يونيو

كافنهام

٥٢ درجة شَمالًا

١ يونيو. أمسيَّة في مروج سافك بصحبة كلير، لأجل الكَراوين وربما السِّبدان. كانت طائرات النقل التابعة للقوات الجوية للولايات المتحدة تحوم وتنحرف فوق رءوسنا على ارتفاعٍ منخفض كل دقيقة من الساعة الأولى. كانت تجوب الأرجاء ببطء، تشقُّ الهواء الكثيف، مثل خُنفساوات الرَّوث أو جُعَل الديكي، لا تريد في الحقيقة أن تظل محلِّقة في الهواء لكنها تخشى الهبوط. كان ثَمة كروان حصًى، جاثم على العشب؛ يرقُد على بيضه أو يحتضن فراخه. بدا كعظاءة في حفرة رملية. غبار الطباشير والرمال العتيق، والعشب البالي، وفراء الأرانب، والجنادب، ويرقات العثاث الزنجفرية، والجولق الشائك، والخلنج الذي لا نُسْغ فيه: كلها أشياء اجتمعت لتصنع ذلك الطائر، ثم انضمَّت لها عنزةٌ عجوز فمنحته عينيها. صدمةُ خلقه هي التي تسوق ما بقي من حياته. يبدو ملعونًا. كروان «متحجِّر»، هكذا وصفه توماس براون ذات مرة، بعد خطأ في الترجمة — لكنه اسم يلائمه أيضًا.

ظلت الطائرات تتوافد، صارت مثل خيول عربات عجوز تركُض في حَلبة سوق للمهازيل، بطيئة جدًّا وثقيلة جدًّا بلا شك. حامت الطائرة الأخيرة ثم تحرَّر الضوءُ وبدا كأنما يهمُّ بتجريد السُّحب من ثيابها. بدأ كروان حصًى آخر يطلِق صيحات الكروان الملتوية الخاصة، التي تشبه العواء إلى حدٍّ ما. ولمَّا أوشك النهار أن ينقضي، حلَّق كروان ثالث من طرف المرج إلى الطرف المقابل، على نحوٍ أخرق ومشئوم، وهو يصيح صيحةً أكثر جموحًا وإلحاحًا. غابَ عن بصري في ضوء الغسق الضبابي.

سمعَت كلير سبدًا، قرقرة واحدة قصيرة متناثرة، طائرًا آخر مستخلَصًا من ذلك المكان. لم أسمعه مع أني رفعتُ مستوى صوت سمَّاعة الأذن، كلُّ ما سمِعتُه كان صدى صيحات كَراوِين الحصى وآخر رجة في الزلزال الذي أحدثته الطائرات التي تشبه ذوات الحوافر الطائرة. ولوهلة بدا أن الأمسية تكدَّرت — إنها خذلتني وأنا خذلتها — حتى جاء الخلاص على يد القمر الفضي المريح، الذي انبثقَ خلال الغيوم فوق أيكة البتولا الواقعة على طرف المرج، مبحرًا في «زورق سماوي».

الغابة في كافنهام تحوي مجثمًا لزيغان الزرع وغربان القيظ. تفاجأتُ من وجودِ كَمٍّ كبير من الطيور السوداء في ذلك الوقت المبكِّر من الفصل. ماذا حدث لمواطنها الربيعية المخصَّصة؟ هل هي مجرد عابرة سبيل في طريقها إلى حيث ستتكاثر أم إنها تكاثرت بالفعل وكانت الآن تصبو إلى الشتاء؟ بعد أن حلَّ الليل بوقتٍ طويل وجدَّف القمر صاعدًا أكثر في السماء، ظلَّت الطيور الشاردة تصِل، تصُرُّ أجنحتها وأصواتها. خفَّت الجلبة أخيرًا في المهجع المضطرِب لكنها لم تسكُن تمامًا قط؛ في الظلام الدامس، كانت لا تزال تتحدَّث في نومها.

ليرويك

٦٠ درجة شَمالًا

٥ يونيو. أرخبيل شتلاند: في طريقي التقيتُ الصبيَّ الذي يقطن في المنزل الذي أنزل فيه، وهو يصعد الدَّرج من حديقته. كان يتحدَّث فيما ظننتُ أنه هاتف محمول لعبة ألصقه بوجنته. أثناء مروره من جواري، سكتَ عن الكلام وخفضَ يده وفتح راحته يُريني بيضةَ الفرخة التي يمسك بها، كانت بيضةً جديدة مرقَّطة بالبُني، جاء بها من عشٍّ من القش داخل حظيرة دجاج على جانب الحديقة. كان دفؤها قد دفَّأ وجنة الصبي، وكان يتحدث إليها قبل أن تخفقها أمه وتقليها مع غيرها ونتشاركها على الإفطار.

في اليوم نفسِه على جزيرة فير راقبتُ طائرَ فلمار يحاول أن يحطَّ على الطُّنُف الذي يتكاثر فيه، كان قد أنزل قدمَيه يجدِّف بهما لزيادة عزمه في وجه مدخنة من الرياح أعلى وهد، وهو فلقٌ في جرف. استلزم نجاحُه خمسًا وعشرين محاولة: مثل رجل عاد إلى بيته من الحانة يتحسَّس جيوبه مرارًا وتكرارًا بحثًا عن المفاتيح. في طريقنا إلى أرخبيل شتلاند أمس، كانت السُّحب قد انخفضت قرب قرية سومبرو وقلَّدنا ذلك الفلمار حين اضطُرَّ ربَّان الطائرة التي نستقلها لأن «يدور» بها كما قال ثم يحاول مرة أخرى.

في الأيام الستة التي قضيتُها على جزيرة فير، لم أرَ شجرةً يتخطَّى ارتفاعُها مستوى أذُني. وكلُّ طائر يَنشُد شجرةً كان مكشوفًا لي. لم يكن لدى طيور الربيع المهاجرة مكان تختبئ فيه. الجزيرة غير مسيَّجة، المزرعة الوحيدة عليها بها خمسة أشجار صنوبرية توقَّف نموها، وجميعها ميتة. تهبُّ الرياح من جميع الاتجاهات. في الليل، جاء فيضانٌ عظيم أسود منها فصقل النجوم. وفي ضوء النهار، رأيتُ سحلبية ضفدعية لَفحَتها الريحُ حتى صارت زهرتُها لا تقوى على الخروج من كنف التربة. سمعتُ هازجة مستنقعات تغرِّد من شجرة عيد ميلاد ميتة، ثرثارة تَحبُك ألحانها المقلدة بأصوات الطيور التي عاشت بينها قبل أن تجرفها الريح على سبيل الخطأ إلى الجزيرة: قراقف زرقاء وطيور أبو حناء من السويد (حيث قد تكون فقست بيضتها، وحيث تكاثرت في آخر)، وطيور أبو حناء الأحراش والحبَّاك من زامبيا (حيث يحتمل أن تكون قضت الشتاء). في بلدة شيرفا، جلسَ ستيوارت تومسون حين كان في عَقده العاشر، خارج منزله على دكةٍ زرقاء يغزل الصوفَ البُني من وبر أغنام القرية. في بستان أزهاره كانت توجد هازجة صرود غربية، لم تبلغ العام بعد، وصلت لتوِّها عابرةً البحر وشاردةً عن مسارها مسافة ٢٠٠٠ كيلومتر. واحدة في شجيرات الورد — فكم واحدةً غيرها ترقد في قعر البحر؟

سوافام برايُر

٥٢ درجة شَمالًا

٧ يونيو. تحوَّلت أربعُ بيضات لطائر أبو قلنسوة إلى ثلاثة فراخ وبيضة. كانت البيضة على وشْك الفَقْس. قرَّبتُها إلى أذُني وسمعتُ المخاض الأهدأ على الإطلاق، نقرات الفرخ وهو يجاهد للخروجِ من البيضة. تلك هي أغرودة الطائر الأولى.

فينس

٤٤ درجة شَمالًا

في نهاية عشرينيات القرن العشرين، تمكَّن السلُّ من دي إتش لورانس، فقلَّت قدرته على الحركة أكثرَ فأكثر. كان ذلك أمرًا قاسيًا للغاية بالنسبة إلى حياةٍ ظلَّ يعيشها في حركة دائمة حتى النهاية. هكذا كان يحب حياته. الملعونون والأموات يقعدون عن الحركة، ولم يحب أن يكون منهم. كان دومًا يبحث عن الحياة، وظلت أحلام النهوض والمضي قُدمًا تتزاحم عليه حتى نهاية حياته.

هكذا أيضًا كان رامبو. إنه ليس بشاعرٍ يدفعك غالبًا إلى البكاء لكن رسالته الأخيرة، التي خطَّها أحدُ أشهر الرحَّالين في ربوع الفن والحياة، بائسة حال قراءتها. في مطلع عام ١٨٩١ في إثيوبيا، حيث كان يعمل تاجرًا (يتاجر في القهوة وأنياب الفيلة والأسلحة — كان حينئذٍ قد هجرَ الشِّعر منذ وقتٍ طويل)، توَّرمت ركبته اليُمنى ثم تقيَّحت. وخلال بضعة أسابيع، فقدَ الرَّجل الذي وصفه فيرلين بأنه يمتلك «عقبَين كالريح» القدرةَ على المشي. لمَّا أدرك أنه لن يحصل على المساعدة حيث هو، صمَّم نقَّالةً حُمِل عليها إلى خارج أفريقيا، شَمالًا من مدينة هَرار ثم شَمال ساحل البحر الأحمر. كان عبورًا طارئًا لمهاجرٍ تقطَّعت به السُّبل. كان السفر عذابًا، لكنه ظلَّ على قيد الحياة أثناء الرحلة ورسا في مدينة مارسيليا؛ حيث اضطُروا إلى بترِ ساقه اليمنى. بساق واحدة فقط، وصلَ إلى مزرعة عائلته في شَمال شرق فرنسا؛ حيث كانت والدته. ثم عاد إلى مارسيليا عازمًا على العودة إلى الجنوب. لكنه كان على أعتاب الموت، وليس على أعتاب رَدهة المسافرين. شُخِّصَت حالته بأنها إصابة بسرطان العظام.

لازمته أختُه إيزابيل التي كانت تُرافِقه وهو طريح الفراش. وسجَّلت رؤياه المهلوسة:

«نحن في هَرار، نغادر أبدًا إلى عدن، وعلينا أن نجد جِمالًا كي ننظِّم القافلة؛ وهو يسير بسهولة شديدة بساقه الصناعية الجديدة …»

كان ذلك صوتَ جنونه يتحدَّث. لكن في الواقع:

«كان هزيلًا كهيكلٍ عظمي وشاحبًا كجثة! تحيط به أطرافه المسكينة المشلولة الميتة المشوَّهة!»

لم يكن ثَمة عودة للسفر أو للعافية بالنسبة إلى رامبو. بل تدهورت حالته. وبعد أسبوعَين، يوم ٩ نوفبر١٨٩١، حاول أن يحجز تذكرةَ سفر مع مدير شركة سفن بخارية في مارسيليا. لكن أخته ألغت طلبه. يبدأ رامبو بقائمة جرد لمخزونه من العاج، وكأنما لا يزال يتاجر به من أفريقيا؛ ثم بعد أن يُقرَّ بأنه لا يستطيع الحركة يوضح أنه — حتى مع تشوش ذهنه في أيامه الأخيرة — ما يزال مُتمسكًا بالذهاب:

أرسل إليَّ إذَن أسعارَ الخِدمات من أفينار إلى السويس. أنا مشلول كليًّا: لهذا أرغب في أن أكون على متن السفينة في وقت مبكر. أخبرني متى ينبغي لي أن أُحمَل إليها …

مات اليوم التالي في الساعة العاشرة صباحًا. وكان في السابعة والثلاثين من عمره.

•••

من الممكن جمعُ مقتطفاتٍ تضمُّ رِحلات اللحظة الأخيرة التي رغب بها عددٌ من الكُتَّاب الناشدي الربيع قُبيل رحيلهم عن الحياة. بعضهم كانت نهايته مأساوية.

يقال إن تشيخوف، الذي حرَّر قطيعًا من الغزلان لترمح في بيداء الأفكار الأخيرة لرجلٍ ميت في قصته «العنبر رقم ٦»، سألَ وهو يحتضر: «هل رحل البحَّار؟»

«ها قد أتى الإبحار الجيد»، يقال إن تلك كانت هي آخِر كلماتٍ نطقَ بها ثورو، قبل أن يضيف إليها «أيل» و«هندي».

كان ثورو في الرابعة والأربعين من عمره حين مات. وهكذا كان أيضًا تشيخوف، ودي إتش لورانس.

كتبَ تشيخوف عن الازدهار في ذلك الفصل — بهجة الربيع — وكذلك عن رئتَيه المكفهرَّتَين في رسالةٍ ربيعية خطَّها في ٨ مارس ١٩٠١ من مدينة يالطا:

أزهرت أشجار اللوز والمشمش لدينا منذ وقتٍ طويل، الجو دافئ بديع وكان يمكن لكل شيء أن يكون حسنًا وبهيجًا لولا السعال الذي يكدِّرني لليوم العاشر.

تضمَّنت رسالته الأخيرة من منتجع بادنفايلر بتاريخ ٢٨ يونيو ١٩٠٤ استفساراتٍ عن مواعيد السفن، مثل رامبو؛ كان يرغب في الذهاب في رحلةٍ من تريستي إلى أوديسا: «ستكون رحلة مثالية بالنسبة إليَّ، هذا إذا كانت السفينة جيدة ولم تكن قديمة بالية.» مات بعدها بأربعة أيام (وأعيد جثمانه إلى روسيا في برميل محَار قديم).

تَذْكر كاثرين مانسفيلد في تدوينةٍ بدفترِ ملاحظاتها كتبتها قبل بضعة أيام من توقُّفها عن الكتابة، وقبل ثلاثة أشهُر من وفاتها بالسل يوم ٩ يناير ١٩٢٣ وهي في عامها الرابع والثلاثين، تَذْكر رسائل تشيخوف الأخيرة — «لقد ابتلعه المرض» — ثم راحت تؤكِّد سبب رغبتها في استعادة عافيتها: «كي أحيا حياةً كاملة راشدة حية تتنفس بالقرب مما أحب — الأرض وما فيها من بدائع — البحر — والسماء».

قالت إنها تودُّ أن تكون «ابنة للشمس». وفي آخِر تدوينة لها، كتبتها بعد ذلك بثمانية أيام، في ١٨ أكتوبر ١٩٢٢، سجَّلت مشهدًا من الخريف. يبدو أنها كانت ستجعلها بدايةً لقصةٍ ما (غالبًا ما تشرد في يومياتها إلى مناظرَ ومشاهد تصلُح لأعمال إبداعية)، لكن يبدو أيضًا أن المشهد كان وصفًا للمكان الذي كانت فيه ذلك اليوم الخريفي، بعيدًا جدًّا عن الشمس:

في الخريف تسقط أوراق الحديقة. مثل كرات قدم صغيرة، مثل همسات رقيقة. تطير، وتلف وتدوم وترتجف.

بينما كانت تركض صاعدةً الدَّرج يوم ٩ يناير ١٩٢٣ (في «معهد تنمية الإنسان» الذي أسَّسه جورجيف قُرب باريس؛ حيث كانت مريضة/طالبة) أُصيبت بنزيف رئوي ماتت على إثره بعد ساعة.

مات لورانس وهو يفكِّر في خطوته التالية، في بداية الربيع. كانت السفن جزءًا من خطته للفِرار. كانت لديه دائمًا خطط، ولم يكن قَط كاتبًا «مستقرًّا» في مكان. كتبَ رسائله الأخيرة (دون أن يدرك أنها كذلك) من فِراشه قبل الأخير (نُقِل مرةً أخرى في ١ مارس ١٩٣٠ ومات في اليوم التالي).

كانت المصحَّة التي ينزل بها تُدعى «أد أسترا»؛ «حتى النجوم». استخدم فيرجيل تلك العبارة في ملحمة «الإنيادة». كانت تقع في بلدة فينس، قرب مدينة نيس، جنوب فرنسا. في البلدة المرتفعة نفسِها، بعد أكثر من عقدٍ بقليل، صمَّم هنري ماتيس كنيسة روزير وزيَّنها (الزجاج المزخرَف، واللوحات الجدارية، والأثاث) — وكان مريضًا وواهنًا لدرجةِ أنه اضطُر إلى أن يعمل وهو جالس على كرسي متحرك ويستخدم فرشاة مثبَّتة على عصًا مربوطة في ذراعه. في مصحة «أد أسترا»، كان لورانس مريضًا (مع أنه لم يكن صبورًا) لأقل من شهر. وهو ملازم لفراشه، كان أكثر شيء يودُّ فعْله هو النزول لأسفل الدَّرج حيث تستمر الحياة في العالَم.

كان يفكِّر في السَّفر إلى الفضاء بجانب تململه الدائم. كطائرٍ يحاول الفِرار من الشتاء، اتَّجه جنوبًا من ألمانيا مع فريدا في سبتمبر ١٩٢٩ إلى فرنسا والبحر: كتبَ في رسالة بتاريخ ٢٧ سبتمبر: «أشعر أن «لا شيء» سيحملني على الذهاب إلى شَمال ليون مرةً أخرى أبدًا. أنا أهابُ الشَّمال وأبغضُه؛ فهو مليءٌ بالموت وخيبات الأمل المريعة للغاية.» كان منزلُهما الجديد يُدعى «فيلا بو سوليل». ولمدةٍ من الزمن سطعت الشمس بقدرٍ كافٍ للمهاجر الجديد كي يكتشف محركًا حيًّا حتى في مكانٍ أبعد جنوبًا:

من هنا، يستشعر المرءُ أفريقيا. إنه أمرٌ غريب — لكن الذبذبات المباشرة تبدو قادمة من أفريقيا. سنذهب إلى هناك الشتاء القادم.

لكنهما لم يذهبا؛ إذ كان قد تُوفِّي. لكن حتى آخِر نفَس كان يرفض الاستقرار وعازمًا على التعافي. في فيلا «بو سوليل» كان يلازم الفِراش معظم الوقت. استطاع الخروج في «نزهات سير قصيرة»، لكنه كتب: «أبقى داخل المنزل معظم الوقت. الجو باردٌ بعض الشيء بالنسبة إليَّ». وجد طبيبًا إنجليزيًّا، مع أن المريض كان يكره أن يُزعِجه. قضى لورانس الشتاءَ يؤلِّف كتبًا جديدة (كتاب «الرؤيا» الذي نُشر بعد وفاته) ويتابع أعماله المنشورة بالفعل — كانت الضجة لا تزال قائمةً حول رواية «عشيق السيدة تشاترلي»، التي ظهرت (أو شبه ظهرت في طبعاتٍ خاصة ومسروقة) عام ١٩٢٨؛ كتبَ «توضيحًا» عن الرواية، ونظَّم مقالاته عن إيطاليا («العندليب»، و«توسكاني الوردية»، و«ألعاب نارية»)، وكانت هناك قصص جديدة («الديك الهارب»)، وكتيبات جديدة («الإباحية والفحش»)، وقصائد جديدة («أزهار البانسي» و«القراص»).

كان يتطلع إلى البحر من فراشه ويراقب القمر فوق البحر المتوسط. زاره الأصدقاء واحتشد عنده المتطفِلون. جلب لورانس وفريدا قطة مشمشية، كانا يدعوانها أحيانًا مايكي موسوليني، وسمكتَين ذهبيتَين (اصطادت منهما القطةُ واحدة)؛ كانت فريدا تشغِّل الأسطوانات على الجرامافون الخاص بها، الذي كان لورانس يكرهه (كان قد حطَّم أسطوانة «السرير الخاوي الكئيب» لبيسي سميث التي تحبها كثيرًا على رأسها في وقتٍ سابق)، لكنهما أيضًا خبزا الخبز معًا؛ وطلب سترة زرقاء من إيطاليا («أحبُّ ذلك اللون كثيرًا»)، وبودينج عيد الميلاد المجيد و«نصف رطل من الشاي» من إنجلترا، بالإضافة إلى «قميصَين تحتيَّين كبيرين من نوع ميريديان» و«سروالين تحتيَّين» لأجل فريدا. بدأ النرجس يزهر في ديسمبر.

لكنه طوال الوقت مُثقَل بحالته الصحية «المُضجِرة»، مع أنه كان مُصرًّا (حتى اللحظة الأخيرة) على أن المشكلة ليست في رئتَيه، وكان يستخفُّ بمرضه، واصفًا نفسه بأنه «لا بأس به» قبل وفاته بستة أسابيع فقط. كتبَ يقول: «بطريقةٍ ما أنا لست مريضًا، لكن الالتهاب الشُّعبي والربو يُكئبانني.» لجأ إلى البصق في المظاريف القديمة، وكان يحتفظ بها في جيب سترته حين تمتلئ. عام ١٩٢٥ شخَّص الأطباءُ في مدينة مكسيكو سيتي حالةَ لورانس بأنها السل، لكنه لم يستخدم كلمة السل في إشارةٍ إلى نفسِه إلا مرة واحدة فقط بعدها، وكان ذلك قبل موته بأقلَّ من ثلاثة أسابيع. وعلى نحوٍ مماثل، بطريقةٍ مُتوارية لم يعترف باضطرارهِ إلى المكوثِ دون حركة، أو ببشاعةِ وقْع الأمرِ على نفسه وما عناه ذلك التقييدُ له. صرَّح ذات مرة بأنه يتعافى، لكن في النَّفَس نفسِه (الذي التقطه بصعوبة) اعترفَ بأنه لا يتعافى: «لقد تحسَّنت صحتي مجددًا — غير أني ليس لي رغبة أبدًا في المشي أو الحركة».

كان ذلك إعلانًا لا شعوريًّا عن مدى سوء حالته، لكنه لم يتوقَّف — كان يأمُل أن يكون إظهاره الشوق تجاه معاودة الترحال قد يجعله يبدأ به مجددًا. على كل حال، كان ذلك ما يتطلبه الفصل. في أكتوبر ١٩٢٩ كان قد كتبَ قصيدة عن فراشةٍ مهاجرة توقَّفت على حذائه (الثابت) قبل أن تعاود الطيران إلى الجنوب فوق البحر المتوسط. يوم ٦ يناير ١٩٣٠، كتبَ إلى ماريا وألدوس هاكسلي يقول: «ها هو العام يدور دورةً أخرى … ربما يأخذني معه مرةً أخرى، مَن يدري؟» في الواقع، في ذلك الحين كان بالكاد يقوى على التحرُّك وحدَه، وكان يُضطر في بعض الأحيان، لمَّا تدهورت صحته، إلى أن يرفعه الآخرون ويحملوه. لم يذكر ذلك لآل هاكسلي ولا لمُراسليه الآخرين. أخبر مابل لوهان بأنه يخطِّط للذهاب إلى مقاطعة تاوس في نيو مكسيكو مجددًا. «نخْب الربيع، وبارقة أمل جديدة.» كانت «أوروبا العجوز المحتضرة» بأكملها تُشعِره بالحزن، ليس شَمالها فحسب: «سأموتُ لو بقيتُ في أوروبا على هذا الحال أكثر من ذلك.» في ٨ يناير ١٩٣٠ كتبَ: «لن أمانع الذهاب في رحلة بحرية طويلة.»

في نهاية أغسطس وبداية سبتمبر من العام السابق لذلك، كان لورانس قد بدأ يكتب مسوَّدة قصيدته «سفينة الموت»، المستوحاة من رحلاته الأخروية تحت الأرض في مقابر الإتروسكانيين ومتاع قبورهم. في دفتر ملاحظاته، جاءت تلك القصيدة بعد نسخةٍ أولى من قصيدة مذهلة يكثر فيها ذِكر الموت، تُدعى «الجنطيانا البافارية». في قرية بجبال الألب في شهر أغسطس من السنة نفسِها، كان إناءٌ من أزهار الجنطيانا الخريفية المقطوفة هو الزينة الوحيدة التي تزيِّن غرفة لورانس في نُزُل متواضع «تفوح منه رائحة البقر المريعة». راجعَ قصيدة «سفينة الموت» وأتمَّها في أكتوبر ١٩٢٩. وبعد شهرين، تحدَّث لورانس عن استقلاله سفينةً من مارسيليا إلى سان فرانسيسكو.

قال إنه كان يحب السفن، لكنه يفضِّل أن يستعيد قدرته على المشي على الإبحار. حين وصل إلى مصحة «أد أسترا» كتبَ: «سوف أمارس السير مجددًا.» تلك ملاحظة تبعث على الحزن من رجلٍ كان مشَّاءً عظيمًا فيما سبق. كانت فريدا معجَبة بساقَيه، ويشير ديفيد إيليس (أحد أعضاء الفريق الباسل من كاتِبي سيرة لورانس ومحرري أعماله المعاصرين) إلى أن العديد من شخصيات أعماله من الذكور لهم ساقان مميزتان: «سريعة وحيَّة ومفعمة بالنشاط، الساق هي كناية عن العنفوان والبراعة الجنسية في الحيوانات».

بحلول منتصف يناير ١٩٣٠، دار نقاشٌ عن المصحة بجانب النقاش عن الهروب. كان لا يزال يَعِد مابل بأنه سينجح في الوصول إلى نيو ميكسيكو. كتبَ يقول: «بإمكاننا أن نبدأ حياة جديدة، بحلول نهاية مارس سأكون بلا ريب قد استعدتُ عافيتي بالقدْر الكافي.» لكنه لم يستقل السفينة إلى سان فرانسيسكو. إذ قَبِل أخيرًا نصيحةً طبية: «أكَّد لي الدكتور مورلاند أني سأتعافى على نحوٍ أسرع بكثير في إحدى المصحات، وسأتمكَّن من «المشي» مرة أخرى — وتلك هي غايتي، أريدُ أن أستعيد ساقيَّ.»

ربما كان القمر عاملًا مساعدًا في ذلك حسب تصوُّر لورانس. فقد كان يتُوق إلى سِحر القمر وحركته. وكتبَ في «توضيح لرواية عشيق السيدة تشاترلي» عن «الانفصالية التافهة»، متسائلًا:

كيف لنا أن نستعيد أبولُّو وأتيس وديميتر وبيرسيفوني وساحات مدينة ديس؟ كيف نرى نجمة هيسبيروس، أو نجمة بتيلجيوس؟ يجب أن نستعيدها، فهي العالَم الذي تحيا فيه روحُنا، ووعينا الأشمل. أما في عالَم المنطق والعِلم، فالقمر كتلة جامدة من الأرض، والشمس كمٌّ هائل من الغاز المليء بالبُقع: ذلك العالَم الضيق الجاف العقيم الذي يسكنه العقلُ المجرَّد …

كان لورانس مخطئًا بشأن العِلم، لكن لنتجاوز عن زلة الرجل المريض. في ثلاث قصائد كتبَها في عامه الأخير، عبَّر عن رغباته بطريقةٍ أوضح — أملُه المُتخيَّل في أنه يمكن للقمر أن يحرِّكنا، كما يحرِّك المَدَّ والجزر، ويكون أكثر من مجرد كتلة صماء، ولا يتركنا على حالنا.

ربيعٌ آخر قد لا يدركه (وبالفعل لم يدركه)، لكنه بلا ريب كان يستطيع أن يتطلع إلى أن يحيا ليشهد اكتمال القمر مرةً أخرى. نجده يطلب ذلك في قصيدته الأخيرة في ديوان «المزيد من أزهار البانسي». القصيدة تُدعى «صلاة».

دَعْ ضوءَ القمر يغمر كاحلي، فأمضي.
بثباتٍ منتعِلًا القمر، بهدوء وبخفة.
نحو غايتي.

في قصيدة «ابتهال للقمر» من ديوان «القصائد الأخيرة»، يطلب «هدية أخيرة عظيمة»:

أيها القمر، مَن يُعيد إليَّ أطرافي الضائعة،
وقلبي الأبيض الشجاع الضائع،
ويجعلني أقف مرةً أخرى على قدميَّ الذاكرتَين للقمر،
وبخفةٍ أخطو نحو هدفي!

وفي قصيدة «الظلال» من ديوان «القصائد الأخيرة»، في وقتٍ يكون القمر فيه مظلمًا، «يختبئ في الظل» مع ذلك لا يزال مؤثرًا، يتحدَّث عن نصفِ حياة أُنقذَت في ضوء القمر نصف المتواري، وعن التحطُّم بغرض العودة، لا إلى صباح العالَم الربيعي، بل إلى مكانٍ شخصي لا فصول فيه «رجل جديد، في صباح جديد». تلك القصائد، على غرار أعمال لورانس الأخيرة، مكتوبة بكلماتٍ «ناضجة»، كلماتٍ «ذاقت» بالفعل معانيها:

ومع ذلك، بينها جميعًا لمحاتٌ من الوهم الجميل، ولمحاتٌ.
من التجدُّد؛
أزهارٌ شتوية متفرقة، على الساق الذابلة، لكنها أزهارٌ جديدة،
غريبة.
لم تمنحني حياتي من قبلُ مثلها، أزهار جديدة تزدهر.
مني …

تُرى هل من المُستبعَد أن يتخيَّل المرءُ لورانس «يزدهر» وهو مصابٌ بالسل — أن يتخيَّل نظامًا جذريًّا ملطَّخًا بالدماء يُزهِر في داخله على إثر إصابته بداء السل، فيما هو يسعل في مظاريفه؛ أن يتساءل المرءُ هل كان ثَمة ربيعٌ غريب مظلم دامٍ في داخله؟ في مقاله عن كافكا حين أُصيبَ بالسل، يصف والتر بينجامين ببراعة الحيوان الكامن داخل جسد صاحب «التحوُّل» و«جوزفين، المغنية أو: شعب الفئران» و«تقرير إلى أكاديمية» و«الجُحر»:

لأن أكثر أرض ملقاة في طي النسيان هي جسدُ المرء، يمكن للمرء أن يفهم سببَ تسميةِ كافكا السعال الذي يثور من داخله ﺑ «الحيوان». كان ذلك هو أبعد معقل للقطيع العظيم.

حتى في شهوره الأخيرة، لم يفقد لورانس اتزانه العقلي بالكامل. كل إعلان له عن نيةٍ ما كان تقريبًا بمثابة إقرار بأن الحياة على الأرجح لن تسير كما يشتهي. راقبَ نفسه من كثَب وأقرَّ بأوهامه تقريبًا بقدرِ ما كان يخوض فيها. ويكمُن جزءٌ كبير من عظَمته ككاتِب في معرفته بذاته تلك. وفي عام ١٩٢٧، كتبَ في تحليلٍ لكتاب:

ربما نرتحل مدفوعين بأملٍ سِري أخرقَ في أن نطأ أرضَ مدينة يوسبريدس، أو نُبحر بمركبنا في خَورٍ صغير ثم نرسو في جنة عَدن. الأمل دائمًا ما ينهزم. لا وجود لجنة عدن، ولم توجد يوسبريدس قط.

حين وصل لورانس إلى مصحة «أد أسترا»، كان وزنه أقلَّ من خمسة وأربعين كيلوجرامًا، وهو أقرب إلى انعدام الوزن من أي وقتٍ مضى في حياته. في البداية، بدا له المكان واعدًا، كما تبدو له الأماكن الجديدة في العادة — كان أقربَ إلى فندقٍ منه إلى مصحة. أشجار الميموزا باشقة تبلغ السُّحب … ونوَّار اللوز بديع للغاية.» في الطابق العلوي من مبنًى في التلال خلف مدينة نيس، شعر أنه «يُحلِّق في الهواء» «أشعر أني بحالٍ أفضل، أشعر أني فررت من شيءٍ ما» — «هنا يحلِّق المرء في السماء مرةً أخرى، ويمسك بزمام الأمور.» لكنه كان بالفعل «خفيفًا» جدًّا. في محاولةٍ للتخطيط للخطوة التالية، أتمَّ قراءة سيرة حياة كولومبوس، وأثناء تحليله لكتاب بقلم إريك جيل كتبَ مقالًا يعيد فيه صياغةَ ما يشغل باله:

فقط في الريف، بين الفلاحين؛ حيث ما زالت طقوس الفصول القديمة بحُسنها، لا يزال يوجد شيءٌ من «الإيمان» الحي الفطري في إله تلك الحياة.

لكن في تلك المرحلة من مرضه، لم يكن بوسعه سوى أن يذكر ما قرأه: لم يكن مسموحًا له بالمشي إلى الخارج كي يرى طلع أشجار اللوز — إذ لم يكن قادرًا على المشي — وكان مضطرًّا إلى أن يكتفي بما أخبره الآخرون عنها. لم يزدَد وزنه؛ وبعد فترة وجيزة لم يَعُد المكان الجديد يلائمه؛ إذ كتب يوم ٢١ فبراير: «لن أمكث هنا كثيرًا»، قاصدًا غرفته، وحياته أيضًا لكن دون أن يدرك. وبعد أسبوع، نُقِل إلى سريرٍ جديد، لكنه لم يبقَ على قيدِ الحياة سوى يوم آخر.

جاء ربيعُ ذلك العام وهو ليس فيه.

آرهوس

٥٦ درجة شَمالًا

قد تصلح كلُّ الأزهار والحيوانات للتفكير من خلالها. ربما تكون كلُّ أشكال الحياة مهمة. لكن ربما يكون بعضها أكثرَ أهمية من غيره. تصوَّر مثلًا حيوانَ الرنَّة. إن تتبَّعت الربيع شَمالًا، فربما تلحق بقطيع منه فعل الشيء نفسه، ولا يزال يحاول أن يتنقل برفقة ذلك الفصل. في موسم الربيع في أوروبا، منذ حوالَي ١٥٠٠٠ عام، عند ارتفاع درجة الحرارة في نهاية العصر الجليدي الأخير، كانت الرنَّات بمثابة تجسيد لتبدُّل المناخ؛ إذ كانت ترتحل معه، آخذة معها البشر. وحتى يومنا هذا، لا تزال الرنَّات هي الحيوانات الوحيدة الحية التي تتأثر بالفصول، وتجاهد كي تظل كذلك.

