الثور والبركان وغيرهما

في تمام الساعة الثامنة مساءً اجتمع الشياطين الخمسة «أحمد» و«زبيدة» و«عثمان» و«إلهام» و«خالد» … كانت «إلهام» تجلس في مواجهة «أحمد»، ولاحظت أنه يبدو مهمومًا رغم استقباله الحار لها. وبدأ الحديث بقوله: جئت إلى القاهرة في مهمةٍ منفردة منذ عشرة أيام … ولعل رقم «صفر» قد شرح لكم طبيعة هذه المهمة …

رد «عثمان»: نعم … والمفروض أنك حصلت على معلومات، تضع أيدينا على أول خيوط هذه المغامرة …

رد «أحمد»: للأسف … من البداية أحب أن أقول لكم إنني لم أوفَّق إلى معلومة واحدة مفيدة عن نشاط عصابة «الضفدعة» في القاهرة … وهناك احتمالان؛ الأول: ألَّا تكون العصابة قد بدأت نشاطها بعدُ … والثاني: أن تكون على قدرٍ كبيرٍ من المهارة في إخفاء أفرادها!

خالد: هل وصلتك المعلومات الأخيرة عن العصابة؟ لقد بدأَت ضربتها بقتل أحد خبراء الصواريخ الفرنسيين أمس ليلًا، ووصلت الأنباء إلى المقر السري أثناء اجتماعنا مع رقم «صفر» …

تنهَّد «أحمد» ثم قال: هل حدَّدوا أي عصابة من عصابات التجسُّس تقوم بهذه العملية؟

خالد: نعم … تقدير معلومات بنسبة سبعة على عشرة، أنها عصابة «الضفدعة».

أحمد: عظيم … هذا يضع يدنا على شيءٍ؛ فقد حصلت على ملف به قدر لا بأس به من المعلومات عن العصابات المتوقَّع أن تقوم بعملية سرقة المستندات، ومن ضمنها عصابة «الضفدعة»!

وقام «أحمد» إلى أحد الدواليب المخفية بمهارةٍ في جدار المقر السري رقم «٦» حيث يجلسون، ثم ضغط على زرٍّ فانفتح بابٌ في الحائط، ومدَّ يده فأخرج ملفًّا أصفر اللون، عاد به إلى مائدة الاجتماعات وفتحه ثم قال: هذه المعلومات تشمل تاريخ إنشاء العصابة، ومجال نشاطها، وتقدير المعلومات تسعة على عشرة … ثم معلومات عن بعض أفرادها … وتقديرها تسعة على عشرة …

قالت «إلهام»: ما رأيكم في كوب من الشاي أولًا؟

وافق الجميع على الاقتراح بحماس، فقامت «إلهام» و«زبيدة» إلى المطبخ، وأخذ «أحمد» يقلِّب الملف بين يدَيْه، ثم قال: إن لعصابة «الضفدعة» تاريخًا رهيبًا يجعل شعرَ الإنسان يقف …

وعادَت «إلهام» و«زبيدة» بالشاي، ورنَّ صوت الملاعق في الصمت الذي يلف المقر السري الصغير … ثم بدأ «أحمد» يروي قصة العصابة: سأختصر بقدر الإمكان فيما يختصُّ بتاريخ العصابة … وسيكون اهتمامنا منصبًّا على الأشخاص!

ورشف من كوب الشاي، ثم قال: بدأت العصابة نشاطها الإجرامي مع بداية هذا القرن، وكانت تعمل أولًا في السرقات العادية، ثم غيرت نشاطها أثناء الحرب العالمية الأولى (١٩١٤–١٩١٨) فاشتغلت في تهريب وبيع المواد التموينية، في السوق السوداء في ثلاث دول أوروبية، وبعد أن انتهت الحرب، اختفى نشاط العصابة فترة، ثم عادت تعمل في سرقة التصميمات الصناعية.

