في أفريقيا

وصَلْنا زنجبار وقمنا بجولة في ضواحي المدينة، وهي غابة كثيفة تَشقُّها الطرق التي تعلو وتهبط وتتلوَّى في تعقيدٍ كبير، وأظهر الشجر النرجيل والمانجو، وقد دخلتُ مزارع القَرنفُل بأشجاره الكبيرة في خضرة مصفرَّة، وثمره يَنمو في عناقيدَ مِن براعمَ متجاورة، يعلوها زهر كأنه الوبر، ثم تحمرُّ البراعم وتُقطَف ثم تُجفَّف، وكنا نرى البيوت كلها تَنشرُه على الحُصْر أمام الأبواب، وفي كثير من الجهات تقوم مصانعه، وكنا نمر ببعض مصانع «الكبرا»، وفيها يُجمَع النرجيل ثم يُعرَّى عن قشوره وأليافه ويُحطَّم لُبابه ويُشحَن إلى الخارج لاستخراج زيوته. ومن الشجر الغريب هناك شجرة فاكهة الخبز، ذات ورق في حجم ورق الموز، ولكنه مُخرَّم ومُسنَّن في وسطه وأطرافه، وثمرتها في حجم الشمام الكبير، إلا أنها أكثرُ تفَرْطُحًا وأضيقُ في وسطها، وظاهرها خشن محبَّب وباطنها مادة نشوية يُتخَذ منها الدقيق، وقيل إن ست شجرات منها تمون عائلة كاملة بما تحتاج إليه من الخبز طوال العام. إلى ذلك نبات «الكسافا، أو الماهوجا، أو التابيوكا»، ويبدو كالكروم على بُعد، فإنْ دانَيتَه بدا أعوادًا معقَّدة في طول قامة الرجل، إذا اقتلعتَ العود من الأرض خرجَت معه مجموعة من جذورٍ في حجم طويل، ومادتها نشوية لبنية لمسًا وطعمًا، ويأكلها القوم طازَجة ومطبوخة، وما زاد عن محصولها جُفِّف فأضحى خفيف الوزن هشًّا، إذ سُحق بِيعَ دقيقًا، وهو من أهم المواد الغذائية في شرق أفريقيا، وحيث يكثر يَزيد السكان، ويُقال إنه أرخص المواد التي تُستخرَج منها الكحول، كل ذلك الإنتاج النباتي يتعهَّده ويقوم على خدمته نساءُ السود. سِرنا طويلًا خلال تلك المزارع الكثيفةِ النَّبت والشجر، وبين آونةٍ وأخرى كانت تَنكشف وِهادٌ تغَصُّ بالبيوت الريفية، تُقام من أعواد الغاب المتقاطعة تُطلى بالطين، وتُغطَّى بجدائلَ من خوص النرجيل. والناس مسلمون ولُغتهم سواحلية، على أن النساء سافرات يَلبسن دِثارًا فضفاضًا خفيفًا، ألوانه زاهية، ويُعلِّقن في آذانهن أقراطًا من ورقٍ ملوَّن مَثنى وثُلاث ورباع، وبعضها في حجم نصف الريال، وسحنهن أجمل من سائر السود اللاتي رأيتُهن إلى آخر شرق أفريقيا جنوبًا، ولون القوم أخفُّ سوادًا، مما يُشعِر بتأثير الدم العربي فيهم جميعًا. وأعجب ما نرى حفلات الرقص القومي يتمايَلون خلاله بشكلٍ مُضحك، تَصحبُهن قرعات الطبول الأفريقية الضخمة، وكأنها البراميل المستطيلة تُدَقُّ من جانبَيها.

figure
بعض نساء السواحليِّين من المسلمات.
figure
إحدى جميلات دار السلام.

وكم يَروقك منظر السيدات في موزمبيق، وهن يَسِرن في ملاءات خفيفة من أسفل الجسد إلى وسط الصدر في وجوهٍ مُنكَرة، يَزيدها قُبحًا أن الكثير منهن يُلطِّخن الوجه كلَّه بعجينٍ أبيض بحيث لا ترى منه إلا عينين برَّاقتين، وتلك آية التجميل لديهم. والسيدة إذا سارت بدا تقوُّسها في انتفاخ عَجُزها إلى الوراء وصدرها الكاعب إلى الأمام في شكلٍ مُضحك. دخلنا السوق في باكورة الصباح، فكان القوم مِن السُّود نساءً ورجالًا يَفترشون سِلَعهم، وبخاصة موادَّ الغذاء والفاكهة على مَناضدَ من حجر، وتسمع جلَبتَهم وهم يُساوِمون الباعة، وبخاصة النساء بصدورهن البارزة وأعجازهن المنتفخة، وعلى ظهورهن يَربِطن أطفالهن وكأنهن صغار القِرَدة. وكانت تسترعي نظري رءوسُهم بشعرها الفُلفلي وناصيتها المدبَّبة وجَبهتها المشطورة المتحدِّرة. وجلُّ هؤلاء السود من شعوب البانتو يَسودون جنوب أفريقيا كلها، وأغنياء الزعماء عند البانتو يتزوَّجون أكثرَ من سيدة، والزوجة الأولى تُسمَّى زوجة اليد اليمنى، والثانية زوجة اليد اليسرى، وهناك الزوجة العُظمى، وابنها وارث الملك، وهذه الزوجة تأتي متأخِّرة في العادة؛ ولذلك غلبَ أن يتولَّى الوارث الملك طفلًا تحت وصاية عمه أو أحد أقربائه، وقد كان هذا من أسباب كثرة المنازعات، خصوصًا عند ما يبلغ الصبي الراشد ويتسلَّم مهام الملك.

figure
حسناء عربية من أهل زنجبار، وقد أرْخَت قناع «البراكوا» على عيونها، وشعَّ منديلها عطر الورد المحبوب.
figure
سيدات الكيكويو يلبسن إزارًا من جلد.

أما أولاد الزوجتين اليُمنى واليسرى فيُعطَوْن رجالًا وقطعانًا ليُؤلِّفوا عشائرَ جديدة تنضم للقبيلة؛ ولذلك صعب على الأوروبيِّين هناك أن يقفوا على مقرِّ السلطة وصاحب النفوذ الحقيقي منهم، فقد يُمضون مُعاهدة مع رئيس، ويظهر لهم أن الباقين ليسوا مُرتبِطين بها لا هم ولا ورثته بعد موته. وكان يُوقِف استبدادُ الزعيم برعاياه سهولةَ نظام التبنِّي والتحوُّل من عشيرة لأخرى، فإن استبدَّ هجَروه وانحازوا إلى رئيسٍ غيره. وتَكثر بينهم المناظرات التي هي في أوروبا أساس البرلمانات، وللنساء هناك قدرةٌ مدهِشة على استماع تلك المناظرات؛ ولذلك كان من نصيب المرأة عند البانتو أن تَزيد في ثروة اللغة من ناحية التعابير الموسيقية الجذابة، ولكي يَجتنب النساءُ ذِكر أسماء المذكور من أقرباء أزواجهن؛ كان لِزامًا عليهن أن يخترعن كلمات جديدة، واليوم نرى بين نساء الزولو — أشدِّ قبائل أفريقيا رجعية — لغةً خاصة بهن، مجموع كلماتها نحو خمسة آلاف كلمة. وفي أقصى الجنوب الغربي حول صحراء كلاهاري شعوب البشمن أو «واق الواق» وكأنهم القِرَدة، أولئك الذين عاشوا مع سائر الحيوان قبل أن يَخلق الله الإنسان من الطين، وللناس الحقُّ إن اعتقَدوا بأنهم غير آدميِّين، فهم أبعدُ الناس عن الآدميين لقِصَرهم «فهم دون خمس أقدام»، ولشعرهم المنفوش، ولآذانهم التي لا شحمة لها، ولوجوههم المثلَّثة عديمة اللِّحى وكأنها وجوه الثعالب، وكانت عيونهم غائرة تحت حواجبَ مُشرِفة بارزة، وكانت سُوقهم الدقيقة وأقدامهم الصغيرة تبدو وكأنها لا تكاد تحمل بطون الرجال المنتفخة، ولا الثدي الهادل والعَجُز الضخم للنساء. وكانوا رُعاة ينتقلون في عشائرَ عددُ الواحدة ٣٠٠ على الأكثر، يقودهم زعيم كأنه القائد الحربي. والروابط العائلية كانت واهية بينهم، يتزوجون أكثرَ من واحدة، وشُبَّانهم يقتتلون من أجل الحصول على الزوجات، ونساؤهم وَقورات، وروابط الزوجية منحلَّة أيضًا، فلا يكاد الطفل يستقيم على سُوقه حتى يَهيم على هواه، والمسنُّون والمرضى يَهجرهم ذَووهم؛ لأنهم عبء لا يستطيع الانتقال. ويجاورهم شعوب الهوتنتوت في شعرهم الجعد الصوفي وشفاههم الغليظة وأنوفهم الفَطْساء، ولونهم يَقرب من ألوان الأوروبيين، وهم يُزينون شعرهم بالوَدْع والنُّحاس. وكلا الجنسَيْن يلبس جلود الأغنام، يلامس صوفُها الجسدَ شتاءً، ويكون من الخارج صيفًا. بيوتهم نصف دائرية، ومن الحصر والعصِي، وهم وسطٌ بين العصرَين النُّحاسي والحديدي، وعلى ذلك فهُم يتقدَّمون البشمن بمراحل، استخدَموا النُّحاس بكثرة، والحديدَ على قِلَّة، وهم رُعاة قبل كل شيء، ويقع عمل الرعاية على الرجال، وإعدادُ اللبن والغذاء على النساء، وليس هناك مِن رابطة بين القبائل، ويُسيطر على القبيلة رئيسٌ وراثي. على أن الثروة لديهم أهمُّ من الزِّعامة، وأغنياؤهم يتزوجون بأكثرَ من واحدة، ولا يُعنَون بالمسنِّين والمرضى.

