأسود. كانت قطرات المطر تنساب من ذنَبها المهتز أيضًا.

وجدنا في ظلمة شجرة زان مبتلة خاطِفَ ذبابٍ أحمر الصدر. كان المطر وكأنما يتساقط في مكانٍ داخلي. سوَّد جذوع أشجار الزان وتصبَّب من غِطائها من الأوراق العَفِنة من العام الماضي. كان كلُّ مكان مظللًا وكلُّ شيء مشبَّعًا بالماء. رأيتُ قطرة مطر تضرب ناموسة. إنه مشهد كان سيستمتع به أندريه تراكوفسكي، ذلك المصوِّر السينمائي الشجاع المهووس بتصوير مشاهد تساقُط الأمطار في الأماكن الداخلية. كان يصعب تحديد موضع خاطف الذباب. فصوتُه الدقيق كان يهيم في أروقة الأشجار المرتفعة. وجدناه على غصن شجرة زان منخفضٍ بعد عشرين دقيقة من البحث. كان لونُه بُنيًّا رمليًّا في العتَمة — لم أرَ سوى القليل جدًّا من اللون الأحمر — وكانت أغرودته الرنَّانة المزعجة تدوي حادة في قلب الغابة الذي يتقاطر فيه المطر، لكنه كان يغني مقطوعة موسيقية تلو الأخرى بإصرار هادئ. راقبناه وأصغينا إليه. لم أرَ ذلك الطائر من قبل إلا عابرًا، ولم أسمعه يغرِّد قط. بعد جولة واحدة من موسيقاه الرقيقة، قفز صاعدًا في الهواء وتشقلب ثم حطَّ مرة أخرى — مؤديًا شقلبة خلفية مثالية. حينئذٍ طار مرةً أخرى بسرعة ولم نرَه مجددًا. علَّمنا المكانَ الذي جمعَنا بالطائر، مثل الطفلَين هانسل وجريتل أثناء رحلة سيرهما، بأن ثنينا الأغصانَ ووسمنا الأوراقَ الذابلة، حتى نستطيع العودة لرؤيته مجددًا. لكن بين الليلة وضحاها اشتد المطر، ودنَت السُّحب من التلال وخيَّمت على أشجار الزان، فاضطُررنا إلى أن نتخلى عن بحثنا.

في الوديان كان بوسعنا أن نبصر مسافةً أبعد، لكن المطر كان لا يزال يهطِل. كان التِّبن المحصود يرقُد في لفافاتٍ خَضِلة في الحقول مثل سجاد يعتريه العفن. كانت رؤيته تبعث على الحزن. كان ثَمة طلع شجرة كرَز يتساقط لأسفل وأوراق أشجار خضراء يانعة ممزقة ساقطة. شعرتُ للحظة أن الفَصل انتهى قبل أن يبدأ حق بداية، ولوهلةٍ اغتممت. أعرفُ تلك الأجواء المثيرة للشجن. إنها تجتاحني عادةً قُرب موعد عيد ميلادي الموافق ٢٠ مايو. في طفولتي كنت أتضايق منها — متى يحين الربيع على وجه الدِّقة؛ وأيُّ يوم هو أفضل أيامه؛ وهل ثَمة يوم يكون فيه كلُّ شيء حيًّا؟ كيف يسعنا أن نستمتع بالزروع الخضراء الجديدة وثَمة ما يأكلها أو ينزِعها من الأشجار بالفعل؛ لو أن نُدْفة ثلج ماتت فما عساه أن يبعث على البهجة في طائر وقواق؟ بيضة الطائر لا بد أن تُفقَس حتى يخرج ما فيها إلى الحياة، لكن قشر البيض دومًا ما يبدو مهجورًا وباعثًا على الحزن. كنت أجد أغلفة الأوراق المطروحة مفجعة أيضًا؛ تلك القشور البُنية الميتة على الأرض. ما زلت أجدها كذلك.

في رومانيا، في موقف سيارات خارج محل قروي يبيع دهن الخنزير في الأغلب، وقفت شاحناتٌ تحمل مناحل إلى مروج جبال الكاربات تنتظر في المطر. اشتريتُ برطمانًا من عسل أشجار الصنوبر وبرطمانًا من عسل المروج، شمس السنة الماضية محبوسة فيها. كان صانعو عسل السنة الحالية محبوسين في أبراجهم الخشبية في صناديق الشاحنات. بينما كنت أتمم عملية الشراء، ركضَ كلبٌ من أمامي، كلب عادي متوسط الحجم واللون. كان يحمل في فمه كلبًا أبيض صغيرًا، كان ميتًا. كان ينطلق بسرعة كبيرة. ومن وراء آكلِ اللحم المسعف أو الحانوتي ذاك، كانت تركض نسختان صغيرتان لاهثتان منه. تبعناها جميعًا لكننا لم نستطِع مجاراةَ ركضها.

كان أفرادٌ من طاقم صيانة الطرق يرتدون أكياسًا بلاستيكية على رءوسهم. بعضُهم صنعَ من أكياس المشتريات سترات، وكان أحد الرجال يعتمر كيسَ قمامة وكأنه قبعة. كان ثَمة رجال في الحقول المبتلة يرتدون سترات بذلات رسمية ينبعث منهم البخار كما ينبعث من الخيول التي يقفون بجانبها. وكان رجل آخر يسير في حُلَّته الرياضية المشبَّعة بالماء حاملًا منشارًا بجانبه مثلما قد يمسك شخصٌ سواه بيَد طفل.

بصرف النظرِ عن الطقس، كانت جشنات الشجر تغرِّد بمحاذاة أطراف الحقل، وكان صوت العنادل والسمنات الهزارية (كلاهما موجود هنا) عاليًا أثناء مرورنا بجانبها في المطر، وكانت تصنع همهمة لها أزيز كمحطة محولات كهربائية. رأينا وقواقًا كبديَّ اللَّون، وهو نسخة من طائر الوقواق حمراء قانية كلون الكبد. حلَّق لقلق أسود فوق وادٍ، يجدِّف جسده وكأنه طوفٌ في الهواء الممطر. وبجوار نهر هائج، تقلَّب فيه الطمي، في المطر الذي كان ينهمر في تلك اللحظة، سمعنا هازجة زيتونية شرقية تغرد؛ تلك جرعة مضاعفة من البلل بالنسبة إلى طائر لم تمضِ سوى أيام قليلة على خروجه من الصحراء الكبرى الجافة.

حاولنا أن نتحرَّك بالسيارة مبتعدين عن المطر، لكنه كان في كل مكان. في مرجٍ مرتفع دوَّى رنينٌ مشوب بالماء لأجراس ماشية، حيوانات ثاغية ذات أصواف تقطر ماءً. كان رعاتُها يعملون، يصنعون الجبن في مَجبَنة بدائية، وهي عبارة عن مِفْرَش بلاستيكي مشدود على إطار من الأوتاد المقطوعة حديثًا. من السقف المؤقت، علَّقوا أكياسًا من الرائب. بدت في الهواء الملطخ مثل عدة أقمار سابحة.

٢٢ مايو. كانت السماء مشرقة ساطعة — بلون أزرق يشبه لون طائر الزُّرَيق — في السادسة صباحًا، لكن المطر عاد من جديد. لمَّا وصلنا إلى خَور بيكاز، كان كلُّ شيء باردًا وزلِقًا. ابتلت الأجرافُ الجيرية بفعل السحابة التي تجزُّها تلك الأجراف. وكان عجيجُ النهر الذي يجري وقد امتلأ على آخِره عاليًا. لم نستطِع رؤية قمة الخَور؛ إذ كان يظلل الخانق سُحبٌ رمادية كشجرة قابوق. جاء غراب أسحم يحلِّق منخفضًا وأطلق صيحته «أوو-أووك»؛ وأطلقَ آخر، خارج مرمى بصرنا، صفيرًا غريبًا خلال السحابة، وكأنما يعرف كلٌّ منهما بوجود الآخر، وكأنما يوجِّه أحدهما (لكن أيهما؟) الآخر. صنع أربعة أزواج من الذعرات الرمادية عُشَّين أخضرَين مكسوَّين بالطحلب فوق النهر مباشرةً. بدا العُشَّان وكأن بالإمكان عصرهما مثل قطعة الإسفنج. سِرنا في الطريق الضيق المتعرج في قاع الخانق حيث يميل كلٌّ من جدار جانبَيه نحو الآخر حتى يكادا يتلامسان. أوجعتني رقبتي من كثرة التحديق إلى أعلى. وبعد مرور ساعة من جولتنا، لمحت كلير هدفَنا، مثل فأرٍ مرتعش غاية في الروعة؛ وهو طائر داب جدران، يحلِّق على ارتفاع منخفض عند واجهة الجرف، يسير خارجًا من بين السُّحب ومتجهًا نحو جماعتنا التي تغرَق بالأسفل.

كان طائرًا قادمًا من علٍ، فجعل العالَم المُبتَل يهتزُّ ويجيش من فرط اتساعه. مَن عساه كان سيحلم بذلك الطائر؟ ليس له ساقان ظاهرتان، لكن له قدمان صغيرتان قويتان. بقدمَيه هاتين كان يتسلق الصخر القاسي الشديد التحدُّر صعودًا ونزولًا في سعادة. له منقار مُنحنٍ يستطيع إيلاجه في الشقوق وإيجاد الحشرات المختبئة. له عينان يقظتان كعينَي الفأر في وجهه الذي يشبه وجه فأر مشدوه. بين منقاره وقدمَيه، يرتدي مِعطفًا رماديًّا وقورًا. حين رأيتُه للمرة الأولى في بيكاز، لم أكن واثقًا إن كان ما أنظر إليه طائرًا أم نتوءًا صخريًّا تتدفَّق فوقه مياه الأمطار. لكن حينها تحرَّك، أدَّت تلك الحركة الاهتزازية التي تفعلها طيور داب الجدران؛ إذ فتح جناحَيه فبعث الحياة في الجدار الجيري الذي يقطر منه الماء: أضفى لونًا على رماديته، وفجَّر صاعقة كهربية في الغيمة، وأضفى نعومة على المكان القاسي، وحركة على الصخر، ودفئًا على البرودة. كان جناحاه عريضين ومدوَّرين، مثل راحة يَد، ومزخرفَين مثل منديل جيب حريري، طرفهما الخلفي أسود، وطرفهما الأمامي أحمر، وبهما بقعٌ بيضاء ناصعة على الريشات الحمراء في أقصى طرفه الخارجي وعلى قوادمه الأربعة. وأظهر لنا تلك الحقيقة الساحرة عن طِيب نَفْس. مثل حاوٍ يفتح قبضته الفارغة ليكشف عن قطعة قماش قيمَّة، يبسط داب الجدران جناحَيه، ولبرهة يُلقي بعباءة حمراء قانئة على الجرف، بلون نبات الفُوَّة الوردي العتيق، لكنه محبَّب أكثر لعتاقته ولحركته، التي تجعلها سحابة اللون وكأنما تخيِّم على الطائر المتسلق الشبيه بالفأر أو تطفو فوقه. إنه لا يفعل ذلك بغرض التحليق. الطائر الذي رأيناه لم يحلِّق قط؛ بل كان يفضِّل أن يسير نازلًا على واجهة الصخرة الرأسية ثم صاعدًا إياها، خارجًا من الغيمة ثم عائدًا إليها مرة أخرى، لكن كل بضع ثوانٍ كان يبسط جناحَيه ويرفرفهما فيما يأتي ويذهب. وفي هذا الصدد، يكون أشبه بحميراء تستطيع السير نازلة على جرف. وتُعَد رفرفة داب الجدران هي سِمته المميزة، أو ما تُسميه الكتب تعبيرًا بيئيًّا عن الحماسة أو اليقظة. ويُقارن ذلك بغطس الدنقلة وارتعاش ذنب الحميراء. تكثر منه الرفرفة حين يكون متوترًا أو متحمسًا للغاية. ويستخدمها كوسيلة إلهاء. وكتهديد كذلك. كما يستخدمها للتودد إلى الجنس الآخر. لكنه في الأغلب يرفرف لأن ذلك هو شأنه، ولأنه لن يكون هو نفسه إلا بها.

انتظرنا، لكن الطائر لم ينزل مجددًا؛ ربما استمر في الصعود حتى تخطَّى الغيمة، مرتفعًا في السماء الزرقاء، مرفرفًا جناحَيه كالهشيم الذي يُنتِج نار الصباح.

تعيش طيور داب الجدران رأسيًّا: في الشتاء تنزل إلى ارتفاعاتٍ أقلَّ وفي الربيع تصعد إلى أعلى. تقودها الفصول لأعلى أو لأسفل، لا من الجنوب إلى الشَّمال. إنها طيور تهاجر في الارتفاعات. ما زلتُ أُدهَش من معرفة أني رأيتُ في شتاء عام ١٩٧٦ داب جدران في مَقْلع حجارة بالقرب من خَور تشيدر جنوب مدينة بريستول. عرفتُ بأمر تسكُّعه في مَعرض الحديث عن أنباء الطيور، وتوسلتُ إلى أبي كي يأخذني لأراه، دون أن أدرك تمامًا ماهيته أو سببَ شعوري أني مُلزَم بأن أحاول رؤية أحدها. وقفنا أسفل واجهة المَقلع مع زمرة من مراقبي الطيور وشاهدنا الداب وهو يتسلَّق. كان أحد أشكال الحياة الغريبة عني؛ كان باهرًا للغاية، لكنه فريد لدرجةٍ تجعله عصيًّا على الفهْم أو الحُب. كنت حينها أكاد لا أعرف أيَّ طيور نادرة، ولم أملِك سبيلًا لتخيُّل حياته.

الأغرب من ذلك هو أن الطائر عاد في الشتاء التالي. تحوَّلت هجرته الجانحة الأولى إلى عادة. تخيَّل داب جدران يطير بعيدًا عن جُرفه الذي شهِد مولده (أقربُ مُربي تلك الطيور إلى سومرست موجودون في جبال الألب الفرنسية أو جبال كانتابريا في شَمال إسبانيا)، ويرفرف فوق الحقول المستوية ثم يقطع البحر الهائج. تختلج عباءته الحمراء القديمة وتنبِض. ثم يجد الطائر الغجري الشبيه بالفأر حجرًا رأسيًّا مرة أخرى ويقرِّر أن يتخذه بيتًا له. ثم يكرِّر ذلك طواعية، فلك أن تتخيَّل.

٢٣ مايو. لم يتوقَّف المطر فعليًّا في رومانيا إلا يومًا واحدًا فحسب. قطعنا أكبرَ جزء منها تسمح به طاقتنا مشيًا. تقع قرية توروكو موطن عشيرة سيكيلي المجرية (المعروفة باسم ريميتيا باللغة الرومانية) جنوب مدينة كلوج في وادٍ أحسِبُ أني لم أرَ في مثل نضارته وخَضاره. تحتضن القرية أرضية الوادي بين جبل سيكيليكو الجيري الشبيه بظهر الحُوت والذي يكاد يكون قاحلًا شرقه، وسلسلة جبال تراسكاو الأكثر وفرة في الأشجار غربه.

أردنا أن نحظى بقدرٍ أكبرَ من ضوء الشمس، فبدأنا نسير صاعدَين الأحجار الجيرية فور وصولنا. اجتزنا جانب تل مُدرَّج، محزَّز بالحجارة؛ حيث يتحرَّك رُعاة الغنم بغَنمهم، ثم صعدنا تحت شلال رقيق من أغرودات قنابر الغابات مَنبعه عدة طيور مغردة محتشدة في السماء. أزعجنا طائرًا آخر من الأرض، فطار إلى الشجرة الوحيدة على جانب التل، وكانت شجرة كرز؛ حيث قبع هناك في هدوء حتى تجاوزناه.

نظرتُ أسفل حيث الوادي، وراء المدرجات المكسوة بالعشب الأخضر، إلى نسيجٍ مرقَّع من الشرائط المستطيلة المزروعة، كانت كلُّها خضراء، مذهلة الخُضرة. حين تُرى من أعلى، يكون لكل شريط درجةٌ مختلفة من اللون (تتناوب الشرائط ما بين العشب المزروع لأجل الكلأ، وهكتارات من الأراضي المستصلحة التي تُنبِت المحاصيل). كانت كلُّ درجات اللون موجودة وكلُّ أطيافه. فيض من الخُضرة. لكَم بدت حصيلة مفرداتي عاجزةً أمام ذلك المنظر: يُضاهي وصف ذلك اللون صعوبةَ رسم الصحراء الكبرى. دُحضَت جميع الكلمات المتاحة التي تصِف شتَّى العناصر الخضراء على يدِ ذلك الطائر «الأخضر» المجري: الليموني والزمردي والنعناعي والأفوكادو والنِّيلي والبازلائي والدَّهنَج، والبيريل، والأوكاليبتوس، والزيتون واليشم، والبحر، والأخضر اللينكولني وأخضر نبيذ «شارترتوز» … الأخضر: النبات المتكاثر منه والنفضي والدائم الخُضرة، السلاطة والذَّوب المائي، لون الأقنة والزرنيخ، الجازولين، الجَبردين، ضفدع، البروق «تلك الزهرة المخضرة»، إبريق نحاسي، صاعقة بَرْق، لون المرآة الفضي العتيق، عَظْمة متعفِّنة، الطحلب والتفاح، البرقوق الأخضر والغار، سلحفاة مقلوبة ونُسْغ النبات.» لا يمتص أيٌّ منها الضوءَ بالقدْر الكافي، ولا يبدو أيٌّ منها مفعمًا بالحياة بالقدرِ الكافي. لم تُجدِ أيُّ عباراتٍ ملائمة حاولتُ أن أضيفها إلا في بيان قصور التصوير. وبالطريقة نفسها، تفقد أزهارُ الجريس المقطوفة هُويتَها الفعلية منذ لحظة قطفِها. كان الأخضر من أسفلنا مخلوقًا حيًّا ينمو، كان بدائيًّا وبَريًّا، كان مثلَ تيار كهربي جامح، كان جياشًا ومهسهسًا ومُتدفقًا. كتبَ صانع الأفلام ستان براكيدج يقول: «كم لون يوجد في حقل من العُشب بالنسبة إلى رضيعٍ يحبو لا يدرك شيئًا عن اللون «الأخضر».» تقول جيرترود ستاين: «الأرض الخضراء الشاسعة الشديدة الأنانية شديدة النقاء شديدة الحيوية.» هي كالنور — بل «هي» نور — ووصفُها صعبٌ مثله.

ثم رأينا شيئًا ليس بأخضرَ لكن تتمثل فيه كلُّ معاني الأخضر. سِرنا على حافة الجرف الجيرية إلى حيث شعرنا بأننا ابتعدنا باتجاه الحقول، وفي تلك اللحظة رأينا طائرًا يحلِّق عاليًا إلى السماء الزرقاء الجيرية منطلقًا من الصخور الجيرية. كان ذَكرَ سُمْنة صخور شائعة يطير في دورةٍ استعراضية. إنه أول طائر من نوعه أراه بعد المهاجِر الشتوي الذي رأيتُه في إثيوبيا عام ١٩٨٨. كان يطير على مَهَلٍ، راسمًا دائرة في الهواء، يرتفع ويتمايل ويهبِط، ويغرِّد أثناء ذلك بألحانٍ كألحان الناي، فجاءَ صوتُه متحشرجًا بعضَ الشيء كصوت شُحرور متعجِّل.

حلَّق مبتعِدًا عن حافة الجرف صاعدًا إلى أعلى، ثم انحرف بغتةً في الهواء انحرافةً حادَّة فوق الوادي الأخضر. حين فعل ذلك، ظهر منه المربعُ الأبيض اللؤلئي الموجود على أسفل ظهره وعجزه. كان من المدهش رؤيةُ اللون الأحمر — الأحمر القرميدي الدافئ الذي يكسو صدره وبطنه — فيه، وكان لونُ ظهره الأسود الأردوازي الذي لا يقل عنه دفئًا يبعث على البهجة. كان منطلقًا في الهواء، يغرِّد طوال الوقت. وكان يحلِّق بانكسارٍ متعمَّد. كان مثل لطخةٍ مرفرفة تتحرَّك مبتعِدةً فوق الوادي الشاسع. بدا كعرضٍ جانبي، حدثٌ هامشي، إلا أن ذلك هو ما جعله يحرِّك المشاعر. أُدِّي العرْض بإتقانٍ تام، ولأن مؤديه كان مستغرِقًا تمامًا فيما يفعله، كان كلُّ ما يفعله قابلًا للتصديق، وصار كلُّ ما يقع وراءه محبَّبًا. كان جورج بالانشين يقول لراقصيه: «لا تُريني روحك؛ بل أريدُ أن أرى قدمَك.» تجسَّدت حقيقةٌ ما في فِعل الطائر: كان انتفاضةً ليست كذلك في حقيقتها، منديلًا مرميًّا ليس كذلك في حقيقته، دعوة للمبارزة ليست كذلك في حقيقتها. كان يؤدي تلك الحركات الضرورية، لكن خلفها جميعها كانت تكمُن حيويته بطريقةٍ مغايرة، وقد أظهر ذلك الشيء الحي الغامض، الأبسط من عرضه، لكنه أكبر وأفضل منه كذلك.

في طريق نزولنا من الجبل، رأينا نسخةً بشرية من العرض نفسِه. لا يمارس أيٌّ منَّا الرقص طوال الوقت، لكن (مثل الحَجل) بإمكانه أن يكون طريقةً لإظهارِ حيويتنا، نركل بكعوبنا لأعلى كي نُظهِر قدمَينا. كان صبيٌّ قد أُرسلَ للمساعدة في جَمْع غَنم عائلته لليلة. وكان قد صعِد الهضبة وصفَّر لكلبٍ بتعليماتٍ ما، وبعد أن أرسل القطيع إلى أسفل المصاطب، استدار ليتبعها هو. غابَ عن نظرِ جميع أفراد القطيع، وكذلك عن نظرِ أبيه الذي كان في الحظيرة على أطراف القرية. دخل إلى دربٍ مُترَب، وفيما فعل ذلك قطعَ خطوتَين أو ثلاثًا حجلًا ثم حجلَ مثلهن. وتصاعد من الدرب غبارٌ على إثر مرحِه.

تبِعناه إلى أسفل وسط صليل أجراس جمْع الغنم ونُباح الكلب. أسفل ينبوع، كانت تنمو ثمار فراولة برية. وكانت أنواعُ فراشات لا أعرفها، واحدة فريتيلارية وأخرى لها جناحان بُنيان كالشيكولاتة تميِّزهما بقَعٌ برتقالية. صاح طائر سُمَّان كان متواريًا بين العشب، فبدأ ثبجٌ مخطَّط ينعَب. وفي القرية، توقَّفنا عند نافذة مفتوحة في الشارع، تبيع منها سيدة عجوز ترتدي مئزرًا وتربِط وشاحًا على رأسها شراب «بالكينا» مصنوع في المنزل (تركيز الكحول فيه ٥٢ في المائة)؛ ذلك المشروب الروحي المنقوع في فاكهةٍ ما (أعتقد أنها البرقوق). ناولناها نقودَنا فابتسمت ابتسامةً مشرقة وناولتنا زجاجة مشروب غازي فارغة ملأتها بدوائها. استمتعنا بارتشافه ونحن جالسان في الميدان، فيما جاءت أبقار القرية ماضية في سبيلها إلى بيوتها. كانت تفعل ذلك كما الأطفال العائدين من المدرسة. ظهرت عشْر بقرات عملاقة كريمية اللون في الميدان دون قائد. سُمِع خُوارٌ خافت ورنينُ أجراس أقلُّ خفوتًا. انفصلت بقرةٌ تلو الأخرى ثم سلَكت الأزقة المؤدية إلى بيوتها. مضت اثنتان في هذا الاتجاه، ومضت واحدة في ذاك. كانت تعرف طريقها. كلُّ بيت في القرية هو بيت مزرعة، ومعظم البيوت لها بوابة خشبية عريضة تؤدي إلى فِناءِ حظيرة. تُفتَح البوابة الكبيرة في البيوت التي تنتظر وصول بقرتَين. أما في البيوت التي تنتظر وصول بقرة واحدة، فلا تُفتَح سوى البوابة الصغيرة المخصَّصة لعبور المشاة. لم يكن عرضُها أكبرَ من عرض الإنسان بكثير، لكن الأبقار كانت تقحم نفسها خلالها، تتأرجح ضروعها الممتلئة من أعشاب اليوم الخضراء يمينًا ويسارًا وترتطم بالقوائم الخشبية أثناء سيرها.

