الفصل الخامس

طليطلة

في المدارس العربية بقرطبة وطليطلة، جُمعَت وحُفظَت لنا بعناية، أقباس المعرفة اليونانية المُشرِفة على الخمود.

أحمد بن محمد المقري
كتاب «تاريخ الممالك الإسلامية في إسبانيا»

في وقتٍ ما في منتصف القرن الثاني عشر، يصل شاب إلى بوابات طليطلة، ويقف على حافة مضيق نهر تاجة قبل أن يعبُر الجسر إلى المدينة. بعيدًا بالأسفل منه، يتمخض النهر الجليدي وهو يمضي في مجراه بلا هوادة عبر الصخور بينما يُحدِّق الشاب بناظرَيه نحو المدينة الرابضة على قمةِ تلِّها الجرانيتية. اسمه جيرارد وهو مهتم اهتمامًا خاصًّا بعلم الفلك؛ فبعد أن تعلَّم كل شيء يُمكِنه تعلُّمه من مُعلِّميه في إيطاليا، سافر آلاف الأميال عبر اليابسة والبحر من موطنه في كريمونا بحثًا عن المعرفة. كان قد قيل له إنه، هنا، في مدينة طليطلة، في إسبانيا، سوف يكون في مقدوره أن يدرس اكتشافات العرب، وإن كان محظوظًا حقًّا فسوف يكون بمقدوره العثور على نسخة من أعظم كتاب كُتِب في علم الفلك على الإطلاق؛ كتاب «المجسطي». يشعر بالتعب ويكسوه التراب جرَّاء أيام كثيرة قضاها في الطريق، ولكن أخيرًا بلغت رحلته الطويلة منتهاها؛ فقد وصل. يرتجف ترقُّبًا للكنوز التي تنتظره مُتجِهًا بناظرَيه نحو الشوارع الضيقة المُتشابِكة المُظلِمة. وبينما هو يقف على أعتاب فصل جديد في حياته، تُوشِك أوروبا أن تكون على مشارف فصل جديد في تطوُّرها الفكري. إن جهد جيرارد البحثي في طليطلة سوف يجعل المدينة أهم مركز لنقل المعرفة العلمية بين العالمَين الإسلامي والمسيحي؛ سوف يُمضي بقية حياته هنا، يُترجِم الكتب من العربية إلى اللاتينية. سوف تُسافِر نُسَخ من هذه الكتب في كل أنحاء أوروبا، وتتناقلها الأيدي، وتُجمَع في صناديق، وتُكدَّس في السروج، وسوف ترتج وهي تُنقَل عبر الطرق من دير إلى مدرسة كاتدرائية، ومن قاعة محاضرات جامعة إلى مطالعة باحث. من مونبلييه إلى مرسيليا، ومن باريس إلى بولونيا وشارتر وأكسفورد، وبيزا وما وراءها، سوف تُشكِّل هذه الكتب إطار المعرفة العلمية لقرون آتية. أكثر من أي فرد آخر، سوف يكون جيرارد الكريموني مسئولًا عن جلب الأفكار العظيمة لليونان القديمة وإسلام العصور الوسطى إلى أوروبا الغربية.

تُبيِّن رحلة جيرارد أن شهرة المعرفة العربية كانت بالفعل قد انتشرت انتشارًا واسع النطاق في أوروبا الغربية. فموقع طليطلة على الحدود بين العالمَين الإسلامي والمسيحي جعل من المدينة، مثل باليرمو في صقلية وأنطاكية في سوريا، بوابةً تدفَّقَت من خلالها المعرفة. كان النصف الثاني من القرن الحادي عشر فترة نهضة مهمة لأوروبا الغربية؛ فقد استولى النورمانديون على صقلية من حكامها المسلمين، وفي عام ١٠٩٥، ألقى البابا أوربان الثاني عظةً دعا فيها إلى الحملة الصليبية الأولى، ليُرسِل المسيحيين من كل أنحاء أوروبا الغربية من أجل مُسانَدة البيزنطيين في حربهم مع الأتراك، ثم يمضون ليستولوا على الأرض المقدسة من الإمبراطورية الإسلامية. في صيف عام ١٠٩٩، دخل الصليبيون بيت المقدس ونجحوا في إعادة المدينة المقدسة إلى المسيحية. كانت هذه هي الحملة الأولى ضمن سلسلة من الحملات الصليبية ضد القوات المسلمة في الشرق؛ إذ جرَت حملتان إضافيتان في القرن الثاني عشر والعديد من الحملات في القرن الثالث عشر، فقد تصارعَت الديانتان الكبريان من أجل بسط مناطق نفوذهما، التي كان مركزها في بيت المقدس، والحفاظ عليها. أُقيمَت الإمارات الصليبية وقاتلت للاستيلاء على أنطاكية وطرابلس وأديسا؛ وجرى بعض التبادل الثقافي في ظل هذا الوضع، ولكن غياب الاستقرار السياسي وعمليات الاندلاع الدائم للعنف كان يعني أن انتقال الأفكار الثقافية كان محدودًا، وحجَبَه ما كان يحدث في صقلية، وبدرجة أكبر، في طليطلة.

بدأت عملية استعادة شمال إسبانيا بصورة جدية في النصف الثاني من القرن الحادي عشر؛ إذ سقطت طليطلة في عام ١٠٨٥. وفي غضون بضعة عقود، كانت أوساط الباحثين تعجُّ بالشائعات حول العجائب التي يمكن العثور عليها هناك. أغرَت هذه الشائعات رجالًا من أقصى أطراف أوروبا؛ من إنجلترا، ومن ألمانيا، وفرنسا، والمجر، والساحل الدلماسي. ربما كان جيرارد نفسه يتبع، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خُطى مُواطنه أفلاطون التيفولي، الذي كان يُترجِم كتبًا علمية — ومن بينها كتاب لبطليموس — في برشلونة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الثاني عشر. وسواء كان جيرارد قد التقى بأفلاطون أو لم يلتقِ به في الواقع مطلقًا، فمن الممكن بلا شك أن يكون قد درس كتبه وأنها دفعته إلى البحث عن المزيد. إلا أنه لا شك إطلاقًا في أن جيرارد قد سافر إلى طليطلة «بسبب ولعه بكتاب «المجسطي»».1
«على الرغم من أنه كان قد تعلَّم في كنف الفلسفة منذ مهده»،2 فلا بد أن جيرارد قد بدأ الدراسة في كريمونا، وربما كان ذلك في البيت على يد مُعلِّم، وتبع ذلك بضع سنوات في مدرسة دير محلي. ومن هناك، ربما يكون قد ذهب إلى بولونيا القريبة، التي كانت بالفعل مركز دراسة القانون في جامعتها الناشئة؛ التي كانت الأولى في أوروبا. وربما يكون تعليمه قد تضمَّن بعض مبادئ الرياضيات والفلك بوصفهما جزءًا من العلوم الأربعة التقليدية، ولكن في حين أن الكتب المدرسية الرئيسية التي درسها ذكرت بطليموس باعتباره حجة في الفلك وإقليدس باعتباره حجة في الهندسة، فإنها لم تُقدِّم أي تفاصيل. لا بد أن واحدًا على الأقل من مُعلِّميه كان مهتمًّا بالجوانب العلمية للعلوم الأربعة، وأشعل حماسة في نفس جيرارد الشاب، الذي شد الرحال بعد ذلك بحثًا عن معرفة أعمق. أين من الممكن أن يكون قد ذهب بعد ذلك؟ كان المكان الأنسب في هذا الجوار هو دير بوبيو،١ الذي يبعد ثمانين كيلومترًا فقط إلى جنوب غرب كريمونا، والذي ضمَّت مكتبته واحدة من مجموعات المخطوطات الفلكية التي لم يكن يوجد في أوروبا الغربية غيرها آنذاك.
في القرن التاسع، كان دير بوبيو مقرًّا لراهب من أيرلندا، يُدعى دانجال، الذي كان بمقدوره، على نحو لافت، أن يشرح، في خطاب إلى شارلمان، الجانب العلمي وراء الكسوفَين الشمسيَّين الكبيرَين اللذين حدثا في عام ٨١٠. وكان دانجال هو من جمع مجموعة كبيرة من المخطوطات لمكتبة الدير. في زمن جيرارد، كانت المجموعة قد توسَّعَت لتشمل العديد من الأعمال عن الفلك لراهب القرن الحادي عشر اللامع هيرمانوس كونتراكتوس، الذي كتب أيضًا أطروحة عن الأَسطُرلاب واستخداماته. يُدرِج فهرست يعود إلى القرن العاشر من بوبيو مُلخَّصًا لكتاب «المجسطي» كتبه بوثيوس، «الرجل الذي جعل علم الفلك لبطليموس متاحًا للإيطاليين».3 ثمة شخصية مهمة أخرى كان لها صلة ببوبيو وهي جربير دورياك (نحو ٩٤٥–١٠٠٣)، الذي أصبح فيما بعدُ البابا سلفستر الثاني. عندما كان جربير شابًّا، أخذه اهتمامه بالرياضيات إلى شمال إسبانيا، حيث درس على يد أتو، أسقف فيتش. لعل مسألة تعرُّضه للمعرفة العربية في هذا الوقت من عدمه هي مسألة خلافية، ولكن نصوصًا عديدة نُسبَت إليه، في الحساب والهندسة والإحصاء باستخدام مِعداد خاص يشتمل على الأعداد الهندية العربية؛ وكان مهتمًّا أيضًا بعلم الفلك وصنع الآلة الفلكية المُسماة ذات الحِلَق. شغل جيرارد منصب رئيس دير بوبيو لفترة قصيرة، وتكشف خطاباته عن الدور الذي لعبه في إمداد المكتبة بالنصوص. ففي ٢٢ يونيو عام ٩٨٣، كتب إلى أدالبيرو رئيس أساقفة ريمس، يُخبِره قائلًا: «لقد اكتشفنا منذ ذلك الحين ثمانية مجلدات هي: كتاب بوثيوس «في التنجيم»، وأيضًا بعض أشكال الهندسة الجميلة.»4 بعد ذلك بخمسة أعوام، وكان حينئذٍ في ريمس، كتب إلى صديق في بوبيو يقول: «أنت تعرف مقدار الحماسة التي تجعلني أجمع من كل مكان نسخًا من الكتب.» وذلك قبل أن يمضي قدمًا في إدراج الكتب التي كان قد نسخها.5

من الممكن أن يكون جيرارد قد سلك أحد طريقَين إلى إسبانيا؛ جنوبًا، عبر صقلية؛ أو شمالًا، حول ساحل فرنسا. يتصادف أن بوبيو يقع على طريق من كريمونا إلى جنوة، وهي أقرب ميناء ومِن ثَم تُعَد نقطة المغادرة الأكثر ترجيحًا للاثنين. من المُؤكَّد أن مكتبة الدير كانت مشهورة بمجموعتها، وبعلم الفلك على وجه الخصوص؛ لذا ليس من المُستبعَد أن يكون جيرارد قد زارها في مرحلةٍ ما قبل أن يُغادِر إلى إسبانيا، إن لم يكن قد فعل ذلك وهو في طريقه إلى هناك. من الواضح أيضًا أنها احتوت على كتب متنوعة يمكن أن تكون قد حفَّزَت جيرارد للبحث عن النسخة الكاملة من كتاب «المجسطي».