figure
يستعرض زوجاته التسع راقصات في أوغندة.
figure
الأم في زيها القديم، والغادة في زيها الحديث في كامبالا.

وعجيب أن الحكومة تَجْبي ضرائبَ على الراشدين من السود؛ فكل واحد يدفع جنيهًا في العام ونصف جنيه عن كل زوجة من زوجاته، وقد شجَّعَت تلك الضريبة على العمل اليدوي، وإن عاكسَت تعدُّد الزوجات كثيرًا.

وفي مقاطعة كنيا تُقْطِعهم الحكومةُ الأراضيَ مجانًا مقابل دفع ضريبة بسيطة، لا على الفدَّان، بل على الكوخ الواحد بمعدَّل جنيه ونصف في العام. ولَمَّا كان الرجل منهم يتزوج أكثرَ من واحدة — إذ الغالب لا يقل عن خمس نسوة — اضطُرَّ أن يدفع الضرائب مضاعفة بقدر ما يمتلك من بيوت، وهذا ما يَدفع أولادهم إلى العمل لكي يَحصلوا على ما يَسُدُّون به تلك الضرائب وعلى أمهار زوجاتهم، وفيما عدا ذلك لا حاجة لهم بالمال. ومن قبائل تلك المنطقة: الكيكويو، يَسيرون عرايا نساءً ورجالًا إلا في إزار مِن جلد يتدلَّى من أمام ومن خِلاف إلى الرُّكبتَين، وهو مفتوح الجوانب غيرُ منتظم الأطراف، ولا يرَون عيبًا في ظهور كل أجزاء الجسد عارية، فكأنه أمر طبيعي. وترى النسوة يلبَسْن في السوق الحِجال من النحاس أو الفضة في أساورَ أو ثعابين، قد تبلغ العشرين، بعضها تحت بعض أسفل الركبة وعند العُرقوبَين لغير المتزوجات، وفي الأرذع دون الأرجل للمتزوجات، ويُعلِّقن حلقاتٍ ملونةً كبيرة من الخرز تحت الأذن بشريط من خرز يُلَف على الجبهة ويُربَط في قوف الآذان، لِيُساعدها على حمل تلك الأوزان، وشحمة الأذن تُخرَق وتُشحَذ، فتَتسع لحلقة في حجم الريال الكبير، تعلوها أخرى، وثالثةٌ أصغرُ منها، ثم تَخترقها قِطَع من خشب أسطوانية الشكل، إلى ذلك عقود الخرز العدَّة، وكثير من الرجال يفعل ذلك أيضًا أما الرءوس فتُحلَق ناعمة. وترى النِّسوة يسِرن طوال الطريق وهُن يُعلِّقن وراء ظهورهن أحمالًا من الحطب أو المتاع أو الأطفال في قطعة من جلد، يرفعها شريط يمر بأعلى الجبهة، وإلى جانبها يتدلَّى إناء من جلد به مزيجُ الذرة وجذور التابيوكا كأنها البطاطا في طُعمٍ كالعجين. وهم يخافون آلة التصوير خصوصًا نساءهم؛ خشية أن يؤثر فيهن سحرُها أثرًا سيئًا، وكنتُ كلما رأيتُ جمعًا منهن أَعرض «الفتوغرافية» لهن مُداعبةً، فكُنَّ يَصِحن ويُولوِلن ويَضطرِبن في مَرأًى مُضحِك. وهم كلما شعروا بضعفٍ في إنتاج أرضهم للذُّرة والبطاطا لجَئوا إلى غابة جديدة، فأحرَقوها واستنبَتوا مكانها، حتى أتلَفوا مساحاتٍ شاسعةً من الغابات هناك؛ لذلك بدأَت تمنع الحكومة ذلك، وتعمل على إعادة استنبات الأشجار. والكيكويو وثنيُّون في عقائدهم كثيرة الخرافات، ومن عاداتهم خِتان الفتيات دون الذكور، وقد سرَت منهم تلك العادةُ إلى الكثير من السود في حدود السودان، وهم في الختان لا يَكتفون بقطع الزائدَين (الشفرتَين) فحسب، بل وما حولهما، ثم يُربَط الفَخِذان أيامًا، فيَلتحم طرَفَا الجرح ويُسَدُّ المكان كله، عدا موضع غابةٍ رفيعة توضع وسط الجرح وتُحرَّك قليلًا في كل يوم، فإذا اندمل الجرح لم يترك إلا ثقبًا ضئيلًا هو موضع تلك الغابة، وعند الزواج يُحاول الزوج فضَّها، فتُحمل إليه الزوجة في بيته وأهلها من حولها، ويُحاول الزوج ذلك، فإن صاحت أخَذوها منه إلى بيتهم على أن تُعاد في الليلة التالية، ويُعاد ذلك حتى يَستطيع فضها! والقبيلة التي تتزعَّم الناسَ جميعا: المساي، والنساء يُغطِّين أجسادهن بأطواق النُّحاس في البطن والخصر والسُّوق والسواعد والرقاب في أوزانٍ مُبهَظة، ولا تُعَد السيدة من النبيلات إلا بكثرة تلك الأطواق. ومِن أسوأ عاداتهم تخضيب حِراب المقاتل الحديث بدماء الغير، ولا يَزال بعضهم يُهاجِم الغرباء ويقتلهم رغم تحريم القانون لذلك، والنساء هُنَّ اللاتي يُشجِّعنهم على ذلك؛ لأنهم يُسخِّرن جماعات من كل مقاتلٍ لم تُخضَّب حَربتُه، ومن حفلاتهم قبل التخضيب أن يُصارِع الفتى ثورًا أو أسدًا يظل يومًا كاملًا يُطعِمه القوم اللبن ويَسقونه الخمر، ويتبارى الكل في حفلٍ، ويحاول كلُّ فتًى أن يُمسِك بالثور الثَّمِل السكران من قرنه الأيمن، وسرعان ما يُلقي بالثور على الأرض ويَسلخه حيًّا، ويقطع الجلد إلى سيور يتزيَّن بها الفِتيان جميعًا حول العُرقوبَين والرُّسْغ.

figure
هل يُعادل استمتاع هذه الزَّنجية بتلك الزينة ما تُعانيه من آلام؟
figure
الخَصر الأهيَف والشفاه الممدودة عند نيام نيام.
figure
القوام الممشوق لنساء أوغندة وقد ستَرْن العورة بحُزمة من عشب ليس غير.
figure
ما أقسى ما يعانيه القوم في تجميل شفاههم هكذا.