سيكيليودفارهيلي وتارا

٤٦ درجة شَمالًا و٤٤ درجة شَمالًا

كتب ريلكه في أول رسالةٍ من «رسائل إلى شاعِر شابٍّ» (١٧ فبراير ١٩٠٣) يقول: «معظم الأحداث يعجز عنها الوصف. فهي توجد في عالَم لم تقتحمه كلمةٌ من قبل.» يتمحور الكثيرُ من طبيعة كوني مراقبَ طيور حول عدم رؤيتي لها. تعلَّمتُ الكثيرَ بهذه الطريقة. وحالفني الحظ إذ شهِدتُ بعض «أحداث» كتلك التي يصفها ريلكه.

مرتَين في ربيعَين أوروبيين، استطعتُ أن أرى أكثر، أو أن أرى أبعد، بعدم رؤية شيء أو برؤية الكثير. انتظرتُ ذاتَ مرة في غابةٍ حيوانًا لم يأتِ. وفي مرة أخرى، في مكانٍ مشابه لكن في بلد مختلف، ظهر الحيوان الذي كنت أنتظره أخيرًا. حينها شعرتُ وكأني رأيتُ حيوانًا كما قد يبدو في نظرِ نفسِه لا كما قد يبدو في نظري.

في هاتَين المرتَين اللتَين كانتا في الدُّجَّة أو أظلم (فجر، وغسق)، جلستُ وانتظرتُ وراقبتُ لساعات على حافة أرضٍ مقطوعة الأشجار. مرة منهما لم يأسِرني شيء، والمرة الأخرى تبدَّلتُ مثل أسيرٍ من كوني سجينَ العَدَم إلى كوني شاهدًا لشيء. في هاتَين المرتَين (حين أبصرتُ هدفي، وحين لم أبصره) شعرتُ بأني قادر على رؤيةِ شيء أبعدَ مما تبصره عيناي، قادر على الشعور بالزمن «خارج عقلي» إنْ صحَّ التعبير، وقادر على شهود مضي العالَم واستمراريته، كما يمضي حينما لا نكون فيه.

تقضي لورين هارتكي، بطلة رواية «فنانة الجسد» لدون ديليلو، ساعاتٍ تراقب بثًّا حيًّا بالكاميرا منقولًا عبر الإنترنت لطريقٍ مهجورٍ في بلدة كوتكا الفنلندية الصغيرة أثناء حزنها على فقدِ زوجها. تقول في نفسها: «الأوقات الراكدة كانت الأفضل».

حصلتُ على قسطٍ جيد من الراحة في أرضٍ مقطوعة الأشجار قريبةٍ من قرية أيفو، شَمال شرق سيكيليودفارهيلي في رومانيا حيث انتظرتُ آملًا رؤية دُبٍّ بُنِّي.

كنا قد خرجنا برفقة جولا، مُزارع مُلتحٍ يرتدي حُلَّة خضراء. كان يَعتقد أن جبال هارجيتا تحوي عشرين دبًّا. وكان علينا أن نختبئ كي نحظى بفرصة لرؤية أحدها.

وصلنا وقت الغسق. كانت السماءُ قد أمطرت في وقتٍ سابق، لكن السُّحب انقشعت جزئيًّا من السماء. كانت الغابة تكتظُّ بأشجار الزان والشوح. بينما نحن نسير، يُسكِتنا جولا، رأينا صعوًا أصفر العُرف منهمكًا وسط إبر شجرة صنوبر، ونقَّار خشب أسود ونقَّار خشب رمادي الرأس يحلِّقان فوق المسار المُوحِل. تسلَّقنا إلى مخبأ جولا. أوصدَ البابَ بأن أسندَ إليه بندقيته، ثم أخرجَ من تحت منضدته زجاجةً من شراب «بالينكا» (مرسومًا على مُلصقها ديك خلنج)، وملأ منها كئوسًا مرَّرها إلينا دون أن ينطِق بكلمة. نظرنا خارجًا إلى قطعةِ أرض كان قد قُطِع شجرها: كتلة متشابكة من الأغصان وجذوع الأشجار، في منتصفها لا تزال شجرة زان قائمة. شُدَّ سلك من شجرة لأخرى عند طرف قطعة الأرض، يتدلَّى منه برميلٌ بلاستيكي أزرق. يُرسَل منه كلَّ ليلة في تمام السابقة شلالٌ من حبوب الذرة طُعمًا للدِّببة. وصلنا إلى المخبأ مباشرةً بعد إنزال دفعة منها.

حينها لم يحدث شيء. حطَّ شرشور وجاء قِيقٌ إلى الذُّرة ثلاث مرات. ثم مرَّت طائرتان فوقنا. وبدأ الضوء يَخفُت. وبدت أوراق أشجار الزان تستقر في منبتِها. وعلى الجانب المقابل من قطعة الأرض الجرداء، صار الهواء مُشبَّعًا بالرطوبة، وفي النهاية لم أستطِع تمييزَ جذوع الأشجار من الليل. احتدم تغريدُ السُّمان المغرد في الغابات المحيطة — وكأنما يجفِّف الوقت العابر بمنشفة — ثم خفَت. تقلَّصت المسافات التي كانت قد اتسعت بأغرودة الطيور المسائية فيما تلاشى آخِر بصيص ضوء من السماء. وعندما سطَع القمر — في مكانٍ ما بعيدًا عن الأنظار — استضاءَ الليلُ فعليًّا، لكن حينها بدا الضوء عتيقًا، كالضوء المنعكِس من مرآة عَكِرة. وكأنه كان يسطَع بميلٍ على خشبةِ مسرح وقعَت عليها أحداثٌ لكنها خالية منها الآن، بإمكانك أن تستشعر ذلك.

حملقتُ. ولكن لم تأتِ أيُّ دببة.

•••

ربما يشبه ذلك حال الأشباح أو الموتى. ربما كان ذلك ما أفكِّر فيه، أو في كلمة «الأرض المقطوعة الأشجار»، أو ربما لم أكن أفكِّر في شيء يُذكَر على الإطلاق. مرَّ الوقت خُلسةً واجتاز النقطة التي كنت أتوقَّع عندها أن أشارك في أي لحظةٍ خاصة قد تأتي، ووصلنا — الأرض الجرداء وجولا وكلير وأنا — إلى ملكوتٍ آخر. تسلَّل ضوءُ القمر حينئذٍ تقريبًا، فاستطعتُ رؤيةَ المزيد من اللاشيء الذي هو كلُّ شيء في غابة الليل. واستطعتُ أيضًا أن أرى اللاشيء الذي هو كلُّ شيء كان موجودًا ليلةَ أمس، حين لم نكن هناك، والشسوع الحميمي الذي سيكون موجودًا ليلةَ غدٍ حين لن نكون هناك. يقول أحد قَتَلة بانكو، في مسرحية «ماكبث» عن المطر والليل والموت، الذين هوى بعضُهم فوق بعض بطعنة من سكينه: «فلينزل إذَن». في الأرض المقطوعة الأشجار، شعرتُ بأني أعرفُ ما يعنيه ذلك، وما يُثيره في النَّفْس.

أغشَت غيمةٌ ضوءَ القمر، فاختفت درجاتُ اللون الأسود المتعددة من المساحات بين جذوع الأشجار على الجانب المقابل لحيث كنت أجلس. ومع ذلك، اشتد بصري في ذلك الفراغ. كنت شبه عَدَم، وكنت أنظر إلى مكانٍ لا يعبأ بي. رأيتُ الغابة دون أن أعرفها جلية، وأقرب ما يمكن إلى الوضوح، وكأنما العصب البصري خلف عيني يعمل بينما عقلي نائم. استشعرتُ وجودي هناك بإحساسي لا بحواسي. كما أحسستُ به لا كما خبرتُه. أبصرتُ لكن دون معرفة، ولأني لم أكن أبذل أيَّ جهد معرفي، صار المكانُ أقرب إلى طبيعته.

لم أتوصَّل إلى تلك الفكرة بنفسي. بل جاءت هي إليَّ.

كانت ساعات قد مرَّت على انصرام اليوم، لكني استطعتُ الآن أن أرى نهايته — رحيل الضوء وبرحيله يرحل كلُّ ما يكشف عنه الضوءُ في النهار؛ إفراغ كل شيء دون إزالة أي شيء، هكذا تسير الطبيعة حين لا نكون موجودين فيها. كنت أعرفُ أنه أمرٌ عادي، لكني شعرتُ به كأنه رؤية. خُلو الليلة من الدببة هو ما جعل ذلك يحدث. ساعدني عدم حضور دُب على الرؤية في الظلام. لو كنت رأيتُ دبًّا، لَمَا رأيتُ سواه؛ لكن في غياب الدُّب استطعت أن أرى كلَّ شيء.٢

•••

كان يُعتقد قديمًا أن الدببة تُولَد بلا هيئة فتلعقها أمهاتها على هيئتها تلك. كانت الدببة في أيفو موجودة في مكانٍ ما على هذه الحال لكنها كانت لا تزال مبهمةً ومستترة، غير متاحة لي، وغير متاح رؤيتها بعد.

بعد ثلاث ساعات سِرنا عائدين في الظلام. كنا نسمع خَشْف أقدامٍ على المسار أمامنا.

قال جولا: «إنه غزال.»

•••

عام آخر، وموقع آخر لمراقبة الدِّببة. تلك المرة في متنزَّه تارا الوطني في غرب صربيا — عين أخرى تنفتح على السماء، في غابة جبلية من أشجار الزان والتنوب، تشبه غابة رومانيا لكن أشجارها أطول. كان يوجد جهاز إنزال لحبوب الذُّرة مثل ماكينة بيع آلية. وكذلك طُعم إضافي: إذ ألقى شابَّان أنمشان يرتدي كلٌّ منهما بنطالًا وصدرية رياضيين ببقرةٍ ميتة في الأرض المقطوعة الأشجار. لعلها تغري دبًّا بُنيًّا. وفور أن أطاحا بها من المقطورة لتسقط على الأرض المُوحِلة، وجدَ الذبابُ جميعَ الأجزاء الرخوة ونقاط الدخول فيها. ضاقت عيناها الدائرية الحالكة السواد ونحن نحدِّق إليها. حطَّت فراشةٌ زرقاء صغيرة على فتحةِ شرجها المرتخية واستقرت عليها. كما حلَّق طائرٌ فوقها ونظر إلى أسفل يُطالِع قائمة الطعام.

كنت برفقةِ صديقي مارك كوكر المهتم بالطيور. غادرنا لبضع ساعاتٍ من أجل مراقبةِ طيورٍ خلت من الطيور وعُدنا إلى الأرض المقطوعة الأشجار في الرابعة والنصف عصرًا. جلسنا في مخبأٍ خشبي ساعتَين، قضيناهما صامتَين، نتطلع نحو الخارج. كان يرافقنا رانكو ميلانوفيتش، أحد الحُرَّاس في متنزه تارا. وكان قد أرسل لنا سلفًا ملاحظاتٍ إرشادية:

سنمكُث في صمتٍ تام داخل المخبأ، دون أي مأكولاتٍ خفيفةٍ أو مشروبات ساخنة أو زجاجات بلاستيكية أو تدخين أو هواتف محمولة أو ملابس تُصدِر خشخشة أو مرحاض. لا تستعملا عطورًا من أي نوع.

كنت قد اشتريتُ بعضَ البسكويت بالشيكولاتة اخترتُه لأنَّ اسمه «بلازما» والشركة المصنِّعة له اسمُها «بامبي». اضطُررتُ إلى أن أبقيه في حقيبتي لا يبرُحها.

ما حدث بعدها كان عرْضًا سينمائيًّا للقطاتٍ مقرَّبة بالحركة البطيئة شعرتُ بأنها مجلوبة من وراء أفقٍ ما: أزهار بليس تنغلق فيما ينحسِر عنها ضوءُ الشمس، عُثَث وذبابات نوَّار تسبَح في الهواء في بِركٍ من الضوء الأغبر، شحارير حاضرة، لكنها لا تؤدي دورًا تمثيليًّا إن جاز التعبير، وسكون الأشجار الأزلي. كان مشهدًا يصوِّر العالَم وهو يسير على سجيته؛ الحقيقة كما تبدو من خلال عدسةٍ ضُيِّقَت فتحتها.

في الخامسة وأربعين دقيقة ظهرت الفرجات الأولى في النسيج الكثيف من أغرودات الطيور.

في تمام السادسة، جاء دُب. بدا وكأنما استيقظ منذ وقتٍ ليس بطويل. كان دخوله باهرًا، سار خارجًا من بين الأشجار برشاقةٍ وئيدة ثم توقَّف في الأرضِ المقطوعة الأشجار. كان هو مَن تخيَّر توقيتَه المناسب تمامًا. هذا ما شعرتُ به. كانت في حوزته ساعتُه الخاصة. بدا الحيوان ضخمًا وحقيقيًّا إلى حدٍّ كبير. وبدا عجوزًا. كانت مِشيتُه المتهادية عجوزة، وكذلك فراؤه، وضربُه الأرضَ ببراثنه، وسَمتُه الذي يشبه سَمْت الجِد، وأنفاسُه التي تعلو وتهبِط. جعلني أريد أن أصدَح بأنه حقيقي وبأني أوقِّره. بدت مِشيته المتهادية طبيعية للغاية: مِشية دُب أكيدة، غير مصطنعة. صار كلُّ شيء حوله جزءًا من مِشيته. انساب الكوكب حوله من كل النواحي. في الجزء الواقع في القطب الشَّمالي من أمريكا الشمالية، يُسمى الدُّب باللغة الإنكتيتوتية «بيهوكاهتاك» — ويعني «السائر»: كان ذلك الوصف ينطبِق تمامًا على ذلك الدُّب في صربيا. كان يسير وكأنما يمرِّر الكرة الأرضية من تحت أقدامه. كانت عيناه ضيقتين جدًّا ومخالبه صفراء طويلة. لم يبدُ أن أيًّا منهما يليق به، وجعلاه يبدو وكأنما لم ينتهِ بعدُ من تطويرِ نفسِه. الحياة ليست مثالية. كان يبذل جهدًا. جعلته شدةُ الضوء الساطع في الأرض المقطوعة الأشجار يُضيِّق عينيه أكثر. كانت قوائمه أغمقَ من بقية فِرائه. بدت مثل بنطالٍ فوقي، وذكَّرتني بالرقص الشعبي. بإمكانك أن تستشعر نومَه في فرائه. بل تعلم أنه نام في فرائه ذلك. كان أنفه رطبًا. حين اقتربَ أكثر، سمعتُ أنفاسه المتحشرجة ورأيتُ الحشرات التي كان زفيره يستطيرها من وجهه. تناثر ذبابٌ دقيق ونحل.

سار عابرًا الأرض المقطوعة الأشجار وتوارى عن الأنظار؛ خروجه لم يكن خروجًا في الحقيقةِ لأنه لم يكن قد دخلَ حقيقةً، بل كان مجرد عبور. في السادسة والربع عاد وأخذ كوز ذرة مجفَّفًا من كشك الفشار. اضطُر إلى أن يرفع قائمَتيه الأماميتَين كي يبلغ مكافأته. بدا حينئذٍ مثل دُب يرتدي بذلة على شكل دب، وشعرتُ بالأسف لأني شهِدتُ ذلك. تجاهَل البقرة الميتة، غير أنه وجَّه أنفه المترنِّح صوب رائحتها أثناء مروره. غادر الأرض مرة أخرى. وفي السادسة وخمس وعشرين دقيقة ظهر مجددًا في مسارٍ يؤدي إلى الأرض المقطوعة الشجر، لكنه توقَّف قبل دخولها وغادر المسار ليسير بين الأشجار. حينها بدا عتيقًا جدًّا وباهرًا جدًّا، كشيء وُجِد قبل أن توجد الكلمات أو التفكير أو حتى البصر، شيء بعيد، بعيد جدًّا، شيء لا يزال جامحًا من قبلِ أن يوجد أي شيء فينا.

بالطبع أعدتُ صياغة الدُّب حين وردَ في ذهني؛ إذ لا أستطيع أن أذكر ما رأيتُه حقيقة، إنما أذكر فهْمي لما رأيتُه. كلُّ شيء يصير مميزًا حين ننظر إليه. تجفُّ البرِّية سريعًا كما الندى في الشمس. فكَّرت في الدب وكأنه الربيع يحل على جميع أرجاء تلك الغابات — جاء حديثًا، استيقظ منذ وقتٍ ليس بطويل، بيرسيفوني في ملابسَ تنكرية. لكن ربما ينبغي لي أن أكتب فقط ما كتبه رانكو في سجِله: التاريخ … الزمن … المكان … دبٌّ. للحظة، لحظة عابرة، وهو يستدير خارجًا من المسار ويمضي بين الأشجار، شعرتُ بأن حضوره المطلق يتراءى لي: كدُبٍّ يُدرَك أو بالأحرى «يُستقبل»، لكن بلا تدخُّل من الفِكر، وفي تلك اللحظة، تجسَّدت الأشياء المعدومة الطاغية الحضور في تلك الأراضي الأخرى المُجتثَّة التي انتظرت فيها أو تمثَّلت أو اكتست بالفراء — كما يقول ديلمور شوارتز في قصيدته: «الدب الثقيل الذي يصاحبني.»٣

لم يكن يعرف ذلك. لم يكن يعرف أن ثَمة مَن يُراقبه. ولأنه لم يصدر عنه ما يدُل على أنه مرئي، استطعنا أن نراه — أو نظن أننا ربما نكون رأيناه — دون أن نبصره؛ إن جاز التعبير. اختبرنا ما يُسميه تي جيه كلارك في كتابه «رؤية الموت»، عن تكرار النظر إلى بعض لوحات بوسان، «الفعلَ الحسيَّ المجرَّد «الأخرق» الذي هو استقبالُ شبكية العين عناصرَ التكوين.» رأينا الدُّب على حين غفلة منه، ورأينا أنفسنا كذلك. جاء متحجرًا كما الحجر في صورته المُثلى. وأرضيًّا، فيه شيءٌ من الأرض. جاء دبًّا خالصًا. ثم مضى.

•••

عُدنا إلى مخبأ مراقبة الدببة في الساعة السابعة صباح اليوم التالي. كان فوق الباب لافتة مكتوب عليها «فيلا ميدو». طارت فراشة برتقالية بجوارنا، ولوهلة حوَّلت الأرض المُجتثَّة إلى أرض مروج طبيعية.

كما حدث من قبل، جاء دُب بعد مرور مائة دقيقة. في التاسعة وأربعين دقيقة، جاء صغير دُب ضئيل الحجم، عمره عام واحد. كان فراؤه أشعث؛ ربما يكون قد استيقظ لتوه؛ إذ كان يلتصق به بعضٌ من أوراق أشجار الزان القديمة التي يتخذها فراشًا له. أصدر نقيقًا خافتًا وهو يلتقط كوز ذرة من الإناء. كان أشعث وفراؤه أطول من فراء الدُّب الأكبر سنًّا الذي رأيناه. بدا وكأنما حضنَه دُب.

قبل أن نغادر، التقطتُ ورقتَي شجر ذهبيتَين نفضَهما الدُّب عنه فسقطتا على أرضية الأرض المُجتثَّة. وما زلت محتفظًا بهما.

سيدربرج

٣٣ درجة شَمالًا

لدى كلير صديق يُدعى مارك جونستون؛ التقيا حين كانا يرتادان مدرسة ثانوية واحدة في كيب تاون، وكان اهتمامهما بالصخور (والخرائط) سببًا في توطيد أواصر الصداقة بينهما. كان كلٌّ منهما قد اصطحبَ ابنه أو ابنته إلى مكانٍ يُدعى «سكراتش باتش». وهناك، داخل سقيفة صناعية على أطراف بلدة سايمونز تاون في شبه جزيرة كيب، يمكن للأطفال أن يفتِّشوا في أكوام من الحجارة ويختاروا ويجمعوا الأحجار الكريمة المصقولة بالتدوير التي تُقلَّب في بلورات معدنية. ويكون عليك أن تدفع حسب حجم الحقيبة التي تملؤها. ما زال المكان مفتوحًا، ويضم الأحجار والبلورات الجنوب أفريقية بين معروضاته الآسرة، بما فيها العقيق وعين النمر والمرو الزهري والجمشت واليشب. باتت كلير ومارك شغوفَين بتسلُّق الصخور. الترعرع تحت جبل الطاولة يصنع من الكثيرين في كيب تاون أشخاصًا ماهرين في تسلُّق الصخور والقفز بينها. كان كريستوفر والِد كلير متسلِّق جبال مخضرمًا في شبابه، وما زال (وهو في عقده الثامن) يتسلَّق الجبال صعودًا ونزولًا (بسرعة) مرة على الأقل أسبوعيًّا. وكان هو مَن شجَّع ابنته وصديقَها على العديد من رحلات تسلقهما الأولى.

ما زال مارك مُتسلِّقًا. تحوي شقتُه — أسفل جبل الطاولة — صناديقَ من الأحجار التي جمعها من عدة قمم جبلية في جنوب أفريقيا والعديد من المناطق المرتفعة الأخرى. ما زال مُحبًّا للصخور. ولأنه قضى عمره دارسًا للتضاريس وبنية الأرض، فإنه يفهم تعليقَ جاري سنايدر عن العصر الحجري من منظور حركة العصر الجديد (مقتبِسًا كلام معلِّمَي الزِّن؛ دو جين وفورونج) أن «الجبال في تسيير مستمر». استطاع مؤخرًا أن يضيف منطقة الانزلاق التكتوني التي تسبَّب فيها زلزالٌ بنيوزيلاندا إلى سيرته الذاتية. لكن بمرور السنين، كان شعوره بالارتياح تجاه مجموعته يقلُّ تدريجيًّا. والآن قلَّ عددُ الصناديق في منزله. ذلك أنه في رحلات التسلُّق والسير في دروب التلال كثيرًا ما يحمل معه صخرةً ما في حقيبةِ ظهره ينوي إعادتها إلى البُقعة التي أخذها منها. قد يبدو ذلك تصرُّفًا باهظَ التكلفة للغاية فيما يتعلق بالأحجار، لكن إعادة مارك للأحجار إلى مواطنها يتعلق أكثر بمردود ذلك عليه فيما يخصُّ علاقته بالصخور. سرقاته للصخور — حين اعتبرها كذلك — جعلته يشعر بأنه كان يتعدَّى عليها، واكتشفَ أنه يريد للصخور أن تكون في مواطنها أكثرَ مما يريد لها أن تكون في موطنه هو، وأن أي قشور تنفك عن سطح العالَم من الأفضل معرفتها باعتبارها جزءًا من الجبل لا باعتبارها ملكية أو جائزة لأحد وقفَ عليها يومًا ما. فحين تُعاد الصخور إلى مواطنها، تعود لها قيمتها؛ إذ ترقد هناك، كما في نهر الحصى في قصيدة شيموس هيني، «جواهر في عين مبصري الحقيقة».

في بلدية سيدربرج، شَمال مدينة كيب تاون، لا يوجد فقرٌ في الصخور كما لا يخفى على أحد. قادني مارك أنا وكلير في رحلاتِ سير وتسلُّق في مناطقَ طبيعيةٍ عديمة الحياة بالكامل؛ عظام فقط دون لحم. الصخور هناك تكفي وتفيض. وبطبيعة الحال، يمازحنا مارك مزحةً قديمة خاصة بمتسلقي الجبال، حين ندير ظهرَينا إليه، فيضع في حقيبةِ ظهر أحدنا سرًّا صخورًا كي يصعِّب رحلةَ صعودنا. لكننا نردُّها له أيضًا؛ إذ نجحتُ في أن أضع كيلو كاملًا من أحجار جبال كوجيلبرج الرملية في حقيبته. ليس نقل الحجارة كتلة تلو الأخرى إلى الجبال هو ما يزعج مارك؛ بل طريقة انتهاكنا لها وما جعلناها عليه حين أخذناها باعتبارها تذكارًا على سبيل الغنيمة أو تشكيلنا لها على هيئة ميداليةٍ حجريةٍ ما. ربما ينطبق ذلك الاكتشافُ على جميع تعاملاتنا (أو تعاطينا) مع الطبيعة وأي إعادة تشكيل تملكية (أو إهدار) لمادتها. أرى في تصحيحِ مارك لعادات شبابه، وتجريده لنفسه من الجوائز التي اجتهد كي يحوزها، مثالًا يُحتذى به. فالطبيعة تُدرَك على نحوٍ أفضلَ وهي في مكانها، حتى وإن كانت بعيدةً عن الأنظار.

في آخرِ أيامِ تجوُّلنا في سيدربرج، بِتْنا ليلة عند سفح صخرة رمادية مائلة إلى الحُمرة وكأنها جريحة. كان سبب الجرح حريقًا شبَّ وليس سارقًا. احترقَ الجبلُ الصيفَ الماضي. كنا في شهر يوليو، منتصف الشتاء في جزيرة كيب (منتصف فصل مقلوب بالنسبة إليَّ أنا الذي كنت مقيمًا في إنجلترا)، وكان البرد قارسًا عند الارتفاعات الشاهقة. تركنا خلفنا أي نبات أخضر في أرض الوادي المزروعة المحيطة ببلدة تُدعى سيريس. هناك مررنا بين لافتتَين على الطريق تشيران إلى الاستحواذِ على محاصيلَ عدة واستهلاكها؛ لافتة غرسَها مزارع في منتصف أرضه المثمرة مكتوب عليها «هذا وادٍ موهوب للسيد المسيح»، ولافتات وضعها المجلسُ المحلي على أطراف عدة مستعمرات مكتوب عليها ما معناه «يُحظَر الباعة المتجولون».

