عندما تقفز الضفدعة

وقفت «إلهام» تنظر من خلال زجاج نافذتها في المقر السرِّي للشياطين اﻟ «١٣»، كان زجاجًا سميكًا لا ينفذ منه الرصاص، ولكنه شفافٌ بحيث تستطيع أن ترى الحديقة الجميلة التي أقيمت حول المقر السري في مكانٍ ما من الصحراء …

كانت الحديقة تضمُّ مجموعةً رائعةً من الزهور النادرة، وعجبت «إلهام» كيف استطاع العاملون في المقر السري إنشاء هذه الحديقة، في هذا المكان البعيد الموحش … ولكن دهشتها ازدادَتْ عندما شاهدَت عصفورًا صغيرًا يدور فوق شجرةٍ من «الكوكس»، ثم يستقرُّ على فرعٍ ويمد منقاره ينظف جناحَيْه، وأحسَّت بسعادةٍ تصحب دهشتها، كيف جاء العصفور إلى هذا المكان البعيد، من المؤكد أنه لا يستطيع الطيران هذه المسافة الطويلة، التي تفصل بين المقر السري وأقرب مكان مأهولٍ بالسكان، ثم فكَّرت أنها لم تأتِ إلى المقرِّ السري منذ فترةٍ طويلة، وربما أحضر العاملون بعض العصافير أيضًا ليتم للحديقة طابع الحياة كاملًا.

أخذ العصفور الصغير يقفز على «الكوكس» الخضراء منتشيًا؛ فلم يكن في الحديقة ما يعكِّر صفوه في هذا الصباح الشتوي الدافئ، وبينما كانت «إلهام» مستغرقةً في مراقبة العصفور الصغير، سمعَت صفارةً متقطعة، وعرفت أن رسالةً في الطريق إليها، فالتفتَت إلى داخل الغرفة، ونظرَت فوق الباب إلى لوحةٍ مضيئة، تظهر عليها التعليمات كشاشة التليفزيون …

ثم توالَت التعليمات:

من رقم «صفر» إلى «إلهام» و«عثمان» و«خالد» …

استعدُّوا للسفر خلال ساعة … الهدف القاهرة … المهمة ستُوضَّح لكم في اجتماعٍ بعد ٥ دقائق من الآن … انتهى.

ضغطَت «إلهام» على زرٍّ صغيرٍ بجوار فراشها، فانفتح بابٌ خفيٌّ في الحجرة، ومدَّت يدها فتناولَت حقيبة المهمات، وهي حقيبةٌ صُنعت خصِّيصَى للشياطين اﻟ «١٣»، بها بالإضافة إلى ملابس السفر، مجموعة من الجيوب السرية التي لا يمكن اكتشافها، وفي هذه الجيوب كل الأدوات والأسلحة التي يحتاجها الشياطين في مغامراتهم العنيفة.

وارتسمت على شفتَيْ «إلهام» ابتسامة رضا وهي تضع الحقيبة على المائدة؛ فهي ذاهبةٌ إلى القاهرة، و«أحمد» هناك منذ عشرة أيام هو و«زبيدة» في مهمةٍ استطلاعية، ولا بد أنه حصل على معلومات، وأنهم في الطريق إلى مغامرةٍ جديدة، بعد فترةٍ من الركود امتدَّت شهورًا.

بعد خمس دقائق بالضبط كانت «إلهام» و«خالد» و«عثمان» يجلسون حول المائدة المستديرة في غرفة الاجتماعات … وتبادلوا ابتسامات، ثم سمعوا صوت رقم «صفر» يتحدث، فانتبهوا جميعًا.

جاء الصوت العميق للزعيم الخفي لمجموعة الشياطين، من ناحية المنصة قائلًا: «منذ ثلاثة أسابيع، نشرت الصحف في جميع أنحاء العالم عن صفقة الصواريخ «كروتال» الفرنسية، التي اتفقَت عليها مصر مع فرنسا.»