والمساي يُجِلُّون الحرب، ويَطمح كل شاب أن يُصبح مقاتلًا، وهؤلاء يمتنعون عن الزواج ويُباح لهم مُصادقة القُصَّر من البنات، يأتيهن الرجل أنَّى شاء ويُقدِّم الهدايا للأمهات، وإذا بلَغْن الحلم سُرِّحن إلى بيوتهن استعدادًا للزواج، ولا يَعيبها ذلك العبث؛ لأنه وليدُ عادة متأصِّلة ومُعترَفٍ بها من الجميع. وبعض قبائل الكيكويو يُقيمون عند الأخدود الشرقي، حيث الإنسانُ على فطرته، عاري الجسد في غير إزار، كلَّا ولا ستار للعورة، نساءً ورجالًا، اللهم إلا الأغنياء منهم، وهؤلاء يلبسون إزارًا من جلد ليس تحته شيء.

figure
إلى جوار إحدى حِسان موزمبيق، وقد كسَت وجهها بالعجين تجمُّلًا.
figure
فتيات عِلْية القوم في أوغندة.

والأهلون في أوغندة شَديدو الملاحظة، يتعرَّفون طريقهم حتى وسط الشجر الكثيف، وكانت النساء نشيطاتٍ في الزراعة، يتَعهَّدن الموز والبطاطا والتابيوكا، وكلُّهن يلبسن الملاءات الملونة تُدثِّر الجسم كله من أسفل الصدر، أما فوق ذلك فعارٍ. ويَسترعي النظرَ الحزامُ الذي يُلَف من فوق العَجُز إلى ما تحت السرة، وهو مُدلًّى من الأمام، فيساعد على انبعاج الصدر والبطن إلى الأمام وانبعاج العَجُز إلى الوراء، فتبدو السيدة مُضحِكة في مِشيتها، خصوصًا إذا كانت من قبائل «باهيما» رُعاة البقر المشهورين في أنكولي غرب بحيرة فكتوريا. وآية التجمُّل لديهم السِّمَن المفرِط الذي تسعى إليه السيدة حتى لا تَكاد تستطيع السير. وهم يتَّخذون مِن شعر الفيل أساورَ وعقودًا رجالًا ونساءً، ويَدهنون رءوسهم بروث البقر، فإذا سألتَ أحدهم عن تلك العادة القذرة أجابوا بأنهم لو نظَّفوا أنفسهم نفر البقر منهم، فهو لا يتبع إلا الجسوم الملطَّخة بفضَلاته! والعجيب أنهم يَعُدُّون أنفسهم الطبقة الأرستقراطية المسودة على مَن حولهم. وأعجب ما في أبقارهم قرونها التي يهولك امتدادها. وهم مشهورون هناك بتعدد الزوجات إلى حدٍّ كبير، ومن أسباب ذلك أن عدد النساء يفوق الرجال كثيرًا، ويُعاني المبشِّرون هناك كثيرًا، فلا يُقبِل على النَّصرانية اليوم إلا النادر، وفي كل يوم رِدَّة عن النصرانية ممَّن اعتنَقوها؛ وذلك لأن هذا الدين لا يُبيح إلا زوجة واحدة فقط، والنساء هناك يُفضِّلن الزواج عن أن يُترَكْن في بيوت آبائهن، ولكي يُرغِّبن الأزواج فيهن يَعملن على تضخيم أجسادهن، فيَمتنِعن عن المشي ويُشجِّعن على الإكثار من شرب اللبن؛ لذلك فقَد كثيرٌ منهن بعد الزواج القدرةَ على النهوض والسير، وحتى في الرقص تراهُن يُحرِّكن أذرُعَهن وعضلاتهن وهُنَّ جلوس، وتسمع لأصواتهن هزيمًا مُنفرًا مُضحِكًا. وكم كان يَسترعي نظري في أوغندة نظامُ التحية إذا تلاقَت صديقتان، فتَبسط إحداهما كفَّيها مُتجاوِرَين، وتلمس الأخرى بطنَهما براحتها، ثم تظل اليد تتحرك بينهما ذَهابًا وجَيئةً مرات، وخلال ذلك تَفُوه كلٌّ بكلمة تحية يَتبعها زمجرة، لا بل وتأوُّهات عميقة طويلة! ومن الغريب أن وجه كلٍّ منهما منصرف عن وجه الأخرى. والنسوة تمر وهي تتهادى مُتثاقِلة؛ لما تحمل فوق رأسها من متاع، وفوق ظهرها من طفل كأنه القرد الصغير، وغالِبُهن يَبدون في حرائرَ فاضحة اللون بين أزرق وأصفر وأحمر، وبعضُهن لا يُغطِّين الأكتاف إلى الثديين ليُظهِرن الزينة والوشم والتجريح الذي خلَّفَ في الجسم صفوفًا منظَّمة من أدرانٍ تتعرَّج يَمْنة ويَسْرة. وقد جرَّني الحديث عن المستوى الخلقي هناك، فعَلِمتُ أن العِفة لا تكاد توجد بين الأهلين الذين لا تزال نزعتُهم الحيوانية سائدة، هذا إلى تذوُّقهم طرَفًا من المدنية التي جعَلَت بعضهم يسعى وراء النقود من أي طريق، وسواءٌ أكانت المرأة آنسة أم متزوجة فإنه يُمكن استمالتها واستهواؤها عاجلًا، وكثيرًا ما يَرضى الآباء والأمهات والأزواج بذلك.

figure
رقصة الفتيات في أوغندة.

وقد أيَّدَ عندي ذلك زيارتي لمستشفى كامبالا أكبر مستشفيات تلك الأقاليم، حيث كان غالب المرضى هناك يَشْكون الأمراض السرية، وبخاصة الزهري، وقد خبَّرني بعض الأطباء هناك أن تلك الأمراض منتشرة في البلاد بكثرةٍ مروِّعة، وهي تُودي بحياة الكثير منهم، ولحُسن الحظ أن القوم لا يُخفون المرض بل يُقدِّمون أنفسهم للحَقْن بدون خجل. والزواج هناك مِن سن العاشرة، والبنات يَبلُغن الحلم مُبكِّرات، والأب يؤثِر الذرية من البنات؛ لأنه يتقاضى عليهن مهورًا عند زواجهن، ثم يأخذ الزوجُ عروسه ويبقى المهر الذي دفَعه للأب يتمتع به. وأخصُّ مهرجان يُقام للزواج الرقص والطبول المزعِجة، ويُحرِز الناس من الزوجات ما استطاعوا، حتى إن مَلِكهم له سَبعمائة زوجة، ومائة وخمسون من الأبناء.

وحول كل مزرعة نفر من الأهلين يقومون على خدمة الأرض، وكنا نراهم نساءً ورجالًا يقطعون العُشب البري ثم يَتركونه مكانه حتى يجف، ثم يُحرَق حيث هو، فيُنقي الأرض ويسمدها. وكلهم يُدخِّن في غلايينَ خشبية طويلة، حتى الفتيات.

figure
بعض آيات التجميل عند النوير.