وُلِد جيرارد في عام ١١١٤، ومن المحتمل أنه أمضى العشرين عامًا الأولى من حياته على الأقل في شمال إيطاليا، قبل أن يبدأ رحلته في مسعاه من أجل كتاب «المجسطي». لنتخيل أنه سلك الطريق الشمالي، بادئًا رحلته من جنوة على متن إحدى السفن التجارية الكثيرة التي كانت تتخذ سبيلًا مُتعرِّجًا على ساحل شمال إيطاليا إلى جنوب فرنسا، وترسو في موانئ أنتيب وفريجوس وهييريس. في العصور الوسطى، كانت السفن هي أسرع وسائل النقل وأقلها راحة؛ ففيما بين أبريل ونوفمبر، كان البحر المتوسط يعج بالسفن التي تأخذ الرُّكاب والسلع من ميناء إلى ميناء، وتبقى دومًا قريبة من الساحل، حيثما كان ذلك ممكنًا. من المحتمل أن يكون جيرارد قد وصل إلى مرسيليا في بضعة أيام فحسب، ولو كان قد نزل هناك، فربما يكون قد وجد ساحة فكرية مُزدهِرة. إذا كان قد قرَّر أن يبقى لبعض الوقت ويدرس، فمن الممكن جدًّا أن يكون قد التقى بعالم فلك يُدعى ريموند، الذي كان هناك في عام ١١٤٠، عاكفًا على تصميم مجموعة من الجداول للمنطقة المحلية. هذا كله، بالطبع، محض تخمين، لكنه يقع في حدود النطاق الممكن. كما أنه يُقدِّم إجابة للسؤال المُتعلِّق بالسبب الذي جعل جيرارد الكريموني يمضي بحثًا عن كتاب «المجسطي» في طليطلة، والكيفية التي عرف بها أنه سيكون هناك. كانت توجد صلات فكرية شتَّى بين طليطلة ومرسيليا؛ أهمها أن «جداول» ريموند استندت إلى «جداول طليطلة»، التي صُمِّمت في القرن السابق على يد الفلكي الزرقالي الذي لم يستعِن بأي شيء إلا ﺑ «زيج» الخوارزمي. لو كان جيرارد الشاب قد أمضى وقتًا في مرسيليا، فمن الوارد أن يكون الباحثون هناك قد أخبروه عن الاكتشافات المُذهِلة للعلوم العربية، وباحثيها اللامعين وكتبهم الرائدة. وإن لم يكن مُولِّيًا وجهته بالفعل إلى هناك، فمن المُؤكَّد أن يكونوا قد وجَّهوه صوب طليطلة.

أثناء وقوفه على حافة مضيق نهر تاجة، من المُرجَّح أن يكون جيرارد قد فهم على الفور سبب اختيار مُؤسِّس طليطلة لهذا الموقع؛ إذ تستقر المدينة على قمة تل مُنحدِر، ويحيط بها من ثلاث جهات النهر المُتعرِّج، الذي ينساب عبرَ وادٍ شديد الانحدار؛ مما يسهل للغاية إمكانية الدفاع عنها. من شأن الهجوم عبر النهر أن يكون بمثابة انتحار، فالنزول من الجهة الرأسية للجرف الشديد الانحدار سوف يكون صعبًا بما في الكفاية؛ وعبور المياه السريعة التدفق ثم التسلق صعودًا إلى الجانب الآخر، استعدادًا للقتال، من شأنه أن يكون مستحيلًا. وعلى حد وصف المؤرخ الروماني ليفي، فإن طليطلة «مدينة صغيرة، ولكنها مُحصَّنة بموقعها». ازدهرت المدينة في ظل حكم الرومان وكانت تُسمَّى «توليتم»؛ وكانت المركز المحلي لصناعة الصلب، الذي اشتهر بسبيكته المعدنية العالية الجودة التي كانت فائقة الصلابة، والذي أمد الجيش الإمبراطوري بالسيوف، وازدادت المدينة ثراءً. عندما استولى القوط الغربيون على السلطة في إسبانيا، اتخذوا من طليطلة عاصمة لهم، وجعلوها نواة سلطتهم السياسية والدينية والثقافية، في القلب من شبه الجزيرة تقريبًا. ازدهرت علوم القوط الغربيين هناك في القرن السابع؛ إذ اتخذها العديد من الكُتَّاب الكنسيين موطنًا لهم وضمَّت مكتبتَين على الأقل.

انتهت بغتةً فترة السيادة هذه في عام ٧١٢، عندما جاء الغزو العربي من الجنوب وأسَّس العرب مدينة قرطبة وجعلوها عاصمة لهم. ظلَّت طليطلة، تحت سيطرة المسلمين قرونًا عديدة، تحكمها عائلات محلية بدرجات متفاوتة من الاستقلال الذاتي عن الأُمويين. ونظرًا لكونها مدينة حدودية استراتيجية، بالقرب من الحدود مع مسيحيي شمال إسبانيا، فإنها تقع عند نهاية حدود العالم العربي. تدهورت المدينة في العقود التالية، فأصبحت مرتعًا خصبًا للتمرد والسخط، تحت رحمة أمراء الحرب المحليين، يُمزِّقها الصراع الداخلي، وعرضةً لعمليات حصار لا تنتهي. ولكن بعد سقوط السلالة الحاكمة الأُموية في عام ١٠٣١، أصبحت طليطلة دُوَيلة طوائف مُستقِلة، وعادت حالة من الاستقرار النسبي؛ مما أتاح للثقافة والبحث العلمي أن يزدهرا. عادت الحيوية إلى صناعة المعادن القديمة في طليطلة؛ مما جعل المدينة واحدة من أغنى المدن في إسبانيا. اشتهر حِرَفيو طليطلة بسكاكينهم ذات النصال الحادة والحلي الجميلة والأدوات المُبتكَرة، ولكن أكثر ما اشتهروا به كان السيوف الرائعة التي صدَّروها إلى كل أنحاء العالم المعروف، والتي كانت مُنية القلب لكل مُحارِب طموح.

في عام ١٠٢٩، عاش شاب، كان قد وُلِد لعائلة من الحِرَفيين، في قرية صغيرة على حافة المدينة. تدرَّب الزرقالي، ويعني اسمه «الصغير ذا العيون الزرقاء»، كغيره من الصِّبية في عائلته، ليُصبِح صانعًا للأجهزة العلمية، واسترعت مواهبه الكبيرة انتباه صاعد الأندلسي، الذي كان قاضيًا محليًّا، ومُعلِّمًا ومُؤلِّف كتاب «طبقات الأمم». في هذا الكتاب، يُقدِّم لنا صاعد مقارنة نابضة بالحياة بين الإنجازات الفكرية لبلدان شتَّى، مُستعرِضًا باحثيها وإسهاماتها في كل ناحية من نواحي المعرفة تقريبًا. ويُقسِّم سكان العالم إلى طبقتَين؛ أولئك الذين أسهموا في العلم وأولئك الذين لم يُسهِموا فيه. وليس من المُستغرَب أن الفصل الذي يتناول الأندلس هو الأكثر إثارة للاهتمام والأكثر تفصيلًا، ولكنه كان في المجمل كتابًا مُؤثِّرًا وظل مصدرًا مهمًّا للمعلومات عن تاريخ العلم، واستكمالًا لجهد النديم الأكثر شمولية بكثير في كتابه «الفهرست».

fig19
شكل ٥-١: أَسطُرلاب مصنوع في طليطلة سنة ١٠٢٩ عندما كانت المدينة تحت الحكم الإسلامي.

تحت رعاية صاعد، صنع الزرقالي أجهزة مُعقَّدة لعمليات الرصد الفلكية. وفي الوقت نفسه، درس الفلك، وفي عام ١٠٦٢، انضم إلى مجموعة باحثين يُراقِبون السماء. أدَّت خبرته التقنية، مُمتزِجة بميله إلى الفلك، إلى أن يتولى مسئولية المشروع بأكمله. كان الزرقالي المُنتِج الأكثر ابتكارًا وبراعة للأجهزة الفلكية في العالم الإسلامي كله، وكان تصميمه لأَسطُرلاب «كوني» جديد، يُسمى الصحيفة، تصميمًا ثوريًّا للغاية حتى إنه نُسِخ في كل أنحاء أوروبا، والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا بل حتى في أماكن بعيدة مثل الهند. وابتكر أيضًا عجائب أخرى؛ فجاء الناس من كل حدب وصوب ليروا ساعاته المائية الرخامية، التي كان يُعرَف منها الوقت بدقة لم يُسمَع بها من قبل. درس الزرقالي في قرطبة، ولكنه عاد إلى طليطلة، حيث كتب العديد من الكتب، منها كتاب يُدعى «القوانين» (القواعد) الذي شرح كيفية استخدام «جداول طليطلة». ترجم جيرارد الكريموني هذا الكتاب إلى اللاتينية واستمر تأثير هذا الكتاب في علم الفلك الأوروبي لقرون. كذلك كتب الزرقالي أطروحة فلكية أتى فيها بزعم غير مسبوق بأن مدار كوكب عطارد بيضاوي، وليس دائريًّا، كما كان يُعتقَد عادةً. في القرن السادس عشر، اعتمد يوهانز كيبلر على العمل ذي الرؤية الاستشرافية للزرقالي ليُثبِت أن مدار المريخ كان هو الآخر بيضاويًّا. سقطت طليطلة في قبضة ألفونسو ملك قشتالة في عام ١٠٨٥، وغادر الزرقالي المدينة، ولكن الباحثين المسيحيين شرعوا في معالجة أفكاره ومِن ثَم انتشرت في أوروبا بأسرها.