تتوفَّر لدى فيلكس ريد معرفة عن الرنَّات القديمة. ريد هو عالِم آثار في جامعة آرهوس في الدنمارك. ينصبُّ عمله في المقام الأول على الكوارث الأرضية التي وقعت في الماضي (البراكين والزلازل وضربات النيازك) وتأثيرها على الحياة البشرية المبكِّرة في أوروبا، لكنه مهتم أيضًا بأول مجموعة من البشر دخلت إلى الأرض التي هي الدنمارك الآن بعد نهاية العصر الجليدي الأخير. أولئك البشر، الذين يعتقد فيلكس أن عددهم كان قرابة العشرين شخصًا، كانوا يطاردون الرنَّات التي كانت تتراجع إلى الشَّمال، متتبِّعةً الجليد، راغبةً في التشبُّث بمساره الجانبي أو احتضان ظلاله الباردة. وبينما بدأ الطقس يميل إلى الدفء، وجاءت من الجنوب لمحةٌ من الربيع، كانت الرنَّات قد تابعت المضي قُدمًا — في الاتجاه المعاكس، إن جاز التعبير، بحثًا عن أفضلِ ما في الشتاء، عن طقسٍ أقدم، مبتعدة عن الأحوال الجوية الجديدة في جنوب أوروبا، والتي ساعدت على تكاثر الحشرات التي تزعج الحيوانات الآكلة العشب وسمحت بنمو كمية وفيرة من الزروع الخضراء التي لا تستطيع أكلها.

اليوم لم يَعُد يوجد أيُّ رنَّات في الدنمارك. إذ اضطُرَّت إلى التحرُّك إلى مكانٍ أبعد شَمالًا حين ساد الربيع الأوروبي الذي جاء بعد العصر الجليدي واستمر لعشرة آلاف سنة. تحدَّثتُ أنا وفيلكس في مكتبه ذي الطابع العصري في أحد الأيام في أواخر الربيع بالدنمارك. كانت الرياح قوية والجو باردًا، ولكن اللون الأخضر كان سائدًا في كل مكان. حلَّقت السُّنونوات على ارتفاع قريب من الأرض داخل حدود الحرم الجامعي.

يُدعى البشر الذين تبِعوا الرنَّات الهامبورجيين — نسبةً إلى الموقع الذي كانوا يسكنونه بالقرب من مدينة هامبورج الألمانية الحالية. وباعتبارهم أول دنماركيين بعد العصر الجليدي، فإنهم عُرِفوا من وجودهم في قلةٍ من الأماكن في جنوب الدنمارك: عند بحيرة جيلز أوفرسو وموقع سلوتسينج جنوب يوتلاند وفي أبرشية كروجسبول (حيث كان فيلكس ينقِّب) وفي ضاحية سولبرج على جزيرة لولاند.

كانت الرنَّات هي سبب وجودهم في تلك الأماكن. تقع تلك المواقع على أراضٍ مرتفعة أو بالقرب منها: أي إنها مناسبة لرصد الفرائس. وكان البشر يصطادون بالرِّماح أو السهام ذات الرءوس المصنوعة من حجر الصوان، لكن حتى الآن لم يُعرَف بعدُ كيف كانوا يتَّبعون القطعان.

«بالمفهوم البشري، يمكن اعتبار أنشطتهم شكلًا بدائيًّا من الاستعمار المرتكز حول جني الموارد الطبيعية، أو بالمفهوم البيئي يمكن اعتباره جزءًا من التعاقب الطبيعي، الذي جعل الأنواع المفترسة من الثدييات تتحرَّك نحو الشَّمال مع النباتات والحيوانات الأخرى لتستوطن (أو تعيد استيطان) الأراضي التي ظلت متجمدة وخالية من الحياة لآلاف السنوات.»

هاتان العائلتان كانتا تجسيدًا للربيع في القارة. الهامبورجيون أنفسهم قد يصيغون ذلك بطريقةٍ أخرى: كانت الرنَّات هي ما ينشدون — فهم يعيشون عليها. كان البشر الذين دخلوا سيرًا إلى الدنمارك جزءًا من مجموعةٍ أكبر نجت من انتهاء العصر الجليدي الأخير في الملاذ الفرنسي الأيبيري الموجود في جنوب غرب فرنسا والجانب الشَّمالي الشرقي من إسبانيا. ولمَّا ضعُفت هيمنة الجليد، تحرَّك جزءٌ من أولئك البشر شَمالًا إلى داخل فرنسا، باتجاه أرض راينلاند، ثم شَمالًا بمحاذاةِ ممرَّات نهرية كبيرة أخرى، إلى السهل الأوروبي الشَّمالي (المكوَّن من البُلدان الحالية المتاخمة للأجزاء الجنوبية من بحر الشَّمال وبحر البلطيق، من بريطانيا إلى بولندا، ومناطق في هذين البحرين لم تكن المياه المالحة قد غمرتها بعد). كانت الرنَّات هي الحيوانات الكبيرة الوحيدة الموجودة في تلك المنطقة. وكانت الذئاب موجودة في مكانٍ ما، لكن حسب قول فيلكس، الأدلة على مواكبتها للقطعان الجديدة قليلة للغاية.

«الرنَّات بارعة في الهروب في الخواء.»

هكذا أُتيحَت للبشر فرصةُ لعب دور الذئب، أُتيحت لقلة منهم فحسب.

«قلة قليلة.»

الرأي الشائع هو أن الهامبورجيين استوطنوا جنوب اسكندنافيا منذ حوالَي ١٤٧٠٠ سنة ومكثوا هناك. لكن فيلكس ليس واثقًا من ذلك تمامًا، ويقترح أنه في واقع الأمر حدثت «موجتا استيطان» قصيرتان؛ واحدة منذ حوالَي ١٤٧٠٠ إلى ١٤٦٠٠ سنة، والثانية منذ حوالَي ١٤٣٠٠ إلى ١٤٢٠٠ سنة. وبالفعل ثَمة اختلاف في القِطع الأثرية الموجودة في المواقع الهامبورجية المعروفة في الدنمارك، بما يكفي للإشارة إلى وجود هاتين الفترتين الزمنيتين المنفصلتين.

«تلك هي البصمات الأثرية لعدد قليل من البشر يغزون حدود العالَم المعروف. لم يكن أحدٌ قد ذهبَ إلى هناك منذ عدة آلاف من السنوات، ولم يكن أولئك الأشخاص على درايةٍ بأماكنِ وجود الموارد. كان عليهم أن يتعلَّموا أثناء تَرحالهم. ربما كان نوع صفحة الأرض مألوفًا بالنسبة إليهم، لكن تفاصيل تضاريسها بعد انحسار الجليد عنها — لا سيَّما أماكن وجود الرنَّات — لم تكن كذلك. ولم تكن أيضًا قد وصلت إلى مرحلة النضوج من الناحية البيئية: كانت مكانًا أجدب وعرًا.»

«تبدو من عالَم آخر تمامًا» هكذا كتبَ دبليو إتش أودن عنها عام ١٩٤٠ في آخر مقطع من قصيدته «سقوط روما» يقول:

شاسعة

تجتاز قطعانٌ من الرنَّات.
أميالًا وأميالًا من الطحالب الذهبية،
بهدوء وبسرعة مذهلة.

كأني أشاهد فيلمًا صامتًا يُصوَّر من طائرةٍ خفيفة تقطع التندرة. يستخدم أودن تلك الصورَ المُستمَدة من الأحلام لوصف نقيض البشر. هي تبعث الحياة في الجانب المقابل من العالَم، بعيدًا عن الحضارة وقلقها الذي يوثِّقه في باقي قصيدته. الرنَّات بمثابة فاصل في نشرة أخبار، عرض لأوقات صعبة لكن صعوبتها من نوع آخر.

الآن صِرنا نعرف أنه كان ثَمة حَفنة من البشر هناك على العشب الذهبي في ذلك المكان الذي يبدو «من عالَم آخر تمامًا» في صباح العالَم الأوروبي. وأنا أتحدَّث إلى فيلكس وأصغي إليه، أدركت على الفور كيف أنَّ كل شيء في الشَّمال حيث الجليد يافع: من حيث تأتي السُّنونوات، وحيث سارت الرنَّات؛ حيث يعيش فيلكس ويعمل، وحيث كنا نتحدَّث، وحيث مسقط رأسي الذي قضيتُ أغلب حياتي أغادره وأعود إليه. الهجرة من الجنوب إلى تلك الأماكن هي حدثٌ من أحداث صباح العالَم، أو من أحداث ربيع حقبة أرضية. هنا تطورت الهجرة في زمن متقلب — استحثَّ التغيُّر المناخي التأقلمَ فكانت الهجرة؛ إنها لا تزال يافعة، لا تزال جديدة، حدثت (ولا تزال تحدث) كتعبير من الأرض عن الربيع. الربيع نفسه، كما نعرفه في مناطقنا الشَّمالية لا يزال يافعًا: لم يمر علينا سوى ١٥٠٠٠ ربيع، كلُّ ما نَعدُّه من الربيع تطوَّر في تلك المدة الزمنية. الربيع «في» الشَّمال تطوَّر في «ربيع» الشَّمال. ذوبان الجليد السنوي هو انعكاس لذوبان جليد العصر. جميعنا هنا، نحاول أن نستيقظ بين عصرين جليديين، دافئين بين لوحين جليديين. حقيقةُ العالَم — الربيع باعتباره مفتتحًا للحياة — التي تثير شغفنا هي نفسها «صيرورة» العالَم. صخبُ الأرض هو «نفسه» صخب كوكب الأرض.

«أولئك الأشخاص خرجوا عن تقليدٍ ثقافي تشاركوه مع آخرين قرَّروا ألا يتجهوا إلى الشَّمال. أولئك الذين مكثوا في الجنوب، وسَّعوا نطاق اقتصادياتهم. كان لديهم الغزلان، لا الرنَّات، ليتغذوا عليها. ولكن البعض قرَّر أن يتبع الرنَّات. إذ كانت هي الحيوانات التي يعرفونها. عملية اتخاذ القرار تلك هي أمرٌ يستدعي التأمُّل والتفكُّر بشأنه. كيف فعلوها؟ تحرَّكت القطعان شَمالًا، وتبِعها البشر كذلك. مَن له إذَن أن يجزم إن كان أولئك البشر روادًا أم متبعي تقاليد؟ ما نراه لازمًا لمواكبة التعاقب البيئي في تضاريس متغيرة كان في الواقع قراراتٍ بشريةً اتخذها أولئك الأشخاص قد نراها مألوفة. السياسة لها دور أيضًا في ذلك. ربما اجترَّ بعض الأشخاص ذوي النفوذ بعضَ العائلات معهم في رحلاتٍ قرَّروا أن يخوضوها. هل كان لهم قادة مؤثِّرون تحرَّروا من بعض التقاليد كي يتبعوا آخرين؟ هل اختلفوا جميعًا بسبب الرنَّات؟»

كي يصطاد البشر الأوائل في جرينلاند الرنَّات، أجروا تعديلات على تضاريس الأرض عند مخانق الهجرة، فوضعوا المعالمَ والأعلام المرفرفة أو الرايات المثلثية كي يسوقوا الحيوانات ويوجِّهوها. لا يوجد دليلٌ على أن الهامبورجيين فعلوا ذلك. ولا على أنهم صاروا رعاة قطعان مثل شعب السامي. ذلك النوع من رعي الحيوانات أو تربيتها في المراعي المفتوحة لم ينشأ قبل العصور الوسطى. حتى إنه ثَمة جدال حول إذا ما كان بإمكان البشر أن يتبعوا قطعان الرنَّات أصلًا؛ فتلك الحيوانات تتحرَّك على نحوٍ متواصل قاطعةً مسافاتٍ كبيرة. تستطيع الرنَّات الركضَ بسرعة سبعين كيلومترًا في الساعة؛ ويستطيع قطيع منها أن يقطع بسهولةٍ أكثرَ من ثلاثين كيلومترًا في اليوم؛ وتقطع في السنة ما يصل إلى ٢٤٠٠ كيلومتر؛ كما أنها تُتقِن السباحة.١

غير أنه من المؤكَّد أن البشر الذين دخلوا إلى الأرض التي هي الدنمارك حاليًّا منذ ١٤٠٠٠ إلى ١٥٠٠٠ سنة كانوا شعبًا ذا علاقة بالرنَّات. كانت تربط النوعَين صلةٌ وثيقة. صنع أحدُ الحيوانين الثديين ثقافةً لكليهما. فقد استُعملَت جميع أجزاء الرنَّة، وكانت لتلك الحيوانات أيضًا أهمية ضخمة بجانب وظيفتها بالنسبة إلى صائدي الرنَّات. كان أولئك البشر يرسمون على الكهوف. وكانت الحيوانات تعني لهم الكثير: يفكرون خلالها بجانبِ أكلِهم إياها. في كهف لا مادلين، القريب من شبكة كهوف لاسكو الأثرية في فرنسا، عُثر على رسم محفور لذَكر رنَّة يافع، كان محفورًا على عظامِ قدمِ رنَّة. لم يكن في الأرض شبه السهبية، التي نزلها الهامبورجيون في الدنمارك الحالية، أيُّ أخشاب للبناء. فصارت عظام الرنَّات مادة بناء. ولأن ضلوع ذلك الحيوان وغيرها من عظامه كانت أطول شيء موجود حولهم، صارت بمثابة الأشجار في تلك الأراضي المقفرة. صنعوا الأدوات كذلك من العظام، والملابس من الفراء، وأكلوا كلَّ ما يمكن أكله في الحيوان. كانت مواد الهضم في أمعاء الرنَّات تجعل الطحالب والحزاز التي أكلتها قابلةً للأكل بالنسبة إلى البشر. ومن هذه الأمعاء نفسها صنع شعب الرنَّات حِبالًا. كما صنعوا من مَعِدات الرنَّات ومثاناتها حاويات. كانت حياة المجموعتَين متداخلةً ومتشابكة للغاية لدرجة أننا يمكننا أن نقول إن البشر «كانوا» رنَّاتٍ في صورة أخرى.

اصطياد الرنَّات ليس صعبًا ما دام المرءُ يعرف مكانها، ويستطيع مجاراتها. يمكن التنبؤ بسلوك هجرتها الموسمية بنسبة ٩٠ في المائة. لا تبدو تلك النسبة سيئة بالنسبة إلى صياد، حتى تدرك أنَّ من بين كل عشر سنوات سيمرُّ على البشر المعتمِدين كليًّا على الرنَّات سنةٌ عصيبة.

«سنةٌ شديدة القسوة. توجد أدلةٌ كثيرة على وقوع فِرقِ الصيد وجمع الثمار المختصين بالرنَّات في مشكلاتٍ جمَّة. فتَعداد تلك الحيوانات متقلِّبٌ صعودًا ونزولًا، ويصعُب على الصيادين مجاراتها. لكن ذلك لا يعني أنهم لم يحاولوا. في حالة الهامبورجيين، ربما نكون بصدد محاولات لتتبُّع الرنَّات إلى مناطقَ جديدة باءت بالفشل في نهاية المطاف.»

من المفارقة أنَّ تداعي المساعي الهامبورجية وفشلَها المُحتمَل أتاحَ للأفراد أن يظهروا في المساحات المظلمة في الزمن المتخلَّل. لو أنهم نجحوا، لربما طَمست الأدلةُ المتراكمة على استيطانهم آثارَهم الأولى ودمَّرت سجلَ أوائل مَن ساروا في ذلك الطريق. ولما كان من الواضح أن عائلات الصيادين فشلت في مسعاها، صار بإمكاننا أن نمنحهم حياة ثانية.

كانت الرنَّات تُقتَل بالرماح والحِراب ذات الرءوس المصنوعة من الصوان. أغلب الأدلة على وجود صائدي الرنَّات هي أسلحتهم المصنوعة من الصوان. ويمكن إرجاع العديد من الأسلحة الصوانية إلى صانعٍ واحد. فلم يتعامل صانعان مع قطعةٍ من الصوان بطريقةٍ متماثلة. بل ترك كلٌّ منهم بصمته.

«نستطيع فعلًا أن نميِّز الأشكال نفسها — علامات القطع على الأسلحة المصنوعة من الصوان — في سلسلة من المواقع الأثرية، ونستنتج أن تلك الأسلحة هي من صنعِ شخصٍ واحد كان يعمل في أماكن مختلفة. خلال الآثار المادية التي تركها، نستطيع أن نرى فردًا واحدًا ونتنقل معه.

صانعٌ واحد ترك بصمته منذ ١٤٠٠٠ عام. يمكن تمييز يده المهيمنة، ولا تزال تفاصيل سماته مقروءة مما صنعه، ضرباته وزاوية ميل قبضته مسجَّلان فيه.»

أراني فيلكس صورًا.

«تخبرنا الأدوات بالمزيد أيضًا. إنها مصمَّمة بجودة مذهلة. ستبهرك. استُخدمَت الأدوات المدمجة بكثرةٍ شديدة. وهي حلول بارعة لإحدى المشكلات التي تواجه جماعةً من البشر المرتحلين الذين يحتاجون إلى السفر بحمولةٍ خفيفة. صنعوا أدواتٍ متعددة الوظائف: فعدَّلوا طرفَي السن المصنوع من الصوان — الأمر يشبه وجود مفك في طرف ومفتاح ربط في الطرف الآخر.»

جاءت الرنَّات مثل الطيور بلا أمتعة؛ كان لدى الهامبورجيين أدواتٌ متعددة الوظائف، وصنعوا من الرنَّات حقائب.

«كان كلُّ شيء متعلقًا بالتنقل مع الرنَّات. لكن ذلك صعبٌ. إذ لم يكن لديهم عِصيُّ جَر، أو ألواح تزلُّج أو مزلاجات. ولم تكن الكلاب موجودة في شَمال أوروبا. كانت هناك قيود هائلة على القدْر الذي يمكن للمرء أخذه معه. وكان الأمر شاقًّا على المسنين والأطفال الصغار. وعلى الأرجح انخفضت نسبة الخصوبة لدى الإناث بسبب حياة التَّرحال. كان كلُّ شيء يجب أن يتم على قدمَين. على قدمَين فقط.»

لم ينجح الأمر. لكن الرواية القديمة تقول إنه نجح: جاء البشر إلى الدنمارك ومكثوا فيها. يعتقد فيلكس أن ذلك لا يتوافق مع الأدلة. إذ توجد اختلافاتٌ جمَّة بين أولئك الهامبورجيين والبشر الذين جاءوا بعدهم. كما أن أولئك الذين جاءوا بعدهم كانوا يعيشون ويعملون في أرضٍ ذات تضاريس شَمالية جديدة بها أشجار، لا رنَّات. كما أن طورًا باردًا قصيرًا جاء، رجوع إلى لمحة قصيرة من الصقيع، ربما تكون قد أغلقت العالَم الهامبورجي وأوقفته، قبل أن يبدأ الدفءُ الدائم جالبًا معه بقيةَ أشكال الحياة كما نعرفها.

«كانت تلك المجموعات صغيرةً للغاية. وكانت الأرض تمثل تحديًا بالغ الصعوبة. فصار الاستيطانُ بطريقة التجربة والخطأ. بدت تضاريس الأرض مألوفةً لكن السمات الأساسية كانت مختلفة. والتعرُّف على تضاريس الأرض يستغرق وقتًا. ولم يستطِع البشر أن يتعاملوا معها.»

«وكان عددهم عشرين فردًا فقط؟»

«ربما لست جادًّا إلى حدٍّ ما. لكن ليس تمامًا. كلُّ المواقع التي نعرفها صغيرة. ولا يوجد دليل على وجود أي بنايات راسخة أو أي استيطان طويل المدى. تمركز البشر في جزأين من البلد. ولم يكن هناك أي توسُّع، ولا أي وجود عام في مكانٍ آخر. الثقافة التي نراها في استخدام مادة الصوان في صناعة رءوس القذائف تكاد تكون متطابقة. ولذا، أعتقد أن عدد البشر كان قليلًا جدًّا، وأنهم مكثوا هنا لبضعة أعوام، لجيل واحد ربما، ثم فشلت محاولة الاستقرار في موطن جديد. وبعد ثلاثمائة سنة، حاول آخرون مجددًا.»

•••

ودَّعتُ فيلكس وأسرعتُ إلى المطار كي أطير شَمالًا بحثًا عن بعض الأمثلة الحية للرنَّات التي كنا نتحدَّث عنها. بينما كنت أخطو إلى داخل صالة المطار، بدأت عاصفة برد. ظلت تتشكَّل لمدة ساعة وسط السَّحاب المتراكم. راقبتُ نهايتها من داخل رَدهة المغادرة. وعلى الحافة الخرسانية المبتلة عند قاعدة نافذة كبيرة رأيتُ جثةَ سُنونو. بدت مثل سيجار «بابيروسا». لا بد أنها ارتطمت بلوحٍ زجاجي. لو لم تشبه سيجارة مبتلة لأشبهت عُثَّة ميتة. لم أرَ سُنونوًا راح ضحيةَ مثل ذلك الحادث من قبل، لكن في بعض الأحيان لا بد لها من أن تخطئ مسارها. لوقت قصير، غطت حبَّات البَرَد التي يميل لونُها إلى الرمادي جسدَه الأشعث الداكن الصغير ورأسَه «المستدير». سطعت الشمس وظللتُ أراقبه حتى ذابَ عنه الجليد.

ترومس

٧٠ درجة شَمالًا

بعد خمس ساعات من مغادرتي الدنمارك، كنت في جزيرة كفالويا — جزيرة الحوت — في شَمال النرويج. كان ثَمة ذَكر رنَّة يسير بمحاذاة طريقٍ مزدحم في ساعة الذروة، نحو الجسر المؤدي إلى الجزيرة المجاورة التي تقع فيها مدينة ترومسو. كان الاختناق المروري شديدًا للغاية. كان الحيوان يتحرك على الرصيف كالمشاة الملتزمين، ويسير فوقه وهو يعتريه حسٌّ بالاستحقاق. أثناء مرورنا أنزلتُ زجاج نافذتي كي أُنعِم النظر في هذا الحيوان الذي هو بمثابة بقرة مقدَّسة. كانت حوافره تُقرقِع على الأسفلت مثل حذاء رقص نقري. أطلق زفرة حادة، وكأنما انتهى لتوِّه من الركض لمسافة كبيرة. وبدا أن كتلًا من فرائه الرمادي الفاحم الباهت تتساقط من عدة رقع في جسمه. أضفت عليه حالته المزاجية — رأسُه المنحني وترنُّح ردفَيه، كراقص مخضرَم في ماراثون رقص — طابعًا متداعيًا: بدا مثل ملك الفضاء اللانهائي، حيوان يمضي إلى حيث يريد، لكنه أيضًا مُتوهِّم، تُعيقه جاذبيته المُتخيَّلة في نفسه أو المفهومة خطأً، وحبيس جسده العاجز بقوَّته. كبرى مشكلاته هي جائزته التي هو مضطر إلى حملها على رأسه. كان لون الغطاء الجلدي المشدود فوق قرنَيه الناميين مماثلًا للون وجهه وجسده، لكن تلك الخوذة العَظْمية ذات الأغصان بدت وكأنما تسحقه تحتها، مثل درع مَلِكٍ يلبَسه أميرٌ فتيٌّ — تاجٌ ثقيل مهيب ينزلق فوق أذنَيه الفتيَّتَين الورديتَين الناعمتَين.

الرنَّات جزءٌ من الحياة الحضرية في منطقة ترومسو. أبطأت السياراتُ والشاحنات حركتَها غير أنها لم تتوقَّف. فكلُّ واحد كان عليه أن يصل إلى مكانٍ ما. أخبرني نيك تايلر، وهو رجلٌ إنجليزي مغترب ودارِس للرنَّات وسائق سيارة أن قرون الرنَّات ليست ثقيلة فحسب، بل هي حية أيضًا — وأنها ستنمو بمقدار سنتيمتر واحد اليوم، وكذلك كل يوم في ذلك الوقت من العام. كان الرنَّة يُزهِر. وينمو. لو توقَّف عن السير، لربما استطعنا التركيزَ على فرع أو أكثر من قرنَيه اللذين يشيران إلى الأعلى باتجاه شمس منتصف الصيف. اليوم سيبلغان ارتفاعًا أعلى مما كانا عليه أمس. يُخيَّل لك أن شجرةً كتلك تحتاج إلى جذورٍ كي تنمو وترسخ في رأس الحيوان. ثم تتساءل إلى أين لتلك الجذور أن تصل.

كثيرًا ما تُروى تلك القصة أو نُسَخ مختلفة منها: حين عاقبت إلهةُ الصيد أرتيميس الصيَّادَ أكتيان على تحديقه إلى جسدها العاري، شعرَ بأنه يتحوَّل إلى غزال، بدأ أولًا بالمشي «على أربع» (في إعادة السرد الشِّعرية للافينيا جرينلو) ثم شعرَ بضربةٍ على رأسه حين بدأت شجرةٌ عَظْمية تنبثق من أم رأسه. بعد بضع لحظاتٍ انقطع تفكيره — نظرة إلى شريط حياته الطويل الباهت — بالكامل حين مزَّقته كلابه إربًا.

كان ذَكرُ الرنَّة يمضغ الجرَّة ويكملها بأزهار التوليب التي يقضَمها من حدائق الناس الأمامية. في أشهُر مايو ويونيو ويوليو تكون ذكور الرنَّة حيواناتٍ تؤثِر العُزلة. ذكر لي نيك تفاصيلَ دوراتها.

في الشتاء تتخالط القُطعان. وفي طَور الوداق الخريفي تتناحَر الذكور.

سألتُه: «وماذا بعد؟»

«ذَكرٌ مُكتمِل النمو عمرُه خمسُ سنوات أو ست كهذا، يختزن قوتَه ويتجهَّز لطَور الوِداق، لأجل التزاوج. يبدو مَظهره زريًّا بعضَ الشيء، لكنه طرحَ فراءَه بالفعل ويتغذَّى على الزروع الربيعية الخضراء وينمو قرناه.»

القرنان يشبهان أصابعنا: يتكوَّنان من العظام في منتصفهما، والغضاريف عند أطرافهما، وأوعية دموية تضخ فيهما الحياة. ويكون غطاءُ القرون المُخملي من الجلد. حين يحل أكتوبر موسم الوِداق والتزاوج، يؤدي الارتفاع الهائل في نسبة التستوستيرون إلى إماتة القرون، وتحوُّل العظام الحية إلى عظام ميتة. فتحوِّلها من شيءٍ غضٍّ هشٍّ إلى سلاحٍ قتالي صَلد متبلِّد. عادةً يرفض الجسدُ أيَّ مواد ميتة ويلفظُها، لكن ذَكرَ الرنَّة يحتاج إلى قرنَيه. إحدى مِيزات هرمون التستوستيرون المتعدد الوظائف هي أنه يُوقِف تلك العملية. فهو يثبِط نشاط الخلايا الناقضة للعظم — وهي خلايا مختصة توجد في قاعدة القرنَين — التي من دونه ستُحطَّم المواد الميتة في القرنَين فتتسبَّب في سقوطهما. هكذا يظل القرنان ثابتَين مكانهما مع أنهما ميتان. بعد دورة الوِداق، تتراجع مستوياتُ هرمون التستوستيرون من جديد فيَتسنَّى للخلايا الناقضة للعظم أداءُ دورها وينطرح القرنان.

في أحد قرنَيه، ألصقَ ذَكرُ الرنَّة ورقة يافعة من السرخس. تدلَّى إكليلٌ أخضر زاهٍ من القرن المزهر الأخضر. لا بد أن الخُضرة غير ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى تلك الحيوانات. يقول نيك إن الرنَّات لديها عمًى للونَين الأخضر والأحمر، ودائمًا ما تنتقي أكثرَ الزروع نضرة لتأكله، لكننا لا نعرف كيف تفعل ذلك إلا أننا يمكننا القول إن اختياراتها غير قائمة على اللون. العالَم الذي تعيش فيه الرنَّات يقع وراء حدود اللون الأخضر، يتخطَّاها. ومع ذلك، منح السرخس الحيوان المتوج مظهرًا ديونيسيًّا جامحًا.

•••

في لحظةٍ ما، في نهاية مسرحيته وفي خِضم طور الجنون المحموم الذي أصابه، يخرج الملك لير على خشبة المسرح «مكتسيًا بالطحلب» أو «مكتسيًا بالزهور البرية في مظهر غريب» حسب توجيهات الإخراج المختلفة. تأنَّق وارتدى حُلَّته الخضراء، بما يناسب تحوُّله إلى رجلٍ أخضر والسير في طريقه إلى باطن الأرض. في نهاية حياته، يفكِّر في الأزهار، وفي لحظات صحوه، يحاول أن يصوِّب بعضًا من أخطاء الشخصية المريعة التي كان عليها من قبل. يُوزِّع الأزهار (ذلك دورٌ كثيرًا ما تلعبه السيدات — برديتا وأوفيليا وغيرهما — في أعمال شكسبير)، لكن هيهات، لقد فات الأوان. بعد أن جعل الزمن يختل، صار الآن متخلِّفًا عنه — حانقًا على الفصول — حتى إن الرجوع لم يَعُد ممكنًا. في البداية يحاول أن يمنح الأزهارَ لجلوستر، الذي لا يستطيع أن يراها كونه أعمى. وحين يدرك هوية جلوستر، يخلع لير تاجَه المصنوع من الأزهار؛ إذ اكتشف أن كونه متوَّجًا كملك لم يَعُد أمرًا له معنًى، وينطِق ببعض الحقائق السوداوية التي تأخَّر إدراكه إياها: «عندما نُولَد، نبكي لقدومنا إلى هذا المسرح المليء بالحمقى». بعد لحظات، يتصاعد غضبه وجنونه مرة أخرى. يقول كلمة «اقتل» ست مرات بينما — حسب توجيهات الإخراج — «يلقي أزهاره على الأرض ويدوسها بقدمَيه».

•••

كان ذَكرُ الرنَّة الذي يسير على الرصيف في جزيرة كفالويا شبه مُستأنَس. هو مِلكٌ لراعي قطعان من شعب السامي يمتلك جميع الرنَّات الموجودة على الجزيرة. يُلزِم القانون في النرويج جميع مالكي الرنَّات بوَسْم آذانها — ثَلْمها بجروح مميزة — للإشارة إلى مالِكها. لا يوجد إلا راعي قطعان واحد على جزيرة كفالويا؛ ولذا لا يُوسِم حيواناته، مع أن السلطات تُلزِمه بذلك. في أماكن أخرى في النرويج، تَعتبر الحكومةُ الرنَّة غير الموسومة حيوانًا بريًّا، وبالتبعية — بمنطق حِقبة الأنثروبوسين — تعتبرها مِلكية لها.

رعاة القطعان من شعب السامي قومٌ رحَّالة. هم لا يتملكون أراضيَ لكنهم أقرُّوا بحقهم في الرعي منذ زمن طويل: بحق الانتفاع. نظريًّا، يُسمَح للرنَّات أن ترعى في أي مكان تستطيع الولوج إليه، بما في ذلك مراقد أزهار التوليب المملوكة للناس؛ وتقع مسئولية تشييد السياج لإبقاء الرنَّات خارج أراضي المزارعين على عاتق المزارعين لا الرعاة. تشِبُّ في النرويج خلافاتٌ تشبه تلك التي تحدث في أي مكان في العالَم يلتقي فيه الرحَّالة بالمستوطنين. ربما تَسمعُ السُّنونوات التي رأيتُها تمرُق من فوق الرنَّة في كفالويا خلافاتٍ في القطب الشَّمالي تشبه تلك التي تسمعها بين المزارعين والبدو الرحَّالة في تشاد أثناء تَرحالها عبر منطقة الساحل.

بعض الناس فاضَ بهم الكيل من الرنَّات. يقولون إنَّ عددها ضخم للغاية وتأكل بكمياتٍ كبيرة جدًّا. غير أن ذلك الوصف ربما ينطبق أكثر على أولئك المتذمرين. تُعطى بعضُ الرنَّات مقدارًا معينًا من الأعلاف المُكمِّلة في الشتاء، لكن يرجع السبب في ذلك جزئيًّا إلى الانخفاض الحاد في قدرتها على التجوال والرعي (والتعرض للصيد) والترحال بحثًا عن الكلأ الطبيعي على مدار القرن الماضي بسبب عوائق شتَّى من صنع الإنسان. تواجه مصادر غذائها البرية أخطارًا أخرى أيضًا. فقد أسهم تغيُّر أنماط استغلال الأراضي في زحف الشجيرات والنباتات الخشبية. تُغيِّر الأجواء الأكثر دفئًا — نتيجة للتغيُّر المناخي الذي أحدثه البشر — في المراعي البرية التي ترعى فيها الرنَّات وتجول منذ آلاف السنين؛ صارت شجيرات عنب الثور أو عنب الأحراج الدائمة الخُضرة أكثرَ وفرة من ذي قبل، وهي غير سائغة للرنَّات. ومن ثَم، فإنَّ ما دفعها نحو الشَّمال في نهاية العصر الجليدي الأخير، بدأ يؤثِّر عليها مرة أخرى اليوم. والتنقل لم يَعُد بالضرورة الحلَّ المناسب بالنسبة إلى الرنَّات كما كان من ذي قبل. حتى حين تكون لديها حرية التجول، تبدو أكثر عزوفًا عنه من ذي قبل. الرنَّات لديها عمى ألوان (يشبه ذلك الذي عاناه ووردزورث والكثير غيره من البشر)، لكنها ترى الضوء فوق البنفسجي (على عكس الإنسان). يقول نيك إنَّ أسلاك الكهرباء تبدو للرنَّات وكأنها «تقرقع وتنفث اللهب»؛ تستطيع الرنَّات أن ترى حول الأسلاك هالاتٍ مُربِكة من الدفقات الجائشة.

