الفصل الرابع

قرطبة

أصبحت قرطفة Cordova [هكذا كانت تُكتَب]، تحت حكم سلاطين بني أمية، هي فسطاط الإسلام، ملاذ المُثقَّفين … إليها جاء الطلاب مُتلهِّفين، من كل أنحاء العالم؛ لدراسة الشعر، أو لتعلُّم العلوم، أو لتعلُّم الإلهيات أو القانون؛ لهذا أصبحت مُلتقى الشخصيات البارزة في جميع المسائل، ومقر المُثقَّفين، وملجأ المُولَعين بالدرس.

ينتظم في عِقدها [أي قرطبة] لآلئ نفيسة جُمعَت في محيط اللغة على يد خطبائها وشعرائها؛ وأرديتها مصنوعة من رايات العلم …

أحمد بن محمد المقري
كتاب «تاريخ الممالك الإسلامية في إسبانيا»

في المناطق الغربية، سطعَت مفخرة مُبهِجة على العالم، مدينة مهيبة، مُتفاخِرة نتيجة بأسها العسكري الحديث العهد، مدينة تأسَّسَت على يد مُستوطِنين إسبان وكانت تُعرَف بالاسم الشهير قرطبة؛ مدينة ثرية، تشتهر بسحرها، رائعة في كل مواردها، تفيض خاصة في الينابيع السبعة للمعرفة، ومشهورة دومًا بانتصاراتها المُستمِرة.

روزفيتا فون جندرسهايم، كتاب «استشهاد بيلاجيوس»
تبدَّت لنا وسط الرصافة نخلةٌ
تناءت بأرض الغرب عن بلد النخلِ
فقلتُ شبيهي في التغرُّب والنوى
وطول التنائي عن بنيَّ وعن أهلي
نشأتِ بأرض أنتِ فيها غريبةٌ
فمِثلك في الإقصاء والمُنتأى مثلي
سقَتك غوادي المزن من صوبها الذي
يسح ويستمري السماكَين بالوبلِ
عبد الرحمن الداخل

رجلٌ يرقد في ظل شجرة رمان. هو مُسِن، في أواخر حياة مديدة، تغضَّن وجهه بخطوط وعلامات الزمن؛ فعيناه مُنتفِختان وتكسوهما التجاعيد، لكن لا يزال باستطاعتهما اختراقك بسوادهما. يجري الماء مُترقرِقًا في القناة التي تمر وسط البستان فتقسمه، والطيور تهوي لأسفل كي تشرب ولا شيء يُكدِّر صفو العالم. يحمد الرجل ربه على أنه يستطيع أن يرقد ها هنا في سلام يستمتع بشيخوخته. يعود بظهره إلى الخلف مُسترخيًا على وسائد حريرية لامعة، ويُحدِّق إلى أعلى نحو الشجرة التي تُظِله من ضياء الشمس الباهر. يهيم عقله في ذكريات حياته المديدة، مُتوجِّهًا نحو الشرق، آلاف الفراسخ خلال الصحراء، إلى أرض مولده، إلى سوريا. يرى شجرة رمان أخرى، جدة هذه الشجرة، في بستان آخر. وعيناه مُغمضَتان، يسمع عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان (٧٣١–٧٨٨)، أول أمير للأندلس، صيحات إخوته وأبناء أعمامه وهم يُطارِد بعضهم بعضًا عبر الأفنية الظليلة، يقفزون مُجتازين جداول المياه ويختبئون خلف النوافير. يعود بذهنه في الماضي إلى قصر الرصافة القديم، الذي بناه جده، الخليفة الأموي مروان الثاني، خارج دمشق مباشرة؛ طيف من جنة الله على الأرض، طيفٌ لازَمه طوال حياته، طيفٌ استُلهم منه البستان الذي يرقد فيه الآن. يتذكر جماله، والأيام الخالية من الهموم التي قضاها يستكشف جوانبه الظليلة، والطمأنينة والسعادة. ثم ينتفض جسده وهو يتذكر اللحظة التي استحال فيها هذا العالم المُشرِق سوادًا.

في عام ٧٥٠، كان عبد الرحمن شابًّا في العشرين من عمره، أحد الأحفاد الكُثُر للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، يعيش حياة يملؤها السرور والاعتزاز مُحاطًا بعائلته. أمضى أيامه في القنص والصيد بالصقور مع أبناء أعمامه، ويُغازِل الإماء، ويُشاكِس شقيقاته. لكن، في ربيع ذلك العام، انقلبت حياته الخالية من الهموم رأسًا على عقب عندما استولت قبيلة بني العباس على السلطة ونزلت إلى دمشق، بنية اغتيال كل فرد من أفراد الأسرة الأُموية يُمكِنهم العثور عليه. هرب عبد الرحمن مع شقيقه الأصغر وخادم يُدعى بدرًا. فرُّوا، والأعلام السوداء البغيضة لفرسان العباسيين تُرفرِف في أعقابهم. أمضوا الأسابيع القليلة التالية يُحاوِلون باستماتة أن يسبقوا مُطارديهم؛ مُختبئين في الغابات، ومُستجدِين مأوًى في القُرى ويركضون حرفيًّا لينجوا بحياتهم. في النهاية، وصلوا إلى ضفة نهر الفرات، والعباسيون على وشك أن يلحقوا بهم، فألقوا بأنفسهم في الماء وبدءوا في السباحة. استدار شقيق عبد الرحمن مُنهَكًا عائدًا نحو جنود العدو، الذين كانوا يصيحون من ضفة النهر بأنه ليس ثمة ما يدعو إلى الخوف، وأنهم لن يُلحِقوا بهم أي أذًى. توسَّل عبد الرحمن إلى شقيقه أن يستمر في السباحة إلى الضفة الأخرى، واضطر إلى أن يُراقِب العباسيين عاجزًا وهم يسحبون شقيقه من الماء ويقطعون رأسه على الفور. بعد أن وصل عبد الرحمن وبدر بأمان إلى الضفة الأخرى، ركضا حتى سقطا من الإجهاد. كانا قد هربا، على الأقل حينها، ولكن أقدامهما لم تطأ سوريا ثانيةً.

أمضى عبد الرحمن الأعوام الأربعة التالية، إن لم يكن دومًا فارًّا، فمُرتحِلًا، سافر عبر صحراء شمال أفريقيا، من مصر عبر أراضي قبائل البربر الرُّحَّل. أبدى بعضهم ودًّا نحوه، غير أن أذرُع العباسيين الشديدي البأس، الذين صاروا الآن مُمسِكين بمقاليد الخلافة، امتدَّت لبعيد، وكان من السهل إقناع الحكام المحليين بأن عبد الرحمن كان يُمثِّل خطرًا. نجا مرات عديدة بأعجوبة — حتى إنه اختبأ في إحدى المرات تحت كومة ملابس تخص زوجة أحد شيوخ القبائل — وأخيرًا انتهى به الحال إلى المغرب الحالية، موطن قبيلة أمه، قبيلة نفزاوة من البربر. في هذه المرحلة، لا بد أن عبد الرحمن سمح لنفسه بأن يتنفس الصعداء؛ لأول مرة منذ مُغادَرته السريعة من سوريا. كان قد تمكَّن من أن ينأى بعيدًا بحيث يفصله عن العباسيين عدة آلاف من الكيلومترات، وتمكَّن من إيجاد ملاذ وسط أقاربه، ولكن ما كان أروع من ذلك أنه تمكَّن من البقاء على قيد الحياة. في الوقت الذي لا بد أنه شعر فيه أنه محظوظ، كان لا يزال هاربًا مُفلِسًا؛ بعيدًا كل البعد عن الحاكم القوي الذي ترعرع مُعتقِدًا أنه سيكونه. كان إرثه باعتباره سليلًا مُباشِرًا للنبي يجعل الحكام المحليين يُصابون بالتوتر؛ فلا أحد يريد شخصًا يُمكِن أن يُصبِح خليفةً يتحرك في الجوار، وحيثما ذهب، كان محورًا للسخط والشك. لم يستطع عبد الرحمن أن يهرب من ماضيه ولا هو أراد أن يفعل ذلك. لقد أبقى الله على حياته لسبب؛ فمستقبل السلالة الأُموية بين يدَيه. وإذا كان سيُحقِّق مصيره، فقد عرف ما يتعيَّن عليه فعله؛ أن يغزو إقليمًا جديدًا ويبني إمبراطورية جديدة. عندما فشلت خطته الأولية في الظفر بإفريقية (تونس)، تحوَّل نحو الشمال ونظر عبر شريط الماء الضيق الذي يربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، نحو إسبانيا، التي كانت قبائل العرب والبربر قد غزَتها قبل ذلك بأربعين عامًا.

ما الذي عرفه عبد الرحمن عن الأرض التي كانت تنتظره؟ كانت شبه الجزيرة الشاسعة التي تتخذ شكل الثور، وتتخللها جبال غنية بالمعادن تكسوها الثلوج، وأنهار مُتعرِّجة، وسهول برية مرتفعة؛ عالمًا آخر مُختلِفًا عن صحارى سوريا التي خلَّفها وراءه. يشتهر كُتاب العصور الوسطى العرب بأسلوبهم المُنمَّق الجيَّاش، ولا تُشكِّل أوصافهم للأندلس، التي نعرفها الآن باسم أندلسية، استثناءً في هذا الصدد. فقد بهَرهم الجمال الطبيعي لهذا البلد المسلم الجديد وبعث فيهم البهجة؛ فأثنَوا بعبارات قوية رنانة على «تلالها اللطيفة وسهولها الخصبة، وطعامها الحلو والنافع … والأعداد الكبيرة من الحيوانات النافعة … والمياه الوفيرة … والهواء النقي والصحي … والتعاقب البطيء لفصول السنة.»1 إن ردة فعلهم مفهومة؛ فنظرًا لأنهم جاءوا من صحارى شمال أفريقيا والشرق الأوسط، لا بد أنهم اعتقدوا أن هذه الأرض الخضراء المُعتدِلة كانت أشبه بجنة على الأرض.

لم يكن الغزاة المسلمون هم أول من اكتشف عجائب شبه الجزيرة الإيبيرية؛ إذ كان اليونانيون والفينيقيون قد بنوا مدنًا تجارية على امتداد ساحل البحر المتوسط قبل قرون من وصول الرومان في عام ٢١٨ق.م، وسيطرتهم كذلك على معظم الأراضي الداخلية. بكفاءة معتادة، قسَّم الرومان هسبانيا (كما كانوا يُطلِقون عليها) إلى مقاطعات، مُنشئين عواصم في قرطبة ومِريدا وتاراجونا، وبدءوا عملية إحداث تحوُّل في صفحة الأرض، مُسخِّرين الموارد الطبيعية ومُنشئين مجتمعًا جديدًا تمامًا. باحتياطياتها الهائلة من الذهب والفضة والمعادن الأخرى، أصبح التعدين عملًا تجاريًّا كبيرًا؛ فوفقًا لتقديرات بلينيوس الأكبر، بلغ إنتاج إيبيريا ٢٠ ألف رطل روماني من الذهب شهريًّا، بما يُعادِل ٦٥٧٨ كيلوجرامًا أو ٦٫٥ أطنان. تبدَّلَت الزراعة وكانت الحبوب وثمار العنب والزيتون تُصدَّر في أنحاء الإمبراطورية. بنى الرومان شبكة ضخمة من الطرق، إضافة إلى علامات المسافات، وأماكن المبيت والجسور؛ شبكة لا تزال تُشكِّل أساس شبكة النقل الإسبانية. كذلك ازدهرت صناعة الصيد؛ فكانت ملايين من أسماك التونة والماكريل والسردين تُملَّح وتُباع في كل أرجاء منطقة البحر المتوسط، إلى جانب كميات هائلة من الجاروم؛ وهي صلصة سمك حارة تُستخدم في تتبيل الطعام. حكم الرومان إسبانيا سبعة قرون، واستقرُّوا وتزوَّجوا من السكان الإيبيريين الأصليين. وفي ظل هذا المناخ من الهدوء النسبي، نمَت المدن وازدهرت الثقافة وأصبحت شبه الجزيرة مشهورة بخيولها وحبوبها ومعادنها.