كانت المزرعة التي أقمنا فيها (وهي واحدة من المزارع الأخيرة في نهاية وادٍ يضيق) يُزرع فيها الخوخ لتجفيفه، وكان المسار المؤدي إلى الحظائر مفروشًا بالحصى ونوى الخوخ، الآلاف المؤلَّفة منهما. بدت وهي غائرة في رصيفٍ على الدرب الأغبر مثل عملٍ أخرجه صانعُ نماذج مهووس، مثل عددٍ لا يُعَد ولا يُحصى من البدو أو عيون وحش السايكلوب التي تطرِف واحدة تلو الأخرى، يلتقط كلًّا منها ويصيغها ثم يضعُها أرضًا. أضاءها كشَّاف الرأس الذي أرتديه حين خرجتُ أنا ومارك في ظلام الجبل نجمع بعضَ الهشيم لنارٍ ندفئ بها ليلتنا.

كانت السماء صافية، ترسل إلينا هواءً باردًا يجعل أنفاسنا تستعر أمامنا. يعرف مارك النجوم بقدرِ ما يعرف الأحجار، فانخرطنا في حديثٍ عنها مع الليل. كانت أحجارًا ضخمة تحلِّق عاليًا: في صخب درب التبانة المذهل الساطع، المكدَّس بالنجوم، المكتظ بها، كانت في كل لمحة من السماء نجومُها، ورأيتُ كوكبة الجبَّار، التي كانت مقلوبة بالنسبة إليَّ، وكوكبة صليب الجنوب. لمَّا أشار مارك نحوها، رأيتُ لأول مرة سديم كيس الفحم، وهو ظلامٌ أسود يفتح عَنوة فرجةً فوقنا في أحد جوانب هذا الكَم الهائل من النجوم. من المألوف رؤيته في السماء المظلمة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، لكني لم أكن قد لاحظتُه من قبل في أي ليلة أفريقية أخرى. كان موجودًا — أو بالأحرى غائبًا. بدا كالعَدم؛ مثل ثقبٍ أحدثته عُثَّة في نسيج الليل الصوفي المرقَّط. تزاحمت النجوم على حافته، لكنه بدا مثل مساحةٍ فارغة.٤ لكن عند رؤيته عن قربٍ أكثرَ عبر المنظار المكبِّر، بدا لي عمقه المُخْمَلي الذي يقشعر له البدن أكثرَ ظلمة، ثم بدا وكأنما انتثرت رقعةٌ من الغبار الدقيق فوق حُبيباتٍ أكثرَ خشونة أو غيمة من اللواقح هبَّت فوق مشتلٍ بعيد. أرانا منظرًا — مبهمًا ومشوشًا — لفضاءٍ يبدو وكأنما زُجَّ به خلفه أو وراءه، لكنه في الواقع، أو بعبارةٍ أبسط أو أوضح، كان مستترًا به. فكيس الفحمِ ما هو إلا غبار، سديم من الغبار النجمي الكثيف الذي يحجُب رؤيتنا لتضاريس السماء خلفه: يدخل وكأنه ذراتٌ أو عوائمُ في عينِ مجرَّتنا. أو لعله الهواء البارد تزفِره السماء. بدا وكأنه اقتحم المشهد، إلا أن تعتيمه للضوء قد زاد كلَّ شيء في سماء الليل جمالًا. يومًا ما سيضيء السديمُ الذي في كيس الفحم بوَهج العديد من النجوم المستعِرة اليافعة، لكن لا يعدو غبارُه في الوقت الحالي أن يكونَ رَهْجًا، ويصنع تجمُّعًا للاشيء الذي يصبح وهو متجمع في رقعته حقيقةً مبهمة تبرز كلَّ شيء حولها، فتجعل مجال الليل بالكامل يبدو كمخطَّط هندسي من نوعٍ ما. حين تنظر إلى عتَمته التامة، فإنك تستطيع رؤيةَ الظلام؛ وحين تنظر إلى ما هو محجوب وراءه تدرك ما قد يعنيه الضوء.

تاركوينيا

٤٢ درجة شَمالًا
كان الخوضُ في المساحات المظلمة سعيًا وراء فهمٍ أوضح لمفهوم حياةٍ أفضلَ يعني لدى إتش لورانس، وهو في غرب إيطاليا عام ١٩٢٧، أن يسير خلفَ دليلٍ يحمل مجموعةَ مفاتيح ومصباحًا يعمل بغاز الأستلين. في مدينة تاركوينيا، على «تل جنائزي» ينمو فيه «ورد الصخور» و«أزهار البروق»، تبِعَ لورانس الرجلَ وضوءَه «إلى داخل ثقب مظلم ضيق تحت الأرض: ثقب مظلم ضيق، بعيد عن شمس العالَم العلوي»:

في العتَمة، حين نعتاد الضوء، نرى أسرابًا من الطيور تحلِّق خلال الضباب، تنطلِق من البحر، لا يزال رحيقُ الحياة في أجنحتها. فنستجمع شجاعتنا وننظر من كثَب. كانت جدران الحجرة الصغيرة مكسوَّة برسومات للبحر والسماء، فيها طيورٌ تحلِّق وأسماك تقفِز، ورجال ضئيلو الجسم متناثرون يقنِصون ويصطادون ويجدِّفون في القوارب …

لا يوجد ما هو باهر أو عظيم. لكن خلال شحوب الزمن والدمار الذي أحدثه البشَر، ما زال بإمكان المرء أن يرى تواتر الحياة السريع هنا، أزلية اللحظات البسيطة، التي عاشها الإتروسكانيون.

قضى لورانس وقتًا في إيطاليا أكثرَ مما قضى في أي مكان آخر بعد أن غادر إنجلترا، بلا رجعة تقريبًا، عام ١٩١٩. كان قد زارها من قبلُ عدة مرات، وحين هجر أرضَ وطنه الأم، كانت إيطاليا بالفعل هي أقرب مكان إلى الديار عرفه في رشده. عام ١٩١٢، في أول سَفراته إلى الخارج، هرب هو وفريدا ويكلي — وهي امرأة متزوجة لها من الأبناء ثلاثة — من ألمانيا عبر جبال الألب، ومرورًا بمقاطعة تيرول النمساوية إلى شَمال إيطاليا. بعدئذٍ، مع أن فريدا اتخذت لها عشيقًا عابرًا في مخزنِ تبنٍ فيما كان لورانس يبحث الحياة النباتية الجبلية (استحوذت حياةُ النباتات الجنسية على اهتمامه، فيما كانت شريكته التي اختارها تخونه مع طالبٍ صديق له)، ومع أن المطر كان يهطِل وفريدا كانت عابسةً على الجانب الإيطالي من الجبال، لم يزل البلد مبسوطًا أمامهما مثل «الجنوب الدافئ» في قصيدة كيتس. كان يَعِد بربيع جديد لحياتهما.

•••

خطَرت للورانس في خريف عام ١٩٢٦ خُطةٌ لزيارة الآثارِ ما قبل الرومانية بمنطقة إتروريا، والكتابة عن القبور الإترورية التي يبلغ عمرها ألفَي عام ونصف. كان حينها يعيش مع فريدا في منزل «فيلا ميريندا»، في مدينة سكانديتشي، خارجَ مدينة فلورنسا. بدأ ربيع ذلك العام ممطرًا. كان الريف «يغلِب عليه الطابَع التوسكاني — لكنه أخضر، أخضر مبالغ في خضاره لدرجةٍ تجعلك تصرُّ على أسنانك.» لكن جفَّ الطقس «الوحلي»، وسرعان ما تمكَّن لورانس من القراءة والكتابة بالخارج مرةً أخرى. هذا العام، وقفت قصتُه هو عقبةً في طريق التاريخ، وعِوضًا عن زيارة الإتروسكانيين البائدين منذ زمن طويل، عاد إلى بريطانيا في رحلةٍ كانت الأخيرة له. سافر إلى اسكتلندا للمرة الأولى (لم يكن قد زار مكانًا أبعدَ منها في الشَّمال) ورأى جزيرة سكاي وأُعجبَ بها: «أحيَت آدم العجوز في نفس المرء».

لا تزال تحمل شيئًا ملحميًّا، بين الجُزر والخُلجان الصامتة: مثل شفقِ صباحِ العالَم، هناك تصطاد البلاشين دون أن يزعِجها الماء، ويتوغل البحر إلى عمقٍ بعيد من اليابسة، لأميال، بين التلال المبتلة التي يقطُر منها الماء؛ حيث بُنيَت الأكواخ في الأرض منخفضةً لا تكاد تُرى. ما زالت باهرة للغاية، وكأنها مولد أوروبا؛ مع أنها يكثر فيها بالطبع السائحون والسيارات في أغسطس.

كان الولوج إلى «صباح العالَم» مهمًّا للورانس. كان هو وَصْفته للربيع (صباح العالَم المُشاهَد في زهرةٍ تفتَّحت لتوها)، وفي ذهنه كان هو الوقت من حياة نوعنا الذي نعرف فيه كيف نحيا. بعد اسكتلندا، واصل آدم العجوز سيرَه وتوجَّه جنوبًا لقضاء أيامٍ قرب بعض أوكاره الأولى. مع أن شاطئ لينكونشير كان رماديًّا، عرَّف ميدلاند الشرقية بأنها الجزء الذي ينتمي إليه من العالَم، موطنه الأصلي، وتفاجأ حين اكتشف كم أنه لا يزال مرتبطًا بأماكنه القديمة. بعد أن امتلأت نفسه بما رآه في إنجلترا، حين رجع إلى إيطاليا، في خريف ١٩٢٦، بدأ يكتب مسوَّدة روايته «عشيق السيدة تشاترلي».

وصفت فريدا حالَه أثناء عمله — وهو يكتب عن الوطن من الغربة:

كان يجلس، دون حركةٍ تقريبًا، عدا كتابته السريعة. كان يظل ثابتًا لدرجةِ أن السحالي تجري عليه والطيور تثب حوله قريبةً منه.

ظلَّ لورانس يكتب روايته حتى دخول الشتاء. وحين اكتملت الرواية، تركته في «حَيرة». كان قد كتب كلَّ ما يحتاج إلى كتابته، لكنه — بخبرته التي اكتسبها بالفعل من كونه كاتبًا لكتبٍ عسيرةٍ على الفهم — كان يشكُّ في أنها لن تكون قابلة للنشر. وبينما هو محمَّل بتلك الأفكار، لاحت أمامه مرةً أخرى في ربيع ١٩٢٧ رحلة لرؤية المواقع الأثرية الإتروسكانية. لم يظهر كتابُه عنها «رسوماتٌ لأماكن إتروسكانية» إلا بعد وفاته (وكان لديه الكثير ليقوله عمَّا يلي الوفاة)، لكنه كُتِب في صيحة لورانس الأخيرة العالية طلبًا للحياة.

أقنعَ لورانس صديقَه الأمريكي، إيرل بروستر، بأن يسافر معه، وغابا لأسبوعَين في أواخر مارس عام ١٩٢٧. كان ثَمة آثار إتروسكانية أخرى لم يرَوها ومتاحف من الكنوز المدفونة، لكن أكثر ما كان لورانس مهتمًّا به هو المقابر التي بوسعك النزولُ إليها، والتي بُنيَت داخل الأرض كبيوتٍ تحتها، لها غُرفٌ مجوَّفة داخل الصخور، وأسِرَّة ومقاعدُ حجرية. في تلك الجبَّانات الباعثة على الدفء، نُحتَت تماثيل للموتى وكأنما يجلسون إلى مائدةِ عشاء رافعين مرافقَهم عليها، يبتسمون ويبدُون في كامل عافيتهم. يصل الضوء إلى حيث هم. جدران المقبرة مرسومة عليها مناظرُ خارجية، وكأنها في الهواء الطَّلْق. لكن الموت ليس مُنكرًا؛ إذ توجد رسوماتٌ جدارية تُظهِر الموتى يقفون مكفَّنِين ويودِّعون أحباءهم. شيَّد الإتروسكانيون أيضًا أمتعةً للقبر كي تساعد موتاهم في رحلتهم إلى الحياة الآخرة، منها سفن الموت الصغيرة المصنوعة من البرونز، وهي تَذكار ونموذج لوسيلة نقل، مراكب عبور تذكِّرنا بانقضاء الحياة. وكانت تُوضَع داخل المقبرة بجانب الأسِرَّة الحجرية. ومنها استمدَّ لورانس موضوعَه الأخير لقصيدته الطويلة «سفينة الموت»، التي تُبحِر إلى أبعد مكان، إلى الظلام المترامي أمامها. ومع ذلك، فإن ما أراده الإتروسكانيون تحت الأرض في الأغلب، وما حرَّك لورانس أكثرَ من أي شيء، كان المَشاهد المرسومة، التي تصوِّر الحياة، والأحياء، والألوان والأشياء البديعة كالطيور والموسيقى، وقنْص الطيور وصيد الأسماك، والزيتون والنبيذ، والفهود والثيران والجنس والأزهار.

من أسوار تاركوينيا، يمكن رؤية المقابر على الجانب المقابل فوق تلٍّ أخضر:

هذا التل له روح، له معنًى … إنه التل الذي يرقُد الموتى فيه مدفونين، كالحبوب، وأحياءً في بيوتهم المطلية تحت الأرض … مثلهم مثلَ البيوت … إنه بيت … تبدو الغرفة وكأنَّ إتروسكانيي القرن السادس قبل الميلاد لا يزالون يسكنونها … كلُّ شيء ملوَّن، وليس ثَمة ما يدل على أننا تحت الأرض على الإطلاق.

كانت القبور توابيتَ بجانب كونها بيوتًا مزعومة، ويرى لورانس غبارًا حيث رقدت الجثث يومًا ما، وقد «انغمست» فوقها درعٌ، واستقرَّت حُلقانٌ فوق سرير حجري «حيث استحالت الأذنان غبارًا»، و«أساور في غبار كان يومًا ما ذراعَين». ولكنه لا يزال يستشعر حياةً وسط تلك الحياة الخامدة. وأكثر ما يتجلى فيه ذلك هو الرسومات الموجودة على جدران المقبرة:

رويدًا رويدًا، يصبح العالَم السفلي للإتروسكانيين أكثرَ واقعيةً من نهار العالَم العلوي في فترةِ ما بعد الظهيرة. ويبدأ المرءُ يعايش الراقصين والمحتفلين والمعزِّين المرسومين، ويتطلَّع إليهم بحماسة …

… يواصل الراقصون رقصَهم، تعدو الطيور، وأسفل شجرة صغيرة، يربِض أرنبٌ متكوِّرًا، مفعمًا بالحياة …

القبور ورسوماتها الجدارية التي تجسِّد ما أسماه لورانس «الازدهار الطبيعي للحياة»، تخبِره كيف كانت حيواتنا جميعًا ستسير وربما كيف ستسير مجددًا لو أننا انتبهنا. جعل الإتروسكانيون الحياة حسنة حتى وهم تحت الأرض، ويحاول لورانس أن يستجلب ذلك الحُسن إلى «نهار العالَم العلوي» على سطح الأرض. يصف إحدى المقابر (المُزيَّنة برسومات لنمورٍ رَقْطاء) «غرفة صغيرة ساحرة دافئة»، فنتذكَّر أن لورانس كان ربَّ بيت شغوفًا أينما سكَن، وأنه كان يجيد الحياكة والطهو، وأنه كان يحب تزيين الغرف وترتيبها (تقول فريدا: «لا أذكر أنه كسر صحنًا أو كوبًا قط.») وأنه كان يحمل معه في أسفاره مطبخًا متنقلًا.

يكاد المرءُ يسمعهم الآن، ينادون ويصيحون ويعزِفون الناي ويسوقون القطعان المختلِطة من الغنم والماعز، يمضون في صمت شديد، ويقودون ثيرانًا بطيئة بيضاء تشبه الأشباح والأغلال لا تزال مربوطة في أعناقها …

الوضع مختلِف الآن … لقد فقدنا صنعة الحياة، وصِرنا جاهلين جهلًا بينًا بالعلم الأهم من بين العلوم قاطبةً، علم الحياة اليومية، علم السلوك …

وجد لورانس في السعادة الإتروسكانية أسلوبَ حياة لطالما كان يحاجج دفاعًا عنه. حين خطا داخل تلك المشاهد تحت الأرضية التي تصوِّر أوقاتًا سعيدة متشابكة، كان قد اختلق لتوِّه شخصية ميلورز في روايته «عشيق السيدة تشاترلي». يبدو أن شغفه البالغ بأسلوب حياة الإتروسكانيين السابق للعصر الروماني (حسبما كان يراه) والمناقض لأسلوب الحياة فيه، لا يستند كثيرًا إلى ما نعرفه الآن. فقد تجاهل المؤرخين الذين قرأ لهم. وتضايق من زائرٍ كان معه في المقابر، شابٍّ ألماني، كان له تفسيرٌ آخر لما رأياه. لكن الحقيقة ما هي إلا شُدْفة مما أراده لورانس.

لمسَ لورانس «اتصالًا انسيابيًّا صامتًا» — إحساسًا بالإتروسكانيين — ربطهم بمشروعه. كانوا يجيدون الاستمتاعَ بالحياة. كانوا يتمتعون ﺑ «الوعي الكوني العتيق»، أو هكذا بدا له؛ إذ كانوا يعرفون الفصول ويعيشون وهم مدركون وجودَ الموت، لكنهم ألِفوا آصرة الارتباط وجلبوها بحميمية وقرُبٍ إلى بيوتهم السفلية المحفورة تحت الأرض، المستقاة من المساحاتِ التي كانوا يسكنونها أحياءً. كانوا يريدون لموتاهم حياةً كالتي عاشوها أحياءً.

«مفعم بالحياة»، هكذا كتب لورانس واصفًا أرنبًا مرسومًا على أحد الجُدران، ويصوِّر كذلك جميع رسومات المقابر الإتروسكانية وكأنها حيةٌ وحاضرة، وكأنها تتحرَّك، وكأنها لا تزال تمضي، وتنساب إلى الأمام. يقول لورانس في كتابه: «سيمنحك الانتباه التام، إن كنت قادرًا عليه، جوابه الخاص.» ليس علينا سوى أن ننتبه إلى ما نفعله — وبلا حديثٍ منمَّق رجاءً — ثم نعرِض الفيلم من وحي رؤيتنا نحن:

أكاليل تتدلَّى من الإطار اللبلابي بالأعلى، وصبي يجلِب إبريقَ نبيذ، وموسيقى تُعزَف، وقِط يطوف تحت الأسرَّة، فيما يراقبه ديك يقِظ. لكن الحَجَل الأخرق يدير ظهره، ويواصل السيرَ بسذاجة …

… الإتروسكانيون ما يزالون موجودين هناك، على الجدار …

… البشر والمخلوقات الأخرى جميعهم متناغمون. تلك واحدة من أكثر الخصال ندرة، في الحياة وكذلك في الفن … هنا، في تلك اللوحة الإتروسكانية الباهتة، ثمَّة اتصالٌ انسيابي صامت يوحِّد الرجل والمرأة الجالسَين على الأريكة، والصبي الخَجِل الواقف خلفهما، والكلب الذي يرفع أنفه، وحتى الأكاليل المُعلَّقة على الجدار.

الأسلوب الذي كان يرسُم به الإتروسكانيون، لم يُرشِد لورانس إلى نمط بيوتهم فحسب، بل أيضًا إلى الحقيقة «المؤثِّرة» لأسلوب معيشتهم.

تكمُن دقةُ الرسومات الإتروسكانية، كمثيلاتها الصينية والهندية، في «الأطر» الإيحائية لشخوصها. هي ليست مُحدَّدة المعالم. ليست ما نُسميه «رسمًا». بل هي خطوط كِفافية انسيابية تحدِّد موضع انفصال الجسد فجأة، على خلفية من الهواء. يبدو أن الفنان الإتروسكاني رأى الكائنات الحية تنبثق من باطنها إلى ظاهرها. وتوحي انحناءات وكِفاف حواف الصور الظلية بالحركةِ الكاملة للنموذج المصوَّر بداخلها …

لا بد أن ذلك كان عالَمًا مُدهِشًا، ذلك العالَم الذي يبدو فيه كلُّ شيء حيًّا وبرَّاقًا في اتصاله المبهم بجميع الأشياء، هو ليس مجرد شيء فردي منعزل يتراقص عليه ضوءُ النهار: حيث يكون لكل شيء معالِم محدَّدة واضحة مرئية، عِيانًا، بل وضوحه مرتبطٌ شعوريًّا أو حيويًّا بأشياءَ أخرى غريبة، كلٌّ منها ينبثق من الآخر، أشياء متناقضة عقلًا تنصهر معًا شعوريًّا …

إذ إن الشمس بإمكانها أن تُدفئ العالَم، مثل دجاجةٍ صفراء ترقد على بيضها. أو بإمكانها أن تمتص الحياة من العالَم بأنفاسها الملتهبة …

«شيءٌ ينبثق من آخر. اندفاعٌ باهر بطيء» — يصِف لورانس رسمًا لعربةِ أحصنة تتحرَّك في طريق محفورة على جرَّة رفات فولتيرية بتلك الصفة. كلمة «اندفاع» كلمة مهمة بالنسبة إليه؛ فهي استحضار للحركة يؤكِّد أيضًا على وجودِ اتصال أو ارتباط؛ فهي تعني عجيج الحياة، «المذبح الأخضر» الذي ذكره كيتس (في قصيدته «قصيدة غنائية على جرَّة إغريقية»)، وتعني لي الخُضرة والخَضار.

•••

لا أعرف كاتبًا مُبدِعًا آخر، عدا جيرارد مانلي هوبكنز (وهو أيضًا شاعِر وعالِم نباتاتٍ بائس أحيانًا)، يملِك عزمًا أكبرَ من عزم دي إتش لورانس بخصوص الأزهار. لطالما عرف الأزهار طوال حياته، كان يعرف أوقات السنة بالأزهار، وكان يعرف مكانه بها؛ حتى إني أظن أنه كان يعرف نفسَه بها. كانت ساعتَه وتقويمَه ومقياسَه للحرارة والضغط الجوي وبوصلتَه. كان يلاحظها أينما ذهب ويكتب عنها طوال الوقت. وصفت فريدا حاله حين يكون بالخارج:

جميع مَن رافقه يومًا في نزهةِ سير يتذكَّر كم كانت تجربةً مميَّزة. كان يبدو أن كلَّ ما يراه في الهواء الطلْق يراه لأول مرة، وكان يلاحظ كلَّ شيء، كل أول زهرة تتفتح في الربيع، كل لون، وكل رائحة.

كان لورانس، كما تشير الناقدة إم إم ماهود في كتابها العظيم عن الكُتَّاب الأدبيين من ذوي الميول النباتية، متفردًا بدراسته لعلم النبات في الجامعة. جعل أرسولا في روايته «قوس قُزح» تفعل الأمر نفسه، وبهذا أدخل الميكروسكوبات والأنوية إلى الرواية. كان يعرف كيف تنمو الأزهار. وكان على درايةٍ ببعض العلوم النباتية. لكنه أيضًا كان يحب تأثيرَ الأزهار علينا — تأثيرها على مشاعره وأفكاره — وكان يريد الكتابة عنها. حين كان مراهقًا، كان يقطف عيناتٍ من الأزهار التي يجدها حول منزله في نوتينجهامشاير ويعلِّقها. وسرعان ما أقحمها في كتاباته الأدبية، ومقالاته وقصائده. في بعض الأحيان، كانت الأزهار تقاوم ذلك، وكان لورانس يسمح لها بذلك، ويدرك أنها لا تطيق الاستغلالَ المجازي الزائد عن الحد أو الإكراه الرمزي. وكأن حقيقتها تُنبِّهه حينما يكون قد بالغَ في نقطةٍ ما، وتخبره بأن الفعل الأمثل هو تصحيح رؤيته بتركيز اهتمامه على ما ينمو بالفعل. هذا من شأنه أن يفصِح عن الكثير — بقدرِ ما تتحمله أيُّ زهرة — وهو ما فعله ببراعة وبإتقان في قصيدةٍ تلو الأخرى. وفي رسائل لورانس، تتراجع أكثرَ زينة الأزهار وبهرجها.