لأن الرنَّات تعيش في بيئة فيها تغيُّراتٌ ضوئية هائلة (يدوم الليل طوال اليوم في وقتٍ من العام، بينما لا يجيء الليل على الإطلاق في أوقاتٍ أخرى)، تطوَّرت لديها آليةٌ فريدة لتحسين رؤيتها بجانب إدراكها للضوء فوق البنفسجي. في الشتاء يتغيَّر التكوين المادي لعينيها بغرض تحسين الرؤية في الفَصل المظلم. لها عينان كعينَي القطط. «بساط المشيمية» الشفاف طبقةٌ عاكسة خلف الشبكية تعكس الضوء وترجعه إلى المستقبلات الضوئية وتحسِّن الرؤية في الإضاءة الضعيفة. هي ما يجعل عينَي العديد من الحيوانات تلمع في الظلام (عينانا نحن البشر لا تلمع؛ ولهذا يظهر تأثير «العين الحمراء» في الصور الفوتوغرافية التي التُقطَت بوميض الكاميرا). في الرنَّات، يتغيَّر «بساط المشيمية»: في الصيف يكون لونه ذهبيًّا، فيعكس الضوء مباشرةً عبر الشبكية، بينما في الشتاء يتغيَّر لونه إلى الأزرق الغامق، فيُشتت الضوءَ في الجزء الداخلي من العين بدلًا من عكسه مباشرة. هذا يزيد الحساسية البصرية للحيوان في إضاءة الشتاء المنخفضة. من الواضح أن الميزة التي يخسرها — تلك الحساسية الزائدة تأتي على حساب انخفاض دقة البصر (تشتُّت الضوء يخفض من دقة الرؤية الحيزية) — غير مهمة. ترى الرنَّات بوضوحٍ أقل في الأشهُر الظلماء من السنة، ولكنها تظل محتفظة بمستوى إدراكها للحركة. ربما لا تكون قادرة على رؤية تعابير وجه ذئب، لكنها تظل قادرة على رؤية حركته الخلساء.

•••

في اليوم التالي في ترومسو، قُدمَت لنا شرائح السلامي المدخنة المصنوعة من لحم الرنَّات على الغداء، مقطَّعة بالسكين التي يستخدمها جزارو الرنَّات من قوم سامي. تذوقتُ قلب الرنَّة المجفَّف أيضًا. لكني فضَّلت السلامي. سألتُ جميعَ مَن قابلتُهم في شَمال النرويج عن الجزء المفضَّل لديهم من لحم الرنَّات. قال لي أحدهم إن القلب يُستخدم لإخافة السيَّاح. جلسنا في مكتب نيك، تحت مجدافَيه العزيزَين اللذين يحتفظ بهما من أيام ممارسته التجديف في جامعة كامبريدج. أراني شيئًا اشتراه حديثًا: عُلبة تبغ عتيقة الطراز محفورٌ عليها شعار كليته ليضع فيها تبغ غليونه.

كنا ننتظر كارن أنيت أنتي، وهي راعية رنَّات من شعب السامي. وصلت كارن أنيت — رفضت تناول الغداء — وبطلبٍ منَّا غنَّت أو أنشدت «يويك» عن أبيها المتوفَّى. كان كذلك راعي رنَّات. كانت أغنية شَمالية حزينة، باردة لكنها عميقة، ما بين التهويدة والنواح. بدأت من منتصفها بطريقةٍ ما وانتهت بغتة. لم يبدُ أن لها بداية أو نهاية واضحتين، وبدت مثالية لكونها أغنيَّة مؤلَّفة تحت سماء ممتدة واحدة، في ظلمة الشتاء أو ضياء الصيف.

تحدَّثت كارن أنيت عن أشكال قرون الرنَّات. لا توجد رنَّتان لهما شكل قرون واحد. ثلاث كلمات من لغة السامي تكفي لتمييز أي حيوان بعينه ضمن القطيع. الحزوز التي تُشَق في أذن الرنَّات هي علامةٌ يضعُها المالك. وإن كان المُلاك في الواقع ليسوا بحاجة لها. أو لم يكونوا بحاجة لها. ذلك أن كلَّ حيوان من حيوانات الرنَّة كانت تحدِّده حصيلةٌ ثرية من المفردات الخاصة بالجنس والمرحلة العُمرية والوجه والبِنية الجسدية ولون الفراء والقرنَين (في موسمهما).

حتى قبل أن تستجمع قواها استعدادًا لغناء أنشودة «يويك»، كان الإصغاء إلى ما تقوله كارن أنيت يثير القلق. يواجه قومها وحيواناتها الكثير من المخاطر. الوقت ينفد من «الأرض القديمة» كما تراها (وتُسمِّيها)، أو كما تقول مصحِّحة:

«الوقت يُسلَب منها».

تابعت قائلة: «الحكومة تصغي بعضَ الشيء لكن ليس كثيرًا. إنها تصغي أكثرَ إلى شركات التعدين الضخمة. أشعرُ أني أقرب إلى الهنود الحُمْر مني إلى الشعب النرويجي — ونحن نعرف ما حدث للهنود حين انقطعت صلتُهم بحيواناتهم.»

تقول كارن أنيت إن عام الرنَّات به ثمانية فصول، وهو أيضًا عام شعب السامي؛ إذ إن الشعب والحيوانات كِيانٌ واحد. وكما كتبت إميلي ديكنسون في إحدى قصائدها: «تلك هي الأيام المحبَّبة إلى الرنَّات»، ويبدأ عام السامي حين تلد الرنَّات صغارها.

الربيع - الشتاء: في مارس وأبريل.
الربيع: في أبريل ومايو.
الربيع – الصيف: في مايو ويونيو.
الصيف: في يونيو ويوليو.
الخريف – الصيف: في أغسطس.
الخريف: في سبتمبر وأكتوبر.
الخريف – الشتاء: في نوفمبر وديسمبر.
الشتاء: في ديسمبر ويناير وفبراير ومارس.

«لقد فتحتُ عينيَّ في هذا العالَم على تلك الحياة — لم تمارس عائلتي أيَّ عمل آخر سوى رعي الرنَّات. صحيحٌ أني أحبُّ القهوة بالحليب، لكني أحبُّ رنَّاتي أكثر. إنها لم تتغيَّر، ولكن العالَم الحديث آخذٌ في الاقتراب الآن أكثرَ فأكثر. نحن نستخدم الدراجات البخارية وعربات الثلوج والمروحيات وهي تسهِّل علينا، نحن الرعاةَ، حياتَنا، لكنْ ثَمة أناس آخرون يأتون إلى المراعي والجبال ويصعِّبون الحياة علينا وعلى الرنَّات. طبيعة الرنَّات هي التَّرحال، وهي لا تزال تستطيع ذلك بصعوبة، لكن ربما لا تصبح قادرة عليه قريبًا. فالحياة العصرية لا يمكن توفيقها مع الرنَّات. إذ يجب عليك أن تهاجر معها كلَّ فصل، وحين تصير غير قادرة على الحركة، تتعثر مهنة رعي الرنَّات. لا نستطيع التلاعب بطبيعة الرنَّات. بل الرنَّات هي التي تقرِّر لنا. المجتمع الحديث يريد أن يخطِّط، لكننا ليس بيدنا أن نخطط لأي شيء سوى ما تفعله الطبيعة؛ الطبيعة هي التي تقرِّر.»

«بإمكانك أن تستدعي رنَّة بأغنية «يويك». أغنية «يويك» الخاصة بي كانت لأبي، وهي تأتيني دون عناء؛ إذ أخذتها عنه. تُوفِّي أبي منذ خمسة أعوام. لكن بإمكانك أن تستدعي صورة مكان أيضًا، أو حتى دراجة بخارية.»

•••

ركبتُ الطائرة من النرويج عائدًا إلى لندن. تحت بحر الشَّمال، كانت رمال مخاضة «كينتش نوك» بادية. صنعت نوعًا من النوار البُني أو الإزهار الرملي الذي غيَّم على بحرٍ داخل البحر، كأنما يطفو حشدٌ من الرمال وينمو هناك. بدا مثل سديم كيس الفحم في سماء الجنوب ليلًا — حضور مُعتِم — لكن في البحر.

بينما كانت الطائرة تحلِّق بانتظار دورها للهبوط فوق جنوب لندن، نظرتُ لأسفل مجددًا فرأيتُ النسيج الملتئم لجُرح أول مدرسة ثانوية ارتدتُها: المكان الذي قضيتُ فيه أتعسَ سنتَين في حياتي. في أول يوم من الكشف الطبي، كان هناك طبيبٌ كشفَ سروالي الداخلي وكأنما يفتح دُرج مكتبه، ولفَّ راحته حول خصيتَيَّ الصغيرتَين الناكصتَين — يا له من عشٍّ غريب ذلك الذي رأيتُه حين نظرت لأسفل — وطلب مني أن أسعل؛ وكان هناك مدرِّس يحب قصَّ شعر الصِّبيان وهم عراة في غرف تبديل الملابس بعد حصة التربية الرياضية؛ وكانت هناك حصة التربية الرياضية نفسها: من الطائرة كنت أرى ملاعبَ الكريكيت التي أصابتني فيها ذات مرة كرة في صدري ومرة في خصيتيَّ بضربتَين أفرغتا الهواء من صدري. لكني رأيتُ أيضًا الأشجار عند حافة ساحة الملعب والجزء الخارجي من الملعب الذي يمتدُّ إليها، والتي كثيرًا ما كنت ألوذ بها وأختبئ فيها وأنا في موضع توقُّف طويل. وكان هناك أيضًا المسرح الكبير — المكان الذي رقصتُ فيه في مسرحية «طقوس الربيع».

•••

قبل الرنَّات، كنت قد رأيتُ في المتحف القومي في كوبنهاجن مِرجَل جوندستروب الذي يبلغ عمره ٢٠٠٠ عام. وكان قد عُثِر عليه داخل مستنقع خُث في أبرشية هيمرلاند في شبه جزيرة جوتلاند عام ١٨٩١، وهو مصنوع من الفضة (به كميات أقل من الرصاص ولحام القصدير، والذهب والزجاج) وحجمه كبير (يبلغ قطره ٧٠ سنتيمترًا، وارتفاعه ٤٥ سنتيمترًا، ويزن ٩ كيلوجرامات). إنه أكبر شيء عُثر عليه ضمن غنائم العصر الحديدي من المصنوعات الفضية في أي مكان. يصفه المتحف بأنه أكثرُ عنصر غني بالصور من عناصر عصورِ ما قبل التاريخ بالدنمارك. التصميمُ «المُقبَّب» (المَشاهد المطروقة على الجانب الآخر من اللوح المعدني لتصير بارزة قليلًا) هو سلسلة من الألواح المستطيلة المحفورة التي تصوِّر لحظاتٍ دينية أو مقدَّسة. معظمها لآلهةٍ يؤدون عملهم: وهي على الأرجح آلهةٌ غريبة على ديانات البشر الذين فقدوا المِرجَل أو أخفَوه في خُث جوتلاند حيث ظلَّ محفوظًا هناك لمدة ٢٠٠٠ عام.

توجد عدة نظريات حول أصل المِرجَل ووظيفته وأهميته. ربما كلَّف أناسٌ من السلتيين الصائغي الفضة التراقيين (الذين كانوا يعملون حيث رومانيا أو بلغاريا الحاليتان) بصنعه، وجلبَه إلى الشَّمال قبيلةٌ كانت تفِر من الرومان. ربما كان المِرجَل أحد الممتلكات القيمة التي حملها أحد اللاجئين. وربما كان هدية. يُحتمَل أيضًا أنه كان غنيمة حرب. أيًّا كانت حقيقة بدايته أو حقيقة معناه، فإنه يمثِّل على أي حال توليفةً، مزيجًا من الثقافات الأوروبية: يخنة أو «حساء» ألماني، أو حساء «جولاش» المجري، أو حساء «بوتاج» الفرنسي، أو يخنة السمك؛ إنه إناءٌ لإذابة «الحساء المحمول».

يحظى أحد الألواح الداخلية للمِرجَل على الأخص باهتمامِ مراقبي الرنَّات أو متَّبعي إيكتيان (أو الملك لير أو أورفيوس أو الربيع نفسه). يصوِّر المشهد كيانًا له هيئة البشر يرتدي صدارًا وسروالًا داخليًّا طويلًا ويجلس وسط حيواناتٍ أخرى — غزال وثلاثة أسود وذئب ونوعان من الظِّباء، مع بشريٍّ آخرَ يمتطي درفيلًا. ذلك الرجل — هو من جنس الرجال — له قرنان ينبثقان من رأسه يكادان يماثلان قرنَي الغزال الذي بجانبه. يحمل على رأسه قرنَين لكنه لا يبدو مُثقَلًا بهما، ويجلس في سكينة كما لو أنه ممارس يوجا جالس في وضعية اللوتس. ربما كان يتأمَّل أو يُنشد أو يغني. يبدو الذئب والأيَّل منتبهَين له وكأنما ينتبهان لأورفيوس وهو يغني. يتطلع الرجل إلينا بوجهٍ يبدو وكأنما يتطلع أيضًا إلى دواخل نفسه. كنت قد رأيتُ القديس فرانسيس مرسومًا على نحوٍ شبيه بين طيوره.

كان كيرانونوس هو الإله ذا القرنين المقترن بكل شيء تقريبًا في عصره: الحيوانات والخصوبة والحياة والعالَم السفلي. ربما كان هو المصوَّر على المِرجَل. يمسك بيمناه طَوقًا. ويمسك بيسراه ثعبانًا، قابضًا عليه من وراء رأسه مباشرة (مع أن الرأس يبدو أقربَ إلى رأس كبشٍ منه إلى رأس ثعبان). قد يكون الطَّوق رقًّا، ويبدو الثعبان مثل مُكبِّر صوت يلتوي سِلكه على خشبة مسرح. ها هو ذا نيك كيف، مغني الروك آند رول الأورفيوسي، يقدِّم لنا أفضل أعماله («الناس لا نفعَ منهم» — الأغنيَّة المُفضَّلة لدى كين سميث، أو الألبوم الثنائي «أباتوار بلوز/ذا لير أوف أورفيوس»)، تدعمه فرقته «ذا باد سيدز» — الذئب الذي يميل نحو الكلمات الداعمة، والغزال الذي ينشد «يويك» بنقر أقدامه؛ بينما في مقدمة المسرح، بين الجمهور المفتون المنبهر، يوجد شخصٌ يمتطي درفيلًا كالعادة.

بورثمير وتالين وريجا

٥٠ درجة شَمالًا و٦٠ درجة شَمالًا و٥٧ درجة شَمالًا

في إحدى السنوات الأخيرة، زرتُ صديقتي جين دارك التي تعيش في منزلٍ على الشاطئ في قرية بورثكثن بشَمال كورنوال في بداية الربيع في شهر فبراير. جين كاتبة وصانعة أفلام؛ كنت أود أن تغني لي. ولم تكن واثقة من أنها ستفعل. أولًا، تمشَّينا ناحية الجنوب على المسار الساحلي. تعيش جين على «طَرْح البحر»؛ أي ما يقذفه لها البحرُ حسب حظِّها. تجمع من الشاطئ أخشاب «حطام السفن» التي طرحها البحر لأجل موقدها. وتستخدم الفحم الذي انجرفَ إلى الشاطئ من سفن شحن الفحم وغيرها من البواخر التي تعمل بالفحم، والتي غرقت منذ زمن طويل، في تدفئة بقية منزلها. تكتظ الرفوف والأسطح في كل غرفة بمنزلها وتزدحم بما وجدته جين (هي وزوجها الراحل نيك) على الشاطئ: دمى «ليجو» من حاوية سقطت عن متن إحدى السفن، ونبات فاصوليا البحر الذي جاء طافيًا من جنوب أمريكا، وولاعات سجائر تالفة من حانات البحَّارة في المدن التي تحوي ورشًا للسفن، وبطاقات أوعية الكركند من نيو إنجلاند، وعوامات صيد شاردة، وطيور أوك صغيرة غارقة … يبدو أنه لا حدود لما يمكن أن يجرفه البحر إلى الشاطئ.

مرَّت عاصفةٌ صباحَ ذلك اليوم وخلَّفت وراءها طقسًا معتدلًا. كانت جين تأمُلُ الحصول على الفحم. أقام دي إتش لورانس في قرية بورثكوثن عام ١٩١٦، وهناك في بداية الربيع شعر أن الأيام «المقبلة» والأيام التي «لم تُخلَق بعد» تنجرف إلى الشاطئ. أثناء سيرنا، رأيت أنَّ بإمكاننا أن نتذوق الربيع في الهواء العليل لكن وكأنما نُزِع منه مذاقُ المِلح. كانت أزهار البنفسج قد تفتَّحَت، وكانت شعلاتُها الرقيقة النَدية تتراقص أسفل سياج شجري. حلَّقت قنابر الحقول لأعلى حيث غرَّدت واستقرَّت هناك.

بفضل جين، تعرَّفتُ في بورثكوثن أيضًا إلى صديقها عالِم الطبيعة ريتشارد بيرس. قضى بيرس أيامًا عديدة كلَّ عام يُحصي البطلينوس على الشاطئ في شَمال كورنول، واستمرت هذه العادة لأكثر من نصف قرن. وبعد أن تلوَّث الخط الساحلي بالنفط على إثر كارثة السفينة «توري كانيون» عام ١٩٦٧، بدأ يُميِّز الصخور بمربعات القياس ويُحصي البطلينوس ويحدِّد أماكنه. في الأعوام الأولى بعد ١٩٦٧، قتل النفطُ والمادة المنظِّفة التي استُخدمَت لإزالته والتي لا تقل عنه سُمِّيةً كلَّ شيء على منطقة المد والجزْر على الشاطئ في بورثمير، لكن في الآونة الأخيرة، مع أن تجمعاتٍ من النفط من عدة سفن غارقة أو مُسرَّبة لا تزال تظهر على الساحل، عادَ البطلينوس إلى الشاطئ بأعداد كبيرة.

بالقرب من شاطئ بورثمير، غادرت جين عائدةً إلى منزلها: كانت قد أجرَت عملية تغيير مفصل لرُكْبتها حديثًا. واصلتُ أنا المشي إلى الشاطئ. شرح لي ريتشارد المفهوم البيولوجي لنَدْبة بيت البطلينوس — الأثر الذي يتركه البطلينوس على سطح الصخور جراء تشبُّثه به — والشكل الموازي له المحفور في صَدفة الكائن الرخوي؛ حيث يترك البطلينوس علامتَه على الصخور، والصخور تترك علامتَها عليه. هناك في الكهف الصخري العميق، وجَّهتُ كلامي إلى ندبات بيت البطلينوس التي يتعهَّدها ريتشارد بالمراقبة، والتي يقارب عددُها المليون.

طارت حميراء سوداء عبر الشاطئ وهزَّت ذنَبها للبحر — كائن صغير بنفسجي دافئ لقاء محيط أخضر بلون الخضروات. كان ثَمة نوارس فضية تزاوجت حديثًا في الحقول عند حافة الجرف. بدت مثل ثنائي في المراحل الأولى من حفل، يقف كلٌّ منهما بتوتر بجوار الآخر، ويتحرك معه وكأنما ربط كاحله بكاحله، ويتحدَّث معه في آنٍ واحد عن غير قصد، في محاولةٍ لكسر الجمود بينهما. صاحَ صَعوٌ صيحته التي تشبه دَقَّة منبهٍ واحدة «تيك» من سياج من شجيرات الجَولَق المُزهِرة — التي بدت مثل الشمسِ بعينها — وبدت تلك النغمة الواحدة، التي انطلقت في النهار، وكأنها تنادي الزمن. نعبَ غرابٌ أسحم فوقي: «كرونك» وأنا أمضي في طريقي، فشعرتُ بشيءٍ يشبه تأرجُح البندول بين الطائر الصغير والكبير. كانت حفناتٌ من الأوراق الخضراء المُحكَمة قد بدأت تُنبِت في الأشجار الشوكية المحاذية للسياج. استمر الهواء يانعًا. «ها قد أتى كل شيء.»

التفتُّ عائدًا إلى منزل جين الشاطئي. شربنا القهوة، نَخب الربيع الجديد ورُكْبتها الجديدة، ثم وهي تستند إلى موقدها في المطبخ غنَّت:

آه! أين القديس جورج،
آه! أين هو،
لقد خرجَ في رحلته الطويلة بالسفينة في البحر المالح.
تطير الطائرة الورقية لأعلى، وتهبط القنبرة لأسفل.
الخالة أرسولا بيردهود كانت لديها عنزة عجوز،
وماتت في حديقتها.

تلك هي إحدى أغاني عيد الربيع في بلدة بادستو. إنها أغنية عن الاخضرار لمكان ساحلي، أُلِّفَت (تطوَّرت أو نمَت على الأغلب على مدار مئات السنين) كي تُغنَّى في أوج الربيع. ولا تزال تُغنَّى في عيد الربيع كلَّ عام. ذلك الصباح الذي كان لا يزال يفصله عن عيد الربيع عدة أسابيع، كانت شوارع مرفأ الصيد مُزيَّنة بالخُضرة، ويرقص شخصٌ يرتدي زيَّ حِصان على الأنغام التي تظل تجوب أرجاء البلدة مرارًا وتكرارًا أثناء اليوم.

تَبعُد بادستو سبعة كيلومترات فقط عن الساحل من مطبخ جين. ولكن جين ليست من أهلها، ورأت أن الأغنية ليست ملكًا لها لتغنيها.

قالت: «تلك أغنيتُهم هم.»

•••

بعد بضعة أعوام فقط من هروب دول البلطيق من سجن الاتحاد السوفييتي الصدئ، قضيتُ بعض الأيام في منتصف الصيف في إستونيا ولاتفيا. ذات ليلة، في أرضٍ مقطوعة الأشجار داخل غابة مظلمة خارج مدينة ريجا، أصغيتُ إلى جوقات قروية جاءت من جميع أنحاء لاتفيا تغني نيابةً عن الضوء حين بدأ يخفُت في ذروة العام الانقلابية. في منتصف ليل يوم سابق من ذلك الأسبوع، قفزتُ فوق نار خلاءٍ مضرَمة على شاطئ بحر البلطيق بالقرب من مدينة تالين بصحبة العديد من مُغنِّي البوب الإستونيين. كنا نعني بقفزاتنا امتطاءَ خط منتصف العام. بعد أن قفزنا سكنَ ما تبقَّى من الليلة إلى حدٍّ ما. كان هناك الصوت الرخيم لأمواج البحر الهادئ، وضوء خافت متصل في السماء وقت الغسق، ورذاذ ينفث في النار الموقدة، وطقطقة الريزن الخافتة الصادرة من حطب أشجار الصنوبر والتفاح المحترق، والاستبطان الإنساني، الذي استحضره حمَّام بخار وشرابُ الفودكا، وعزَّزته أنغامُ المغنين العاطفية الثَّمِلة. كانت إحدى أغانيهم عن عندليب (العنادل الموجودة هنا هي من نوع السُّمنة الهزارية) يتوقَّف عن الغناء في منتصفِ ليلة من ليالي منتصف الصيف.

تلك الليلة بدا لنا أننا شهدنا انحسار السنة. لكنها في اليوم التالي، بينما كنا لا نزال في غمرة الضوء الانقلابي، عادت إلى الحياة في هيئة طائر غريب. في مزرعة كَرْم خلف الشاطئ الذي كانت فيه النار مباشرةً، رأيتُ لوَّاءً. بين أصدقائي التخيُّليين في بيت الطيور التخيُّلي — مع أنه لا أحدَ منهم يتحدث إليَّ — تعيش طيور اللوَّاء في جوار ديوك الغاب وطيور السُّبَد الذهبي. جميعها طيور ذات لون بُنِّي على نحوٍ يصعُب تفسيره، وجميعها مهتمة بالاختباء، وجميعها تتصرف لجزء من حياتها كشيءٍ آخر غير الطيور. جميعها علاقتها غير تقليدية بالحركة. جميعها مضطرة إلى الطيران؛ فكلها طيور مهاجرة، لكنها تقضي جزءًا كبيرًا من حياتها قابعة في مكانها أو مختبئة.

كان اللوَّاء طائرًا يتكاثر في بريطانيا قديمًا، لكن لم يحدث منه ذلك في سنوات حياتي قط. ذلك الغياب، أو الخروج التاريخي للطائر، يجعله يبدو قديم الطراز أو حتى فلكلوريًّا. مظهره أيضًا ينمُّ عن ذلك. اللوَّاء هو نقَّار خشب غامض. يعشِّش في فجواتٍ داخل الأشجار القديمة ويأكل النمل. يبدو الطائر مثل لحاء الشجر أو مثل عشٍّ لنمل الخشب. حركات اللوَّاء تشبه اختلاج عشِّ نمل. تتماوج طيور اللوَّاء وتنثني، وسُمِّيت كذلك تيمنًا بعادتها في ثني أجسادها والتلوِّي لتشتيت انتباه الحيوانات المفترِسة أو إرباكها؛ ويكون لذلك تأثيرٌ مثل التنويم المغناطيسي. كما أنها تصدر فحيحًا.

ذات مرة عند بحيرة نيفاشا في كينيا، رأيتُ لوَّاءً في الغابة التي يقضي فيها شتاءه، وفُوجئتُ بالطائر مختبئًا بين أشجار السنط الباهتة ذات اللون البُني المَشوب بالرمادي (حيث كان يتوارى نَمرٌ أرقط أيضًا)، مثلما كان يختبئ في ربيع العام السابق في أشجارٍ باهتة ذات لون بُني مَشوب بالرمادي، ربما في بستان فاكهة قديم في مكانٍ ما في شرق أوروبا القديم. كَمْ بدا غريبًا، مثل تحفة أثرية، يقضي حياته محلِّقًا من أقصى العالَم إلى أقصاه كي يختبئ من كل شيء مرتَين.

رأيتُ ثلاث مرَّات في العراء طيورَ لوَّاء مهاجرة انتهى بها المطاف إلى بريطانيا في الربيع أو الخريف حيث تفتقد غطاء الأشجار: كان أول طائر لوَّاء أراه قد عَلِق في شبكةٍ في مقلع حجارة قديم في رأس جزيرة بورتلاند، وكان ينثني ويتلوى وقد نفشَ ريش عُرفه الذي له لون رماد الحطب في يدِ مَن كان يُثبِّت الحلقة في ساقه؛ والثاني استطارته دراجتي من حافة طريق وأنا أغادر مكان عملي حيث عملت حاميًا للبيئة في السنة قبل الأخيرة في جامعة كامبريدج، فأيقظني من مخاوفي الداخلية بشأن الطيور (الحفاظ على الأنواع المهدَّدة في مدغشقر) وأعادني إلى الحياة العابرة، وهجرته المفعمة بالطاقة؛ وكان الثالث يقف على سورٍ من الحجارة الجافة على جزيرة فاولا غرب أرخبيل شتلاند (في اليوم نفسِه، رأيتُ كروان الحصى الذي يفوقه خبَلًا)، كان جزءًا من فوضى الربيع المنتشرة التي تعتري جزءًا من حركة الطيور فيه وتلفظه بعيدًا.

في بستان الفاكهة الإستوني، كان اللوَّاء يزقزق بأغرودته الربيعية من شجرة تفاحٍ عتيقة. يقول روبرت جريفز، في تدوينة عن شجرة الصَّفصاف في فصول كتابه «الإلهة البيضاء» التي تتناول شجرة الأبجدية السلتية، إن اللوَّاء هو «طائر المجون الأول» لدى إلهة القمر. بإمكاننا أن نتوه (ننتشي وننذهل) بين تلك الكلمات (كشأن معظم كِتاب «الإلهة البيضاء» إن لم يكن كله): أورفيوس حاضرٌ في صفحات جريفز وكذلك بيرسيفوني، وكذلك القمر، جميعهم متداخلون مع الطائر المتلوي، لكن سحر اللوَّاء يفوق ارتباطه بهم. إنه بطبيعته أكثرُ جموحًا من أي تأويل بشري.

كان الأمر كذلك بالنسبة إليَّ في مدينة ريجا ومهرجان أغاني منتصف الصيف. غالبًا ما يكون الجموح أفضلَ من التنميق. والرحلة أفضل من الوصول. لم أرَ أو أسمع شيئًا يؤدَّى على خشبة المسرح — جوقة تلو الأخرى أغلبها من شابَّات يافعات يغنين في الأغلب عن الربيع — يضاهي تلك اللحظات التي وقفتُ فيها خلف الساحة بين أشجار البلوط الظليلة؛ حيث كانت المغنيات يضعن تيجانًا من أوراق البلوط الملفوفة، ويعدِّلن أثوابهن، ويسلِّكن حناجرهن، ويصطففن للغناء وهن يَسِرن نحو الضوء والأرض المُجتثَّة الأشجار.

كان الوجود خلف الكواليس يعني الوجودَ في غابة. كان ثَمة عشٌّ لنمل خشب كذلك — تلال جنائزية بُنية على التربة العارية تحت النباتات الدائمة الخُضرة. كان ثَمة أشجار صنوبر تنمو متقاربة، لحاؤها لونه كالدم المتجلِّط، وكان ثَمة أشجار شوح داكنة عند أطراف أشجار الصنوبر، وأشجار بلوط عند أطراف أشجار الشوح، تُنير بأوراقها النفضية الخضراء المسارات خلال الأشجار. كان المكان مستويًا. وأعتقد أنه كان مكانًا استُخدم لقتل يهود المدينة في الحرب العالمية الثانية، وربما لقتل غيرهم قبل الحرب وبعدها.

كانت مهرجانات الغناء في دول البلطيق مسارحَ للمعارضة في الصراع ضد سلطة الاتحاد السوفييتي في ثمانينيات القرن العشرين. وكما كانت الحكومة ترعى الموسيقى الفلكلورية في المجر الشيوعية باعتبارها نوعًا من موسيقى البوب الريفية، كانت الحكومات الموالية لموسكو تسمح بالجوقات القروية في لاتفيا وتُنظِّمها. لكن المفوَّضين في الحكومات الموالية كان يفوتهم فهْم الأناشيد الوطنية التي يحسَبون أنهم يسمعونها وسط الموسيقى الراقصة الصاخبة في أفراح القرية المليئة بالثمالة وأغاني المراهقات عن الازدهار المؤلَّفة لأجل أيام العمل الطويلة في الحقل في منتصف الصيف. لم يكن تعبير الفلاحين عن رأيهم صائبًا من الوجهة السياسية بقدْر ما أرادوا. إذ أبت عقولُهم المتواضعة وأقدامُهم الملطَّخة بالطين أن تغني وترقص وفق توجيهات اللجنة المركزية. اليوم ربما حتى تُقِر الأغاني نفسُها الجنوحَ المستميت نحو اليمين في تلك البلدان، التي لا تزال مُثقَلة بتجاربها الصادمة التي خاضتها في القرن العشرين. حتى في مطلع تسعينيات القرن العشرين، شهدتُ لمحةً من ذلك في هذه البقعةِ من الغابة في ريجا. كانت بالفعل عشائرية على نحوٍ مُبالغ فيه. وهذا سبب آخر من أسباب تفضيلي لتلك الطقوس الربيعية، وتلك الفتيات المقلِّدات لبيرسيفوني، وهن يتجهَّزن، في ظلمة الليل بالغابة؛ حينها تكون الأغاني مِلكهن بحق.

كان الوقوفُ تحت أشجار الصنوبر الداكنة بمثابة الوجود في غرفة مظلمة، وكنت أقف مستندًا إلى جذع شجرةٍ فيما كانت مواكبُ من الشابات تمرُّ أمامي، «تتجلَّى صورتُهن» أثناء سيرهن، يغنين بالفعل عن إلهة الشمس وحبيبها إله القمر. جاءت نحو اثنتَي عشرة منهن يمشين كواحدة، ترتدي كلٌّ منهن ثوبًا أبيض أو أبيض ضاربًا إلى الصفرة، حريريًّا ذا نسيج مُضلَّع، فكنَّ يترقرقن كما الفضة، حتى في الظلمة الجزئية، يتوهَّجن كما تتوهَّج هوازج الشجر. كانت كلٌّ منهن مُتوَّجة بالأخضر: ارتدت أغلبُهن تيجانًا من غُصينات أشجار البلوط المورقة، مَجدولة أو مَحبوكة، كلٌّ منها يختلف عن غيره، كلُّ تاج منها مصنوعٌ بيد الفتاة التي ترتديه كي يلائمها؛ بعض التيجان كانت تشكِّل قرونًا خضراء؛ وبعض الفتيات رصَّعن شعورهن بالأزهار. كان لا يسعك إلا أن ترى فيهن شتلاتٍ صغيرةً مورقة أو مرجًا مُرصَّعًا بالمجوهرات البرية. وفي عمقٍ أكبرَ داخل الغابة، بدت السيدات المنتظرات مثل حبَّات فطر في سقيفة مظلمة. ومن عمقٍ أبعد، كنت أسمع السمنات الهزارية تغرِّد في خلفية جميع الأصوات البشرية.

كان المطر قد هطلَ ذلك اليوم، وكان يهطِل حينئذٍ. وكانت السيدات يرتدين أحذيةً قصيرة الكعب. فتلطَّخت أحذيتهن جميعًا بالوحل من أرضية الغابة. وفيما كن يعتلين خشبة المسرح كانت أقدامهن الملطَّخة بالوحل باديةً للجميع.