بحلول نهاية القرن الرابع، كانت الإمبراطورية تتهاوى داخليًّا على نفسها وفي أوائل خريف عام ٤٠٩، عبر ٢٠٠ ألف من أفراد قبائل الوَندال والسويبيين والألان جبال البرانس إلى هسبانيا وحطَّموا السيطرة الرومانية على شبه الجزيرة. ومع ذلك، في معمعة القرن التالي، دانت السيطرة لقبيلة جرمانية مختلفة، هي قبيلة القوط الغربيين، واستمرت تترأس خلال قرنَين من التدهور العام. ونظرًا لكونهم مُحارِبين، ارتكز نجاح مجتمعهم على الحاجة إلى انتصارات مُستمِرة؛ ومِن ثَم إلى معارك تُبقيهم سعداء بالغنائم والأراضي. حكموا الإيبيريين باعتبارهم صفوة صغيرة العدد نسبيًّا، دون أن يحدث لهم استيعاب حقيقي أبدًا أو أن يُنشئوا مجتمعًا جديدًا، كما فعل الرومان. وأسفر الاقتتال الداخلي المُستمِر والسلوك القمعي المتزايد تجاه رعاياهم (وبخاصة الطائفة اليهودية الكبيرة في إيبيريا) عن ركود في كل مناحي الحياة تقريبًا. تراجعت التجارة تراجعًا كبيرًا، وحدث تناقُص في عدد السكان في المناطق الحضرية، وتقلَّصَت الثقافة لدرجة أن بعض المؤرخين أطلقوا عليهم لقب «القوط الخفيين».

حلَّت فجأةً نهاية هذه الفترة الكئيبة في التاريخ الإيبيري في عام ٧١١، عندما وحَّد رجال القبائل العربية من أنحاء الشرق الأوسط صفوفهم مع البربر من المغرب وعبروا المسافة البالغة ثلاثة عشر كيلومترًا في البحر إلى الساحل الجنوبي لإيبيريا. واجهوا المقاومة غير الفعالة لنظام القوط الغربيين الحاكم بقوة عسكرية كاسحة وشروط استسلام سخية؛ لذا في غضون ثلاثة أعوام، كانت السيطرة قد دانت لهم على المدن الرئيسية والنصف الجنوبي لشبه الجزيرة بأكمله. تلقَّت مهمتهم عونًا من قِبَل السكان المحليين، الذين كانوا قد سئموا من قمع القوط الغربيين والذين استنزفَتهم سنوات من المجاعة،١ فكادوا يُرحِّبون بهم ترحيب المُحرِّرين. أُجريَت تسويات مع الحكام المحليين، ووُزِّعت الأراضي والأموال بين العرب والبربر الفاتحين. وهكذا كان الفصل التالي في تاريخ إيبيريا قد بدأ. كانت العقود التالية حافلة بالاضطراب والفوضى، مع وصول موجات من المُستوطِنين الجُدُد من أفريقيا والشرق الأوسط. في هذه البوتقة التي انصهرَت فيها الأعراق والعقائد والقبائل، كافحَت فصائل مختلفة للاستحواذ على السيادة. حاول عدد من الحكام المُتعاقِبين الذين عيَّنهم أمير تونس — الذي كان من جانبه تحت حكم الخلافة في دمشق (حتى نحو سنة ٧٤٧، كانت لا تزال في قبضة الأُمويين) — توحيد وإحلال الاستقرار في المنطقة ولكنهم فشلوا في ذلك. وكانت الطريقة الوحيدة التي كان من الممكن بها إحكام السيطرة على هذا الخليط المُتقلِّب من البشر هي قيادة قوية مباشرة. كانت الأندلس بحاجة ماسة إلى حاكم قوي وكان عبد الرحمن بحاجة ماسة إلى مكانٍ ما يُعيد منه تأسيس سلالة الأُمويين. لا بد أن الشك لم يُخالِج قلبه أو قلوب أتباعه في أن الأمر كله كان جزءًا من تدبير إلهي.
fig15
شكل ٤-١: مشهد لقرطبة من أوائل القرن الثامن عشر.

وصل عبد الرحمن إلى إيبيريا سنة ٧٥٥، في بلدة المُنكَّب، التي تقع إلى جهة الشرق مباشرة من مَلَقة، وعلى الفور بدأ في حشد الدعم. ومع انتشار أخبار النجاة والهروب المُعجِزَين من العباسيين، هرع الناس يعرضون عليه ولاءهم، وكان كثيرون منهم سوريين لهم صلات أُموية، وكانوا قد هاجروا إلى الأندلس في أربعينيات القرن الثامن. سقطَت إشبيلية بسرعة وبطريقة سلمية، وفي ربيع عام ٧٥٦، وجد عبد الرحمن، الذي لم يكن قد تجاوَز الخامسة والعشرين من عمره، نفسه على الطريق إلى قرطبة. عندما وصل، كان نهر الوادي الكبير فائضًا؛ فكان وابل من الطين والماء الجائشَين يتحرك في دوامات تحت الجسر الروماني القديم المؤدِّي إلى المدينة، وكان الأمير الحالي، الفهري، في انتظاره. في المعركة التي أعقبَت ذلك، هزم عبدُ الرحمنِ الفهريَّ، وقاد مُنتصِرًا جواده عابرًا فوق النهر ودخل إلى المدينة. وأخيرًا وبعد سنوات أمضاها في هروب مُستمِر، وجد مَوطنًا جديدًا. دخل إلى قصر القوط الغربيين الحصين، ونصَّب نفسه الأمير عبد الرحمن الأول ومضى في توطيد سيطرته على الأندلس. وبدأ أيضًا برنامجًا ضخمًا للبناء في قرطبة، مُستوحيًا إياه من بقايا الحضارة الرومانية المَجيدة التي كانت موجودة حوله في كل مكان؛ معابد مُتهدِّمة، وحمامات مهجورة، ومبانٍ مدنية مُتداعِية، وتماثيل، وفُسَيفساء وهيكل نظام ري مُتطوِّر.

fig16
شكل ٤-٢: ناعورة عربية مُرمَّمة بالقرب من الجسر الروماني القديم على نهر الوادي الكبير في قرطبة.
كان المصدر الآخر العظيم للإلهام لدى عبد الرحمن فيما يتعلق ببناء مدينته الجديدة هو وطنه الذي أُجبِر على مغادرته. فكما تُبيِّن القصيدة في مُستهَل هذا الفصل، فهو لم ينسَ أبدًا سوريا؛ فقد كانت تُمثِّل له الضوء المُرشِد في تشكيله لعالم جديد في الأندلس. في عام ٧٨٤، أصدر توجيهاته ببناء المسجد المُسمى «لا مِسكيتا» (المعروف باسم «مسجد قرطبة»)، على موقع كنيسة سانت فينسنت القوطية الغربية القديمة، التي كان المسيحيون والمسلمون، حتى ذلك الحين، يتشاركونها مكانًا للعبادة. كانت قدسية هذا الموقع — الكائن داخل المدينة، بجانب الجسر الكبير وبالقرب من القصر الأندلسي الذي بُني وأُعيدَت تسميته فصار «ألكازار» (كلمة عربية تعني «قلعة حصينة») — قد استمرت لأكثر من ألف سنة؛ منذ أن بنى الرومان معبدًا هناك. بُني مسجد عبد الرحمن على طراز المسجد الذي كان يُصلِّي فيه عندما كان صبيًّا في دمشق، ولكن، مع الإضافات التي أُضيفَت إليه على يد نسله، اكتسب شكله المعماري المُستقِل؛ إذ دمج بين الطرز الرومانية والسورية والقوطية الغربية والإيبيرية. تدعم الأعمدة الثمانمائة الغريبة (كثير منها مأخوذ من الأطلال الرومانية) مُستويَين من الأقواس ذات الخطوط الحمراء والبيضاء،٢ مُشكِّلة أنماطًا أخَّاذة ومشاهد مُتناسِقة. يخلب مسجد قرطبة «لا مِسكيتا» الألباب، فهو أروع مثال على العمارة الإسلامية في الغرب. إلا أنه في عام ١٢٣٦، فُتحَت قرطبة على يد المسيحيين من الشمال، الذين لم يُضيِّعوا أي وقت وحوَّلوه إلى كنيسة، فوضعوا مذبحًا وكرَّسوا المبنى. وبعد قرنَين من الزمن، قرَّر أسقف قرطبة، ألونزو مانريكي، أنه حتى مع المذبح الجديد، فإنه ما زال أشبه بمسجد وهو ما يُثير القلق؛ لذا حصل على إذن ببناء كاتدرائية في وسطه. عندما تسير عبر جنبات مسجد قرطبة «لا مِسكيتا» في وقتنا الحاضر، تُلاحِظ أن الحيز إسلامي تمامًا؛ فصفوف الأعمدة تنتشر مُمتدة بمناسيب ساحرة وأنت تتحرك عبرها، ولكن عندما تصل إلى المركز، يرتفع السقف ارتفاعًا هائلًا إلى الأعلى نحو أقواس مُدبَّبة وعقد مروحي واضح، وتجد نفسك في كاتدرائية قوطية، يُكمِّلها كراسي للجوقة من خشب الماهوجني وصليب. مما لا شك فيه أنه واحد من أغرب المباني في العالم، مسجد تجثم فوقه كاتدرائية، تجسيد حجري هائل للصراع بين الديانتَين.