وصمت رقم «صفر» لحظات، ثم قال: «وقد وزعت عليكم المعلومات اللازمة عن الصاروخ «كروتال»، وهو صاروخ «أرض/أرض» من إنتاج فرنسا. ولكن …»

وعاد مرةً أخرى يسكت لحظات، ثم مضى يقول: «إن ما نشرَتْه الصحف، لم يشمل بعض الأسرار الخاصة بهذه الصفقة؛ فقد أدخل الخبراء المصريون ٢٠ تعديلًا على الصاروخ، وهذه التعديلات ستؤدي إلى زيادة كمية المواد المدمرة في الصاروخ. وفي زيادة سرعته … وفي زيادة دقَّة تصويبه!»

وزاد اهتمام الشياطين الثلاثة «إلهام» و«عثمان» و«خالد» بما يسمعون، ومضى رقم «صفر» يقول: «ومنذ عشرة أيام، استطاعَت أجهزة المخابرات في مصر أن تشمَّ رائحة محاولة تقوم بها دولة معادية؛ للحصول على التصميمات الجديدة للصاروخ «كروتال المعدل»، أو «كروتال٢٠» كما أطلقنا عليه. وهذه التصميمات الجديدة بالطبع على أكبر جانبٍ من الأهمية … ووقوعها في يد هذه الدولة المعادية من الخطورة بمكان.»

وسكت رقم «صفر» … وسمع الشياطين الثلاثة صوت أوراق تقلب، ثم قال: «إن مجموعة التصميمات الجديدة قد أوشكت على الانتهاء، وفي خلال الأيام القادمة سيتم تسليمها إلى الجانب الفرنسي، وسيحضر إلى القاهرة مندوب «المركز الفرنسي لأبحاث الصواريخ»، لمناقشته لها أولًا مع الخبراء المصريين وإجراء بعض التجارب، قبل أن يحملها إلى فرنسا لتنفيذها.»

وعاد الشياطين يسمعون صوت الأوراق، ثم قال رقم «صفر»: «إن مندوب «المركز الفرنسي لأبحاث الصواريخ» يُدعى مسيو رولان، وسيصحبه وفدٌ من الخبراء، لم تتحدَّد أسماؤهم بعد … وبالطبع هناك إجراءات أمن مشددة حول هؤلاء الخبراء، حتى لا يتعرضوا لأية متاعب في رحلتهم من «باريس» إلى «القاهرة»، وسوف يقضون في القاهرة فترة ثمانية أيام تقريبًا، للانتهاء من مناقشة التعديلات التي أُدخلت على الصاروخ.»

وزادت نغمة الخطورة في حديث رقم «صفر» وهو يقول: «ورغم إجراءات الأمن التي ستحيط بهؤلاء الخبراء، فقد رأيت أن أقيم دائرة مراقبة أوسع من دائرة الأمن العادية، وستقومون أنتم بعمل هذه الدائرة، وكما تعرفون فإن معنى دائرة الأمن وجود نطاقٍ من الرقابة غير المرئية حول الخبراء … وستُسافرون لهذا الغرض بعد نصف ساعةٍ … والآن هل هناك أسئلة؟»

قال «عثمان»: إن «أحمد» و«زبيدة» في القاهرة منذ عشرة أيام. فهل لوجودهما هناك علاقة بعملية الصواريخ؟

رقم «صفر»: نعم … كانت مهمتهما استطلاعيةً للبحث عن بعض الأشخاص المشتبه فيهم … فقد تسرَّبت معلومات أن الدولة المعادية التي تسعى للحصول على تصميمات الصاروخ «كروتال٢٠»، ستقوم بمحاولةٍ عن طريق عملائها الرسميين، ومحاولة ثانية عن طريق عصابةٍ محترفة وعادةً ما تنجح العصابات حيث يخفق العملاء الرسميون، وعلى كل حال سوف تجدون عند «أحمد» و«زبيدة» كل المعلومات اللازمة … إننا في موسم الشتاء وهو موسم السياحة في مصر، وسيكون من الصعب جدًّا اكتشاف أفراد العصابة بين ألوف السياح الذين يفدون على القاهرة ولكنني أعتمد عليكم، وفي إمكانكم تنفيذ الخطة «م. ف. د» التي طبقتموها بنجاحٍ في عملية ثعالب الخليج … أو الخطة البديلة «م. ف. شرطة» والآن …

ولكن قبل أن يُكمل جملته أُضيئت لمبة صفراء، ثم حمراء في جدار صالة الاجتماعات، وقال رقم «صفر»: لحظة واحدة.

