الأرزاق على الله

كانت مفاجأة مفرحة أن يتجمعَ الشياطينُ الخمسة بعد هذه المآزق التي مرَّ بها الأربعة في «حي الحسين» وقال «أحمد»: ماذا جرى لكم؟ أترككم ساعتَيْن فيحدث كل ما حدث!

قالت «زبيدة»: إنها مشاكل بسيطة جدًّا … بضع لكمات، وبضع طلقات رصاص! … المهم، هل ثمة معلومات؟

أحمد: لقد عثرنا على ورقة صغيرة وصلت في شكل رسالة، من شخص مجهول إلى المهندس «ستريت»، وقد عالجنا الرسالة ووضعناها في «البروجكتر». واستطعنا أن نصل إلى قراءة ما عليها من معلومات … ثم ضغط «أحمد» على زرار بجواره، فأضيء «البروجكتر»، وظهرت الورقة المكرمشة وقد انبسطت على سطحٍ من الزجاج، وكانت عليها هذه الكلمات باللغة الفرنسية:

احضر فورًا … الأخبار مطمئنة … الطريق آمن …

ثم قال «أحمد»: المهم أن نستمع منكما أنتِ و«خالد» لما جرى بعد أن استطاعت «إلهام» و«عثمان» الاستيلاء على الورقة.

شرحت «زبيدة» ما جرى، وقال «خالد»: عندما فتحت النافذة ودخلت، وجدت ثلاثة رجال ومعهم «ستريت» أمام خريطة للصحراء الشرقية، وأحدهم يشرح شيئًا عليها …

أحمد: هذا مهم جدًّا …

خالد: ولكن قبل أن أتمكن من متابعة ما يحدث، انكسر أحد الألواح الخشبية القديمة حيث كنت أقف، وفي لحظة أحسست بضربة قوية على رأسي، ولم أدرِ ما حدث بعد ذلك، إلا عندما كانت «زبيدة» تساعدني على الوقوف والهرب من هذا المكان العجيب!

أحمد: إننا سنعيد تقدير موقفنا على ضوء هذه المعلومات الجديدة، فالخطة «م. ف. د» لم تعد تصلح للتنفيذ … إن أمامنا معلومات تثير الحيرة …

عثمان: إنني متفقٌ معك تمامًا … فماذا يفعل رجل مثل «ستريت» في «حي الحسين» … وما علاقته بتجَّار المخدرات في حي «الباطنية»؟ وما هي حكاية الطريق الآن، والأخبار المطمئنة، وخريطة الصحراء الشرقية؟!

أحمد: إن هذا هو نفس السؤال الذي فكرت فيه بعد عودتكم … إن عصابة «الضفدعة» تتبع تكتيكًا جديدًا، إنها تعتمد على أعوانٍ من الداخل لتنفيذ خطتها.

خالد: ولكن هؤلاء الناس في حي «الباطنية»، ما علاقتهم بتصميمات الصاروخ «كروتال٢٠»؟ إن أكثرهم لم يسمع عن هذا الاسم.

أحمد: هذا ما يجب علينا اكتشافه … وسوف أرسل تقريرًا عاجلًا إلى رقم «صفر» بما حدث، لعل عنده تفسيرًا لهذه المعلومات.

إلهام: إن ما أخشاه أن يختفي رجال «الضفدعة» بعد أن اصطدموا بنا …

زبيدة: لا أظن أنهم سيصلون إلى تفسير مقنع بالنسبة لنا، وأظنهم سيفكرون أننا من مخبري الشرطة.

أحمد: باعتباري مصريًّا ولأنني أعرف شوارع وحواري «الحسين» جيدًا فسوف أذهب من الغد للمراقبة، وسوف أتنكَّر في زي شحاذٍ، وإنني أقترح ألا تظهروا هناك مؤقتًا؛ لأن وجوهكم معروفة للعصابة …

إلهام: إنك تقصد بالطبع أن نقضي الساعات هنا في انتظارك!

أحمد: إنني أرى أن ننفذ خطة «م. ف. د» جزئيًّا، فتذهبوا للفنادق الكبرى حسب الخطة وتقوموا بالمراقبة … من يدري، لعلكم تصلون إلى شيء كما حدث الليلة!

