الفصل الرابع

تعلُّم الرياضيات

من الحقائق التي يسهل إغفالها أن الشريحة الأكبر من ممارسي الرياضيات في المجتمع الحديث ليسَتْ مؤلَّفة من البالغين، ولكن من تلاميذ المدارس. وفي أي مكان في العالم، من المرجح أن يقضي الطفل — المحظوظ بما يكفي كي يتلقَّى تعليمًا — وقتًا لا بأسَ به في تعلُّم الرياضيات، وفي البلاد المتقدِّمة، يُقدَّر هذا الوقت بنحو ساعتين أو ثلاث في كل أسبوع دراسي، لمدة عشر سنوات أو يزيد.

في ضوء هذا، ليس من قبيل الدهشة أن نتذكَّر أن تضمين الرياضيات في مناهج الدراسة هو ظاهرة حديثة؛ ففي نحو عام ١٦٣٠، على سبيل المثال، لم يكن جون واليس — الذي شغل فيما بعدُ منصبَ أستاذ كرسي سافيل للهندسة في أكسفورد — قد تعلَّمَ الحساب في المدرسة ولا في كامبريدج، ولكنْ من أخيه الأصغر الذي كان يدرس بغرض العمل في التجارة، وبعد ثلاثين عامًا كان صامويل بيبس — العالي الذكاء والثقافة، الذي درَّسَ أيضًا في كامبريدج، وكان عضوًا في مجلس الأسطول — يكافح حتى يتعلَّم جداولَ الضرب. وعلى الرغم من ذلك، كان تمرير المعرفة الرياضية إلى قلةٍ على الأقل من الجيل التالي يُعتبَر عملًا مهمًّا في معظم المجتمعات المتحضرة.

من شأن دراسةِ ما كان يجري تدريسه، والكيفية التي كان يجري تدريسه بها، أن يخبرنا الكثير عن جوانب الرياضيات التي كانت تُعتبَر ملائمةً، والأغراض التي كانت تهدف إليها. في هذا الفصل سنتناول حالتَيْ دراسة، لدينا وثائق جيدة نسبيًّا عنهما: فصل مدرسي في نيبور في جنوبي العراق، في وقت سابق على عام ١٧٤٠ قبل الميلاد، وآخَر في أكاديمية جرينرو في مقاطعة كمبريا بشمال إنجلترا بعد عام ١٨٠٠ ميلاديًّا بقليل.

فصل مدرسي بابلي

كانت مدينة نيبور القديمة — التي كانت تقع في أهوار الفرات بين مدينتَيْ بغداد والبصرة الحاليتين — مركزًا دينيًّا مُهمًّا، وبُنِيت حول معبد مخصَّص للإله إنليل. ومثل الأديرة في أوروبا العصور الوسطى فيما بعدُ، كانت معابد بابل تتلقَّى هباتٍ ماديةً، وأراضيَ وعمالة، وهكذا احتاجت إلى كتَّاب متمرِّسين، يمكنهم أن يتولَّوْا الحسابات المكتوبة. وكان الأطفال الذين قُدِّر لهم امتهان هذه المهنة، التي كان يجري توارُثها على الأرجح في العائلات، يبدءون تدريبهم مبكرًا.

ثمة منزل صغير من الطين والآجُرِّ في نيبور، يُعرَف الآن باسم «المنزل F»، يبدو أنه ربما كان إحدى المدارس المتعددة لتعليم الكتابة في المدينة. بُنِي المنزل F بالقرب من معبد للإلهة إنانا، في وقت تالٍ لعام ١٩٠٠ قبل الميلاد، واستُخدِم كمَدرسة قبل عام ١٧٤٠ قبل الميلاد بزمن وجيز. ومثل كل المنشآت من الطين والآجُرِّ، احتاج إلى الصيانة المنتظمة، وبعد التوقُّف عن استعماله كمَدرسة، أُعِيد بناؤه للمرة الرابعة أو الخامسة؛ في هذه العملية استخدم البنَّاءون مئات الألواح المدرسية المهمَلة وأدمجوها في أرض الحجرات والحوائط، وأثاث المنزل الجديد. كما وُجِدت ألواح أخرى مدمَّرة جزئيًّا مختلِطة مع كميات كبيرة من الطمي غير المستعمَل في صناديق.
عندما كان المنزل F يُستخدَم كمَدرسة، كان مقسَّمًا إلى ثلاث حجرات داخلية أو أربع، وفناءَيْن، واحتوى الفناءان على مقاعد طويلة وصناديق. للأسف لا نعرف أسماء الطلاب أو أعمارهم، الذين ربما لم يتواجد أكثر من واحد أو اثنين منهم في الوقت نفسه، ولا نعرف عددَ المرات التي كانوا يأتون فيها للدراسة أو مدةَ الدراسة نفسها؛ ومع ذلك، فإن طريقة استخدامهم للألواح مكَّنَتْ متخصِّصي الكتابة المسمارية من إعادة بناء مناهجهم الدراسية.
كثير من ألواح المنزل F كان مسطحًا من أحد الجانبين (الوجه)، ومستديرًا قليلًا من الجانب المعاكِس (الظهر). يحتوي الجزء الأيسر من الوجه على نَصٍّ نموذجي كَتَبَه مدرِّس، بينما كُتِبت نسخةُ التلميذ على الجانب الأيمن. يحتوي الظهر المستدير للَّوح على فقرات أطول من مادةٍ دُرِّست قبل ذلك، أُعِيدت كتابتها بغرض التدريب، أو ربما كاختبار للذاكرة. ومن نحو ألف وخمسمائة لوح من نيبور من هذا النوع، كلُّ واحد يحتوي على مادة «أقدم» وأخرى «أحدث»، استطاع نيك فيلدهويس في تسعينيات القرن العشرين أن يستخلص نظامًا متسقًا للمناهج الأساسية، بدايةً من تقنيات الكتابة الأساسية وانتهاءً ببدايات اللغة السومرية الأدبية. وبعد أن طبَّقَتْ إليانور روبسون التقنيةَ ذاتها على نحو مائتين وخمسين لوحًا مشابِهًا من المنزل F، استطاعت عمل الشيء نفسه مع منهج الدراسة في المنزل F؛ ومن ثَمَّ اكتشفَتْ موضعَ الرياضيات داخله.

كانت خطوات الطالب الأولى هي تعلُّم التقنيات الصحيحة لكتابة العلامات المسمارية، ومَزْجها معًا لتشكيل أسماء شخصية. بعد ذلك كانوا يتعلَّمون الكلمات المكتوبة من خلال قوائم للكلمات، مبتدئين بالأشجار والأشياء الخشبية؛ ثم القصبات، والآنية، والجلد، والأشياء المعدنية؛ ثم الحيوانات، واللحوم، والأحجار، والنباتات، والأسماك، والطيور، والثياب، وهكذا دواليك. يُقدَّم للتلميذ بعض المفردات الرياضية، مع مقاييس لِسَعَة القوارب، وأوزان الأشجار والأحجار، وأطوال قصبات القياس. تظهر وحدات مقاييس وموازين أخرى أيضًا في قوائم مخصَّصة للأوزان والمقاييس فيما بعدُ.