كتبَ دي جيه إنرايت عن قصائد لورانس عن الماعز يقول: «بُعد نظره مدهش، هو درب من السِّحر، مثل آدم بين الحيوانات.» (في مقالٍ له عن طفولته، يصف لورانس نفسَه بأنه «حيوان مختلِف» عن باقي صِبيان الطبقة المتوسطة في مدرسة نوتينجهام الثانوية.) الأمر سيان بالنسبة إلى أزهاره. كان يعرف المهم منها ومواسمه. كان ترتيب نموها مهمًّا بالنسبة إليه. تسجِّل رسائله — بغضِّ النظر عن المخاطَبين بها — تعاقُب الخضراوات على مدار العام وحول العالَم. لم تكن كلمة نظام بيئي موجودة حينها (استُخدمَت للمرة الأولى عام ١٩٣٥)، لكن لورانس كان يصفُها دومًا في مراسلاته تلك، ليس ازدهارًا ملحوظًا واحدًا، بل مواطن أو بيئات متشابكة. شبكة الحياة تلك تظهر ضمنيًّا في ترتيب ميلورز المُغالي للأزهار في رواية «عشيق السيدة تشاترلي».

أول قصيدة كتبَها لورانس على الإطلاق كانت بعنوان «أزهار اللُّخنيس». وأولُ قصيدة في ديوانه «قصائد مُجمَّعة» هي «البرية المألوفة»، ومطلعها: «الومضاتُ السريعة تتقافز على شجيراتِ الجَولَق/دفقاتٌ صغيرة نسجها ضوءُ الشمس». «أزهار الجنطيانا البافارية» هي إحدى قصائد ديوانه «القصائد الأخيرة»:

ناوِلني زهرة جنطيانا، أعطني مِشعلًا!
دعني أسترشد بالشعلة الزرقاء لمِشعل تلك الزهرة المفلوق، فأنزلَ إلى درجاتِ السُّلَّم التي تزداد إظلامًا، إلى حيث يستحيل اللونُ إلى الزُّرقة الخالصة.
إلى حيث تذهب بيرسيفوني الآن، حين تغادر سبتمبر المتجمِّد.
إلى العالَم الخفي حيث يستيقظ الظلامُ في ظلام …

تخلَّل ديوانَيه الأول والأخير مئاتٌ من الأزهار وربيعٌ طويل. لكنها تتقلَّص، حتى لا يَعُد سوى أزهار الجنطيانا الداكنة (وهي أزهار خريفية)، في آخِر ديوانٍ كتَبه في حياته. قبله، كانت الأزهار هي وقود كل قصائد لورانس تقريبًا، حتى تلك التي تخلو من ذِكرٍ محدَّد للأزهار. كان يقصد بعنوان ديوانه «أزهار البانسي» الإشارة إلى الكلمة الفرنسية «بَنسي» (أي الأفكار)؛ إذ كان باقة من أزهار البانسي كما قال، «حَفنة من الأفكار»، لكننا نفهم الفكرة، ونفهم كيف أن الأزهار كانت تُذيِّل كلَّ شيء له. صرَّح في تمهيدٍ لديوانه «قصائد مُجمَّعة» عام ١٩٢٨، بأن قصيدة «البرِّية المألوفة» هي وجهةٌ لطالما ظل يفتش عنها طوال حياته: البرِّية المألوفة، الجَولَق، الشباب العذارى هنا في ذلك الآن والمكان، هم هم: أنا نفسي، والتجربة الواحدة نفسها.»

كانت الحبوب مهمة أيضًا. بمدينة كورنوول، بعد أن قُمعَت روايته «قوس قُزح»، وحين كان على وشْك مغادرة إنجلترا محاولًا السفر إلى أمريكا، كتبَ في رسالة: «انتهت حياتي هنا. يجب أن أمضي مثلَ حبَّةٍ وقعت في أرضٍ جديدة.» وفي رسائله لاحقًا، كان دائمًا يصف صحَّته ﺑ «الوهن». ظل مريضًا لسنوات، لكنه أنكر تلك الحقيقة أمام نفسه وأخفى الجزء الأسوأ منها عن مراسليه. أعتقد أنه استخدم تلك الكلمة كي يُضفي خلسةً على وصفه لنفسه شعورًا بالنمو المُحتمَل، بالتجدُّد أو الصحو من السُّبات والخمول، من ظلمة الشتاء إلى الربيع. كان ذلك الفصل يعني للورانس أكثرَ مما يعنيه أيُّ وقت آخر من السنة. كان الربيع يعني العودة إلى الحياة وتحسُّن حاله. يعني خلق حياة أيضًا. ويعني أيضًا الأبناء الذين لم يُوهَبهم قط.

في الوقت نفسه، بين شهرَي فبراير وأبريل ١٩٢٧، حين كان لورانس يعمل على نسخته الثانية من رواية «عشيق السيدة تشاترلي»، وكان مسافرًا إلى القبور الإتروسكانية، كتبَ مقالًا من أربعة أجزاء يُعرَف الآن بعنوان «توسكانيا الوردية». يفتتحه قائلًا: «لكلِّ بلد أزهارُه الخاصة،

التي تتألَّق فيه كما لا تتألق في سواه. لدى البحر الأبيض المتوسط أزهار النرجس والشُّقَّار والآس والبروق والياقوتية. تلك هي الأزهار التي تتحدَّث وتُفهَم تحت الشمس حول البحر المتوسط.

الزراعة البشرية هناك، «التشكيل الرقيق الحسَّاس للمساحات الخضراء جميعها»، لم تُبعِد «بان إله الأحراش أو بَنِيه»، يقول لورانس: «تحسَّس الإنسانُ طريقه برفقٍ إلى زراعة الأرض وإثمارها، فشكَّل الأرضَ وفقًا لاحتياجاته دون أن ينتهكها.» ومن ثَم، صارت المساحات الخضراء المزروعة تضم أزهارًا برية ونباتاتٍ مستأنَسة على حدٍّ سواء، تتشارك جميعُها بيئةً واحدة.

يبدأ الربيعُ في فبراير، مع نبتة البيش الشتوية. في مطلع فبراير، في يومٍ قارس البرودة، تهبُّ فيه الريح التي مرَّت بجليد الجبال، ستلاحظ على رقعة أرض مُراحة، تحت أشجار الزيتون، كراتٍ صغيرة مُحكَمة ذات لون ذهبي باهت، مقفلة بإحكام مثل البندق، تستقر على الرُّقَع المستديرة للنبات الأخضر القريب من الأرض. إنه نبات البيش الشتوي أنبتَ فجأة.

لطالما كان وصوله، ذلك الظهور «المفاجئ»، مهمًّا دومًا للورانس. إذ كان يبحث عن أي «تفجُّر» من ذلك النوع، يعلن انطلاقة الربيع. وعادةً ما يحدث ذلك ويُستشعَر بقدرٍ أكبرَ في «أرض الشمس» جنوب جبال الألب. أما شَمال جبال الألب حيث مسقط رأسه، فكانت «أرضًا شيباء أبدًا».

ومع أن أزهار الربيع صماء وثابتة، راسخة في الأرض، ومن ثَم لا تستطيع السفر مثل لورانس، أو الهجرة مثل العنادل، يُوصَف نموها الحافل بأنه متحرِّك بقوة ووضوح.٥ تلك أزهار الزعفران:

لا يمكنك أن تصدِّق أنها ثابتة في مكانها. إنها متفتِّحة ببهجة بالغة، ومِدقتها ذات لون برتقالي محمر فاقع، وأعدادها كثيرة للغاية، تمتد على نطاقٍ بعيد ومذهل، فتعكس انطباعًا باللذة التامة التي تبعث عليها حركة مبهجة مُحتشِدة، يسودها اللونان الأرجواني والبرتقالي المتألقان، وتندفع بإيقاعٍ خفي لحركة جماعية مبهجة. لا يمكنك أن تصدِّق أنها لا تتحرك، وأنها لا تصدِر صوتًا بلوريًّا معينًا ينمُّ عن البهجة. إن جلست متسمِّرًا تراقبها، فستبدأ تتحرَّك معها، وكأنما تتحرَّك مع النجوم، وتسمع لتألقها صوتًا. لا بد أن جميع الخلايا الصغيرة لتلك الأزهار تتراقص مفعمةً بحياةٍ مُنمَّقةٍ وتعابيرَ هامسة.

في مدينة توسكانا، يحدث ذلك قبل حلول مارس. بحلول نهاية فبراير، تكون الخُضرة قد كست كلَّ شيء:

الآن أصبحت شجرةُ الكمثرى كتلةً كثيفة من اللون الأخضر اللامع الجديد، ملساء وجميلة، تملؤها الأوراقُ اليانعة بلون التفاح الأخضر، تتألق بين جميع الزروع الخضراء على سطح الأرض، القمح الزمردي الذي بلغَ نصفَ ارتفاعه، والزيتون الرمادي شبه الخفي، والأخضر المشوب بالبُني لأشجار السرو الداكنة، وأشجار البلوط السوداء الدائمة الخُضرة، والثمار الخضراء المنتفخة الدائرية لأشجار الصنوبر الثمري، وأشجار الخوخ واللوز اليافعة ذات اللون الأخضر الفاتح، والأخضر اليانع الزاهي لأشجار الكستناء الهندي. درجات كثيرة جدًّا من الأخضر. جميعها في هيئةِ قشور أو رفوف أو طاولات مائلة وأكتاف محنية وريشات وأعمدة وشجيرات قائمة، من خَضار بعضُه فوق بعض، يُذهل البصرَ أحيانًا وهجُها الأخضر والذهبي، في المساء حين تبدو صفحة الأرض وكأنما تتأجَّج النارُ في باطنها.

فيما يخصُّ هذه الأزهار وولادتها نتيجة «مواقعة بين السماء والأرض»، يتحدَّث لورانس عن الشمس أكثرَ بكثير مما يتحدَّث عن الأرض في مقاله عن البحر المتوسط. هو بصفة عامة يسكت عن الحديث عن الأرض. أعتقد أنه كان يعتبرها عنصرًا مرتبطًا أكثرَ بالشَّمال. إنها توحي بالأصل، وربما هكذا كان ابن عامل منجم الفحم يرى التربة. كانت أرضُ مسقط رأسه الذي زاره مرة أخرى عام ١٩٢٦ هي شرارة البدء — تيار صاعد أو انبثاق لأعلى — لروايته «عشيق السيدة تشاترلي». لكنَّ لورانس لم يكتب قط في إيطاليا عن أزهاره الخاصة، أو عن بستان أو أي شيء زرَعه — لم يمتلك أرضًا خاصة به. كان حضور الشمس أقوى بكثير. كان يعرف «الواقع البارد المظلم الذي تحيا فيه البُصيلات»؛ ويعرف أن تياراتٍ خضراء تنبثق من الأرض السوداء؛ ويعرف أنه كي تصعد بيرسيفوني إلى ظاهر الأرض لا بد أن تكون قد نزلت إلى باطنها. كان يعرف كل شيء عن ذلك، لكنه أراد أن يتحدَّث أكثرَ عن الجانب الآخر من القصة. كانت الشمس سحرًا. وفي الوقت الذي كان لورانس يكتب فيه، كان عُمر الشمس ومدة حياتها المُرجَّحة موضوعَين لَقِيا اهتمامَ العِلم، لكنه لم يُلقِ بالًا لذلك. لم يُهمَّه احتسابُ تاريخٍ محسوب لانقضاء عُمر نجمنا النهاري؛ بل سلكَ به تفكيره الاتجاه المعاكس. فكان الضياء الجنوبي، نور الشمس الباهر، دليلًا على دوران الحياة وتعاقُبها اللانهائي. كان درسًا يبعث على الطمأنينة. نحن لا نعرف يقينًا «إن كانت الشمس قد جاءت إلى الوجود يومًا، وليس لدينا أدنى دليل نستند إليه في التخمين بأنها سترحل عنه يومًا»، يقول:

وبذلك، تنتفي قَطعًا الفواجع. الكون بمنأًى عن الفواجع، أما الإنسان فلا يفجعه إلا خوفه من الموت. بالنسبة إليَّ، لو أن الشمس مضيئة دومًا، وستظل كذلك أبدًا، رغم أنف ملايين الغيمات من الكلمات، إذَن فأهوال الموت إلى حدٍّ ما قليلة. في ضوء الشمس، حتى الموت يبدو مشرقًا. وضوء الشمس لا نهاية له.

لهذا السبب، أرى أن التغيُّرات السريعة التي تطرأ على ربيع توسكانا تخلو تمامًا في نظري من أي شعور بالفجيعة. «أين ذهب جليدُ العام المنصرم؟» ذهب بالضبط إلى حيث يجب أن يكون. أين ذهبت نبتات البيش الصغيرة الصفراء التي كانت موجودة منذ أسبوع؟ لا أعرف ولا أكترث. كانت مشمسة، والشمس ساطعة، وضياؤها يعني التغيير، وموت بتلات وولادة أخرى. نبتات البيش الشتوية جاءت مشرقة ومضت مشرقة. أزِدك من البيت شعرًا؟ تسطع الشمس أبدًا. ونحن مخطئون إن اعتقدنا غير ذلك.

تصوَّر ما كان لورانس ليقوله عن التغيُّر المناخي! لو أنه شهده … ما كان المرءُ ليتمنَّى له ذلك، لكنه كان ليتناوله بطريقة باهرة.

شهد لورانس ربيعَين آخرَين في جنوب أوروبا، وتُوفِّي — يوم ٢ مارس ١٩٣٠ — في بداية ربيع ثالث. في الجزء الأخير من مقال «توسكانا المُزهِرة» ينتقل التركيز من الأزهار إلى بعض البشر ممَّن يُشبِهون زهرةَ عبَّاد الشمس مثله، يَصبُون إلى الشمس وإلى الجنوب. تتضمن بعض مقالاته التي كتبها عن التَّرحال في إيطاليا وصفًا لمقابلات مع أفراد شتَّى من أتباع حركة «فاندرفوجل» — عادةً من الألمان — من المهاجرين ناشدي الشمس، يرتحلون سيرًا على الأقدام من أقصى الشَّمال، حُجَّاجًا، «مُتسكعين لأجل التسكُّع». التقى بعضًا من أولئك الشباب اليافعين على جسر بونتي فيكيو في مدينة فلورنسا؛ كان قد التقى واحدًا آخر منهم في المقبرة الإتروسكانية؛ وقبل ذلك استطاع شابٌّ آخر له غرضٌ مختلِف أن يتصيَّد فريدا، أو استطاعت هي أن تتصيَّده لبضع دقائق، حين كان لورانس وفريدا في طريق هروبهما إلى الجنوب. يثير أولئك الشباب اليافعون الشَّماليون ذوو حقائب الظهر قلقَه وانبهاره على حدٍّ سواء. يقول عنهم إنهم «همجيون» بحق، وإنهم «يَصبُون إلى الشمس مجدَّدًا، في مغامرتهم الكبرى بحثًا عن أنفسهم». يحاول أن يسبُر أغوارَ العقل التيوتوني لأولئك المتسكعين العائدين إلى أحضان الطبيعة، لكن في ختام صفحات ملاحظاته المنتشية عن الربيع التوسكاني، تبدو مُحاجَّته مصطنَعة أو مُقحَمة. ففي النهاية، تتحرَّك أزهارُ توسكانا، بطريقتها الخاصة، نحو الشمس كلَّ ربيع حين تتسلق خارجةً من ظلام الشتاء؛ وبطريقته الخاصة يحذو لورانس حذوَها.

«تتملك المرءَ حاجةٌ مُلحَّة إلى التَّرحال.» يصل لورانس إلى كل مكان (كما وصل هنا مغادرًا صقلية إلى سردينيا) وهو يعتزم الرحيلَ عنه. على هذا النهج أيضًا تسير أعماله، وتفسيره لنمو النباتات — «اندفاعها» و«لغتها». استخدم لورانس هاتَين الكلمتَين على نحوٍ متكرِّر وهو يصف الأزهار؛ استخدمهما أيضًا لوصف نوع الشِّعر الذي ينظِمه. الأزهار يمكن أن تكون قصائد والقصائد يمكن أن تكون أزهارًا. في عام ١٩١٩ كتبَ مقدمة للطبعةِ الأمريكية من كتابه «قصائد جديدة» بعنوان «شعر الحاضر». وهي مقدِّمة مفعَمة بالأزهار (لا منمَّقة ولا مبهرجة). ولغتُه التي استخدمها في التعبير عن الصيرورة المستمرة للأزهار تتخطَّى حاجزَ الأنواع:

الشِّعر الحُر هو، أو يجب أن يكون، الكلامُ المباشر للإنسان المكتمِل الذي يحيا في الحاضر. هو تدفُّق الروح والذهن والجسد في آنٍ واحد، دون إغفال لأي شيء.

إنَّه لأمرٌ مدهش، وإن لم يكن غريبًا، أن تكون أكثر الأشياء التي كان لورانس يتأمَّل فيها راسخة في مكانها، مع أنه في رشده لم يكد يمكث في مكان واحد لأكثر من فصلٍ من عام. كان يحب تلاحق البدايات والنهايات المتعاقبة، لكنه كان عادةً يمضي إلى مكانٍ آخر قبل أن يشهد تكرُّره حيث هو. أثَمة كاتبٌ يُضاهيه في تَرحاله وعدم استقراره؟ بالتأكيد لا يوجد أيضًا مَن يضيق ذرعًا بالمكان الذي ينتهي به الأمر فيه أيًّا كان على ذلك النحو المتكرِّر. بالنسبة إلى لورانس، كان ثَمة بضعة أيام أولى تبدو له فيها حياةُ الاستقرار في المكان الجديد واعدة، لكن سرعان ما يحين الوقت للخروج والمُضي قُدمًا مرة أخرى. ولمَّا كان المكانُ الذي يصل إليه لورانس أينما كان يخيِّب أملَه دائمًا، كانت لديه حاجة دائمة إلى منصات انطلاق وأماكن جديدة. ومع أنه كان يدرك كلما تقدَّم به العُمر أنه يستحيل أن تكون له وجهةٌ يستقر فيها — مكان مناسب في الوقت المناسب — لم يتوقَّف عن محاولة المضي قُدمًا.

كانت إنجلترا، مسقطُ رأسه، هي موطنَ أعمق مشكلاته وأكثرَ مكان كانت مغادرته ضرورية بالنسبة إليه، لكن لم يَسلم أيُّ مكان آخر من ذلك. في عام ١٩٢٢، بعد أن قضى في إيطاليا خمسة شهور، كتبَ أنها «بلد بغيض». وحين وصل ليقضي مدة إقامته تلك في صقلية في سبتمبر ١٩٢١، وصفها بأنها «الديار» وكتبَ: «ذلك أكثرُ مكان يعجبني حتى الآن.» وبعد بضعة أسابيع كان يفكر في الانتقال والتحرُّك من جديد. الاحتمالات كانت دومًا واعدة. بدا له الرحيل عن طبرمين إلى بلدة تاوس في نيو مكسيكو مُغريًا. ولوهلة، خلال الشتاء نفسِه لعام ١٩٢١–١٩٢٢، كانت دولة سيلون هي الوجهة المنشودة — «نخيل وفِيَلة وقردة وطواويس» — فاستقلَّ السفينة من مدينة نابولي في فبراير ١٩٢٢. لكنها كانت مريعة عن قرب. أدرك ذلك في غضون أسبوع تقريبًا: «الشرق لا يناسبني.» حينئذٍ رأى أنه يجب أن يعود إلى إنجلترا؛ حيث للحياة أهمية حقًّا ويمكن تفسيرها. لكن ربما تكون أمريكا ملائمة. في الواقع، كانت وِجهتُه التالية هي أستراليا: «لا أعرف السبب.» استمرَّ الأمر على ذلك المنوال. ومن ثَم، مضى هو فيه.

كان يدرك أنه صعبُ الإرضاء، وكان يتناول ذلك بسخرية، مع أن إثمه الدائم والوهمي ذلك كان يسبِّب له الإحباط والحزن. كانت أستراليا تتمتع ﺑ «هواء بديع وشمس وسماء بديعَين» لكن، ويرِد ذلك على لسانه هو، «لكن — لكن — لكن — عادةً ما ألاقي النهايات المثبطة المليئة بتلك الكلمة.» لكن هناك دومًا مكانٌ آخر. تُراه المحيطُ الهادئ ربما؟

أنا مُصرٌّ على «تجربة» جزر بحر الجنوب. لا أتوقَّع أن يعجبني الأمر هناك أيضًا. لكني أُحبُّ تجربة الأشياء واكتشاف أوجه كُرهي لها.

بعد خمسة أيام، كتبَ رسالةً أخرى وهو على متن سفينةٍ تبحر بين مدينتَي بيرث وسيدني:

أشعر أني بمجرد أن أنطلق خارج أوروبا سأواصل المضي قُدمًا. يعجبني ذلك كثيرًا. لكن فريدا لا تزال تصبو إلى بيتٍ صغير يكون مِلكًا لها. أما أنا فلا.

أعجبته أستراليا بسبب المحيط، وبسبب أن أحدًا لم يأتِ لزيارته. لكن الطعام كان مكلِّفًا والأشخاص الذين رآهم لم تكن لديهم حياة. والمحيط الهادئ؟ «قضينا يومًا في جزيرة راتروتونجا ويومَين في تاهيتي: ممتعة جدًّا للنظر، لكني لم أرِد المكوث فيها، لم أرِد ذلك على الإطلاق.» وفي مرة أخرى: «غثيان من الزواحف ولكن الأزهار بديعة.» كتبَ في الرسالة نفسِها يقول: «أرى السفر درسًا عظيمًا في خيبة الأمل — في المقام الأول.» بعد شهر في منتصف سبتمبر (ذلك كلُّه عام ١٩٢٢) كانا في مدينة تاوس، نيو ميكسيكو:

أمريكا هي كما تخيَّلتُها إلى حدٍّ ما: إما أن تزاحم غيرَك أو يزاحمك. لكنها لا تزال مع ذلك تتمتع بالرحابة، يشوبها حسٌّ بالخَواء، وحسٌّ ما بالحرية الفظَّة، يروقني. أكره ضيقَ إنجلترا الباعث على التركيز في التفاصيل. ومع ذلك، أفكِّر في العودة إلى هناك في الربيع. الطقس لا يزال حارًّا ومشمسًا هنا، وكأنه الصيف.

كانت الولايات المتحدة شاسعة، لكن الطقس كان مُضطربًا غير متناغم. على أقل تقدير، هناك فصول مختلفة في إنجلترا. بعد يومَين كتبَ لورانس إلى إي إم فورستر يقول:

أشعر بالغربة الشديدة، لكني اعتدتُ ذلك الشعور، وأفضِّله على الشعور ﺑ «الألفة». ففي النهاية، لا يشعر المرءُ بالغربة واليأس في مكان بقدرِ ما يشعر وهو في دياره.

هورنر

٥١ درجة شَمالًا

على مدار أربعين عامًا أو يزيد، كانت غابات البلوط في وادي هورنر، على المنحدر الشَّمالي لمنطقة إكسمور في غرب سومرست، مكانًا شعرتُ بحاجة لأن أكون فيه كلَّ ربيع. يوجد هناك الكثير من الأشياء التي أراها أحاسنَ الربيع. تصل طيور الحميراء وخاطفو الذباب والهوازج من أفريقيا في أبريل كي تتكاثر في تلك الغابات. وبعد ثلاثة أو أربعة أشهُر، تعود كي تقضي الشتاء في جنوب الصحراء الكبرى. الطيور التي تظل على قيد الحياة بعدئذٍ تطير شَمالًا إلى هورنر كي تقضي الربيعَ التالي.

كلما تقدَّم بي العُمر تزداد حاجتي إلى رؤية تلك الطيور في أشجار البلوط في هورنر.

لا يمكن لأيٍّ منا أن يعيد ضبط ساعته إلى الصفر، فلا يمكن العودة إلى الوراء ولا يُسمَح لنا بالبدء من جديد: كلَّ ربيع، يتقدَّم العُمر بنا جميعًا؛ أزدادُ شيبًا ويضعُف سمعي وتُبطئ حركتي، وأصير أقربَ إلى الخريفِ بصفة عامة؛ لكن رؤية أثرِ الزمن عبر أشجار البلوط والحميراوات في وادي هورنر تجعلني أشعر بوتيرة العالَم وهي تتسارع وبعودته إلى الحياة عامًا تلو الآخر. ورؤيةُ الطيور المهاجرة وهي تبدأ بداية جديدة في ذلك المكان، وتكرارها لفعلها على مدار أعوام كثيرة، يجعلني أشعر في نفسي — ولو للحظة عابرة وأنا أقف تحت طائر مغرِّد على شجرة خضراء — أنه يمكن أن أُنشأ أنا أيضًا من المَنشأ نفسه، أو أُصنَع في الوقت نفسه ومن المادة نفسها. لو صحَّ ذلك، فأنا على قيدِ أنملة تقريبًا من حياةٍ ربما لا تتوقَّف أبدًا، على عكس حياتي. تلك فكرة تخيُّلية بالطبع، غير أني أعتقد أن هذا هو ما يفعله الربيع: حتى نتمكَّن من أن نُلقي بنهاياتنا خلف ظهورنا بدلًا من أن نضعها نُصب أعيُننا؛ حتى يمكن أن تكون أشجار البلوط والحميراوات تلك هي الساعات والبدايات الجديدة.