وتوقف «أحمد» لحظات ثم مضى يقول: ونحن نعرف أن بين الشركات الصناعية الكبرى منافساتٍ شديدةً … وكل شركة تحاول أن تحصل على تصميمات الشركات الأخرى، في مجال الآلات والسيارات وغيرها … وهذا ما يطلق عليه اسم «التجسس الصناعي» أو «الجاسوسية الصناعية»، فإذا عرفنا أن بعض الشركات يبلغ حجم إنتاجها السنوي ملايين الجنيهات، عرفنا قيمة المعلومات التي يمكن أن تسرقها العصابة من شركةٍ لصالح شركةٍ أخرى … واستمرَّت العصابة تعمل في هذا المجال حتى قرب قيام الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩–١٩٤٥)، حيث نقلت نشاطها من مجال التجسس الصناعي إلى مجال التجسس العسكري، فبدأَت تسرق بكل الوسائل، تصميمات الأسلحة والطائرات لبيعها إلى الدول التي يهمها الأمر … ويشتبه أنها قامت بسرقة تصميمات خط «ماجينو» الفرنسي وأسلوب تسليحه وبيعه إلى ألمانيا. كما أنها حاولت سرقة تصميمات الصواريخ الألمانية لبيعها إلى أمريكا عام ١٩٤٢، أثناء اشتداد الحرب بين الحلفاء وألمانيا.

وسكت «أحمد» لحظات، ثم مضى يقول: وظلَّت العصابة في ممارسة عملها في هذا المجال حتى الآن، وقد اتسع نشاطها ليشمل أوروبا كلها، وطبيعي أن يكون ضمن أفرادها شخصياتٌ من دول مختلفة، مما تستحق معه أن نقول عنها إنها عصابة دولية …

ورشف رشفةً عميقة من كوب الشاي، ثم مضى يقول: والآن نأتي إلى أفرادها … إن المعلومات المتوفرة عنهم لا تشملهم جميعًا بالطبع، فمثل هذه العصابة لا بد أن تعمل في أشد نطاقٍ من السريَّة؛ لأنها تُعادي أجهزة الأمن في أكبر دول العالم … والمهم عندنا أن نعرفَ أنها تنقسم إلى مجموعة تخطيط، وتضم الرءوس المفكرة في العصابة، والمعلومات عن هؤلاء قليلةٌ جدًّا، بل نادرة … ومجموعة تنفيذ، وهم من يقومون بتنفيذ مخططات المجموعة الأولى. ثم مجموعة الوسطاء، وهم الذين يَتولَّوْن بيع المعلومات … أما معلوماتنا عن مجموعة التنفيذ ومجموعة الوسطاء فلا بأس بها …

عثمان: إن هذه العصابة تُشبه مؤسسةً دولية!

ابتسم «أحمد» لأول مرةٍ وقال: تمامًا … ويمكن أن يُقال إن أرباحها من عمليات بيع المعلومات تصل إلى ملايين الجنيهات … ورأس هذه العصابة غير معروفٍ بالضبط، ولكن شبهات قوية تتجه إلى شخصٍ يُدعى «م. فرانك»، وهو يملك ويُدير أحد البنوك في دولةٍ أوروبية؛ فقد لُوحظ أن أموالًا كثيرةً تُودع في هذا البنك، بعد عمليات سرقة المعلومات العسكرية، ولكن من الصعب إثبات صلة البنك بهذه العمليات الإجرامية …

وصمت «أحمد» لحظةً ثم قال: ولعلَّه مما يهمنا في هذا المجال، أن بعض المعلومات تقول إن «م. فرانك» على علاقةٍ بالعصابة الكبيرة «سادة العالم» التي اصطدمنا بها في عملياتٍ سابقة …

ورشف من كوب الشاي ثم قال: ولا يهمنا الآن مجموعة التخطيط؛ فهي لن تأتيَ إلى موقع العملية هنا في القاهرة. ولا مجموعة الوسطاء؛ فمهمتهم تبدأ بعد الانتهاء من نجاح العملية … إن ما يهمنا الآن هو مجموعة التنفيذ، وهي مجموعةٌ من أبرع المجرمين في العالم، ممن لا يتورعون عن شيءٍ في سبيل الوصول إلى أغراضهم، وهم يتقاضَوْن من العصابة مرتبات شهرية ضخمة، بالإضافة إلى المكافآت التي تُمنح لهم بسخاءٍ بعد كل عملية ناجحة.