بعد ذلك، كان من المتوقَّع من الطالب أن يحفظ عن ظهر قلب قوائمَ أعداد عكسية (أزواج أعداد تُضرَب حتى العدد ٦٠)، وأكثر من عشرين جدولَ ضربٍ قياسيًّا. إن قائمة الأعداد العكسية، على سبيل المثال، يمكن أن تبدأ على النحو التالي:

٣٠ ٢
٢٠ ٣
١٥ ٤
١٢ ٥
١٠ ٦
٣٠ ٧ ٨
٤٠ ٦ ٩
٦ ١٠
٥ ١٢
(في «الحساب الستيني»، الذي ما زلنا نستخدمه للساعات والدقائق والثواني، ٣٠ : ٧ يكافئ ، و٤٠ : ٦ يكافئ .)

تطلَّبت جداول الضرب ذاكرةً جيدة؛ على سبيل المثال: إن جدول الضرب ﻟ ٤٠ : ١٦ كان يبدأ على النحو التالي:

٤٠ ١٦ ١
٢٠ ٣٣ ٢
٥٠ ٣
٤٠ ٠٦ ١ ٤
٢٠ ٢٣ ١ ٥

وقد قُدِّر أن التلميذ قد يحتاج إلى نحو عامٍ كي يتعلَّم مجموعةً كاملة من الجداول بجانب تمارين مدرسية أخرى. عند هذه المرحلة، يبدأ التلاميذ أيضًا في كتابة جُمَل سومرية كاملة، بعضها يحتوي على وحدات مقاييس وموازين دُرست قبل ذلك.

فقط بعد كل هذا، ولأنهم تعلَّموا أيضًا اللغة السومرية الأكثر تقدُّمًا، يبدأ الطلاب في تنفيذ حساباتهم الذاتية للأعداد التبادلية، والأعداد العكسية، وليس من جداول قياسية. يحتوي أحد الجداول «المتقدِّمة» القليلة من المنزل F بعض الحسابات المستخدَمة لإيجاد معكوس العدد ١٧ ٤٦ ٤٠ (الإجابة: ٣ ٢٢ ٣٠). هذه الحسابات مكتوبة على لوح يحتوي أيضًا على مقتطف من عمل أدبي معروف باسم «نصيحة المشرف للكاتب الشاب»، يتضمَّن بعض السلوكيات الأخلاقية، المبنية على ذاكرة المشرف نفسه، عندما كان طالبًا شابًّا:
قفزت مثل عود واثب، وبدأت في العمل.
لم أفارق إرشادات أستاذي،
لم أبدأ عمل أشياء وفق إرادتي.
كان معلمي شديد الابتهاج بعملي في المهمة الموكلة إليَّ.
معظم النصوص المتقدِّمة من المنزل F لم تكن رياضية، وإنما كانت مؤلَّفات أدبية، مثل «نصيحة المشرف». لكن الكثير منها احتوى على مراجع لاستخدامات المعرفة بالقراءة والكتابة، والحسابات العددية، في الإدارة الصائبة للمجتمع. وتقول سطور من ترنيمة إلى الإلهة نيسابا — الإلهة الراعية للكتاب — تمتدحها لإسباغها العطايا على الملك:
قصبة واحدة وحبل قياس من اللازورد،
عَصَا قياسٍ ولوح كتابةٍ يعطي الحكمة.

حجرة مدرسية في كمبريا

أَسَّس جون دراب أكاديميةَ جرينرو في عام ١٧٨٠، عند سيلوث على الساحل الشمالي الغربي لإنجلترا، جنوب الحدود الاسكتلندية بأميال قليلة. ومثل المدرسة في المنزل F في نيبور، كانت أكاديمية جرينرو أشبه بمؤسسة عائلية. كان والد دراب، المعروف باسم جون درابر، قد أدار فيما مضى مدرسةً في وايتهافن، على بُعْد ثلاثين ميلًا إلى الجنوب على الساحل نفسه. كانت مدرسة وايتهافن تهتم بموضوعات مرتبطة ﺑ «التجارة والملاحة»، وقد نشر درابر كتابَيْن مدرسيَّيْن كي يستعملهما تلاميذُه: «رفيق الجيب للطالب الشاب، أو: الحساب والهندسة وحساب المثلثات وفن القياس، محسوبة لتقدُّم الشباب في المدرسة» (١٧٧٢)، و«النظام الكامل لفن الملاحة» (١٧٧٣). وعندما تُوفِّيَ داربر في عام ١٧٧٦، ورث ابنه كتبَه، وأَجْهِزَتَه الرياضية، وبعضَ ممتلكاته، مما أمكنه من تأسيس أكاديمية جرينرو بعد سنوات قليلة. وبعد وفاة دراب نفسه في عام ١٧٩٥، انتقلت العناية بالمدرسة إلى فردٍ آخَر في العائلة؛ جوزيف سول، وهو قريب لزوجة دراب، وقد بقي مسئولًا عن المدرسة لنحو خمسين عامًا. لقد توسَّعت مناهج الدراسة لتتضمن الإغريقية والإسبانية، ودراسات متعلِّقة بالكتاب المقدس، لكنَّ أكاديمية جرينرو، مثل أمها في وايتهافن، استمرَّتْ في التأكيد الشديد على الدراسات الرياضية.

لم تجتذب المدرسة البنين من المنطقة المحلية فقط، وإنما من كل مكان في إنجلترا، بل حتى من بلاد ما وراء البحار. كان بالإمكان تسجيل أطفالٍ في التاسعة، بل سُجِّل مرةً طفلٌ في السادسة، كما تَعلَّمَ أحيانًا هناك شبَّان في أوائل العشرينيات من أعمارهم؛ لكنْ في المتوسط، تراوحَتْ أعمار معظم التلاميذ هناك بين أربعة عشر وخمسة عشر عامًا. تُظهِر سجلات عام ١٨٠٩ أن أحد أصغر التلاميذ كان يُدعَى رولاند كوبر (عمره أحد عشر عامًا)، بينما أحد أكبر التلاميذ كان جيمس إيرفنج (عمره ثلاثة وعشرون عامًا)، كانَا يدرسان منهجَ الدراسة الأساسي نفسه في اللغة الإنجليزية، والكتابة، والحساب. كذلك دَرَسَ معظم الأولاد الآخَرين الرسمَ، وتعلَّموا إما الفرنسية وإما اللاتينية، مع نطاق واسع من الموضوعات الرياضية. إن منهج الدراسة الذي اتبعه جون كولمان (وكان عمره خمسة عشر عامًا) كان نموذجيًّا: الإنجليزية، والفرنسية، والكتابة، والرسم، والحساب، والهندسة، وحساب المثلثات، وفن القياس للمساحات والحجوم، والمساحة، ومسك الدفاتر، وحساب المثلثات الكروية، والفلك، والميكانيكا، والجبر، وإقليدس. من الموضوعات الرياضية الأخرى التي كان يمكن تقديمها: الساعة الشمسية، والقياس، والتحصين. أما جورج بيت (وكان عمره ستة عشر عامًا)، فيبدو أنه كان يملك قدرةً استثنائيةً؛ إذ أخذ دروسًا في القطاعات المخروطية، والتغيُّر المستمر (حساب التفاضل والتكامل بالشكل النيوتوني).