انتقل الزرقالي إلى الجنوب، ربما إلى غرناطة أو إلى مدينة أندلسية أخرى تحت الحكم الإسلامي، كما فعل كثيرون من بني جلدته من العرب. مكث المُستعرِبون، الذين ظلوا مُخلِصين للمسيحية طوال أربعة قرون من الحكم الإسلامي، يتعبدون وفق الطقوس التي توارثوها عن القوط الغربيين، وشاهدوا الحكام الجُدُد وهم يبدءون في فرض الطقوس الكاثوليكية اللاتينية المأخوذة من روما. لا بد أنه كان وقتًا صعبًا على هؤلاء الناس المُستقِرين منذ زمن طويل. فقد كانوا، كشأن اليهود السفارديم، قد أنشئوا مجتمعهم الخاص ضمن إسبانيا المسلمة، محافظين على معتقداتهم الدينية، ولكن مع تبني لغة سادتهم وملبسهم وخصائصهم؛ كان مجتمعًا هجينًا يُجسِّد دليلًا على الطبيعة المُتعدِّدة الثقافات للمكان الذي عاشوا فيه ويعتمد عليها. فمن ناحية، ربما شعر مُستعرِبو طليطلة ببعض الارتياح إزاء انتصار المسيحية وعودتها إلى بلادهم؛ ولكن من الناحية الأخرى، لا بد أنه كان ثمة حزن على فقدان أصدقاء ورفاق مسلمين، وقلق بشأن ما يحمله المستقبل تحت حكم الملك القشتالي. كان هذا مُبرَّرًا تمامًا؛ فخلال الأربعمائة سنة التالية، استوعبت إسبانيا الكاثوليكية تدريجيًّا ثقافة المُستعرِبين عن طريق مُصادَرة أراضيهم ورفض الاعتراف بهم بوصفهم مجتمعًا قانونيًّا مُنفصِلًا. كُتب البقاء لبعض البقايا المعزولة. وفي عام ١٥٠٢، جُمعَت نُسَخ من شعائر وطقوس المُستعرِبين، وخُصِّصت كنيسة صغيرة في كاتدرائية طليطلة لعقيدتهم؛ وما زالت موجودة حتى الآن.

احتل المُستعرِبون منطقة مُتفرِّدة بين ثقافتَين؛ فقد كانوا مسيحيين تحت حكم إسلامي، اعتنقوا العادات العربية، وظلوا يتكلمون لغتهم وعاشوا بقوانينهم. ومن المفارقة أنهم نجحوا نجاحًا كبيرًا في البقاء لوقت طويل في ظل عقيدة مُنافِسة، ولكنهم تعرَّضوا بعد ذلك للاضطهاد على يد الكاثوليكية، التي تُعَد شكلًا مختلفًا من ديانتهم. هذا يُنبئ بالكثير عن المُستعرِبين بقدر ما يُنبئ بالكثير عن قدرة إسلام العصور الوسطى على استيعاب أديان أخرى ضمن دائرة نفوذه. كانت قصة اليهود مُشابِهة؛ فقد تعرَّضوا للاضطهاد على يد القوط الغربيين، وازدهروا تحت حكم الأُمويين، ثم نُفوا وقُتِلوا على يد محاكم التفتيش الكاثوليكية. ولكن لم تتسم كل الأسر الحاكمة المسلمة بالتسامح. فقد اضطهد المُوحِّدون والمُرابِطون، الذين حكموا أجزاءً كبيرة من شبه الجزيرة الإيبيرية في القرنَين الحادي عشر والثاني عشر، اليهود والمُستعرِبين على السواء، مما جعل كثيرين منهم يفرون شمالًا، إلى إسبانيا المسيحية. ولكن، باستثناء بعض العداء المبدئي من جانب رجال الدين الإفرنج، لم يبدأ اضطهاد المُستعرِبين واليهود إلا بعد مرور وقت طويل، وذلك في القرن الخامس عشر. ففي أول الأمر، واصل هذان المجتمعان ازدهارهما في طليطلة، وبخاصة في المجال العلمي، حيث كانت مهاراتهم اللغوية ومعرفتهم بالمكتبات المحلية بالغة القيمة.

مع عودة طليطلة مُجدَّدًا تحت الحكم المسيحي، كانت الكنيسة الكاثوليكية بحاجة إلى ترسيخ سيطرتها الدينية. في القرن العاشر، كان الرهبان السود الذين يتبعون نظام القديس بندكت قد انتشروا من دير كلوني، سان لوار، عبر فرنسا وفي أنحاء وديان البرانس في شمال إسبانيا. ومن هذا النظام الديري جاء رجال الدين في طليطلة حينذاك. استقر البندكتيون في الشوارع المحيطة بالكاتدرائية، وفي العقود التي تلت استعادة المدينة، كان «حي الإفرنج»، كما أصبح يُعرَف، هو المكان الذي يجتمع فيه الوافدون الجُدد؛ من رجال دين، وباحثين، وأجانب من أجل العيش والعمل وتشارُك أفكارهم. ونتيجة لذلك، فُتِح خط من الاتصال والسفر بين طليطلة وفرنسا دائمًا، وبالأخص مدارس كاتدرائية باريس وشارتر.

كانت هذه هي الساحة الثقافية التي استحوذت بشدة على اهتمام جيرارد في منتصف القرن الثاني عشر. فالأرجح أنه عبَر المضيق على جسر القنطرة الروماني القديم ثم بدأ يسير في الأزقة الضيقة الشديدة الانحدار إلى داخل المدينة. من السهل تخيُّل مدينة طليطلة التي وجد نفسه فيها؛ إذ لم تتغير إلا قليلًا جدًّا منذئذٍ. ما زالت الأزقة الضيقة شديدة الانحدار ومُظلَّلة، وما زالت المحال تبيع مجموعة مُذهِلة من السكاكين والسيوف، وتوزَّعَت النصال المتلألئة بعناية على وسائد مُخمَلية، تحرسها بذلات مُدرَّعة مُخيفة. ما زالت المرزبانية تُصنع من اللوز الذي ينمو في البساتين التي تحيط بالمدينة؛ وهو تقليد بدأه العرب عندها أدخلوا نخيل السكر إلى المنطقة. لكن جيرارد ما كان ليعرف الكاتدرائية القائمة في طليطلة المعاصرة؛ إذ بُنيَت بعد موته. كانت الكاتدرائية التي عمل بها وتعبَّد فيها، في الواقع، مسجدًا، حُوِّل إلى كنيسة بعد استعادة المسيحيين للمدينة، وكانت توجد في نفس موقع الكاتدرائية الحالية. من المحتمل أن يكون جيرارد قد وصل ومعه خطابات تعارف، ولعله ذهب إلى حي الإفرنج ليجد مكانًا يُقيم فيه ويتحرى عن الباحثين المحليين. ومن الممكن أن يكون بحثه عن رائعة بطليموس قد بدأ في ذلك الوقت. من الجائز أن محطة توقُّفه الأولى كانت مكتبة الكاتدرائية، ولكن المُرجَّح أنها لم تكن تحتوي على كثير مما يهمه. لا بد أنه تعيَّن عليه أن يبحث عن أماكن أكثر بعدًا، عن مكتبات أخرى في طليطلة، التي كان كثير منها قد بقي من زمن الحكم الإسلامي. ضمَّت هذه المجموعات ثروة ضخمة من النصوص العلمية اليونانية الرومانية، التي كان الباحثون الأوروبيون قد بدءوا بالفعل في دراستها وترجمتها إلى اللاتينية. لا يمكننا إلا أن نتخيل البهجة الشديدة التي شعر بها جيرارد عندما وجد نفسه جالسًا أخيرًا إلى طاولة وعليها كتاب «المجسطي»، والعجلة التي لا بد أنه كان عليها من أجل تعلُّم العربية حتى يُمكِنه فهمه ثم ترجمته. كتب تلاميذ جيرارد سيرة قصيرة له وضموها إلى تمهيد الترجمة التي قام بها لكتاب جالينوس «فن الطب». وفيها، أوضحوا أنه «عند رؤيته للوفرة من الكتب المكتوبة بالعربية في كل الموضوعات، وتحسُّره على فقر اللاتينية في هذه الأشياء، تعلَّم [جيرارد] اللغة العربية حتى يتمكن من الترجمة».6

لم تكن تلك مهمة هيِّنة. فاللغة العربية لغة مُعقَّدة للغاية لها أبجدية واتجاه كتابة مختلفان، ونظام تشكيل مُعقَّد، ولكن كان يوجد فيما حوله كثير من المُستعرِبين ليُساعِدوه. فعاوَنه رجل يُدعى غالب في ترجمته لكتاب «المجسطي»؛ والأرجح أنه علَّمه اللغة العربية في الوقت نفسه. كان الطليطليون يتكلمون لغة محلية تمثل تُشكلًا مختلفًا للغات الإيبيرية الرومانسية (أي من الرومانية)، سلائف الإسبانية المعاصرة. لا بد أن جيرارد قد تعلَّم، دون شك، هذه اللغة أيضًا، حتى يتمكن من التواصل بسهولة مع غالب ومع الأناس المحليين الآخرين. شكَّل الباحثون اليهود، الذين كانوا يُجيدون ثلاث لغات هي العبرية والعربية واللغة الرومانسية المحلية، جسرًا مهمًّا آخر بين الثقافتَين، فساعدوا في الترجمة وأتاحوا اتصالًا بين الماضي العربي والحاضر المسيحي. على الرغم من أن كثيرًا من الطليطليين المسلمين كانوا قد انتقلوا إلى الجنوب عندما سقطت المدينة في يد ألفونسو السادس في عام ١٠٨٥، فقد بقي بعضهم، وغالبًا ما كانت الصلات بين المجتمعَين وطيدة. بل إن كثيرًا ما تحالفَت العائلات المسلمة الشمالية مع المسيحيين في مواجهة سلالة المرابطين الإسلامية المُتشدِّدة، التي كانت تزداد نفوذًا في الأندلس.