شقَّت الأغادير التي تتحوَّل إلى جداول والتي بدورها تكوِّن نهرَي هورنر وإيست ووترز، أوديةً عميقة هادرة بعيدًا عن مرتفع إكسمور متجهةً جنوبًا نحو قناة بريستول. نادرًا ما يكون لون الخلنج والعُشب في الأراضي المستنقعية على القمم لونًا آخر بخلاف لون الصدأ أو الأشهب الداكن، لكن في الأماكن التي ليَّن فيها الماءُ وشاحَ التل بعروق مُخضرة وفي الدلتات المكسوة بالعُشب التي تسيل وتتدفَّق. حين يبدو كلُّ ما حولها ميتًا، تلمع تلك الثنياتُ الموجودة في الأرض ببريقٍ فضِّي متلاحِم. يبدأ الربيعُ في تلك الأماكن، في تلك الينابيع، ويتدفَّق مع الماء.

يصعد الجدولان إلى الأرض المستنقعية المفتوحة، لكنها ما تلبث في طريق نزولها من التلال أن تظلِّل الأشجارُ قيعانها الصخرية الضيقة، وتكون أغلبها من أشجار البلوط. تصعد الأشجارُ جوانبَ الوديان المنحدرة وتتسلقها لأعلى. وعلى أطراف الأرض المستنقعية، تمتد الغابات لأعلى حتى صفٍّ من الأشجار ثم تتوقَّف أسفل منطقة دانكري بيكون. وعلى مسافةٍ أقل، بالقرب من حافة الأراضي المرتفعة، تمتد الغابات إلى قمم الوديان وتظلِّل التلال التي بينها. ينبثق الأخضرُ من بين البُني والرمادي.

•••

منذ أن بدأتُ تقريبًا السيرَ في الغابات الربيعية في هورنر، وأنا أقرأ لكولريدج. العديد من أجمل قصائده وكذلك «الفوضى البرَّاقة» (طبقًا لوصف ريتشارد هولمز) لدفاتر ملاحظاته تكون خيرَ رفيق لي هناك. يمكن قراءتها باعتبارها كُتيِّبات إرشادية عن المكان ودلالاته. ألَّف كولريدج جزءًا كبيرًا من أعظم قصائده في منطقة جنوب غرب إنجلترا. تعمَّقتُ فيه وفي كتاباته. نظَم قصيدته «قوبلاي خان»، أو لنقُل أنبتها، في وادٍ ضيق مشجَّر يقع على بُعد خمسة كيلومترات فقط غرب هورنر. كان على دراية بالأشجار في تلك الأنحاء. فقد صوَّرتها خريطةٌ من زمنه وقد نبتت وترعرعت بمحاذاة الأنهار نفسها التي تنمو عندها اليوم. في مقدمته لقصيدته «المبتورة» تلك يخبرنا أن القصيدة وُلِدَت في ذهنه أو تراءت له في صيف ١٧٩٧ في غشيةٍ أو حُلمٍ راوَده حين كان مريضًا في «بيت مزرعة منعزل بين قريتَي بورلوك ولينتون.» من بين البطاقات المصوَّرة التي ترسلها القصيدة عن «الهُوَّات» و«الأغوار التي لا حدود لها»، يسرُد كولريدج أوصافًا لأماكنَ أكثرَ ألفةً، بل أيضًا لأماكنَ محلية: «التل الأخضر» ونهر «يتلَّوى».

استحدثَ كولريدج أيضًا كلمة greenery. ذلك أن أول استخدام للكلمة سجَّله «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية» هو ما ورَد في تلك القصيدة. ترِد الكلمة في موضعٍ تهدُف فيه القصيدة إلى تقفية الكلمتَين tree وgreen. كما تريد القصيدة من القارئ أن يكون منفتحًا، كما في شطرها الأخير المبهم الرنَّان، بأن ينشط — يستوعب مفهوم الخُضرة ويُفعِّله — ومن ثَم يحصد أثر ذلك في ازدهار روحه ونضارة نفسه. في كتابه «سيرة أدبية»، كتبَ كولريدج عن قدرة اللغة على إضفاء الحيوية: كان يعتقد أن الكلمات «ليست أدواتٍ خاملة» بل «آلات مُنظمة، تستجيب للطاقة الملهمة لها.» هكذا هي كلمة greenery، كلمة «مُستحدَثة». وكما أن كلمة verdancy (أي الاخضرار) مُستمدَّة من virility (أي الفحولة)، فإن كلمة greenery (أي خُضرة) نابتة من energy (أي الحيوية والنشاط). إنها كذلك إيحائيًّا وأدبيًّا — إحدى الكلمات التي تكوِّنها حروفُها إن أُعيدَ ترتيبُها هي كلمة re-energy (أي تجديد الطاقة والنشاط).٦

لم تُنشَر قصيدة «قوبلاي خان» حتى عام ١٨١٦، لكن كولريدج ألَّفها حين كان في سومرست مع ووردزورث يكتبان القصائد التي تشكَّل منها ديوانُ «القصائد الغنائية» المنشور عام ١٧٩٨. يتضمَّن ذلك العمل المشترك أشجارَ الزيزفون والعنادل شبه الخيالية، لكنه أيضًا يتحدَّى الصور البيانية الشعرية الراسخة، ويتناول موضوعاتٍ جديدةً في نَظمٍ شعري جديد، ويعيد إحياء الشعر الإنجليزي. إنه كتابٌ ربيعي. تحدَّث ويليام هازليت، الذي كان حينها شابًّا يافعًا يلاحق مؤلِّفَي «القصائد الغنائية» (خرج مشيًا من مقاطعة شروبشاير كي يقابلهما في مقاطعة سومرست)، عن كتابهما قائلًا إنه «له تأثير مشابه لذلك الذي ينتج عن تقليب التربة الرطبة، أو أول نسمة ترحيبية للربيع».

لا يزال يصلح للقراءة بعد قضاء يوم وسط الخُضرة.

بعد وقتٍ ليس بطويل على اكتشافي أن كولريدج هو مَن استحدثَ تلك الكلمة، وأنها كلمة نمَت أوراقُها في شجرة اللُّغة بين أشجار البلوط الشعثاء في الغرب، عرفتُ مصادفةً أن ووردزورث كان مصابًا بعمى الألوان. يقال إنه كان يرى الرمال والعُشب بلون واحد. فاتته الخُضرة على الأرجح. لا أعرفُ لماذا — ربما هو حِس الكآبة والرزانة الخريفية الذي يثيره في نفسي ووردزورث، أو ربما هو الخلاف الذي وقع لاحقًا بين الشاعرَين بعد أن غادرا الغرب — لكن ذلك الاكتشاف جعل اللون الأخضر الذي يستدعيه كولريدج في ذهني أكثر اخضرارًا.

في الوقت نفسه، بعد يوم قضيتُه أسيرُ في الغابات في هورنر، برفقة بعض طيور الربيع القادمة حديثًا، كان من الجيد أيضًا اكتشاف أن كولريدج كان يشير إلى ملاحظاته باسم «خاطفات الذباب». كثيرًا ما تبدأ تلك الملاحظات — المدوَّنة في العديد من الدفاتر — في الميدان وتكون وليدة اللحظة. ويمكن عادةً الاستدلال على لحظة كتابة كل تدوين. إذ يكتب «الآن» على نحوٍ متكرر. يقول (لكن ليس في ملاحظة): «الطبيعة، هي ما يُوشِك أن يُولَد، ما هو دائمُ الصيرورة.» هذا هو ما لاحظَه وأرادَ تسجيله. وبوصفه شاعرًا يافعًا، بدا أنه يعتبر أيَّ شيء عابرٍ مُلحًّا على نحوٍ خاص — كان الأهم بالنسبة إليه هو رصد ما هو سريع وعابر. كتب عن السُّحب والجداول والرياح والقمر وعن طيور الحساسين والذعرات والزرازير والغدفان. كتبَ عن «تململ» أوراق الشجر. كتبَ عن الأشخاص الذين رآهم أو قابلهم في الطريق. كتبَ عن مرحاضٍ متنقل يمتلئ ببوله. سجَّل بالكلمات لقطاتٍ بديعةً ومؤثِّرة للسنوات الأولى من حياة أبنائه، وأورد ملاحظاتهم هم ومغامراتهم الأولى على طريق الفهم. ونظرَ أيضًا إلى داخل نفسه، وعلى غرار علماء الطبيعة، كتبَ عمَّا يرِد في ذهنه وما ينبُت فيه.

بدأ تدوين كولريدج للملاحظات على نحوٍ جادٍّ عامَي ١٧٩٧-١٧٩٨ حينما كان يعيش في مقاطعة سومرست مع أسرته بجوار ويليام ودوروثي ووردزورث. كان يقضي أوقاتًا طويلة في الهواء الطلْق ويسير لمسافاتٍ كبيرة. في ذلك الوقت حاولَ أن يدوِّن الملاحظات واعيًا، يقول: «فيما تدرك حواسي الموضوع والصورة مباشرةً». ومن بين «خاطفات الذباب» (حسب وصفه لدفاتر ملاحظاته) التي دوَّنها توجد بعضُ الملاحظات عن خاطِف ذباب. طبقًا لتدويناته المسجَّلة في دفاتر الملاحظات، لم يكن كولريدج يرى فحسب، بل يفسِّر ما يراه أيضًا. لمَّا قرأ كتاب «التاريخ الطبيعي لسيلبورن» لجيلبرت وايت، استخلصَ بعضَ الحقائق من ذلك «الكتاب الرائع البهيج»:

خاطف الذباب، الطائر الأكثر صمتًا، عدا حين ينتزع القلق الأمومي لحنًا مكتومًا كئيبًا.

لا بد أنه يقصد خاطف الذباب الأبقع الذي يغلِب عليه الصمت، لا المرقَّط الموجود في هورنر، لكن خاطف الذباب الأبقع موجود في غابات سومرست أيضًا. أنا واثق بأن دوروثي ووردزورث (أعتقد أنها على الأرجح كانت مراقِبة الطيور الأقوى ملاحظة بين ذاك الجَمع في سومرست) كانت لتميِّزهما في تلال كوانتوك.٧

•••

في يناير ١٩٦٤ كتبت إليزابيث بيشوب رسالةً إلى آن ستيفنسون، الشاعرة والناقدة، التي كانت تؤلِّف كتابًا عن شِعر بيشوب. كانت ستيفنسون مهتمة بعلاقات بيشوب المحتملة بالفن السريالي (لا سيَّما بالرسَّامين أمثال بول كلي وماكس إرنست)؛ أجابتها بيشوب أنها لا تعتبر أن للسريالية تأثيرًا، بل أشارت إلى أنها تُكِنُّ مشاعر أقوى لكتابات تشارلز داروين. حماستها لنظرة عالِم الطبيعة، وانفتاحه الحالِم الذي من دواعي المفارقة أنه نابعٌ من تركيزٍ شديد، يعتبر وصفًا دقيقًا لنظرتها إلى كتابتها الشعرية وعلاقتها بعالَمها. تأمَّلْ قصيدتها «الطِّيطَوى» على شاطئ المحيط الأطلنطي:

العالَمُ ضباب. وهو أيضًا
عالَمٌ دقيقٌ وشاسعٌ وواضح.

يمكن اعتبار كلمات بيشوب عن داروين التي وصفت فيها بسخاءٍ كيف يمكن لعينٍ منحازة شاردة أن تستوعب عالَم الحقائق (الدقيق والشاسع)، كما تستوعبه عدسةٌ موضوعية بارعة، ويمكن أيضًا اعتبارها نصيحةً إرشادية ودودة عن أفضل ممارسات ملاحظة الطبيعة. الدقة والانتباه الشديد مهم، ولكن من المهم أيضًا أن يطوف بخياله، أو يهيم في المجهول:

حين يقرأ المرءُ لداروين، يُعجَب بالحُجة الجميلة الداحضة التي تُبنى على ملاحظاته الشجاعة التي لا حصر لها، التي تكاد تكون غير واعية أو تلقائية — ثم يأتي تراخٍ مفاجئ، أو عبارة ساهية، فيشعر المرءُ بغرابةِ مهمَّته، ويرى رجلًا وحيدًا، يركِّز عينَيه على الحقائق والدقائق، ويغرَق في المجهول أو يَهيم فيه. ما ينشُده المرءُ في الفن، في تذوُّقه له، هو نفسه عنصر ضروري لخَلقِه، ألا وهو تركيزٌ يجعل المرءَ ينسى نفسَه، ليس فيه أيُّ نفع على الإطلاق.

ما تُشِيد به بيشوب في داروين هو شكُّه وتفكيره المشوَّش، لا جلاء إدراكه؛ فهو يمعن النظر لدرجةِ أنه ينسى نفسه ويفقد القدرة على أن ينظر بغرضِ أن يرى. في قصيدة «الطِّيطَوى» اختلاجٌ أو اهتزازٌ شكلًا وموضوعًا؛ وكذلك الحال في قصيدتَي «السمكة» و«المُدرَّع». «تتنوَّع» القصائدُ على غِرار قصائد دي إتش لورانس التي تناولت الحيوانات والأزهار، و(بعضُ) قصائد جيرارد مانلي هوبكنز، والعديدُ من ملاحظات كولريدج عن الطبيعة.٨ الانتباه الشديد المتضمَّن فيها يتيح لها أن تصف الحياةَ المُلاحَظة بوضوح، لكنها أيضًا تُقدِّم لنا الحيوان أو النبات كما أبصرته عينُ الناظر (بغضِّ النظر عمَّا إن كانت رؤيتُه له مشوَّشة). حين ينجح ذلك الأسلوب على أكملِ وجه لا يحس المرءُ أنَّ الشاعر هو مَن يمتلك زمام الموضوع أو يحكمه. بل «يمتلك» الحيوان زمام مراقِبه ويبذل عليه تأثيره، لا العكس. كتبَ هوبكنز في يومياته يقول: «ما تُمعِن النظرَ إليه، يبدو وكأنما يُمعِن النظر إليك.» رغم إعادة الصياغة الجوهرية للسمكة والطِّيطَوى، يُطلَق سراحُ الحيوان البري دون جروح ليعود إلى مملكته الخاصة.
تُضاهي ملاحظاتُ يوميات جيرارد مانلي هوبكنز ملاحظات كولريدج في جودتها. فهو أيضًا كتبَ ملاحظة عن الطبيعة فحواها البول (النمط الذي يشكِّله البول المتجمِّد على مبولة في الشتاء). وكتبَ هو أيضًا عن الزرازير أثناء تحليقها. وأرسل رسائل إلى دورية «نيتشر» عن ألوان السماء بعد الثورانات البركانية. كانت السُّحب والطريقة الصحيحة لوصفها تشغله بقدرِ ما كانت تشغل كولريدج، وبدرجةٍ أقل بقليل من التي كانت تشغل جون راسكين (الذي أسهمت مراقبته المفرِطة للسُّحب في إثارة جنونه). يسجِّل نظره للأشياء باعتباره فِعلًا حِسيًّا، وكأنما إبصاره الشيءَ هو بمثابةِ إحساسه به. وعلى غِرار استحداث كولريدج لكلمة greenery، يمكن استشعار تلك الصفة الحسية التفاعلية المؤثِّرة في الكلمتَين اللتَين استحدثَهما inscape (جوهر الهوية الفردية)، وinstress (إدراك الهوية الفردية للأشياء)، تصف الجوهر غير القابل للاختزال للكائنات الحية (بما فيها الصخور والأنهار والسُّحب وكذلك طيور السمَّاك ونبات الجريس، إلخ) واحتكاكه مع العالَم. بالنسبة إلى هوبكنز، السير في الهواء الطلْق والنظر حوله يعني شهود المرء نوعًا من التجسُّد الحسي. كانت دلائل ما يَشهده تترك عليه وسمَها: كما تنمو الأشياء (تتغيَّر وتتحرَّك)، كان هو أيضًا. في ١٢ ديسمبر ١٨٧٢، حينما كان لا يزال قسًّا تحت التدريب، قصدَ «الأراضي المرتفعة برفقة السيد لوكاس» وسجَّل يومه في دفتر يومياته:

الأرضُ مكسوة برقعاتٍ ممتدة مهترئة من الجليد الهَش المُحبَّب … أبصرتُ جوهرها لكن بنظرة جديدة، وكأنما لا تزال عيني في طور النمو.

في مرة أخرى، يوم ١٧ مايو ١٨٧٤، حينما كان يقطف أزهار الجريس، «ضبطه حارسُ الصيد متلبسًا؛ مما كان أمرًا مخزيًا». لم يستطِع منع نفسه من محاولة لمسها. أو حتى تذوُّقها. كان قد سبق أن قطف أزهار الجريس في ربيع آخر، في مايو ١٨٧١، وحينها كانت هي مَن «أسَره» لا حارس الطبيعة. كان أكثر ما جذبه فيها هو مذاقها وصوتها أو صوت حديثها:

إن مرَّرت إصبعك خلالها تتسمر وتجاهد.
بكومةٍ من الرءوس الرطبة؛ وتحتك عروقها الطوية فتُقعقع.
وتنبسط واحدة تلو الأخرى كالمروحة، كما أصابعك.
حين تحُكُّ راحتَيك بقوة، فتصدر.
صوت احتكاك واصطكاك حاد مثل صرير سياج حين تستند إليه؛
هناك أيضًا رائحته الخفيفة كالعسل وصمغه.
الحلو المذاق حين تقضَمه. لكن ذلك سهل، إنما تذهل العين منها.٩

١٩ أبريل. في الربيع، تنبُت أوراق الشجر في هورنر وقتما تشاء — في بعض الأعوام يتأخَّر ظهور الأوراق لأسابيع مقارنةً بأعوام أخرى. لم أشهد قطُّ الغابة في عامٍ على حالٍ مماثل للذي كانت عليه في اليوم نفسه في عامَين مُتتاليَين. الخُضرة في أبريل تكون رقيقة وغضَّة في البداية — ترتجف غالبًا. تحتاج شجرة البلوط إلى بضعة أسابيع كي يبدو لونها أقربَ إلى الأخضر منه إلى الرمادي، وتبدو أوراقها أكثرَ من خشبها، وتبدو أقربَ إلى الحياة — في الغالب — منها إلى الموت. لكن ذلك يحدث كلَّ عام سِرتُ فيه تحت تلك الأشجار، وحين تنتشر الأوراق الوليدة وتتداخل مع جمهورية من اللون الأخضر، وتحبس ضوء الشمس عن الوصول إلى أرضية الغابة، تصنع كهوفًا من ضوءٍ يكاد يكون غازيَّ المَلمس. وكأنما يمتصُّ الكلوروفيلُ الموجود في الأوراق اليانعة الهواءَ، فيَجيش الطابقُ السفلي ويتأجَّج لشهر أو نحوه — فيصير ممرًّا مسقوفًا من الغُرف الخضراء، مثل قنطرة أو سقيفة. يكون ذلك هو الوقت الأصخب والأكثر تزاحمًا وإثارة في الغابة.

تكسو الغابات كلَّ شيء في التلال المنخفضة في هورنر، وتغطي قمة أحدها فتجعله بالغَ الاستدارة حتى إنني كلما نظرتُ إليها أرى نهدًا هائلًا. العديد من أشجار البلوط المنفردة يكون لها تيجانٌ بارزة حين تُورِق. ثَمة رِقة تُحرِّك الشهوة، وكأنَّ تيارًا كهربيًّا رطبًا يسري في الغابة.

•••

تبدأ رحلة سَيْري، الرحلة نفسها التي أقطعها منذ أربعين ربيعًا، من منطقة ويبرز بوست. أنطلق عند حافة الأرض العشبية المرتفعة، في الريف المفتوح الذي يرتفع على قمم الأشجار، وأسير نازلًا. وإذا سمعتُ في أول زيارة خلال العام طائرَ حميراء يغرد، قبل أن تكتنف الغابة الطريقَ غير المسيَّج، يصير العام في غاية الكمال والحُسن خلال دقائق.

تصل الحميراوات إلى غابات هورنر في الأسبوعَين الأولين من شهر أبريل. وعلى غِرار العديد من الطيور المهاجرة، تحُطُّ ذكورها قبل إناثها بقليل. تحدِّد منطقتها وتعبِّر عن رغباتها بالتغريد فوق قمم الأشجار غالبًا. بعضُها يعرِف الغابة منذ العام السابق، وجاء قاصدًا مرةً أخرى المكانَ الذي يريد أن يتخذه سجنًا له، أو وقعَ أسيرًا له. لعلها غرَّدت هناك من قبل، ربما من المراقد نفسها، ودافعت عن المنطقة نفسها. ولكن بعض المناطق ستكون شاغرة؛ لأن الطيور التي سكنتها العام الماضي قد نفَقت. كما أن بعض الطيور المغرِّدة هذا العام ستكون قد فقست بيضها منذ تسعة شهور ورُبِّيت داخل تجويف في شجرة في تلك الغابات. لن تكون قد فغرت مناقيرها من قبل قط لتغرِّد، إلى أن يلقى شيءٌ ما في ضوء الشمس شيئًا ما في أجسادها، فتتكثَّف حياتها ووقتها ليتحوَّلا إلى جولاتٍ قصيرةٍ مرحة من نغماتٍ مدتُها ثلاث ثوانٍ أو أربع.

في ويبرز بوست، قبل أن تتكاثف الأشجار وينحدر الطريق، يمتد براحٌ يكسوه السرخس والجَولَق وتتناثر فيه أشجارُ البتولا لثلاثمائة متر. هنا، في ذلك اليوم، كانت حساسين الشوك والحساسين النارية تتقافز فوقي، فتبدو وكأنها خفيفة جدًّا لدرجةِ أنها لا تستطيع الثبات في أي مكان، وأيضًا اثنان من طيور القرزبيل أو المتصالب المنقار، وهما طائران مهاجران أثقل وزنًا وأكثر التزامًا. عند حافة الغابة؛ حيث تحجُب الأشجارُ الرياحَ، بدأت موسيقى الهوازج: كانت طيور أبو قلنسوة تصنع العصيرَ، وهوازج الصفصاف والشفشافات تغرِّد معًا. أغرودة الشفشافات التي تشبه مراشقة بالألفاظ لها وقعٌ كوَقعِ موسيقى بوليرو منبعثة من محرِّك بارد في باطن الأرض. أما الألحان المسايرة العذبة لهوازج الصفصاف فأكثر حيوية ونضارة.

سِرتُ لمسافاتٍ أبعدَ في كنَفِ الغابة. ارتفعت حرارة الجو. كانت أشجار البلوط حولي لا يزال معظمها عاريًا أو تتدلى منها نوَّراتُها الزهرية، كأذناب خرافٍ حديثة الولادة، مشرشرة وهذيلة، شاحبة ومصفرة ومكسوة بحبوب اللقاح الغَبراء. وعلى الأغصان العارية لتاج إحدى شجرات البلوط الرمادية التي توجد عليها قفازاتٌ بالية من الحزاز العجوز وبضع شذرات من الأوراق الخضراء الجديدة، كان يقف ذَكرُ حميراء. كان أول طائر حميراء أراه في موطنه الأصلي هذا العام. سمعتُه قبل أن أراه، وظلِلتُ أصغي إليه عشر دقائق قبل أن أحاول العثور عليه. كانت أغرودته البسيطة تجيب عن الكثير — تركتُ أغرودته تملأ رأسي، لحنٌ لم أسمعه منذ عشرة شهور: ثماني عبارات في دقيقة، ست في الدقيقة التالية، وست في التي تليها، ثم خمس ثم ثمانٍ وهَلمَّ جرًّا. كانت الموسيقى خافتة، لكنها أشعرتني أنها مفعمة بالحياة، وكانت تترقرق في الهواء. أصغيتُ، ثم ردَّدتُها بصوتٍ منخفض وراء المغرِّد، محاولًا أن أصِفها لنفسي. إنها منعشة، مثل نضح الماء، أو ثل أول بصيص من ضوء الشمس بعد المطر؛ لها وقعٌ حيي، كاعتذار، أو كتمهيد لعددٍ أكبرَ لن يأتي أبدًا. اليومَ سمعتُ بساطة أو تواضع الشطر الموسيقي وتقدُّمه وتقهقره كالشفشافات. قلتُ بصوتٍ مسموع مخاطبًا الأشجار: «يا لها من ترنيمة!».