ومع ذلك فنحن محظوظون لأننا نملك من جرينرو أكثر من مجرد قوائم بالموضوعات؛ فقبل أن يُتوفَّى المعلم الرياضي جون هيرسي في عام ٢٠٠٥، كان قد جمع أكثر من مائتَيْ دفتر دراسي لمادة الرياضيات، كتبها تلاميذُ المدارس في كل مكان في إنجلترا وويلز بين عامَيْ ١٧٠٤ و١٩٠٧. لم تكن هذه كتبَ تمريناتٍ بالمعنى الحديث؛ التلاميذ لم يبدِّدوا أوراقًا غالية ليتمرَّنوا على مسائل متشابهة مرات ومرات، بدلًا من ذلك، فإنهم أدرجوا بعنايةٍ أمثلةً نموذجية لمسائل قياسية، وبهذا أَنْشَئوا لأنفسهم مجموعةً من الأمثلة المحلولة، التي يمكن أن يحملوها معهم لحياتهم المستقبلية. كثير من الأمثلة كان مأخوذًا من كتب مدرسية مبسطة في ذلك الوقت، وعلى وجه الخصوص من كتاب «مرشد المعلم» لفرانسيس ووكينجهام (الطبعة الأولى عام ١٧٥١)، ولكن من المؤكَّد أن هناك كتبًا أُخرى ابتكَرَها المدرسون أنفسهم لتلاميذهم.

fig4
شكل ٤-١: الصفحة الأولى لدفتر روبرت سميث الرياضي، أكاديمية جرينرو، ١٨٣٢.
تتضمَّن مجموعة هيرسي خمسة دفاتر مدرسية للتدريبات الرياضية، ملأها روبرت سميث في عامَيْ ١٨٣٢ و١٨٣٣ (انظر الشكل ٤-١). خلال هذين العامين، ملأ روبرت نحو ألف وسبعمائة صفحة بأمثلة رياضية، وبهذا تكون لدينا صورة مفصلة تمامًا عمَّا كان يدرسه. لم تكن هذه الكتب أول ما كتب روبرت؛ لأنه كان قد تجاوَزَ بالفعل العمليات الأولية للجمع والطرح والضرب والقسمة. إن أقدم كتاب باقٍ، من عام ١٨٣٢، يبدأ ﺑ «قاعدة الثلاث»؛ هذه كانت القاعدة التي مكَّنَتْ عددًا لا يُحصَى من أجيال الطلاب، من الإجابة عن أسئلة مثل: عدد من الرجال يحفرون قناة في عدد من الأيام، كم يومًا يحتاج العدد من الرجال حتى يؤدوا العمل نفسه؟ سُمِّيت هذه القاعدة هكذا لأنه يوجد بها ثلاث كميات معلومة ، ومنها يجب أن نجد الكمية الرابعة (الإجابة). لا بد أنَّ أصل المسألة ظهر في الهند، ومن المحتمل أنها انتقلت إلى الغرب مع الأعداد الهندية؛ كانت العملية شائعةً في الكتب الحسابية الإسلامية والأوروبية لقرون.
كانت قاعدة الثلاث تُدرَّس بالاستظهار؛ فطالب المدرسة الإنجليزي في القرن التاسع عشر لم يكن متوقَّعًا منه أن «يبدأ بعمل الأشياء وفق إرادته»، كما كان حال سابقيه من الطلاب البابليين. وفي المثال أعلاه يجب أن يُعلَّم الطالب أنه يجب أن يضرب في ويقسم الناتج على لإيجاد الإجابة الصحيحة. ولكن بالطبع كانت هناك دائمًا تنويعات للإمساك بالطالب الغافل؛ فقد كان على روبرت سميث أن يتعلم قاعدة الثلاث المباشرة وقاعدة الثلاث المعكوسة، وقاعدة الثلاث المزدوجة. هذه الموضوعات جاءت بعدها، ضمن أشياء أخرى، موضوعاتٌ أخرى مثل المقايضة والفائدة وقاعدة المشاركة (المشاركة في الربح)، والكسور العامة، والكسور العشرية، والمتواليات الحسابية والهندسية. يتناول دفتر آخَر — يبدو أنه كُتِب في العام نفسه — قائمةً مشابِهةً من الموضوعات، بادئًا بقاعدة الثلاث، ومنتهيًا بالمتواليات والنظام الاثنَيْ عشريٍّ. يبدو أن الدفترين قد كُتِبَا على التعاقُب؛ لأن روبرت نفسه قد رقَّمَهما بالمجلد ١ والمجلد ٢، وليس واضحًا سبب تكرار تناوُله المادة مرتين.
كثير من أمثلته مأخوذ من ووكينجهام، وهنا — على سبيل المثال — واحد من مثالين اثنين فقط على التباديل (والثاني على عدد التغييرات التي يمكن أن تُقرَع على ١٢ جرسًا):

يأتي شاب إلى المدينة من أجل زيارة مكتبة جيدة، وقد اتفق مع مَن يوفر له المسكن على أن يعطيه أربعين جنيهًا إسترلينيًّا مقابل الطعام والسكن، وذلك طوال الفترة التي يستطيع فيها وضع أفراد عائلته (التي تتكوَّن من ٦ أفراد عداه هو نفسه) في مواضع مختلفة كلَّ يوم على العشاء. ما المدة التي يمكنه أن يمكثها لقاء هذه الأربعين جنيهًا؟

كتب روبرت الحلَّ الصحيح (١×٢×٣×٤×٥×٦×٧ = ٥٠٤٠ يوما) مباشَرةً بعد السؤال، ولكن بعدها، متبعًا ووكينجهام في هذه النقطة عن كثب، انتقل مباشَرةً إلى الكسور العامة.

يحتوي دفترَا الحساب اللذان وضعهما روبرت نحو عام ١٨٣٢ على نحو تسعمائة صفحة. وبالإضافة إلى ذلك، ملأ نحو خمسمائة صفحة أخرى في دفتر ثالث بعنوان «الهندسة وحساب المثلثات والقياس والمساحة»، يحوي بعضَ الرسوم التخطيطية الجميلة التي يبدو أنها حظيت بالتشجيع في جرينرو (انظر الشكل ٤-٢).
fig5
شكل ٤-٢: مسألة في حساب المثلثات، مشروحة ومجاب عنها من جانب روبرت سميث، أكاديمية جرينرو، ١٨٣٢.
الدفتر التالي، الذي كُتِب على صفحة العنوان الخاصة به «الحساب، تأليف روبرت سميث، جرينرو ١٨٣٣»، يدور حول «أسئلة عملية على قواعد عامة». إن المسائل المعروفة باسم «فواتير الطرود» لها أهمية خاصة؛ لأن التلاميذ كانوا يضعون غالبًا أسماءهم والتواريخ الحاضرة بدلًا من تلك التي كان يطرحها ووكينجهام. تبدأ فاتورة روبرت الأولى على النحو التالي:
جرينرو، الثالث عشر من يوليو ١٨٣٢.
السيد توماس ناش.
اشتراها من روبرت إس سميث.
٨ أزواج من الجوارب الصوفية بسعر ٤ سوليدي و٦ ديناري لكل زوج ١ جنيه ١٦ سوليدي ٠ ديناري
٥ أزواج من الخيوط نفسها بسعر ٣ سوليدي و٢ ديناري لكل زوج ١٥ سوليدي و١٠ ديناري