إحدى تلك العائلات كانت بني هود، الذين حكموا مدينة سرقسطة من عام ١٠٣٩ إلى عام ١١١٠. فنظرًا لكونهم باحثين مُتألِّقين بفضل براعتهم الشخصية، فقد أنشئوا مكتبة باهرة للنصوص العلمية. كان يوسف المؤتمن بن هود، الذي ذُكِر في الفصل السابق والذي حكم سرقسطة من عام ١٠٨١ إلى عام ١٠٨٥، عالم رياضيات بارزًا؛ ربما كان الأكثر إبداعًا في سائر إسبانيا المسلمة. كتب كتابًا شاملًا في الهندسة، يُدعى كتاب «الاستكمال»، الذي استند إلى نصوص في مكتبته، منها أطروحة «العناصر» وكتاب «المعطيات» لإقليدس، وكتاب «المخروطات» لأبولونيوس، وكتاب «الكرة والأسطوانة» لأرشميدس. وفي عام ١١١٠، فقدت عائلة بني يوسف سرقسطة إذ وقعت في يد المرابطين. ونتيجة لذلك، تحالفوا مع ألفونسو الأول، ملك أراجون المسيحي، وانتقلوا إلى رويدا دي خالون، بالقرب من طرَسونة، في وادي أبرة. كانوا على علاقة طيبة مع سادتهم المسيحيين (كان آخر حاكم من بني هود، سيف الدولة، ضيفًا في حفل تتويج ألفونسو)، واستمر ذلك حتى بعدما استولى المسيحيون على سرقسطة من المرابطين، في عام ١١١٨. اختار مايكل، أسقف طرَسونة خلال الفترة من ١١١٩ إلى ١١٥١، والذي كان جامعًا نهمًا للنصوص الفلكية، نصوصًا من مكتبة بني هود لهوجو سنكتالنسيس ليُترجِمها له. لم تكن رويدا دي خالون بعيدة عن طرَسونة، ويصف هوجو العثور على المخطوط الذي يحوي تعليقًا على كتاب الخوارزمي «الزيج»٢ هناك، بقوله: «في أكثر الأماكن سرية في أعماق المكتبة.»7 ويبقى أمر ما وجده من مخطوطات أخرى محض تخمينات، ولكن نظرًا لاهتمام بني هود الشخصي بالعلم، فإنه يكاد يكون مُؤكَّدًا أن مكتبتهم كانت مصدر كُتب رئيسي لباحثي ومُترجِمي القرن الثاني عشر. في عام ١١٤١، أُجبرَت العائلة على مُبادَلة أرضها بمنزل في حي الكاتدرائية في طليطلة. وعلى ما يبدو أنهم جلبوا كتبهم معهم عندما انتقلوا إلى هناك وجعلوها، إن كانوا قد جلبوها معهم بالفعل، في متناول المُترجِمين الذين اتخذوا فيما بعد الجزء نفسه من المدينة مقرًّا لهم. وبالفعل، ترجم جيرارد الكريموني نصوصًا عديدة في الهندسة كان المؤتمن قد استند إليها في كتاب «الاستكمال».

تتسم مكتبة بني هود بالأهمية لأنه يُمكِننا، بفضل يوسف المؤتمن بن هود، أن نتيقن من بعض الكتب التي احتوت عليها، ولكن كان يوجد بالفعل كثير من المكتبات الأخرى في طليطلة ولا نعرف عنها سوى النذر اليسير. كانت المدينة مركزًا مهمًّا للتعلم أثناء القرنَين العاشر والحادي عشر، وعندما استولى عليها المسيحيون في عام ١٠٨٥، كان انتقال السلطة سلميًّا. نتيجة لذلك، فإنه على الرغم من هجرة غالبية صفوة المسلمين جنوبًا، فقد حُفظَت ثقافتهم، وشُملَت مكتباتهم بالحماية وكان بمقدور المجتمعات المختلفة من الباحثين اليهود والعرب والمستعربين والمسيحيين أن تعمل معًا. وكان لهذا أهمية خاصة فيما يتعلق ببرنامج الترجمة من العربية إلى اللاتينية (غالبًا عبر اللغتَين العبرية أو الرومانسية) الذي تلا ذلك. في أوائل العصور الوسطى، كانت إسبانيا مجتمعًا ثنائيَّ اللغة. تحت حكم المسلمين، كانت اللغة العربية هي لغة التعليم والحكومة، ولكن كان الناس يتكلمون اللغة الرومانسية في الشوارع والحقول، مُمتزِجة بلهجات بربرية مُتعدِّدة. كانت اللاتينية لغة كنيسة المُستعرِبين، وبالطبع كانت العبرية موجودة دومًا في المجتمعات اليهودية الكبيرة. عندما استعاد المسيحيون طليطلة، اكتسبت اللاتينية، لغة الكنيسة الكاثوليكية، دورًا متزايد الأهمية، لكن المُستعرِبين استمروا في استخدام العربية حتى أواخر القرن الرابع عشر.

fig20
شكل ٥-٢: نقش من القرن الخامس عشر لمدينة طليطلة.

أصاب الذهول الباحثين الأوروبيين، الذين أتوا إلى طليطلة بعد استعادتها بوقت قصير، إزاء الكم الهائل من المعرفة الذي وجدوه هناك؛ ففي فترة العصور الوسطى، تضاءلت ثقافة كتب أوروبا الغربية بدرجة كبيرة للغاية أمام ثقافة الكتب العربية؛ فكان الباحث برنارد من شارتر، الذي عاش في القرن الثاني عشر، فخورًا بالكتب الأربعة والعشرين التي اقتناها، غير أنه في عام ١٢٥٨، كانت مدينة بغداد تتباهى بمكتباتها العامة التي بلغ عددها ستًّا وثلاثين وتجاوز عدد تجار الكتب فيها مائة تاجر. وفي حين احتوت أكبر مكتبة في أوروبا المسيحية في العصور الوسطى، والتي كانت موجودة في دير كلوني، على بضع مئات من الكتب، اشتملت مكتبة قرطبة الملكية على ٤٠٠ ألف كتاب. وحتى مع التغاضي عن المبالغة وحقيقة أن العرب كانوا لا يزالون يستخدمون اللفائف بصفة أساسية، والتي لم يكن من الممكن أن تحتوي على القدر الكبير نفسه من النص (إذ يلزم العديد من اللفائف لمضاهاة النص الذي تحويه نسخة واحدة من مجلد المخطوطات)، وأن الورق لم يكن يُنتَج في أوروبا الغربية حتى القرن الرابع عشر؛ لذا كان يلزم استيراده، الأمر الذي جعل الكتب أكثر تكلفة، فإن المقارنة لا تزال صادمة. لم تكن الثقافة النصية العربية أضخم بكثير فحسب، وإنما كانت أيضًا أكثر ثراءً على نحوٍ لا يُضاهى. وأدَّى حجم إنجاز العرب في الأدب والتاريخ والجغرافيا والفلسفة، وبالطبع في العلوم، إلى جعل الباحثين اللاتينيين يُصابون بالذهول إذ هالهم ذلك للغاية. فكان ثمة الكثير مما عليهم اللحاق به.

دخل المؤرخون في جدال طويل محموم بشأن الكيفية التي سارت بها حركة الترجمة في طليطلة. هل كانت توجد مدرسة لمترجمين يعملون معًا؟ وإن كان كذلك، فأين كان مقرهم؟ ومَن كان يدفع المال مقابل التراجم؟ ومَن اختار المواد التي كانت تُترجَم؟ وكيف كان يختارها؟ إن الكم الضخم المتوافر من المادة العلمية يعني أن الاختيار كان عملية صعبة ومع ذلك حتمية. وكالعادة، يعوقنا الافتقار إلى الأدلة عن طرح مزاعم قاطعة. حسبما يُورد أتباعه، ترجم جيرارد الكريموني «كتبًا في موضوعات كثيرة؛ كل ما كان يعتبره الاختيار الأفضل»،8 وهذا يُوحي بأنه كان مسئولًا عن اختيار النصوص التي كان يعمل عليها، وهو أمر معقول تمامًا؛ نظرًا لخبرته. تضم قائمة للكتب التي ترجمها أثناء حياته واحدًا وسبعين كتابًا؛ واكتُشفَت كتب أخرى بعد ذلك. تنقسم تلك الكتب إلى مجموعات؛ الكتب الجدلية (كتب المنطق)، وهي ثلاثة كتب؛ وكتب الهندسة، وهي سبعة عشر كتابًا؛ وكتب الفلك، وهي اثنا عشر كتابًا؛ وكتب الفلسفة، وهي أحد عشر كتابًا؛ وكتب الطب، وهي أربعة وعشرون كتابًا؛ وكتب متنوعة، وهي أربعة كتب. تُعطينا رءوس الموضوعات فكرة عن الكيفية التي ربما كان جيرارد يُنظِّم بها برنامج الترجمة الخاص به؛ فهي تستند عمومًا إلى العلوم الإنسانية التي استند إليها المنهج التعليمي اليوناني القديم الذي تبناه الباحثون العرب أساسًا لنظامهم التعليمي. جُمعَت مجموعات من النصوص لتُستخدم بوصفها مواد تعليمية للطلاب، ويبدو أن جيرارد كان يبحث عامدًا عن مجموعات من الكتب في الرياضيات والفلك والطب حتى يتمكن من إتاحتها للطلاب في الغرب. كانت إحدى تلك المجموعات تُدعى «المجموعة الوسطى» أو «علم الفلك الصغير»؛ لأنها كانت مُصمَّمة لتُدرَس بين أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي».
وبمجرد أن يُتقِن الطلاب الأساسيات، كان يُصبِح بإمكانهم المتابعة ودراسة الموضوعات الخاصة بهم بتعمق أكبر. لهذا، كانوا بحاجة إلى النسخ الكاملة من أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي»، وأعمال أخرى ذات صلة. بحلول عام ٥٠٠ ميلادية، كانت النصوص العلمية في العالم اللاتيني قد اختُزلَت في مقتطفات مُوجَزة في كُتَيبات وموسوعات، «مُكثَّفة في رزم صغيرة … خلال الرحلة الطويلة عبر العصور المظلمة»، على حد وصف مؤرخ القرن العشرين العظيم تشارلز هومر هاسكينز.9 بدا أن جيرارد وأقرانه يتعمدون السعي إلى فتح تلك الرزم الصغيرة من أجل توسيع وتعميق البحث العلمي ومِن ثَم إنعاش التعليم. لم تعُد الموسوعات والنُّبَذ كافية. كان عليهم العودة إلى الكتب الدراسية العظيمة من العصور القديمة وترجمتها كاملة. وكان ذلك يعني أيضًا ترجمة أعمال الباحثين العرب التي شرحت تلك النصوص القديمة واستندت إليها، الذين التقينا بكثير منهم في رحلتنا؛ الزهراوي والرازي والكندي وبنو موسى والخوارزمي وغيرهم.