قالت «زبيدة» ضاحكةً: إنك تبعث الخوف في قلوبنا بهذه المعلومات الرهيبة! ابتسم «أحمد» وقال: إنكِ لم تسمعي شيئًا بعدُ … خذي مثلًا «كروجر»، وهو واحدٌ من مجموعة التنفيذ وشهرته «الثور»، وقد كان ضابطًا في سلاح الصاعقة، اشترك في الحرب العالمية الثانية برتبة ملازم وعمره ١٨ عامًا، ويبلغ الآن الخمسين تقريبًا، طوله ١٨٥ سنتيمترًا، ووزنه مائة كيلو، كما كان أحد أبطال المصارعة والجودو، شديد الشراسة، فائق القوة، يتولَّى أعمال العنف مع زميلٍ له يُدعى «فولكان» ومعناها «البركان»، وهو جنديٌّ عمل في الفرقة الأجنبية التي تضم الفارين من العدالة من جميع أنحاء العالم وقد عاش «فولكان» جزءًا كبيرًا من حياته في الصحراء فهو يجيد اللغة العربية.

قالت «إلهام» مقاطعة: إن هذه نقطة هامة …

أحمد: طبعًا … فإذا كانت عصابة «الضفدعة» تعمل حقًّا من أجل الحصول على تصميمات الصاروخ «كروتال» فإن «فولكان» هو أفضل رجل يُنتدب لهذه المهمة.

عثمان: ما هي مواصفات الأخ «فولكان» هذا؟

أحمد: أشبه بزميله «كروجر»، ولكنه أصغر سنًّا، فهو في الثامنة والثلاثين، ولعل أهم ما يمكن الاستدلال عليه، أنه أصيب في انفجار قنبلةٍ ناسفةٍ في إحدى العمليات، أدَّت إلى إصابة يدَيْه بحروق، ورغم عمليات التجميل التي قام بها، فإن إصبعَيْن في يده اليمنى لا تعملان.

إلهام: أي إصبعين؟

أحمد: الإصبعان اللتان تمسكان القلم.

عثمان: هذا يعني أنه لا يستطيع إطلاق الرصاص.

أحمد: على العكس … إنه من أمهر الرماة؛ فهو يستخدم يده اليسرى ببراعة، بعد تمارين كثيرة، للاستعاضة بها عن يده اليمنى!

خالد: وما شكله؟

أحمد: أقصر قامة من «كروجر»، طوله ١٧٨ سنتيمترًا، ووزنه ٨٨ كيلوجرامًا.

وسكت «أحمد» قليلًا ثم مضى يقول: الرجل الثالث مصوِّرٌ … وبالطبع لا بد من وجود مصور معهم؛ فقد يضطرون إلى تصوير المستندات بدلًا من سرقتها، وقد كان «شوتي» مصورًا سينمائيًّا، عمل في عددٍ من الأفلام ولكنه انحرف نتيجة إدمانه للخمور؛ ومن ثم فقد اشتغل مع العصابة.

عثمان: هل هذه هي مجموعة التنفيذ؟

أحمد: لا … هناك المهندس «ستريت»، وهو خبيرٌ في التصميمات الهندسية، ويستطيع الحكم على قيمة أية مستندات بنظرة واحدة!

عثمان: والمعلومات عنه؟

أحمد: قصير القامة، شديد الأناقة، عنده لازمة لا يغيرها؛ فهو دائمًا يبلل شفتَيْه بلسانه.

عثمان: لا بأس … من السهل اكتشاف مثل هذا الإنسان!

أحمد: هذا إذا كانت عصابة «الضفدعة» هي التي ستتولى العملية!

زبيدة: على كل حال علينا أن نتوقع أنها هي التي ستقوم بها ما دام تقدير المعلومات سبعة على عشرة، وهي نسبة لا بأس بها …

أحمد: سنبدأ من الآن … وسنوزع أنفسنا على الفنادق الخمسة الكبرى في القاهرة … شيراتون، هيلتون، ميريديان، ميناهاوس، شبرد …

ونظر الشياطين بعضهم لبعضٍ … ثم تبادلوا ابتسامةً صامتة، وبدأ توزيع الأدوار …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