في الوقت نفسه، كان المشهد المحيط بالمدينة يتعرض هو الآخر للتغيير. في ظل النظام الإسلامي للزراعة الإيجارية، كان المُزارِعون يدفعون للمُلَّاك نسبة من المحصول، وليس ضريبة صارمة كما كان الحال في ظل النظام القوطي الغربي الإقطاعي. كان هذا يعني أن المحاصيل الجيدة كانت في مصلحة الجميع؛ لذا شجَّع ذلك الناس على الاستثمار في البِنية التحتية الزراعية؛ فكان المُلَّاك يُوفِّرون المُعَدات والمُزارِعون يُوفِّرون العمالة. أتى المُستوطِنون العرب بخبرة تكنولوجية في الري جمعوها عبر قرون من الزراعة في مناطق من أكثر الأماكن جفافًا على سطح الكوكب؛ فليس من قبيل المفاجأة أنه تقريبًا كل كلمة إسبانية معاصرة ارتبطت بالري تأتي من العربية. في أنحاء الأندلس، بنى الناس نواعير لملء قنوات الري، ودرسوا وحسَّنوا التربة، ودرَّجوا بعناية المنحدرات إلى حقول وحوَّلوا مجاري المياه الجبلية إلى صهاريج تخزين. وأعادوا بناء شبكة القنوات الرومانية وعملوا على تمديدها؛ مما زاد من حجم الأرض الخصبة وحسَّن المحاصيل. لكل حبة قمح تُزرَع، كان يمكن توقُّع ست حبات عند الحصاد؛ في فرنسا، كان المُعدَّل واحدًا إلى ثلاثة فقط. شجَّع الاستقرار السياسي النسبي المُزارِعين على زراعة محاصيل عالية القيمة طويلة الأمد، مثل الزيتون (الذي قد يستغرق ما يصل إلى أربعين عامًا حتى ينضج) والكروم لإنتاج الزيت والخمر. السمة الأخيرة للازدهار الزراعي كانت إدخال وفرة من النباتات الجديدة، التي كان كثير منها مأخوذًا من الهند ووُزِّع في أنحاء الإمبراطورية الإسلامية مع توسُّعها. كانت المحاصيل الموسمية، مثل القطن وقصب السكر والموز والأرز والبرتقال والبطيخ تنمو على نحو جيد في إيبيريا، ما دامت تُروى ريًّا صحيحًا. أحدثَت الأطايب الغريبة الأخرى، مثل البلح والمشمش والباذنجان والبازلاء والخوخ والزعفران والتين، تغييرًا في الحدائق المنزلية وموائد الطعام الأندلسية؛ مما أضاف إلى الطائفة الواسعة من المُنتَجات التي كانت موجودة بالفعل. أطعمَت هذه الوفرة من الطعام الأعداد المتزايدة من سكان قرطبة وملأت خزائن الإمارة بالمال، نحو ١٠٠ ألف دينار في العام، في نهاية حكم عبد الرحمن الأول وهو مقدار لا بأس به بالنسبة إلى رجل وصل دون أي شيء من الجانب الآخر من البحر المتوسط منذ بضعة عقود فقط.

حب عبد الرحمن الأول العميق للنباتات جعله قائدًا لثورة خضراء. فأنشأ قصر بساتين، إلى الشمال مباشرة من قرطبة، وأسماه الرصافة؛ تيمنًا بملاذ جده خارج دمشق. وأرسل وكلاء في أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وإلى سوريا، للبحث عن النباتات والبذور وجلبها، «كل أنواع النباتات النادرة والغريبة والأشجار الجيدة من كل بلد»،2 حتى يتأتى له أن يُحيط نفسه بفاكهة ونباتات طفولته ومِن ثَم كوَّن مجموعة مُذهِلة من النباتات. تُشير إحدى القصص إلى أنه أرسل رسولًا إلى أخته، التي كانت قد بقيت في سوريا ونجَت من مذبحة العباسيين؛ ليُحاوِل إقناعها بالمجيء والعيش في الأندلس معه. رفضت المغادرة، ولكنها عوضًا عن ذلك أرسلت إليه سلة من رمان سوريا؛ تذكارًا من طفولتهما السعيدة. تعفَّنَت الفاكهة أثناء الرحلة الطويلة الحارة، لكن واحدًا من أفراد حاشية عبد الرحمن زرع البذور على أي حال، وينمو نسلها الآن في كل أنحاء إسبانيا.٣ مهَّد قصر الرصافة الطريق للجيل التالي من الحدائق النباتية الأندلسية، حيث درس الخبراء النباتات، واستحدثوا أدوية ووجدوا طرقًا لأقلمة الأنواع الغريبة التي استُخدمَت بعد ذلك في علاج الأمراض. وازدهر علم البستنة ولعب دورًا حيويًّا في تطوير الأدوية الأندلسية. وفيما بعد، في ظل الحكم المسيحي، استمر التقليد مع الحدائق الطبيعية التابعة للرهبان، حيث كانت النباتات تُزرَع وتُستخدم لتحضير أدوية وعلاجات. إلا أن كل ذلك بدأ في قصر الرصافة الحبيب إلى قلب عبد الرحمن، حيث «لم تفشل منتجات المناطق البعيدة والظروف المناخية المختلفة هذه في أن تُرسِّخ جذورها، وتُزهِر وتُثمِر في الحدائق الملكية، ومنها انتشرت بعد ذلك في سائر أنحاء البلاد»،3 مُحدِثة تغييرًا في الطب والزراعة في المنطقة.
عندما تُوفي عبد الرحمن الأول سنة ٧٨٨، كانت قرطبة مركزًا مُزدهِرًا للتجارة والحضارة. كان قد أرسى أُسُس مسجد قرطبة «لا مِسكيتا» الذي هيمن على أفق المدينة منذ ذلك الحين، وأتاح إطارًا سياسيًّا قويًّا ليبني عليه نسله. تسارعَت وتيرة عملية تحرير الأندلس من النفوذ السياسي العباسي، سنة ٧٦٣، عندما هزم عبد الرحمن جيشًا أُرسِل من بغداد، ثم أمر بوسم رءوس قُواد هذا الجيش، وتعبئتها في الملح وإيصالها إلى الخليفة المنصور. ويبدو أن المنصور عند تلقيه للطرد الشنيع، هتف قائلًا: «الحمد لله الذي جعل بيننا وبين هذا الشيطان بحرًا!»4 ومنذ ذلك الحين، ترك العباسيون الأندلس لشأنها. فقد ثبت أن عبد الرحمن الأول هو عدوهم اللدود؛ فهو عدو قوي، وحاسم ومُخيف، ولكنه أيضًا براجماتي، ومُتفتِّح الذهن وحساس على نحو يُثير الدهشة. واصل عبد الرحمن الأول سياسة التسامح الديني التي مارسها المسلمون في أنحاء الإمبراطورية. كانت غالبية السكان المحليين الإيبيريين مسيحيين، ولكن كان يوجد أيضًا طائفة يهودية مهمة عانت معاناة رهيبة في ظل حكم القوط الغربيين. سُمِح لليهود حينذاك بالحرية الدينية وخضعوا لقواعد محدودة، منها «الجزية»؛ وهي ضريبة تُفرَض على المواطنين غير المسلمين. أدَّى هذا التسامح والتعاون إلى تحديد ملامح المجتمع الأندلسي في القرون التي أعقبَت ذلك، وأصبح له تأثير عميق على البحث العلمي في هذا المجتمع. امتد هذا الموقف المُستنير أيضًا إلى الأعداد الضخمة (والمتزايدة باستمرار) من العبيد الذين أسهموا إسهامًا كبيرًا للغاية في رخاء ونجاح الأندلس. كان كثيرون منهم سلافيين، أُسِروا على يد مُحاربي الفرنجة أثناء الحروب على حدودهم الشرقية وأُخِذوا إلى إسبانيا ليُباعوا عبيدًا. كبر أولئك الذين أُمسِك بهم وهم أطفال في تقاليد وطنهم الجديد؛ إذ تحوَّلَت أعداد كبيرة منهم إلى الإسلام وكُوفئوا بنيل حريتهم.
كان تطور قرطبة إلى مركز رئيسي للسلطة بطيئًا بالمقارنة بمنافستها الرئيسية، بغداد، عاصمة الدولة العباسية. فقُبَيل أن يُصبِح عبد الرحمن الثاني (ابن حفيد عبد الرحمن الأول) أميرًا، كان العصر الذهبي للبحث العلمي في بغداد قد قطع شوطًا بعيدًا. كانت العلاقة بين المدينتَين مُعقَّدة؛ فالمرارة والتنافس بين السلالتَين الحاكمتَين كانا أسطوريَّين وكان من شأن الرغبة العارمة لدى الأُمويين في أن يُصبِحوا مُستقِلين عن النفوذ العباسي أن تُتوَّج بإعلانهم خلافة مُنافِسة في أوائل القرن العاشر الميلادي. وبينما كانت الخلافتان تنفصلان سياسيًّا بالتدريج، كان العكس صحيحًا على صعيد الثقافة والإدارة والتجارة. فمع تنامي شبكات التجارة عبر الإمبراطورية الإسلامية، أصبحت حركة البضائع المُتدفِّقة بين قرطبة وبغداد (وكل الأماكن فيما بينهما) كالسيل الجارف. في القرن التاسع، كانت بغداد هي المركز الثقافي لدار الإسلام؛ لذا تطلَّعَت إليها قرطبة، التي كانت تقف غير مُستقِرة على حافة العالم العربي بالضبط، بل، على حافة العالم المعروف، مُسترشِدة بها في كل شيء. كانت بِنية الدولة الأُموية تُعزى بدرجة كبيرة إلى بِنية العراق في العصور الوسطى؛ كانت أفكار الخدمة البريدية ونظام الرسوم المفروضة على الصادرات والواردات والعملة كلها أفكار منقولة. تجسَّد التبادل الثقافي بين الدولتَين في الشخصية الفريدة لزرياب، المُغنِّي الفارسي الأسطوري، الذي ترك البلاط العباسي في بغداد ووصل إلى قرطبة سنة ٨٢٢، حيث أمضى بقية حياته يُعلِّم الأندلسيين كيف يعيشون حياة عصرية. تجلى التقدير الذي كانوا يحملونه للثقافة الشرقية من لحظة وصول زرياب؛ «لم يكتفِ عبد الرحمن الثالث بأن خرج بنفسه لاستقباله والترحيب به، بل استضافه شهورًا عديدة في قصره الخاص ومنحه هدايا كبيرة».5 إلى جانب صوته المُدهِش، جلب زرياب إلى قرطبة كامل روعة ورُقِي البلاط العباسي؛ إذ يُنسَب إليه الفضل في إدخال الأندلس إلى القرن التاسع، إن جاز التعبير، عن طريق إدخال مجموعة هائلة من الابتكارات العصرية، وفي ذلك معجون الأسنان والوجبات المتعددة الأصناف ونبات الهِليَون وأدوات المائدة ومفارش المائدة وتسريحات الشعر والألبسة وآلات موسيقية جديدة وأنماط جديدة من الموسيقى. وأصبح من المُقرَّبين من الأمير، الذي فُتِن بهذا الرجل الساحر الراقي. كان زرياب عالمًا أيضًا، وحثَّ على دراسة الفلك والجغرافيا في البلاط القرطبي. أصبح زرياب أيقونة ثقافية، الرجل الذي أتاح للأندلسيين رؤية ما يُمكِنهم تعلُّمه من الشرق وأعطاهم الثقة لابتكار أفكارهم الخاصة.
مع تطوُّر الثقافة الأندلسية خلال القرن التاسع، بدأت تترسخ فكرة أن المعرفة ينبغي التماسها عن طريق الترحال، وشجَّع على ذلك السمو الفكري للشرق. بدأ الشباب يرتحلون نحو المجهول من أجل «العثور على أنفسهم»؛ ليستخلصوا المعرفة من أفضل المفكرين في ذلك العصر، ويُقاسون حرمان وأهوال الترحال الحتمية في أوائل العصور الوسطى.٤ كانت «الرحلة»، كما يُطلَق على هذه الأسفار، في المقام الأول، التماسًا للاستنارة الدينية، ولكنها، في الواقع، كثيرًا ما تضمَّنَت اكتساب معارف علمية دنيوية أيضًا؛ في هذه المرحلة، لم يكن ثمة فصل حقيقي بين الاثنين، وكان ذلك يرجع جزئيًّا إلى نظام التعليم الإسلامي، الذي كان فيه العلماء يُبجَّلون ويَلتمس علمهم أيُّ شخص راغب في التعلم والانفتاح عقليًّا. كانت التجارة قد جعلت الإمبراطورية الإسلامية تنفتح، فأنشأ الحكام الطرق وأصلحوها، فربطوا الأماكن بعضها ببعض، وأنشئوا بِنية تحتية تتيح من خلالها التحرك بسهولة نسبية للناس والبضائع. سافر الباحثون مع قوافل التجار وأمضوا معهم ليالي الصحراء الطويلة حول نيران خان القوافل. وعادةً ما كان التجار، الذين يتسمون بطبيعة الحال بعالمية الطابع والانفتاح، هم أنفسهم باحثين حيث استخدموا أنشطتهم التجارية للحصول على الكتب وجلبها إلى الأندلس لتُنسَخ وتُباع. في ذلك الوقت، أيضًا، كان يوجد تجار كتب وورق مُتخصِّصون، وكانوا مسئولين عن إنتاج وتجارة ونقل النصوص بين أسواق الكتب الكبيرة في القاهرة وفاس وبغداد وتُمبُكتُو وقرطبة. كانت هذه هي القنوات الرئيسية التي تدفَّقَت خلالها أنهار المعرفة في أنحاء الإمبراطورية الإسلامية. كان ينضم إلى التجار والباحثين في القوافل نوعٌ آخر من المسافرين؛ هم الحُجَّاج. ففريضة الحج أحد أركان الإسلام ويُقصَد بها حج البيت الحرام في مكة، على الأقل مرة واحدة في العمر، وهو ما جعل السفر جزءًا أساسيًّا من حياة المسلم.