ظلت السماء تمطر أكثرَ خلال فترة الظلام القصيرة، وحين وصلتُ إلى موقف حافلة صباح اليوم التالي في ريجا، وجدتُ دَزِّينة من التيجان الملطَّخة بالوحل في مصرف الماء — وقد صارت الآن أكاليلَ خضراء. شعرتُ وكأن الخريف قد حلَّ بين ليلة وضحاها. كتبَ والاس ستيفنز يقول: «بعد أن تسقط أوراق الشجر، نعود/فنرى الأشياء على حقيقتها المجردة. وكأنما/بلغنا منتهى الخيال …»

لينفورد

٥٢ درجة شَمالًا

٢٨ يونيو. عُدتُ إلى منطقة ذا بريكس أتتبَّعُ خُطاي إلى حيث استطرت منذ عام بالمصادفة سبدًا كان يرقد على بيضه. كنت وحدي في ذلك اليوم من شهر يونيو. كنت وحدي لكني لم أكن وحيدًا. سمعتُ حميراوات ثم رأيتها عند السياج أسفل الراية التحذيرية على حدود أراضي منطقة التدريب التابعة للجيش في ستانفورد. رؤيتها حتى وهي تطير إلى داخل منطقةٍ محظورة، يعني أن العالَم على ما يرام: يوجد أكثر من نوع من الرايات الحمراء المرفرفة. طار ذَكرٌ نافذًا من فتحات السياج السلكي، إلى ساحة الرماية بالذخيرة الحية، وحطَّ على شجرة زعرور، نافشًا ذنَبَه كي يُبطِئ سرعة طيرانه ويفصح عن اسمه. رأيتُ جنديًّا أيضًا على مسافةٍ بعيدة معه عُدة تمويه، وتذكَّرتُ صورةً فوتوغرافية كنت قد رأيتُها (أرسلتها لي هيلين ماكدونالد، وهي صديقة تدرس علوم الحروب والطيور) لجون باكستون، مدوِّن سيرة طائر الحميراء، وهو يرتدي الزي العسكري المُوحَّد. كتابه الذي كتبه عن ذلك الطائر (والذي كما ذكرتُ سابقًا هو أفضل كتاب عرفتُه عن الطيور) هو سجل لرؤيته لذلك الطائر ثم دراسته له ثم تربيته له حين كان سجين حرب في مخيمٍ ألماني بمدينة بافاريا؛ حيث كانت الطيور تتمتع بحرية الدخول والخروج من السور الذي يطوِّق حدودَ المخيَّم، وحيث صار باكستون وغيره من السجناء جمهورًا مُولَعًا بها، فتحرَّر الرجالُ المسجونون على الأقل داخل أذهانهم المتسائلةِ عند رؤيتهم عبورَ الطيورِ المهاجرةِ من حولهم بحرية.

في قرية لينفورد، بعد أن طاب يومي برؤية الطيور ذات الأذناب الحمراء، التفتُّ عائدًا إلى المنزل حين استطالت الظلال جميعًا بفعل ضوء شمس بعد الظهيرة، لكن حينئذٍ سمعتُ على أطراف سمعي (في ظلال مسمعي)، قنبرة غابات، فتسمَّرتُ في مكاني على المرج على إثر صوتها. لم أستطِع رؤية الطائر المغرِّد — تلك الطيور تغرِّد في الغالب أثناء تحليقها، وعادةً ما تحلِّق على مستوًى مرتفع — ولم يرِد على مسامعي سوى شذرات من الألحان في مقتطفَين مقتضَبَين من التغريد. كانت أغرودتها متردِّدة في المطلق كما هو حال قنابر الغابات، مترددة لكن برَّاقة. وأعتقد أن موسيقاها هي المفضَّلة لديَّ من بين أغاريد الطيور التي أعرفُها.

تردُّدي الطفيف في أن أصفها بالمُفضَّلة على الإطلاق من شأنه أيضًا أن يصف جودةَ ما تنطِق به قنبرةُ الغابات. سمعتُها تغرِّد أول مرة في طريق بيولي في منطقة نيو فورست في ربيع عام ١٩٧٥، ومنذ ذلك الحين سمعتُ مائة منها ربما. في البداية، كما قلت، كان وقع تغريد الطيور على أذني مثلَ رجع الصدى السابق للموسيقى، مثل الصوت الذي يشبه صرير الفئرانِ الذي يمكن أن تسمعه أحيانًا إذا قرَّبتَ رأسك إلى مشغِّل أسطوانات وأصغيتَ إلى صوت الحزوز الموجودة في بداية أغنية. أغرودة قنبرة الغابات الهادئة الهامسة المترددة تصنع صوتًا كهذا، مثل قالب أغنيَّة لا الأغنيَّة نفسها. في وقتٍ لاحق، سمعتُ صوت الطائر (على أسطوانةٍ من الفينيل) كما قلَّده مغني أوبرا مجري، فأبكاني؛ الآن صار وقْع أغرودتها على أذني كوقع نوعٍ من موسيقى البلوز خاص بالطيور: موسيقى بلوز ريفية كالتي يغني على ألحانها سكيب جيمز، كأغنية «أنا سعيد جدًّا»، وهي أغنية حزينة ترتدي ثوب النوايا الحسنة غير أنه لا أحدَ ينخدع به حقًّا. ولموسيقى قنبرة الغابات وقعٌ حزين أيضًا، حزينٌ لكنه صادق، هي نصٌّ متذبذب لكنه واقعيٌّ عن حياة عاطفية، عبارات عذبة تتخللها فجواتٌ زمنية تبعث على الوحدة.٢

ربيع قنبرة الغابات طويل بقدْر ما أتمنى أن يكون ربيعي. هي طيور تبكر في الهجرة إلى أجزاء من نطاق وجودها في أوروبا، وبإمكانها أن تبدأ التغريد معلِنة عن الفصل الجديد حتى قبل نهاية العام التقويمي. قد يبدو صوتُها متجمدًا مثل مرجٍ في الشتاء، أو جافًّا مثل أرضٍ مقطوعةِ الأشجار في غابة في شهر يوليو. تغرِّد في آخر النهار وفي الصباح الباكر. وتغرِّد أثناء الليل. إنها طيورٌ من عموم أرجاء أوروبا يمتد وجودُها من المغرب إلى فنلندا: الطيور الموجودة في الشَّمال والشرق تهاجر إلى الجنوب والغرب في الشتاء؛ جميعها تظل في أوروبا. أرسل إليَّ صديقي آدم نيكلسون، الذي يستشيرني أحيانًا في الأمور المتعلِّقة بعلم الطيور، رسالة في شهر أكتوبر في أحد الأعوام من حيث كان يسير في جزيرة كريت، يسألني ما إذا كان ثَمة وجود ﻟ «قنبرة عندليبية». وقد كان على صواب. تبدأ أغرودة قنبرة الغابات بحذر، بنغماتٍ طويلة منفردة، ثم ما تلبث أن تتسارع وتتعثر في نفسها. إنها تقول إن الحياة، التي نحن حذِرون منها كما ينبغي لنا، يمكن أن تكون جيدة على الرغم من ذلك، لكنها تقول أيضًا كم أنَّ نصيبَ كل شيء منها قليل. عادةً ما تسرف قنابر الحقول — على نحوٍ باهر — في غنائها، أما قنابر الغابات فلا تفعل أبدًا. كلُّ قنبرة غابات سمعتُها أخبرتني أنه لم يبقَ لي إلا القليل من القنابر لأسمعها.

كان الطائر المغرِّد في لينفورد غير مرئي في مكانٍ ما بالسماء، وتخيَّلتُه يدور بالأعلى، كما رأيتُ تلك الطيور تفعل، يلف في دائرة على ارتفاع عالٍ مرسلًا بثَّه المتذبذب. كان يصعب سماعه، بيد أن قسطًا كبيرًا من سمعي تراجع إلى حافة حواسي في تلك الأعوام الأخيرة: فصار يخفِّف ما يستطيع التقاطه من أصوات ويُضعِفه بالضوضاء العالية للتشويش الخارج من أذني الداخلية — بحثًا عن الصوت — في محاولتها لاسترجاع صدًى من العالَم الذي يزداد سكونًا. كثيرًا ما أسمع التَّردد لا النغمات، الضوضاء لا البيانات. لكن لبضع لحظاتٍ استطعت حمل قنبرة الغابات تلك على النفاذ إلى الداخل والحديث معي.

مَشيتُ نحو الطائر المغرِّد خلال أعواد السرخس المنبثقة من رقعة مشذَّبة من الغابة. أمعنت النظر لما فوق رأسي، وقوَّستُ راحتي خلف أذني الضعيفة، آملًا أن ألتقط المزيد من الأغرودة. قد يخيَّل إلى الناظر أني منخرط في لحظة دينية. كنت كذلك إلى حدٍّ ما. ثم، من تحت قدميَّ الشاردتَين، انتفضت بضعة أعواد قصيرة ذات لحاء رمادي وبُني، استحالت بعد أن ابتعدت ثلاثة أمتار أو نحوها عن خطواتي المتسمرة إلى طائر. لقد دُستُ على سُبَد. بعد أن استطرتُه في الهواء على ذلك النحو، طار مشتَّت الأوصال، ولم يجمع شتات نفسه إلا بعد بضع رفرفاتٍ مضطربة متخبطة. ثم طقطق مستعيدًا هيئته، فاستحال نموذجًا مُضمَّدًا مصنوعًا من خشب البَلْزا: رأس عثة عظيمة وجناحَي يعسوب داكن. أسرعَ في تخبُّط مبتعدًا على ارتفاع قمم أعواد السرخس.

لقد استطرتُه عن الأرض، وأراد هو أن يعود إليها بأسرعِ ما يمكن. كان ضوءُ النهار لا يزال ساطعًا، وهو ما كان يكرهه السُّبَد. هذا ما يفصح عنه اسمه الآخر «صقر الليل». وكذلك أسلوب طيرانه. راقبتُه ينسل إلى داخل صف من الشجيرات بحثًا عن قبس من الظل أو الظلام. لكنه كان يرغب بشدة في العودة إلى حيث أقف؛ إذ حالَ دعسي لذنبه أو ظهره بقدمي دون تهشيم بيضه. وها هو ذا البيض يرقد الآن عند قدمي، مجموعة من ثلاث بيضات، لا تزال قريبة من حذائي إلى حدٍّ مخيف.

لا يصنع السُّبَد عشًّا. يدفع الطائر الذي يرقد على البيض ببطنه في الأرض، فيصنع فيها تجويفًا بسيطًا — كان ذلك التجويف يقع هنا في تربة طفالية وقد تناثرت فيه شظياتٌ من اللحاء — ويُقضى الأمر. بيضُ تلك الطيور عجيب وبمثابة معجزة. كانت قدرتها على التمويه عبقرية حتى إن الكاميرا لم تستطِع أن تضع البيضات الثلاث الراقدة عند قدميَّ في بؤرة التركيز. كانت البيضات تشبه نسيج الأرض التي تستقر عليها لدرجةٍ مذهلة، كانت بالكامل رمادية مخططة بالبُني، ملقاة على نحوٍ عشوائي في ثلمٍ وُجِد مصادفةً، صغيرة لدرجةٍ مذهلة وممطوطة إلى حدٍّ ما، أقرب إلى بيض الزواحف، تبدو مثل صور ملتقطة بتقنية التعريض الطويل ومعروضة على ثلاثة ألواح منفصلة لقمر لم يكتمل تمامًا بعد، التُقطَت في المطر أو الضباب؛ حيث يكون كلُّ شيء مشوَّشًا قليلًا، ودرجات اللون الأبيض ملطخة، وتظهر فيها تموُّجات تشبه البحر.

آلمتني زلتي غير المقصودة، فلم أُطِل البقاء، وسرعان ما مضيتُ آملًا أن يكون السُّبَد البالغ قد وجد سبيلًا سريعًا للعودة إلى عُهدته. كانت البيضات دافئة قليلًا. قبل أن أغادر، جثوتُ على ركبتَيَّ لبرهة ولمستُها بظهر يدي، كما كنت أتحسَّس جبهةَ ابنيَّ، وكما كان والداي يتحسَّسان جبهتي. أنا متيقن أنها كانت لا تزال حية حين سِرتُ مبتعدًا عنها.

أحتاج إلى سُبَد كلَّ عام. مكتبي في بريستول يستقر تحت جناحَين مبهرجَين لسُبَد مثلث الجناحَين اقتطعتهما صديقةُ كلير الراحلة كريستن لاو من طائرٍ قُتِل في حادث سيارة في جنوب أفريقيا. لم ألتقِ كريستن قط. أرتني كلير أمثلةً حية على الطيور في زامبيا في أول لقاء غرامي لنا في أفريقيا. علَّقتُ جناحَي كريستن على الحائط جاعلًا الرايتين المثلَّثتين البُنيتَين الباهتتَين اللتَين يبلغ طولهما خمسين سنتيمترًا، اللتين تصنعهما ريشة ممتدة من قواطعهما يضعان علامتَي تنصيص حول كل شيء أكتبُه.

تجيء طيور السُّبَد خاصتنا إلى بريطانيا مع طيور نهاية الربيع، وتكون ضمن آخر وفود الواصلين من الطيور المهاجرة. حين تجد مرجًا أو مزرعة من الشجيرات الدائمة الخُضرة، تكون عصارة العام ونضارته قد ذبلتا في الأغلب. وذلك يليق بلونها البُني. جميع الطيور الليلية لها تركيباتٌ مترابطة لكنها مختلفة: ديوك الغاب مصنوعة من الطمي الرطب والديدان، والبوم الأسمر يلزم الشجر وهو عبارة عن أكياس ناعسة من أوراق الأشجار، أما السُّبَد فهو مزيج من المرج الجاف والعُث الأغبر متجسد في هيئة طائر.

تأتي السِّبْدان من الجنوب. وهي تحتاج إلى دفء ناعم كالعُثة كلَّ ليلة في حياتها. وإلى الجنوب تعود. في أفريقيا، لكل طبقة تحتية ممكنة من التربة سُبَد خاص بها يتماشى معها؛ فالسِّبْدان تكتسي بجميع أنواع التربة. تقضي السِّبْدان الأوروبية الشتاء جنبًا إلى جنب مع الأنواع المحلية من السودان إلى شبه جزيرة كيب. جميعها تطير مثل شيء بين بساط سحري وأنشوطة. ومعظمها يغرِّد مثل همهمة ترابية. النهار لعنة بالنسبة إليها جميعًا.

ذلك الصرير هو ما أحتاج إلى سماعه كي أعرف أن الربيع في إنجلترا قد أتمَّ أغلبَ مهامه. (ستقول القرقرة المُنوِّمة للقمريات — أرقُّ أغرودة طائر أعرفها، أكثرُ دفئًا حتى من صرير السُّبَد — الشيء نفسه وقد فعلت بالنسبة إليَّ، لكنها لا تكاد تُسمَع اليوم في بريطانيا.) الصرير يواسيني. فهو يحمل جميع الأطراف «الشائكة» للربيع في طياته: القرقرة والأزيز، واختلاجه الحسن، وتمايُله.

حين عدتُ إلى أجمة السرخس في لينفورد، بعد عام من واقعة بيض السُّبَد، برفقة جابرييل جيمي صديقي مراقب الطيور وزميل كلير الدارس لعلم الطيور، كان أول سُبَد قد بدأ يصر في الساعة العاشرة إلا عشر دقائق ليلًا. كان وقت الغسق بالتأكيد، لكن بقي من ضوء النهار ما يكفي كي نرى الطيور التي ظهرت حينها في نصف الساعة الأولى من جلسة مراقبتنا. لم أحضر قط جلسةَ تحضير أرواح، لكن ربما كانت جلستنا تلك تشبهها. على بُعد مائة متر من حيث استطرتُ الطائر الراقد العام الماضي، كانت هناك منطقة تزخر بطيور سُبَد العام الحالي. جاءت أربعة طيور من ذلك المكان وإليه، في السرخس، وكأنما مربوطة فيه بحِبال غير مرئية. وصلَ بعضُها، والبعض الآخر طار من على الأرض. رأينا ذكورًا لها رقَع بيضاء على جناحَيها وذنَبها، وإناثًا دونها. جميعها حلَّقت بتروٍّ بجناحَين متيبسَين. أحيانًا، كانت تُسمَع صفقةٌ من أحدها — صوت طقطقةٍ خشبية خافتة وهو يرفع جناحَيه عاليًا فوق ظهره. أحيانًا كان يسقط طائرٌ متكوِّمًا، وكأنما يُسقِط الطائرة الشراعية اللُّعبة التي هي جسده، ليهوي بعيدًا عن الأنظار، مختبئًا بين السرخس. واصلَ اثنان آخران صريرهما من مكانٍ بعيد. أما تلك التي كانت تنجذب إلى مكانها، فكانت تطلق صيحةَ «كيويت» الخاصة بها، وهي أصوات أكثر حميمية وألفة، ثم صفَّق ذكران قريبان بجناحَيهما فذكَّراني برقصة الفلامينكو. بدت الأرضُ الداكنةُ والسماءُ الظليلة وكأنما جمعتهما الطيورُ في رقصة أو حديث؛ إذ كانت تحمل الكثير من كلتيهما في أصواتها ونظراتها وأفعالها. وهي على سجيتها، جعلت الظلام مرئيًّا والسكون مسموعًا: قرقرة الأرض وغطيط السماء.

لمَّا جنَّ الليل، صارت جميعُ المسافات هي تلك الموجودة بين طيور السُّبَد المغردة، وخفقان جناحَيها الخافت المُصفر أثناء تحليقها. صارت رؤيتُها أصعب، هاجمت الطيور رؤيتي الليلية الضعيفة بنوع من التشوُّش البصري، جاعلةً طيرانها المتذبذِب أكثر تذبذبًا. لبعض الوقت، لم يكن بالإمكان تمييز أي شيء عدا ومضات الطيور الداكنة، حتى صارت السماء بالأعلى تُضاهيها روعة. اشتدَّت سطوعًا كلما واصلَ الليلُ طريقه، وبسطت سقفًا أسود ضاربًا إلى الزرقة مرصَّعًا بالأنوار فوق الظلال السحماء والصرير الأرضي. حينئذٍ صارت المسافاتُ فلكية. في البداية، جاء كوكبُ المريخ، كبيرًا ومتأجِّجًا بوَهج مائل إلى الحُمرة، يبعث النظرُ إليه على الاحترار؛ ثم في الغرب، ترقرق كوكبُ الزهرة بخفوت لكن بحيوية. انبثق المزيدُ من النجوم حول الكواكب، وكأنما دبَّت فيها الحياة. كان ثمة استعراضٌ ما يجري، مسرحية إيمائية بديعة في الليل. شعرتُ وكأنما السماء تراقب الأرض الناعسة. ثم خرج بدرٌ مذهل ذو حجم لا يُصدَّق وطلَّة مسرحية مكتملة من خلف أشجار الصنوبر الموجودة على حافة المرج. بفعله ذلك، بدا أنه يكشف كلَّ شيء تحته وكأنما استحضره بسحره. الأمر الرائع والأكثر إدهاشًا بحق، هو أن طيور السُّبَد المحلِّقة بدت وكأنما تستشعر القمرَ المفعم بالحيوية بقدرِ ما نستشعره نحن. إذ طار اثنان منها من الجوانب المظلمة من السماء إلى الفيض المفضض لضوء القمر، يُبحران فيه بجناحَيهما المشدودَين وذنَبهما المتيبسَين، يتقاذفان هما والقمر أقراصًا بيضاء، ثم لبرهةٍ مرَّا من أمام وجه القمر مباشرةً، فبدا كلٌّ منهما مثل فكرة عابرة خطرت له تليها أخرى جعلته يقطِّب جبينه، كاشفَين عما يدور في خلد الليل.

لاترابيارخ

٦٥ درجة شَمالًا

قضيتُ شهر يونيو بلا ليل مع كلير على الأجراف التي تعجُّ بطيور البحر، في شَمال غرب أيسلندا في ضوء النهار الباهر البديع.

مشَّط ثعلبٌ قطبي، رمليُّ اللون يسير مُتمعِّجًا، الحواف التي تسكنها طيورُ الأوك مثل مِكنسةٍ من الريش تُمرَّر بسرعة على رف مِدفأة. كانت قوائمه قصيرة، ويركض بسرعة في أضيقِ مساراتٍ على ارتفاعٍ عالٍ فوق سطح البحر، وسبقني بعشرة أمتار ليكون بذلك الحيوان الثديي البري في أقصى نقطة غربًا في أوروبا.

خلال العشرين ساعة التي قضيتُها أجوبُ أرجاءَ شبه الجزيرة سيرًا لم أرَ شيئًا يُضاهي ذلك الثعلب وهو يركض على حافة الجرف تلك في «منطقةٍ وسط» بين طرفَين؛ إذ كانت الأجرافُ التي تصطفُّ عليها الطيور تقع في طوابقَ متتالية على جنوبه، والتلال المنخفضة المنحدرة والشواطئ الصخرية تقع على شَماله. كان انحرافًا عن الاعتدال المألوف، شيئًا نادرًا بمقياسٍ شبه بشري، في عالَمٍ ذي جوهر جامح، عالَمٍ يمكن أن يتناغم فيه القطب الشَّمالي مع الصحراء الكبرى، ويبدو فيه ما لا تطاله يدُك بعيدًا جدًّا، وما لا تلفحه الشمس باردًا كالثلج، وما ليس بصخر فهو بحر، وما ليس بأسود فهو أبيض، وحيث إما أن توجد وفرة كبيرة من صور الحياة وإما لا يوجد أيُّ شيء على الإطلاق.

في عالَمٍ كهذا، نُجاهِد كي نرقى لمعاييره. يسود النهارُ الطويل — نهارٌ يستمر لأسابيع عدة من مايو إلى يونيو ويمتد حتى يوليو — ويَطغى على كل شيء. ليس لليل أيُّ وجود يُذكَر. كما قال توماس ترانسترومر في قصيدته «تحت الصفر» (التي ترجمها روبرت بلاي)، التي ألَّفها وهو في الطرف الآخر من العام الأقصى الشَّمالي: «نحن في حفلٍ غير مرحَّب بنا فيه». ذهبتُ أنا وكلير — مثل طفلَين مُهذَّبَين (يقيم والداهما حفلًا في الطابق السفلي لمنزلهما) — للنوم في فراشَينا في النُّزُل داخل غرفةٍ ذات جدرانٍ مكسوة بألواحٍ من خشب الصنوبر، وعلى طاولةٍ بين سريرَينا تستقرُّ نسخةٌ من الكتاب المقدس. لكني بدأتُ أتأفَّف. إذ كيف لي أن أنام والشمس ساهرة؟ كنا في الداخل لكن ضوء الشمس كان ينفُذ إلينا، يرمقنا بوهج بلون الزيت بلا هوادة، خلال الستارة الرقيقة المسدلة على النافذة الصغيرة. جعلني أجفل. لم يبدُ أن أي شيء آخر من النوع الذي ينام قد أغمض عينَيه. كل شيء بالداخل بدا مسقوفًا — بلا داعٍ — بسقف غير مُحكَم. كانت تلك متلازمة الكوخ. أذعنَّا للأمر الواقع، وارتدينا ملابسنا وخرجنا، وخلال بضع دقائق استعدنا عافيتنا، أو بالأحرى عُدنا إلى المعركة، إلى المكان الذي كنا فيه والحال الذي كنا عليه حين كنا بالخارج من قبلُ — نُعاني آثار السُّكْر بفعل مزيج من ضربة شمس قطبية ووعثاء السفر الناتج عن فارق التوقيت: «يقظين حالمين».

•••

بينما كنا في سريرَينا غير قادرَين على الخلود إلى النوم، تذكرتُ شعورًا مشابهًا انتابني في طفولتي حين كان ضوء الغسق الربيعي الفضي الهادئ الذي يتلكَّأ في الرحيل يتسلل عبر الستائر الشفَّافة للغرفة التي كنت أتشاركها مع أختي. كان يُخبرني حينئذٍ وأنا ابن السابعة أن النهار لم ينقضِ بعدُ. الشفق نفسه، في مساء يوم في شهر مايو، منح والدَينا الوقت الكافي، بعد أن وضعا كلًّا منا في سريره، لصنع أرجوحة في حديقتنا الخلفية. كانت خطتهما أن يجعلانا نعتقد أنها ظهرت فجأة وكأنها ضربٌ من السِّحر في اليوم التالي، الذي كان يوافق عيد ميلاد جيني — وكأنما انبثقت من المرج — غير أن الضوء نفسه الذي سمح لهما بالعمل عليها حبسني عن النوم، فسمعتُهما يعملان بكدٍّ فنهضتُ كي أسترِق النظر إليهما من خلال الستائر. كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها أمي تحمل جاروفًا بيدها.

•••

في النهاية، حتى تحت ضوء منتصف الصيف الأيسلندي، لا مفرَّ من النوم، لكن حين تأتي تلك اللحظة — بعد اثنتَي عشرة ساعةً أخرى — يكون الليل وفكرة الظلام نفسها قد تاها من ذهنك وتبدأ ساعة جديدة في العمل داخلك. بدأتُ أشكُّ في جميع آلات قياس الوقت التي كنت أعتدُّ بها من قبل. كان جسدي يَعُد الفوتونات لا الساعات، وكنت أجمعها عوضًا عن أن أمضيها، فيما كانت الشمس، التي هي مصدرها، تحث كلَّ ما تحتها على مجاراتها.

في لاترابيارخ، كان نهارٌ شاسعٌ يخيِّم على كل شيء. سِرنا عشرة كيلومترات متتبعَين حافة الجرف — وهدة يليها رعن، ورعن يليه وهدة — نصعد ونهبط ونخرج وندخل، لكننا دائمًا كنا نسيرُ باتجاه الغرب وتحت أكثر ضوء «غامر» على الإطلاق. كان البحر الذي يبدأ على مسافة ٣٣٠ مترًا أسفل منا، عن يسارنا، يمتد لمسافةٍ بعيدة، كبقعة ماء هائلة متروية. هبَّت الرياحُ خفيفة لكن باردة: في مكانٍ ما حولنا كان يوجد جليد. بضع مرات، تسللت موجةٌ من أصوات طيور الأوك المهرولةِ صاعدةً لأعلى إلى شفة الجرف: كدخان صاخب له رائحة وصوت عتيقان. خلا الهواء مما سواها في كل مكان حولنا؛ تدفَّقت إلى الشاطئ كي تحطَّ على الأرض لأول مرة منذ أن خُلِقت على ما يبدو.

كان اللونان الأبيض والأسود في كل مكان، قريبَين وبعيدَين، صغيرَين وكبيرَين. كان ذَكرُ بط طويل الذنَب يسبح منفردًا في بِركة جبلية على قمة الأجراف — لونه أسود فوق الأبيض. بالقرب منا، كانت ذكور درسات الثلوج تحلِّق مغرِّدةً غير عابئة بنا — لونها أسود فوق أبيض — عائدة للتو من حافة الجرف: كانت مثل رفرفة منديل من الدانتيل ولحن معدني يُعزَف على علبة من القصدير. كنت لا أسمع شيئًا إلا أغرودتها. ظلَّ صوت البحر عند سفح الأجراف لم يبرحها. حين نظرتُ إلى أسفل عبر منظاري المكبِّر، ميَّزتُ صخبه مع أني لم أكن أسمعه. في الشتاء، حين تعصف الرياح العاتية من الجنوب الغربي، يمكن سماعُ صوتِ تلاطُم الأمواج بتلك الأجراف من مسافة عشرين كيلومترًا من الجانب الشرقي البعيد لشبه الجزيرة. يتجمَّد الرذاذ المالح العابر من أجراف لاترابيارخ على النوافذ المواجهة للأراضي الداخلية. هذا ما قاله لنا صاحب النُّزُل الذي ننزل فيه. النوافذ التي يقصدها هي نوافذ نُزُله — النوافذ نفسها التي تسمح لضوء الصيف بالدخول علينا.

على شبه الجزيرة الغربية التالية جنوبًا، الواقعة على الجانب الآخر من شَرْمٍ كبير بخليج بحري واسع على مسافةِ أكثر من ثمانين مترًا (حين حلَّق عُقاب بحر بعيد نحونا، بدا لي كأحد الأجسام الطافية في عيني)، كان ثَمة بركان شاهق تغطي الثلوجُ فوَّهته، بركان سنافلسياكول. هرمٌ جليدي يقبع فوق ما كان سابقًا موقدًا، وما هو اليوم مصدر جميع السُّحب الموجودة في السماء. استقرت تلك السُّحب حيث تجمَّعت، تغشى القمة كجناحَي بومة ثلجية مبسوطَين.

كان المشهد يفوق استيعاب العالَم نفسه، وكأنما يتخطَّى مقياسَه، وكان المنظر مُجهِدًا. استلقيتُ — متواريًا عن الأنظار — على قمة الجرف. على مسافةٍ بعيدة بالأسفل — بعيدة لدرجةٍ تثير الغثيان؛ إذ كان ارتفاع الأجراف ٤٤٠ مترًا — تناثرت عشرة آلاف من طيور الأوك والفلمار وزُمج الماء وبضعة نوارس جلوكية مثل بقع الميكة المتلألئة في صخرة داكنة. وعلى مسافةٍ أقرب جاءت دوامة من ألف قطرس أسود الحاجبَين — لم تكن أقل إرباكًا — تحلِّق أمام أطنافها، لا يفصل بينها سوى بضعة سنتيمترات فقط لكنها لا تتلامس أبدًا. حاولتُ أن أرى طريقًا إلى قلب السِّرب، إلى حيث بدايته المحتملة، النقطة التي يمكن لطائرٍ أن ينضمَّ منها إلى الدوامة، لكن لم يكن ثَمة مدخل أو مخرج لتلك العجلة المكوَّنة من جانب واحد متصل. أصابني دوران تلك الطيور الحلزوني بنوعٍ من الحمَّى التأملية: فها هو ذا شيءٌ يشبه الحركة الأزلية في يومٍ لا نهاية له. سقط ضوءُ الشمس على غائط طيور الأوك جيري اللَّون الذي انهمر كمطر أو عاصفة — صامتة — أثناء دورانها، فأكسبه لمعة بيضاء ناصعة وهو يتساقط في البحر.

بدا خارقًا للعادة. كانت جزيرة جرينلاند تبعُد ٣٣٠ كيلومترًا ناحية الغرب. بين أيسلندا؛ حيث كان العشب الأخضر يكسو قمة الجرف الذي كنت أقف عليه، وجرينلاند التي انحفرت صورتها في ذهني وهي مكسوة بالجليد، كانت ظهور الحيتان الشبيهة بالجُزُر تظهر وتختفي. كان النهار ناحية الغرب ساطعًا للغاية وقويًّا للغاية حتى إنه حوَّل الماء إلى لونٍ أسودَ مفضض يمتد حتى خط الأفق. تحت ذلك الضوء بدا البحر وكأنما ضربته صاعقة. كان يمتد لمساحة شاسعة جدًّا جعلته يبدو غير محدود بالزمن، كان مضيئًا جدًّا حتى إنه بدا أزليًّا. لكن بينما كنت أجول ببصري، رأيتُ حيتانًا تشق صفحته من الأسفل — شقوق صغيرة في بساطه الرقيق المجعَّد: الزعانف الظهرية للحيتان القاتلة والروابي الطويلة للحيتان الحدباء.

كانت آلية تنفُّسها هي ما تحملها على ذلك. ذلك أنها كي تظل تحت الماء، فإنها بحاجة لأن تشق سطحه. كان يفصل بينها عدة كيلومترات، وكانت تظهر كلَّ خمس دقائق أو نحوها دون إيقاع مميَّز، لكن حركة تلك الحيوانات وتسلسها فوق صفحة الماء الشاسعة جعل للبحر ميقاتًا من نوعٍ ما. وحتى على مسافة أربعة كيلومترات، استطعتُ أن أرى عبر منظاري المكبِّر نبضًا للعالَم الذي يمتد أمامي، تحدِّد الحيتانُ إيقاعَه الزمني. حركتها للأمام، الطريقة التي تتمعَّج بها متقدمةً في البحر، حوَّلتها إلى عدَّاد من نوعٍ ما، تمثِّل فيه زعانفُها وظهورُها حركةَ عقارب ساعة هائلة، وتؤكِّد سباحتها الدائرية — التي يحدث جزءٌ منها تحت السطح وجزءٌ فوقه — أن الزمن الكوكبي محسوب. أثناء ظهور حوت أحدب واختفائه، قلتُ بصوت مسموع: «ساعة ذرية.»

أيقظني ضجيجٌ قادم من الأجراف. كان غرابٌ أسحم يسرق بيضة فلمار كريمية اللون من عُش مكشوف دون حراسة، ثم طار نحو الأراضي الداخلية وقد حشرها في منقاره. بعد عشر دقائق سرق نورسٌ جلوكي بيضة أخرى من عشٍّ آخر وفعل الأمر نفسه. تبِع ذلك المزيدُ من الطيور البيضاء والسوداء. كانت طيور القطرس الأسود الحاجبَين تتكاثر على الأطناف القريبة من قمة الجرف. أعلاها أسود وأسفلها أبيض، وثَمة خط أبيض مفضض مرسوم يمتد، مثل موجة خفيفة في بحر، من منقارها إلى وجنتَيها السوداوَين. كانت الطيور التي لديها مهامُّ على الأجراف تنحني إلى البيض المُحتضَن عند قدمَيها وتداعبه بمنقارها. أما الطيور الأخرى فكانت تغوص بحثًا عن الطعام في البحر ثم تتلوى بعزم شديد صاعدةً فوق سطحه. كانت تظهر فوق السطح وكأنما قُذفَت من أسفل. تسيل على ظهورها قطرات ذاهلة من مياه البحر. وعلى بُعد كيلومتر واحد منها، خرجت الحيتانُ القاتلة تشقُّ صفحة البحر مثل ذي قبل. كان جانباها البيضاويان وظهرها الأسود يعزِفان إيقاعًا للقطارس السوداء الحاجبَين؛ إذ كانت الثنايا الرقطاء في الطيور تتناغم مع نظيراتها في الحيتان. كم بدا كلٌّ منهما مشابهًا للآخر — كم يتماهيان مع ذلك المكان — لكن كم يصعب قياس العالَمَين المتلاصقَين لهذين المخلوقَين البحريين، وتأويل المسافات في حياة القطرس والحوت: سنتيمترات يسيرة من الأطناف مقابلَ محيطٍ لا نهاية له، تشعر بالشمس على ظهرك لثوانٍ معدودة وتقضي أعوامًا تحت الأمواج.