•••

في عام ١٧٩٧، حُبِس كولريدج عن ربيع تلال كوانتوك حين أسقطت زوجته سارة إناءً به لبنٌ مغلي على قدمه بغير قصد. لم يستطِع أن يمشي بين التلال والأخاديد؛ إذ ظل عاجزًا عن الحركة لأسبوع أو يزيد. لكن ووردزورث وأخته تجوَّلا بين التلال واصطحبا معهما تشارلز لامب صديقهما (المشترك) الذي كان يزورهما. في قرية نيثير ستوي، جلس كولريدج تحت عريش مورق صنعه توم بول (جاره الملهم المتطرف) في حديقته (التي كانت ملاصقة لحديقة كولريدج) وفكَّر فيما كان يفوته. تحوَّلت أفكاره إلى قصيدة «مَحبسي تحت ظلِّ شجرة الزيزفون» التي تنتقل من كونها نظرةً شمولية للمناظر التي كان أصحابه يرونها أثناء سيرهم إلى نظرة كثيبة لمباهج الحديقة التي كان الشاعر محبوسًا فيها. إنها فيلم يُعرَض في سينما خضراء. يصيغها كولريدج بنبرة حديث متبادَل، لكنها في الواقع مناجاة عن الوحدة بقدرِ ما هي عن المؤانسة. تنتهي برحيل ضوء النهار عن المشهد و«حين يطير آخِر غراب/في طريقه المستقيم في الهواء وقت الغسق/نحو بيته».١٠ لاحظ كولريدج ذلك واسترجع سماعه من قبل ﻟ «صرير» تحليق الغربان فوقه؛ وهذا يبرِّر حديثه الفردي وتكراره لوصف (ملاحظة ميدانية) الصوت القوي المرن لجناحَي الغراب، في تلخيصه للباعث التكاملي الأشمل للقصيدة كلها: «لا ينشز صوتٌ يعبِّر عن الحياة».

•••

٢٦ أبريل. هورنر. هِبة يوم. صباحَ ذلك اليوم، جاء الكثير من الطيور إلى تلك الغابات قادمًا من أفريقيا، كَمْ يبدو مدهشًا التعبير عن اعتيادية الربيع بهذا الوصف. خمس عشرة من هوازج الصفصاف، وثلاث شفشافات، وثلاثة من طيور أبو قلنسوة، وهازجة حدائق (أول واحدة أراها ذلك العام)، وعشر حميراوات، وثلاثة عشر من خاطفي الذباب الرُّقط (أول مرة أراها ذلك العام أيضًا)، وهازجة شجر (أول واحدة أراها)، وخمسة من طيور الوقواق، وجشنة شجر، وعدة سُنونوات بيضاء البطن فوقي، ودخلة بيضاء العنق تغرِّد في سياجٍ شجري في طريق الخروج. لم يكن أيٌّ منها موجودًا هنا منذ شهر؛ حينها كان معظمها لا يزال في جنوب الصحراء الكبرى.

وقفَ ذكرُ حميراء يغرِّد على تاج شجرة بلوط. استطعتُ عبر منظاري المُكبِّر رؤية أنفاس الطائر الدافئة — دواخله الأفريقية — وراقبتُ نفثات الغيوم التي تغادر منقاره المفغور تتبدَّد في هواء الصباح البارد. وهو يغرِّد، تصاعدت الحرارةُ من نيرانِ ريشه المتأججة: اللونان الطوبي والبُني المحروق اللذان يكسوان صدره، ولون رماد الحطب والسُّخام حول رأسه، واللون الرمادي الفلانيلي الذي يُزيِّن ظهره، والمصباح المُضيء المتوهِّج عند جبهته، وذنَبه المتأجِّج المروحي الذي يُهوِّي كلَّ ذلك. مِلتُ نحوه كالعادة.

بعد عشرين خطوةً للأمام، وصل ذكرُ حميراء إلى الأغصان السفلية لشجرةِ بلوط طويلة بينما كنت أراقب ذكر خاطف ذباب أرقط يقف في الشجرة نفسها. عَبَر كلٌّ منهما من جوار الآخر، وأثناء ذلك سمعتُ من فوقهما من تاج الشجرة ذكرَ هازجة شجر، يغرِّد أغرودته الرخيمة المُتهدِّجة. طيوري الثلاثة المُفضَّلة في شجرة واحدة.

•••

قصيدة «الصقيع في منتصف الليل» لكولريدج التي ألَّفها أثناء إقامته في قرية نيثر ستوي هي قصيدة شتائية، وكذلك قصيدتاه «محبسي تحت ظلِّ شجرة الزيزفون هذه» و«قوبلاي خان»، لكنها تخاطب تلك الطيور الربيعية المرتعِشة نيابةً عني. في الليلة المعنية، سهر كولريدج حتى وقتٍ متأخر، كانت زوجته نائمة وطفله الرضيع في مَهده بجانبه. كان يراقب النار التي أوشكت أن تخبو في المدفأة:

اللهب الأزرق الخافت.
لنار مدفأتي التي كادت تخبو، ساكن لا يرتجف؛
تلك الغشاوة الرقيقة، التي تتراقص على حاجز المدفأة،
لا تزال تتراقص هناك، هي الشيء غير الساكن.
أحسبُ أنَّ حركتها وسط صمت الطبيعة،
تُواسيني بلطف، أنا الذي على قيد الحياة،
مما يجعلها هيئة أليفة …

إنَّ الغشاوة الرقيقة المختلجة — التي يعني بها رَهَج الحرارة الصاعد من اللهب لا اللهب نفسه (الذي «لا يرتجف») — هي نصفُ شيء ونصفُ حدث (كما يقول آدم نيكلسون في كتابه «صناعة الشِّعر»). كما أنها تعبِّر عن الوقت الحاضر. احتراقُ النار، التهامُها لِذاتها، هو حياتها. ويشير كولريدج إلى أننا نستطيع (بل يجب علينا لا محالة) أن نشارك في دورة الكربون، وحَرِّها المُهلِك واحتراقِها في الوقت المناسب، على نحوٍ ودِّي، مثلما يفعل الفحم.

اسمحوا لي بأن أقول الآتي: نحن جميعًا مآلنا إلى النار الأبدية، منها جئنا وإليها نسير — بلا شك «الزمن هو النار التي فيها نحترق». نحن حيث نحن الآن بسبب إحراقنا لما كان أخضر يومًا ما. كتلة الفحم ما هي إلا الرواسب الأحفورية لعملية التمثيل الضوئي، تكثيف لضوء الشمس في حِقبة الحياة القديمة. قطعة الحطب المحترقة تمثل شكلًا أحدثَ من أشكال التحصُّل على وقود الشمس واستهلاكه. جميعنا على حدٍّ سواء مخلوقون من ضوء الشمس المتحوِّل (سمِّه غبارَ النجوم لو أردت). كذلك الحميراوات.

ألا تشبه تلك القوة الحيوية للغشاوة المرتعشة، الصاعدة من الفحم (أو الحطب — ذلك الفحم اليافع) التي تَلفِت نظر كولريدج، ذنَب الحميراء المرتعش (تلك حقيقة؛ فهو يهتز أيضًا)، الذي يعبِّر في جزء منه عن الطائر، وفي جزئه الآخر عما يفعله؟ وإن صحَّ ذلك، فلِمَ لا يصير ارتعاشُ الحميراء، مثل الاختلاج المنخفض الذي يبدو أنه يدل على تنفُّس النار، «هيئة أليفة»؟

تنطلِق الحميراوات وعلينا أن نركض معها.

•••

اليوم نفسه، في أحد وديان هورنر الضيقة، غرَّدت ست هوازج صفصاف في وقتٍ واحد. تمدَّدتُ على أريكةٍ من السرخس الجاف كي أستمع إليها. ومع أن كلَّ ذكرٍ كان يغرِّد أغرودةً تكاد تكون مماثلة لأغرودة غُرمائه، لم تكن النتيجة معزوفة مرتجلة نشازًا. تُسمِّي كلير وزملاؤها من العلماء البيانات التي لا معنَى لها «ضوضاء»؛ وذلك أثناء معالجة الأرقام التي جمعوها. هي نوعٌ من الاجترافِ الخلفي للحقيقة، البحر غير المحدَّد النغمة الذي ينبثق منه المعنى لكنه هو نفسه يشوِّش ذلك المعنى. تغريد الهوازج أخبرني بأننا لو عرفنا كيف نصغي كما ينبغي، لن يكون لتلك الضوضاء وجود.

فيما كانت الطيور تتحرَّك خلال أشجار البلوط والسنديان، كانت أغروداتها تجيء وتذهب، ترسُم حدودَ منطقتها على القيثارة الخضراء للغابة مرارًا وتكرارًا. لم أستطِع رؤية أيٍّ منها لكني شعرتُ بحركاتها حين أصغيتُ السمع. مع أن تغريدها كان تنافسًا عِدائيًّا — فهو وسيلة للقتال دون إراقة الدماء — إلا أنه لم يكن له الوقع الأهوج لأغرودة تنافسية. «لا ينشُز صوتٌ يعبِّر عن الحياة.» وتراكمه ليس فارغًا من المعنى. كانت الطيور جميعًا تحمل الخبر نفسَه وتغرِّد به بالأسلوب نفسه؛ كانت مقطوعة موسيقى متعددة النغمات، غير أن تغريد كل طائر كان نابعًا من داخل نفسه، من قلبه. هكذا شعرتُ أن كل أغرودة كانت مميَّزة في حد ذاتها؛ وكأنها بداية، وكأنما بدأت الأغرودة مع مغرِّدها وحدَه.

على مسافةٍ أبعدَ في المسار، عند الطرف العلوي للغابة المجاورة للأرض المستنقعية، راقبتُ خاطف ذباب أرقط لعشر دقائق. جالستُه في مكانه. خلال ذلك الوقت، غرَّد أغرودته مرةً واحدة فقط. تحرَّك أسفل شجرة بلوط، وهو يثِب من الأغصان الجافة على الأرض إلى جذع الشجرة، خافضًا جناحَيه أسفل جسدِه بقليل. سطع الوهج الأبيض في جبهته. ظلَّ قابعًا لدقيقة في سكون وصمت. ثم طار إلى تجويف في شجرة البلوط في موضعٍ انكسر فيه غصن. كان يشير إليه. ظهرت أنثى لنفس الطائر في رقعة الأرض المجتثة الصغيرة وقفزت من غصنٍ إلى آخر مقتربةً من الذَّكر. رآها الذكر حتمًا — أو عرَف أنها تراقبه — قبلي بوقت طويل. طار مقتربًا من التجويف ثم طار إلى الأنثى. وطارت هي مبتعدة.

رأيتُ أنثى خاطفةً ذبابَ رقطاء أخرى أثناء سيري في طريق العودة. اغتسلَت في جدولٍ صخري ثم طارت إلى شجرةٍ يافعة. حكَّت عنقَها الممدود في غصنٍ صغير لتجفِّف نفسها. كان فعْلها أشبه كثيرًا بفِعل البشر: حين رأيتُها تمدُّ عنقَها، شعرتُ بوجهي يحمرُّ خجلًا، وكأني أدركتُ نفسي وأنا أسترقُ النظر إلى امرأة تستحم.

لعلَّ هذا غير لائق. فالطيور هي ذوات. وينبغي ألا نتطفل عليها. ليست الغاية من العالَم الحي حولنا تحصيل الأشياء المادية أو استهلاكها، كما يقول ووردزورث في قصيدة له (كتبَها بعد أن ترك مقاطعة سومرست). وفي عام ١٨٠٢، كتبَ كولريدج (بعد أن ترك هو أيضًا مقاطعة سومرست) رسالة إلى صديقه الشاعر ويليام سوثبي:

أن يرى المرءُ أو يصف أيَّ مظهر لافت للنظر من مظاهر الطبيعة، فيربط دائمًا بينه وبين العالَم الأخلاقي بمقارناتٍ مبهمة وغامضة لهو دليلٌ على ضعف تأثُّره بها. فالطبيعة فيها ما يثير الاهتمامَ بها لذاتها؛ وسيدرك ذلك مَن يؤمن ويشعر بأن كلَّ شيء له حياة خاصة، وأننا جميعًا «حياة واحدة».

إحدى الحقائق التي أدركها كولريدج من كونه ملاحظًا (ومدوِّن ملاحظات) جيدًا للعالَم الخارجي هي أننا نخاطر على مسئوليتنا الخاصة بالانتقال من «الإبصار الخارجي» — إحساسنا بالعالَم الذي نشهده — إلى «الاستبصار الداخلي» — معالجتنا لما نشهده. ذلك الانتقال هو بالطبع فِعل يميِّز نوعنا البشري، وجميعنا مَدينون بأننا لا نتعامل مع الطبيعة بطبيعتنا. إذ لا يمكننا ذلك.١١

كتبَ هنري ديفيد ثورو في موضعٍ ما متحدثًا عن الحيوانات «جميعها دوابُّ حَمْل، جميعها خُلقَت كي تحمل عنا قسطًا من أفكارنا.» كل الطيور من خاطف الذباب الأرقط والحميراء وهازجة الشجر التي تحيا بيننا تستطيع تدبُّر أمرها على نحوٍ ممتاز دوني (أو دون كولريدج). لكن دونها، سأُلاقي عناءً.

•••

٢٧ أبريل. في الطريق بين بريستول وإكسمور، غالبًا ما أتوقَّف عند تلال كوانتوك. كانت هناك غابةٌ من أشجار البلوط تُدعى «ريكتوري وود» تخدم ذات يوم مدبغة في قرية نيذر ستوي.١٢ وعلى غرار هورنر، تقع تلك الغابة داخل وادٍ ضيِّقٍ على جانب التل المرتفع فوق القرية. صارت تلك الأشجار محمية الآن. فتلك غابةٌ تجتمع فيها خاطفات الذباب الرَّقطاء. توجد عشراتٌ من صناديق الأعشاش مُثبَّتة في جذوع الأشجار. لا أستطيع مقاومةَ إغرائها. قضيتُ ساعاتٍ في الربيع — أيامًا في المجمل — جالسًا على الأرض، بين وساداتٍ داكنة من شجيرات التوت البري والعنيبة، أراقبُ الطيور تأتي إلى الفجوات. أحيانًا أرفع غطاء أحد الصناديق لأسترقَ النظر إلى داخله. اليوم رأيتُ ثلاثة ذكور وثلاث إناث من طيور خاطف الذباب الأرقط. كانت الإناث تدخل وتخرج من الصناديق، تفتش. كانت لا تزال في أيامها الأولى. كانت قراقف زرقاء ترقد داخل صندوقَين آخرَين. رأيتُ أيضًا هازجة صفصاف وقد جمعت في منقارها عشبًا جافًّا فصار لها كالشارب، متجهةً إلى تجويفِ عُشها في ربوة من شجيرات الزان.

في الغابة، كان أكثر ما نما ذلك العام هو الأوراق الخضراء التي تزيِّن الأشجارَ النابتة بمحاذاة قمة تلك الربوة. كلُّ شجرة تقريبًا كان بها غضنٌ منخفض دبَّت فيه الحياة باللون «الأخضر الزاهي». تدلَّت الأوراقُ التي نبتت لتوِّها من الأغصان السوداء الأفقية مثل أسراب معلَّقة في الهواء أو فراشات خرجت للتو من شرنقاتها، تبسُط جناحاتها وتجفِّفها. في الظلال المحيطة، التي زاد من عتَمتها سطوعُ الأوراق، بدت وكأنها تطفو. وكانت تنبِض وكأنما يسري فيها بَرْق. «السائل الكهربي»، هكذا كان يُسمَّى البرقُ في عصر كولريدج (لصقَ قصاصة من صحيفة في دفتر ملاحظاته عن عاصفةٍ حدثت في أغسطس عام ١٨٠٤)، وهذا ما أقصده كذلك. كلُّ شيء آخرَ حول اللمعة المترقرقة للون الأخضر البرَّاق وخلفها بدا موحلًا وقديمًا من العصر البدائي. أضافت الأوراق الخضراء اليانعة التي تتدلَّى فيما يبدو «متصدِّرة» كلَّ شيءٍ في مستوى بصري إلى الغابة، فغيَّرت الطيفَ اللوني وكذلك الفراغ. خطفت بصري كما البرق، كهيئة جديدة تمثَّلت في المكان، عنصر من عناصره لكنه لم يتَّحد معه بعد، كشيءٍ وليد الفراغ.

تشير بعضُ الأساطير إلى أن الغصن الذهبي كان شجرة تفاح سحرية، وتشير بعضُها إلى أنه كان دبقًا على فرع شجرة في الشتاء؛ إن كنت تبحث عنه، فسيكفيك غصنٌ من أشجار البلوط تلك، غصنٌ من الخشب الأسود نبتت به أوراق الربيع. كانت الأوراق ناعمة وهشَّة ورطبة وباردة. وقابلة للأكل. قطفتُ واحدة منها ومضغتُ مُضَاغته القربانية؛ كان مذاقه كالعُشب الحلو الجيري.

٢٨ أبريل. تطوَّعتُ بالخروج في نزهة خلوية برفقة طيور الربيع كجائزة في مزادٍ لمساعدة صديق لي في جمع بعض المال لغرضٍ نبيل. ربحَ المزايدة على جائزتي شخصٌ سأدعوه نايجل، وهو مدير مصرف متقاعد. اقترحتُ غابة هورنر، لكن حَرَج ناجشيد في غابةِ دين كان أقربَ إلى مكان سكنه. توجد ها هنا مساحاتٌ إضافية من الغابة المطيرة الغربية المعتدلة، بها أيضًا أشجار بلوط وزان.

بدأتُ بطيئًا لكني في النهاية استطعتُ أن أتبيَّن خاطفَ ذبابٍ أرقطَ من بين الظلال الخضراء — ذَكَر يتعجَّل قرقفًا كبيرًا كان يستطلع صندوقَ أعشاش. ثم، في فُرجةٍ صغيرة يتناثر فوقها ضوء الشمس، ويتصاعد الدخان فيها من الألسنة الخضراء لنباتات الثوم البري والجُريس، أريتُ نايجل ذكرَ حميراء. كان أول واحد يراه. لم يَفتِنِّي شيء مثله؛ لكن نايجل لم يكترث له كثيرًا. بعد ذلك، عثرتُ من أجله على تجمُّع لهوازج الشجر في مكانٍ مرتفع بالقرب من سقف كهف صنعَته أشجارُ الزان: ذكران يغرِّدان في شجرة واحدة وهازجة ثالثة تراقبهما، على الأرجح أنثى. في هبَّة هواء خفيفة تحرَّكت الأوراق الجديدة وارتعش جناحا الطائرين المستعرضَين محاكيَين تحرُّكَ الأوراق. يعني وجود الطيور في الشجرة أنها مخلوقة منها. كتبَ ووردزورث في قصيدته «الحسون الأخضر» عن طائر الخُضَيري أو الحسون الأخضر يقول: «يبدو أخًا لأوراق الشجر»، (أتُراه كان يعاني عمَى الألوانِ حقًّا؟) الأمر كذلك بالنسبة إلى هوازج الشجر. كانت صدورها بيضاء ناصعة، لكنْ كلُّ ما عدا ذلك — رأسها وظهرها وجناحاها وذنَبها — كان لونه أخضر ويبدو مُغبَّرًا باللواقح أو عفن النبيذ. كنت أرى شعيراتٍ من الريش لها لون أصفر ليموني صارخ، زاهيةً كالفسفور، مدسوسةً بين ريش الهوازج السفلي ذي اللون الأهدأ. غرَّد الذكران — ينافس كلٌّ منهما الآخر — وكان وقعُ تغريدهما الذي سمعتُه مرة أخرى يشبه سِلكًا فضيًّا دقيقًا أو مادة لامعة منصهرة، يُسحَب من داخلهما، ملتفًّا بإحكامٍ في بدايته ثم يبدأ ينفك ويصير مرنًا، شلالًا مندفعًا من لعبتَين مصغرتَين يهزُّ كيانيهما. بدا الذكران وكأنهما ممسوسان، وأصابتني العدوى فبدأ وجهي يحمر، وكأني متورط في الأمر. التفتُّ إلى نياجل — الذي كان رفيقًا لي حلَّ محل زوجتي، إن جاز التعبير، في تلك الغابة — ولم يكن قد رأى أيًّا من تلك الطيور من قبل. بادلني النظر فلم ألحظ عليه أيَّ تأثُّر. حاولتُ أن أسيطر على ملامح وجهي ثم التفتُّ إليه مرة أخرى. كنت كمَنْ يُصلِح هندامه قبل أن يعاود الدخول إلى غرفةٍ بعد موعدٍ غرامي سرِّي؛ يتأجَّج وجهي بناره بينما أحاول أن أطفئها.

٢٩ أبريل. عُدتُ إلى هورنر. الطقسُ بارد، والطيور ترتجف هذا الصباح من فرط البرد، لا من فرط الشهوة. كانت طيور خاطف الذباب الأرقط هادئة وتتحرَّك على مهلٍ في الأشجار، بدت وجوهها كوجوه المهور — عينان داكنان ولفحة بيضاء في جباهها السوداء. راقبتُ قراقف المستنقعات تلتقط يرقاتٍ خضراء من أوراق البلوط كي تُطعِمها صغارها. سمعتُ عشر حميراوات.

٣٠ أبريل. هورنر مرة أخرى، حتى الساعة العاشرة في صباحٍ متلألئ. عَددتُ ستًّا من هوازج الشجر، كلٌّ منها ككأس من شراب الليمون — جميلة ببساطة، وبسيطة حَدَّ الجمال. كان يوجد زوجٌ من الحميراوات — كانت الأنثى داخل تجويف في طرَف غصن شجرة بلوط مقطوع، والذكر يَتْبعها حاملًا يرقةً في منقاره. وكان ذكران من خاطفي الذباب الرُّقط يتشاجران، ويلوِّثان حُلتَيهما الأنيقتَين في أوراق الشجر الرطبة العفنة على جانب الطريق. رأيتُ أيضًا ثلاثة من طيور جشنات الشجر تقفز بالمظلات إلى شجيرة الجولق الموجودة على طرف الغابة، وقرقفَي مستنقعات بالقرب منها. أنا واثق أني رأيتُ أمسِ أيضًا هذين الأخيرين، وربما بعضًا من الطيور الأخرى. راودتني تلك الفكرة عندما رأيتُ الطيورَ نفسها مرارًا وتكرارًا على مدار فصل، كلها في أماكنها، «منهمكة».

كان اسم المسار الذي أسلكه «بويز باث». فقد ظهرت لافتة بذلك.

•••

٢ مايو. هورنر. كانت رياحٌ غربية وشمال غربية تدفع بمطر خفيف فيهطِل مائلًا. مشَّطت الغيومُ الغابةَ حتى زيَّنت قممَ الأشجار. أحنت أشجارُ البلوط رءوسها وكأنما أجبرها الطقس على الخضوع له. شعرتُ لساعة أني عُثَّة بائسة. لبَّك هواءُ الغابة المغيمة المبتل شعري وغشَّى عدستَيَّ. طرحَ ذَكرُ خاطف ذباب أرقط قطراتَ المطر من غُصَينه الذي يتخذه مستقرًّا له يغرِّد عليه. سقط الماء كدموع عُلبة قصدير بطول العارضة كثيرة الغُصَينات. لكن حتى تحت المطر، على المرْج الشاسع بجانب التل الذي تكسوه أشجار البلوط الطويلة كانت ثَمة أزواج من الحميراوات وأزواج من خاطفي الذباب الرُّقط وهازجة شجر مغرِّدة. بدت أصواتها جميعًا مكتومة، على نحوٍ ملائم، في الضوء المنعكس على صفحة المطر. نفضَ كلُّ طائر راقبتُه ريشَه، فأزال عنه غمدَه الصوفي المرصَّع بالجواهر. طارد زوجٌ من خاطفي الذباب الرُّقط أنثى حميراء؛ فطاردتهما هي بدورها. كانت الطيور صامتة، لكن حركاتها الراقصة أضفَت موسيقى من الألوان والتبايُن، وحين حلَّقت استنارت الغابة وترقرقت إثر المطر الذي قاطعته أثناء تحليقها، وكأنما يُصنَع من الماء المتساقط حولها شررٌ يُصنع في ورشةِ حدادة غابية. «شذرات لامعة»، هكذا كتبتُ في دفتري، وراقبتُ الكلمات تُمحى من الصفحة.

•••

بحلول نهاية الخريف، بعد نصف عام من الآن، ستكون جميع الصبغات الخضراء في جميع أشجار البلوط في غابة هورنر قد تلاشت. يجيء اليوم الذي تكون فيه الغابة في أوج خُضْرتها أحيانًا في أول أسبوع من مايو. حينها ترى درجاتٍ من اللون الأخضر أكثرَ من أي وقت آخر، ويكون كلُّ شيء أخضر أزهى من ذي قبل. كلُّ عام أقول معلنًا حسنها «فيرده كي تي كويره فيرده» بلغتي الإسبانية الركيكة، وهي أغنية لفريدريكو جارسيا لوركا يقول فيها: «كم أحبُّك أيتها الخُضرة»، لكن يا لي من جاهل!