وفي نيل ألبرت هالَتْني جماهير السود الذين وفدوا لِيَروا البواخر ونُزلاءها، وما كان أشدَّ دهشتي حين رأيتُ الكثر منهم عرايا تمامًا نساءً ورجالًا وأطفالًا، تضع المرأة حول خصرها عِقدًا من خرز، تتصل به ذُؤابة من ورق الموز، أو جدائلُ من سلوك الحديد أو الخرز، أو حُزمة نحيلة من العُشب لا تكاد تستر العورة، ومن خلافٍ يتدلَّى شريط أو «زر» من فَتيل رفيع طويل يتحرك ذَهابًا وجَيئةً كلما تحركَت هي، في شكلٍ يبدو على بُعدٍ وكأنه القرد الكبير بذنَبه المتدلِّي، وألوانهم جميعًا فاحمة برَّاقة. والناس يَختلطون هكذا في غير حياءٍ، كأنهم البَهْم على فِطرتهم الأولى، على أن النساء هناك مُجِدَّات، خصوصًا في إتقان السِّلال والخوص والأصباغ التي يتَّخِذونها من قشور الشجر وعُصاراته، وهن مهَرة في القتال كالرجال تمامًا. وغالبُ أهل بحر الجبل من الدنقة والشلوك، فالدنقة يَسيرون عَرايا إلا إذا زاروا منطقة أخرى، حين يَحملون خِرْقة مهفهفة، والمتزوجات يلبسن جِلدَين لمِعْزًى؛ واحد من أمام، والآخر من خلاف، وهذان يُقدِّمهما لها الزوج عند الزفاف. أما التزيُّن بالخرز والودع فللجميع نساءً ورجالًا، وكِبَر العقود للرجال دليلٌ على جاههم وثروتهم، وشُبَّانهم يُكثِرون من لبس الخرز فوق رءوسهم بعد حَلْق شعورها، إلا الناصية التي يُكوَّر شعرها في أشكالٍ مختلِفة، وهم كجيرانهم الشلوك يَدهنون الشعر بمخلوطٍ من بول البقر والروث ومسحوق الثرى الأحمر، ويَزيدون قذارةً عن الشلوك في دهن الجسد كله بهذا المخلوط الذي يصعد من الروائح الكريهة ما تَعافه النفوس، خصوصًا عقب استعماله مباشرةً.

والرقص لديهم أقل جلالًا وأُبَّهة من رقص جيرانهم الشلوك، وعلامة الحِداد عندهم أن يَلبس الرجال والنساء حزامًا رفيعًا من حبلٍ من مجدول العُشب حول الخَصْر، وأسلحتهم الحِراب القصيرة والصوالج والتروس، وغالبها من جلودٍ خشنة. وأعجبُ عاداتهم ما اختصَّ بالزواج والميلاد والموت، فقبل ميلاد الطفل تُحجَز الحامل وحدها في كوخ، ويَحوطها من الخارج حبلٌ يدل على وجوب عُزلتها، وكل مَن تخطَّى ذاك الحبل السحري يُصبِح مسئولًا عمَّا يُصيب المرأة والطفل من مرضٍ أو أذًى. وثروة الرجل تُقاس بقطعانه وعدد بناته اللاتي بلَغْن الحلُم، ويَغلِب أن يكون ذلك في سنِّ الخامسةَ عشرة؛ لأنهنَّ يُمهَرْن عند الزواج بين ثلاثين بقرة وأربعين، على حسَب جمالهن، ولمَّا كانت المرأة عُرضة للبيع فهي لا تَرث. وهم يُخالفون الشلوك في مراسيم الزواج؛ إذ بعدَ أن يدفع الزوجُ جزءًا من المهر يُخوَّل له الاختلاط مع الفتاة، ولا يَدفع الباقيَ إلا بعد ميلاد أول طفل حين يحل دفعُ باقي المهر. وللرجل أن يُطلِّق زوجته العقيم، فإذا ثبت صدقُ قوله ردَّ له أبوها ما دفع، وللفتاة أن تتزوَّج من غيره، فإن طلَّقها للسبب عينِه وتزوجها ثالثٌ فلا مهر لها، فإن حملَت في هذه المرة كان الأطفالُ لها لا للأب، ولها حقُّ بيعهم. وفي قوانينهم أن الزوج المُسنَّ الذي يعجز عن إتيان النساء له حقٌّ في أن يُزوِّج ابنه من زوجته، فإن لم يفعل طلبَت هي الطلاق، والرجل لا يرغب في الطلاق مخافة أن يَضيع عليه ما دفع مهرًا من الأبقار؛ وعلى ذلك فالبقر لديهم أهمُّ من النساء؛ لأنه مِعيار التبادُل وهم يُقدِّسونه، فيظل الرجال في حراسة الزرابي. وهم يُغنُّون للبقر أو يَرقصون أمامه لكيلا تمرض الأبقار أو يَقِل نسلها. والنيام نيام من قبائل بحر الغزال، ولا ندري مِن أين جاء هذا الاسم؛ إذ إن غالب القبائل هناك يحملون لقب «زاندي»، وهم قِصار القامات لا يَزيدون على خمس أقدام إلا نادرًا؛ وذلك بسبب قِصَر سيقانهم، وهم يُزيِّنون بالتجريح، ويتعهَّدون شعورهم طويلًا نساءً ورجالًا، ولا يلبس نِساؤهم شيئًا، بل يُدَلُّون حُزمة من عُشبٍ على العورات، أما الرجال فيلبسون إزارًا من جلد. وهم أذكى مِن القبائل الأخرى وأميَلُ إلى المرح، وهم يدفعون مهور زوجاتهم بالحِراب لا بالبقر، ومتوسِّطه عِشرون حربة، ونساؤهم أميَلُ نساء السود للنكاح، وكثيرًا ما تطلب المرأة إلى رجلٍ غير زوجها أن يأتيَها، ويَعلم الزوجُ عنها ذلك، وهي تحتجُّ لديه بأنه أقدرُ منه على هذا العمل. وكثيرًا ما يأتي الأخ أخته أو يتزوج الأبُ بنته، والعفاف عندهم والبكارة لا قيمة لهما.

figure
جميلات من قبائل نوبة في نيل ألبرت.

وغالب السود من الوثنيِّين الهمج كذلك. وللفتاة عِدة أصحاب قد يَزورونها في مقصورتها، والفتيات تُخصَّص لهن مقصورة في كل بيت، ويَختلي الواحدُ بها ويراه الأبوان، ولا ضير في ذلك. والشهوة عند السود قوية جدًّا، ويَزيدونها قوةً بعادة التدليك الذي يقوم به الخدم للزوجة والزوج كل ليلة، وبعد تعهُّد كلِّ عضلات الجسَد بالأدهنة المختلِفة تقوم المرأة وتُشعِل النار وتطلق البَخور، مما يُثير الميول الجنسية. ولا تزال أمم النيام نيام تُتهَم بأنها من الأمم الذئابية آكِلة لحوم البشر، وكان زعيم قبيلة «مانجبيتو» في أقصى الغرب على حدود الكنغو كلما أعوَزه اللحم، قصَد مع رهط من أخصائه كوخ بعض زوجاته، وعددُهن ألفان، وهناك يقتل مِن الناس مَن لاقاهم زائرين ويأكلهم. وهذا الزعيم مات قريبًا، وابنه الحاليُّ «أوكوندو» له ١٧٦ زوجة فقط.