قام مئات من الباحثين والحُجَّاج بالرحلة الطويلة الشاقة نحو الشرق إلى شبه الجزيرة العربية والعراق، جالبين معهم أفكارًا وكتبًا جديدة عند عودتهم إلى الأندلس. وفي عشرينيات القرن التاسع، عرفت الأندلس مذهب المعتزلة عن طريق الباحثين الذين تعرَّفوا عليه في العراق. وإذ كانت تعاليمه منتشرة، انفتح المفكرون الأندلسيون على فكرة أن المنطق الإغريقي يمكن استخدامه إطارًا للتحقيق في المسائل الفلسفية، ضمن سياق إسلامي. وكانت هذه بداية التقليد الذي أنتج باحثين شتَّى خلال القرن التالي، من بينهم أول فيلسوف أندلسي، وهو محمد بن مسرة الجبلي (٨٨٣–٩٣١). كان والد الجبلي قد سافر شرقًا في منتصف خمسينيات القرن التاسع وتعلَّم الأفكار المعتزلية في البصرة، وجلب معه عند عودته كتبًا تتناول هذا الموضوع. في ذلك الوقت، كان يُسيطِر على الأندلس المحافظون الدينيون؛ لذا كان على هؤلاء الباحثين المعتزلة الأوائل أن يكونوا حريصين على ألا يلفتوا انتباه السلطات أكثر من اللازم؛ إذ تعرَّض بعضهم للاضطهاد وأُحرقَت كتبهم. ورغم أن مذهب المعتزلة كان في الخفاء في البداية، فإنه ساعد على جلب المعرفة الكلاسيكية القديمة إلى الأندلس، لتبلغ أشُدها أثناء القرن التالي، في ظل الحكم المُستنير لعبد الرحمن الثالث والحَكم المستنصر بالله الثاني؛ مثلما حدث في ظل حكم المأمون في بغداد.

فتح عبد الرحمن الثاني، الذي حكم بغداد من سنة ٨٢٢ إلى ٨٥٢، طرق التجارة في منطقة البحر المتوسط عن طريق إقامة تحالفات مع البيزنطيين في القسطنطينية. فزاد هذا من فرص التجارة في المنتجات الأندلسية والمعادن والمنسوجات؛ مما أحدث ثراءً ضخمًا وربط الجزيرة بالعالم الأوسع. كذلك كان عبد الرحمن راعيًا سخيًّا للبحث العلمي وبذل كل ما في وسعه لتحفيز النشاط الفكري في قرطبة. بحلول منتصف القرن التاسع، كانت الثقافة العربية آخذة في الازدهار؛ كما يتضح من شكاوى الباحث المسيحي ألفارو القرطبي (بول ألفاروس)، الذي تحسَّر على وقوع المسيحيين الشبان في حب اللغة العربية وشعرها: «قرأ كل المسيحيين الشبان الموهوبين الكتب العربية ودرسوها بحماسةٍ؛ إنهم يجمعون مكتبات ضخمة بتكلفة هائلة … ونسوا لغتهم الأصلية.»٥ كانت تلك اللغة، بالطبع، هي اللاتينية، التي كانت تختنق ببطء جرَّاء الافتقار إلى الأفكار والضمور الديني بينما تغلَّبَت اللغة العربية؛ إذ كانت لغة مُذهِلة، شعرية، لغة المستقبل، لغة العلم. ولا عجب في أن المسيحيين الشبان كانوا حريصين على تعلمها والمشاركة في الثقافة الجديدة المُثيرة التي بدَّلَت حال مدينتهم. فصاروا يُعرَفون باسم «المُستعرِبين»، العرب المسيحيين، وازدادوا ليُصبِحوا جالية ضخمة ومُؤثِّرة، مُنتشِرة عبر الأندلس.
fig17
شكل ٤-٣: مشهد لجسر روماني على نهر الوادي الكبير وقرطبة على الضفة اليسرى. يُرى سقف الكاتدرائية واضحًا أعلى مسجد قرطبة «لا مِسكيتا»، بينما يمكن رؤية حافة برج كالاهورا على يمين الصورة على الناحية المقابلة من الجسر.

في الوقت الذي كان فيه المسيحيون المحافظون، مثل ألفارو، الذين صاروا في ذلك الحين مواطنين من الدرجة الثانية، يشعرون بأنهم مُهمَّشون ومُهدَّدون في مجتمع قرطبة المُتعدِّد الثقافات، الذي يُهيمِن عليه المسلمون، كان العكس صحيحًا في حالة الجالية اليهودية السفاردية الضخمة. فبعد أن تحمَّلوا اضطهاد القوط الغربيين، انتعشوا في ظل النظام الجديد المُتفتِّح نسبيًّا، الذي سمح لهم ببناء المعابد اليهودية والعيش في سلام في الحي اليهودي من المدينة، الذي كان واقعًا شمال «ألكازار» مباشرة. على عكس المسيحيين الذي كانوا قد فقدوا مركزهم المُهيمِن لصالح العرب المُستوطِنين والإسلام، كان اليهود مُعتادين على الاحتفاظ بلغتهم الخاصة، وعقيدتهم الخاصة، ومجتمعهم الخاص إلى جانب لغة البلد الذي كانوا يعيشون فيه وعقيدته ومجتمعه. اعتنق الشباب اليهودي أيضًا اللغة والثقافة العربية، وأتاح لهم تسامُح المجتمع الأُموي النجاح في مجالات كثيرة من الحياة العامة والارتقاء بقدر ما مكَّنَتهم مواهبهم. لعب الباحثون اليهود دورًا أساسيًّا في نقل العلم في القرون اللاحقة، بينما بقيت جاليتهم ركيزة من ركائز الحياة المدنية في قرطبة. وقد تغلغلوا بشكل خاص في مجال الطب؛ إذ كانوا يُشكِّلون ما يصل إلى خمسين بالمائة من الأطباء في إسبانيا، بينما كانوا يُمثِّلون فقط ١٠ بالمائة من تعداد السكان عمومًا.

في ذلك الوقت تقريبًا بدأت الأفكار العلمية في الوصول من الشرق بأعداد كبيرة. فكما رأينا سابقًا، مع بداية القرن التاسع، كانت الفترة العظيمة للترجمة ماضية قدمًا في بغداد وكانت تجارة الكتب الإسلامية تشهد ازدهارًا كبيرًا. أسَّس خليفة عبد الرحمن الثاني، محمد الأول، الذي حكم خلال الفترة من سنة ٨٥٢ إلى ٨٨٦، مكتبة ملكية كانت هي أكبر مجموعة كتب في ذلك الوقت، وأنفق صفوة الأندلسيين آلاف الدنانير اقتداءً به. كان سوق الكتب مُزدحِمًا بالرجال الأثرياء الذين يبحثون عن أفضل المجلدات ليملئوا أرفف مكتبتهم. ومع ذلك، لم يُمثِّل هذا أمرًا جيدًا بالنسبة إلى الباحثين؛ الذين اشتكى أحدهم، عندما ظهر كتاب كان قد أخذ يبحث عنه طيلة شهور في مزاد، من أنه وجد نفسه مُحاصَرًا في حرب للمزايدة. فقد ارتفع السعر عاليًا جدًّا حتى إنه اضطر للاستسلام وخسر الكتاب، وتحوَّلَت خيبة أمله إلى غضب عندما أقرَّ الرجل الذي تفوَّق عليه في المزايدة بأنه لم يكن لديه أي فكرة عما يتناوله الكتاب؛ إذ كان ببساطة «مُتلهِّفًا لإكمال مكتبة أُنشئُها، الأمر الذي سوف يمنحني سمعة طيبة وسط زعماء المدينة».6 كان النزاع الأزلي بين الهواة الأثرياء والباحثين المعدمين قد وصل إلى الأندلس. لا توجد معلومات مُحدَّدة كثيرة في المصادر عن الكيفية التي وصلت بها الكتب المفردة إلى هناك، ولكن شاعرًا وقاضيًا يُدعى عباس بن ناصح، عاش في مصر والعراق سنوات كثيرة، يُذكر بوصفه كان يجلب الكتب من الشرق إلى عبد الرحمن الثاني في قرطبة. إنه مثال، مجرد مثال واحد، لكن لا بد أنه كان يوجد كثيرون مثله؛ رجال إما قدَّموا نصوصًا على هيئة هدايا عندما وصلوا إلى الأندلس، وإما باعوها إلى الباحثين وجامعي الكتب. رجل آخر من المُؤكَّد أنه جلب معه كتبًا لدى عودته من العراق هو عباس بن فرناس، الذي يعد أيضًا أول شخصية عظيمة في مجموعة الباحثين الأندلسيين العظماء. كان لدى هذا الرجل، الذي كان بمنزلة «ليوناردو دافنشي إسبانيا الإسلامية»،7 والذي وُلد في رُندة سنة ٨١٠، مجموعة مُدهِشة من الاهتمامات البحثية، وعيَّنه مُنجِّمًا للبلاط عبد الرحمن الثاني. لم يكن من السهل التحقُّق من الحقائق الفعلية لحياته، ولكن يُقال إنه سافر إلى بغداد للدراسة، قبل أن يعود إلى الأندلس، حيث درَّس الرياضيات والموسيقى وكتب الشعر، واخترع طريقة مُبتكَرة لقطع الكريستال الصخري،٦ وصمَّم وأنشأ ساعة مائية وكرة ذات الحِلق (تُستخدم في الفلك) وقبة فلكية. لكن أكثر ما يشتهر به هو محاولته الطيران بتغطية نفسه بريش والقفز من برج (أو جرف، حسب القصة)، مُمسِكًا بأجنحة مُصمَّمة تصميمًا خاصًّا. وبمعجزة ما، نجا، على الرغم من كونه في الستينيات من عمره، فخلُص إلى أنه لم يكن يُدرِك أهمية ذيول الطيور في عملية الهبوط.