تبيَّن أن اللون الأخضر عابرٌ وغير ملازم لأشجار البلوط. إنه أقل لون تحتاج إليه الشجرة، وهو مرئيٌّ لنا فقط لأنه غير مطلوب. في عملية التمثيل الضوئي، يمتص الكلوروفيل جميعَ الألوان في ضوء الشمس عدا الأخضر. ثم يستخدم النبات ما تبقَّى من طاقة الضوء ويعكس اللون الأخضر. ومن ثَم، فإنه لون غير معالَج وثانوي، عرضي أو فائض. الأخضر ضوءٌ شارد، والخُضرة تبدو مفعمة بالحيوية في ظاهرها فقط. تكشف أولُ ألوان تظهر في أوراق شجر البلوط قبل أن تخضرَّ تمامًا، تلك البشائر الأولى المُذكِّرة بالخريف والمنذِرة بموتها في مهدها، عن الصبغات الأخرى الموجودة بالأوراق: الأصفر والأحمر والبُني والبرتقالي، الكاروتينات والأنثوسيانات. تلك الصبغات الثانوية تظل موجودة في الأوراق لكنها تُحجَب حين يسود الكلوروفيل، حين تنتجه خلايا النبات في الربيع وتخفي الأوراق باللون الأخضر. الأخضر هو مجرد واجهة، تمويه؛ توجد خلفه الحياة.

ألا ينبغي إذَن أن يكون الأخضر رمزَ «الفَناء» لا «الازدهار»؟ هل العفن تجسيدٌ ملائم لذلك اللون بقدرِ ورقة خضراء زاهية لشجرة بلوط؟ «كلُّ الأجساد عشب»؛ بمعنى أنها تموت قريبًا. هل الأخضر إذَن أقرب إلى العفن، ومن الأفضل اعتباره نوعًا من الحمى الاستوائية، أو الجنون الأخضر، أو الغرغرينا (التي لا تحمل معنى اللون الأخضر) أو خضاب الزنجار المتصل (والذي يحمل معناه)؟١٣ هل الأخضر أقرب إلى الموت منه إلى الحياة — هل هو أنفاس خارجة، أو فحم الغد ليس إلا؟ هل الخَضار في الواقع «نوعٌ من الحزن»، كما قال فيليب لاركن في قصيدته البائسة حَدَّ الروعة «الأشجار»؟

يموت الأخضر، وتتحوَّل الغابة إلى اللون البُني. ويشدُّ الفَصل رِحاله مغادرًا — مع أوراق الأشجار المحتضَرة — بالسرعة نفسِها التي وصلَ بها. تزحف الشيخوخة جنوبًا في الخريف، بسرعة ستين كيلومترًا في اليوم مبتعِدة عن الشَّمال. وربما يرافق أحدٌ الخريفَ في نزوحه عائدًا إلى أفريقيا كما حاولتُ أنا أن أرافقَ الربيعَ في نزوحه نحو الشَّمال.

٦ مايو. حصرُ صناديق الأعشاش في غابة المدبغة على تلال كوانتوك:
أعشاش فارغة: ٦.
أعشاش قديمة (من العام الماضي): ٩.
أعشاش جديدة، مصنوعة من العُشب على هيئة كوب في ركن، ومبطَّنة بأوراق أشجار بلوط قديمة، ليس فيها بيضٌ بعد — أعتقد أنها لخطاف ذباب أرقط: ٦.
أعشاش مبطَّنة بالطحلب والريش، وبها بيضُ قرقف أزرق: ١.
أعشاش يرقد بها قرقف أزرق: ١.
في مثل ذلك اليوم — ٦ مايو — عام ١٧٩٨ كانت دوروثي ووردزورث في تلال كوانتوك، على بُعد ثلاثة كيلومترات من غابة ريكتوري. سارت دوروثي بصُحبة أخيها وكولريدج من منزل «ألفوكسدين» (حيث كانت تسكن هي وويليام) صوبَ قرية نيذر ستوي (وكوخ كولريدج). لم تسجِّل في يومياتها الكثيرَ عن ذلك اليوم، لكن بعد نزهة السير تلك خطرَ لها أن تدوِّن أن السائرين «سمعوا العندليب؛ ورأوا دودة متوهِّجة». كتبَ كولريدج عن تلك الملاحظة المشتركة في قصيدته «العندليب». نُشرَت القصيدة لأول مرة في ديوان «القصائد الغنائية»، وهي مؤرَّخة في أبريل من ذلك العام. ولأنه يذكر أيضًا في قصيدته الدودة المتوهِّجة، لا يسعني إلا الافتراض بأنَّ تفاصيلها مستمَدة من نزهة السير تلك. يذكر كولريدج أنها كانت في مارس، ومن الأرجح أن يكون تاريخ دوروثي هو الأدق. تنتهج القصيدة نهج «الاحتفاظ بالكعكة وأكلها» — إذ يصحِّح فيها كولريدج الاستغلال العاطفي المفرط الشاعرية للطائر، لكن ليس قبل أن يصنع نسخةً مطابقة منه.١٤ تستجلب القصيدة لقطاتٍ أخرى من حياة كولريدج وتتضمَّن نسخة من اللحظة التي دوَّنها بأسلوب بديع في دفتر ملاحظاته، التي سكن فيها طفلُه الرضيع هارتلي بفعل ضوء القمر. لكن القصيدة بغضِّ النظر عن سيرتها تُعَد دليلًا كافيًا لأن تُعتبر أولَ سِجل منشور لعندليب في مقاطعة سومرست.

٢٢ مايو. النحل الطنَّان في شجيرات التوت البري بغابة المدبغة. وفيما عداه، كان يسود جانِبَ التلَّ المكسو بأشجار البلوط صمتٌ كصمت غابة عميقة. كان ثَمة صمتٌ إضافي أيضًا: صمت الطيور الراقدة على بيضها، الصمت الهادف للتفقيس — لِحَث البيض على الفقس.

جلستُ أراقب الطيورَ الراقدة وهي تؤدي مهمَّتها، دون أن أراها. كان الأمر شبيهًا بالاستلقاء تحت سماء الليل. طرق مسامعي صمتُ البَيض في أعشاشه بالغابة، كالكواكب والنجوم التي قد تبدو أحيانًا وكأنها تبُث أشواقَ السماء المتلألئة فيما بينها. سمعتُ الصمت. استدارةُ وعاء كلِّ عشٍّ هي قالبٌ لصدر الطائر الراقد فيه. وكلُّ الأغرودات والألوان ورحلات الطيران المستقبلية محفورة في بيضه، الذي يقبع في الظلام التام هناك، وكأنما ينتظر نائمًا.

ألِفتُ صمتَ الأرجاء. صرير الغابة الخافت. مرَّت ذبابة ثم تبِعتها نحلةٌ. زارت فراشةٌ زرقاء شجيرةَ بهشية تنمو أسفلَ شجرة بلوط. كان لونُها أكثرَ شحوبًا من لون السماء خلف ظلة أشجار البلوط — إذ كانت الأوراق الخضراء تخفِّف لون أي شيء أزرق تحتها.

الغرض من الأعشاش في تلك الغابة هو حفظ الأسرار والاختباء والسبات. الربيع يعني أغرودات الطيور وانبثاق أوراق الشجر، لكنه يتوقَّف في مسيره هنا، في الظل والهدوء: الأعشاش مثل الأثقال، تُبقي الحياة راسخة، والبيض أيضًا، إنها مفارقات الربيع — الحبوب، هي أجنةٌ قابعة في ظلام الأرض، محفوظة في أغلفةٍ صلدة لكنها تتحرك داخلها، تنمو وتتغيَّر، وتريد أن تخرج للضوء.

بعد ساعة نهضتُ واقفًا وسِرتُ في الغابة، أرفع أغطيةَ صناديق الأعشاش:
أعشاش فارغة: ١٢.
أعشاش قديمة: ٢.
خاطفو الذباب الرُّقط: ٥ (أنثيان ترقدان على البيض، وثلاث مجموعات أخرى من ٦ و٧، و٧ بيضات غير موسومة لها لون الفراشات الزرقاء)، أعشاش من العُشب الجاف بها أوراق أشجار بلوط جافة. تبدو كلُّ بيضة مثل قطعة صغيرة من السماء المستترة الدفينة.
قراقف زرقاء: ٣، أعشاش مكسوة بالطحلب، بها بيضٌ أبيض مائل إلى الصفرة به رقط بُنية.
قراقف كبيرة: ١، عش مكسو بالطحلب ووبر الغنم به بيضٌ أبيض مائل إلى الصفرة به رُقَط بُنية.

٩ يونيو. غابة «ريكتوري وود»، أو غابة المدبغة. تُوفِّي عمي صباح ذلك اليوم في مستشفى تاونتون. كانت هوازج شجر موجودة حيث لم أسمعها من قبل في أشجار البلوط: أربعة ذكور مغردة. كانت الطيور البالغة من خاطفي الذباب الرُّقط تزور صندوق أعشاش على جذع شجرة بلوط، تأتي إليه كلَّ ثلاثين ثانية تقريبًا ومعها الدود واليرقات. غرَّدت هازجة صفصاف في الشجرة نفسِها، مرسلة أمطارًا رخيمة فوق كل شيء. نظرتُ بسرعة داخل الصندوق: سبعة أو ثمانية من فراخ خاطف الذباب الأرقط، بُنية بلون ورق الشجر المتعفِّن، يرقد بعضها فوق بعض، مثل ثعابين قصيرة بدينة.

قلَّت أعدادُ طيور خطافي الذباب الأرقط في بريطانيا. فالحشرة التي تتغذى عليها صارت تفقِس في وقت أبكرَ من ذي قبل، وتصل الطيور متأخرة جدًّا فلا تدركها. هذا ما يعنيه «عدم التوافق الفينولوجي»؛ تجيء في توقيتٍ خطأ، والنتيجة أنها تجد أن الوقت نفدَ منها. هوازج الشجر أيضًا عليها أن تأتي من الجانب البعيد من الصحراء الكبرى كي تتكاثر في تلال كوانتوك، لكنها لا تعاني بالقدْر نفسه. في الوقت الحالي صار موسم تكاثرها أقل تزامنًا مع ذروة وفرة اليرقات مما كانت في ثمانينيات القرن العشرين، لكن الطيور تبدو قادرة على تخفيف وطأة عدم التوافق باستهلاكها أغذيةً أخرى. يظل نجاحها في التكاثر مُتساويًا نسبيًّا. إلا أنه منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين قلَّت أعدادُ هوازج الشجر في المملكة المتحدة أكثر من النصف. يبدو أن التغييرات الناتجة عن استغلال الأراضي التي تُعَد مناطقَ تشتية الطيور في غانا وبوركينا فاسو في غرب أفريقيا هي التي تقف وراء تدهورها. إذ تُزال الأشجار من المساحات المزروعة والغابات فتتحول إلى أحراجٍ مُرقَّعة. تتطلب سعادة هوازج الشجر أنواعًا معينة من الغابات لتقضي الطيور فيها شتاءها وكذلك لتتكاثر فيها، واليوم لم يَعد هناك ما يكفي من الغابات.

١٤ يونيو. هورنر. في منطقة ويبرز بوست، كانت سيارتي ترتجُّ في الرياح المتدفِّقة من تل دانكري. امتزجت قمةُ التل مع الضباب ورحلا مثل «كتلة غيوم». لم يكن معي معطف فظلِلت مختبئًا ساعةً خلف عجلة القيادة. حطَّت سُمْنة مغردة تحمل في منقارها حلزونًا واستخدمت الطريق سندانًا لها. وعلى حافة الطريق، كانت كلُّ زهرة من أزهار القمعية البنفسجية التي تندرج تحت جنس الدمشقية مكسوة بغلافٍ زجاجي من قطرات المطر. سارت حشرةُ مَنٍّ خضراء فوق ظهر بزاقة سوداء طويل.

وصلتُ إلى الطريق. تحوَّل الضوءُ إلى لون الكدرة. في شجرة بتولا، كان يوجد ست هوازج صفصاف — من الطيور البالغة وصغارها التي اكتمل ريشها — تتنادى وتنفُض المطرَ عن ظهورها. ربما تكون تلك هي المرة الأولى التي يبتلُّ فيها الصِّغار. كان ذَكرُ حميراء يفتِّش عن اليرقات على منحدرٍ من السرخس؛ وجدَ واحدة كأنها شيءٌ تذكَّره. وبينما هو يحلِّق مسَّته بقعةٌ من ضوء الشمس المخضَّل. ذهبَ المطر الخفيف وعاد النهار إلى طبيعته. رصَّعت زخاتُ المطر ألفًا من بيوت العنكبوت. جرَّبتُ أن أكتب «شذرات لامعة» مجددًا في دفتر ملاحظاتي.

كانت الغابة خالية من الأغاريد. وجدتُ أنثى خاطف ذباب أرقط تُطعم اثنين من الفراخ التي نبَت ريشُها. كان في قدم الأنثى البالغة حلقة. هناك مَن أمسك بها في مكانٍ ما. لم ألقَ أيَّ شخص آخر طوال الأيام التي قضيتُها في مسار «بويز باث». تصلَّد فطرٌ أصفرُ بلون القيء كنت قد رأيتُه ينبثق على نحوٍ مشمئز من جذوع بعض أشجار البلوط، فتحول إلى أرففٍ ودِعامات وكأنما صنعها نجارٌ معتوه. الآن أستطيع أن أميِّزها بأنها فِراخ الغابة.

حلَّق ذَكرُ خاطف ذباب أرقط أمامي في المسار. حطَّت أنثى حميراء على بُعد عشر خطوات أمامي. كان ذنَبها يرتجف وكأنما تكنُس به الأرض، مثل هيستيا وهي تكنُس الرماد من مَوقدها. غرَّد أبو قلنسوة لعشرين ثانية، كان الطائر المغرِّد الوحيد الذي سمعتُ تغريده طوال اليوم. صمتَ كلُّ مَن سِواه وثمرة موسيقاه جاءت بنهاية الفصل إلى الغابة. كنت أسمع الخريف في آخِر أيام الربيع.

نادجيسلمينتس وكيشسلمنتس

٤٩ درجة شَمالًا

ابحث عن نادجيسلمينتس على برنامج جوجل إيرث. ثم بدِّل بين عرض الخريطة والصورة الملتقَطة بالقمر الصناعي. إنها قرية في أقصى شرق سلوفاكيا تقع على الحدود مباشرةً مع أوكرانيا. اسمُها مجَري (تُدعى باللغة السلوفاكية «فيلكيه سليمنينسي»). هي قرية مجرية، أو كانت كذلك. خمسةٌ وتسعون في المائة من سكانها مجريون. وهم يتحدثون المجرية. انظر إلى الحدودِ المرسومة على الخريطة. يمتد طريقٌ في نادجيسلمينتس حتى خطٍّ ما. ويلتقي هذا الطريق الواقع في سلوفاكيا مع طريق في أوكرانيا. إنهما طريق واحد، لكن قسَّمته الحدود. توجد قرية في أوكرانيا أيضًا. تبدأ من الخط الحدودي، من حيث تنتهي نوكسلمينتس. أو تبدأ: الخط الحدودي يصنع ما يشبه المرآة. تُسمَّى القرية في أوكرانيا كيشسلمنتس («مالي سليمنينسي» بالأوكرانية). وهي قرية مجرية، أو كانت كذلك. تعني كلمة «نادجي» في اللغة المجرية «كبيرًا»، و«كيش» تعني «صغيرًا». كان أهل القرية يومًا ما شعبًا واحدًا.

«سيل» تعني الرياح. وهي موجودة بكثرة. الأرضُ فيها مستوية. وهي أيضًا قريبة من منتصف أوروبا. زهورود، المدينة المجاورة الأقرب في أوكرانيا، التي كانت تُدعى ذات يوم «أونجفير» بالمجرية، هي محور الاتصال الأوروبي — أي المكان الأبعد عن البحر في أوروبا. رأيتُ حميراوات هناك في شهر مايو في إحدى السنوات. أضفت لونًا أحمر على أشجار الفاكهة في بساتين القرية دون أي أثرٍ لمجهود بُذِل؛ مما يُشير إلى أن جميع مسارات الدخول والخروج مفتوحة أمامها. وفي المسار الذي تطير فيه الحميراء، تبعُد مدينة زهورود ٦٧٠ كيلومترًا عن بحر البلطيق والبحر الأدرياتيكي والبحر الأسود.

•••

كانت المجر تمتلك ذات يوم سلاحًا بحريًّا. ولديَّ خريطة ذات إطار معلَّقة على جدار شقتي في بريستول. اشتريتُها ببضعة جنيهات من سوقٍ للسلع المستعملة في بودابست. إنها خريطة للمجر توضِّح البلد وحدوده كما كانت في ٤ أبريل ١٩٣٩. لا بد أنها طُبعَت بعد ذلك بوقتٍ قصير. كان ذلك هو عام «ربيع هتلر». عنوان الخريطة هو «جونكا مَجرُورساك»، ويعني المجر المقطوعة الساقَين أو البتراء أو المشوَّهة. وهي مخطَّط مُتعنِّت ذو طابع طوبوجرافي.

قضت المجر النصفَ الأول من القرن العشرين تتقلص. ولمَّا كانت المجر ضمن الطرف المهزوم في الحرب العالمية الأولى، أُجبِرَت الدولة على التنازل عن الأراضي التي تقع في أطرافها (بما في ذلك منفذٌ إلى ساحلٍ بحري على البحر الأدرياتيكي) وتقلَّصت مساحتها. حدودُها مرسومة في خريطتِي بلون أحمر حديدي متلطخ، وتظهر المجر حبيسة أو سجينة ومُعاقَبة دون ذنبٍ — على الأقل هذا ما ظنَّه رسَّامو الخرائط حتمًا. لكن الظلم البيِّن لم يتوقف عند ذلك الحد. لأن الدولة — للمرة الثانية — كانت ضمن الطرف (الفاشي) الخاسر في الحرب العالمية الثانية؛ وبهذا لم تفشل فحسب في استعادة ساقَيها القديمتين، واستعادة الأراضي التي فقدتها في اتفاقية تريانون التي أُبرمت عام ١٩٢٠ فحسب، بل تقلَّصت أكثرَ بعد عام ١٩٤٥. تُبيِّن خريطتِي الحدودَ الشَّمالية للمجر ممتدة عبْر أجزاءٍ كبيرة من دولة سلوفاكيا الحالية، وتمتد نحو الشَّمال الشرقي متعمقة في جبال كاربات الواقعة في أوكرانيا الحالية. حين هزَم الاتحاد السوفييتي ألمانيا النازية المحتلة في المجر، مكثَ فيها كي يدير شئون البلد. خسرت المجر كلَّ تلك الأراضي (لصالح دول الكتلة الشرقية المجاورة)، ومساحتها اليوم هي أصغر مساحة وصلت إليها. تظل أطرافُها مستنزَفة سياسيًّا على نحوٍ قاسٍ (لسبب مفهوم، وإن كان مجحفًا)، وتظل مسألة الاحتلال مشكلة سامَّة تؤرقها. تَرثي الحكومة الحالية «المجر البتراء»، وتعادي مفهوم الهجرة (بالطبع كان المجريون الأوائل، مثلنا جميعًا، شعبًا مرتحلًا)، وقد شُيِّدت الأسيجة كي تمنع مرور البشر المُحتمَل من أي مكان خارجها. تستطيع الحميراوات المرور من تشاد أو إثيوبيا أو من أماكنَ أخرى إلى الجنوب، لكنَّ حركةَ الهجرة البشرية — أيُّ شخص ربما يكون قدِم مع الحميراوات عبر الصحراء الكبرى — محظورةٌ.

•••

ناجيزلمينك محدَّدة على خريطتِي القديمة. كانت حينها تقبَع في أمانٍ داخل الحدود المجرية. أما الآن، فلا بد أن حياة القرية تشبه حياة طائر شريد جيءَ به إلى المكان الخطأ، تاهَ فيما يشبه منفًى داخليًّا، منقسمًا فوق خط حدودي، أفراد شعبه مشرَّدون على ما يبدو حتى وهم داخل غرف معيشتهم.

في ربيع عام ١٩٩٧، سِرتُ شَمالًا إلى السياج السلكي من آخِر منزل في ناجيزلمينك، كنا قد مررنا لزيارة جانوس، الرجل العجوز الذي يسكن فيه. كنت مسافرًا برُفقة كين سميث، الشاعر والصديق، وصديقه ميكلوس زيلي، وهو كاتب مجري. كان كين يفكِّر في كتابة قصيدة في ذلك المكان يمكن أن تصلُح للإذاعة. وكنت أنا أسجِّل صوتَ الرياح عند السياج السلكي. بعد بضع خطوات، وصلنا إلى الحدود. كان الأمر بسيطًا. يمتد السياجان (يوجد سياجان — واحد في سلوفاكيا، وآخر يبعُد عنه مترًا شرقًا، في أوكرانيا)، قطعنا الأسفلت الخشن للطريق، من الحقول ناحية الجنوب إلى الحقول ناحية الشَّمال. وصل الطريق السريع الذي نقف فيه إلى نهايةٍ مسدودة، نهاية ذات سدَّين: ردبان يلتقيان عند طرفَيهما. لم يكن ثَمة شيءٌ آخر. كان العشب الأخضر نفسه ينمو على جانبَي الحدود، أظن أنه عشب الفصفصة. بدت مزرعة جانوس الصغيرة ماثلة لمنزل ورقعة أرض نراها على الجانب الآخر. وضعتُ يدي على السياج ونظرتُ عبر فتحات أسلاكه المستطيلة، انسلَّ صفيرٌ ذهبي من شجرة صفصاف على مسافة بضعة أمتار فحسب أمامنا، على الطريق في أوكرانيا، وطار نحونا، مفعمًا بالحيوية وبلون خردلي زاهٍ. عَبَر السياج وواصلَ طريقه حتى بضعة أمتار داخل سلوفاكيا حتى وجدَ شجرة صفصاف يغوص فيها. وأنا أراقبُه يذهب، جاءت ثلاثة سُنونوات محلِّقة فوقنا في الاتجاه المعاكس، من سلوفاكيا إلى أوكرانيا.

استغرق قطعُنا تلك الرحلة التي تقطعها الطيور في عشْر ثوانٍ يومًا ونصف يوم. اضطُررنا إلى قيادة السيارة عشرات الكيلومترات شَمالًا كي ننضم إلى نقطة تكدُّس تكتظ بالمركبات، والتفاوض مع زمرة من الموظفين الرسميين — موظفي الأوراق والجوازات والجمارك، ورجال الشرطة — ثم فور دخولنا إلى أوكرانيا، كان علينا أن نقود السيارة عائدين جنوبًا إلى قرية كيزلمينك. كانت الرحلة بالسيارة طويلة وبطيئة بالنسبة إلينا نحن المسافرين بما يكفي لأن نستمع إلى الشريط نفسِه يُعاد عشرين مرة، كان ألبوم «ذا بووتمانز كول» (أي «نداء المراكبي») لفرقة «نيك كيف آند ذا باد سيدز». قبل حتى أن نبلغَ الطابور عند الحدود، بدأ كين يغني مع أغنيةٍ ما كئيبة. توجد عدة أناشيد رعوية مجنونة على نحوٍ مُلائم عن المكان الربيعي المسيَّج الذي كنا نحاول الوصول إليه، تقع أحداثها في عدة مناطقَ ريفية سوداوية. كان كين مفتتنًا بأغنية عن سقوط نُوَّار الكرز في الربيع تُدعى «بيبول آنت نو جود» (أي «الناس لا نفع منهم)».

في كيشسلمنتس، بعد أن تحدَّثنا إلى جارة جانوس (التي هي أيضًا إحدى أقاربه)، سِرْنا معها حتى السياج السلكي ونادينا على جانوس في بلده من بلدٍ آخر، بلغةٍ ليست هي لغة أيٍّ من البلدَين. في أثناء ذلك، كانت سُنونوات في كلتا القريتين تذرَع السماء فوق السياج جيئةً وذهابًا، وكانت العلاجيم النارية البطن تنِقُّ وتنبِض في البِرك على جانبَي الحدود. انخفضَ واحد من السُّنونوات طائرًا بين الفتحات العلوية للسياج السلكي. كان الأمر يشبه رؤيةَ طائر يدخل من نافذة مفتوحة.