إحدى المعضلات التي كانت تُواجِه المُترجِمين أمثال جيرارد هي الاختيار بين التركيز على النُّسخ الكاملة للنصوص اليونانية القديمة، أو إعطاء الأولوية للنُّسخ العربية المُصحَّحة والمُحسَّنة، والمُؤلَّفة ببراعة من أفكار مصدرها فارس والهند ومصر. وكما هي الحال دومًا، لعب الاختيار الشخصي دورًا حيويًّا في نوعية الأعمال التي نُقلَت إلى الأجيال التالية، ونوعية الأعمال التي لم تُنقَل. واختار جيرارد مزيجًا من الاثنين، واستند على نحو فضفاض في اختياره للنصوص إلى كتاب «إحصاء العلوم» للفيلسوف العظيم الفارابي (٨٧٢–٩٥٠)، الذي كان قد أمضى جُل حياته في بغداد، حيث كان يُعرَف، من باب التحبُّب، بالمُعلِّم الثاني (إذ كان أرسطو يُعرَف بالمُعلِّم الأول).

أين يمكن أن يكون قد عثر جيرارد على كل هذه المخطوطات؟ لقد سلَّطْنا الضوء بالفعل على مكتبة بني هود، ولكن ماذا عن مكتبات طليطلة الأخرى؟ من الصعب تقدير المُقتنَيات الخاصة، ولكن مما لا شك فيه أن مجتمع الباحثين الآخذ في الازدهار في المدينة أثناء القرن الأخير من الحكم العربي (٩٨٥–١٠٨٥) قد امتلك نسخًا من أهم النصوص. يتحدث صاعد الأندلسي عن العالِم أبي عثمان سعيد بن محمد بن البغونش، الذي كان من طليطلة، ولكنه درس في قرطبة قبل أن يعود إلى مسقط رأسه ليُصبِح أحد مديري بلاط حكام ذي النون:
وجدتُ منه رجلًا عاقلًا جميل الذِّكر والمذهب حسن السيرة نظيف الثياب ذا كتب جليلة في أنواع الفلسفة وضروب الحكمة، وتبيَّنت منه أنه قرأ الهندسة وفهمها والمنطق وضبط كثيرًا منه، ثم أعرض عن ذلك وتشاغَل بكتب جالينوس وجمعها وتناولها بتصحيحه ومعاناته؛ فحصل بتلك العناية فهم كثير منها.10
ها هو دليل نادر مباشر على وجود كتب جالينوس في مجموعة خاصة في طليطلة. وقد يكون من المنطقي الإشارة إلى أنه من المحتمل أن أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي» كانا على أرفف مكتبة ابن البغونش، وأن بعضًا من كتبه على الأقل، أو نسخًا منها، ربما كانت لا تزال في المدينة في منتصف القرن الثاني عشر عندما كان جيرارد يبحث عن نصوص ليُترجِمها. من المؤكد أنه كانت لا تزال توجد مجموعات كتب عربية في القرن الثالث عشر؛ فقد زعم الباحث مارك الطليطلي (ازدهرت أعماله من ١١٩٣–١٢١٦) أنه «بحث بمثابرة عن كتاب آخر ليُترجِمه في مكتبات العرب».11 كان مارك يُجيد اللغة العربية بطلاقة، وكان محور اهتمامه جالينوس، وبعد أن درس الطب في الخارج، عاد إلى مسقط رأسه ليعثر على الأطروحات الجالينوسية، التي لم تكن معروفة بعد في الغرب، ويُترجِمها،٣ ليُساهِم في إعادة إحياء واسعة النطاق لأعمال جالينوس في القرن الثالث عشر. ملأ مارك الفجوات التي تركها جيرارد، الذي كان قد ترجم تسعة أعمال لجالينوس. وبكل المقاييس، كان أهم النصوص الطبية الأربعة والعشرين التي ترجمها جيرارد، هو كتاب «القانون» لابن سينا، الذي كان بذاته تجميعًا للطب الجالينوسي، وأشهر كتاب دراسي طبي في العصور الوسطى. كان ابن سينا (٩٨٠–١٠٣٧) أحد أعظم مفكري العالم العربي في القرون الوسطى. وكان كتابه «القانون»، الذي وُصِف بأنه «مُلخَّص بارع وإعادة هيكلة منطقية للطب الجالينوسي»،12 مُركِّزًا، بطريقة تُيسِّر استيعابه، في خمسة مجلدات؛ ومِن ثَم كان أسهل في استخدامه من الناحية العملية وأقل تكلفة من مجموعة جالينوس الضخمة، وأصبح القناة الرئيسية لنقل أفكار جالينوس. كذلك ترجم جيرارد العديد من كتب الرازي، التي نُقلَت إلى أوروبا على هيئة مجموعة وطُبعَت فيما بعد، وكذلك الحال مع أطروحة الزهراوي عن الجراحة وأدواتها، المُزوَّدة برسوم إيضاحية وأشكال بيانية نُسخَت بطريقة جميلة.
حتى الآن، تناوَلنا الأماكن التي يمكن أن يكون المترجمون قد عثروا فيها على الكتب في إسبانيا المسيحية، ولكن توجد أدلة على أن الباحثين كانوا يبحثون في الجنوب أيضًا، حيث كانت السلطة لا تزال في يد العرب. يصف مصدر يعود تاريخه إلى أوائل القرن الثاني عشر مُفتِّش سوق أندلسيًّا يُنفِذ أمرًا ينص على أنه «لا يجوز للرجال أن يبيعوا الأعمال العلمية لليهود ولا المسيحيين»؛13 لأنهم كانوا على ما يبدو يُترجِمونها ثم ينسبونها لباحثيهم. تكشف هذه الواقعة عن أن الاهتمام المسيحي بالعلوم العربية كان قد أصبح واضحًا ونهمًا حتى إن السلطات المسلمة كانت قد بدأت تخشى من أن تراثها الثقافي يمكن أن يتفلت عابرًا الحدود إلى الشمال، وهو خوف تبيَّن أنه استشراف لما كان سيحدث مُستقبَلًا. لا نعرف قدر انتشار أو نجاح سياسة حظر البيع هذه، ولكن لا بد أنها جعلت الحصول على النصوص أكثر صعوبة.
ومع ذلك، من الصعب تحديد مدى تأثير ذلك على مشروع جيرارد. من المؤكد أنه كان بمقدوره الحصول على النصوص، بغضِّ النظر عن الحظر الذي فرضه مُشرِفو السوق الأندلسيون. ويُخبِرنا حجم ما حقَّقه شيئًا عن شخصيته. لا بد أن جيرارد الكريموني كان رجلًا يتسم بجرأة وعزم هائلَين. فأي شخص ينطلق في رحلة إلى المجهول بحثًا عن كتاب واحد، ولديه استعداد للسفر آلاف الأميال، كي يتعلم لغة واحدة جديدة على الأقل ويُمضي بقية حياته في بلد غريب، ساعيًا دون هوادة إلى توسيع معارفه، لا بد أنه كان يمتلك مجموعة من سمات شخصية واضحة المعالم. وقد ساهمَت الصفات التي اتسم بها، من جرأة، وعزم، واجتهاد، وذكاء، في حقيقة تتمثل في أن «انتقال العلوم العربية بوجه عام إلى أوروبا الغربية على يد جيرارد الكريموني فاق أي سبيل آخر».14 إذا صدَّقْنا رواية واحدة عن إحدى المحاضرات التي ألقاها جيرارد في طليطلة، يُمكِننا أن نُضيف الغرور والغطرسة إلى قائمة سماته الشخصية. من الواضح أنه كان يُدرِك ثقل المهمة التي اضطلع بها، وأهمية دوره بصفته قناة رئيسية لنقل المعرفة من العالم العربي إلى العالم الأوروبي. على حد تعبير كُتَّاب تأبينه: «حتى نهاية حياته، استمر ينقل إلى العالم اللاتيني (كما لو كان ينقل إلى وريثه المحبوب) أيما كتب ارتآها الأفضل، في موضوعات كثيرة، بما في وسعه من دقة ووضوح.»15
fig21
شكل ٥-٣: شكل بياني من مخطوط يحتوي على ترجمة جيرارد الكريموني لكتاب «القواعد» (جداول طليطلة) للزرقالي.
أما فيما يتعلق بمسألة هوية مُموِّل ترجمات جيرارد؛ فليس بوسعنا إلا أن نُخمِّن، ولكن كونه رجلًا كنسيًّا ينتمي إلى الكاتدرائية يجعل رئيس الأساقفة يوحنا الطليطلي (١١٥٢–١١٦٦) مُرشَّحًا محتملًا. من المحتمل أن جيرارد كان مُدرَجًا في كشوف رواتب الكاتدرائية، ولكن مع واجبات كنسية بسيطة أتاحت له حرية أن يُكرِّس جُل وقته للترجمة. وبالطبع، من المحتمل أيضًا أنه كان مُوسِرًا يمتلك ثروة خاصة به، وقادرًا على تمويل نفسه. فحسبما أورد تلاميذه، كان جيرارد «يتحاشى الثناء المتملق والأبهة الفارغة لهذا العالم»، وكان «عدوًّا لرغبات الجسد».16 لم يكن شخصًا تافهًا، وإنما كان شخصًا منح تركيزه كله لعمله ولم يكن بحاجة إلى متع الحياة. يبدو واضحًا بلا شك من العدد الهائل من الترجمات التي قام بها أنه — لا بد — أمضى جُل وقته على مكتبه.
ذهب جيرارد إلى طليطلة ليعثر على كتاب «المجسطي»، ولكن من المُرجَّح أنه لم يقطع شوطًا طويلًا فيما يتصل بعمل بطليموس العظيم قبل أن يُدرِك أنه كان بحاجة إلى استيعاب كتاب إقليدس أولًا. فكما رأينا، كانت أطروحة «العناصر» بمثابة نقطة الانطلاق إلى علم الفلك و«هكذا فإنه من الصعب أن نُعطي ترجمات العمل الكامل إلى اللاتينية في النصف الأول من القرن الثاني عشر ما تستحق من الأهمية».17 في عام ١١٠٠، كان كل ما هو متاح من أطروحة «العناصر» باللاتينية هو أجزاء صغيرة من الكتب بدءًا من الأول إلى الرابع، ترجمها بوثيوس في القرن الخامس، وكادت ألا تحتوي على أي براهين أو أشكال بيانية. بحلول عام ١١٧٥، كان يوجد ستة إصدارات من النص الكامل؛ إذ كانت أوروبا قد استفاقت وأدركت أهمية نظريات إقليدس وكان الباحثون اللاتينيون يبذلون قصارى جهدهم لفهمها ونقلها.