ومما يُعانيه شباب الشلوك: الاختبار الذي يَجوزونه كي يُحرِزوا لقب المقاتلة في سن الخامسة عشرة، فتَصحب كلَّ واحد منهم خليلتُه، ويذهب الجميع إلى ضفَّة النهر، وتُمسِك كل خليلة برأس صاحبها وتُميلها نحو النهر، وتأخذ في تشجيعه على أن يَحتمل ما سيَحُل به من ألم. وسرعان ما يجيء طبيب ويشقُّ جبهة الغلام بمُدْية حادة، فلا يجرؤ واحدٌ أن يتأوَّه وإلا كان خِزيًا كبيرًا، وبعد ذلك تغسل الفتاةُ الدم في النهر وتنتهي الحفلة. أما زينتهم فعقود من خرَز ملوَّن تُلبَس صفوفًا بعضُها فوق بعض، وقد تُغطي الرقبة كلَّها وقِسمًا من الصدر، وهي دليل الغِنى والجاه، ويَلبسها الرجال أيضًا. واللون الأزرق عندهم بشيرٌ بالحظ السعيد؛ لذلك يَلبسه الأطفال، وكلما كثر الخرز دلَّ على جاه الأبوين. وبعض الشبان يلبسون سِوارًا في الساعد والعقب، وهذا يدل على أنهم قَتلوا من الحيوان أسدًا أو فهدًا أو فيلًا. والطبخ والزراعة وعمل الخزف والمريسة وحمل المياه من عمل النساء، أما الرجال فلا يصحُّ لهم أن يقوموا بهذه الأعمال المهينة إلا إذا طعَنوا في السن. ولعمل المريسة يُوضَع بعض الذرة في سلة مع مزيج من روث البقر والثرى، وكلها تُوضَع في ماء راكد لمدة أسبوع حتى تتخمَّر، ثم تُنقَل إلى جَرَّة من فخَّار وتُغلى في الماء، ويُؤخَذ السائل العلوي ويُبرَّد ثم يُشرَب، وكلما نَضبت أُضيف الماء إليها وأُعيد غَليُها، وهكذا، وهذا الخمر قويٌّ مُسكِر، وتَكثر حفلات الرقص بعد شُرب المريسة في الليالي القمرية، خصوصًا ليلة البدر، وكلهم يرقصون والحِراب في أيديهم وقد لعِبَت الخمرُ بلُبِّهم، ويقرع القوم طبولهم المزعجة وسط القرية التي تتجمع بيوتها في شكل دائرة تتوسطها رَدْهة فسيحة، والطبول تُقرَع من وسطها في باكورة الصباح؛ إعلانًا للناس بأن حفلة الرقص ستُقام الليلة، وكلما اختلفَت قرعات الطبول اختلفت حركات الرقص ودلَّتْ على الغرض منه؛ أهو للمطر، أو الحرب، أو الدين، أو الفتيات، أو الموت. ورقصة الفتيات تبدأ بعد بزوغ القمر مباشرةً، والغرض منها تعارُف الفِتيان بالفتيات؛ إذ ترى الفتيانَ قبل الغروب مَرِحين انتظارًا لملاقاة فتَياتهم، ويَصرفون زُهاء الساعة في تَعهُّد شعورهم ولبس جلود القطط والأنمار، والتحلِّي بصنوف لا تُحصى من الخرز والودع وما إليها. وقُبيل الغروب تَفِد الجماهير شُبَّانًا وشِيبًا، وتُصَفُّ جِرار المريسة بحجومها الكبيرة وسط الدائرة، وإلى جانبها أطباقٌ من الذرة واللحم نصف المطبوخ، فإذا بزغ النور بدا المُسنُّون من النساء والرجال في دائرة، ومن داخلها جماهير الشباب من الجنسَين، ويظَلُّون مَرِحين يتحدَّثون حتى يُقبِل الزعيم، ومن خلفه أتباعه يَحمِلون الطبول وأدواتِ الموسيقى، فيُنصِت الجميع، ويتداخل الفتيان والفتيات في صفَّين، ثم تُعزَف الموسيقى والطبول، وبين آنٍ وآخر يُرتِّل الكلُّ أغنية، وما تكاد تنتهي حتى يعلوَ قرعُ الطبل وتموج صفوفهم، وبأيديهم الحِراب التي تتلألأ في ضوء القمر، ثم يُسرِع أحدهم إلى الوسط مُخترِقًا صفوف الشابات والشبان، وهناك يتمايل ويُهاجم كأنه يُصارِع وحشًا، ثم يُعاد الغناء ثانيةً، وبعد ساعة على تلك الحال يَشرب الكل المريسة، ويبدو صفٌّ آخر من الراقصين بعد انسحاب الأول، الذي يظل عاكفًا على جِرار المريسة يرتشف منها ما يشاء، وأخيرًا يختلط الكل في الرقص تاركين الحِراب، ويتقدم كلُّ شاب في صف الشبان إلى فتاة في صف الفتيات، وتُرفَع السواعد بمحاذاة الأكتاف، ويقفز كل زوج قفزاتٍ منظَّمة، لكن دون أن يلمس الفتى خليلتَه. والفتيات يُظهِرن دلالهن ويُحاولن أسْرَ الرجال واستِمالتَهم بما يَفوق ما تأتيه المرأة الغربية؛ فهي مثلًا تُبرِز ثديَيْها بين آنٍ وآخر، ثم تَرفع عنهما قطعة القماش المهفهفة ثم تُعيدها، وكثيرًا ما تفعل ذلك أمام القاضي في المحاكم فتؤثِّر فيه. وما يَكاد الليل ينتصف حتى تكون المريسة قد أخذَت بلُبهم، فيختلط الحابل بالنابل، وبمجرد انسحاب الزعماء والمتقدمين في السن يأتي الشبان والشابات بما لا يتصوره العقل، بل وبما يَستنكره الخُلُق الفاضل القويم.

figure
عرايا نيل ألبرت يَصيدون السمك بالحِراب.
figure
في غابة شامي وسط بعض العاريات.

ولا تتزوج الفتاة قبل الخامسة عشرة، وبفضل رقصة الفتيات يُمكِنها أن تتعرف بالكثير من الفتيان. والزوجة يمكن شراؤها بالقطعان، وللرجل شراء ما استطاع من الزوجات؛ لأن ذلك دليل الجاه والغنى، وقبل أن تتم صفقة الشراء هذه يجب أن تُوافِق الفتاة على هذا الزوج، وفي العادة تكون قد رغبت فيه إبَّان حفلات الرقص، وهي تحب أن يكون غنيًّا بقطعانه ومَزارعه، والعجيب أن الفتاة تؤثر الزوج الذي يَستطيع بماله أن يشتريَ زوجات كثيرات غيرها.

وقبل إتمام الزواج تُقدَّم الهدايا (الشبكة)، كعَشْر من المِعْزى، وسلاسلَ مِن الحراب، وعشرين خطافًا للصيد (صنَّارة) وما إليها، وخلال تلك الفترة يبدأ التعارف بينهما، وذلك شبيه بنظام الغربيين، ففي حفلة الرقص يقود الأخ أخته إلى حلقة الرقص والخجلُ يبدو على وجهها، وهناك يسألها زعيم القبيلة أن تعترف بجميع علاقات الحب مع فِتْيان آخرين من قبل — وهي تخشى ألَّا تقول الصدق؛ لأن الأخبار كلها تصل الزعيم أولًا بأول — وبعد تلك المداولات بين الزعماء والعروس تُقرَع الطبول فيُنصِت الجميع، وهنا تُكرِّر الفتاة ذكر أسماء الفتيان الذين أحبوها من قبل، فيَحضر كل واحد منهم إلى وسط الدائرة، ويُحكَم عليه بغرامة من الماشية والأغنام، ومتى جُمعت تلك القُطعان قُدِّمتْ كلها مهرًا للزوج، أما الفتاة فلا عقاب عليها متى صدقَت في الاعتراف ومتى أقرَّ الزعماءُ ذلك، ولا عار على الفريقَيْن من ذلك؛ فالاعتراف من جانب الفتاة والغرامة من جانب الفتى عقابٌ كافٍ وترضيَةٌ حسَنة. والظاهر أن هذا التصرف لا يرمي إلى منع الفساد الخلقي ما يَرمي إلى تزويد الزوجين بالمال، والمتفرجين بالطعام والشراب والرقص.

figure
على نيل ألبرت في رينو كامب.