تتواصل تواريخ أخرى على فواتير أخرى من يوليو ١٨٣٢ حتى أغسطس من العام نفسه، وهو ما يشي بأن روبرت ربما ملأ هذا الدفتر في عام ١٨٣٢، ولكنه لم يبدأه في ١٨٣٣ وإنما أنهاه آنذاك، وهو التاريخ المدون على صفحة العنوان. يظهر اسم توماس ناش في موضع آخَر في نهاية دفتر روبرت الأول، وبالتوازي مع اسم شخص يُدعَى روبرت ريد، وهو ما ينمُّ عن أنهما ربما كانَا مدرِّسَيْه؛ ويظهر روبرت ريد مرةً أخرى في العملية الحسابية التالية:

١٨ ياردة من الشرائط الناعمة بسعر ٠ جنيه و١٢ سوليدي و٣ ديناري للياردة ١١ جنيهًا و٠ سوليدي و٦ ديناري
٥ أزواج من القفازات الجلدية الرقيقة بسعر ٢ سوليدي و٣ ديناري لكل زوج ١١ سوليدي و٣ ديناري

وهكذا.

اكتمل الدفتر الثاني في عام ١٨٣٣ وكان عن «قياس الجوامد»، وتضمَّنَ حسابات معقَّدة عن حجوم ومساحات سطوح المجسمات المنتظمة الخمسة (رباعي السطوح، والمكعب، وثُماني السطوح، واثني عشري السطوح، وعشريني السطوح)، كما تضمَّنَ حسابات مماثلة لتلك التي يستخدمها بنَّاءو الآجُرِّ والبنَّاءون والنجارون وصنَّاع الأردواز والدهَّانون ومركبو الزجاج والسباكون وآخرون، مع الوحدات المناسبة التي يستخدمها كلُّ واحد منهم؛ على سبيل المثال: تَعلَّمَ روبرت أن الدهَّانين يقدِّرون مساحات «ألواح تغطية الحوائط والأبواب ومصاريع النوافذ» بالياردة المربعة، ولكن «يجب دائمًا استقطاع مساحات المدافئ والفتحات الأخرى».

للأسف، نحن لا نعرف كم كان عمر روبرت عندما فعل كل هذا، ولكننا نستطيع أن نرى أن سنواته في جرينرو منحته تعليمًا رياضيًّا نظريًّا وعمليًّا محكمًا.

الفتيات

تردَدْتُ في إدراج قسمٍ يعامل مجموعة من الناس تشكِّل نصف الإنسانية وكأنها قلة، ولكن لا مفرَّ من حقيقة أنه طوال معظم تاريخ معظم المجتمعات لم يكن يُعتقَد أنه من الضروري — أو من الملائم في واقع الأمر — تعليم الفتيات، وبالتأكيد ليس في مجالاتٍ مثل الرياضيات أو العلوم؛ ولهذا فإنه ليس مستغربًا ملاحظة أنه كان هناك عدد قليل جدًّا من النساء المشتغلات بالرياضيات، تمامًا مثلما كان هناك عدد قليل من النساء الكاتبات أو المحاميات أو الطبيبات حتى زمن قريب. هذه الحالة لا بد أنها تركت عددًا لا يُحصَى من آلاف النساء الذكيات مُحبَطات إلى حدٍّ ما. وعلى الرغم من ذلك، كان هناك من حينٍ إلى آخَر بعض النساء اللائي أُعطِين فرصةَ تعلُّمِ الرياضيات، أو خَلَقْنَ لأنفسهن هذه الفرصةَ.

من أمثلة تلك النسوة أولئك اللاتي كنَّ يمتلكن من الثراء ووقت الفراغ ما يمكِّنهن من دراسة ما يَشَأْنَ. من الأمثلة المبكرة لهذا الإمبراطورةُ الصينية دينج، التي أخذت دروسًا في اﻟ «سوان شو» في نهاية القرن الأول الميلادي. وعلى غير المعتاد في هذه الفترة، تعلَّمَتْ على يد امرأة أيضًا، تُدعَى بان زهاو. بعد ذلك بفترة طويلة، في أربعينيات القرن السابع عشر، تلقَّتْ إليزابيث أميرة بوهيميا، وكريستينا ملكة السويد، دروسًا من ديكارت، وإنْ كانتا على الأرجح أكثر اهتمامًا بالفلسفة من الرياضيات. وبعد قرن، كان الأوروبي الرياضي الأشهر، ليونهارت أويلر، قد كتب أكثر من مائتَيْ خطاب عن الرياضيات والموضوعات العلمية إلى أميرة أنهالت دساو، ابنة شقيق فريدريك الكبير ملك بروسيا، وقد نُشِرت هذه الرسائل بالفرنسية والروسية والألمانية وأخيرًا بالإنجليزية تحت عنوان «رسائل إلى أميرةٍ جرمانيةٍ»، ولا تزال تُطبَع إلى يومنا هذا.

لكن الطريق الأكثر شيوعًا لتعلُّم الرياضيات بالنسبة إلى المرأة العادية، كان أن يعلِّمها والدها أو زوجها أو أخوها؛ على سبيل المثال: في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، كان هناك كاتبتان من النساء في مدينة سيبور البابلية؛ وهما الأختان آنانا أماجا ونيج نانا. يبدو أنهما تعلَّمَتَا المهنة على الأرجح من والدهما، آبا تابوم، الذي كان كاتبًا هو أيضًا. وبعد ألفَيْ عام تلقَّتِ الإمبراطورة دينج وأشقاؤها أولَ تعليمهم من والدهم، على الرغم من أن أمهم، فيما يبدو، كانت ترى أن هذا تبديد لوقت الفتاة. كانت بان زهاو، المعلمة اللاحقة للإمبراطورة، أخت العالِم بان جو، وقد فهمت عملَه بدرجة كافية مكَّنَتْها من استكماله بعد وفاته، بما في ذلك رسالة عن التنجيم. ربما كان أشهر زوج مكوَّن من أب وابنته في الرياضيات هو ثيون وهيباتيا في آخر القرن الرابع بالإسكندرية، لكن لم تصل إلينا أية كتابات مباشِرة من هيباتيا نفسها، بل لدينا فقط روايات ثانوية عن حياتها وموتها الذي اكتنفته أساطير كثيرة.