جاءت قِطعٌ متحركة من السُّحب العالية الرقيقة البيضاء كاللبن من ناحية جرينلاند واصطفَّت مع سُحب ذيل الفرس. أظهرت شكل اتجاه الريح وأظهرت الوقت فوق رأسي. إنه ليس بوقت الحيتان لكنه لا يختلف عنه كثيرًا، بل هو بطريقةٍ ما، في ذلك الضوء المنتشر، من نفس جِلدته. كنت أرى فوقي الماضي الذاوي — ما كانت عليه الأشياء في الماضي — مكتوبًا في السماء وأنا أتأمل اللحظة الحالية. كان لا يزال هناك صفٌّ من السُّحب حيث تكثَّفت وتكوَّنت بدايةً، لكن الريح حرَّك بعضًا من ثلوجها المرتفعة، وكأنما مشَّطها أو كنسَها. هكذا كانت السُّحب القديمة والجديدة موجودة معًا: إحداهما صنعت الأخرى، وكانت الرحلة بينهما — تكوُّن السحابة — مرئية كذلك. هكذا رأيتُ ما كان عابرًا يصف مرور ساعة أو أكثر من ذلك اليوم الطويل؛ هكذا رأيتُ «الآن» و«حينذاك».

ارتجفتُ، فنهضتُ كي أسير لمسافة أخرى. كان الهواءُ قارسَ البرودة. تركتُ الأجراف وذهبتُ إلى الجانب الشَّمالي من شبه الجزيرة بمحاذاة شاطئها الأكثر انخفاضًا لأقضي هناك نصفَ الليلة التي لم تكن ليلًا. ظلَّ النهارُ يأبى الرحيل. وكانت الشمس لا تزال موجودة. بعد الساعة الحادية عشرة، في المساء الافتراضي، لم ينزل نجم الصباح في السماء على الإطلاق، بل تحرَّك أفقيًّا عوضًا عن أن ينزل تحت خط الأفق. وطُبِعت في ذهني صورةٌ متوهِّجة من كل شيء. على بُعد ثلاثة كيلومترات، رأيتُ دوامةً من طيور الفلمار فوق جرف أحمر بلون الحديد تتكاثر عليه، مثل مدخنة طافية من الغبار المضيء. كان كلُّ طائر منها — كان عددها مائة أو يزيد — بمثابة شَرطة بيضاء، أو خيط في الضوء. وفيما كانت تطوف وتدور تساقط منها الغائط تحت الضوء، مثلما حدث مع غائط طيور القطرس السوداء الحاجبَين آنفًا، فسقط مثل حبَّات المطر المتجمِّدة المترقرقة.

في منتصف الليل، كانت الوديان التي تمتد شَمالًا إلى القناة البحرية في مدينة باتريكسفيوردور تتوهَّج بنبات الحوذان ومشحونة ﺑ «الأزيز» غير المنقطع لطيور الشنقب أثناء طيرانها الاستعراضي. كانت تسعى في السماء مثل حصان يمشي خببًا مطلِقةً صيحةً تشبه الصهيل، ثم تصل إلى نقطة تحوُّل أو لحظة حاسمة يفسح فيها الإنهاكُ الطريقَ للاستسلام، فتنطلق عائدةً إلى الأرض وهي تغوص برأسها في الهواء مثل زخة مذنبات. هناك لمحة من إيكاروس في تلك السقطات وإيقاع ارتطام فضلات طيور البحر بالأرض، ونفثات الحيتان. أثناء سقوطه من السماء — وكأنما قُذِف به لأسفل من أعلى أو لفحته الشمس — يبسط الشنقبُ ريشَ ذنَبه كي يداعب الهواء، على نحوٍ باهر مثل آلة ذات الخوار أو قيثارة الريح، ويصدر صوت حكة متمتم، كصوت مداعبة فراءٍ ما في الهواء. مشيتُ تحت دَزِّينة من الطيور التي تحلِّق مستعرِضة. كان الأمر شبيهًا بسماع طنين بعوض من مسافة كيلومتر.

في الواحدة صباحًا، وصلتُ إزاء مصب نهر وأيقظت فلروب أحمر الرقبة — وهو طائر رأيتُه آخِرَ مرة على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي في محطات معالجة المياه في كيب تاون. كان المخلوق الوحيد النائم الذي رأيتُه منذ أيام في أيسلندا. طيور الفلروب هي الطيور الوحيدة من رتبة الخواضات التي تسبح طواعية. كان يطفو على صفحة الماء في المد المرتفع الهادئ مثل قارب ورقي منجرِف. نادرًا ما يرى المرءُ الطيورَ تستيقظ هكذا. أو يشعر بإيقاظه لها. ولجتُ بطريقةٍ ما إلى عقله. كان يبدو لي كلعبة صغيرة، لكن حين أفاقَ واستيقظَ، عاد إلى عالَمه وبدأ يبدِّل بقدمَيه مبتعدًا، يسبح صانعًا ساعته الخاصة، يدور في الماء الراكد، ويلتقط الحشرات التي استقرت على صفحته الهادئة.

في الساعة الثانية، استطرتُ أنثى عَيدَر من عشها. أثناء مغادرتها، تغوَّطت (المزيد من الغائط الجيد) فلطَّخت زغبَها الساقط في العش. تحسَّستُ العش بحثًا عن بيضاتها الثلاث الخضراء بلون السبانخ، ووضعتُ يدي داخل غطاء الزغب الرمادي المبطَّن به العش. كانت الحرارة مرتفعة داخله. بدا مثل نوع من اللبَّاد صنعه العالَم — سياج ناعم يقيها من كل شيء.

كان ثَمة المزيد من الرقة أيضًا. في ذلك المكان القاسي، يظل الربيع حيًّا في نعومته تلك. فوق سقط الزغب الموجود في عش العيدر، كانت توجد سحلبيات خضراء باهتة طولها لا يتعدى ثلاثة سنتيمترات (أعتقد أنها كانت من نوع السحلبيات الشَّمالية الخضراء، بلاتانثيرا هيبربوريا). كان ثَمة أبلق أيضًا يُطعِم فراخه الثلاثة التي نبتَ ريشها حديثًا، وهو طائر نجح في الخروج من أفريقيا منذ عدة أسابيع. كانت تزقزق بالنداءات نفسها — التي تشبه صوت تشذيب الحجارة — التي يطلقها والدها البالغ، مع أنها كانت لا تزال مكسوة بالزغب الذي يبدو مثل ساعاتٍ من رءوس نبتة الطرَخشَقون (الهندباء البرية). غرَّد كروان ماء — وهو طائر أفريقي آخر، رأيتُ تلك الطيور على شاطئ كيب تاون — مثل كروان متوتر. وسِرتُ بين طائرَي قطقاط ذهبي صنعا صوتًا مجسَّمًا — صعد أحدهما من جانب التل ليصيح عن يساري، بينما صعد آخر وصاح عن يميني — ترددت صيحاتهما: «بيو» في أذنيَّ السليمة والضعيفة. من فوق السطح المجعَّد لمصنع معالجة لحوم حيتان قديم على الخليج، كان شنقب يغرِّد أغرودته التي تبلغ عَنان السماء — «تيكا تيكا تيكا تيكا». فيما فغر منقاره ارتفع ذنَبُه أيضًا، كان فتحُه الأولَ يجعل الثاني يرتفع؛ كان الذَّنب ضروريًّا بالنسبة إلى أغرودته بقدرِ منقاره الذي يخرِج أصواتها. كان لا بد منه؛ إذ به يستشعر رغبته المُلحة ويعبِّر عنها. توقَّف الشنقب عن التغريد وسكنَ ذنَبُه. ثم بدأ يغرِّد مرة أخرى، وارتفع ذنَبُه محتذيًا حذوه.

في الساعة الثالثة — مع أن الوقت كان لا يعني شيئًا — دُرتُ حول متحف من الخارج يضمُّ مجموعة من مقتنيات رجلٍ محلي من الشاحنات والقوارب والطائرات في أورليشوفن. كان منظرها لا يختلف عن ساحة خردة. كانت فيها طائراتٌ روسية وأمريكية صدئة. كانت هناك شاحنةُ إطفاءٍ من طراز «بيدفورد» من بريطانيا، خُصِّصت للاستخدام الأيسلندي بوضع ملصقات مكتوبة عليها كلمات باللغة الأيسلندية فوق المفاتيح والأزرار الخاصة بالسلالم والخراطيم. أنعمتُ النظر إلى لوحة التحكم — المصابيح التي انطفأت منذ زمن بعيد داخل أغطيتها الزجاجية — فبدت لي مثل ذكرى من ذكريات منتصف الصيف للنجوم في سماء الليل.

في أحد أركان المتحف، وُضعَت سلسلةٌ من النصب التذكارية لسفن مفقودة على صخور حادة، ولوحات فولاذية محفورة عليها رسومات لقوارب الصيد وأسماء البحَّارة الغَرقى. كانت جميع الأدلة تشير إلى حياة الآلات القصيرة، وحياة مستخدميها من البشر الأقصر منها.

في ديسمبر ١٩٤٧، ارتطم قارب الصيد «دون» الذي انطلق من بلدة فليتوود بالصخور عند سفح أجراف لاترابيارخ العالية. خرج رجال المزارع المحيطة، الذين كانوا هم أيضًا يمتهنون صيد الحيتان وتربية العيدر، لمساعدة القارب «دون». في يوم ١٣ ديسمبر نزل مزارعون من هفالاتور (سُمِّيت كذلك تيمُّنًا بحيتانها) والمزارع المجاورة (كان من بينهم والِدُ صاحب النُّزُل الذي ننزل فيه وجَدُّه) الأجراف، لمسافة ٢٦٠ مترًا إلى نتوءٍ صخري يُدعى فلوجارنيف، يرتفع عن البحر مسافة ستين مترًا. أُنزلَت مجموعةٌ من أربعة رجال إلى الشاطئ عند المياه الضحلة إزاء الجزر ومشَوا مسافة ٥٠٠ متر إلى حطام القارب «دون». كان الربَّان ومُعاوِنه وأحد العاملين قد فُقِدوا بالفعل في البحر — فريد كيربي وهاري إليسون وفريد وولفندن. رُمِي حبلٌ وسُوعِد اثنا عشر ناجيًا على الخروج إلى الشاطئ. لم يتسنَّ رفع الجميع بأمانٍ إلى قمة الأجراف قبل عودة المد، وأُعِدَّ مأوًى ليبيت فيه سبعةٌ من المَراكبية على طنف متجمِّد. وفي اليوم التالي، رُفعوا إلى أعلى وأُخِذوا إلى البر.

يوم ٤ فبراير ١٩٦٨، استُقبِلت رسالة من قارب الصيد «روس كليفلاند» الخارج من مرفأ هال، من خليج إيسافياروردوب الذي يقع على بُعد ١٠٠ كيلومتر شَمالًا حول الساحل من لاترابيارخ. «القارب يغرق.» ثم سادت بضع لحظات من السكون. «إننا ننقلب. إني أغرق. بلِّغوا حبي أنا والطاقم إلى زوجاتنا وعائلاتنا.»

بالقرب من النصوص المحفورة التي تصف حوادث الغرق تلك، كانت تستقر باخرة صيد تُدعى «مامي». في المعروض التالي للمعروض المجاور لها، كان زوجٌ من الدرسات الحمراء الجناحَين يحملان الطعام إلى عشهما في السقف المفتوح لقمرة قيادة مُدمَّرة لطائرة مُحطَّمة تابعة للقوات البحرية للولايات المتحدة. كانت الأم تحمل في منقارها طيثاريات؛ وكان الأب يغرِّد من مجثمه فوق تجويفَي عينَي الطائرة: «دي دي دي داي» ثم أعقبَ ذلك سلسلة من الألحان المهضومة المتناغمة. كانت الساعة الثالثة والنصف صباحًا. طارت الدرسة الحمراء الجناحَين إلى صحن هوائي على جدار المتحف وبدأت بثَّها مرة أخرى.

باندروب

٥٧ درجة شَمالًا

وقفتُ واضعًا قدمي على أول درجة في سُلَّم حائطي فيما كان أندرز قد تسلَّق عشرين درجة ووصل إلى سطح الحظيرة الذي يبلغ ارتفاعه أربعة أمتار. هناك، انحنى ممسكًا مسطرته بيده، نحو عارضة خشبية متقاطعة، كي يقيس عشًّا مصنوعًا من الطمي.

قُرْب نهاية الربيع، في منتصف الصيف تقريبًا، جئتُ إلى ريف شَمال شبه جزيرة يوتلاند بالدنمارك كي أشاهد السُّنونوات وأقابل رئيس مراقبي السُّنونوات.

كانت أولُ مزرعة صادفناها حيث توقَّفنا خاليةً من الأبقار، لكن كانت الطيور لا تزال موجودة. الحظيرة خالية من أي سمات للحياة الزراعية، عدا رائحة الروث والعلف المهضوم التي ظلَّت عالقةً في الهواء، والتي هي عبارة عن مخلَّفات العشب وما تبقَّى منه. حرَّكنا السلَّم. كانت جدرانُ الحظيرة المصنوعة من الألواح المعدنية المُحزَّزة وأرضيتُها الخرسانية ترجع أصداءً حادة. كانت السُّنونوات — سُنونوات الحظائر التي أتينا لرؤيتها والسُّنونوات التي أزعجناها — تصيح: «تشيديت تشيديت تشيديت» وهي تحلِّق من أعشاشها. وكانت طيورٌ أخرى تجيبها وهي تدخل إلى الحظيرة من المَدخل المفتوح وتنعطف انعطافاتٍ حادة في أرجاء الحظيرة المُظلَّلة. كانت أصواتُها وأصداءُ أصواتِها الصخرية تُشعِرنا أننا في كهف.

أحبُّ أندرز بيب مولر، مع أنه سيجفُل إن سمعني أقول ذلك. فقد ضحكَ ضحكة هادئة حين سألتُه إن كان هو ملِك السُّنونوات. قال إن السكان المحليين يطلقون عليه لقب ملِك الطيور. ومع أن تلك الملاحظة لم تكن تعني له شيئًا، فإنني متيقن أنه كذلك. كما أنه رجلٌ فطِنٌ وذكي ومتهكم وطيب ومَرِح، ودنماركي. نشأ في مكانٍ ليس ببعيد عن المكان الذي كان يُسنِد فيه سُلَّمه إلى الجدارِ وهو يدرُس السُّنونوات في شَمال يوتلاند كلَّ ربيع منذ عام ١٩٧٠. ما سقط من ذاكرته عنها يزيد حتمًا على ما قد يعرفه عنها بقيتُنا يومًا.

بجانب إنجازاته المهنية وطبعه السمح، لديَّ أسبابٌ شخصية تجعلني أحبُّه. كان يشجِّع كلير حين كانت طالبة تدرُس علم الأحياء التطوري على قضاء الوقت في معمله في باريس. وبعدها بسنوات، وافق — دون أن يتردَّد ولو للحظة واحدة — على أن أرافقه كي أشاهد عمله على سُنونوات تشيرنوبل التي أوهنها الإشعاع. لا يزال يسافر كلَّ عام إلى أوكرانيا كي يراقب ما يثقل تلك الطيور من أسقام جسدية، وحجم اللعنة التي تحملها. منذ ٢٠١١، أضافَ فوكوشيما إلى جدول هجراته السنوية، حيث يدرُس تِبعات كارثة محطة طاقة أخرى — حصاد نووي وبيئة ملوثة بالإشعاع. توجد سُنونوات عليلة في اليابان أيضًا. لكن أندرز مهتم بكلِّ ما يمكن للطيور أن تخبرنا به عن نفسها، وعلى نطاق أوسع، بكيفية سير الحياة في العموم. اهتمامه ﺑ «تحركات» السُّنونوات، بما للكلمة من وجهَين (كيف تمضي الحياة وكيف تنقضي؛ كيف تبدأ وكيف تنتهي)، هو ما حملني على الذَّهاب إلى يوتلاند.

قلة قليلة من سُنونوات الحظائر التي تتكاثر في أوروبا تبني أعشاشها في أماكنَ ليست من صنْع الإنسان. كان ذلك النوع نديمًا لنا منذ آلاف السنين. تأتي السُّنونوات إلى أوروبا كي تسكن بجوار بيوتنا أو حتى داخلها. إنها توجد حيث نوجد نحن. ومن ثَم، تموت حيث نموت. عُثر على هياكل لسنونواتٍ عمرها ٨٠٠٠ عام في مناجم الصوان المحفورة في الحجر الكلسي. في يومٍ استقطعناه من جولتنا في الحظائر، وجدتُها أنا وأندرز تتكاثر في خندقٍ من أيام الحرب العالمية الثانية يطل على البحر باتجاه النرويج. انطلقت السُّنونوات خارجة عبر فتحات البنادق بمرونة وانسيابية في الهواء جعلتنا نبتسم. مجاورة ذلك النوع من الطيور حرفيًّا لنا خلال تاريخنا المشترك جعلنا نشعر بالتقارب. اعتبرنا اختيارها لأن تعشِّش حولنا نعمة. وهبوطها إلى الأسفل بيننا وسط مجيئها ورواحها ينمُّ عن الحفاوة. لقد أُعجبَت بنا؛ وأُعجِبنا بها. حتى إن بيوتها المصنوعة ببراعة من الطين ربما تكون ألهمت نوعنا الاقتداء بها ومحاولة بناء شيء مماثل.

كما أنها تحب الذبابَ الذي ارتبط منذ زمن طويل بأسلوب حياتنا على الأرض. والذباب كان محلَّ اهتمامنا في يوتلاند بقدرِ السُّنونوات.

يحتفظ أندرز في جيب قميصه بدفتر ملاحظات. عند أسفل السلَّم، قبل أن نبدأ الحديث مرةً أخرى، دوَّن أبعاد العش الذي قاسه. وسمعنا من عشٍّ آخر الفراخ تتوسَّل الطعام. صاحَ فيها طائرٌ بالغٌ يعتني بها صيحةً تحذيرية ليُسكتَها.

«هذا لأننا موجودون هنا، لكن الصيحة ليست مرتفعة جدًّا؛ إذ يحمل الطائر ملء منقاره حشرات. بإمكانك أن تسمع صوت طعامها.»

حجَّل أندرز أربعة وأربعين سُنونوًا داخل تلك الحظيرة هذا الربيع. لكن لم يكن ثمة الكثير من الحشرات في الأرجاء. وضعنا شبكةً خفيفة لصيد الطيور على نافذةٍ مفتوحة في جانب الحظيرة وتراجَعنا إلى الظلال. كانت الطيور البالغة لا تزال تبني العش الذي قاسه — لم يكن به أيُّ بيض بعدُ — مع أن العش التالي على العارضة كان به فراخ. في تلك الأيام تحب الطيور أن تكون أعشاشُها مرتفعة قدْر الإمكان. الأعشاش المنخفضة أكثرُ عرضة لهجمات المفترِسات. في عام ١٩٧٠، حين بدأ أندرز عمله مع السُّنونوات في تلك الحظيرة، كان بوسعه أن يصل إلى جميع الأعشاش إلا واحدًا وهو واقف على الأرض. بعدما يقرب من خمسين عامًا، أصبح لا يستطيع أن يصل إلى أيٍّ منها دون استخدام سلَّم، وكان بعضها يرتفع اثنَي عشر مترًا.

يُقلل وجود القطط في المزارع من نجاح السُّنونوات في التكاثر. القطط لا تأكل بالضرورة فراخها، لكن حيث توجد قطط، تتأخر السُّنونوات في التكاثر، وتضع عددًا أقل من الفراخ ودفعاتٍ ثانية منها أقل عددًا. هكذا، تثبط القطط نشاط السُّنونوات التناسلي فتجعلها أقل جرأة على خوض المجازفات.

«بعض المزارع يوجد فيها خمس عشرة قطة.»

«حقًّا؟»

«أجل، أنا أعدُّها، وكذلك السُّنونوات منذ عام ١٩٧٠. والسُّنونوات هنا ليست سعيدة، بإمكانك أن تسمع ذلك.»

كان أندرز يفهم ما تقوله. إنني أصغي لها منذ عدد الأعوام نفسه تقريبًا (فهو يكبُرني عُمرًا بقليل)، لكني لا أسمع إلا صوت السُّنونوات. وأنا أصنع من موسيقاها شيئًا خاصًّا بي: تلك الزقزقة المألوفة التي أودُّ أن أصفها بأنها محبَّبة إليَّ، وجمودها الرقيق، ذو الوقع المعقود المتصل الدافئ. لكن أندرز لا يقبل أيًّا من ذلك، مع أنه هو أيضًا يبني تصوراته عن الطيور بطريقته الخاصة. ذلك أنه يرى زقزقتها المحبَّبة تلك على أنها نداءٌ تحذيري.

«لم أبدأ بدراسة السُّنونوات مع أنها كانت الطيور الموجودة في البيئة التي عِشتُ فيها في صِباي. بدأتُ تحجيل الطيور في الشتاء، وكانت تلك الطيور هي العصافير والدرسات الصفراء. ولكن كان عددٌ كبير من السُّنونوات يأتي في الربيع. كان من السهل إيجادها واصطيادها. وكان بعضٌ منها على الأقل يعود العام التالي. كان المزارعون يفتحون حظائرهم في الربيع فكانت الطيور تدخل إليها.»

طارت بعضُ السُّنونوات إلى داخل الحظيرة عبر المساحة الواسعة لبوابتها المفتوحة على مصراعَيها. كانت تدخل بأقصى سرعتها. والبعضُ الآخر كان يدخل عبر شق ضيق بمحاذاة رأس سقفها المثلثي. كي تفعل هذا، كان عليها أن تطوي جناحَيها للحظة وتميل أجسادها أثناء الطيران، كما يُضطر مستكشِفو الكهوف إلى أن يثنوا أجسادهم كي يمروا حول الصخور التي تعيق طريقهم في رحلاتهم تحت الأرض. أعادتني مشاهدةُ رحلات الوصول المتنوعة هذه؛ حيث يتبادر إلى ذاكرتي كلُّ سُنونو رأيته يطير داخلًا أو خارجًا من مبنًى ما، إلى أولى ذكرياتي عن الطيور، التي قد مرَّ عليها الآن خمسون عامًا؛ حيث كنت أراقب سُنونوًا يطير من الضوء الساطع بالخارج إلى الظلمة الكاحلة بالداخل، من السماء الممتدة فوق المنزل الذي قضيتُ فيه طفولتي إلى ظلمة سقيفة عبر باب مفتوح: طائر يقطع الرحلة نفسها التي نقطعها نحن طوال الوقت، من الخارج إلى الداخل، من الغربة إلى الديار، من التحليق إلى العش، ثم يعود أدراجه مرة أخرى.

تتحدَّد جاذبية السُّنونوات (ما يجذبها إلى الجنس الآخر، وهو محل اهتمام أندرز) من خلال عدة سمات. السِّمة الأهم هي طول ريش الذنَب. الذكور ذوو الريش الأطول أكثرُ جاذبية للإناث. برهن أندرز وزملاؤه على ذلك بدراسة الاختلافات في طول الذنَب في التجمعات الطبيعية للطائر وبتغييرها على سبيل التجربة، بقص ريش بعض الطيور وإلصاق ريشات مُطولة في أذناب طيور أخرى. الطيور ذات ريش الذنب المتناسق أكثرُ نجاحًا في جذب شركاء من تلك التي تتباين أطوال ريشها.

لون الحنجرة أيضًا له تأثير: الذكورُ الكستنائية اللون ذاتُ الرُّقع الأكثر دكانةً أكثرُ جذبًا للإناث. كما أن شدةَ انعكاسية الأشعة فوق البنفسجية على الأجزاء العلوية من أجساد الطيور — اللون الذي نراه أزرق أردوازيًّا — لها علاقة أيضًا بنجاح التناسل.

تلعب الأغرودة دورًا مهمًّا أيضًا في اجتذاب الشركاء، ودورًا أهمَّ في التنافس مع الذكور الأخرى. هناك «نغمة مرتجفة» معينة في نهاية أغرودة الذكر. صوتها يشبه صوت الكهرباء في سلك معطوب أو أزيزها. تكون تلك النغمة أطول في الذكور التي لديها مستوياتٌ عالية من التستوستيرون. قال أندرز: «في الواقع، بإمكانك أن تسمع تركيبَ التستوستيرون في الأغرودة.» تتغنَّى الطيور بحالتها الفسيولوجية. فوقنا كان ذَكرُ سُنونو يافع — سمعنا المقطع الأخير الطويل لأغرودته.

«ليس معه أنثى بعدُ لكنه يحاول اجتذاب واحدة. إن كان بوسعنا سماع التستوستيرون، فبوسع السُّنونوات حتمًا أن تسمعه هي كذلك.»

حجَّل أندرز على مدار حياته أكثر من ٦٠٠٠ سُنونو، معظمها في تلك الحظائر في يوتلاند. أثناء انتظارنا، بعد أن نصبنا شِباكه، أشار أندرز إلى طائرٍ يحلِّق إلى داخل الحظيرة.

«أنا أعرف ذلك الطائر، هو يجلس دائمًا على تلك العارضة، ويدخل دائمًا من النافذة على الارتفاع نفسه، ودائمًا ما يظهر في الرقعة نفسِها تحت السقف، ولم أمسك به إلا مرة واحدة.»

«لو لم تكن أنت هنا، لَبذلت جهدًا أكبر في الاختباء، منتظرًا أن تصيد الشبكة بعض الطيور. فالنتائج تكون أفضل حين أتوارى عن الأنظار. إنها تتعرف عليَّ بكل تأكيد وتعُدُّني من النوع المتطفل. كنت أتنقَّل بالدراجة من حظيرة لأخرى، وحين أكون على مسافةِ ما يقرب من ٥٠٠ متر من مستعمرةٍ ما، تنطلق أولى صيحات التحذير بالفعل. كانت تدرك أن تلك الدراجة مرتبطة بطريقةٍ ما بنشاطات أخرى. والآن أنا أختبئ داخل سيارتي.»

«إنها طيور ذكية. أعرفُ رجلًا في مكان قريب من هنا، كان يكرهها لأنها تتغوَّط على سيارته؛ ولذا ركَّب آليةً تعمل بشعاعٍ من الضوء لإغلاق باب مرأبه. تعلَّمت السُّنونوات أن تقطع شعاعَ الضوء وتفتح الباب. ورجل آخر لم يُرِد غائطها في مرأبه فأوصدَ بابه. ولكن في غضون بضعة أيام كانت الطيور قد حفرت نفقًا صغيرًا تحته.»

صادت الشبكة في الحظيرة ثلاثة طيور. كانت من روادها. التقطها أندرز من الشبكة. بدت ضئيلة في يده، وشعثاء بعض الشيء، وخدرة على نحوٍ غريب، ملفوفة كما تلف العُثة نفسها وهي نائمة في ضوء الصباح.

صعدَ أندرز سُلَّمه مرةً أخرى.

«رجاءً لا تقف بالقرب من السلَّم تلك المرة. فقد سقطتُ هنا بضع مرات. حين يحدث ذلك، أحاول ألا أسقط أنا والسلَّم في آنٍ واحد، لكن ذلك لا يكون ممكنًا في بعض الأحيان.»

سمعنا طائرًا يصيح — «دي دي دي دي» — من مكان مرتفع في الحظيرة.

«إنه ذَكَرٌ يافع يحاول لفت انتباه أنثى، لكنه لن ينجح.»

لا أدري كيف عرف ذلك، لكني صدَّقته على الفور. هل لأنه كان ينطق باسمي؟ الوجود في صحبة علماء — وسيانٌ هو الأمر بالنسبة إلى الزواج من عالِمة — يجعلني أكثرَ بلاهة مما أكون في العادة.

سألتُ عن اسم المزرعة. لم يكن أندرز متأكدًا منه.

«إنني أعرفها باسم إدوارد، الاسم الأول لمالكها السابق، وهو والِد زوجة صاحبها الحالي.»

لم يَعُد ذلك النوع من المزارعين موجودًا هنا. كان إدوارد يملك ستين بقرة حلوبًا حتى ٢٠١٦، لكنه باعها جميعًا. لا يستطيع المزارعون تحقيق أرباح من دون الإعانات الزراعية. وحلب البقر لم يُدرَّ عائدًا كافيًا. وحين ولَّت الإعانات، ولَّى القطيع أيضًا.

انخفاض أعداد البقر كان يعني انخفاض أعداد الحشرات، وبالتبعية انخفاض أعداد السُّنونوات. عادةً ما تقضي الحشرات التي تفضِّل السُّنونوات التغذي عليها فترة صباها في روث الماشية، وحيث يوجد البقر، تكون أعداد الذباب أكثرَ بكثير. يبلغ مقدارُ ما يستهلكه زوجٌ من السُّنونوات وصغارهما من الذباب حوالَي مليون ذبابة في العام (ذكرَ أندرز أن تلك حِسبةٌ قامت بها أنجيلا ترنر ملكة السُّنونوات والمؤرِّخة لذلك النوع على ظهر منديل ورقي). في الحظيرة، لم تزعجنا ذبابةٌ واحدة. ومع أن الطيور لا تزال تتكاثر حيث عاشت الحيوانات يومًا، فإنها مضطرَّة لأن تسافر لمسافةٍ أبعد كي تتغذَّى. سابقًا، كان بإمكان السُّنونوات في يوتلاند (لا سيَّما حين يجيء الصيف باردًا رطبًا) أن تتغذَّى داخل الحظائر على الذباب المحيط بالماشية؛ أما اليوم فلم يَعُد للذباب وجود.

يروق للناس الاعتقاد في عودة السُّنونوات — «طيورهم المعبِّرة عنهم»، وتشكِّل فكرةُ المهاجر العائد الكثيرَ من استجابتنا الشعورية لتلك الطيور التي تجيء وتمضي. لكن لا تعود من تلك الطيور في العام التالي إلا نسبة تتراوح ما بين ٣٠ و٤٠ في المائة فقط، وفي غضون بضع سنوات «لن يبقى أيٌّ من تلك الطيور المُسنَّة» كما قال أندرز. بالطبع يحل محلها طيورٌ أصغر سنًّا، ثم الأصغر سنًّا (الطيور اليافعة التي نجت من أول شتاء تقضيه بعيدًا تعود، لكنها غالبًا ما تتفرق؛ ١١ في المائة من الفراخ تعود إلى الحي الذي ترعرعت فيه، وغالبًا ما تفوق نسبة الذكور من تلك الفراخ نسبة الإناث.) نأمُل أن يأتي المزيدُ من السُّنونوات ودورات الربيع. لكن المعرفة يمكن أن تكون قاسية أحيانًا، واستطعتُ أن أرى الحقائق ترتسم على وجه أندرز فيما مرَّت به تلك الحقيقة، مع أنه يعرفها منذ وقتٍ طويل ولا بد أنه شرحها مراتٍ عديدة من قبل — وهي حقيقة مخيِّبة للآمال لا مفر منها نيابةً عن العالَم غير البشري الذي يمكن إثباته.

في تشيرنوبل، تتجدَّد أزمةٌ دائمة كلَّ عام: تصل السُّنونوات إلى ربيع تشيرنوبل الخاوي (أو ربما نقيض الربيع) وتمرض، ثم تحاول أن تتكاثر، وتعود قلةٌ قليلة منها، وتجتذب البؤرةُ المسمَّمة المزيدَ من الطيور إليها، فتمرض هي الأخرى. تكتسح التشوهات العشيرة بأكملها. يحدث العديد من الانقطاعات في ضفائر الحمض النووي. تعاني السُّنونوات في المنطقة المحظورة تشوُّهاتٍ أكثرَ من أي مكان آخر يعرفه أندرز. قد تتمثل في قِصَر أذنابها وعدم اتساقها؛ أو خلل في مناقيرها أو أقدامها أو أصابع أقدامها أو ريشها.

في مزارع يوتلاند الأمر ليس على هذا القدر من السوء، غير أنه ليس على ما يرام تمامًا. حين تتكاثر السُّنونوات، فإنها تفعل ذلك على نحوٍ جيد (أكثر من ٩٥ في المائة يفقس بيضه وينبت ريشه من أول مجموعة بيض، التي تتكوَّن عادةً من ٥ بيضات)، لكن الأعداد الإجمالية انخفضت. في نهاية أول يوم لنا في الحظائر، أخذني أندرز بالسيارة في جولة عبر المنطقة التي تخضع لدراسته. في البداية فحصَ عشًّا كان قد لمحه في محطة حافلات مظلَّلة على الحافة المُعشِبة لشارع بإحدى القُرى: صورة عذبة لاستعمار حميد وخلق مساحاتٍ بين النوعَين — وجود الركَّاب العابرين والطيور العابرة جنبًا إلى جنب؛ إلا أن العش كان خاليًا من البيض مع أنه لا يزال جديدًا. ثم أسرعنا أكثر، فتفاقمت أحداثُ القصة. تواجه السُّنونوات في جميع أرجاء غرب أوروبا مآسي مُضعَّفة: الزراعة حوَّلت العالَم الأخضر القديم إلى عالَم صناعي، والاختلال المناخي يعبث بالفصول. الذباب الذي تتغذَّى عليه الطيور إما اختفى بسبب وضع الماشية في حظائر داخلية أو اختفائها بالكلية، وإما صار يظهر في أوقاتٍ مختلفة (عادةً في وقتٍ أبكرَ من ذي قبل)؛ لأنه غيَّر جدولَ أعماله وتوقيته كي يواكب احترار الطقس. فينولوجيا الحشرات وأحداثها البيولوجية تتزحزح. فقد صار الربيع يجيء أبكرَ في منطقة العروض المعتدلة. وعلى الطيور أن تتزحزح أيضًا. صار الآن على السُّنونوات، والعديد من الأنواع المهاجرة الأخرى، أن تعود من مناطقِ تشتيتها في وقتٍ أبكرَ نسبيًّا. وإن لم تفعل، تصل متأخرةً وتخاطر بنفاد وقتها، كالمغتربين في أوطانهم، المُبعَدين في حيواتهم، المحتومِ عليهم تفويتُ الحافلة. وبعد ذلك بفترة وجيزة، تموت على الأرجح.