كان إصدار جيرارد اللاتيني لأطروحة «العناصر» هو ثاني ثلاث تراجم من العربية في القرن الثاني عشر. الأولى قام بها أديلار الباثي، وشكَّل أساسًا للنسخة الثالثة التي أنتجها هيرمان الكارينثي وروبرت الكيتوني. على ما يبدو أن جيرارد قد استعان في الأساس بنسخة إسحاق وثابت، مع أجزاء مُعيَّنة من ترجمة الحجاج. قد يعني هذا أنه كان لديه نسختان عربيتان أمامه، ولكن ربما، بالمثل، كان ينسخ نصًّا يجمع بالفعل بين الاثنين؛ فكما رأينا في الفصل السابق، وُجدَت توليفات من النصَّين في عدد لا يُحصى من النُّسخ المختلفة بعد الإنشاء الأصلي لهما مباشرة، في القرن التاسع. لأن نص جيرارد كان مُستنِدًا بالأساس إلى نسخة إسحاق وثابت، فإنه النص الأقرب إلى النص اليوناني الأصلي بل إنه يشتمل على بعض الكلمات اليونانية. كذلك أدرج كل براهين إقليدس كاملة؛ وهو تحوُّل مهم عن النُّسخ الأخرى وأمر جعل فهم ما كتبه إقليدس أيسر. كانت طريقة جيرارد المعتادة هي أن يُترجِم ترجمة حرفية، بترجمة كل كلمة مُنفرِدة، بدلًا من محاولة نقل المعنى العام للنص؛ وهي طريقة شائعة في أوساط المترجمين في طليطلة في منتصف القرن الثاني عشر. ومن المُثير للاهتمام، أن أطروحة «العناصر» بترجمة جيرارد كان أكثر تأثيرًا بقليل من ترجمة هيرمان، ولكن طغى على الاثنتين ترجمة أديلار، التي انتشرت على نطاق أوسع بكثير وبقي منها عدد أكبر من المخطوطات، على الرغم من عدم وضوح أسباب ذلك. شكَّلَت ترجمة أديلار أساس النص المُنقَّح الذي أنتجه عالم الرياضيات الإيطالي العظيم الذي عاش في القرن الثالث عشر كامبانوس النوفاري، وكان هذا النص بمثابة أول نسخة تُطبَع، في مدينة البندقية، في عام ١٤٨٢.

إذا كان جيرارد قد اتبع الترتيب المقبول فيما يتعلق بدراسة الرياضيات والفلك، فمن المحتمل أن يكون قد ترجم أطروحة «العناصر» أولًا، قبل الشروع في ترجمة «المجموعة الوسطى» (النصوص التي كان يُفترَض قراءتها بعد أطروحة «العناصر» وقبل كتاب «المجسطي») ثم أخيرًا بدأ في ترجمة كتاب «المجسطي». من المحتمل أنه لم يكن لديه القدرة على نشر عمله بقدر كبير من الفعالية في بداية حياته العملية، وأن صلاته تحسَّنَت بمرور الوقت، ولهذا كانت نسخته من كتاب «المجسطي» أكبر تأثيرًا بكثير من ترجمته لأطروحة «العناصر». وبغضِّ النظر عن مدى تأثير كل من الكتابَين على حِدة، فقد ساهمَت كل إصدارات القرن الثاني عشر لأطروحة «العناصر» في جدل ازداد احتدامًا حول الرياضيات الإقليدية واستمر هذا الجدل حتى القرنَين الثالث عشر والرابع عشر. نُقلَت النظريات نفسها بطرق مختلفة كثيرة؛ منها التراجم الكاملة، والتراجم الجزئية، والتجميعات، والنسخ اللاتينية من التعليقات العربية، والتعليقات اللاتينية الجديدة، والأعمال الأصلية لباحثَين لاتينيَّين. بقي إلى وقتنا الحاضر سبع نسخ من ترجمة جيرارد لأطروحة «العناصر»؛ واحدة في كل من أكسفورد وبولوني وبروج وباريس، والنسخ الثلاث الباقية في مكتبة الفاتيكان. لا تذكر أي من هذه النسخ جيرارد بالاسم، وصدرت كلها تقريبًا خلال القرن الرابع عشر. أربعٌ منها فقط هي نسخ كاملة من ترجمة جيرارد؛ وتحتوي النسخ الأخرى على خليط من النصوص من الإصدارات المختلفة التي صدرت في القرن الثاني عشر، وهو ما يُبيِّن أن من نسخها كان لديه إمكانية الوصول إلى مخطوطات عديدة.

كما نعرف من الوقت الذي قضيناه في بغداد، فإن الرياضيات كانت قد اتسعَت اتساعًا كبيرًا لتشمل أكثر بكثير من مجرد الهندسة الإقليدية، وتعكس كتب الرياضيات الأخرى التي ترجمها جيرارد هذا الأمر. كان الخوارزمي قد استهل دراسة الحساب مُستخدِمًا الأرقام الهندية العربية والنظام العشري في «كتاب الجمع والطرح وفقًا للحساب الهندي»، وصنَّف الجبر بوصفه موضوعًا مُنفصِلًا في كتاب «الجبر». أُعيد إصدار هذين النصَّين باللغة اللاتينية بأشكال متنوعة من القرن الثاني عشر وما بعده. وترجم روبرت التشستري (الذي عادةً ما يُخلَط بينه وبين روبرت الكيتوني) كتاب «الجبر» في شِقُوبية سنة ١١٤٥، وتُرجِم أيضًا بواسطة جيرارد في طليطلة، بينما ساعدت النسخ اللاتينية من كتاب الخوارزمي عن الحساب على نشر النظام العشري في أوروبا.

في محفوظات كاتدرائية طليطلة، توجد وثيقتان تُشيران إلى شخص يُدعى المُعلِّم جيرارد. كلتا الوثيقتَين مُوقَّعة من دومينجو جونديسالبو، وهو رجل دين محلي كان يعمل مع جيرارد في مكانٍ ما في محيط الكاتدرائية. يأتي الدليل الوحيد على المكان الذي كانا يعملان فيه من باحث في القرن التالي، على ما يبدو أنه قام بترجمة «في كنيسة الثالوث المقدس»؛ وهو دير مُجاوِر للكاتدرائية.18 ومثل بيت الحكمة في بغداد، لا توجد أدلة باقية على مكان مادي خُصِّص للمترجمين، ولكن المنطق السليم يُشير إلى أنه لا بد لبرنامج ترجمة بهذا الحجم أن يكون قد اشتمل على موقع مركزي، مساحة دائمة يُمكِنهم الاحتفاظ فيها بكتبهم وأدوات النسخ الأخرى التي كانوا يستخدمونها من أقلام، وحبر، وسكاكين، وأصباغ، وورق أو رقوق، وصمغ، وطاولات للعمل عليها في سكينة وهدوء. توجد بلا شك أدلة على أنهم في بعض الأحيان اشتغلوا بالترجمة في ثنائيات. فنحن نعرف أن «غالب» المُستعرِب عاوَن جيرارد بلغته العربية، ووصف مُترجِم آخر، هو جون الإشبيلي والليمي،٤ عمله هكذا: «تُرجِم الكتاب … من العربية، فكنت أنا أتكلم اللغة الدارجة كلمة كلمة، ويُحوِّل رئيس الشمامسة دومينيك [جونديسالبو] كل كلمة إلى اللاتينية.»19
سواء جلسا بالفعل جنبًا إلى جنب في الغرفة نفسها أم لم يفعلا، كان لدمينجو اهتمامات فكرية مختلفة، أو على الأقل كان يشتغل في مجالات بحثية مختلفة عن جيرارد. ركزَت تراجمه على الفلسفة العربية، وبخاصة عمل ابن سينا، وتعاوَن مع الباحثين اليهود المحليين، مُستخدِمًا تعليقات وأفكارًا عبرية. من الممكن أن يكون جيرارد ودمينجو قد قسَّما عن قصدٍ مجالات المعرفة بينهما؛ لإحداث انسيابية في عملية الترجمة. فركَّز جون الإشبيلي بشكل أساسي على التنجيم؛ وهو موضوع لا يبدو أن جيرارد ترجم فيه على الإطلاق.٥ هل يُشكِّل هذا التقسيم للعمل برنامجًا مُنظَّمًا للترجمة؟ وإن كان كذلك، فمن كان المسئول عنه؟ لم يُقدِّم جيرارد إهداءات لتراجمه أو يُوقِّعها؛ لذا فإنه لا يترك لنا أي أدلة. غير أن هيرمان الكارينثي وروبرت الكيتوني يُساعِداننا بدرجة أكبر؛ إذ تزخر تمهيداتهما بالإهداءات والدلائل على دوافعهما. كان الراعي الرئيسي لهيرمان هو المُعلِّم والفيلسوف العظيم تيري من شارتر، الذي كان قد درس معه قبل أن يسافر إلى إسبانيا. كان تيري مهتمًّا بعلم الفلك والرياضيات؛ فاستخدم نظرية فيثاغورس لتفسير التثليث وجمع كتاب «مكتبة العلوم الإنسانية السبعة»، الذي ضم فيه أقسامًا من أطروحة «العناصر» من ترجمة هيرمان وزميله روبرت الكيتوني، والتي كانا قد أرسلاها إلى تيري من أجل كتاب «مكتبة العلوم الإنسانية السبعة». وأرسلا أعمالًا أخرى أيضًا، تشمل كتاب بطليموس «خريطة النجوم»، وهو استكشاف رياضي لكيفية تحديد مواقع النجوم على صفحة السماء.