وعند ميلاد غلام تُقدَّم الهدايا للأب من قطعانٍ يَربو عددها بالتوالد، حتى إذا ما أضحى الطفل رجلًا قُدِّمَت له بعد أن يَجوز «حفلة الرجال». وإذا مات أحدهم دُفِنَت الجثة أمام الكوخ الذي يَقطُنه، ويُلَفُّ الجسم في أفخرِ ما كان لديه من ثياب إن وُجِدَت، وإلى جانبها الأسلحة وأدوات الطبخ وكل ما يَلزم للحياة الأخرى، ما عدا أدوات الزينة. والجسم يُمدَّد في القبر على ظهره وتُوضَع تحت الرأس وِسادة من خشب للرجال، ومن قشٍّ للنساء والأطفال. وإذا مات الزعيم دُفن داخل باب كوخه وأُغلِق سنة كاملة بعدها يُهدَم، وعند دفن الميت تُقام حفلة «رقص الموتى»، فيَجتمع الأهل وقد لطَّخوا جُسومهم برمادٍ من حرق روث البقر، ويولول الجميع وَفْق قرعات الطبول البطيئة، ويمثل الراقصون ما يدل على شجاعة المتوفَّى وفضله، ويُقدِّم الناس لأهله الطعام والشراب، وتُستهلَك مقاديرُ عظيمة من المريسة، وقبل شروق اليوم التالي يُنسى الحزن بتاتًا.

وفي رقصة الحرب يمثلون موقعة يُؤخَذ فيها النساء والأطفال والماشية أسرى، وهذه الرقصة تُقام في أي وقت من النهار بمجرد سماع القوم لِقَرع الطبول نداءً لها، فيتزيَّن كلٌّ بما لديه من أدوات البسالة من ريش وجلود وحِراب وما إليها.

ويتقدم المقاتلون ذَهابًا وجَيئةً، ويَضربون الأرض بأرجلهم وحرابهم التي كثيرًا ما تنثَني أو تنكسر، ثم يُهاجمون الأكواخ التي فيها أَسْراهم، ويَسوقونهم فيها بشراسة زائدة وسط تهليل يصمُّ الآذان مُسرِعين نحو الزعيم، والدماء تَسيل من الجروح التي تُخدَش بها وجوههم وجسومهم، ثم يتقدَّم الطبيب بعدُ فيَضمِدها بعصير بعض الأعشاب. وإذا مات الملك تزوج صغارُ زوجاته من بعض أقربائه، أما الطاعنات في السن فيُصبِحن خفرَ المعابد. وبنات الزعماء هُنَّ بنات الإله نيكوانج، وعند زواجهن تُقدَّم الضحايا لزوجة نيكوانج الكامنة في بطن التمساح، فيُؤخَذ عَنزٌ ويُذبَح على حافَة نهر، وعجيب أن تفِدَ التماسيح لأكل الدم، أما اللحم فيُرسَل لحارسات المعابد.

figure
على ضفاف النيل الأعلى في رينو كامب.

وفي جبال كوردفان قبائل دار النوبة، كل قبيلة منهم تَحُل رَبْوة، تتكلم لهجة لا يفهمها جيرانها من الرُّبى الأخرى. وغالبهم وثنيُّون، ومن عاداتهم أن الطفل بعد ميلاده يجتمع أهله فوق رأسه، ثم يعطيه القسُّ اسمًا يُكرِّره أهله، ثم يحمله الرجل إلى بيت العفاريت، ويبصق عليه لتحل فيه بركته. والنوبي يتزوج أيَّ عدد شاء من الزوجات ما دام قادرًا على دفع المهر، وهو بين عشر بقرات أو أربع عشرة، وإذا دفع ربع المهر خُوِّلَ له أن يُخالط الزوجة، لكن في بيت أبيها حتى تلد طفلًا، ولا يأخذها إلى بيته إلا بعد دفع الربع الثاني، وإذا بلغ الأطفال سنًّا مُعيَّنة وجب تسديدُ كل المهر. ويَغلب أن يُدفَع هذا مما يتسلَّمه الأب مهرًا لبناته، وإن لم يخلف من الإناث وجب على الأولاد أن يَشتغلوا حتى يُسددوا باقيَ مهر أبيهم. وإذا ماتت الزوجة ولم تعقب طفلًا طالب زوجُها بنصف المهر. والعادة ألا يُقارِب زوجته إلا بعد ميلاد الذكر بنحو اثنَيْ عشر أسبوعًا، وبعد ميلاد الأنثى بنحو ثمانية أسابيع. وإذا مات أحدهم ولول النساء وبقيَت الجثة يومًا كاملًا قبل الدفن؛ لاعتقادهم أن الروح ترفرف فوقها — وتلك عادة مصرية قديمة — قبل أن تصعد إلى السماء «توالا»، وتُدفَن الجثة نائمة على جانبها أو واقفة. وللرقص حفلات تقام حول بيت الملك فوق جبل «جلود»، حيث يجتمع بين مائتَيْن وثلاثِمائة يُحلَّوْن بالريش والخرز والأساور من العاج، ويدهنون أجسادهم باللون الأبيض ليُمثِّلوا حيوانات خاصة، كان يُبَقَّع الجسد لِيَحكيَ الفهد، ويُمسِكون بعض العصيِّ الملونة، ثم تُدَق الطبول والموسيقى المملَّة الساذَجة، فيهجم صف من الشبان ويَرمي كلٌّ حربته أبعدَ ما يمكنه، ويفوز بالإعجاب أقدَرُهم في ذلك، ثم يُقدَّم صغار الفتيات عرايا إلا في مجموعةِ عقود تستر العورة، ويرقصن وفق أنغام الموسيقى، والكل يُهلِّلون عاليًا، ثم يتلو هذا سُكون يشربون خلاله المريسة، وأخيرًا يختلط الشبان والفتيات في الرقص، ويحاول كلٌّ اجتذابَ خليلته، ويستريحون حتى يُشرِق القمر، فتصعد فتاةٌ على رَبْوة وتُغني للقمر. ومِن عجيب ما يُرى جمعٌ من الفتيان يضربون أجسادهم بالسياط حتى تَدْمى، لكي يُظهِروا شجاعتهم أمام الغانيات.

وعند كثير من قبائل السودان تُحمى بكارة البنت من العبث بأن يُخاط الفرج وهي طفلة، وعند الزواج تُقدِّم الزوجة أولَ هدية للزوج من سكين لِيَفض الرجلُ بها بكارتها! وقد استنكرَت الحكومةُ هذا العمل مِرارًا وحاولَت منعه، لكن احتجاج الناس بانصرافهم عن الزواج اضطرَّ الحكومة أن تتساهل في ذلك بعض الشيء.

figure
نساء كردفان يسحقن الذرة.
وفي داكار عاصمة سنغال سِرنا نَجوب مُختلِف الأرجاء، والأهلون من حولنا تغَصُّ بهم الطرقات في ألوانهم الفاحمة وقاماتهم الشامخة وأجسامهم الممتلئة، يَسترعي النظرَ منها الزيُّ الفضفاض من القماش المهفهف عديد اللون فاقعه، وجلُّه من نسيج القطن الرقيق يَحكي العباءات المنتفخة للرجال والنساء معًا، ويُشَق من جانبه. ولعلَّ أجمل ما يَروق السائحَ رءوس السيدات التي نُسِّقَ الشعر من فوقها في أشكالٍ هندسية مقوَّسة ومكورة، تزينها الحلقات والودع وما إليها، والمتزوجات يضَعن فوق كل ذلك عارضة تَبدو من جانبها كورٌ منتفِخة سوداء من جديلٍ أسود، كأنه فروُ الخِراف، ويُلَفُّ الرأس فوق ذلك بعصابة من منديلٍ خفيف ملون. وأجساد السيدات أميَلُ إلى السِّمَن، يتَهادَين في مِشيتهن ويُبدين من دلالهن ما يجتذبن به أنظار المارة، وهن باسمات لا يَنفرن من الناس، بل على استعداد للتحدَّث مع من شاء. ويلبس الناسُ هناك الخِفاف في أقدامهم، على أن كثيرًا منهم يَسيرون حُفاة. وكم كان يروقنا منظر القوم يفترشون الأرض وفي أفواههم أعوادٌ من شجر السِّواك يحملونه جميعًا نساءً ورجالًا، فأنت ترى الفرد منهم يَسير وقد أمسك بأسنانه عصًا صغيرة، حسبتُها لأول وهلة لُفافة تبغ دقيقةً، لكنك تراهم يَمضَغون أطرافها ويُنظِّفون بها أسنانهم طوال الوقت، حتى ساعة الكلام، إذ ترى الواحدَ منهم يتحدث إليك وهو يُحرِّكها في فمه ويَقرِض من طرفها. وقد مرَرْنا في المساء بقومٍ يدقُّون طبولًا من صفائحَ عدة ويُغنون ويُصفِّقون، ويقف بين الجميع اثنان أو ثلاثة يَرقصون ويَضربون الأرض بأرجلهم ضربات فنية، وهذه ما يُسميها الإفرنج Tam Tam، وهي شبه الدلوكة عند السودانيِّين.