كان اليوم رماديًّا، تكثر فيه الغيوم. ظلَّت الأمطار رابضةً في الهواء لساعات. ونحن نسير في الطرقِ المستقيمة عبر الحقول المستنقعية، ألقى الخث الأسود تحت كل شيء، من الأسفل، ظلامًا إضافيًّا على المكان. شعرتُ أن الربيع انقضى.

يقطع أندرز تلك الرحلة ذهابًا وإيابًا منذ خمسين عامًا، منذ حوالَي اثنين وأربعين جيلًا من السُّنونوات، وخلال ذلك الوقت حاول أن يتعرف على كل طائر عاشَ هنا. أخبرتُه كم أعجبني تقويم جيلبرت وايت السنوي عن السُّنونوات من سيلبورن في القرن الثامن عشر (بل عايشته أحيانًا).

قرأ أندرز محتوياته بالطبع. وأثناء قيادته السيارة، كان ينظر أمامه، لكنه كان يذكر كلَّ موضع من مواضع السُّنونوات أثناء مرورنا به.

«هذا العام، كان في تلك الحظيرة سبعة عشر زوجًا، بالإضافة إلى زوجٍ آخر في المبنى المجاور. وكان بها العام الماضي خمسة عشر زوجًا، والعام الذي قبله كان بها ثلاثة عشر زوجًا؛ أنا أفحصها منذ عام ١٩٧١، وقد شهد هذا العام حتى الآن أكبر عدد منها، وقريبًا ستواجه مشكلات في السعة المكانية. لا يزال الناس هنا لديهم أبقار …»

«تلك المزرعة المجاورة، لم أجد فيها إلا عُشًّا واحدًا فقط، عام ١٩٧٢ …»

«توجد مزرعتان هنا، ولا توجد سُنونوات فيهما …»

«في ذلك المنزل، يفتح الرجل مرأبه فيدخله زوجٌ من السُّنونوات …»

«ها هو المتجر القديم والمدرسة القديمة؛ كلاهما مغلق ولا سُنونوات فيه …»

«ثمة عش في مكانٍ شبه خارجي قُرب الجانب الخلفي لذلك المنزل …»

«انخفضت أعداد المزارع، وانخفضت أعداد البقر أكثر.»

«ها هي ذي مزرعة صغيرة أخرى؛ كان بها ثمانية أزواج، أما الآن فلم يَعُد بها أي سُنونوات. استُبدِل بالمراعي حقولُ البطاطس أو الشعير أو القمح. ولا يوجد ذباب.»

«لا يزال الناس يعتقدون أنَّ هدم عُشِّ سُنونوات لَهو ضربٌ من الفأل السيئ، مع أنهم يفعلون ذلك. كان في تلك المزرعة الصغيرة ثمانية أزواج. جرت العادة أن يفتح الناس أبوابهم ونوافذهم للطيور في الربيع. إذ كان يُعتقد أن منْعها من الدخول قد يكون له نتائجُ لا تُحمَد عقباها: كأن تتوقَّف الأبقار عن إنتاج اللبن، أو ربما تحترق المزرعة. قد تَئُول الأمور إلى نهايةٍ وخيمة إن لم تُظهِر قدرًا من الاهتمام بتلك الطيور. فالطيور دواءٌ قوي المفعول وقادرة على تغيير سلوك الناس. إن كنت تبحث عن زوجةٍ في يوتلاند، ولفتت نظرك امرأة معيَّنة لكنها لا تُبدي أيَّ اهتمام بك، فعليك أن تصيد سُنونوًا، وتجفِّف قلبه وتسحقه، وتضعه في جِعَة تشربها المرأة التي أنت مُعجَب بها».

سادَ الصمت بيننا لبرهة.

«من حُسن الحظ أني لم أحتَج إلى ذلك.»

أبطأنا كي نراقب حشودًا عائلية من طيور الكركي تسير في الحقول. شهد والد أندرز ذلك المكان حين كان ارتفاع الخث أكثرَ بسبعة أمتار مما هو عليه اليوم، لكن لم تكن طيور الكركي موجودة حينها. وقفَ حصانان في الحقول، كلٌّ منهما على جانب من الطريق أحدهما قبالة الآخر؛ كلٌّ منهما يرمق الآخر بتلك النظرة المعهودة — نظرة تبدو عتيقة أينما تراها تحدث. كان ذيلاهما ينتفضان أحيانًا، وتنقَّلت ستةُ سُنونواتٍ بيضاء كالحصى المرمي في صفحةِ نهر من حصان للآخر، تقترب منهما كي تلتقط الحشرات التي تجتذبها دماؤهما الدافئة.

«كان في تلك الحظيرة اثنان وعشرون زوجًا، إلا أن بومة حظائر قد انتقلت إليها والتهمتها جميعًا. تركت البومة الحظيرة لكن السُّنونوات لم تَعُد …»

«تلك مزرعة خنازير ذات مبانٍ جديدة، كلُّ شيء موجودٌ داخل المباني ومعقَّم، عليك أن ترتدي بذلةَ فضاء لتدخلها — على غِرار مفاعل تشيرنوبل — وبالطبع لا توجد سُنونوات هناك …»

«توجد خمسة أزواج هنا في حظيرة جرارات، ولكن كان عددها من قبلُ خمسة وعشرين زوجًا. حين تتغيَّر المزارع، وتذهب الأبقار، تنخفض أعداد السُّنونوات. ذلك هو النمط العام …»

«هذا المُزارِع لم يَعُد يشتغل بالزراعة؛ كان هنا من قبلُ تسعة وستون زوجًا؛ إنه يعمل الآن سائقَ جرارات، ولا يوجد هذا العام أيُّ سُنونوات هنا …»

«المزرعة التالية هنا، في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، كان يوجد ما يصل إلى ستين زوجًا، والآن عددُها ثمانية.»

«الآن صرتُ أرى السُّنونوات وقت عيد الميلاد المجيد.»

صار ذلك ممكنًا في أوروبا اليوم. إذ بدأت بعض السُّنونوات تشتِّي في البرتغال وإسبانيا. لم تَعُد تتكبَّد عناءَ الابتعاد لمسافةٍ أبعد من ذلك شَمالًا. يود أندرز أن يعرف من أين تأتي تلك السُّنونوات وإن كان وضعُها أفضل أم أسوأ من السُّنونوات المهاجرة التقليدية. ستكون تلك طريقة لقياس تكلفة الهجرة لمسافاتٍ بعيدة. هكذا يراها. أميلُ لفكرة سُنونوات الشتاء. أعرفُ أن تلك حماقة، ولا أتمنَّى أن يشط الزمنُ إلى ذلك الحد؛ إذ يكمُن معنى الهجرة في الذهاب والعودة، رفع طعام الإفطار وتجهيز المائدة للعشاء، شهيقها وزفيرها؛ لكن الرغبة في إبقاء السُّنونوات معنا لا تزال قوية، حُلم استباق الزمن وخداع الموت، وَهْم الربيع الأبدي …

ينظر العِلم إلى الهجرة باعتبارها صفة مكتسَبة أو سلوكًا تأقلميًّا في الحياة التطورية لأفراد ذلك النوع. السُّنونوات لديها الكثير لتخبر به عن ذلك الشأن. بجانب التبادل السنوي لسنونوات الحظائر الأوروبية-الأفريقية، توجد نُويعات مهاجرة وذات صلة في آسيا والأمريكتَين، تطير من الجزء الشَّمالي للكرة الأرضية إلى النصف الجنوبي، ثم تعود مجددًا. في الوقت نفسه، يوجد في وادي النيل جماعة مقيمة فريدة من سُنونوات الحظائر غير المهاجرة. هل يحتمل أن تكون تلك الطيور هي الأسلاف التي خرجت منها جميع الأنواع الأخرى؟ يقول أندرز إن التحليل الجزيئي الجيني يمكن أن يجيب عن ذلك. هو أيضًا ينتظر ورود أخبار من الأرجنتين والأوروجواي حيث ظهرت جماعة من السُّنونوات، يفترض أنها معزولة جينيًّا، تتكاثر في هذين البلدين الجنوبيين ثم تحلِّق إلى الشَّمال في موسمها الشتوي في اتجاه معاكس لتحركات ذلك النوع في بقية أنحاء العالم.

«تلك الطيور غيَّرت تفكيري عدة مرات.»

في طريقنا إلى المنزل من جولة السُّنونوات، توقَّفنا كي نراقب ثلاثة من طيور الكركي في أحد الحقول. بدت مثل صرر رمادية من الغسيل المبتل. تحدَّث أندرز عن «الحلم البشري» الذي يتجسَّد في فكرة ملازمة طائر الكركي لزوجه مدى الحياة. قال: «تتوفر بيانات قليلة جدًّا عن ذلك.»

•••

وصلتُ إلى يوتلاند يوم ٢٣ يونيو. كانت تلك «ليلة القديس يوحنا» لدى الدنماركيين، عيد ميلاد يوحنا المعمدان؛ في ذلك اليوم يغني الناس في مدينة ريجا ويقفز بعضهم فوق النار على طول ساحل بحر البلطيق. يعتقد أندرز أن ذلك اليوم هو الذي «تُرسَل فيه الساحرات إلى جبل في أيسلندا». قرب ضوء الغسق، كنا نقف في أرض مقطوعة الأشجار داخل متنزه عام في بلدة باندروب، وهو وادٍ في الضواحي تحدُّه أشجارُ بلوط يافعة وأشجارُ كرز، توجد أكواخ وراءها بمسافة قليلة. كانت السماء تمطر. من الصعب إشعال نارٍ حطبُها أغصانُ الشوح وركيزةٌ خشبية مفككة. الأطفال يركضون حولنا رافعين وجوههم مستقبلين المطر؛ ويضحكون والمطر يبللهم. دفعَ المطرُ الخفيف زُمرةً من والديهم وغيرهم من أهل البلدة إلى التراجع للاحتماء تحت صفٍّ من المظلات المؤقتة وخيام التنزه، المحيطة بالنار.

كانوا يحاولون أن يغنوا. وُزِّعت ورقةٌ بها كلماتُ أغنية، مع أن معظم المغنين كانوا يعرفون ولو جزءًا من كلماتها على الأقل. كان نشيدًا لمنتصف الصيف، كُتِب عام ١٨٨٥، كتب نصَّه هولجر دراكمان ولحَّنه بي إي لانج-مولر. حيث كنت أقف، كان اللحن بطيئًا جدًّا والغناء غير متناغم. انضمَّ له أندرز، متخلفًا عنهم بنصف نغمة، وأظن أنه تعمَّد الاقتراب من الأغنية، لكنه كان يريد أن يُبقي بينه وبين آنِها مسافةً مكانية معينة. لكن لمَّا نظرتُ حولي وأصغيت، كان من الواضح أن الجميع سواه متخلِّفون أيضًا عن اللحن.

الغناء العام في أي مكان يمكن أن يكون له وقْع الإحراج القهري. لكن هنا، كان الحدث بأكمله في تلك الحديقة العامة، حتى في منتصف الأغنية، يبدو «متأخرًا». وكأنَّ المغنين يمثلوننا جميعًا، يمثلون النوعَ البشري وأفراده الحاضرين، وكأن الجميع أُدركوا في غير أوانهم أو أدركوا أن الأوان قد فاتهم. ربما ذلك هو ما يعنيه منتصف الصيف. عِلاوة على ذلك، بدا «التأخير» متماشيًا مع حقيقة جريان أو انسلال اليوم الحاضر الأعم، فجعل تفويتهم للأوان يبدو في أوانه على نحوٍ غريب. إذ جسَّد غرابةَ غناء أغنية ذات طابع موسمي لم يَعُد له القدر نفسه من الأهمية في نفوسنا كما كان من قبل، وفي عصرٍ لم تَعُد فيه الفصول نفسها تلتزم بأوانها. وهي تدور مجرجرةً قدمَيها في حلقة المغنيين، تسأل الأغنية (قَصدًا أو عَرضًا) عن معنى أن يكون المرء في الأوان. وهل يمكن أن يكون فوات الأوان، مع أنها فكرة أكثر حزنًا وخلوًّا من الأنغام، انعكاسًا حقيقيًّا لما أصاب عالمنا ذا التدفئة المركزية.

أُضيفَ البارافين إلى النار فتأجَّجت وزأرت لبرهة فيما خفتت الأغنية. طقطقت أغصانُ الشجر المحترقة، يغلي نسغها ويتفقفق الراتنج في أطرافها المقطوعة. رغم المطر، كانت الشفشافات والشراشير تغرِّد من الأشجار المحيطة، وكانت السُّنونوات تحوم حول الوادي الصغير باحثةً عن الحشرات التي يرفعها دخان النار الرطب لأعلى.

عقب الغناء أُلقيَت الخطابات. سألتُ أندرز إن كانت المرأة التي تتحدَّث تلقي قصيدة. فقال إنها تسرد أسماء المتبرعين لساحة لعب الأطفال في البلدة.

•••

عُدنا إلى حيث كان يقيم أندرز. وهناك، بدأت الحياة مرةً أخرى بفضل الطيور.

أثناء مباشرة مهامه الخاصة بالسُّنونوات، يقيم أندرز في منزل صديقَيه القديمَين ويليام وأجنيس. ويليام هو ويليام كارو إيريستروب: منظِّف مداخن، قضى حياته مُحجِّلًا للطيور، ومربيًّا لها ومحبًّا للحمَام — في المجمل هو رجل طيور متكامل. يمكن أن يجسِّد نوحٌ أو بالأحرى القديسُ فرانسيس دورَ ويليام في فيلم عن حياته.

في الطريق إلى منزله، سِرنا في شوارع تحدُّها الأكواخُ الحديثة. توسَّعت بلدة باندروب واستوطنت العديدَ من الحقول المعشبة التي كان ويليام يحجِّل الطيور فيها. ذات مرة اصطاد ١٠٠٠ حسون تفاحي في يوم واحد في أقفاص الصيد مستخدمًا الماء فقط طُعمًا. كان أندرز يعرف ويليام حينها. تقابلا عام ١٩٦٦. بدأ ويليام تحجيل الطيور عام ١٩٦٠، ومنذ ذلك الحين حجَّل ١٦٠٠٠٠ طائر (وُلدتُ أنا بعد أن بدأ ويليام التحجيل عام ١٩٦١ بقليل، وعشت ٢١٠٠٠ يوم أو نحو ذلك — أي إنه في المتوسط كان يحجِّل ثمانية طيور في كل يوم من أيام حياتي). أمسكَ بالعديد منها في حديقته الخلفية الصغيرة. فهو يسكن في كوخ أيضًا (لكنه أقدم).

•••

حتى يومنا هذا، يكتظُّ منزله وحديقته بالطيور؛ سمعتُ أصواتها ونحن ندلف إلى الشارع الذي يسكن به ولم ينقطع صخبها طوال مدة زيارتي: سربٌ متنوع يتضمَّن طيورًا برية وطيورًا مستأنسة وطيورًا موضوعة في أقفاص، وطيورًا مُنقَذة ومريضة، طيورًا أليفة تلازمه طوال الحياة وأخرى يحتجزها مؤقتًا، ببَّغاءً أمازونيًّا أحمر الجبين عجوزًا، وطائرًا من فصيلة شمعيات الجناح ينتظر الشتاء لإطلاق سراحه. كان يوجد العديد من الطيور الصامتة أيضًا: طيور نافقة ومسلوخة، وريش وجماجم، وتفاصيل سُطرَت على الورق لطيور طليقة مرَّت من تحت يد ويليام.

في غرفة الطعام بالمنزل، كان يوجد ثماني قبعاتٍ عالية موضوعة على الحائط بترتيب تصاعدي مثلما كانت تُعلَّق مجسَّمات البط الطائر الخزفية. كان والدُ ويليام وجَدُّه منظفَي مداخن. امتهن أخوه تلك المهنة كذلك، وما زال ولَداه يمتهنانها. حين تقابلنا كان عمره خمسة وثمانين عامًا، وكان لا يزال يمارس عمله: قبل حدث الغناء في المتنزه كان قد حجَّل ثمانية سُنونوات وجدَها أثناء قيامه بمهمة تنظيف. حاكى لي عملية إخراجه الفراخ من أعشاشها، فرأيتُ الخطوط التي تغلغل فيها السخامُ في يدَيه.

تعافى أول طائر أنقذَه بعد شهرين من بدئه التحجيلَ عام ١٩٦٠. كان هازجةً ليمونية أمسك بها في باندروب أثناء هجرتها إلى الجنوب في شَمال إيطاليا. كان مبهورًا بها. بينما كان يحكي لي ذلك، رسمَ بإصبعه خطًّا على جبهته، خطًّا فهمتُ أنه يمثِّل عبورَ الطائر وانفتاح ذهنه.

كلُّ شيء يخصُّ الطيور يظل مثيرًا للاهتمام في نظر ويليام. عِلاوةً على ذلك، ترى عيناه السريعتا الحركة الزرقاوان بلون زهرة الذرة (اليافعتان أبدًا)، كلَّ شيء يخصُّها «حسنًا». ونظرًا لأنه محاطٌ بالطيور في حديقة منزله، العشرات من الطيور الحاضرة الحية، والآلاف من السجلات لطيورٍ جاءت من أماكنَ أخرى لم تَعُد على قيد الحياة، يُعطي ويليام انطباعًا — دون أن يفصح أبدًا عن تلك الفكرة الجيَّاشة — بأنه قادر على أن يحب كلَّ طائر موجود أو وُجد ذات يوم أو يمكن أن يوجد في العالَم. قبل أن ألتقي ويليام، سألتُ أندرز إن كان يعرف شخصية «دكتور دوليتل» وقصته التي كتبها هيو لوفتينج في إحدى كُتبه عن تجمُّع السُّنونوات وتعاونها لسحبِ سفينةٍ متوقِّفة بسبب غياب الرياح بمحاذاة الساحل الغربي لأفريقيا. ضحكَ بالطبع وهزَّ رأسه نفيًا، لكن ها أنا ذا أرى الدكتور نفسه في منزله في باندروب ومعه فريقُ دعمٍ من السُّنونوات (أو من غيرها من الطيور) يسدُّ حاجة أي شخص.

في نصف دائرة من الأقفاص السلكية التي تبرز من جدار المنزل الخلفي (ذكَّرتني بفرشاةٍ ذات شعيراتٍ خشنة رأيتُها في سقيفة)، كانت العديد من الطيور تُهرَع وتُرفرف وتُصفر. رأيتُ شمعي الجناح المُنقَذ، وطيور دغناش، وأنثى أبو قلنسوة، وجزمًا أحمر، وكاسر جوز (وهو أمرٌ مُستغرَب)، وحساسين أوراسية، وحساسين شوك، وحساسين نارية، وحسونًا أصفر المنقار واحدًا على الأقل، وحميراء وهي طائري المُفضَّل (أجل بالطبع). كانت أنثى. رعاها ويليام منذ أن كانت فرخًا أنقذه من عشٍّ هدمه المطر. كانت تطير في الجانب السفلي من القفص الذي تتشاركه مع ستة من شمعيات الجناح ومزيج من الشرشوريات. كان ذنَبها يهتزُّ، ولونه الأحمر المرتعش يثبت أنها لا تزال حميراء محتفظة بهويتها. كان لدى ويليام ذَكرٌ أيضًا، لكنه ماتَ بعد أن تزاوجا وبعد أن وضعت الأنثى بيضة بفترة وجيزة. لم أكن قد رأيتُ حميراء داخل قفص من قبل.

كانت كلُّ الطيور مُنهمِكة في عملها، وبدت كلُّ الطيور الأسيرة قانعة لأن ويليام كان يعتني بها. لم يكن أيٌّ منها تقريبًا سيذهب إلى أي مكانٍ آخر، لكن ويليام جعل توقفها مريحًا. كان يتحدث إليها بلطفٍ بما يشبه الهمس المتآمر من خلال الصفير. كان يجول بنظره بين أفراد سِربه بسرعةٍ تكافئ سرعة طيرانها داخل أقفاصها. وكان يُدخِل أوراقَ خس خضراء خلال الأسلاك بأنامله الغليظة وأظافره الملوثة بالسخام.

كان حصاد ما يزيد على ربع قرن من تحجيل ويليام للطيور رائعًا، فسجلاته تشير ضمنًا إلى وفرةٍ من الطيور يصعب تخيُّلها اليوم. أين هي اليوم تلك الحساسين التفاحية التي كانت تسكن صناديق الطيور المصنوعة على شكل أكواخ؟ لكن من الصعب أيضًا تصوُّر مرور كل واحد من تلك الطيور بين يديه. إلى أي نوعٍ من تبادل المعرفة أو أي صنف من الحميمية يشير ذلك ضمنًا؟ لقد أمسكها جميعًا: ١٥٠٠٠ حسون أخضر، بما فيها ٤٣٥٢ خلال واحد وعشرين يومًا صادها في حديقته في أبريل ١٩٧٠، منها ٧٨٩ صادها يوم ١ أبريل وحده؛ و٢٥١٥ حسون شوك من حديقته في واحد وعشرين يومًا في شهر فبراير في إحدى السنوات؛ و٢٠٠٠٠ زرزور، منها ٤٠٠٠ من حديقته.

من بين ٢٥٠٠٠ سُنونو حجَّلها ويليام حتى وقت لقائنا، يوجد ١٥٠٠٠ سُنونو محبوس في مجاثم. صاد منها مئاتٍ في شبكة واحدة. وكان يعود إلى المنزل بأكياس مليئة بتلك الطيور ويعلِّقها حتى الصباح في خطافات داخل غرفة التحجيل. بعض السُّنونوات، كفقسة منتصف الصيف التي صادها يوم لقائنا، أخرجها من المداخن أثناء تنظيفها. فهو دائمًا ما يأخذ معه الحلقات أثناء عمله. وقبل أن يصير محجِّلًا رسميًّا مؤهَّلًا، دفعه فضوله لأن يصنع حلقاته الخاصة. أراني مستطيلًا مصنوعًا من السلوك المثنية، كان منذ ستين عامًا تُثبَّت فيه الحلقات التي يصنعها في المنزل ويحتفظ بها دائمًا جاهزة في حقيبة عُدَّة تنظيف المداخن.

أين ستذهب حينها — هل ستَرِدنا أخبارها مجددًا؟ دائمًا ما يكون هذان السؤالان حاضرَين أثناء تركيب حلقة التحجيل. ولو تأمَّل أيٌّ منا ذلك لربما رسم خطًّا على جبينه. عُثر على زرزور حجَّله ويليام في حديقته عام ١٩٦٠ ميتًا في قرية هيلبستون، مسقط رأس جون كلير في مقاطعة نورثامبتونشاير.٣ وذهب أحد السُّنونوات التي حجَّلها ويليام إلى الكونجو (وهو السُّنونو الوحيد الذي عاد من أفريقيا). طارت خرشنة سندويتشية (نسبةً إلى مدينة سندويتش في إيطاليا) إلى أسلاك كهرباء علوية في جنوب أفريقيا. وأُصيب ديكُ غاب، من ديوك الغاب الثلاثة التي حجَّلها، بطلقٍ ناري في روسيا. وأُصيبَت إحدى القمريات بطلق ناري في أوكرانيا. أماكن تابعة لأخرى، وحدود عفا عليها الزمن، وأوضاع جغرافية سياسية لم يَعُد لها وجود — كلُّ ذلك ينبثق من سجلات بيانات التحجيل التي يحتفظ بها ويليام. تلقَّى خطابات من الاتحاد السوفييتي، ومن ألمانيا التي كانت منقسمة ذات يوم، ومن الدول التي كانت أسيرة الكتلة الشرقية، ومن جنوب أفريقيا في حقبة الفَصل العنصري (الأبارتيد)، ومن ديكتاتوريات لها شرطة سرية ومن جمهوريات شعبية، ومن أماكن تحدُّها أسوار مكهربة؛ خطابات تتبادل معه إحداثيات على النظام الشبكي وتفاصيل الوفَيات. في تبادل معلوماتي كهذا ينكشف هراء عالَمنا المُبوَّب والمُسيَّج: بلبل زيتوني عمره تسعة أعوام، حُجِّل للمرة الأولى في ألمانيا الشرقية التي كانت «تحت سيطرة» ويليام (طائر حجَّله محجِّل آخرُ وأُعِيدَ صيده)؛ والزرزور الذي نجح في الوصول من حديقة ويليام في يوتلاند إلى مدينة أرخانجل (أو أرخانجيلسك حاليًّا) في روسيا.

قلنا مازحَين ونحن ننظر إلى أقفاصه بينما نتحدَّث عن الحرية: «ستارلينجراد».

•••

أثناء العشاء، شربنا نبيذَ البيلسان المصنوع من أزهار سياج شجري خمَّرته أجنيس في دلو منذ أيام. وبعدها أكلنا لحمَ خنزير من باندروب مع بطاطس طازجة من الحديقة وسبانخ، ثم تلا ذلك وعاءٌ من حبَّات الفراولة الصغيرة المحفوظة المزروعة في المنزل، وعليها أيضًا قطراتٌ من عسل نحل طازج تبرَّع به جارٌ يربي النحل. كان الحديث يدور حول خسائر عسل النحل، وقيمة القراص باعتباره صنفًا من الخضراوات، وأفضل طريقة لتحميص التبن القابل للأكل. ثم أُحضرَ شرابُ «بورس سنابس» — وهو شراب مُسكِر تُنقَع فيه عشبة آس المستنقعات العطرية لأربعين يومًا. تقتضي التقاليد بأن تظل ناظِرًا إلى عينَي نُدمائك وأنت تحتسيه. قلت بضع كلماتٍ متلعثمة عن نهاية الربيع.

تحدَّث أندرز عن رجالٍ آخرين يعرفهم من أمثال ويليام. كان أحدهم مهووسًا بطيور اللوَّاء يقضي الربيع باحثًا عن أعشاش تلك الطيور في الدنمارك، ثم ينثر مسحوق الفلفل الحار حول قاعدة أي شجرة تتكاثر فيها كي يمنع حيوانات خز الصنوبر من سرقة بيضها أو فراخها. وكان أحدهم يُدعى جان، وهو ذلك المهووس بالجوارح، الذي أعار أندرز مُجلَّده عن ريش طيور الباز — وهو كتاب من ألفِ صفحة رمادية مختلفة. راقبَ ما يصل إلى خمسين عشًّا كلَّ عام لعقود، وجمع بيانات تكافئ ١٤٠٠ عامٍ حسب عدد الأعشاش التي راقبها. كان جان حارسَ غابة قضى الربيع في معظم سنوات عمره يتسلق جذوع أشجار زَلِقة منتعِلًا حذاءً مطاطيًّا طويل الرقبة. وتكون الأعشاش (التي يكون بعضها ضخمًا ويزن ٥٠٠ كيلوجرام) مبنية على ارتفاع ثمانية عشر مترًا من أرضية الغابة في المتوسط. تذكَّرتُ مقشات ويليام الممتدة، وأندرز وهو فوق سلَّم السُّنونوات، وجان وهو يتسلَّق أشجار طيور الباز. ذات مرة قال جان لأندرز وهما يتسلقان معًا: «أنا لست شخصًا متديِّنًا، لكني أتلو صلاة.» في الرحلة نفسها، وهو فوق شجرة طويلة، انزلقت قدم أندرز وظنَّ أنه سيموت. جمع جان ٣٦٠٠٠ ريشة من نوع البواشق من الجوارح. قال أندرز معلِّقًا: «بيانات كافية لإتمام عشر رسائل دكتوراه. وكان رد جان حين جاءه بعضُ الأكاديميين يطلبون منه بياناته التي جمعها عن العُقاب الذهبي هو: «تبًّا لكم!» سألتُه: «لمَ؟» ابتسم أندرز ابتسامته المعهودة. (حاولنا لاحقًا، أثناء إقامتي، أن نعيد الموسوعة الرمادية الضخمة؛ لم نلقَ ردًّا حين طرقنا بابَ جان: كان خارج المنزل، أكادُ أجزم أنه فوق شجرةٍ ما.)

تأخَّر الوقت بنا، وسألتُ عن الغناء وعن البحر؛ حيث كنت سأتجه بعدها. بدأ أندرز يغني أغنية لنهاية اليوم: «الشمس حمراء قانية يا أمي … البحر موحش ليلًا، وليس أمام النوارس والخرشنات مكان تقصده … لا مكان تأوي إليه.» كانت والدة أندرز تغنيها له كتهويدة. وكذلك كانت تفعل والدة ويليام. كانت آخِر مرة غنَّى فيها أندرز تلك الأغنية عندما كان أبناؤه صغارًا، منذ خمسة عشر عامًا. صوتُه باللغة الدنماركية أعلى مما هو باللغة الإنجليزية، لكن ليس بكثير.

سكَب ويليام قدحَ الشاي الذي كان يشربه وهو يستمع إلى غناء أندرز. وضحكت أجنيس من زوجها، فتجعَّد وجهُها، واهتز الجزء العلوي من جسدها بالكامل من الضحك. كان ويليام قد سكَب نبيذه أيضًا منذ دقائق؛ كان مرهَقًا بعد يومٍ قضاه في تنظيف المداخن والتحجيل والغناء. كنت قد أخطأت الفهم — لقد حجَّل ستين سُنونوًا ذلك اليوم، وليس فقط مجموعة من ستة فراخ.

قالت أجنيس: «نحن أهل يوتلاند باسمون دومًا، ونضحك في وجه الصعاب والشدائد.»

رافقني أندرز إلى الخارج؛ كان الوقت قد تخطَّى منتصف الليل، والهواء لا يزال يحمل مطرًا، لكن السماء كانت تنبض بوَهج مخضر.

وعدني قائلًا: «غدًا سنأكل كمية أقل. لكن بوسعك أن تأتي كي تشاركنا إفطارًا من سمك الرنجة.»

توقَّفتُ في طريق عودتي إلى فراشي كي أصغي إلى مرعات الغاب في مستنقع خث قديم. كان أحد الحقول الرطبة المعشبة يزدحم بنبات الطرَخشَقون. كان لا يزال به بعض الأزهار ذات اللون الكريمي الذهبي، لكن معظمها تحوَّل إلى ساعات حائط رمادية مُحبَّبة بدت في تلك الليلة مثل فُرشات ويليام. كانت الساعات تُدعى «مُنظِّفي المداخن» في إنجلترا قديمًا، ويقال إن شكسبير كان يعرف ذلك وإنه أسهم بجزء من معرفته بالنباتات في مَرثيته في مسرحية «سيمبلين». في ضوء منتصف الليل الرمادي الخافت، تبدو أزهار الطرَخشَقون مثل كون من الشموس والنجوم المتناثرة بعمق في سماءٍ واسعة: «الفِتيان والفتَيات، الفقراء منهم والأغنياء، لا بد لهم حتمًا من عودة إلى التراب على حدٍّ سواء».

•••

في محيط بحر البلطيق، كان الناس قديمًا — عادةً النساء اليافعات — يؤدون رقصات السُّنونوات. كانت الخطوات التي تؤديها الراقصات تحاكي طيران تلك الطيور. كانت الراقصات يودعن الطيور وهي تحلِّق جنوبًا إلى أراضٍ أكثرَ دفئًا. سجَّل مراقب دنماركي ما شهده ذات مرة في دولة ليتوانيا في القرن التاسع عشر:

رأيتُ تلك الرقصة في مساء يوم صيفي في أيكة بتولا صغيرة. كان ثنائيٌّ بعد آخر يتخذ موضعه في مجموعتَين متقابلتَين، وكانوا جميعًا يتمايلون وينحنون ثم يمرون بسرعة البرق على نحو يُذكِّر المرءَ بالسُّنونوات في طيرانها الملتوي السريع.

في أغسطس كلَّ عام، يعود أندرز لينهي عمله مع السُّنونوات في الدنمارك، ويطمئن على نجاحها في التكاثر. بعد ذلك يسبح أحيانًا في خليج يامربوجت البارد. سُمِّي ذلك القطاعُ من البحر الهائج المتاخم لشَمال غرب يوتلاند تيمُّنًا بضراوته المميتة؛ خليجَ الفجيعة والبؤس، بسببِ خطورته على البحَّارة والصيادين. وفي بعض الأيام، راقبَ أندرز وهو يتحدَّى الأمواجَ العاصفة، السنونواتِ القادمةَ من النرويج وهي تُحلِّق فوق رأسه أثناء عبورها البحرَ متجهةً جنوبًا إلى أفريقيا.

ترومس

٧٠ درجة شَمالًا

يومًا ما سأرى آخِر حميراء في حياتي — ربما أكون قد فعلتُ بالفعل. ربما كان هو ذَكرَ الحميراء الذي تبعتُه في مستنقع على التل وراء منزل جابي فاجنر في بالسنيس بالقرب من ترومسو في شَمال النرويج عند منتصف ليل يومٍ من أيام منتصف الصيف.