كان تيري في طليعة الاكتشاف الأوروبي للعلوم اليونانية العربية، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًّا إلى الكتب التي أرسلها له هيرمان من إسبانيا. كان هيرمان قد درس على يد تيري عندما كان شابًّا؛ إذ سافر إلى شارتر من مسقط رأسه إستريا ليقوم بذلك، وبقيا على اتصال. أمضى هيرمان وزميل دراسته روبرت الكيتوني، أعوامًا كثيرة في السفر بحثًا عن النصوص، التي عكفا على ترجمتها ثم أرسلاها إلى فرنسا مصحوبة بخطابات مُفعَمة بالحماسة تُثني على عجائب البحث العلمي العربي.

عندما كان رئيس دير كلوني، بطرس المُبجَّل، يطوف الأديرة الإسبانية في عام ١١٤١، صادف باحثَين شابَّين «على ضفاف نهر أبرة»، وأقنعهما بأن يُترجِما القرآن لحسابه.20 استخدم بطرس هذه الترجمة ونصوصًا إسلامية أخرى لطرح فكرة أن الإسلام كان هرطقة مسيحية. غير أن الأهم من ذلك أنه كان أول باحث مسيحي يتعامل مع الثقافة الإسلامية ويتعرف عليها. وكانت هذه لحظة فارقة في الحوار بين الديانتَين. كان اهتمام بطرس بالإسلام واحترامه له واضحَين. فوصف الباحثين المسلمين بأنهم: «رجال بارعون ومُثقَّفون تمتلئ مكتباتهم بكتب تتناول العلوم الإنسانية ودراسة الطبيعة، وأن المسيحيين قد مضوا في سعيهم من أجل هذه الكتب.»21 هذا التوجه الشغوف المُنفتِح كان من سمات الباحثين الأوروبيين في القرن الثاني عشر، ولكنه لم يدُم. بحلول عصر النهضة، حُجِب الباحثون المسلمون، الذين كانوا قد قدَّموا إسهامًا هائلًا، جرَّاءَ تبجيلٍ يصل إلى حد الهوس للمصادر اليونانية القديمة.
بعد أن ترجم القرآن، حرص روبرت على العودة إلى علم الفلك، ووعد بطرس في عام ١١٤٣ «بهدية سماوية تحتوي بداخلها على مجمل العلم. وهي تكشف حسب الرقم، والتناسب، والقياس كل الدوائر السماوية وأعدادها ونُظمها وأوضاعها، وأخيرًا، كل الحركات المختلفة للنجوم …»22 هذه إشارة إلى كتاب «المجسطي»، الذي كان هو وهيرمان يستعدان لدراسته بقراءة أطروحة «العناصر» ونصوص رياضية أخرى. من الممكن أن يكونا أعدَّا إصدارهما من نص بطليموس، لكن ليس ثمة دليل على هذا. على النقيض من ذلك، كان إصدار جيرارد من كتاب «المجسطي» أول إصدار ينتشر على نطاق واسع في أوروبا وكان أكثر الإصدارات اللاتينية الأولى لعمل بطليموس تأثيرًا؛ فيوجد منه اثنان وخمسون مخطوطًا، لا تزال باقية إلى يومنا هذا في مكتبات متنوعة مثل بطرسبرج ومانشستر. وتوجد أضخم مجموعة على الإطلاق، ثلاث عشرة نسخة، في المكتبة الوطنية في باريس، وهو ما يُمكِن أن يُشير إلى أن زملاء جيرارد الإفرنج في طليطلة أرسلوا نسخًا إلى فرنسا. ويتواجد أقدم مخطوط باقٍ من مخطوطاته في مكتبة الفاتيكان، ومعه أربع نسخ أخرى تالية، وهو ما يُشير إلى أن تراجم جيرارد قد انتقلت إلى إيطاليا، حيث أُعيد إنتاجها بأعداد كبيرة. في الوقت الذي ظهر فيه كتاب «المجسطي» باللغة اللاتينية، كان الكتاب بالفعل معروفًا إلى حد كبير، على الأقل وسط فئة النخبة الصغيرة من الباحثين المهتمين بعلم الفلك الرياضي. فكان يُشار إليه ويُقتبَس منه في العديد من الأعمال الأخرى وكان مصدرًا أساسيًّا لأطروحة هيرمان «الماهيات»، التي كانت قد قدَّمَت كتاب «المجسطي» لأوروبا الغربية قبل سبعة عشر عامًا من تقديم أول ترجمة كاملة.

كانت ثمة مشكلة كبيرة واجهَت كل مُترجِمي النصوص العلمية، في بغداء وطليطلة على حد سواء، وهي الحاجة إلى استحداث مفردات تُفسِّر الأفكار التقنية الجديدة. وكان هذا ينطبق بوجه خاص على فرعَي الفلك والرياضيات، حيث كانت ابتكارات العرب جنبًا إلى جنب مع غياب خبرة الثقافة اللاتينية يعني أن معظم المبادئ والمنهجيات التي تُترجَم كانت جديدة تمامًا، ولم يكن يوجد كلمات، حتى ذلك الحين، تُعبِّر عنها. قدَّم الباحثون اليهود، الذين كانوا قد اعتادوا بالفعل نقل أفكارهم من العربية إلى العبرية، إسهامًا كبيرًا وساعدوا الباحثين اللاتينيين على استحداث مصطلحات جديدة.

كما رأينا، أرسل بعض الباحثين الذين كان مقرهم في إسبانيا نسخًا من ترجماتهم إلى مدارس الأديرة والكاتدرائيات في فرنسا، حيث دُرسَت وأُعيد نسخها؛ ومِن ثَم انتشرت عبر شبكة الرهبنة البندكتية المُمتدة. ولكن لم يكن ثمة طلب كبير عليها في إسبانيا نفسها، حيث تطوَّرَت الجامعات والمدارس بوتيرة أبطأ؛ فلم تتأسس أول جامعة إسبانية إلا في عام ١٢٠٨. كان يوجد نسخة مخطوطة قديمة من ترجمة جيرارد لكتاب «المجسطي» في مكتبة كاتدرائية طليطلة، وهي موجودة الآن في المكتبة الوطنية الإسبانية، في مدريد،23 ولكنها النسخة الوحيدة في إسبانيا كلها. وهي مكتوبة على رقٍّ بواسطة ناسخ واحد بخط مُنمَّق، وأُصدرَت، ربما في الكاتدرائية نفسها، في وقتٍ ما في القرن الثالث عشر؛ لذا فإنه لا بد أنه كانت ثمة مخطوطة متاحة يمكن النسخ منها. ولكن لم يكن بالمكتبة مجموعة ذات أهمية حتى أواخر القرن الثالث عشر، مما يطرح السؤال البديهي: ما الذي حدث لكتب جيرارد الكريموني؟ على حد علمنا، لم يكن لديه راعٍ ينتظرها في إيطاليا. فقد تُوفي جيرارد في عام ١١٨٧، ويحتمل أن ذلك كان في طليطلة. وثمة أدلة على أنه قد يكون أوصى ببعض من كتبه إلى جماعة رهبنة في كريمونا، ويوجد حالة واحدة لباحث، اشتغل بالتدريس في كريمونا في عام ١١٩٨، كان يمتلك نسخة من ترجمة جيرارد لكتاب جالينوس «الصنعة الصغيرة»؛ لذا فمن الواضح أنه كان يوجد قناة انتقال بصورة أو بأخرى.
الدليل الأكثر حسمًا الذي نملكه فيما يتعلق بأخذ الكتب من طليطلة إلى شمال أوروبا هو زعم دانيال مورلي أنه اشترى «عددًا كبيرًا من الكتب الثمينة» وعاد بها إلى إنجلترا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي.24 كان دانيال، الذي كان يتسم بالثقة في نفسه، ينتمي لجيل جديد من الباحثين، الذين شكَّلوا مجموعة صغيرة، ولكنها قوية، من الشبكات التي كانت تُغطِّي القارة، وقطعوا مسافات طويلة بحثًا عن كتب وأفكار. كما أوضح هو بنفسه:
عندما رحلت، منذ فترة، للدراسة، توقَّفتُ بعض الوقت في باريس. هناك، رأيتُ حميرًا وليس بشرًا يحتلون المقاعد ويتظاهرون بأنهم مهمون جدًّا. كان لديهم طاولات أمامهم تئن تحت وطأة ثقل مجلدَين أو ثلاثة مجلدات لا يُمكِن رفعها من موضعها، ويصبغون القانون الروماني بحروف ذهبية. بأقلام رصاصية في أيديهم، كانوا يضعون علامات نجمية وعلامات صليب، للدلالة على عبارات منحولة، هنا وهناك، تحيط بهم هالة كاذبة من الجلال والوقار. ولكن لأنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا، فإنهم لم يكونوا أفضل حالًا من تماثيل رخامية؛ كانوا يرغبون بصمتهم فحسب في أن يبدوا حكماء، وما إن حاولوا أن يقولوا أي شيء، وجدتهم عاجزين تمامًا عن التعبير بكلمة. عندما اكتشفت أشياء كهذه، لم أُرِد أن أُصاب بعدوى تحجُّر مشابه … ولكن عندما سمعت أن مدرسة العرب، المُكرَّسة تمامًا للعلوم الأربعة، كانت هي السائدة في طليطلة في تلك الأيام، انطلقت إلى هناك بأسرع ما في وسعي …25

بينما كان دانيال في طليطلة، زعم أنه سمع جيرارد يُلقي محاضرة عن التنجيم، ولكنه مع ذلك، لم يستعن بتراجم جيرارد في عمله، مُفضِّلًا تراجم أديلار الباثي، وهيرمان الكارينثي ويوحنا الإشبيلي. ومن منطلق حقيقة أنه كان بوسعه الوصول إلى نسخ مختلفة من النصوص وكان بإمكانه أن ينتقي ويختار، تتبين السرعة الكبيرة التي كان المحيط الفكري اللاتيني يتغير بها. فقبل ذلك بمائة عام، في بداية القرن الثاني عشر، لم تكن أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي» وغالبية مجموعة كتب جالينوس متاحة باللاتينية؛ أما في ذلك الحين، فكان يوجد العديد من الإصدارات، إلى جانب مراجعات وتعليقات جديدة تظهر طوال الوقت.