استمرَّ تعليم البنات داخل أُسَرهن إلى بدايات الحقبة الحديثة. كتب جون أوبري في سبعينيات القرن السابع عشر عن صديقه السابق إدوارد دافينانت، قس جيلينجهام في دورست، ذاكِرًا حبَّه للرياضيات، على الرغم من أنه «بسبب كونه كاهنًا، كان غير راغب في أن يطبع أعماله؛ لأن الدنيا لا ينبغي أن تَعْلَم كَمْ قضى فيه من وقت كثير.» إن دافينانت لم يُدرِّس الجبر لأوبري نفسه فحسب، وإنما لبناته أيضًا:

كان مستعِدًّا دائمًا أن يدرِّس ويرشد. لقد كان صاحبَ الفضل عليَّ؛ إذ كان أول مَن علَّمني الجبر. كانت بناته متخصِّصات في الجبر.

في الحقيقة، إننا ندري ماذا علَّمَ إدوارد دافينانت ابنتَه الكبرى؛ آن، فيما يتعلَّق بالجبر؛ لأنه في عام ١٦٥٩ نسخ أوبري، الحريص على تسجيل كل الشئون الإنسانية، مذكرات آن. لقد وُلِدت آن قبل عام ١٦٣٢ (هذا تاريخ ميلاد أختها الأصغر كاثرين)، وتزوَّجَتْ أنطوني إتريك في عام ١٦٥٠، وهكذا فإنه من المحتمل أنها تدرَّبَتْ على الجبر في بواكير أربعينيات القرن السابع عشر. وقد عُنْوِنت نسخة أوبري من عملها كالآتي:

نَسختُ هذا الجبر من نسخة السيدة آن إتريك، الابنة الكبرى لدكتور دافينانت، المتخصِّص البارع في المنطق.

إن المسائل الواردة في بداية مذكرات آن — وكذلك اللغة اللاتينية التي كُتِبت بها — مماثلة لتلك التي يدرسها أي مبتدئ شاب؛ على سبيل المثال: في واحدة منها، كانت بعض الفتيات يتجولن حين برز شاب وحيَّاهن باللاتينية: «مرحبًا أيتها العذارى الاثنتا عشرة.» وقد أجابت إحدى الفتيات في التو، وباللاتينية أيضًا: «إذا ضُرِب عددُنا في خمسة، فسيزيد عددنا عن الاثنتي عشرة مثلما يقلُّ عددنا الآن عن اثنتي عشرة.» كم كان عدد الفتيات؟ بعد صفحات متعدِّدة نجد آن تحل مثالًا وضَعَ صيغته الخوارزميُّ في بغداد، وحلَّه قبل ذلك بثمانية قرون: ما العدد الذي إذا ضُرِب في ٦، ثم أُضِيف إليه ١٦، كان الناتج مربع العدد نفسه؟ (بالرموز الحديثة: ). وأخيرًا، فإنه بالقرب من نهاية المذكرات، أصبحت كلٌّ من اللغة اللاتينية والرياضيات أكثر نضجًا. وتأتي المسألة الأخيرة من كتاب «الحساب» لِديوفانتس: اقسمْ ٣٧٠ إلى مكعبين، جذراهما عددان صحيحان مجموعهما ١٠. كانت آن قادرة على أن تُظهِر أن الإجابة هي ٧٣ زائد ٣٣. لقد اختيرت الأعداد في المسألة بعناية حتى تكون الإجابة سهلة، ولكن المسألة تكون مستحيلة إذا حلَّ مكعبٌ كامل محلَّ العدد ٣٧٠، وهو ما كان فيرما — الذي وضع نظريته في الوقت نفسه تقريبًا — بصدد اكتشافه في تولوز البعيدة.

حتى مرور سنوات عديدة من القرن الثامن عشر، كان من المرجح أن تتعلَّم الفتياتُ الرياضياتِ فقط إذا كنَّ يتمتعنَ بمكانة اجتماعية أو بآباء على اتصال بهذا المجال، كما هي الحال بالنسبة إلى الإمبراطورة دينج وآن دافينانت. استفادت صوفي جرمين، وهي واحدة من الشخصيات الرئيسية التي حقَّقَتْ تقدُّمًا في نظرية فيرما الأخيرة، من الأَمْرَين؛ فقد وُلِدت في عائلة غنية ومتعلِّمة في باريس عام ١٧٧٦، وكانت في سن الثالثة عشرة بالضبط عندما اندلعت الثورة الفرنسية؛ وبينما كانت قابعةً في دارها، كانت تروِّح عن نفسها بالقراءة في مكتبة أبيها، واكتشفت الرياضيات، وهو موضوع لم يظن أبواها في البداية أنه ملائِمٌ لها، بَيْدَ أنهما استجابَا لها بعدما أحسَّا إصرارها. وعندما كانت في الثامنة عشرة استطاعت الحصول على مذكرات المحاضرات من المدرسة المتعددة التكنولوجية المُفتتَحة حديثًا، وعلى الرغم من عدم السماح لها بحضور المحاضرات، فقد قدَّمَتْ أعمالها تحت اسمٍ مستعارٍ؛ السيد لوبلان، إلى واحد من أكبر أساتذة المدرسة؛ جوزيف لوي لاجرانج. بعد ذلك بأربعة أعوام راسلَتِ الرياضي الألماني الكبير كارل فريدريش جاوس، مرةً أخرى تحت الاسم المستعار نفسه لوبلان. وإحقاقًا للحق، استمرَّ كلٌّ من لاجرانج وجاوس في الإعجاب برياضياتها وشجاعتها، حتى بعدما اكتشفَا هُويَّتَها الحقيقية. لقد ناضلت صوفي ضد الصعاب معظمَ حياتها؛ إذ لم يُتَحْ لها قطُّ نوعُ التعليم الذي قد يتاح لفتًى له مثل موهبتها، وكان عملُها تشوبه الأخطاء وعدم الاكتمال. لم تتقلد صوفي قطُّ أيةَ وظيفة رسمية؛ ومع ذلك، فبعد وفاتها في عام ١٨٣١، علَّقَ جاوس بأنها كانت جديرةً بالحصول على مرتبة شرف من جامعة جوتنجن؛ واحدة من أهم مراكز الرياضيات في أوروبا.

كثيرًا ما تصوِّر المقالات أو الملصقات التي تدور حول موضوع «النساء في الرياضيات» كلًّا من هيباتيا وصوفي جرمين، لكن للأسف ليس لأنهما نموذجان لزمانَيْهما ومدينتَيْهما، ولكنْ لأنهما ليستا كذلك. إن النساء غير البارزات مثل بان زهاو وآن دافينانت يُعْدَدْنَ، إجمالًا، أكثرَ تمثيلًا لواقع النساء في مجال الرياضيات والتعليم الرياضي.