كنت قد خرجتُ مع كلير في نزهةِ سير. نزهة سير أخرى — لأن النهار لا يغيب أبدًا في ذلك الوقت عن مقاطعة ترومس، ولا يبدو أن هناك داعيًا لئلا يظل المرءُ مستيقظًا بالخارج طوال فترة دوام النهار. وهو يدوم طويلًا. يدوم طويلًا جدًّا حتى إن الدوام ليس صفة فيه. بل هو ببساطة «جوهره». وهذا ينطبق على الضوء. في كل مكان آخر، قد تكون الأيام هي الزمن الذي نعيش فيه، لكن لثلاثة شهور من الصيف في القطب الشَّمالي، لا يكون ثمَّة وجود للأيام، بل هي على الأحرى يوم واحد طويل، يحيا كل شيء في ضوئه.

كانت ساقاي مرهقتَين في الثالثة صباحًا حين نزلنا التل عائدين، لكن عدا ذلك كنت يقظًا تمامًا. وكذلك كان ذَكرُ الحميراء الذي كان يغرِّد من شجرة شوح في بروز صخري في منتصف المستنقع الرطب. أدَّى عمله على الفور وأسعدَ صباحي. لكن ذلك الصباح كان غَدِقًا ووافرًا — كان يتمدَّد، وكان كلُّ شيء يتمدَّد معه. وفي كل ذلك الضوء، تصوَّرتُ أن ذلك الطائر هو آخِر طائر حميراء أراه في حياتي. ليس لأني شعرتُ بالموت يدنو مني، بل لأني شعرتُ بالحياة تمضي. لم يكن ثَمة سبب يدعو الحميراء إلى التوقُّف عما يفعله. لا شيء يمنعه من المُضي قُدمًا. وهو ما فعله.

لم تكن الشمسُ حاضرةً تلك اللحظة؛ إذ كانت الغيوم تكثر، لكن كان ضوءها ساطعًا في منتصف الليل بقدرِ ما يكون ساطعًا في منتصف النهار. في ذلك الضوء — تحته وفيه؛ إذ تشعر به يتدفَّق خلالك وينسال منك — ينفلت الزمن. لا وجود لليل ولا للنهار، ولا فرقَ بينهما؛ كلُّ شيء يُعرَض في حاضر طويل دائم. في ذلك الضوء، في التو واللحظة، كان الحميراء يغرِّد ويهزُّ ذنَبه — موجود ببساطة ويختلج ببساطة.

كنت أعلم أن المستنقع سيتجمَّد، وأن الشمس ستغيب وراء الجبال، وأن الحميراء سيغادر، وأن معظم فراخه ستموت. كلُّ ذلك — الضجر العالمي الذي يتخلَّل جميع جوانب حياتنا الفاشلة الكاسدة المصونة — كنت أعلمه. لكن هنا، كان كلُّ شيء متوقف مؤقتًا على نحوٍ خارق للطبيعة — متوقف لكنه يتحرَّك رغم ذلك.

في مسرحية «حكاية الشتاء» لشكسبير، فلورزيل واقع في حُب برديتا. يراقبها ترقص. رقصُها يسرُّ الناظر ويجعله يتحدَّث إليها بحسَن الكلام:

حين ترقصين،

أتمنَّى لو أنكِ موجةٌ في البحر،

عسى ألا تفعلي غير ذلك — تتحركين مرارًا وتكرارًا، ولا همَّ لكِ سوى ذلك.

حركة دءوبة ومتواصلة — كان شيءٌ من ذلك متمثلًا في الحميراء في ذلك اليوم الطويل: منتهى كل شيء وغايته.

لا يزال كذلك.

كي تظل باقيًا في صباح العالَم في يونيو عليك أن تتحرك شَمالًا، إلى حيث ينتهي الربيع الأوروبي. اليوم في إنجلترا، مهما أبكرت المسير في غابة هورنر، فلن تكون خطاطيف الذباب الرقطاء موجودة. ستكون الأشجار هادئة؛ إذ لم يَعُد ثَمة أغاريد. بعض الطيور سيكون قد انقضت حاجته من المكان فانسلَّ مبتعدًا عنه متجهًا نحو الجنوب. الأفضل حينئذٍ أن تبحث عن البداية مرة أخرى لو استطعت، أن تبدأ من جديد، أن تعبر نقطة الانطلاق، أن تجد الربيع الأبدي، وتستمتع بفطور يدوم طوال اليوم.

كان الطقس باردًا بالنسبة إلى شهر يونيو، حتى في القطب الشَّمالي. كنت أرتدي خمس طبقات من الملابس، إضافةً إلى قبعة وقفازَين، كي أحتسي قهوتي وأنا جالسٌ على أرجوحةٍ بين شجرتَي بتولا في الجانب الخلفي لمنزل جابي. كان ذَكرُ خطاف ذباب أرقط يسكن الأيكة الصغيرة من الأشجار. ظلَّ يغرِّد على نحوٍ متواصل. لم يبدُ مُنزعِجًا من البرد. غير أن حياته الصيفية لا بد أنها أكثر برودة من حياته الشتوية — حياته الصيفية التي يتعيَّن فيها على شريكته أن تفقس بيضَ فراخها العارية في الهواء المتجمِّد ويبحث الشريكان عن اليرقات كي يُطعما أفواهها المستجدية. كان ثَمة سُنونوات تحلِّق أيضًا، بالقرب من حظيرة جابي، وهوازج صفصاف تغرِّد. لا بد أنها جميعًا تشعر بالبرد أثناء تكاثرها أكثر مما تشعر به أثناء تشتيتها. في بعض الأحيان، يكون الجو باردًا جدًّا لا مفر من ذلك. كان الجليد موجودًا في نهاية يونيو قبل وصولي. ومع ذلك جاءت الطيور الشَّمالية.

حاولتُ أن أزامن وصولي مع وصول تلك الطيور، أو على الأقل لا أتأخَّر عنها كثيرًا. ربما كان بعضُها لا يزال يحط، حتى في منتصف الصيف. بعد أن مرَّت زوبعة من الخليج، وصلنا إلى حقلٍ زاهٍ يبدو أنه شهدَ سقوط عدد من الطيور القادمة من الجنوب: زوج من طيور القليعي الأحمر يقفان على السياج، وثلاثة أبالق باهتة تمشِّط العشب الذي قضمته الأبقار، ووقواقان يؤرجحان ذنَبَيهما فوق سلك هاتف، وذَكر دج مطوَّق يقفز بين العشب الطويل؛ حيث يتجه الحقلُ إلى تلٍّ بالأعلى، وزوج من الحميراوات يطيران من بعض أشجار البتولا الشعثاء. ربما كانت بالفعل في ديارها، وصادف أن رأيناها أثناء عبورنا، لكنها بدت لي مثل لجنة ترحيب.

•••

قُدنا سيارتنا إلى البحر الذي يقع شَمال غرب ترومسو. كانت السُّنونوات تحلِّق بمحاذاة الشاطئ الصخري. وتطير بينها الخرشناتُ القطبية.

نظرًا لأن الظلام لا يحل في هذا المكان لحوالَي مائة يوم — فيما يُعرَف بأيام الزراعة المائة — يبدو الموتُ هنا قليلًا جدًّا. غيابُ الليل يعني غياب الظلام بمعناه الذي يلازم محطة الحياة الأخيرة؛ يعني غياب الانطفاء أو الخبو. بيد أن ذروة المَدِّ تحمل شيئًا ما يفصح عن تقلبه؛ شيئًا ما في أوجه يعكس حضيضه، معرفة أن الأقرب في تلك اللحظة سيصير الأبعد، معرفة أن الضوء يحوي نقيضه. ذلك الشعور كان حاضرًا هنا. كان الضوء قد سطع على قمة العالَم لأطول وقت ممكن. إنه يتوِّج الوقت في منتصف العام؛ لكن في سفراته البعيدة، نشعر بالجانب الآخر من حياته أيضًا؛ ذلك القدر الهائل من الضوء الذي يسود تلك الأيام يعني حتمًا ظلامًا هائلًا في الطرف الآخر من العام.

ربما تُعلِّمنا الخرشناتُ القطبية درسًا عن ذلك المفهوم، مع أنها هي نفسها تتجنَّب الحقيقة. في النرويج، كانت تتحرَّك صعودًا ونزولًا في كل خليج. آخِر ما رأيت منها كان في أعماق الشتاء الشَّمالي في منتصف صيف جنوب أفريقيا. وهي تبتعد أكثرَ من ذلك شَمالًا أيضًا، إلى حيث ضوء منتصف صيف نصف الكرة الجنوبي على حافة القطب الجنوبي. تشهد الخرشنات القطبية الشَّمالية ضوء النهار في حياتها أكثرَ من أي نوع آخر من الطيور — فهي تطير من الشَّمال المُضاء إلى الجنوب المُضاء، من سطوعِ منتصف صيفٍ لآخر. باتت سُنونوات البحر، هكذا كانت تُسمَّى الخرشنات، وسنونوات الحظائر — في طيرانهما من الجنوب إلى الشَّمال ذهابًا وإيابًا — شيئًا واحدًا. ولا يتفوق طائرٌ على الخرشنة في الطيران في النهار القطبي الشَّمالي أو الجنوبي. لم أرَ خرشنة يبدو عليها الإرهاق في أيٍّ من طرفَي العالَم. نداءاتُها حادة كالزجاج. تبدو وكأنما صُنعَت من السماء الساطعة: إنها بمثابة مصابيح أنبوبية توجِّه طائرًا، أو هراوات صُنعَت من الشمس، صمَّمتها هي، وتصعد دائمًا نحوها «بخفتها». وبعد أن تضيء القطب الشَّمالي المضاء، ستدور على عقبَيها، متشبِّثة بالضوء وسترحل معه وتطير إلى أسفل الكوكب، جنوبًا إلى حيث يمكن لها أن يتعهدها بالرعاية القطبُ الجنوبي المضاء، حتى يصير العالَم عندما تميل الأرض حول محورها جاهزًا لاستقبالها في الشَّمال مرة أخرى، متجنِّبةً الليل دومًا وساعيةً وراء النهار أبدًا.

•••

عرفتُ جابي فاجنر لأنها استضافتني حين اضطُررتُ إلى القُدوم إلى ترومسو في منتصف الشتاء لتسجيل برنامج إذاعي عن الجليد بالاشتراك مع عالِم الجغرافيا هايدن لوريمر. هايدن صديقٌ قديم لجابي منذ أن كانت تسكن في مدينة أبردين حيث يعيش هو. جابي اختصاصيةٌ في علم الأحياء الزمني. إنها تدرس الزمن والحياة، أو بعبارةٍ أدق، المواسم وساعات الحيوانات وتقويماتها. حين رحَّبت بي جابي بعد ذلك في رحلتَين أخريين في منتصف الصيف (واحدة كنت فيها وحدي والأخرى برفقة كلير)، كانت تسكن مع ديفيد هازلريج الذي كان شريكَ حياتها آنذاك، وهو أيضًا اختصاصيٌّ في علم الأحياء الزمني. تُجري جابي أغلبَ دراساتها عن طائر التَّرمجان بينما يُجري ديفيد أغلب دراساته عن سمك السلمون. رحَّب كلاهما بي ترحيبًا دافئًا في صيف القطب الشَّمالي كما في شتائه، وكذلك أبناؤهما الثلاثة فاليري وتوم وليلو.

في اليوم الذي كان عشية استفتاء عضوية الاتحاد الأوروبي الذي أُجريَ في بريطانيا، أخذني ديفيد أنا وكلير في رحلة تجديف في الخليج كي نصطاد القُد. انطلقنا وقت إغلاق الاستفتاء وعُدنا وقت إذاعة النتائج الأولية بعد منتصف الليل. كان الوقت ليلًا في بريطانيا، لكن ضوء النهار كان ساطعًا في جميع أرجاء ترومسو — يوم جديد يبدأ في مكانٍ ما، بينما يمتد اليوم نفسه في مكانٍ آخر. فيما بدأت النتائج تُحصَر، جعلني الضوءُ المتواصل حيث كنا أظن (أو بالأحرى أشعر) أن الجدال ينبغي أن يظل دائرًا والأصوات لا تزال تُحصَد لأن اليوم لم ينتهِ والضوء لم يأفل. بدت النتيجة المحبطة — اصطياد شيء لم يُقصَد صيده — لا تُصدَّق تحت الضوء المتواصل. شخصٌ ما كان يحاول أن يوقف شيئًا من الواضح أنه ما زال جاريًا: كنا لا نزال في النهار السابق، لا نزال متصلين بيوم سابق. كيف إذَن ننسلخ من ذلك، دون ليل حالك يفصل بينهما؟

في زوارقنا كنا قريبين من البحر، نغوص قليلًا في صفحته. كان معنا سنانير قصيرة لها ملفات للخيط وخيط طوله مائة متر. كانت كلير هي مَن اصطادت أول سمكة. وحين خرجت سمكة القُد إلى الهواء ارتسمت الدهشةُ على وجهها. جذبَ ديفيد الخيطَ والسمكة إلى داخل قاربه. وضربَ السمكة على رأسها بمقبض فأس. تحوَّل التعبير المرتسِم على وجهها من الدهشة إلى الذهول. ثم ضُربَت مرة أخرى. فتجمَّد تعبيرُ الذهول على وجهها.

بعد ذلك اتضح معنى الأمر برُمَّته. كنت قد أرسلتُ صوتي بالبريد، لكني لم أصطَد شيئًا في المياه. انجرفنا مع المَد إلى حيث يلتحم الخليج الذي نحن فيه مع خليجٍ آخر يمتد غربًا إلى البحر المفتوح. كان الصيد الثاني أصعب. انشبك خطاف سنارة كلير في خيشوم سمكة قُدٍّ أخرى، لكنها كانت صغيرة جدًّا. ظل التيار يجذبنا أكثرَ وأكثر. كنا ندور مثل مؤشر بوصلة يبحث عن الحديد. كان التقاءُ التيارات يولِّد دواماتٍ تدوم تحت سطح الماء وتموج متحوِّلةً إلى دواماتٍ بحرية متربصة. كان زبد البحر يتجمَّع حول تلك المواضع. وكانت زوارقنا تهتز. كانت السفن الضخمة المتجهة إلى ترومسو تلوح فوقنا وتخيفني. علينا أن نجدِّف بقوة. أو هكذا ظننت على الأقل، لكن ديفيد وكلير أرادا المزيد من الأسماك. جاءت آثار الساعات الأبكر الأكثر سطوعًا فصنعت شقوقًا ذات لون ذهبي ناعم مخضل في السُّحب. ميَّز الضوء اللون الأبيض للنوارس التي تستريح على سطح الخليج؛ بدت من مستوى البحر كبيرة جدًّا. حلَّق عُقاب أبيض الذنَب بالغ في المضيق فوق القوارب، مثقلًا بنفسه: منقار مثل هراوة عظمية، وموجة من الثِّقل والجهد تمرُّ خلال جسده إلى أطراف جناحَيه المشقوقة بعمق. تذكَّرتُ فيلم «دام باسترز». رسَونا وحملنا صنانيرنا وصيدنا الهزيل إلى البر. جاء ديكُ غابٍ يحلِّق مستعرضًا بين الحظائر الحمراء وغابة أشجار البتولا. كان الضوء ينكشف مرة أخرى والغيوم تنقشع أكثر، لكن آنذاك كنا بحاجة ماسة لأن نأوي إلى الفراش. سلام.

خلدتُ إلى النوم وأنا لا أزال أشعر باهتزاز القارب في الخليج؛ حين استيقظتُ بعد ساعة، كانت ذراعي اليُمنى تتدلَّى من السرير، وكأنما أجرُّها في الماء على جانب قاربي. سمعتُ حميراء في مكانٍ ما أعلى التل الواقع خلف المنزل.

•••

في مغيض جابي، تصنع التلالُ المكسوة بالطحلب، التي بعضها قلبُه ليِّن وبعضها قلبُه من الحجارة، «روابي» صغيرة، أو «مواحيد»، كلٌّ منها مجهري الحجم. كنت أحبُّ الاستناد إليها، متقمِّصًا شعور جاليفر وهو في أرض ليليبوت، أضيِّقُ عينَيَّ وأنا أحدِّق في نموذج مصغَّر لقرية: كانت بها أشجار طحلبية دقيقة تتدلى منها قطراتٌ مفردة من الماء مثل قناديل فينيسية، مروج طحلبية ذات لون كالصدأ، وحبوب نبات تشبه الصخور الملساء، وأبسطة من الأشنات، ووسائد من الخضرة، وخيام صغيرة مصنوعة من العصوات، وأسواق للعفاريت، وأماكن تقطر وتجيش مثل المستنقعات المرسومة على خريطة كنز. كان يوجد اثنتا عشرة رابية في المغيض؛ حاولتُ أن أبلغها جميعًا. كان كلٌّ منهما مختلفًا لكن متشابهًا، وكان كلٌّ منها يشبه خريطةً ثلاثية الأبعاد للعالَم الشَّمالي كله، رأس الكوكب المقبَّبة، الضوء الذي يغمر كلَّ شيء، والرطوبة التي تتخلَّل كلَّ شيء، عطاء مستنقع وحلي عظيم، مكان مُقمَّط، يكاد يتحرك إلى كل مكان وراء اللون الأخضر.

بينما كنت أستند إلى إحدى تلك الروابي، رأيتُ ذَكر حميراء يحط على آخر. كنت لأعبد ذلك الطائر. ثم، على الرابية التي وراءها، ظهر ذَكرٌ آخر في أوج التماعه واهتزاز ذنَبه. لا بد أن منطقتَيهما تلتقيان في مكانٍ ما بالمغيض بينهما. طار المَلِكان المنعزلان أحدهما نحو الآخر، ولوهلةٍ تشابكا وهوَيا نحو عشب الإسفَغنون مثل كتلتَي فحم متأججتَين، ثم ما لبثا أن صحَّحا مسارهما وهُرِع كلٌّ منهما نحو مملكته. لم أستطِع مقاومةَ الرغبة في الاقتراب من الطائرَين ملتمسًا حرارتهما.

•••

تحدَّثتُ إلى جابي مراتٍ عديدة لمَّا حلَلنا ضيوفًا عليها. كان المحور الدائم لحديثنا هو الضوء، وكيف تتعايش معه هي وعائلتُها وجميع الحيوانات التي تعرفها: ذلك الضوء وتأثير المواسم — التي يميِّزها الضوء هنا — على حياتها وعملها. تحدَّثنا في الواحدة عصرًا وفي الواحدة صباحًا، وتحدَّثنا ونحن نطهو الوجبات، وتحدَّثنا وهي تنزِّه كلابها، وتحدَّثنا وهي تُرينا طيور ترمجان الصخر السفلباردية وغيرها من الحيوانات المقيمة في حظائر الأبحاث في الجامعة بترومسو.

في بداية حياتها المهنية، درست جابي في محطةٍ بحثية في معهد ماكس بلانك بألمانيا؛ حيث راحت تدرُس القنابر ودوراتها الليلية والنهارية، وتبحث تأثير الإشارات الضوئية على أمخاخها وكيف تواصل أمخاخها استخدام المعلومات التي يبثها لها الضوء. كانت تحتفظ بالطيور التي تجري عليها دراساتها في مستودعاتٍ تحت الأرض كانت تُجرى فيها دراساتٌ كثيفةٌ على هجرة الطيور (دراسات عن «قلق الطيور المهاجرة» تتناول علامات القلق والاضطراب التي تعتري الطيور في مواسم الهجرة وقصدها اتجاهًا بعينه في طيرانها)، والتي أجرى فيها روتجير فيفر ويورجن أسكوف العديد من التجارب عن النوم البشري ما بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين، التي ذاع صيتُها اليوم. في تلك التجارب، أُبقِي المتطوعون تحت الأرض ثلاثة أشهر في مستويات ضوء منخفضة. بعضهم استحسن ذلك، والبعض انهار. هكذا الأمر أيضًا في الشَّمال القطبي طوال الشتاء: تبقى شتى الأحياء في الظلام، منتظرةً الضوء.

تقول جابي: «كلُّ شيء في تكوين الكائن الحي يجب أن يُزامَن توقيته كي يعمل على أكمل وجه.»

وتضيف: «لكن عمليات مزامنة التوقيت تلك يجب أن تكون منفصلة — أي يجب أن تحدث في أوقاتٍ مختلفة. السؤال عن كيفية تحقيق ذلك هو ما كان يدفعني للمضي قُدمًا في مسيرتي العلمية.»

«أول سؤال تطرحه دومًا هو هل ضبط مواقيت الكائن الحي نابع من داخله أم من خارجه؟ هل بداخله ساعة بيولوجية أم إنه يتبع العالَم الخارجي؟ للإجابة عن هذا السؤال، كنت أضع الحيوان محل الدراسة في بيئة دائمة يخالف فيها الضوءُ والظلمةُ العادة. إن استمر نهج الكائن الحي كما هو تحت تلك الظروف، التي قد تكون دوامَ الضوء أو دوامَ الظلمة، نعرف أنه لا يتبع العالَم الخارجي فحسب، بل يتبع إيقاعًا نابعًا من داخله. ساعته البيولوجية نابعة من داخله.»

«الساعات البيولوجية ليست دقيقة. زمن دورة الضوء والظلام الشمسية أربع وعشرون ساعة، لكن الدورة الداخلية التي تنبع من داخل الكائنات الحية لا تطابق ذلك تمام المطابقة. الساعات البيولوجية تشبه الساعات البندولية القديمة التي يلزم إعادة ضبطها كل يوم، وإلا تأخَّرت وفقدت تزامنها.»

«هنا يأتي تعقيد إضافي مثير للاهتمام. في القطب الشَّمالي، إشارة الضوء والظلام اليومية غير متاحة في أجزاء من العام. إذ يسود الظلام طوال الوقت لشهور ويسود الضوء لشهور أخرى. بيد أن الكائنات التي تعيش هنا تحتاج إلى تلك الإشارة بقدرِ أي حيوان آخر في أي مكان. تساعد الإشارات على فصل العمليات زمنيًّا. فلا يمكن لحيوان رنَّة أن يمرَّ بدورة شبق وتبديل وبر في آنٍ واحد. كي يتهيأ لأيٍّ من هذين الطَّورَين، يلزم أن يكون قادرًا على التبوُّء بتغيُّر الفصول. إذ لا يمكن أن يبدأ وبره الشتوي في النمو بانخفاض درجة الحرارة فحسب. ولا يمكن أن ينمو قرناه تهيُّؤًا لدورة شبق تبدأ اليوم نفسه. لكن إن لم يتلقَّ إشاراتٍ تُعلِمه بأن النهار يقصر أو يطول، فكيف له أن يأتي بتلك الأشياء في توقيتها المناسب؟ يُضطر الكائن الحي إلى أن يتنبأ بالكثير من أحداث حياته. تساعد الساعات والتقويمات في ذلك.»

التزامن العكسي اللازم لأن يكون «خارجًا في الوقت المناسب»، كما اعتدنا أن نقول في إذاعة بي بي سي (حين نُنهي برنامجًا دون أن «نجاوز إشارات الوقت» أو ندخل في وقتِ برنامج آخر) — وهي مهارة الإنتاج الإذاعي الوحيدة التي يبدو أني كنت أحوزها — هو أمرٌ بالغ الأهمية في الطبيعة. يوحي الحديث عن الساعات والتقويمات بأنها أشياء خارجية منفصلة عن الحيوانات التي تستخدمها. بيْد أن تلك المصطلحات خاصة بنا نحن البشر فقط؛ فالحيوانات لا تحمل مثل تلك الأثقال؛ إذ لا تملك ساعة يد إلا تلك الموجودة بداخلها التي يضبطها العالَم، في تعاون مع «الاستدارة الحية» للأرض (بعبارة ديفيد أبرام).٤

تقول جابي: «التنبؤ هو كلُّ شيء. الطيور المهاجرة لمسافاتٍ طويلة مهمتُها غير عادية. الحميراوات أو خطاطيف الذباب الرقطاء لا بد أن تصل إلى ترومسو هنا حيث منطقة تكاثرها في الوقت المناسب — في وقتٍ معيَّن. لكن طول النهار، الذي تعرِف منه في أي وقت من العام هي، مُلتبِس حيث هي ولا يمكن أن يمنحها الإشارة بذلك. ولذا من المدهش دراسة كيفية تنظيمها لذلك الأمر — كيف تزامن دورتها الحَولية دون إشارة بيئية. تبديل الريش والتكاثر والاستعداد للهجرة — كلُّها أمور يلزم الطيور التنبؤُ بها وإضافتُها إلى جدول مواقيت خططها المستقبلية كي يُستحث كلٌّ منها في الأوان المناسب. والمدهش هو أنها تنجح في ذلك كلَّ عام.»

ذهبنا كي نرى الحيوانات محلَّ الدراسة في جامعة جابي. تقدَّم ثور مسك إلى سياجه كي يرحِّب بنا. كان يرتدي معطفَه الذي يذهب به إلى كل مكان، سواءٌ عندما تضربه موجةُ حرٍّ أو تعصِف به عاصفةٌ ثلجية، والذي جعله يبدو مثل مجنون خرج في نزهة سير. زفرَ هبَّاتٍ قوية من هواء كرشه الأخضر في وجوهنا. تقول جابي إن صوف ثور المسك يُسمَّى «كيفيوت» في لغة الإينكتيتوت (الكلمة نفسها تعني «زغب الطيور») وهو مُدفِّئ إلى حدٍّ مدهش. صاد أحدُ جيرانها بعضَ تلك الحيوانات في جرينلاند في سبعينيات القرن العشرين وأرسلَ صوفها إلى وكالة ناسا لاستعمالها في تبطين بذلات الفضاء.

لم تكن الرنَّات في حظيرتها ودودةً جدًّا. كان ثَمة بطُّ عيدر في بِركة، وفقمات في حمَّام سباحة داخلي. كانت طيور الترمجان الخاصة بجابي موضوعةً في أقفاص بالخارج. بدت الطيورُ مثل عينات من موادَّ تخضع لتجاربِ تمويه. الرابح فيها سيكون هو أفضلَ تقليد لصخرة بُنية مشوبة بالرمادي تلطِّخها الزروعُ الخضراء المتسلقة ونزيف منتشر من الحزاز الصدئ. حازت الطيور جميعها الجائزةَ الأولى. فجميعها متماثل في نمط النقش، لكن ريشها الملغز كان مليئًا بالتفاصيل ومتعدِّد الطبقات حتى إن عينيَّ المخدوعتَين رأتها مختلفة.

«الشتاء الماضي كان سيئًا. كان طويلًا للغاية. لي زملاء كانوا يجلسون بائسين فوق جليدٍ سُمكه متران حيث كان يُفترَض أن تتكاثر الطيور التي يدرسونها. كلُّ شيء يتغيَّر من عام لآخر على ذلك النحو. لا يمكن التنبؤ بشيء. وفي مواجهة ذلك، تشبَّث التطورُ بالثابت الوحيد المتاح، الذي يُبقيه على المسار الصحيح في المتوسط، وهو طول النهار أو الفترة الضوئية. يبدو أن بضعة أيام فحسب كافيةٌ لأن تمدَّ العديدَ من الكائنات الحية ببيانات مواقيت العام كله. يبدو أنها لا تحتاج إلى تلك المعلومات كلَّ يوم، وهذا ما نراه في الشَّمال على وجه الخصوص. هنا يحدث جنونُ منتصف الصيف — قدْر مُبالغ فيه من الضوء — وتسير الحياة غير مقيَّدة بساعات ولا تقويمات لفترة من الزمن. بوسع الكائنات الحية أن تتحمل ذلك. بضعةُ أيام قبل تلك الفترات وبعدها (حين يتمايز الليل والنهار) تبدو مدةً كافية للعمل بإشارات الفترة الضوئية وضبط الساعات البيولوجية. يمكن تحقيقُ ذلك بمقارنة بضعة أيام بالأيام التي سبقتها — أهي أطول أم أقصر، هل نتجه نحو الشتاء أم الصيف؟ حينئذٍ تحدُث إعادة الضبط أو التصحيح. يتسق النَّظم اليومي — الخارجي الحر — أو يتزامن مع دورة الضوء والظلام. ومن هنا يتولَّى النَّظم العامي الزمامَ: تبديل الريش والهجرة والتزاوج — كلُّ ذلك تصير جدولته ممكنة.»

حكَت لنا جابي عن رحلة ترمجان قامت بها. يوجد مربي طيور ألماني ناجح جدًّا فرَّخ وربَّى العديدَ من الأنواع النادرة في مَفرَخه بوسط ألمانيا. تشمل قائمةُ نجاحاته طيورَ البَفن والمور الشائع والفلروب الأحمر الرقبة ولقالق أبو ميه. كما استطاع أن يربي طيور الترمجان الاسكتلندية ويناسلها. كانت جابي مهتمةً بمعرفة الطريقة التي فعل بها ذلك. وكان هو بدوره متحمِّسًا للسماع عن طيور ترمجان الصخر الخاصة بها.

«في الدراسات المتعلقة بالرنَّات وكذلك تلك المتعلقة بالترمجان، الاعتقادُ السائد أنها باعتبارها حيواناتٍ قطبية شَمالية، فهي تملك نَظمًا عاماويًّا بالغَ الإحكام لكن نَظْمها اليوماوي أو دورة الليل والنهار لديها ضعيفة جدًّا؛ إذ يكون الفَرق بين الليل والنهار مبهَمًا في فتراتٍ طويلة من كل عام. بعبارةٍ أخرى، لديها حسٌّ جيد بإدراك الوقت من العام لكنها تفتقر إلى حس إدراك الوقت من اليوم. ذلك الاعتقاد نابع من قياسات النشاط — نشاط الرنَّات ينظِّمه تجويف بطنها. فهي بحاجة إلى أن تمضغ الطعامَ المجتر، وهي تفعل ذلك في أي وقت ولا يظهر في فعلِها ذلك أيُّ نَظمٍ نهاري وليلي. هذا صحيح، لكنها لا تزال بحاجةٍ إلى أن تُزامِن نَظْمها العاماوي، ولا يسعُها أن تفعل ذلك إلا استجابةً لفترة نهارية — نهار — أو سلسلة من الفترات النهارية. إنها بحاجة إلى أن تعرف مواقيت السير وتبديل الفرو والتسمين والشبق والتكاثر. ولا يسعها أن تحدِّد تلك المواعيد الطويلة الأمد في تقويمها إلا بمعرفة في أي وقت من اليوم تتوقَّع الغروب أو الشروق التاليَين. في القطب الشَّمالي، لا ترى الشروقَ أو الغروب عينٌ إلا في بضعة أسابيع في العام. هكذا تحتاج ساعاتها البيولوجية إلى أن تكون حسَّاسة لتلك الإشارة القصيرة. أنا لست مقتنعة بفكرة الساعة البيولوجية الضعيفة. ربما لا نرى الرنَّات تستوعب كلَّ ذلك؛ إذ إن نشاطاتها غيرُ منتظمة للغاية (هذا ما فعله بها الضوء والظلام المتواصلان)، لكني سأتفاجأ إن لم نرَ أيَّ دليل على انتظام الأنشطة في أدمغتها وفي أجزاءٍ أخرى من جسدها.»

تحدَّثت جابي وطرحت كلير الأسئلة؛ بينما أسندتُ وجهي إلى السياج السلكي وحاولتُ أن أشارك الرنَّة أفكارَها. خضعت أنوفُها الشديدة التأقلم لتطورٍ جديد في ترومسو. أنوف تلك الحيوانات تلعب دورًا جوهريًّا في بقائها على قيدِ الحياة في الشتاءات الشديدة البرودة. تُطلِق أنفُ الرنَّة قدرًا يسيرًا من الدفء وتحتفظ بأقصى قدرٍ ممكن من بخار الماء. تتمتع بمساحةِ سطح داخلي كبيرة للغاية؛ ومن ثَم فهي تُدفِّئ الهواء الداخل بسرعةٍ بالغة. إذا كانت درجة حرارة الهواء الخارجي، حين تستنشقه الرنَّات، أربعين درجة مئوية تحت الصفر، فهي تصل إلى رئتَيها وقد بلغت ثمانيًا وثلاثين درجة مئوية فوق الصفر. يستطيع التكوينُ الهندسي المُعقَّد لأنوفها تغييرَ درجة الحرارة بمقدار سبعين أو ثمانين درجة مئوية في أقلَّ من ثانية. لظباء المَها التي تعيش في بيئاتٍ صحراوية حارَّة وجافَّة تكوينٌ أنفيٌّ يُضاهي في تعقيده ذلك الموجود لدى الرنَّات ويؤدي الوظيفةَ نفسها. يُعنى مهندسو أنظمة التدفئة والتبريد المنزلية بالِغَ العناية بتلك الأنوف كلِّها.

كان فوق حظيرة الرنَّات في ترومسو سُنونوات تسعى وراء الذباب الذي يتبع تلك الحيوانات؛ تخيَّلتُ تلك الطيور تطير فوق ظباءِ المَها في تشاد؛ تخيَّلتُها نفسَها تلتقط الذبابَ الذي تُثيره أقدامُ آكلات العشب تلك، وتتنفس الهواءَ المشترك نفسه. على السُّنونو أن يرضى برأسٍ مستدير واحد في تشاد والنرويج.