عاد دانيال إلى إنجلترا ومعه صناديقه التي كانت تحوي الكتب الجديدة وبدأ يشق طريقه إلى نورثهامبتون. وفي أثناء الرحلة «التقيت سيدي ومُعلِّمي الروحي، جون، أسقف نورويتش، الذي أظهر لي قدرًا كبيرًا من التكريم والاحترام».26 المكان المُرجَّح لهذا اللقاء هو مدينة أكسفورد، التي تُعَد مَعبرًا رئيسيًّا على نهر التيمز ومقر الجامعة الناشئة. جاء جون من أكسفورد وبالطبع عاد لزيارتها خلال فترة توليه منصب أسقف نورويتش. إضافة إلى ذلك، ظهرت نسخ من العديد من الكتب، التي جلبها دانيال معه عندما عاد من إسبانيا، في مكتبات أكسفورد بعد ذلك بوقت قصير، مما يُشير إلى أن دانيال سمح للباحثين بأن يصنعوا نسخًا بينما كان هناك. لا شك في أنه يصعب تخيُّل مقاومة رجل مثله لإغراء التفاخر بالكنوز التي كان قد جمعها.
كان دانيال، الذي اتسم بالتحرر من النزعات القومية والمحلية، وبالمغامرة، والريادة، جزءًا من مجموعة من صفوة الرجال ذوي التعليم الراقي الذين قادهم تعطُّشهم للمعرفة إلى السفر في أرجاء الأرض بحثًا عن آفاق مختلفة، سواء كانت جغرافية أو فكرية. ورفضًا منهم للاعتماد التقليدي على المرجعية المكتوبة والميل إلى إسناد ألغاز عالم الطبيعة إلى تدبير إلهي، اعتمدوا نهجًا جديدًا للتعلم استند إلى الدراسة العقلانية وأفكار أخرى اكتشفوها في الأعمال ذات الأصل اليوناني الروماني والعربي المُترجَمة مؤخرًا. لعبت أعمال أرسطو دورًا مهمًّا، وتُرجمَت إلى اللاتينية، وكُشِف النقاب عن كامل إطاره الكوزموجرافي، وهو شيء وصفه تشارلز بيرنت بأنه: «حدث بالغ الأهمية في تاريخ علوم أوروبا الغربية.»27 كانت محاورة أفلاطون «طِيماوُس» مصدرًا آخر للإلهام؛ إذ حثَّت الباحثين على فحص بيئتهم بطريقة أكثر عقلانية وتحليلية وعرض اكتشافاتهم بطريقة منطقية، في إطار مُخطَّط مُنظَّم، يستند إلى طريقة البرهنة التي تبناها إقليدس ببراعة في أطروحة «العناصر». كتب كل من هيرمان الكارينثي ودانيال مورلي أعمالًا من إبداعهم استخدمت المنطق الأرسطي، وطريقة البرهنة ومراقبة عالم الطبيعة، كما فعل العديد من الباحثين الآخرين الذين سوف نلتقي بهم لاحقًا.

يوجد كثير من أوجه التشابه بين ما كان يجري في طليطلة في القرن الثاني عشر وما جرى في بغداد في القرن التاسع. فقد جُمعَت المعرفة وصُنِّفت وتُرجمَت ونُظِّمت في فروع مُستقِلة من العلم، لكل فرع أسلوبه الخاص وأفكاره ومفرداته الخاصة. وكان هذا الازدهار في السعي الفكري مدفوعًا بالتطورات الضمنية نفسها الحادثة في المجتمع والتي اتسمت بها الثقافة العربية قبل ذلك بثلاثة قرون؛ مناطق مختلفة مُتحِدة تحت لواء دين مشترك، وتزايد في عدد السكان والإنتاج الزراعي والتجارة، ونمو المراكز الحضرية؛ مما أدَّى إلى إيجاد طلب على بِنية تحتية ولوائح تنظيمية؛ ومِن ثَم الإلمام بالحساب والقراءة والكتابة. في أوروبا، اتسمت هذه العملية باتساع نطاق التعليم العلماني، الذي تجلَّى في نشوء الجامعات باعتبارها المراكز الرئيسية للتعلم في القرن الثالث عشر. ومع اضمحلال مدارس الكاتدرائيات القديمة، تنافَس المُعلِّمون في أكسفورد وبولونيا وباريس بعضهم مع بعض على الطلاب؛ مما شجَّع على الصرامة والدقة الفكرية والأفكار الجديدة وميلاد النظام الحديث للتعليم العالي. مع بزوغ فروع جديدة للعلم، نمَت الفروع القائمة بحيث تعيَّن على الباحثين أن يكونوا أكثر تخصُّصًا. فلم يعد من الممكن للطالب أن يُتقِن معرفةً ما بكامل نطاقها. ولعبت طليطلة دورًا بارزًا في هذا. فقد كانت المدينة جسرًا بين الثقافة اليونانية العربية وأوروبا اللاتينية؛ إذ لم تكن مكانًا تُحفَظ فيه المعرفة العلمية في أمان فحسب، وإنما تُترجَم وتُنقَل إلى باحثي المستقبل. وفي القرن الثالث عشر، كفل ألفونسو العاشر (١٢٢١–١٢٨٤)، «الحكيم»، كما كان يُعرَف، استمرار المدينة منارةً للعلم والتعاون بين الثقافات. فأنشأ مدرسة من الباحثين اليهود والمسيحيين والمسلمين لترجمة النصوص المهمة إلى اللغة الرومانسية المحلية الدارجة، ودعم بحماسة برنامجًا للدراسة والرصد الفلكي. كانت النتيجة «جداول ألفونسين»، المُستنِدة إلى «جداول طليطلة» الأقدم، والتي استُخدمَت في سائر أوروبا على مدى الثلاثمائة سنة التالية.

كانت طليطلة المكان الرئيسي للترجمة من العربية إلى اللاتينية، ولكنها لم تكن المكان الوحيد. بحلول نهاية القرن الثاني عشر، كان العالَمان السياسي والفكري قد تغيَّرا. وكانت أوروبا المسيحية في تصاعد؛ وأُقصِي الإسلام أكثر فأكثر إلى الجنوب، عبر إسبانيا، حتى عاد إلى شمال أفريقيا، وخرج من صقلية وأُبعِد عن بيت المقدس. أثناء القرن الثاني عشر، انتشرت الجيوش الصليبية في أنحاء منطقة شرق البحر المتوسط، مُحتَلةً أقاليم وجالبةً معها شعورًا جديدًا بالثقة والإمكانية. جاء في أعقابهم التجار يتبعونهم؛ رجال انتهازيون من دُوَيلات مدن إيطاليا، وضعوا الثروة نصب أعينهم، فاستقروا في المدن الشرق أوسطية وأسَّسوا مجتمعات تجارية. تاجروا في ثروات الشرق؛ من توابل، وحرير، وجواهر، وسجاد، وقطع أثرية، ومخطوطات، وقايضوا فيها وعقدوا الصفقات، وأبحروا بسفنهم وهي مليئةٌ جمالًا وعجبًا وحكمة صوب الديار على الخطوط الملاحية الواسعة، ليُغيروا أذواق الأوروبيين، وأسلوبهم ومعارفهم إلى الأبد.

هوامش

  • (١)

    المكان الذي جرَت فيه أحداث رواية أومبيرتو إكو الكلاسيكية «اسم الوردة»، جريمة قتل غامضة تستكشف العالَم الفكري لأحد أديرة القرن الرابع عشر.

  • (٢)

    جُلبَت نسخة من هذا النص، بالصيغة التي راجعها مسلمة المجريطي، مع تعديل الإحداثيات لتُناسِب قرطبة، إلى سرقسطة في وقتٍ ما في منتصف القرن الحادي عشر، حيث أُعيد إجراء حسابات الجداول لتناسب دائرة العرض المحلية.

  • (٣)

    تُرجمَت أربع من هذه الأطروحات من اليونانية على يد حُنَين بن إسحاق في القرن التاسع.

  • (٤)

    كان ليوحنا الإشبيلي والليمي، الذي عمل أيضًا في طليطلة، خلفية غامضة بعض الشيء. فيُشار إليه بأسماء كثيرة مختلفة في المصادر المتنوعة؛ فمثلًا يُشار إليه بالإسباني، والطليطلي، والليمي، وأفيندوث، وابن داود، حتى إن الباحثين تساءلوا عما إذا كان أكثر من شخص واحد. وجهة النظر الحالية هي أنه ربما كان يهوديًّا سفارديًّا فرَّ من اضطهاد الساميين في قرطبة تحت حكم الموحدين، واستقر في طليطلة واشتغل بالترجمة هناك في منتصف القرن الثاني عشر.

  • (٥)

    هذا أمر غامض لأن دانيال مورلي، الذي قدِم إلى طليطلة من إنجلترا بحثًا عن المعرفة، يُورِد أنه سمعه يُحاضِر عن أهمية أطروحة أبي معشر «المدخل الكبير إلى علم أحكام النجوم». وبفرض أن دانيال كان يقول الحقيقة، فلا بد أن جيرارد كان على دراية واسعة بالموضوع، حتى إن لم تكن له تراجم فيه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