رغم تجاربه المُتهوِّرة، عاش ابن فرناس حتى بلغ من العمر أرذله. وأسهم في بدء تقليد بحثي بلغ أوجَه في القرن التالي عندما جلس عبد الرحمن الثالث على العرش. وُلد عبد الرحمن الثالث في عام ٨٩١. كان حفيد الأمير السابع، عبد الله، الذي تجاوَز، على نحو مُثير للجدل، أبناءه الأربعة كلهم في تنصيبه لحفيده خلفًا له. كانت أم عبد الرحمن أَمة مسيحية، وجدته كانت أميرة مسيحية، ابنة ملك بامبلونا؛ لذا كان للأمير الجديد خلفية عِرقية ودينية مُختلِطة، وعينان زرقاوان وشعر أشقر، وعلى ما يبدو أنه صبغه بلون أسود ليجعل نفسه يبدو عربيًّا أكثر. مات عبد الله تاركًا الأندلس في حالة فوضى، تعصف بها نزاعات داخلية وحركات تمرُّد، ويُهدِّدها من الشمال ملك أستورياس المسيحي والفاطميون المُستقِرون في شمال أفريقيا من الجنوب. من المحتمل أن التفاؤل لم يملأ المُعلِّقين السياسيين المعاصرين عندما اعتلى العرشَ عبدُ الرحمن ذو الواحد والعشرين ربيعًا؛ إذ لم يكن بوسعهم أن يدركوا أنه سوف يُصبِح أهم وأنجح زعيم في تاريخ إسبانيا الإسلامية. تكلَّم عبد الرحمن، الذي كان مُتعلِّمًا تعليمًا جيدًا ومُثقَّفًا، العديد من اللغات بطلاقة وكان راعيًا مُتحمِّسًا للبحث العلمي. أسَّس جامعة في مسجد قرطبة «لا مِسكيتا» وشجَّع الباحثين على العمل على النصوص العلمية التي جُلبَت من الشرق. كانت جهود الخوارزمي في علم الحساب الهندي وجداوله الفلكية (الزيج)، التي جلبها على الأرجح عباس بن فرناس إلى الأندلس في منتصف القرن التاسع، شديدة التأثير، وقد شكَّلَت علم الفلك الأندلسي. تحت رعاية عبد الرحمن الثالث، عمِل المجريطي (الذي يُوحي اسمه بأنه وُلد في مدريد) على مواءمة «الزيج» مع إحداثيات الطول الخاصة بقرطبة حتى يتسنى لهم استخدامها لتوقُّع حركات النجوم، والتثبت من اتجاه مكة واستنباط المواقيت الصحيحة للصلوات خلال اليوم. كان الفلك أداة حيوية للسلطة، وفهم عبد الرحمن أهمية ملء بلاطه بالباحثين المُتفرِّغين لدراسة النجوم ومعرفة كيفية التنبؤ بحركاتها؛ ومِن ثَم، التنبؤ بالمستقبل.

كان المجريطي عضوًا قياديًّا في دائرة الباحثين في بلاط عبد الرحمن. كانوا يقومون بعمليات رصد دورية، ويعملون معًا لتحسين دقة جداولهم وتصحيح النظرية الفلكية. كان المجريطي مُعلِّمًا عظيمًا ومُوجِّهًا للجيل التالي من العلماء، وقامت على معارفه مدرسة. كان بذلك شخصية بالغة التأثير في تطوُّر علم الفلك والرياضيات في الأندلس، وانتقل تلاميذه إلى مدن أخرى، وأخذوا أفكاره معهم. كان المجريطي «شديد الولع بدراسة كتاب بطليموس المعروف باسم «المجسطي» وفهمه»،8 كما ورد أيضًا أنه قام بترجمة لكتاب بطليموس المُسمى «خريطة النجوم»، الذي لم يُكتَب له البقاء بالعربية، وإنما فقط بالترجمة اللاتينية التي أُجريَت في طليطلة في القرن الثاني عشر. علَّم المجريطي تلاميذه كيفية استخدام الأجهزة الفلكية استخدامًا صحيحًا، وكيفية صنع أجهزتهم بأنفسهم. وواصل ابن الصفار، أحد تلامذة المجريطي، عمل المجريطي على الأَسطُرلابات، وكانت الأطروحة التي كتبها ابن الصفار لاحقًا ذات أهمية كبيرة حتى إنها كانت لا تزال تُستخدم بواسطة الفلكيين في القرن الخامس عشر. صنع كل من المجريطي، والصفار وتلميذ آخر من تلاميذه يُدعى ابن السمح نسخًا جديدة من جدول الخوارزمي المُسمى «الزيج»، وعملوا على مواءمتها مع الموقع الجغرافي لقرطبة. كتب ابن السمح أيضًا كتابًا يُفسِّر الهندسة في أطروحة إقليدس «العناصر»، كما كتب أطروحتَين عن الأَسطُرلاب.

نتيجة لذلك، أنتجَت الأندلس تراثًا ثريًّا من البحوث الفلكية المُستنِدة على عمليات رصد دقيقة أُجريَت على مدى فترات طويلة من الزمن. كيَّف علماء الفلك الأندلسيون أحدث النظريات الآتية من الشرق لتُلائم حاجاتهم وموقعهم، وعادوا إلى بطليموس ليدرسوا ويُفنِّدوا ويُصحِّحوا عمله، واستفادوا من أفكار مُستقاة من الرياضيات الهندية ومن أطروحة «العناصر» لإقليدس ليُنتِجوا مساهماتهم في عملية التقييم والتحسين المُتدرِّجة التي تقود البحث العلمي للأمام. عزَّزَت المستويات المرتفعة من الحِرَف اليدوية المحلية، بخاصة في أشغال المعادن، من تقدُّمهم، وهو ما استغلوه لصنع أجهزة أكثر دقة ونفعًا من أي وقت مضى. ليست مصادفة أن والد ابن الصفار كان عامل نحاس أصفر، وأنتجَت هذه الشراكة الخصبة بين الفن والعلم بعض الأشياء ذات الجمال المُدهِش.