بحلول القرن التاسع عشر تَحسَّنَ موقف الفتيات ببطء في أوروبا الغربية، عندما بدأْنَ يستفدن بأعداد كبيرة من التعليم في المدارس الابتدائية. لا تحتوي مجموعةُ هيرسي إلا على دفاتر قليلة كتبتها فتيات، ولكن الدفاتر تمنحنا نظرةً على نوعية الرياضيات التي كانت تُدرَّس للفتيات في مختلف مدارس إنجلترا وويلز.

fig6
شكل ٤-٣: الصفحة الأولى لدفتر تدريبات آن ويتمان، بتاريخ العشرين من أكتوبر ١٨٣٤.
في عام ١٨٣١، العام الذي سبق بداية تدوين روبرت سميث دفاترَه المذكورة أعلاه في جرينرو؛ عملَتْ إليانور ألكسندر، في مدرسة فيرووتر في وادٍ بشمال نيوبورت في جنوب ويلز، على مسائل الاختزال (مثلًا: «حوِّلْ ٣٠ جنيهًا و١ سوليدي و إلى فاردنج»)، وقاعدة الثلاث (مثلًا: «إذا كان ثمن ١٧ ياردة من القماش هو ٣ جنيهات و١٠ سوليدي، فكم يكون ثمن ٦٥ ياردة؟») بلغ عدد صفحات الدفتر ١٢٧ صفحة، وتألَّفَ فقط من هذين النوعين من المسائل. وبعد ثلاثة أعوام، بدايةً من أكتوبر ١٨٣٤، شرعت آن ويتمان في آبلتون-لو-مورز، بالقرب من يورك، في دراسة كتاب «مرشد المعلم» لِووكينجهام (انظر الشكل ٤-٣). كل تدويناتها الأولية مؤرَّخة، وبهذا نعلم أنها قَضَتْ في تعلُّم الجمع البسيط حوالي عشرة أيام، ولكنها أمضت شهرًا كاملًا في عملية الضرب، وبعد أعياد الميلاد عملت على الجمع المركَّب (النقود، وقياس القماش، وقياس الأرض، وقياسات الجعة والمِزر، وأشياء أخرى)، وفي نهاية مارس وصلت إلى فواتير الطرود. في حالتها، ذهبَتْ أزواجُ الجوارب الصوفية الثمانية إلى السيدة دبليو إم جي أتكينسون (ربما كانت معلمتها)، بينما اشترى السيد هنري ويتمان (ربما كان والدها أو أخاها) ١٥ ياردة من الساتان. وفي أبريل ١٨٣٧، وصلت إلى «التمرين»، وهو طريقة معتمَد عليها لمعرفة كسور الأوزان القياسية والمقاييس (انظر الشكل ٤-٤). انتهى دفترها بعد مائتين وخمسين صفحة في العاشر من مايو ١٨٣٧، وهو الوقت الذي وصلت فيه في دراستها كتابَ ووكينجهام إلى موضوع الفائدة المركَّبة، وبهذا فقد أتمَّتْ فيما يقلُّ عن ثلاث سنوات، ما أتَمَّه روبرت سميث في ثلاثة أشهر، لكنه مع ذلك مقدار محترم من الرياضيات.
بعد عشرين عامًا، درست إليزابيث أترسول من ستينفيلد في لينكونشير هي الأخرى كتابَ ووكينجهام، من الجمع المركَّب إلى قاعدة الثلاث (مثلًا: «إذا كان ثمن ثلاثة أرطال من البن هو ١ جنيه و١ سوليدي و٨ ديناري، فماذا يجب أن يُدفَع مقابل ٢٩ رطلًا و٤ أوقية؟») وفي حالتها، ذهبت ثمانية أزواج من الجوارب الصوفية إلى السيدة تشابل في الثاني والعشرين من أكتوبر عام ١٨٥٠. ومع ذلك، كان الحال مختلفًا قليلًا بالنسبة إلى الآنسة آي نورمان في أكاديمية السيد إنجلسون، في شارع دورست في هولم بمانشستر عام ١٨٦١؛ كان دفترها مطبوعًا عليه اسم المدرسة، على ورق أزرق باهت، ومزوَّدًا بهوامش مكوَّنة من خطين مُسطَّرين لونهما أحمر. على الصفحة الأولى كتبَتِ الآنسة نورمان: «حساب متقدِّم.» ولكنها للأسف لم تتقدَّم كثيرًا؛ فكلُّ صفحة من صفحات الدفتر الستين مليئةٌ بعمليات ضرب أو قسمة الجنيهات والشلنات والبنسات (مثلًا: «ماذا يجب عليَّ دفعه لقاء ٤٧٦٧ ياردة من القماش، إذا كان سعر الياردة ديناري؟») وبعد عام درست إليزابيث داوسون من مدرسة كارشيلد في نورث أمبرلاند قاعدةَ الثلاث دراسةً مكثَّفة، وتدرَّبت كثيرًا على «التمرين»؛ فمثلًا: لإيجاد «قيمة ٧٢٣٤ ياردة، بسعر ٦ سوليدي و٨ ديناري للياردة الواحدة»، فإنها استخدمَتْ حقيقة معروفة لكل طفلِ مدرسةٍ إنجليزيٍّ قبل عام ١٩٧١، وهي أنَّ ٦ سوليدي و٨ ديناري يساوي جنيه إسترليني. ومع ذلك، فقد كان أقلَّ سهولةً إلى حدٍّ ما بالنسبة إليها إيجادُ تكلفة ٦٥ قدمًا و بوصات، بسعر ٣ سوليدي و ديناري للقدم.
fig7
شكل ٤-٤: واحدة من الصفحات الأخيرة في دفتر تدريبات آن ويتمان، بتاريخ الثاني عشر من أبريل ١٨٣٧.

بدايةً من أبريل عام ١٨٦٦، قضَتْ إيزابيلا لاند — وهي تلميذة في مدرسة بريطانية متوسطة في بولتون-لو-ساندز في لانكشير (أُسِّسَتْ أولًا للبنين فقط) — أكثر من عام لتتقدَّم من الجمع البسيط إلى قاعدة الثلاث. وبعد ذلك التاريخ بعام، ملأت الآنسة جي جونز، من مدرسة روبستون هول المتوسطة للبنات في جلوسستر، تدريجيًّا عشرين صفحة من الفواتير، ذهبت فيها ثمانية أزواج من الجوارب الصوفية إلى الآنسة جنكينز في يوليو عام ١٨٦٨.

إن دفاتر الفتيات المختارة أعلاه هي بعض تلك الدفاتر التي نعلم عنها اسم صاحباتها والمدارس والتاريخ، ومن دون المزيد من الأبحاث لا يمكننا أن نفترض أنها ممثِّلة للحال وقتها؛ بَيْدَ أنها تنمُّ عن أن تعليم الرياضيات للبنات كان له تأكيدٌ عملي (لا وجودَ لإقليدس هنا)، وفوق ذلك، فإنه وفق المعايير الحديثة كان التقدُّم أحيانًا بطيئًا للغاية ويتَّسِم بالتكرار. ومع ذلك، فإن الفتيات اللائي كَتَبْنَ هذه الدفاتر كُنَّ مثقَّفاتٍ ويُحْسِنَّ العدَّ والسردَ، خاصةً إذا ما قُورِنَّ بنظيراتهن في الأجيال السابقة.

لكن من أجل الانتقال من الرياضيات الابتدائية إلى التعليم الجامعي، تَطلَّبَ الأمر قوةً خاصة للشخصية. وسننهي هذا القسم بعَقْد مقارَنةٍ بين امرأتين تمكَّنَتَا من الوصول إلى أعلى المراكز المهمة في نظامَي التعليم في بلدَيْهما؛ وهما لورا فيليب من اسكتلندا، وفلورينتيا فونتوكلي من اليونان.