•••

تستطيع الطيور التحليق وهي لا تحتاج إلى أوراق ومستندات. فماذا إذَن؟ زُرتُ المجر الشيوعية أول مرة في ثمانينيات القرن العشرين؛ لأني كنت مهتمًّا بقضاء مدة في مكانٍ له قصة لا يزال أمامها الكثير حتى تكتمل. كانت بلدًا لا يزال يمضي قُدمًا، على عكس بلدي حينها. افتُتنتُ بها. منذ ذلك الحين ولأجل ذلك السبب عُدتُ مراتٍ عديدة إلى أماكنَ عديدة على الحدود بين أوروبا الشرقية والغربية. تغيَّر الكثير منذ عام ١٩٨٦ — بما فيه انطلاقة جديدة لموطني — لكن ليس كل شيء. التاريخ البشري الحديث البائس لتلك الأماكن، وما أعتبره احتضارَها الطويل، هو للمفارقةِ ما يضفي عليها حيوية.

بالنسبة إليَّ كذلك، يُسترشَد بالطيور في تلك الأراضي الحدودية المضطربة الجريحة لمعرفةِ الزمن أيضًا. ذات يوم في المجر في أقصى شرق الدولة الحالية، في زيارة في آخر الشتاء كنت آمُل أن تمتد لبداية الربيع، توقَّفتُ على طريق وراء متنزَّه هورتوباجي الوطني حين رأيتُ حوالَي ستة من طيور الكركي تحلِّق منخفضة فوق «السهل». كانت قد أنزلت ساقَيها وتتطلع إلى الهبوط بعد رحلةٍ قطعتها. عدَّها ذهني من بين الطيور الربيعية الحديثة الوصول، مع أن بعضًا منها يقضي الشتاء في المجر الحالية ذات الطقس الأكثر اعتدالًا. بينما كنت أمدُّ يدي لأمسك بمنظاري المكبِّر وأجاهد للخروج من سيارتي، ظهرت امرأةٌ شابَّة من خلف صفٍّ هزيل من الأشجار العارية. كانت تسير متجهةً نحوي. كان على الأرض شيء من الجليد المتَّسخ، وكان في الهواء صقيع. كانت المرأة، التي كانت أقرب إلى فتاة مراهقة، تلبَس حذاءً حربيًّا من إصدار الجيش ولباسَ سباحةٍ زهريًّا من قطعتَين. كنت قد توقَّفتُ سهوًا في منطقة خدمة من نوعٍ ما. عُدتُ إلى سيارتي بعد أن استخدمت أقصى معرفتي باللغة المجرية كي أخلِّص نفسي من صفقةٍ ما، وقد منعني توتري من الاطمئنان على طيور الكركي. قُدت السيارة باتجاه بلدة جيولا والحدود الرومانية، وفي الكيلومترات العشرة التالية، بدا أن مروري كان يستحثُّ المزيدَ من النساء، جميعهن مثل الأولى كان لهن جميعًا سيقان كسيقان الكركي، فبَدَون وكأنما يقفزن أو يَثِبن، إلى جانب الطريق، جميعهن لا يرتدين أيَّ ملابس على الإطلاق.

•••

عُدْنا من كيشسلمنتس إلى سلوفاكيا. بعد خوض الإجراءات الحدودية الفوضوية البطيئة نفسِها على الجهة العكسية، شعرنا نحن ركَّاب السيارة وكأنما خرجنا من السجن، وتوقَّفنا عند طرف قرية كي نحتفل بالعسل والنبيذ. كان الجو حارًّا. طرد صانع نبيذ يربي النحل نحلَه من خلاياه مستخدمًا جناح إوزَّة يحتفظ به لذلك الغرض، كي يتمكَّن من صبِّ العسل في برطمان من أجلنا. استقرَّ العسلُ فيه كما لو كان وحلًا ذهبيًّا فاخرًا. كانت نحلاتٌ أخرى مُنهمِكة في التحليق من أشجار زيزفون وسنط مُزهِرة. أثقلَ أزيزُها الهواء. بعضُها قطعَ رحلته كي يشرب من وعاءٍ مستدير من الحديد ممتلئ حتى حافته بماء المطر. رأيتُ العُمَّال العَطشى يتوجَّهون مُقدمين رءوسهم إلى الحافة المعدنية للإناء وينزلون منها كي يبلغوا صفحة الماء الداكنة. بإمكانك أن تراهم يغمرون وجوههم فيها، فيتمدد سطح الماء حول أفواههم.

أما ما شرِبناه نحن فقد أخذَنا إلى تحت الأرض. تبِعَنا مضيفُنا إلى داخل قبو نبيذ كان قد حفره داخل تل منخفض. فتحَ صنبور أحد البراميل، واستخلصَ لنا أفضل نبيذ أبيض لديه بواسطة معوجة تقطير. شربنا بعضًا منه من الدورق مباشرة وصُبَّ لنا المزيد من المصل الأصفر البارد في أكوابِ شربٍ معدنية. كان مذاق النبيذ مثاليًّا، كالهواء حول النحل، كان مذاقه كزهر الزيزفون والشمس الخضراء والأرض الكلسية. احتسينا كوبًا آخر. لم نكن على عمقٍ كبير تحت الأرض، لكن المغارة حفظت لنا رصانتنا. ظلِلنا محتفظين بوعينا وعقلنا، حتى خطونا إلى ضوء الشمس بالخارج. بعد عشر ثوانٍ، وقبل أن تخور قواي ويغلبني النوم على الأرض، نظرتُ خلفي إلى أسفل المغارة، التي كانت آخِر بيت هجرناه.

عصر اليوم نفسه خرجنا للمرة الثانية من الظلام إلى ضوء النهار، وكان لذلك وقعٌ شبيه. على إثر عودتنا إلى نادجيسلمينتس، ذهبتُ أنا وكين لزيارة جانوس في البيت الأخير قبل الحدود. سجَّلتُ حوارنا. جلسنا حول طاولة مكسوة بمِفْرَش قطني مشمع في غرفة مظلمة هي كلُّ منزله تقريبًا. كانت رزنامة قديمة معلَّقة فوق الحوض. كانت متأخرة بخمسة عشر عامًا. اعتقل الروسيون جانوس من قرية نادجيسلمينتس عام ١٩٤٤ حين احتُلَّت المجر الشرقية، كما كانت وقتئذٍ. كان في العشرين من عمره. جُمِع العديد من المجريين، مثل غنائم حرب بشرية، وحُبِسوا في معسكرٍ بالقرب من مدينة سفاليافا (التي تقع حاليًّا في غرب أوكرانيا). قيل لهم إنهم سيُرحَّلون إلى مكانٍ أبعد شرقًا لأجل «مالينكايا روبوتا»، أو القليل من الأشغال الشاقَّة. ظلَّ جانوس لعدة سنوات غير قادر على الخروج من سيبيريا، والعودة إلى ما تبقَّى من وطنه. الآلاف لم يغادروا على قيد الحياة.

دوَّن كين الملاحظات وكتبَ لاحقًا عن ذلك في قصيدةٍ بعنوان «سلك نافذ إلى القلب». قدَّم لنا جانوس كأسًا تلو الأخرى من نبيذ الفاكهة، زجاجة مميَّزة من نبيذ «كوشير»، احتفالًا بوصولنا وبنجاته. في النهاية كان علينا الرحيل. ومرة أخرى خطونا خارج القبو وتسلَّم ضوء النهار، وهواء الربيع الذي دفأته الشمس، سجينَيهما. خارج منزل جانوس، نجحتُ أنا في بلوغ الطريق، لكن كين تعثَّر وسقطَ في خندق علاجيم. التفتُّ في الوقت المناسب لأرى ذلك، لمَّا سمعتُه يقول:

«لقد فعلتُها.»

ثم أردفَ، بعد برهة، بالمكسيكية وهو يسقط إلى الأمام:

«أنا لست بحَّارًا.»

كنا نبعُد كثيرًا عن البحر، ومع ذلك سقطَ في الماء، وابتلَّ حتى خَصره والتصقَت به الطحالبُ الخضراء. خرجَ بصعوبة وهو يقطُر ماءً، ثم وصلنا إلى السياج ونحن ما زلنا نعاني التخمةَ. حيَّيناه كصديق قديم وتشبَّثنا به.

جاء صوتُ موسيقى من كيسشلمينتس. وصلنا إلى الحدود في لحظةِ خروج ثلاثة موسيقيين من الغجر، امرأةٍ ورجلين، من باحة بيت مزرعة، على بُعد مائة متر في شارع القرية على الجانب الأوكراني. دلفوا إلى الطريق وساروا متجهين نحونا. كانوا جميعًا يُغنُّون. كانت المرأة تقود الغناء، بينما أحد الرجلين يعزِف على جيتار صغير والآخر على آلة السيمبالوم. كانوا يُغنُّون ويعزِفون أثناء سيرهم.

للسيمبالوم صوتٌ يشبه صوتَ البيانو وهو يغرَق في قعر بحيرة. تُطرَق أوتاره المشدودة المُركَّبة مثل قيثارةٍ أفقية بمطرقتَين تشبهان مطرقتَي القانون يمسكهما العازف بيديه. تَصنَع موسيقى انسيابية للغاية، وعادةً ما تكون متعجِّلة. أصواتُه مائية، ومتكلِّسة أو مرجانية إلى حدٍّ ما. كان عازف الجيتار منهمكًا جدًّا. ومع أن الأغنية التي كانوا يُغنونها كان لها إيقاعُ المشي، كانت الموسيقى تركُض، وكأنما يُهرَع اللحن مبتعِدًا عن المغنِّين ثم عائدًا إليهم، يواكب خُطاهم، ثم ما يلبَث أن ينطلق مبتعدًا مرة أخرى. كان يتحرَّك مثل كلبٍ خرج في نزهةِ سير مع صاحبه دون رسنٍ يبتعد ثم يعود، يعود ثم يبتعد.

كنت أعرِف الأغنيَّة من الوقت الذي قضيتُه في بودابست. كانت تُدعى «لوما ماج» أو «الغجر قادمون». وبالفعل كانوا قادمين. حتى وصلنا عند الحاجز السلكي، لم يكن لثلاثتهم أيُّ جمهور حسبما رأينا، ومع ذلك كانوا يُغنُّون. حتى ونحن نستمع إليهم، بدا أنهم ليسوا بحاجة لأن نستمع. كان سير الموسيقيين الثلاثة وغناؤهم لأجل أنفسهم، لا لأجلنا. كانوا يُفصحون عن مكنونات أنفسهم: هم لا يملكون الكثير، لكنهم يملكون ذلك.

لقد جاء الغجر.
طالبين يدَ ابنتك،
كم تطلُب مهرًا لها؟
ثلاثين ليرة ونصفًا.
دُعيت إلى الرقص،
قلت إني لن أرقص،
جُررت لكي أرقص،
قلت إني لا أستطيع الرقص.

أضفى صوت المرأة الرخيم شجنًا سوداويًّا على القصة. كان له وقعُ البكاء الشديد. الحياة صعبة، هذا أمرٌ مسلَّم به، وعلى المرء أن يعيش كلَّ شيء مدركًا ذلك.

كان الجيتار، الذي أظنه طُنبورة، يُخشخِش مثل آلةِ أكلالٍ قذرة. كان عازفه يُغنِّي مردِّدًا خلف كلمات المرأة، كصدًى لصوتها، فجعله نوعًا ما ممطوطًا أو بطيئًا، فانتشر في الهواء حولهم جميعًا وبقي فيه. رحل لحن عازف السيمبالوم مُهرولًا بخطًى سريعة، تارةً يجرجر قدمَيه وتارةً يركُض — إنه مجدَّدًا الكلب الذي يركُض طوال الوقت إلى مكانٍ ما — وكان هو أيضًا يغنِّي، ويصنع صوتَ قرعٍ إيقاعي، جهيرًا متدرِّجًا، من مكانٍ ما في حنجرته. أضافت إيقاعًا شبيهًا بإيقاع خطاهم إلى مشروعهم: غناء مرتفع مبتهج. ساروا إلى الحدود صوبنا، يُغنُّون عن سيرهم صوبنا، وصفًا لظروف حياتهم، أغنية عن التحرُّك تُغنَّى على الطريق. كلُّ شيء صعب. كلُّ شيء آتٍ. كلُّ شيء يتحرك. لطالما كان ذلك هو الحال، وهكذا سيظل دومًا.

عند السياج، انتهت الأغنية وتوقَّفوا. حيَّيناهم ومددنا أيديَنا لأبعد حدٍّ ممكن عبر السياج السلوفاكي نحوهم وراء السياج الأوكراني. بادلونا التحية. ميكلوس لديه ابنة، تُدعى بوري؛ وعدَنا أن يرسلها إلينا وقتما يتمكَّن من ذلك. ضحكنا. لم نتمكَّن من المصافحة؛ إذ لم نستطِع مدَّ أيدينا إلى الجهة الأخرى، ولم يكن السياج مفتوحًا إلا في مستوى تحليق السُّنونوات، وكان ذلك يتخطَّى رءوسنا. لم يطلب منا المغنُّون شيئًا. ابتسمنا ولوَّحنا لهم مرةً أخرى في الهواء بيننا، ثم بدءوا يُغنون أغنية أخرى.

كانوا يُغنون باللغة الرومانية. كنت أعرف نسخة منها باللغة المجرية. كانت صلاة عن التشرُّد (ذلك هو موضوع كل أغانيهم)، وهي أيضًا موجَّهة إليهم هم.

لم يعُدْ لدينا حياة،
حتى الرياح تطيح بنا،
حتى الرياح تطيح بنا، نحن الغجر!
انهضوا أيها الغجر.
هيا بنا لنرحل …

هوامش

(١) توصلتُ إلى ذلك الاستنتاج من مقال ويليام إمبسون عن سرعة طيران الجنيات في مسرحية «حلم ليلة منتصف الصيف». في المسرحية، يقول بوك إنه يستطيع أن يدور حول العالَم، مجتنبًا ضوءَ النهار، في أربعين دقيقة. يقول إمبسون إن زمن تلك الرحلة قريبٌ من الزمن الذي استغرقته مهمة دوران يوري جاجارين حول الأرض يوم ١٢ أبريل ١٩٦١. تحقَّقتُ من بعض الأرقام: تقول وكالة ناسا إن مهمة جاجارين استغرقت ١٠٨ دقائق. بدت أرقام إمبسون غيرَ دقيقة، إلا لو كان يصحِّح أرقام جاجارين بوضعه في الحسبان أن رائد الفضاء السوفييتي دار حول كوكب الأرض لا فوق سطحها مباشرة — على ارتفاعٍ يحاكي ارتفاع العفريت بوك بعد رفع ثلاثة رجال أشداء له في مسرح جلوب (طبقًا للرواية التي قيلت) — لكن في الواقع كان جاجارين من موضعه يرتفع عن جميع مسرحياتنا وحساباتنا وأحلامنا واحدًا وتسعين ميلًا بحريًّا (لا ثلاثين ميلًا بحريًّا كما يقول إمبسون). هذه الأرقام تختلف أيضًا وفق ارتفاع المناطق التي تمرُّ عليها الدورة من سطح الأرض. لكن في الواقع هذا لا يهم. في قصيدة جون كلير عن طائر السُّبَد «عش السُّبَد»، يصف طيران ذلك الطائر بأنه «سريع كالأفكار تتوارد في الذهن». أدهشني ذلك التشبيه البلاغي بقدرِ ما أدهشتني سرعةُ تحليق الطائر الذي تصفه. إذ تجعلك تستشعر أفكارك. دقة إمبسون وحساباته لها تأثيرٌ مُشابِه. فهي تبث الحياة في المسرحية بعد مدة عرضها على المسرح وتُحيي تساؤلاتها فتُثير تساؤلاتنا نحن: ما سرعة حركتنا؛ وما الفرق بين سرعة دوران الأرض وسرعة أذهاننا، وما سرعة الحُلم مقارنةً بهما؛ كيف يتباطأ الوقت في بعض الأحيان، ويسرع أحيانًا أخرى؛ حين يطلب لايساندر من الممثل الذي يلعب دور القمر أن يتفضَّل، هل يعني أن يبدأ حديثه أم يمضي في رحلته؟
(٢) حين كتبَ توماس دي كوينسي عن قصيدة ووردورث «كان ثَمة صبي» واصفًا «استرخاءً» مشابهًا ساعدَه على الرؤية: «بعد انتظاره [صياح بومة] دون جدوى، بدأ انتباهه يفتُر — أي بعبارة أخرى، حين توقَّف عن توجيه كامِل حواسِّه في اتجاهٍ واحد حصري، بدأت فجأة تستقبل عناصر أخرى — ثم في تلك اللحظة، يمثل المشهد أمامه بالفعل، المشهد المرئي، فجأة …»
(٣) كان دبًّا ضخمًا. كان ديلمور شوارتز هو الذي استخدم عبارة «الوقت هو النار التي فيها نحترق» كلازمة تكرَّرت في قصيدته عن الحسرة والحزن لموت الأصدقاء وانقضاء كل شيء. ولتلك القصيدة عنوانٌ تهكُّمي هو «نسير في هدوء في ذلك اليوم من أبريل». مات شوارتز على إثر تعرُّضه لنوبة قلبية فيما كان يُخرِج القُمامة، من غرفته في فندقٍ بمدينة نيويورك عام ١٩٦٦. كان في الثانية والخمسين من عمره، وكان يعاني الاكتئابَ وإدمانَ المشروبات الكحولية.
(٤) رأت العديدُ من شعوب الجنوب سديمَ كيس الفحم كطائر (كبير) في سماء الليل: فهو يتخذ شكل رأس طائر الإيمو في العديد من ثقافات الشعوب الأصلية الأسترالية، وطائر من التناميات في علم الفلك لدى شعب الإنكا.
(٥) نُشر مقالُ لورانس المُعادي للرومانسية إلى حدٍّ رومانسي والجنسي على نحوٍ مؤكَّد وصريح عن العندليب — وكُتِب على الأرجح — في الوقت نفسه الذي نُشر فيه مقالُه عن أزهار توسكاني؛ كان يكتب في العراء في الربيع وكانت العنادل تقترب منه — «إنها فضولية جدًّا وتدنو مني لتراقبني وأنا أقلِّب صفحةً ما.»
(٦) أَدينُ بهذا الاكتشاف المُعجمي إلى تانمي ديكزيت، وهو شخصٌ ماهِر في الكلمات وطالبٌ ألمعي يدرُس الوقواق مع كلير في زامبيا الآن.
(٧) كان كولريدج شابًّا يافعًا كثيرَ السفر، يحيا في حركة دائمة، مثل خاطفي الذباب (وكذلك السُّنونوات والعديد من الطيور المهاجرة الأخرى)، يتدبَّر أمره بما يُتاح له الحصول عليه أثناء حركته؛ في المقابل، يصف جيلبرت وايت نفسه بأنه «رجل مستقر» وكان مهتمًّا بالعالَم كما جاء إليه. نثرُه هو نثرٌ مستقر بحق. وربما أسهم إدراكُه لثباته — لحياته المستقرة — في سيلبورن في تكوين اعتقاده الراسخ، خلافًا لأدلةٍ كثيرة جمعَها هو بنفسه، بأن السُّنونوات التي كان حبُّه لها واضحًا جدًّا، لم تغادر أبرشيته فعليًّا، بل ظلت فيها — مستقرة — تختبئ في الشتاء في وَحْل بِركة أو في قش سقف من الأسقف.
(٨) طالِعْ أيضًا بالأعلى ما كتبَه توماس دي كوينسي عن الانتباه النابع من الاسترخاء في قصيدته «كان ثَمة صبي».
(٩) عن تلك الملاحظة المدوَّنة في دفتر الملاحظات، كتبَ الشاعر روجر (آر إف) لانجلي في يومياته بتاريخ ٢٢ أبريل ٢٠٠٣ يقول: «تلك عبارة جديرة بأن يحفِرها المرء في ذاكرته، كي تذكِّره بجودة الحياة كلما قلَّت في نظره.» لاحظَ الناقد الأدبي هامفري هاوس، الذي حرَّر أعمالَ كلٍّ من هوبكنز وكولريدج، أن استخدام هوبكنز للشرطات المائلة في يومياته يشبه استخدام كولريدج لها. كلاهما يُظهِر تسرعًا في الملاحظة وشكًّا انفعاليًّا في ارتباط الملاحظة أو الفكرة بالبيئة المحيطة لحظةَ تدوينها — الشرطات المائلة هي علامات ترقيم متحركة، محسوسة كما النفَس أو النظرة. يشير هاوس إلى أن هوبكنز ربما يكون قد اطلع في شبابه على النسخ الأصلية من بعض دفاتر ملاحظات كولريدج.
(١٠) «الضوءُ ينحسر والغربان في طريقها إلى الغابة التي فيها مجثمها.» هذه في اعتقادي أفضلُ عبارة تخصُّ علم الطيور كتبَها شكسبير. إنها عبارة ترِد على لسان ماكبث. لا شك أن كولريدج كان يتذكَّر تلك العبارة هنا ولو على نحو جزئي.
(١١) يصف كولريدج نفسه بأنه طائرٌ غريب — في أوقات متفرقة كان «قارئًا نهِمًا» يلتهم كل كتاب في المكتبة، وزرزورٌ حبيس لا يستطيع إنهاء أي شيء أو يهرُب من أغرودته، ونعامة تركت بيضها في مواضعَ غيرِ مناسبة. وباعتباره مراقبًا مباشرًا للطيور المحلِّقة — كتبَ عن الحساسين التفاحية والزرازير وكأنما تعبُر الزمن خلال العالَم مرئيةً بل ناطقة — عبَّر عن معضلة الإفراط في التفكير التي عانى منها بمفردات خاصة بالطيور:

تمنيتُ أن أجبر نفسي على التحرُّر من حبال أفكاري الميتافيزيقية، التي حين أرغب في كتابةِ قصيدة توجِّه حماستي إلى النقيض. بدلًا من زمرة من طيور الحجل الشاعرية التي لأجنحتها طنينٌ كالموسيقى، أو من البط البري الذي يتخذ أشكالًا منتظمة دائمًا أثناء طيرانه السريع (وهي صورة شاعرية أجمل)، أتخيَّل حَجلًا خارقًا للطبيعة، يحلِّق بأسلوبه البطيء الثقيل المتعب الملاصق للأرض متوجهًا نحو القفور المستوية الموحشة …

كيف إذَن لا أكون حجلًا؟
(١٢) كان توم بول صديق كولريدج عامل دباغة في القرية في نهاية القرن الثامن عشر. يُصنِّع صِبغة ومرطِّبات للجلود. كلمة tanning (أي دباغة) في اللغة الإنجليزية مشتقة من كلماتٍ قديمة (في لاتينية العصور الوسطى، والفرنسية، والكورنية) تعني البلوط أو لحاءه.
(١٣) كانت صبغة «أخضر باريس» صبغةً صناعية تُستعمل في القرن التاسع عشر، وكان إنتاجها منخفض التكلفة وتُستخدم كثيرًا لكنها كانت سامة؛ إذ كانت تحتوي على الزرنيخ. حين مات نابليون على جزيرة سانت هيلينا عام ١٨٢١، اعتقد البعض أن البريطانيين سمَّموه بأن كسَوا جدران غرفته بورق جدران بذلك اللون. كان فان جوخ شغوفًا بلونٍ أخضر صناعي آخر، وهو الأخضر الزمردي (وهو يظهر جليًّا في لون خلفية لوحته «صورة شخصية ذاتية مهداة إلى بول جوجين» التي رسمها عام ١٨٨٨)، ويُحتمَل أن يكون قد تسمَّم منه هو أيضًا.
(١٤) على ذِكر فلسفة الاحتفاظ بالكعكة وأكلها، طالِعْ وصفَ كولريدج المحب البارع لخيبة أمل ابنه الصغير ديروينت حين يدرك أن الوقت الفائت لا يمكن استرجاعه، والذي دوَّنه في ملاحظة ترجع إلى عام ١٨٠٣:

دخل ديروينت (٦ نوفمبر وقت تناول الشاي عصرًا)، وكان الكعك كله قد أُكِل، وأبى تمامًا أن يقبل بشرائح الخبز الجافة والزُّبد بديلًا عنها. «لا تأكلوا الكعك كله!» — «حسنًا، لن نفعل غدًا!» — «لكن لا تأكلوا الكعك! لقد أكلتم الكعك، لكن لا تأكلوا الكعك كله!» — أربكَ انفعالُه شعورَه بالزمن وتَبِعاته تمامًا — رأى أن ما حدث قد حدث؛ ومع ذلك كان يطلب إلينا بانفعالٍ ألا نفعله — لا في المستقبل، بل في الحاضر والماضي. «لكنكم أكلتم الكعك! لكن لا تأكلوه الآن!»

إنَّ وصولي برفقة مراقبي طيور آخرين إلى موقعِ طائرٍ نادرٍ، واكتشافي أنهم رأوه بالفعل قبل أن يطير بعيدًا؛ من شأنه أن يصيبني باضطرابٍ مشابه للذي حدث لديروينت إلى يومنا هذا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