استقطب بلاط عبد الرحمن أذكى الشباب وأكثرهم طموحًا من كل أرجاء شبه الجزيرة. ولم يكن أحد أكثر ذكاء أو طموحًا من شاب يهودي من مدينة جيان يُدعى حسداي بن شبروط، الذي عُيِّن في البداية طبيبًا للبلاط. كشأن سيده عبد الرحمن، كان حسداي باحثًا موهوبًا، ويتكلم العديد من اللغات بطلاقة (وفي ذلك اللاتينية، التي كانت من ناحية أخرى لا يفهمها إلا قلة قليلة من الكهنة المسيحيين)، وجذَّابًا، ورفيع الثقافة، وبارعًا؛ كان لديه كل ما يتمناه حاكم في مستشاره. ولم يمضِ وقت طويل حتى صار حسداي رجلًا لا غنى عنه لدى عبد الرحمن، الذي عيَّنه مسئولًا عن الجمارك والواردات في قرطبة، وهو منصب استخدمه ليُحدِث تحولًا في أوضاع الخزانة. إجادة حسداي للغات وذكاؤه ومكانته لدى المجتمع الدولي اليهودي، كل هذا جعل منه دبلوماسيًّا مثاليًّا. سافر حسداي إلى بلاط الإمبراطور الروماني المُقدَّس، أوتو الأول، في فرانكفورت، وإلى بلاط الإمبراطور البيزنطي في القسطنطينية، وعندما وصل السفراء إلى قرطبة، كان حسداي هو من استقبلهم. قال يوحنا الجورزيني، وهو راهب كان عضوًا في وفد أُرسِل من فرانكفورت: «لم أرَ مطلقًا رجلًا بهذا القدر من الذكاء البارع.»9 ويبدو أن مواهب حسداي كانت بلا حدود؛ حتى إنه نجح في شفاء ملك ليون، سانشو البدين، من سمنته المُفرِطة. انضم إلى حسداي في زمرة المُقرَّبين من عبد الرحمن المسيحي (المُستعرِب) أسقف إلفيرا، ريتموندوس، الذي بفضل ديانته وخلفيته، صار مناسبًا تمامًا للبعثات الدبلوماسية التي كان مسئولًا عنها إلى القسطنطينية وفرانكفورت. سعَت التأريخات الحديثة للأندلس إلى الطعن في فكرة أن الأندلس كانت مكانًا لتسامُح ديني مُميَّز، لكن أهمية ريتموندوس وحسداي في حكومة عبد الرحمن تُثبِت أن التفتح كان مُهيمِنًا في الطبقة العليا من المجتمع. علاوة على ذلك، فإن حقيقة أنهما لم يكونا مسلمَين كانت ذات أهمية بالغة في الدور الذي لعباه.
بحلول عام ٩٢٩، كان عبد الرحمن قد أرسى دعائم الاستقرار في الأندلس، مُستخدِمًا مزيجًا من القوة الغاشمة والتفاوض البارع. كانت قرطبة، في تلك المرحلة، مدينة كبيرة غنية. كانت شوارعها النظيفة نظافة تامة تُضاء بفوانيس ليلًا، وملأت رائحة الطعام الشهي والتوابل العبقة أسواقها، بينما تدفَّق الماء عبر نظام الري إلى عدد لا يُحصى من النوافير في الأفنية الظليلة للمنازل القرطبية. في ورش المدينة، صنع الحِرَفيون أجمل المشغولات الجلدية والحلي المنقوشة نقشًا مُعقَّدًا والأقمشة الفاخرة والنحاس الأخضر الشهير والأواني الفخارية الزرقاء المضاف إليها المنجنيز؛ سلعٌ فاخرة كانت تُباع في كل أنحاء منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط، لتُحقِّق ثراءً هائلًا للحِرَفيين وتجار المدينة. بنى القرطبيون الأثرياء قصورًا مُذهِلة في الوادي الخصيب لنهر الوادي الكبير، مُستوحاة من بقايا الفيلات الرومانية التي وجدوها هناك، ومُشتمِلة على حدائق وبساتين ومغاطس ومكتبات. حتى أشد الكُتَّاب معاداةً للإسلام كانوا مُنبهِرين، ووصفوا المدينة بأنها «زينة العالم الجميلة».٧ وجاءت اللحظة التي تخرج فيها قرطبة من ظلال مُنافِستها القديمة، بغداد، من أجل المنعطف الأخير في العداء الكبير بين السلالتَين. ففي عام ٩٢٩، أعلن عبد الرحمن الثالث عن إقامة خلافة مُنافِسة، قاطعًا جميع العلاقات مع بغداد ومُنزِلًا الانتقام النهائي بالعباسيين، الذين كانت إمبراطوريتهم تتداعى من حولهم.
غير أن عبد الرحمن أدرك أن مجرد إعلان نفسه خليفة لم يكن كافيًا. فقد كان بحاجة إلى أن يُنشئ لنفسه مقرًّا يعكس سلطته ومكانته الجديدتَين. وهكذا، في عام ٩٣٦، سافر بضعة كيلومترات خارج قرطبة، نحو الشمال الشرقي، صوب سييرا مورينا، وهي مجموعة من التلال التي تُحيط بالوادي. فوجد مكانًا في منتصف الطريق إلى منحدر جبل العروس يحظى بإطلالة بانورامية شاملة عبر سهل الوادي الكبير، وبدأ يبني المدينة — القصر المهيبة التي أسماها مدينة الزهراء. عمل آلاف من العمال، وكان كثير منهم عبيدًا،٨ بإيقاع محموم لإنشاء مجمع حضري ذي اكتفاء ذاتي (على مساحة تتجاوز الكيلومتر المربع)، بحماماته، وورشه، ومساجده، ومخابزه، وثكناته العسكرية، وبالطبع مَبانٍ سكنية فخمة للخليفة وحكومته. حُوِّلت مجاري المياه الجبلية، عبر قناة رومانية مُرمَّمة، إلى خزانات ضخمة، بحيث كان لكل ركن من المدينة مياه جارية، بينما قُسِّم الموقع أفقيًّا إلى ثلاث مصاطب، والقصور في المستوى الأعلى. عملت محاجر إيبيريا وشمال أفريقيا بسرعة على مضاعفة إنتاج الأطنان من أجود الرخام؛ الوردي والأخضر من قرطاج، والأبيض من تاراجونا. نُهبَت مبانٍ قديمة من أماكن بعيدة مثل ناربون وروما لجمع ٤٠٠٠ عمود حُملَت عليها المدينة. في قاعة الخلفاء، تألَّقَت الجدران برخام شبه شفاف وذهب، يعكس لؤلؤة ضخمة، أُرسلَت هديةً من القسطنطينية، كانت مُتدلِّية من وسط السقف. على الأرض، يهتز حوض من الزئبق، يبعث الرعب والعجب في نفوس الزوار بإرساله أشعة الشمس في أرجاء القاعة.
استنادًا إلى خلفية عظمة مدينة الزهراء، كان في مقدور عبد الرحمن الثالث أن يشغل مكانه على الساحة العالمية إلى جانب قادة العالم العظام الآخرين في العصور الوسطى. عجَّت قاعات المجلس المُتألِّقة بالسفراء من الفرنجة واللومبارديين والسردينيين والإمبراطورية البيزنطية وممالك شمال إسبانيا المسيحية، بينما استخدم مُمثِّله، حسداي، مهاراته الشخصية في أرجاء قاعات البلاط الملكي لأوروبا والشرق. كان لهذه الفورة من النشاط الدبلوماسي كثير من النتائج الإيجابية. فقد ترسخ وضع عبد الرحمن بصفته خليفة، وأصبحت الأندلس لاعبًا أساسيًّا في السياسات الدولية ونعمت بتحالفات قوية، وكذلك، كما أشار حسداي مفتخرًا: «ملوك الأرض، المعلوم لديهم عظمته وسلطانه [يقصد عبد الرحمن الثالث]، يجلبون إليه الهدايا، يستجلبون عطفه بهدايا نفيسة، مثل ملك القسطنطينية، وآخرين. كل هداياهم تمر من بين يدَيَّ، وأنا مُكلَّف بتقديم هدايا في المقابل.»٩ وحرصًا منهم على إثبات ثرائهم وترسيخ التحالف في مواجهة العباسيين، كان البيزنطيون كرماء بشدة. فتألَّقَت مدينة الزهراء بجواهر ضخمة، وأعمدة رخامية، وأحواض مُزخرَفة مُرسَلة من القسطنطينية. في عام ٩٤٩، أرسل الإمبراطور قسطنطين السابع، الذي سمع باهتمام عبد الرحمن بالعلم والمعرفة، شيئًا أغلى من ذلك؛ إذ أرسل كتابًا. كان الكتاب بعنوان «عن المواد الطبية» وقد كتبه دِيسقُورِيدُوس في القرن الأول الميلادي. ويُعَد الكتاب دستورًا أو مرجعًا للأدوية وهو ضخم إذ يتألف من خمسة مجلدات، يصف ٦٠٠ نبتة وخصائصها الطبية. كانت هذه النسخة قد أُضيفَت إليها الرسوم التوضيحية بواسطة أكثر فناني النسخ موهبةً في القسطنطينية وكانت مليئة بالصور الجميلة للنباتات والمعادن والحيوانات؛ لم تكن مجرد زينة، وإنما أدوات مهمة فيما يتعلق بالتعريف. كان نصًّا في غاية الأهمية، وكذلك ظل لقرون، مُستخدَمًا بواسطة أجيال من الأطباء، وكان مصدرًا رئيسيًّا لأعمال جالينوس المُتعلِّقة بعلم النبات الطبي. كان الباحثون الأندلسيون قد توصَّلوا بالفعل إلى ترجمة عربية ركيكة للنص وهي الترجمة التي كان حُنَين بن إسحاق قد عمل عليها في بغداد، لكن كثيرًا من أسماء النباتات كان قد تُرجِم صوتيًّا فحسب إلى العربية بدلًا من تحديده على نحو سليم (الأمر الذي كان من شأنه أن يكون له عواقب مُخيفة عند استخدامها لصنع الأدوية)؛ فكثير من النباتات لم يكن في الواقع ينمو في العراق؛ لذا كانت غير معروفة لدى المُترجِمين الأوائل.

كانت الترجمة الجديدة لكتاب «عن المواد الطبية» نقطة تحوُّل في تطوُّر الطب الأندلسي؛ إذ أتاحت له أن يتخطى إنجازات الشرق ويُؤسِّس تقليدًا طبيًّا مُستقِلًّا في إسبانيا. ولكن، قبل أن يتسنى لهذا أن يحدث، تعيَّن على القرطبيين أن يُترجِموه من اليونانية إلى العربية، ولم يكن يوجد من يتحدث اليونانية في الأندلس. على الفور كتب حسداي بن شبروط إلى الإمبراطور في القسطنطينية، طالبًا منه العون، وبعد بضع سنوات، وصل راهب بيزنطي يُدعى نيكولاس لينضم إلى فريق المُترجِمين الذين كانوا عاكفين على النص. لقَّن نيكولاس اليونانية للمُستعرِبين الناطقين باللاتينية؛ حتى يتمكنوا من ترجمة الحديث المُتبادَل بينه وبين الباحثين العرب ترجمة فورية، وبهذه الطريقة، تُرجِم هذا العمل العظيم تدريجيًّا إلى العربية؛ وأمكن التعرف على كل النباتات تقريبًا في البيئة المحلية. كان هذا المشروع المُتعدِّد اللغات والأعراق تحت إشراف حسداي بن شبروط، الذي شجَّع ودعم فريق الباحثين، وساهم دون شك بخبرته الكبيرة عند الحاجة إليها. وكما كان حاله في العصور القديمة، كان كتاب «عن المواد الطبية» واحدًا من أكثر النصوص الطبية تأثيرًا في العصور الوسطى؛ إذ ظل المرجعية الأساسية في موضوعه على مدى ١٥٠٠ سنة، ونُسِخ باليونانية واللاتينية والعربية، وتُنوقِل على نطاق واسع. وإبِّان القرنَين السادس عشر والسابع عشر، تُرجِم إلى الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية والإسبانية، وشكَّل الأساس لكثير من كتب الأعشاب في عصر النهضة. كانت الرسوم التوضيحية التي احتواها إيذانًا بمولد نهج رسم النباتات المُنتشِر عبر عالمَي الفن والعلم إلى يومنا هذا. وقد خُطَّت أقدم مخطوطة مُصوَّرة باقية إلى يومنا هذا في القرن الخامس الميلادي في القسطنطينية لحساب الأميرة البيزنطية أنيسيا جوليانا، وهي الآن موجودة في مكتبة في فيينا. كانت النسخة العربية من كتاب «عن المواد الطبية» من النصوص الأساسية في تطوُّر علمَي النباتات والأدوية الأندلسيَّين؛ إذ كان بمثابة نقطة البداية لتقليد طويل من دراسة ووصف «الأعشاب الطبية»، علاجات تُصنَع من نبتة واحدة، وبحلول القرن الثالث عشر، أدرج الباحثون الأندلسيون أكثر من ٣٠٠٠ منها. وقد نفَّذوا هذا العمل في حدائق نباتية، حيث أجرَوا عمليات تكاثر للنباتات وزرعوها وعكفوا على دراستها بالإضافة إلى دراسة خصائصها الطبية، وابتكروا علاجات ووضعوا أُسُس علم الأدوية المعاصر، سائرين على النهج الذي بدأه لأول مرة عبد الرحمن الأول في حديقته في الرصافة.

انضم عمل دِيسقُورِيدُوس العظيم إلى أعمال جالينوس، التي كانت بالفعل تُدرَس في إيبيريا بترجمات عربية وضعها حُنَين بن إسحاق ومجموعته في بغداد. وعلى نحو رائع لخَّص أحدُ الباحثين الشبان، الذي كان يجمع، مثل كثير جدًّا من أبناء وطنه، بين الاهتمام بالعلم والموهبة في كتابة الشعر، الأمر في هذا المقطع الشعري:

عندما لا يكون لديَّ ضيوف ولا رفقاء،
أحتفي بأبقراط وجالينوس،
أتخذ كتبهم علاجًا لوحدتي؛
إنها علاج لكل جرح أُداوِيه.10
سافر الكثير من الأطباء شرقًا ليتعلموا من أساتذة العراق العظماء. غادر شقيقان، يُدعيان عمر وأحمد، الأندلس وأمضيا عشر سنوات في بغداد يدرسان كتب جالينوس مع ثابت بن سنان، ابن الباحث الصابئي الشهير ثابت بن قرة، وطب العيون مع طبيب عيون مُتخصِّص. وعندما عادا إلى الديار في عام ٩٦٢، عُيِّنا طبيبَين للبلاط واشتُهرا بعلاجاتهما، وتحديدًا بقدرتهما على معالجة عِلَل العيون. في الفترة نفسها تقريبًا، كان يعيش في البصرة باحث أندلسي آخر، يُدعى الجبلي، ويدرس الطب والمنطق. ومن هناك، انتقل إلى مصر، حيث عمل مديرًا لأحد المستشفيات وبعد ذلك عاد إلى إيبيريا في عام ٩٧١.١٠ وقد اكتسب سمعة باهرة بصفته طبيبًا، مشتهرًا بدرايته الواسعة وفهمه العميق للطب. فحقيقةُ أن الباحثين درسوا في الشرق منحتهم دون شكٍّ مجدًا ما إن عادوا إلى ديارهم، ولكن لا بد أن المكانة العالية التي حظي بها هؤلاء الأطباء الثلاثة قد اعتمدت أيضًا على ممارساتهم الطبية ومقدرتهم على شفاء الناس. وقد كانت إسهاماتهم في عملية النقل حيوية؛ إذ عادوا بأحدث الأفكار الطبية وترجمات لنصوص قديمة ونشروا تلك النصوص بين أطباء الجيل التالي في الأندلس.
fig18
شكل ٤-٤: ترميم حديث لبعض من أدوات الزهراوي الجراحية الدقيقة، معروضة في متحف برج كالاهورا. الأداة الموجودة في المقدمة يسارًا تُوصَف بأنها: «بلطة تُستخدم في جراحة الأوردة.»
هيمن رجل واحد على ذلك الجيل. كان أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (٩٣٦–١٠١٣) أحد العمالقة حقًّا في تاريخ الطب. لا نعلم إذا ما كان سافر شرقًا بحثًا عن المعرفة، ولكنه تعلَّم على يد المجريطي، وعيَّنه الحَكم الثاني، ابن عبد الرحمن الثالث ووريثه، طبيبًا للبلاط؛ لذا أمضى جانبًا كبيرًا من حياته في المدينة — القصر المعروفة باسم مدينة الزهراء؛ ومن هنا جاء اسمه. في أواخر حياته، ألَّف الزهراوي كتابًا جامعًا ضخمًا بعنوان «كتاب التصريف» (عادةً ما يُعرَف باسم «منهج الطب»)،١١ والذي استمر ليُصبِح حجر زاوية للممارسة الطبية في أواخر العصور الوسطى، مُتخِذًا مكانه إلى جانب كتاب الرازي «الحاوي في الطب» وكتاب ابن سينا «القانون في الطب» على أرفف كتب الأطباء في أنحاء أوروبا.١٢ كان «كتاب التصريف»، الذي يُعَد دليلًا شاملًا للطب، يتكون من ثلاثين أطروحة تتناول الأمراض والأعراض والعلاج والنظام الغذائي وتحضير العقاقير البسيطة والمُركَّبة واللصقات والعلاجات والمراهم اتباعًا للتقليد الذي انتهجه كتاب «المواد الطبية». وكان القسم الأخير، الذي يُشكِّل نحو ثلث الكتاب، مُخصَّصًا للجراحة، وهذا هو السبب الأبرز وراء شهرة الزهراوي.
في مقدمته يتحسر الزهراوي على أن «العمل باليد مُحسِنُه في بلدنا وفي زماننا معدومٌ البتة»، قبل أن يُتابِع ويُؤكِّد ضرورة أنه يتعين على المُمارِس «أن يرتاض قبل ذلك في علم التشريح، الذي وضعه جالينوس، حتى يقف على منافع الأعضاء، وهيئاتها، ومزاجاتها واتصالها وانفصالها، ومعرفة العظام والأعصاب والعضلات، وعددها ومخارجها، والعروق والنوابض والسواكن، ومعرفة مخارجها».11 كذلك تأثَّر بالأطباء العرب، وبشكل خاص الرازي، وبالموسوعي بولس الأجانيطي من العصر القديم المتأخر، والذي كان كتابه عن الجراحة مصدرًا مهمًّا للمعلومات.
كان نهج الزهراوي العملي مُستنِدًا على تصميم الأدوات الجديدة، التي كان كثير منها مُستخدَمًا منذئذٍ؛ الملقط، والمنظار، ومنشار العظم، ومبضع استخراج حصاة المثانة، والسكين المخفي، والخطاف الجراحي، ومقصلة اللوزتَين، والملعقة والقضيب، والإبرة والمحقن وأدوات أخرى كثيرة. ليس هذا فحسب، بل وضع أيضًا رسومًا بيانية مُفصَّلة وتوضيحات عن كيفية صنع واستخدام هذه الأدوات، وهي سابقة في العالم الإسلامي. ويوجد ترميم لهذه الأدوات معروضة في متحف برج كالاهورا في قرطبة. ونظرًا لكونها موضوعة على وسائد حمراء لامعة، يمكن بسهولة أن يُخطئ المرء ويحسبها قِطعًا جميلة من الحلي، ولكن البطاقات أسفلها لا تدع لك مجالًا للشك بشأن وظائفها؛ تجد مكتوبًا على إحداها: «بلطة تُستخدم في جراحة الأوردة.» كان نهج الزهراوي في الطب مُبدَعًا وعمليًّا؛ إذ كان له الريادة في مواد التخدير بإعطائه لمرضاه إسفنجات منقوعة في أفيون وقنب من أجل استنشاقها، وكان أول شخص يستخدم الخيط الجراحي من أجل الخياطة الداخلية؛ وهو عبارة عن مادة طبيعية تذوب بسهولة داخل الجسم البشري دون أن تُسبِّب عدوى، ويستخدمها الأطباء منذ ذلك الحين. واستحدث علاجات للاعتلالات النفسية، منها علاج يعتمد على الأفيون، دعاه «جالب السعادة والسرور؛ لأنه يُريح النفس، ويطرد الأفكار السيئة والهموم، ويُلطِّف الأمزجة، ومُفيد ضد المالَنخُوليَا».12 أحدث تركيزه على التشريح ووظائف الأعضاء تأثيرًا على أجيال من الأطباء، مثلما أحدثت أفكاره عن الأخلاقيات والنظافة الشخصية والتعليم والنظام الغذائي. كان أيضًا مهتمًّا بالطب النفسي وتعليم الأطفال، وهو ما ناقشه باستفاضة في «كتاب التصريف». ومع ذلك، كان كتابه عن الجراحة هو صاحب التأثير الأعمق؛ فتُرجِم إلى اللاتينية في طليطلة ومن هناك انتشر في سائر أنحاء أوروبا.
كان الزهراوي محظوظًا في أن الجانب الأول من حياته العملية تزامَن مع أوج العصر الذهبي القرطبي في حكم عبد الرحمن الثالث وابنه الحَكم الثاني. كان الحَكم أكثر حماسة إزاء التعلُّم من أبيه، وعندما كان لا يزال شابًّا «بدأ جهده في دعم العلوم ومصادقة العلماء. فجلب من بغداد، ومن مصر، ومن بلدان شرقية أخرى أفضل أعمالهم العلمية وأقيم منشوراتهم، جديدة كانت أو قديمة».13 أحسن الحَكم استخدام الوقت الذي كان فيه وليًّا للعهد، مُنشئًا شبكة شاسعة من المعارف في مجال الأبحاث ومُرسِلًا وكلاء في أنحاء دار الإسلام وما وراءها لشراء أو نسخ أو استعارة أو سرقة الكتب القديمة والحديثة، لمكتبته، وجلبها إلى قرطبة، مهما كانت التكلفة. وحسبما أورد صاعد الأندلسي، الذي كتب استعراضًا مُفصَّلًا لتاريخ العلم في القرن الحادي عشر، فإن: «مجموعته أصبحت مُعادِلة لما استطاع بنو عباس [بنو موسى من بغداد] أن يجمعوه مُجتمِعين على مدى مدة زمنية أطول بكثير. ما كان ذلك ممكنًا إلا بسبب حبه الكبير للعلم وتَوقه إلى اكتساب الفضل المصاحب له، ورغبته في الاقتداء بالملوك الحكماء.»14 في هذا الصدد، أسَّس سبعًا وعشرين مدرسة للأطفال الفقراء، ودعم الجامعة التي أسَّسها أبوه في مسجد قرطبة، فجعلها مشهورة بأن كفَّل هبات سخية، ودعا الأساتذة الشرقيين للمجيء والتدريس في المدينة وأنفق آلاف الدنانير على تركيب أنابيب للمياه وفسيفساء من القسطنطينية. وعندما اعتلى الحَكمُ العرشَ سنة ٩٦١، ضم ثلاث مكتبات ملكية رئيسية، هي مكتبة القصر ومجموعة شقيقه محمد ومجموعته الخاصة، جاعلًا منها مكتبة واحدة، يُزعَم أنه عيَّن فيها ٥٠٠ شخص. عندما صنَّف أمين المكتبة، ويُدعى تليد، الكتب التي بلغ عددها ٤٠٠ ألف أو نحو ذلك، ملأ ٤٠٤ مجلدات بالعناوين فقط. ولو كان قُدِّر لها أن تبقى، لكانت قد أعطتنا صورة تفصيلية عن عالم الفكر الأندلسي؛ ونظرًا للوضع القائم، علينا أن نُعيد تشكيل محتويات المكتبة من الأعمال الباقية التي كتبها الباحثون أنفسهم، ومن مصادر أخرى، بوضعها الحالي. كان التأثير الكبير للحَكم الثاني في الشبكات الخاصة بالكتب في جميع أنحاء دار الإسلام يرجع جزئيًّا إلى سمعته الشخصية بوصفه باحثًا. فقد كان، حسب أحد المؤرخين الأندلسيين، قد قرأ معظم الكتب في مكتبته وعلَّق عليها؛ وحتى مع التغاضي عن تلك المبالغة، فإن هذا الرجل لم يكن مجرد هاوٍ لجمع الكتب. فإلى جانب وكلاء الكتب، عيَّن باحثين أجانب في مصر وبغداد لجمع الكتب لحسابه، وفي حالة واحدة على الأقل، تمكَّن من إقناع كاتب في العراق بأن يُرسِل له مخطوطة لكتابه الجديد قبل أن يراه أي أحد آخر.
اجتذبَت سمعة قرطبة، باعتبارها مركزًا عظيمًا للتعلم، الباحثين من كل حدب وصوب، لا سيما في مجالات الطب والفلك والشريعة والنحو والشعر. كان القرطبيون مشهورين بحبهم لعالم الكتابة، وقيل إنه «عندما يموت رجل مُثقَّف في إشبيلية، ويرغب ورثته في بيع مكتبته، عادةً ما يُرسِلونها إلى قرطبة حتى تُنقَل ملكيتها.»15 كان لعائلة العلامة ابن فُطَيس مكتبة وظَّفوا فيها ما لا يقل عن ستة نساخ وكاتب شهير في وظيفة أمين مكتبة؛ وثمة مجموعة خاصة أخرى شكَّلَتها شاعرة تُدعى عائشة. ويورد أحد المصادر: «حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها ليس إلا لأن يُقال فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس هو عند أحد غيره، والكتاب الذي بخط فلان قد حصَّله وظفر به.»16 كان لا بد لكل هذه الكتب أن تُنسَخ؛ لذا ليس مُستغرَبًا أن صناعة النسخ ازدهرت في قرطبة في القرن العاشر. فعُيِّن مئات الناس لإنتاج ما يُقدَّر بنحو ٧٠ ألفًا إلى ٨٠ ألف كتاب يُؤلَّف في المدينة كل عام، في أكبر سوق للكتب في العالم الغربي.

تألَّق نجم قرطبة، لكنه سرعان ما خبا. فعندما مات الحَكم في عام ٩٧٦، مات معه الاستقرار والحرية الفكرية. فقد ترك ابنه، الهشام، البالغ من العمر أحد عشر عامًا، على العرش، ورأى الوزير المنصور أن الفرصة مُواتِية للاستيلاء على السلطة. ولم يكن لجنون العظمة لدى المنصور حد. فشرع في تدمير ونهب مدينة الزهراء ليبني قصرًا جديدًا لنفسه على الجانب الآخر من قرطبة. وتدريجيًّا غرقت المدينة الشاسعة الساحرة على سفح التل التي تعلو قرطبة في الغبار، واستخدمتها الفصائل المُتناحِرة قاعدة لها مع سقوط الخلافة، وسُلبَت كنوزها؛ أنابيبها، وأعمدتها، ومنحوتاتها، وأبوابها، وأصولها كلها بِيعَت بأغلى الأثمان. على الرغم من هذا، فإن أنقاض مدينة الزهراء مُثيرة للذكريات بقوة. فلا تزال الأقواس الكبيرة لقاعات المجلس، وأحواض الفناء، والموقع المُثير للمشاعر تنال إعجاب آلاف السياح في وقتنا الحاضر، لكن التفاصيل الصغيرة هي ما يُعيد الحياة إلى المدينة؛ كالثقوب الدائرية التي كانت قوائم الأبواب تُركَّب فيها، والتابوت الحجري الروماني المعاد استخدامه على هيئة حوض سقاية في إسطبلات القصر، وقطع أنابيب الرصاص المكسورة التي كانت جزءًا من نظام الري.