كانت فلورا فيليب واحدةً من أوائل النساء اللاتي تخرَّجْنَ في جامعة إدنبرة عام ١٨٩٣، ولكنها كانت قد التحقَتْ بالجمعية الرياضية قبل ذلك بسبع سنوات. لم يكن معظم تعليمها في الرياضيات العليا مكتسَبًا في الحقيقة من الجامعة، ولكن من جمعية إدنبرة للتعليم الجامعي للمرأة. أُسِّست هذه الجمعية عام ١٨٦٧ لتقدِّم تعليمًا يفوق مستوى التعليم المدرسي للنساء، موازيًا لذلك الذي تقدِّمه الجامعةُ للرجال. ومنذ وقت مبكِّر تضمَّنَتْ مقرراتُ المحاضرات في الجمعية مادةَ الرياضيات، على الرغم من بعض المعارَضة من أولئك الذين اعتبروها «خارج نطاق اهتمام السيدات تمامًا». كان الهدف تدريس الرياضيات نفسها كما تُدرَّس في الجامعة، ولكنْ لأنَّ نساءً كثيراتٍ أُعدِدْنَ إعدادًا سيئًا في تعليمهن المدرسي الابتدائي، لم يكن المستوى الذي وصلْنَ إليه مرتفعًا كما في مقررات الجامعة قطُّ؛ ومع ذلك، تعلَّمْنَ الهندسة الإقليدية والجبر وحساب المثلثات والقطاعات المخروطية. كان عدد النساء اللائي يَدْرسن المقررات صغيرًا جدًّا، ومع ذلك أفاد أحد المحاضرين بأن: «حماسة ومثابرة الطالبات تعوِّضان عن صِغَر الأعداد تعويضًا مضاعفًا.» فيما بعدُ، قُدِّم مقرَّر أكثر تقدُّمًا، ومنه تأهَّلَتْ فلورا فيليب بنجاح في عام ١٨٨٦، وهو العام نفسه الذي التحقت فيه بالجمعية الرياضية في إدنبرة. وفي عام ١٨٩٣ مُنِحت درجتها من الجامعة، وكانت وقتَها تُدرِّس بالفعل لبعض الوقت في مدرسة سانت جورج للبنات، وهي مدرسة أسَّسَتْها الجمعية. في العام نفسه تزوَّجَتْ، وبعد ذلك انسحبت من الحياة الأكاديمية والجمعية الرياضية في إدنبرة.

أما عن السيرة الذاتية لفلورينتيا فونتوكلي، فقد وُلِدت في عام ١٨٦٩ في أثينا، وجرت حياتها في خطوط متوازية متعددة مع فلورا؛ فبينما كانت فلورا تَدرُس الرياضيات بالجمعية في إدنبرة في ثمانينيات القرن التاسع عشر، كانت فلورينتيا فونتوكلي تدرس دبلومة معلم المدرسة من مدرسة أرساكيون النظامية للبنات في أثينا، وبعد ذلك منح مجلس مدارس أرساكيون فلورينتيا اعتمادًا ماليًّا لدراسة علم أصول التربية في برلين لمدة عام، وبعدئذٍ طلبت مدًّا لتحصِّل درجةً من زيوريخ في الرياضيات، لكنَّ المجلس رفَضَ. (على الجانب الآخَر، فإن أخاها ميخائيل أصبح رياضيًّا، وعمل فيما بعدُ في هامبورج.) عادت فلورينتيا لتُدرِّس في مدرسة أرساكيون في كورفو، خلال السنوات نفسها التي كانت فلورا تُدرِّس فيها في مدرسة سانت جورج. وفي عام ١٨٩٢ حين قُبِلت فلورا عضوًا في جامعة إدنبرة، قُبِلت فلورينتيا عضوًا في قسم الرياضيات بجامعة أثينا، وكانت أول امرأة تنال هذا الشرف. لكن على النقيض من فلورا، يبدو أنها لم تتخرَّج فيها. بدلًا من ذلك، استمرت في التدريس في مدرسة للبنات في أثينا، أسَّسَتْها مع صديقتها إيرين بيناري. في عام ١٨٩٩، كانت توقِّع باسم فونتوكلي-سبينللي؛ مما يوحي بأنها ربما تزوَّجَتْ من لودفسكي سبينللي، وهو مدرس، لكن ليست الحقائق المحيطة بهذا الأمر جليةً. وللأسف، في السنوات الأخيرة من تسعينيات القرن التاسع عشر، قبل أن تبلغ الثلاثين من عمرها، بدأت صحتها تتدهور، وذهبت لتعيش في إيطاليا، حيث ماتت عام ١٩١٥.

كان على كلٍّ من فلورا وفلورينتيا أن تناضل كي تُحصِّل نوعَ التعليم الذي أرادَتْه، وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت جامعتا إدنبرة وأثينا متقدِّمتين على جامعات أخرى؛ فجامعة كامبريدج لم تمنح العضوية الكاملة للنساء حتى عام ١٩٤٧.

التعليم الذاتي

حتى قرنين ماضيين من الزمان، لم يتلقَّ أيَّ نوع من التعليم الرياضي، سوى عدد قليل من الفتيات في أي مكان في العالم، وحتى بالنسبة إلى الفتيان فإن تعليم الرياضيات الإجباري يُعَدُّ ظاهرةً حديثةً نسبيًّا. وفي إنجلترا في القرن السابع عشر، كما رأينا في حالة واليس وبيبس، كان من الممكن إكمال الدراسة العادية والجامعية حتى نهايتها دون تعلُّم الكثير من الرياضيات؛ ولهذا كان أولئك الذين يتمتعون باستعداد خاص أو ميل للموضوع في أحوال كثيرة، يعلِّمون أنفسهم تعليمًا ذاتيًّا بالأساس. هذه كانت حالة فيرما، الذي تَعلَّمَ بعضًا من أكثر الرياضيات تقدُّمًا في زمنه، مِن كُتُبٍ امتلكها والد صديقه إتيان ديسبانيه في بوردو. هذه أيضًا كانت حالة إسحاق نيوتن، أحد أعظم الرياضيين في القرن السابع عشر؛ ربما تَعلَّمَ نيوتن شيئًا من الرياضيات الأولية في مدرسته المتوسطة في جرانثام في لينكونشير، ولكنه تعلَّمَ أكثر كثيرًا جدًّا من خلال قراءته الذاتية كطالب في كامبريدج في ستينيات القرن السابع عشر؛ وبعد سنوات عديدة وصَفَ لصديقٍ له كيف أنه قرأ هندسةَ ديكارت، التي أُعِيد نَشْرها باللاتينية قبل ذلك بسنوات قلائل. كثيرٌ من الناس يدركون صعوبةَ قراءةِ أيِّ نصٍّ رياضي جديد غريب، وقلةٌ قليلة منهم سيضاهون نيوتن في عناده وإصراره الذاتي الدافع.