وفي غينا الفرنسية يُجيدون العربيةَ ويَحفظون القرآن، وقد لاحظتُ على السحن هناك تغيُّرًا واضحًا؛ فهم أكثرُ جمالًا وأخفُّ سوادًا من أهل السنغال، وكثيرٌ منهم في لون «برابرة» أُسْوان عندنا، على أنهم أرقُّ حالًا وأقل تنسيقًا في الهندام، ومغالاةً في التزيُّن، وجلهم يمشي عاريَ الرجلين حاسرَ الأكتاف والصدر، وحتى النساء يتدثَّرن من أسفل الثَّديَين، ونرى أثداءهن بارزة تسترعي النظر، خصوصًا وأنهن كَلِفات بهزِّ أجسادهن مع الابتسام، في شيء كبير من الدلال، على أنهم يُحجِمون عن التصوير ويرَون فيه عيبًا كبيرًا، وهم بُسطاء يُحبُّون المرح واللهو أينما وُجد؛ ولذلك تُسهِّل لهم فرنسا سُبلَه، وتنشر بينهم فتياتها الماجنات كي تنال من عصبيَّتهم. وقد لاحظتُ كثيرًا من الزنجيَّات يرقصن نصف عاريات أمام بيوتهن، ويَهْززن أعطافهن ويُمسكن بأثدائهن في إباحة مُنفِّرة. وملابس السيدات المسلمات في ساحل العاج من الأقمشة القُطنية الخفيفة المزركشة، في ألوانٍ ورسوم معقَّدة. والمؤمنون هناك يُعنَون بالشعائر الإسلامية، خصوصًا في شهر رمضان، وقد علمتُ أنهم يُكثِرون من الصلوات جماعات في الردهات المتَّسعة، ويُكثِر الوُعَّاظ القول لهم كلَّ يوم وهم يرقصون رقصة دينية على قرع الطبول التي يُسمونها تام تام، ويذكرون الله وفق ضرباتها.

إلى نيجريا

أخيرًا بدَت مدينة لاجوس كبيرةً عظيمةَ الامتداد، طرُقها مُعبَّدة، وأبنيتها نظيفة، وشاطئها جميل، وناهيك بأسواقها التي تغصُّ بالأهلين من قبائل «ياروبا» في الغالب، وزُهاء نصفِهم من المسلمين والباقون بين وثنيِّين ومسيحيِّين، وسحنتهم مُنفِّرة في الغالب، ورغم ذلك فإن نسبة العفاف عندهم محدودة جدًّا، فالفتاة مثلًا تُصادِق مَن تشاء ما دامت بكرًا، ولا يَرغب الشاب في زواجها إلا إذا حملَت سِفاحًا، وعندئذٍ يَثِقون في أن الراغبين فيها كانوا كثيرين. والتقبيل غيرُ معروف لديهم والنساء يَنفِرن منه. ويتزوج الرجل من عدد كبير من النساء قد يفوق العشر، يُؤثِر عليهن واحدةً تُعَدُّ رئيستَهن، يَحترِمنها ويركَعْن أمامها، ولا تَغار الواحدة من الأخرى لأنها ألِفَت تَعدُّد الضرائر في بيت أبيها من قبل. وهن يتَّخِذن من الصور الفوتوغرافية تمائم، فإذا وُضِعَت عند مدخل حجرة النوم وخطَتْ عليها الزوجة الخائنة لزوجها، مات عشيقها على الفور. ومِن خُرافاتهم أن الرجل إذا ناداه عدوُّه فردَّ عليه مات عاجلًا.

وعند موت أحدهم تبقى الجثة يومَين، ثم يخلع الأقرباء عليها أحسنَ الملابس، ويُعلِن الناعي أهل البلدة وبيده دجاجة، ويَهرب النسوة من رؤية الجنازة؛ لأن في ذلك شؤمًا عليهن، وإن كان الميت مُصابًا بمرض وبيء حذَّر المنادي الناس أن يَخرجوا خشيةَ أن يُصيبهم سوء، وتُدفَن الجثة في غير تجمهر، وتعود الروح ليلة الأربعين إلى البيت، وعندئذٍ يَجتمع الزوجاتُ وقريباتهن، ويأخذن في الغناء والتصفيق حول مصباح حتى تصيح إحداهن قائلة: ها هو آتٍ، ثم يُقلِّد رجلٌ حركاتِ الفقيد وخطواته ويرتدي ملابسه ويَزور حجرات الدار جميعًا، والنساء يَسجدن على الأرض كي يُبارِكَهن الفقيد! وكان الدفن أولًا تحت سقف الدار نفسِها، ثم حُرِّم ذلك اليوم.

وللياروبا في الاستدانة نظام عجيب يسمونه أيووفا Iwofa، بمقتضاه يخدم المدين دائنه نصف اليوم حتى يَسُدَّ دَينه، وقد يظَل البعضُ فوق عشر سنين يؤدُّون تلك الخدمة سدًّا لفوائدِ مبلغ بسيط قد لا يَزيد على عشَرة جنيهات. وقد يكون أولئك الخدم من الفتيات، وعندئذٍ لا يرغب ذَووهم في تحريرهن من ذاك الأسر، ويلبَثْن هكذا حتى تَحين سنُّ زواجهن، وعندئذٍ لا بد أن يَدفع الزوجُ الدَّين بدل المهر؛ لكي يتسلم خطيبته.

وعاداتهم في التحية تَلفِت النظر؛ إذ ترى الواحد أو السيدة تَركع نصف ركعة مرتَين أو ثلاثًا وهي تُتمتِم أمام مَن تُحيِّيه، وقد تكون مُثقَلة بطفلٍ أو اثنَين أحدهما يُعلَّق وراء ظهرها والآخر بين يدَيها، والغالب أن تَلفَّ الطفل وراءها، بحيث لا تَرى إلا رأسًا ذات عينَين برَّاقتَين وكأنه القرد الصغير، وتضع المتاع فوق رأسها وتترك يدَيها طليقتَين، وهي التي تقوم بالعمل كلِّه والرجل عاطلٌ كسول. وما أجملَ أن ترى السيدة أو الغادة تسير وقد كسَت وجهها بالأدهنة البيضاء (البدرة) في غير إتقان، فيبدو وجهُها جيريًّا مرقَّعًا مُضحكًا، وذلك لكي تبدوَ بيضاء جميلة! وقد كثرت بينهن المتفرنجات من المسيحيات، وهؤلاء يلبَسْن الأردية الإفرنجية، على أنهن يسِرن حُفاة، وحتى طلبة المدارس وطالباتها يَسيرون في الحُلَل البيضاء النظيفة، ولكنهم يتركون الأقدام عارية.

وقد ركبَتِ القطارَ معي عائلة من الياروبا، وجلس النساء إلى جواري بشكلهن المنفِّر، رغم ما كُنَّ يتزيَّنَّ به من البُدرة البيضاء والأقراط والشعر المجدول، ولهنَّ في جَدْله طرائقُ جذابة تَلفِت النظر؛ فواحدةٌ منهن كانت تجدل الشعر في عصِي قائمة كأنها المسامير الكبيرة منثورة في الرأس كله، والأخرى تَجدله في أقنِية متوازية من مؤخَّر الرأس إلى مقدَّمِها، ومعهن أطفالٌ كثيرون وشاب مثقَّف يُجيد الإنجليزية، وقد ابتاعوا من المَحاطِّ لفائفَ من ورق الموز، في بعضها أرز معجون، وفي الأخرى معجون الذرة يضَعون عليه زيت النخيل الأحمر، ويأكلون بأيديهم في شكلٍ مُنفِّر، ولا تفتأ ترى الواحدةَ منهن قد ختمَت هذا الطعام بثمرة الكولا، تقرضها تحت أسنانها، وتظل تمتصُّ عصارتها وتُبدي من حثالتها القذرة فوق شفَتَيها، وأخيرًا تبصقها إلى الأرض، وهم يعتقدون أنها مُنشِّطة للمَعِدة مُنبِّهة للأعصاب، حتى إن المُتعَب المُجهَد إذا مضَغها استعاد نشاطه.

figure
فتيات كردفان من البفارة.