أيضًا صب المنصور جام غضبه على قرطبة نفسها. فتحت تأثير علماء الدين المحافظين، نهب مكتبات المدينة العظيمة، باحثًا عن كل الكتب التي «تتناول العلوم القديمة من منطق، وفلك، ومجالات أخرى، مُبقيًا فقط على الكتب المُتعلِّقة بالطب والرياضيات. حُفظَت الكتب التي تناولت اللغة، والنحو، والشعر، والتاريخ، والطب، والسنن، والحديث، والعلوم المشابهة التي سُمِح بها في الأندلس». وأمر بتدمير البقية و«لم ينجُ إلا عدد قليل؛ أما البقية فإما أُحرقَت وإما أُلقي بها في آبار القصر وغُطِّيت بالتراب والأحجار». كان تبريره أن «هذه العلوم لم تكن معروفة لأسلافهم ومقتها أئمتهم السابقون».17 كانت تُعَد كتب هرطقة وكان أي شخص يبحث عنها مُدانًا بعدم اتباع الشريعة الإسلامية. إن الكيفية التي تخيَّروا بها أي نصوص يُبقون عليها وأيها يُدمرونها تبقى لغزًا؛ لا بد أنه كان من الصعب تحديد إذا ما كانت نصوص مثل كتاب «المجسطي» لبطليموس تُعَد كتبًا رياضية أم مُتخصِّصة في الفلك. نُهبَت قرطبة مرات عديدة في عقود الفوضى التي تلت، ودُمِّرت مكتباتها. أما الكتب التي كُتِب لها البقاء فقد «تبعثرت في كل أنحاء الأندلس»،18 فقد أخذها باحثون فارُّون إلى مدن أخرى من بينها إشبيلية وغرناطة وسرقسطة وطليطلة. ظفرت هذه الإمارات الصغيرة التي عُرفَت باسم دويلات «الطوائف»، باستقلالها في أواخر القرن الحادي عشر وازدهرت في الوقت نفسه الذي تراجعت فيه قرطبة. سعى حكامها جاهدين إلى جعل قصورهم مراكز عظيمة للتعلم، تضم مكتبات وباحثين نابغين. واعتمد نجاحهم على مزيج من الحظ والمال واهتماماتهم الفكرية الخاصة. فاشتهرت سرقسطة بفلاسفتها وفي أواخر القرن الحادي عشر، حكمها يوسف المؤتمن بن هود، الذي يحتمل أنه كان عالم الرياضيات الأكثر موهبة في سائر إسبانيا المسلمة، والذي من المُؤكَّد أنه كان الأكثر أصالة وابتكارًا. يتضح من كتاباته أن مكتبته كانت مُزوَّدة بكل نص رياضي مهم كان متاحًا في القرن العاشر، مع وجود أطروحة «العناصر» لإقليدس باعتبارها مُؤلَّفًا أساسيًّا في تلك المكتبة.
لم تسترد أبدًا قرطبة مجدها الذي نعمت به في ظل حكم الأُمويين، لكنها بقيت مركزًا للتعلم والكتب. في القرن الثاني عشر، وُلِد في المدينة اثنان من أعظم مفكري العالم؛ موسى بن ميمون (نحو ١١٣٥–١٢٠٤)، الفيلسوف اليهودي الذي أثَّرَت كتاباته على الباحثين في أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا، وابن رشد (١١٢٦–١١٩٨) الذي يُعرَف بأنه مُؤسِّس الفكر العلماني في أوروبا الغربية بسبب تعليقاته الواسعة الانتشار على فلسفة أرسطو؛ وكان الشخص الوحيد غير اليوناني الذي صوَّره رافاييل في لوحته «مدرسة أثينا». مع الاحتلال التدريجي لإسبانيا مُجدَّدًا على يد ممالك الشمال المسيحية، أصبحت كتب هذَين الباحثَين وأفكارهما بمنزلة جسر بين العلوم العربية في أوائل العصور الوسطى والثقافة اللاتينية في أواخر العصور الوسطى. ولم ينجُ إلا نسخ قليلة للغاية باللغة العربية. ونعرف أن نُسخًا من أطروحة «العناصر» لإقليدس، وكتاب «المجسطي» لبطليموس ومجموعة مؤلفات جالينوس جاءت إلى قرطبة من الشرق، حيث نُسخَت ووُزِّعت في أنحاء البلاد وعكف على دراستها الباحثون. أُخِذ بعض تلك الكتب إلى طليطلة، حيث تُرجمَت إلى اللاتينية. كان مصير كثير من الكتب الأخرى مختلفًا. ففي عام ١٤٩٢، سقط آخر معقل إسلامي، مدينة غرناطة الجميلة، في أيدي المسيحيين. كانت الشروط المتفق عليها سخية ومُستنيرة؛ فقد سُمِح للمسلمين الإسبان أن يعيشوا في سلام، وأن يُمارِسوا دينهم ويتبعوا عاداتهم. لكن هذه البدايات المُفعَمة بالأمل سرعان ما انطمرت تحت موجة من التعصب والاضطهاد. لم يكن ثمة مكان لثقافات أو ديانات غريبة في إسبانيا في عصر فرديناند وإيزابيلا؛ فطردوا آلافًا من اليهود، وقمعوا ونفوا المسلمين، وبدأت عملية تدمير حضارة إسلامية قوامها ٧٠٠ سنة. وبلغ ذلك ذروته في عام ١٤٩٩، عندما وصل رجل الدين المُتعصِّب الكاردينال خيمينيز دي سيسنيروس إلى غرناطة وهو ينوي تبديل ديانة السكان ومحو أي آثار للثقافة الإسلامية. فأخذ محتويات مكتبات المدينة وبنى موقدًا هائلًا في الميدان الرئيسي للمدينة، ليحرق ما يُناهِز مليونَي كتاب؛ كانت «محرقة ثقافية» استندت إلى مبدأ أن «تدمير الكلمة المكتوبة هو تجريد للثقافة من الروح، ويُؤدِّي في النهاية إلى تجريدها من هويتها».19 تبع ذلك إعلانات حظَرَت الكتابة بالعربية ومنعت حيازة الكتب العربية. نجح خيمينيز دي سيسنيروس في مسعاه نجاحًا كبيرًا حتى إنه بحلول عام ١٦٠٩، لم يبقَ إلا عدد ضئيل من المخطوطات العربية في إسبانيا. واكتمل الانتصار الكاثوليكي؛ إذ «لم يبقَ إلا القصور الخاوية والمساجد التي حُوِّلت شاهدًا صامتًا على الفاجعة التي أسقطَت حضارة الأندلس الإسلامية التي كانت مُزدهِرة يومًا ما».20

لحسن حظ الحضارة بأكملها، كان كثير من أهم الكتب العلمية قد تُرجِم بالفعل بأمان إلى اللاتينية وشق طريقه، كما سنرى لاحقًا، عبر البحر المتوسط وأوروبا إلى آلات الطباعة، والتي منها مضت أفكار تلك الكتب قدمًا لتُحدِث تحولًا في أُسُس العالم الحديث وتُؤثِّر فيها معرفيًّا. تحوَّلَ كثير من هذه الكتب، من العربية إلى اللاتينية في مدينة خلَّابة، على قمة تل صخري، ٣٠٠ كيلومتر شمال قرطبة؛ إنها طليطلة، وجهتنا القادمة.

هوامش

  • (١)

    فيما بين عامي ٧٠٧ و٧٠٩، هلك نصف عدد السكان تقريبًا.

  • (٢)

    يرمز اللون الأبيض إلى الأُمويين والأحمر إلى الرسول (يُزعَم أنه كان لونه المُفضَّل ويرتبط بالدم والحياة).

  • (٣)

    تزعم رواية أخرى لهذه القصة أن عبد الرحمن أرسل وكلاء إلى بستان الرصافة المهجور في سوريا؛ ليجلب ثمار أشجار الرمان التي كانت تنمو هناك.

  • (٤)

    أثناء هذه الفترة، احتدم جدل حول إذا ما كان يمكن للكتاب أن يحل محل العالِم من ناحية كونه الوسيلة الرئيسية لاكتساب المعرفة.

  • (٥)

    ألفارو القرطبي (بول ألفاروس)، كتاب «الإشارة الجلية»، مُقتبَس في كتاب ماريا مينوكال «زينة العالم: كيف صنع المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة من التسامح في إسبانيا في العصور الوسطى» (لندن: دار نشر ليتل براون، ٢٠٠٢)، ص٦٦. كانت الكتب المتاحة باللاتينية تتناول بالأساس موضوعات دينية وكانت قليلة العدد، في حين كان يوجد آلاف من الكتب بالعربية تتناول مجموعة ضخمة من الموضوعات.

  • (٦)

    صنع الحِرَفيون أباريق وزجاجات من قطع من الكريستال الصخري، والتي كانت تُفرَّغ بجهد مُضنٍ وتُزخرَف بتصاميم محفورة مُعقَّدة.

  • (٧)

    روزفيتا، راهبة ألمانية استندَت في وصفها لقرطبة على شهادة الأسقف ريتموندوس. مُقتبَس في كتاب كينيث باكستر وولف «التعايش و«زينة العالم»»، جمعية القرون الوسطى الجنوب شرقية، كلية ووفورد، سبارتانبرج، ولاية كارولينا الجنوبية، أكتوبر ٢٠٠٧، ص٥.

  • (٨)

    تتباين الروايات بشأن عدد عبيد عبد الرحمن الثالث فتذكر أنهم ٣٧٥٠، أو ٦٠٨٧، أو١٣٧٥٠. وكانوا يُجلَبون من أنحاء أوروبا والبحر الأسود.

  • (٩)

    حسداي بن شبروط، «رسالة إلى ملك الخزر»، نحو عام ٩٦٠، مُقتبَسة في كتاب ماريا مينوكال، «زينة العالم: كيف صنع المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة من التسامح في إسبانيا في العصور الوسطى» (لندن: دار نشر ليتل براون، ٢٠٠٢)، ص٨٤. هوية شعب الجِباليم غير مؤكدة، ولكن من المرجح أنهم كانوا عبيدًا.

  • (١٠)

    لا توجد أدلة تفصيلية بشأن المستشفيات في قرطبة، ولكن المقري يزعم أنه كان يوجد خمسون مستشفى؛ قد تكون مبالغة. من المعقول أن يكون الجبلي قد عاد من مصر والبصرة بابتكارات وممارسات.

  • (١١)

    عنوانه الكامل البديع هو «كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف».

  • (١٢)

    يدين الأطباء اللاحقون بالفضل لعبقرية الزهراوي؛ فبعضهم وضعه في مَصاف أبقراط وجالينوس لإسهامه في العلوم الطبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