لقد اشترى كُتُبَ هندسةِ ديكارت وقرأها بنفسه، وعندما كان ينتهي من صفحتين أو ثلاث صفحات، لم يكن يستطيع أن يفهم أبعد من ذلك، عندئذٍ فإنه كان يبدأ مرةً أخرى وينتهي بعد ثلاث أو أربع صفحات أبعد، إلى أن ينتهي إلى موضعٍ صعبٍ آخَر، وعندئذٍ يبدأ مرةً ثالثة ويتقدَّم إلى موضع أبعد، ويستمر في عمله إلى أن يتقن فهْمَ كلِّ ما قرأه.

نحن نعلم من مخطوطات نيوتن الباقية أنه تَقدَّمَ بطريقة شبيهة في نصوص معاصرة أخرى، وأنه عمل على المادة التي وجدها فيها ليبتكر رياضياتٍ تجاوزَتْ كثيرًا ما أنتجه أيٌّ من سابقيه.

وفي القرن السابع عشر، وإلى حدٍّ ما في القرن الثامن عشر، كان الشخص الذي لديه دافع كافٍ، لا يزال يستطيع أن يقرأ ويتعلَّم من معظم ما كان موجودًا من الأدبيات الرياضية المكتوبة. وحتى في بداية القرن التاسع عشر، تمكَّنَتْ صوفي جرمين من تعليم نفسها بعضًا من أهم الرياضيات المتقدِّمة في زمنها، ولكنها كانت تنتمي إلى آخِر جيل كان هذا الأمر ممكنًا بالنسبة إليه. وبحلول القرن العشرين، لم يَعُدْ ذلك ممكنًا إلا لعباقرة ذوي مواهب رياضية ممتازة تمامًا مثل رامانجن؛ الرياضي الهندي الذي علَّمَ نفسه. أما أندرو وايلز، فإنه بالتأكيد لم يعلِّم نفسه؛ إذ انتظم لسنوات عديدة في التعليم الرسمي، وحتى أكثر الموهوبين في الرياضيات يحتاج الآن لهذه السنوات من الدراسة للتعرُّف على بعض المسائل والتقنيات والاصطلاحات في هذا الفرع من المعرفة. إن الرياضيين «الهواة»، عندما كان بمقدور أي شخص تقريبًا أن يصوغ مسألة فاصلة مثل نظرية فيرما الأخيرة، قد ولَّى زمنهم منذ بعيد.

ومع ذلك، فإنه من حين إلى آخَر، يستمر الكتاب في ابتكار روايات خيالية عن أفراد تمكَّنوا من تعلُّم الرياضيات من كتابات شخصٍ آخَر، وكانوا جيدين بدرجة كافية لفهم أعماله والتوسُّع فيها. إحدى هذه القصص هي «السيدة أينشتاين»، ومؤلفتها آنا ماكجريل، وأخرى مسرحية أحدث بعنوان «برهان» لمؤلفها ديفيد أوبورن؛ في كلتَيْهما كانت البطلة ابنةً لعالِم رياضيات (رأينا هذه الصورة سابقًا في الحياة الواقعية) تمكَّنَتْ من تعليم نفسها إلى مستويات عالية للغاية بفضل أعمال والدها. لكنْ للأسف، حقيقة الرياضيات الحديثة هي أن مثل هذه الأعمال الفذَّة صارت الآن غيرَ ممكنة تمامًا.

لماذا نتعلم الرياضيات من الأساس؟

في ضوء الكمية الهائلة من الطاقة البشرية التي بُذِلت على امتداد قرون في تعليم الرياضيات وتعلُّمها، قد يبدو من المستغرب قليلًا أن نسأل: «لماذا؟» إلا أن الإجابات عن هذا السؤال اختلفت اختلافًا كبيرًا على مر الزمن. إن النصوص السومرية التي ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، توضِّح أن القدرة على القراءة والكتابة والتعامُل مع الأعداد كانت من الأمور الأساسية للإدارة القوية للمجتمع، على الرغم من أن هذا ربما يبدو إلى حدٍّ ما أمرًا مثاليًّا بعيد المنال، في نظر الأولاد الجالسين على المقاعد الطويلة الضيقة في أفنية المنزل F.

وبعد ألفَيْ عام، كان أولاد في أعمار مقاربة يتعلَّمون في مدارس المِعْداد في إيطاليا القرن الثالث عشر — مثل نظرائهم البابليين القدماء — كيفيةَ التعامُل مع الأعداد، والأوزان والمقاييس، ولكنْ لأسباب مختلفة؛ فليس الهدف هو صالح المجتمع ككلٍّ، وإنما أن يكونوا أفرادًا أكثر قدرةً على إجراء المعاملات التجارية التي من المتوقَّع أن ينخرطوا فيها. وتظهر مرة أخرى قيمةُ المهارات الرياضية للأفراد في مقدمة الكتاب «الطريق إلى المعرفة» لروبرت ريكورد، بما فيه من قائمة طويلة للحِرَف المميزة والمِهَن التي تتطلَّب معرفةً بالهندسة.

لكننا نلمح في كتابات ريكورد سببًا آخَر فوق ذلك لدراسة الرياضيات؛ أَلَا وهو شحذ الذاكرة، وجعل العقل أكثر تيقُّظًا. لم يكن ريكورد أول مَن أوصى بهذا؛ فهناك بعض المسائل الرياضية الصعبة تُنسَب إلى المعلِّم ألكوين في القرن الثامن، وعنوانها «مسائل ألكوين لشحذ عقل الشباب». واستمرت منذ ذلك الحين فكرةُ أن الرياضيات يجب تدريسها من أجل تحسين قدرة المرء العقلية، شأنها شأن اللغة اللاتينية أو اليونانية. فعلى أي حال، الرياضيات مطلوبة للحياة اليومية العادية أساسًا للحفاظ على الوقت والحساب، ومن المحتمل أن أغلب الناس يكتسبونها بنهاية مرحلة الطفولة. قلة من الناضجين هم مَن يحتاجون إلى استخدام نظرية فيثاغورس أو حل معادلات الدرجة الثانية، أو تنصيف زاوية، ولكن الجميع تقريبًا تعلَّموا ولو مرةً أن يفعلوا هذا. يرى البعض، وأنا منهم، أن تعلُّم لغة أجنبية أو دراسة التاريخ لهما الأثر نفسه من حيث تشجيع تنمية وتطوير الذاكرة والتفكير والاستنتاج والتحليل، ولكن مثل هذه الموضوعات لم تكتسب قطُّ مقامَ الرياضيات، وهي في الوقت الحاضر موضوعات اختيارية أكثر منها موضوعات إجبارية في مناهج المدارس البريطانية.

ربما كانت الأقدمية المطلقة للرياضيات هي التي جعلتها ذلك الجزءَ المتكامِل من كلِّ تعليم حديث للطفل. أيضًا من الثابت أن كلَّ مَن يريدون الوصول إلى أقصى تخوم الموضوع، عليهم — مثل الموسيقيين الشباب — أن يبدءوا من صِغَرهم وأن يتدرَّبوا بانتظام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