«باعتباري مختصة في علم الأحياء الزمني، فإنني مهووسة بالترقُّب. أنا أيضًا أحبُّ ذلك التفكيرَ المستقبلي. ثَمة ترقُّب مُدهِش لعودة الشمس في العام الجديد حين تدرك أن وقتَ الشفق لدينا يزداد طولًا وسطوعًا يومًا تلو الآخر، وهناك أيضًا الحماسة الهائلة التي تلازم اليوم الذي تشرق فيه الشمس أخيرًا فوق الأفق وترى ظِلَّك للمرة الأولى منذ شهور. هكذا يبدأ الربيع قبل عودة الشمس وقبل البداية الحقيقية للفصل بوقتٍ طويل. يبدأ الشعور بتراجع الظلام في منتصف يناير. حينها يظلُّ الوقت المتبقِّي من الشتاء طويلًا، لكن ذلك الشعور يكون بالفعل شعورًا بالازدهار وباقتراب فصل الضوء. إنه مُنعِش على نحوٍ مُدهِش. بالنسبة إلى الجميع حسبما أظن. من تلك اللحظة فصاعدًا، يظل الأملُ يزداد. أحبُّ في ذلك الوقت سرعة تبدُّل الفصول ومشاهدها — كيف تكتسي التلال بالأخضر من قمتها إلى سفحها في غضون بضعة أسابيع، وكيف يتراجع الجليد لأعلى.»

يتساءل الناس من سائر الأماكن الأخرى كيف نتعامل مع الظلام هنا. في الواقع يدوم الضوءُ لدينا لوقتٍ أطول في السنة من أي مكان آخر تقريبًا، من ناحية عدد ساعات ضوء النهار. لا سيَّما إن أحصيتَ فترة الشفق المَدني — وهي الفترة التي يظل فيها الضوء موجودًا حتى بعد غروب الشمس تحت الأفق — وهي فترة مهمة أيضًا للكائنات الحية. بفضل الضوء الذي يسود طوال اليوم في شهور مايو ويوليو ويونيو، تكون طاقة الشمس الإجمالية التي تصل إلينا هنا أعلى بكثير من أي مكانٍ على خط الاستواء. ذلك هو أساس العديد من الهجرات الطويلة إلى هنا، هذا هو السبب الذي لأجله يأتي إلى هنا أيُّ كائن حي يستطيع ذلك. إذ يكون النمو هائلًا، وإنتاجُ الكتلة الأحيائية هائلًا، ويستمر ذلك دون توقُّف طوال تلك الشهور. لا يكون الطقس حارًّا للغاية، لكن الضوء يجعل القدوم إلى هنا من كيب تاون يستحق العناء.»

•••

في ساعات الليل في مزرعة بالسنيس كثيرًا ما ينخفض نشاط الرياح. كانت السماء فوقنا جيرية، مصبوغة بلون الأثير، ووردية.

كان فوق السبخة طيورُ وقواق. أحدُها أطلقَ صيحة «واق واق»، ثم أتبعها هو أو غيره بضحكةٍ غريبة حنجرية مختلطة: «واه واه واه واه». تُدعى طيورُ الوقواق أحيانًا gowk؛ أي الخَرْقى. وأعتقد أن هذا ما كان يقوله ذلك الطائر فوق السبخة. كلمة gowk مأخوذة من الكلمة الاسكندنافية القديمة gaukr. يُسمَّى اللقلق في اللغة النرويجية gjøk. حين أطلق الطائر تلك النغمات، أضفى على جانب التل مَسحة من القِدَم. يمكن للطيور أن تفعل ذلك: فبعضها مسافر عبر الزمن، وبعضها محتجَز هنا كطيور وريثة من سلالة عتيقة؛ طيور ما قبل اختراع الفاصلة العشرية أو العصر الرقمي. اللقلق أحد تلك الطيور. طار الطائر الذي كان فوق السبخة مبتعدًا أكثرَ وتابعَ ما يفعله، وكأنما قَدِم من الماضي. يطلق نداءه في ساعته التي باسمه. وخلال نصف ساعة عدَدتُ: ثلاثة وعشرين لقلقًا على التوالي، تلاها استراحةٌ ثم واحد وثلاثون أخرى، ثم ثلاثون، ثم أربعة وثلاثون، ثم خمسة، ثم اثنا عشر، ثم ثمانية وثلاثون. ثم توقَّف السيل.

يُعَد اللقلق تقويمًا. سيُحصي أهلُ روسيا نداءاتِ تلك الطيور كي يتنبَّئوا بمستقبلهم. تبدأ رواية تولستوي البديعة التي تروي قصة الحصان «سترايدر» المحبوكة بالمضائق والتي فصَل فيها بين الحيوانات، فجعل البشرَ هنا وغيرهم من الحيوانات هناك، لكنها ما تلبث أن تعبُر إلى وعي أحصنتها وإلى حديثٍ حصانيٍّ عميق. تنتهي بالتقاء سترايدر بتاجر الحيوانات الهزيلة وبعدها — كما نرى من لحمه بعد موته — يصير طعامًا لذئبةٍ وصغارها. في اللحظة التي تبدأ فيها القصة بالانتقال إلى أذهان الحيوانات غيرِ البشرية، يُصغي نيستر، خادم الخيول، إلى لقلقٍ ويحصي نداءاته كي يتأكَّد من عدد السنوات الباقية في عمره. لا يذكر تولستوي ما سمعه.

خرجنا من منزل جابي في نزهةِ سيرٍ أخرى. ظللنا بالخارج حتى الثالثة صباحًا. حين عُدنا كان النُّعاس قد غلبنا جميعًا، لكن الضوء كان يؤرِّقنا. ومن ثَم، تجاذبنا أطراف الحديث حول الميلاتونين.

إنه هرمونٌ قديم للغاية: فهو موجود في النباتات (إذ اكتُشف في بعضها عام ١٩٩٥) وكذلك في الحيوانات. نحن نحتاج إلى الظلام في المساء والضوء في النهار كي نعيد ضبط ساعتنا البيولوجية. في القطب الشَّمالي، يصعب الحصول على القدْر الكافي من الضوء أثناء الشتاء، وأثناء الصيف يصعُب الحصول على القدْر الكافي من الظلام. ولكي تحظى بنومٍ جيد في الليالي المضيئة يُوصى بالالتزام بموعدٍ ثابت للنوم. لا تنجرف. غير مسموحٍ بالفوضى. تساعد الستائر الثقيلة — المُعتِمة — في ذلك، ولكن عليك أيضًا ألا تجلِب شاشاتٍ إلكترونية من أي نوع داخل حجرة نومك. ذلك أن التأخُّر في تعتيم المكان وإظلامه يُصيبك باضطراب السفر لمسافات طويلة، ويجعلك تشعر بأن وقتًا سُلِب من جسدك. يحفز الظلامُ إنتاجَ هرمون الميلاتونين. لا نستطيع النوم من دونه. والضوء يُوقِف إنتاج الميلاتونين. إذا فتحت الثلاجة استجابةً لشراهة تناول الطعام في منتصف الليل، فسيجعل ضوءها مستويات الميلاتونين تنخفض. ويستغرق عكسُ ذلك التأثير ساعات. يحدث ذلك أيضًا إذا نظرت إلى شاشة هاتفك ليلًا كي تتفقَّد نتيجة استفتاء.

•••

قرب انتهاء مدة إقامتي أثناء إحدى رحلاتي إلى النرويج، سِرتُ وحدي عشْر ساعات صاعدًا جبلًا في شَمال شرق ترومسو ونازلًا منه. أعتقدُ أن هذه المرة من بين جميع نزهات السير وجلسات المراقبة التي خضتُها أثناء حلول الفَصل، كانت الأكثر إفصاحًا عن زمان الفَصل ومكانه، أو بالأحرى أزمنته وأمكنته.

انطلقتُ من مستوى البحر بمحاذاة نهرٍ أسودَ الماء سريع الجريان من حيث يصب ماؤه البارد في أحد الخلجان. كانت أشجار البتولا هناك طويلة، وأوراقها قد بدأت تفقد بريقها الأخضر اليانع وزغبها المُخملي، وتصير أدكنَ وأكثر لمعانًا. في الأماكن الأكثر رطوبة حيث ازداد الخث سماكة، تصلَّب السرخسُ المُكوِّن لطبقة الغطاء الأرضي للغابة بفعل نُسغِه، كان جامحًا ذا لونٍ أخضرَ زاهٍ. كانت الشفشافات وهوازج الصفصاف والحساسين النارية والدرسات الحمراء الجناحَين تحيط من جميع الجهات. المشهد يبعث على الدفء — إذ كانت الطيور تغرِّد لكنها كانت قد استقرَّت، وتزاوجت وتقوم على شئونها الأسرية، فكان بعضها يبني الأعشاش والبعض الآخر يحمل الطعام بالفعل إلى فراخه. كان في الغابة أغنام أيضًا: النعاج ذات الأجراس تتحرك بتؤدة تحت أشجار البتولا وبجوارها حُملانٌ مكتنزة، تتزامن رنَّاتُ أجراسها الرتيبة مع إيماءاتها وهي تأكل العشب.

بدأتُ الصعود. مع كل خطوة أخطوها، كانت أوراق الأشجار تصغر سنًّا. كانت اضطرابات الهواء البسيطة التي تحدث تحت الغطاء الشجري المفتوح تصنع نسماتٍ محدودة التأثير للغاية حتى إنها لا يهتزُّ لها إلا ورقة واحدة في إحدى أشجار البتولا. أثرتُ ديكَ غابٍ كان قابعًا وسط أوراق الشجر المتعفِّنة؛ فانطلقَ مبتعِدًا وهو يُحدِث صوتًا كصوت انكسار غصن ميت، شيء بُنِّي متحرِّك صُنع من شيء بُنِّي ثابت. لم تكن به أيُّ ذرة من اللون الأخضر على الإطلاق.

صِرتُ الآن على ارتفاعٍ أعلى، وصار الجو أبرد، وساد اللون البُني المَشوب بالرمادي — كانت الأوراق تنكمش إلى داخل الأشجار. كان لأشجار الصفصاف نُوَّار ولأشجار البتولا براعمُ — أشياء غَضَّة يكسوها الفراء ليحفظ لها حرارتها. كانت هازجة صفصاف تغرِّد من شجرةٍ محاطة بالجليد — هناك في تلك اللحظة بدا الشتاء وكأنه جدارٌ انهار على الصيف ساحقًا الربيعَ الذي هو فَصْلي المُفضَّل. ظلَّ حجم الأشجار يصغر وكثافتها تقل. توقَّفتُ عند الشجرة الأخيرة. كان فيها هازجة صفصاف أخرى. بدت وكأنما تغرِّد كي تصرف ذهنَها عن الهموم، كمغامرٍ يصفِّر أمام نار مخيَّم، قلقًا من الذئاب.

ازدادت الأرضُ رطوبةً بانخفاض مستوى الغابة. تذوَّقَ حذائي ذو الرقبة العالية المُسرِّب الوحلَ، وفيما شعرتُ برشفة الماء المشوب بالخُث تنزل إلى أصابع قدمَيَّ، كشفَ شنقبٌ كبير عن نفسه، بمزيج من التخبُّط والارتباك، من رقعة رطبة من عشب سبخة بُنِّي. أصدر صوتَ تماوُج وهو يُقلِع وكأنما انتُزع من الأرض. بدا عبر مِنظاري المُكبِّر مثل أحدِ طرفَي عِراك بالوسائد. كان غطاؤه التمويهي من العشب الذابل متقَنًا للغاية حتى إنه أضفى عليه مَسحة من الانتشاء وهو ينسل بين الأشجار القزمة.

جاوزتُ آثار أقدام الطائر في الخُث، وبعد بضع خطوات خطوتُها وجدتُ نفسي أسيرُ في الجليد. في رقعةٍ منه، كانت توجد كتلةٌ متشابكة من نباتٍ خشبي جذبت إليها قافلةً شتوية من الحساسين النارية — تلك الشراشير البُنية المخطَّطة التي وُزِّعت على جبين كل طائر مهاجر منها بالتساوي نقطةٌ حمراء واحدة. كان عند سفح الجبل حساسون نارية متزاوجة تتكاثر؛ هنا بدا ذلك النوع نفسُه وكأنما تقدَّم به الزمنُ أسابيع. سرَت في جسدي القشعريرة وأنا أشاهدها تَقْتات. أثناء رحلة الصعود التي استغرقت ساعتَين سِرتُ عائدًا بالزمن إلى الشتاء. بين الشراشير، كان هناك طائر ضخم ذو عَجْز باهت اللون، وهو أول حسون ناري قطبي أراه في حياتي. تلوَّى ونفَش ريشه ساعيًا وراء الحبوب التي ينشدُها، فبدا مثل كُرة ثلج قَذِرة محبوسة في قفص من الغُصينات الميتة.

بعد خمس دقائق من الصعود صاحَبه انخفاضٌ أكبرُ في درجات الحرارة، ازداد الجليدُ على الأرض وصارت نُدَفٌ منه تتطاير في الهواء، ووجدتُ أبلقَ تبِعه آخر — زوج من أبطال الطيور المهاجرة من أفريقيا — هنا في حقلٍ من الجليد وقد بدا الزوج في أفضلِ حال. رفعتُ بصري من حيث كنت أراقبهما منبهرًا من بقائهما على قيد الحياة، فإذا بي أرى نحلة طنَّانة تحلِّق بجسدها المكسوِّ بالفراء الذي يشبه المروحية فوق الجليد.

وصلتُ إلى ممرٍّ جبلي وعبرتُ بحيرةٍ شبه متجمِّدة — مثل عينٍ متجمِّدة عمياء تتطلع إلى السماء الرمادية. لكن حتى هناك، كان يوجد حياة. خفضَ بلشون رمادي يحاول — على نحوٍ ميئوس منه وبشجاعة كما النحلة — أن يحلِّق خلال البَرَد ساقَيه وحطَّ راكضًا على الجزيرة الصغيرة التي تتوسط الجليد المنهمر، لكنه استفز بذلك هجومَ عصبة من النوارس الشائعة كانت ترقد على بيضها هناك، محاولةً أن تحتضن فراخها التي تحمل جيناتها في الجليد الكثيف الذي يذوب ببطء.

أحدث البَرَد نُقرًا في الجليد. حيث انتهت حدود الجليد، كانت الأرضُ جدباء — يكسوها اللون البُني بالكامل. وحيث كنت، كانت الأرض المنبسطة تمتد في جميع الاتجاهات. على شمالها جبلٌ أكثر ارتفاعًا، والبحر يترقرق على مسافةٍ بعيدة باتجاه الجنوب الغربي. الضوءُ المحيط رمادي لكن ساطع. والهواء بارد لكن كانت للشمس الكلمة في السطوع. لمَّا دُرتُ على عقبَيَّ متأمِّلًا قمةَ العالَم، ظهر كَركَر طويل الذنَب فوق رأسي، كان حادَّ الجناحَين وله ذنَب يشبه المِزلاج، ومُكتسٍ بدرجاتٍ من اللون البُني الداكن، ويبدو مثل صليب جبلي، أو تكوين من الحديد نحتته الريح، شيءٌ بين المِعزَقة والقضيب المانع للصواعق. صاح الطائر صيحةً واحدة، مثل نورس أسود الرأس ذي بأس. تتكاثر تلك النوارس هنا على الأراضي المرتفعة.

رأيتُ سنين مسيرتي في مراقبة الطيور تمرُّ أمامي وأنا أراقب ذلك الكركر. في شهر مايو بأحد الأعوام حين كان ابناي البالغان الآن صغيرَين، قضينا بضعةَ أيام على جزيرة كول في أرخبيل إنر هيبريدس. رأينا مرعاتِ غاب وأسماكَ قرش من نوع القرش المتشمس، ووجد ابناي أعشاشَ طيور صائد المحَار وجمعا طيور أطيش نافقة وصدَفاتٍ صغيرة زهرية اللون — تشبه أصابع قدم رضيع — من الشاطئ. وبينما كانا منهمكَين في ذلك، راقبتُ أنا كركرًا طويلَ الذنَب يحلِّق شَمالًا مبتعِدًا عن الشاطئ. بعد عام من ذلك، في شهر مايو أيضًا، عند الآثار الإغريقية في محمية تاوريس خيرسون في شبه جزيرة القرم وأثناء لقائي بجنودٍ قدامى من تتار القرم للحديث عن ترحيلهم القسري أثناء حكم ستالين، راقبتُ ثلاثة من طيور الكَركَر الطويل الذنَب تترك البحر الأسود خلفها متجهة شَمالًا — بسرعة وخفة — فوق الآثار المتهدِّمة على البَر الداخلي للجزيرة. توجد مساراتٌ سنوية معروفة لطيور الكَركَر فوق الجزء الذي يخلو من البحار في أوروبا ما بين البحر الأسود وبحر البلطيق وكذلك شَمال جانب المحيط الأطلنطي من القارة. يُحتمَل أن يكون أيٌّ من طيور الكَركَر المهاجرة تلك متجهًا إلى المرتفع الأجرد الذي أقف فيه الآن في النرويج. ها أنا ذا أنظر إلى الجانب الآخر من قصة تلك الطيور. غير أنها لم تكن النهاية. أدركتُ ذلك فيما كنت أتصوَّرها النهاية في ذهني؛ إذ لا وجود للنهايات في الطبيعة؛ وهو ما أفصح عنه الطائر أيضًا، وكان ذلك حينها هو أفضل حقيقة يمكن إدراكها على الإطلاق.

كنت قد شرعتُ في النزول — لم أكن قد بدأتُ أقتفي خُطاي بعد، بل تركتُ الممر الجبلي ونزلتُ من أرضه المستوية إلى رأس وادٍ عريض. كان يوجد على ضفتَي نهر بضعُ أشجار ثابتة عارية من الأوراق. لم يكن أيٌّ منها أطول مني. أكلتُ شطيرتي وأنا جالسٌ القرفصاء بين شجرة صفصاف وشجرة بتولا. على الضفة المقابلة من النهر، رأيتُ صغير رنَّة تسوقه أمه عبر الزروع الخضراء الخفيضة. كان لونه بُنيًّا كالسُّعد، ولون فراء أمِّه رماديًّا، مثل لونِ جليد يفوق في اتساخه لونَ الحسون الناري القطبي. تساءلتُ إن كان أيُّ كائن حي هنا يتذكَّر اللون الأخضر. الأشجار؟ ربَّما؛ فهي لم تكن ميتة. وسيدبُّ فيها اللونُ الأخضر مجددًا. انقضى الانقلاب الصيفي لكن لم يكن الربيع قد أتى بعد. لكنه سيأتي حتمًا، أليس كذلك؟

بدأت هازجة صفصاف تغرِّد عند حافة تجمُّع الزروع الخفيضة الصغيرة. كانت تلك أيضًا تحوي شيئًا من اللون الأخضر. ثم بدأ ذَكرُ هزار أزرق العُنق يغرِّد بالقرب مني. كانت أغرودته كغدير صخري من الأنغام الباردة المُزبدة. ارتفعت البُقعة الحمراء في حنجرته المغطَّاة بمَسحة زرقاء اللون وهو يغرِّد. كان يشبه زهرةً من أزهار القطب الشَّمالي، الزعفران أو الجنطيانا: شعلة اللَّهب التي تزيِّن صدره تحتفظ بالحرارة النابعة منه، التي تفوق جليد الشَّمال بأكمله دفئًا. كانت الأشجار التي يغرِّد منها لا تزال عارية من الأوراق، لكنه اختار أن يكون فيها. جاءت تلك الطيور من أفريقيا — إلى هنا، حيث يغطي الجليد ثُلث الأرض، والهواء متجمِّد والمطر يهطِل بشدة — لكنها قريبًا ستبني عُشًّا وتملؤه بالبيض.

التفتُّ لأُواصل سيري نزولًا؛ رفرفت ثلاثةُ شناقب وصهَلت فوق رأسي. بينما كنت أخطو مبتعِدًا، واصل الهزار الأزرق العُنق والحسون الناري تغريدهما. شعرتُ أنه لا يصحُّ لي الرحيل عن مثل تلك الأغرودات ومغرديها. بعد عشر ساعات استيقظتُ في سريري، وعلى الفور فكَّرتُ في تغريد هذين الطائرَين وكيف أنهما لا يزالان مستمرَّين فيه حتمًا.

نزلتُ الجبلَ بحبلٍ من أغاريد هوازج الصفصاف — تتلقَّفني إحداها وتمرِّرني بلطفٍ إلى التي تليها ثم التي تليها. كان لإحداها صوت شاذ. بدت وكأنما تردَّد صدى صوتِها وهي تغرِّد. في البداية تساءلتُ إن كانت هازجة قطبية شَمالية، لكني أظنها هازجة صفصاف لم تتلقَّ تعليمًا أساسيًّا، وربما لم تسمع أباها يغرِّد وهي صغيرة ما زالت في طَوْر التأثُّر بمحيطها، أو لم تسمع سوى صدى أغرودة طائر مجاور لها يرتد عن الصخور. جلستُ وأصغيتُ وأدركتُ أنه حيث توقَّفتُ، كان بوسعي أن أستلقي للمرة الأولى ذلك اليوم. كانت توجد صخرة جافة تصلح لأن أجلس عليها. لاءمتني وشعرتُ أنها «وثيرة جدًّا». كنت قد قطعتُ خمسة عشر كيلومترًا بالفعل. كان الماء يتفجَّر من ينبوع عند حافة الصخرة: كانت شظيات الخُث وحبَّات البلق تموج وتمور في الدلو البلوري لتلك البِركة الصغيرة، يدفعها التيار المتجدِّد النابع من أسفل؛ سقطت ورقةٌ يافعة من شجرة بتولا فيها، وظلَّت تَدور بلونها الأخضر في الماء الذي يدور كالطاحونة. وعلى مقرُبة، سمِعتُ حسونًا ناريًّا — لم أسمع نغماتِه الأربعَ المألوفةَ الشبيهةَ بنغمة السُّمنات فحسب، بل أيضًا الموسيقى الخلفية الصادرة من أسفله؛ تلك الموسيقى التي تخبِر بشيء عن شخصية الطائر التي تكمُن وراء أدائه الاستعراضي. أغرودة، مثل أغرودة قنبرة الغابات المُفضَّلة لديَّ، يفترض أن يكون لها وقْع الحُب الذي يُعبَّر عنه في صورة مَرثية. جاءت هازجة صفصاف في صمت — أظن أنها تلك التي كان تغريدها نشاذًا — إلى شتلة بتولا تنمو بين فراشي والربيع. لم تنبس بشيءٍ الآن، لكنها كانت تنبض بالحياة.

•••

لو لم أكن عاشقًا بالفعل للحميراوات، لربما ارتبطتُ بطيور الهزار الزرقاء العُنق. ذلك أن بينهما أوجهَ تشابه واضحة. تتجلَّى السمات المميزة للحميراء في صدر الهزار الأزرق العُنق وذنَبه وأغرودته. وبخلاف تلك السمات، فإنه طائرٌ ذو لون بُنِّي شاحب وأبيض ضارب إلى الصفرة له هيئة أبو الحنَّاء. تنتمي طيور الهزار الأزرق العنق إلى النوعِ نفسه — لوسينيا — الذي تُصنَّف فيه العنادل (كان يُعتقد في السابق أنها من طيور أبو حنَّاء — إريثاكوس). كما أنها ترِفُّ أذنابها المزيَّنة قُرب طرَفها بمربعَين باللون البُني المحمر، وتهتز قليلًا، لكنها لا تفعل ذلك طوال الوقت كالحميراوات. ولحناجرها (لا سيَّما الذكور التي نبت لها ريشُ طَوْر التكاثر) لونٌ أزرق لامع كبريق مَعدِن (تذكُر الكتبُ أنه الكوبالت)، وهو لون نادر في الطيور، وتزيده إبهارًا — هو باهر بحق — البقعة أو الرقعة الحمراء في منتصف ذلك البحر الأزرق الزاهي (توجد فصيلة أخرى من الهزار الأزرق العُنق لها بقعٌ بيضاء بدلًا من الحمراء). وذلك عنقها يبدو مثل فجواتٍ مفتوحة. حين تغرِّد، يبدو عنقها وكأنما ينفتح مع منقارها. يصلصِل ريشُها الأحمر والأزرق ويتهدَّج وهي تغرِّد، وكأنما هو مصنوعٌ من مادةٍ أكثرَ حِدَّة وبريقًا مما سواه من الريش، وكأنما هو أيضًا مصدرٌ لأغرودتها بجانب حنجرتها.

أغرودة الهزار الأزرق العنق أجملُ — لا سبيل لإنكار ذلك — من أغرودة الحميراء: هي غالبًا ما تبدأ البداية نفسها، صيحة «هُويت» متواضعة تشبه النداء، لكنها بدلًا من الجلجلة التي تُسمَع في أغرودة الحميراء، يوظِّف الهزار الأزرق العنق أصواتًا يلتقطها من أي طيور مغرِّدة حوله أو يستدعيها من الذاكرة كي يصنع تأثير جوقة من الأصوات. يمكنه أن يقلِّد ما يصل إلى خمسين نوعًا من الطيور، وكأنه سجلٌ للأماكن التي زارها الطائر والأصوات التي سمعها. إنه صخَبٌ عذب، ولكنه ليس على القدْر نفسه من الغضب الجنوني لأغرودة هازجة المستنقعات الناشزة المُبالَغ فيها، بل هو أكثر اتزانًا وهدوءًا. إنه يظل يغرِّد طوال النهار وطوال الليل القطبي. تضاف إلى قائمة تغريداته مصادر — غير موسيقية — غير متوقعة: إذ التُقطَت أصواتُ شنقب وترمجان الصفصاف، وطيور كَركَر طويل الذنَب، وكذلك صراصير الحقل والضفادع وأبواق القطارات. أسمعُها كمقتطفات من الربيع.

في نزهةٍ على الأقدام بصحبة كلير، إلى شرق ترومسو حيث تلتقي النرويج والسويد وفنلندا، رأينا في أجمةٍ من أشجار البتولا المُبتَلة ثلاثةً من طيور الهزار الأزرق العُنق: أُنثَيين وذَكرًا. كانت إحدى الأُنثيَين تستحِمُّ في بِركة مشوبة بالخُث عند جذور شجرةٍ يُغطيها الطحلب — بدت كالأميرة ديانا وهي تتقلَّد جوهرة. كانت جميع الألوان حاضرة: الأخضر من تحتها وفي أوراق الأشجار، والأزرق في السماء والرقعة الصغيرة في عنقها، والفضي الرمادي في أغصان البتولا، والأسود في قشور الحزاز، والأصفر في الفِطر، والأحمر في ذنَبها. تناثرت عنها قطراتُ المطر وهي تهتز فصقلت كلَّ شيء. طارت لمسافة متر أو نحوه، ورفَّت ذنَبها وهي تحطُّ، فبدا في الضوء المُنقَّط الساقط على أرضية الغابة كأنفاس ظاهرة للعيان.

ونحن ننصب خيمتنا في الليلة الساطعة نفسها، حدَّثتني كلير عن الضوء وطيور الهزار الزرقاء العُنق. قالت إنني ينبغي لي أن أفهم الضوء باعتباره مصدرًا للمعلومات. فمعظم الحيوانات تستخدمه ذلك الاستخدام (جميعُها عدا قلة من ساكني الكهوف). لون الطائر كما نراه، ربما يكون قد تكوَّن بثلاث طرق: بلون ريشه الداخلي، أو بالضوء المتاح له الانعكاس عنه، أو بجهازنا الحسي — أي الجهاز الحسي للمُستقبِل المستشعِر للضوء. تدرك الحيواناتُ المختلفة الطيفَ نفسه لكن بدرجاتٍ متباينة. فالضوءُ الذي نراه نحن يقع في نطاقٍ ضيِّق إلى حدٍّ ما على الطيف الكهرومغناطيسي، بينما تستطيع الحيوانات بما فيها الطيور والأسماك والنمل، أن تدرك الضوء فوق البنفسجي (واستقطاب الضوء — كما رأينا اليعاسيب تفعل في صحراء تشاد حينما اعتقدت خطأً أن غطاءَ محرِّك سيارتنا بِركةُ ماء).

كانت طيور الهزار الزرقاء العنق تحيا ببصرها الذي يدرك الأشعةَ فوق البنفسجية حول خيمتنا. تتكاثر طيورُ ذلك النوع في الأغلب على ارتفاعاتٍ عالية، ويظهر قبل الفجر أو في ضوء ليل منتصف الصيف الخفيت نسبيًّا في سيادة الضوء ذي الموجات الترددية القصيرة. يعكس ريش عُنقها الأشعةَ فوق البنفسجية بدرجةٍ كبيرة. يبدو لها الريش الذي يغطيها أكثرَ سطوعًا مما يبدو لنا. في العامَين ١٩٩٦ و١٩٩٧، تلاعبَ أريلد جونسن وباحثون غيره من اسكندنافيا على سبيل التجربة بألوان ريش العُنق لعدد من طيور الهزار الزرقاء العنق البرية في أوفري هيمدالين في النرويج (عند ٦١ درجة شَمالًا)، فطلَوا بعضها بكريمٍ مضاد للشمس ممزوج بزيت مُستخرَج من غُدتها الزيتية. كان النجاح التكاثري للذكور التي حُجبَت عنها الأشعة فوق البنفسجية أقل، ووُلدَ لها عددٌ أقلُّ من الأبناء، واكتسبت أبناءً أقل من شريكهم الإضافي. اللون الأزرق فيها هو حياتها؛ كلما زادَ زُرقةً كان أفضل.

في المنفسح الغابي الذي كنا نخيِّم فيه، اقترب زوجٌ من تلك الطيور، يقتاتان قبل أن يحلِّقا مبتعدَين لمسافاتٍ أكثر توغلًا في الغابة الصغيرة. قدَّمتُ لهما بعضَ الفتات من كعكة الشوفان الخاصة بي، لكنهما كانا منهمكَين في اصطياد الناموس. كان الناموس يقتات من دَمي. ربما صار دمي غذاءً لهزار أزرق العنق. كان حضور الطائرَين باهرًا في ذلك المنفسح الصغير. كان لسانُ حالهما يقول نحن حاضران هنا تمامَ الحضور، نحن مفعَمان بالحياة بحق. كانا يهزَّان ذنَبَيهما كما تفعل الحميراء، بنبضاتٍ بطيئة. أدار الذكَر عنقَه الأزرق ذا البقعة الحمراء نحوي. كان باهرًا حتى مع افتقاري إلى القدرة على إبصار الأشعة فوق البنفسجية. لم يكن الأحمر فيه رقعة واحدة، بل سلسلة قصيرة من البُقع الحمراء الشبيهة بالعِقد، وكان عنقه الساطع يلمع مثل صحنٍ هوائي أو مُستقبِل من نوعٍ ما، قادر على تجميع عالَم كامل في صحنٍ دقيق من المعدن الساخن. ظلَّ يغرِّد ويغرِّد، تتباعد ريشات عنقه الزاهية ويتباين كلٌّ منها في عكسه للضوء. راقبتُه، راقبتُ تأثيرَ الضوء على الطائر وتأثيرَ الطائر على الضوء، وقد أسرَني ذلك، أسرَني إلى حدِّ أني أصبحتُ لا أريد أن أتوقَّف أبدًا عن النظرِ إليه.

أحدُ والِدَي كلير فرنسيٌّ. وأحيانًا تُعطيني دروسًا في لغتها الأم، وكذلك في الأحياء. استلقينا جنبًا إلى جنب في منامتَينا نتحدَّث ونتطلع إلى خارج خيمتنا.

وعلى هامش حديثنا عمَّا رأيناه، أودُّ أن أذكر لكم الكلمة الفرنسية التي عادةً ما تشير بها كلير إلى اللون الأزرق اللامع لهذا الطائر، وهي كلمة Émail، المرادف الفرنسي للكلمة الإنجليزية enamel.

•••

في منتصف الليل، فوق زوج الهزار الأزرق العُنق لمنتصف الصيف، جاء سُنونو في هذا الوقت من الليل في منتصف الفصل. حلَّق في صمتٍ فوق خيمتنا. كان آخِر طائر أراه قبل أن نخلد إلى النوم وأول طائر أراه حين استيقظنا في الضوء نفسه اليوم التالي. بالطبع حلَّق إلى مكانٍ آخر بينما كنا مستغرقَين في عالَم الأحلام، لكنه كان موجودًا هنا مرة أخرى فوق رأسَينا. وصلَ إلى هنا في نفس وقت وصولي. وبهذا بلغت رحلتي من رأس الرجاء الصالح إلى رأس الشَّمال تمامَها، وحلَّ ربيعي.

هوامش

(١) من مقاطعة مونتسريك جاءت منحوتة ثلاثية الأبعاد نُحتَت بدقة ترصد ببراعةٍ ذَكر رنَّة يسبح خلف أنثى. يرجع تاريخ صنْعها طبقًا لقياسات التأريخ بالكربون المشع إلى ١٣٠٠٠ عام (ما يكافئ حوالَي ١٥٠٠٠ سنة تقويمية)، وتُعَد أقدم منحوتة ضمن مجموعة معروضات المتحف البريطاني.
(٢) في وصفه لصوت جوزفين المغنية، كتبَ فرانز كافكا دون قصد وصفًا بارعًا لأغرودة قنبرة الغابات. «تحمل لمحةً من طفولتنا الفقيرة القصيرة شيئًا من السعادة المفقودة التي لا سبيل إلى استعادتها مجددًا، لكنها تحمل أيضًا شيئًا من الحياة الحاضرة المزدحمة، من مسراتها البسيطة، التي لا يُلتفَت إليها، ومع ذلك فهي حقيقية ولا يمكن إخمادها.» (ترجمة مايكل هوفمان.)
(٣) كان كلير يعلم بوجود طيور الزرزور هناك طوال العام، وهي طيور تتكاثر، ويعلم كذلك بتدفُّق الحشود الودودة لتلك الطيور المهاجرة الزائرة في الخريف وخروجها وقت الربيع، وكتبَ عن «حشود الزرازير التي تعتِّم الضوء الكَدِر».
(٤) كذلك الخرائط — هي «كلمة» نحتاج إليها لوصف سمة «موجودة» بالفعل لدى الحيوانات. دافيد إبرام: «لن تكون طيور الكركي والفراشات بحاجة ماسة إلى تمثيل لسطح الأرض؛ إذ لم تنسلخ قط عن الحضور المكتنف للأرض الواسعة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