كان معنى الإشارتَيْن ورود معلوماتٍ لرقم «صفر» … وسمع الشياطين الثلاثة صوت دقاتٍ مكتومة تصدر من مكانٍ ما، وأخذت اللمبة الحمراء تُطلق وميضًا متقطعًا لمدة ثلاث دقائق، ثم ساد الصمت وانطفأ النور، وسمعوا صوت رقم «صفر» العميق يقول: وردت معلومات من عميلٍ سريٍّ لنا في باريس، يُدعى «العصفور الأبيض»، وصفة المعلومات عاجل جدًّا …

وسكت لحظة، ثم مضى يقول: المعلومات الجديدة تقول: «علمت أن «كاريل مارتان» وهو عالم من علماء الصواريخ، قد قُتل بيد شخصٍ مجهول في ضاحية «سان فنسان»، وقد كان «كاريل» يعمل في أبحاث الصواريخ «أرض/أرض» … وقد استولى القاتل المجهول على أوراقٍ بها بعض تفاصيل عن الصاروخ «كروتال».»

وبعد لحظة صمتٍ قال رقم «صفر»: قيمة هذه المعلومات عشرة على عشرة … فهي مؤكدة …

وعاد الصمت، وعادَت اللمبة الحمراء تُرسل إشاراتها المتقطعة، وبعد دقيقتَيْن انطفأ النور وعاد رقم «صفر» يقول: تتجه الشبهات إلى عصابةٍ أوروبية، متخصصة في سرقة المستندات والتصميمات، تُدعى عصابة «الضفدعة» قيمة هذه المعلومات سبعة على عشرة … هل هناك أسئلة؟

لم يرد أحدٌ من الشياطين الثلاثة، فقال رقم «صفر»: المهمة خطرةٌ جدًّا؛ فقد بدأَت بجريمة قتل … خذوا حذركم، وتمنياتي بالتوفيق.

وسمع الثلاثة صوت خطواته الثقيلة، وهو يُغادر مكانه خلف الواجهة الزجاجية السوداء، التي تسمح له أن يراهم ولا يرَوْنه … وحسب التعليمات، بعد أن تلاشى صوت الخطوات، تحرَّك الثلاثة، فوقفوا لحظاتٍ يتحدَّثون، ثم انطلق كلٌّ منهم إلى غرفته …

كانت حقائب العمل جاهزة، فحمل كلٌّ منهم حقيبته، وسرعان ما كانوا في الموقف الخفي الملحق بالمقر السري، حيث تصطفُّ عشرات من أنواع السيارات، كلٌّ منها مجهزةٌ لأداء مهمةٍ معينة … وركب كلٌّ منهم سيارته، ثم انطلقت السيارات تدوي عبر الممرات الصخرية، حيث تفتح الأبواب وتغلق دون صوت … وسرعان ما غادروا الكهف السري وأصبحوا في العراء، وأطلقوا لسياراتهم العنان.

وفي مطارٍ ما في أحد البلدان العربية، استقلُّوا الطائرة المتجهة إلى القاهرة، وكان كلٌّ منهم يحمل جواز سفر باسم مُستعار … وحسب إجراءات الأمن، جلسوا متباعدين، وكأنهم لا يعرفون بعضهم بعضًا، وبعد ثلاث ساعات تقريبًا هبطَت الطائرة في مطار القاهرة الدولي الضخم، وكانت «زبيدة» في انتظارهم، وسرعان ما كانَت سيارتها تقطع شوارع القاهرة، التي بدأَت أنوارها تُضاء مع هبوط المساء الشتوي المبكر …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