أخذَت قبائل الهوسة تَزيد نفرًا كلما تقدَّمنا شمالًا، وبيوتهم أنظف كثيرًا من بيوت أهل الجنوب من «اليروبا»، وسِحَن الناس بها مَسْحة من جمال، وبخاصة العذارى من الغانيات، وهنَّ يلبسن الأردية التي تُغطي الجسم من دون الثديَيْن، فيبدو الصدرُ كله عاريًا يسترعي نظر المارة، وخصوصًا إذا ما طَلَتِ الغادة وجهها بالبُدرة البيضاء. أما المتزوجات فأرديتهن تغطي الجسم إلى ما فوق الثديَيْن، ولقد عجبتُ لمَّا أن علمتُ بأن الغيرة على النساء فاترةٌ جدًّا عند الرجال، ونسبة العفاف قليلة عند غير المتزوجات، فالفتاة يُباح لها أن تُصادِق مَن تشاء. وجل الناس هناك يتزوَّجون أكثرَ من واحدة، وللأغنياء أن يتسرَّين فوق الزوجات الشرعيَّات الأربع؛ ولذلك لم نعجَب لما عَلِمنا من أن البعض له من الذرية زُهاء الستين بين ذكر وأنثى. ومن أغرب عاداتهم أن المولود البِكر يُهمَل أمره ولا تُعنى الأم به، وإذا كبر لا يُقابِل أباه ولا أمَّه مُطلقًا ولا يجلس معهما على مائدة الطعام، ولقد حِرتُ في تعليل ذلك، ومن قائل: لأنه وليدُ عهد الجهالة الأولى يوم كان الأبَوان لا همَّ لهما إلا إشباع الشهوة البهيمية؛ لذلك يَنظر الأبَوان إليه بشيءٍ من الازدِراء، وكثيرٌ منهن يُرسِلن بناتهن إلى مدرسة البنات، وبها ٥٤ بنتًا في أربعة فصول، يلبَسْن أرديةً زرقاء موحَّدة تصرفها لهن المدرسة، ويَجلِسن على مقاعدَ وطيئة (مثل كراسيِّ المطبخ)، وأمامَهن المناضدُ القصيرة. وطالبات السنة النهائية يَقُمن بطهي الطعام للغذاء، وهو مِن الأطعمة القومية البسيطة، ولهن غرفة فسيحة للاستحمام. وقد رأَيْنا كل بنت تحمل فوطتها الخاصة بها وتَقصد هذا الحمام، وتخلع ثيابها مع زميلاتها، وتستحم مرة كل يوم تحت إشراف المدرِّسات الوطنيَّات، وهن يَغسِلن ملابسَهن وفُوطَهن في مَغاسلَ أُقيمَت لهن في الهواء الطلق، والناظرة إنجليزية، والإقبال على المدرسة ضعيف. والجميع يَسِرن حُفاة، ولا تكاد تجد واحدة ممتلئة السُّوق أو مُعتدلتِها، ولعلَّ ذلك راجعٌ إلى طُرق حمل الأمهات لأطفالهن وراء ظهورهن، إذ يُلَفُّ الطفل ورِجْله مفتوحتان يُطوِّق بهما ظهر أمه، وبذلك تَميل العظام إلى الخارج ويتعطَّل نموُّها بسبب ضغط اللُّفافة عليها، فتظل الساق دقيقةً معوجَّة.

وجل الفلاحين يَسيرون شِبه عرايا إلا في خِرقة بالية تستر العورة الأمامية، وتنتهي بشريطٍ رفيع يستر الدبر، ويُعلِّقون كثيرًا من الأحجبة في الرقاب والأيدي والأرجل، وحتى غِطاء العورة الأمامية. وكم كان يَهولنا منظرُ بطونهم، وبخاصة الأطفال؛ فهي منتفخة إلى حدٍّ يكاد يَطغى على القامة كلها. والفتيات مِن العذارى يَسِرن نصف عرايا بأثدائهن الصغيرة الكاعبة.

figure
غادة من حِسان النوير ذوات القوام الشامخ.

ويَميل النساء جميعًا هناك إلى المداعبة، وعندئذٍ يُبدين من دلالهن الشيء الكثير، وبخاصة في مواقف الرقص وهو كثيرٌ لديهم. ولقد استوقفَنا منظر في إحدى القُرى: كانت تُدَقَّ الطبول المستطيلة وتقوم الفتيات برقصات في دوائرَ وصفوف، وجُلُّ عنايتهن تُوَجَّه لحركات الأرجل والضرب بها على الأرض في مهارةٍ عجيبة، وقد يُمسِك الشاب بثدي الفتاة وهي ترقص، ولا يعدُّ ذلك عيبًا أو منكَرًا. ومن غريبِ ما علمتُه أن الختان في تلك البلاد مفروض على الذكور دون الإناث. أخذَت السيارات تقطع بنا تلك المسافات الشاسعة، ولا يَكاد يغيب عن العين منظرُ النساء يَسِرن وعلى رءوسهنَّ جِرار الفخار أو أواني القرع، والأطفال يُعلَّقون وراء ظهورهن، وقد تُمسِك الواحدة بأحد توءَمَيها في اليدَين. وهم يَعُدُّون السِّمنة وضخامة الجسم من أكبر علامات الجمال؛ ذلك لأن المرأة كلما تضَخَّم جسمها دلَّ ذلك على جَودة التغذية، وعُلوِّ بيئتها، وزيادة ثروة زوجها؛ لذلك نجد في بيوت الزعماء والأغنياء أخصاصًا تُحجَز فيها الفتيات وتُضاعَف تغذيتهن، ويُمنَعن من الحركة والعمل اليدوي؛ كي يَزيد ذلك في امتلائهن، ويغلب أن يُعمَل ذلك قُبيل الزواج ببِضْع سنين.

figure
غادة تعهَّدَتْ وجهها بالتجريح لِيَظهر مُجعَّدًا؛ إمعانًا في التجميل.

عدتُ إلى السودان وحلَلتُ إحدى قُرى مديرية كردفان، وكانت أكواخها تُقام من بوص الذرة المَجْدول في شكلٍ دائري فوقه مخروط مدرج، والكل يقوم من الداخل على شرائحَ من خشب، وأمام الكوخ ظُلَّة يجلس القوم فيها خلال النهار، ثم كوخ صغير للطبخ، أما الكوخ الرئيسي فللنوم، رأينا فيه «عنجريبًا» أو اثنَين، وفي ركنٍ منه الأرجوحة التي يُسمُّونها: الطوطحانية، وهي للأطفال، وأمام كل كوخ كنا نَرى الفتيات وأمامهن قطعة كبيرة من الحجَر صُقِل جزء منها في شكل منحدر، وتُسمَّى «مرحاكا»، وأمسكَتِ الغادة بصخرة ثقيلة مُستديرة وأخذَت تسحق الذرة أو الدخن، وهي تُعِدُّ كل يوم بعضًا منه بقدر ما يحتاجون إليه من طعام. وأساس طعامهم العصيدة، بأن يُطبَخ هذا الدقيق بالماء، ثم «يغمسون» به الويكة والسمن أو الزيت، أو ما أُعِدَّ من طبخٍ متواضع، وبين الوجبات يشربون «المريسة» من تخمير مسحوق الذرة أيضًا، يبدو وكأنه «البوظة» الخفيفة أو «السوبية» السمراء في قليلٍ من الحموضة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