عندما استيقظَت «إلهام» في صباح اليوم التالي، أيقظت «زبيدة»، وجدتا أن «أحمد» قد خرج، بعد أن ترك لهما تقريرًا لإرساله إلى رقم «صفر»، وأن «عثمان» و«خالد» قد خرجا لتنفيذ المراقبة في الفنادق الكبرى، حسب الخطة … وما كادت «إلهام» تدخل المطبخ، حتى سمعت الأزيز المتقطع لجهاز الاستقبال اللاسلكي، فأسرعت إليه، وتلقت تقريرًا من المركز الرئيسي:

من رقم «صفر» إلى «ش. ك. س»

تصل اليوم إلى القاهرة بعثة التسليح الفرنسية، مكونة من أربعة أشخاص، على رأسهم خبير الصواريخ «رولان». هناك احتمالٌ أن تتم تجربة مصغرة على الصاروخ في إحدى الصحاري المصرية … هل من معلومات؟

توقفت «إلهام» عند جملة «إحدى الصحاري المصرية» … وتذكرت ما قاله «خالد» من أنه شاهد الرجال المجتمعين في المنزل القديم ﺑ «حي الحسين» وهم يتأمَّلون خريطة للصحراء الشرقية، ودقَّ قلبها … إذن، فقد حصلت العصابة على معلوماتٍ دقيقةٍ عن نشاط اللجنة الفرنسية … ونسيت «إلهام» طعام الإفطار وأسرعت تجلس إلى جهاز الإرسال وترسل تقريرًا إلى رقم «صفر»، ضمَّنته كل المعلومات التي حصلوا عليها، والصدام الذي وقع بينهم وبين أعوان العصابة من تجَّار المخدرات.

وبعد أن أرسلت التقرير، جلست «إلهام» و«زبيدة» تتناولان طعام الإفطار …

وقالت «إلهام»: يبدو أن صدفة لقائنا أمس مع «ستريت» في «حي الحسين» أهم كثيرًا مما نتصور، فتقرير رقم «صفر» يشير إلى صحراء ستُجرى فيها تجربة للصاروخ؛ وقد كان الرجال في المنزل القديم يتحدثون، كما قال «خالد»، أمام خريطةٍ للصحراء الشرقية …

زبيدة: هذا صحيح … ولكن كيف تكون معلومات العصابة على هذه الدرجة من الدقة … إنهم حصلوا على معلومات تجربة الصحراء، قبل أن يحصل عليها رقم «صفر»، وهذا مثير للدهشة!

إلهام: معكِ حق، ويجب أن نعمل بسرعةٍ …

وبعد نحو نصف ساعة، كانت الفتاتان كل منهما في موضعها؛ إحداهما في فندق «الهيلتون»، والثانية في «الميرديان» تراقبان … وفي هذه الأثناء كان «أحمد» قد اختار مكانًا له، عند ناحية مقهى «الفيشاوي» وجلس، والذي يراه في مكانه هذا لم يكن ليتصور أن الشابَّ الأنيقَ الوسيم هو هذا الشحاذ القذر، الذي ربط إحدى عينيه بالشاش والقطن، وامتلأ جسده ببقايا جروح قد لُفَّت بالشاش، ولُطخت بالميكروكروم، وكان يحمل عصًا قصيرة، لم تكن إلا بندقية سريعة الطلقات، وتحت الأسمال البالية التي يضعها على جسده، كانت مجموعة من الأدوات الدقيقة لفتح أي باب وأي خزانة، ومسدس صغير وخنجر، كان ترسانة من الأسلحة؛ فقد أدرك أنهم يواجهون عدوًّا رهيبًا، يسعى للحصول على أحد الأسرار العسكرية المصرية، ورغم ثقته في كفاءة أجهزة الأمن المصرية، فإن واجبه كمواطن كان واضحًا أمامه، أن يفعل المستحيل حتى لا يتسرب هذا السر إلى العدو …

جلس يراقب كل سائر، وهو يتذكر أوصاف مجموعة التنفيذ، «كروجر» الضخم الذي يسمُّونه الثور، و«فولكان» أو «البركان» ذي القوة الخارقة، و«شوتي» المصور ثم «ستريت» المهندس … وتمنى أن يرى أحدًا منهم … ولكن الساعات مضت دون أن يحدث شيء إلا أن القروش أخذت تنهال عليه، وعندما اقتربت الساعة من الثانية عشرة ظهرًا، كان قد جمع أكثر من مائتي قرش! … ودُهش لكثرة المحسنين في هذا الحي من القاهرة … وابتسم وهو يفكر أنه إذا ترك عمله مع الشياطين، فلعل أحسن مهنة له أن يعمل شحاذًا في حي الحسين!

وفي الواحدة ظهرًا تناول بعض ساندوتشات الفول والطعمية الساخنة، وأدهشه أنه وجدها ألذَّ طعمًا من أكثر الوجبات التي يتناولها في المقر السري … وهبط المساء وازدادت الحركة في «حي الحسين»، وزاد انتباه «أحمد» لما يحدث حوله، خاصةً بعد أن بدأت تظهر بعض وجوه السواح …

وهبط الظلام الشتوي سريعًا، وبدأ «أحمد» يشعر بالبرد في جلسته هذه، فقام وأخذ يتمشَّى وهو يعرج ببراعة، بين الحواري الكثيرة المتفرعة حول مسجد «الحسين»، ولكن جولاته جميعًا لم تؤدِّ إلى شيء، وأحسَّ بالضيق يتسلل إلى نفسه، وقرر أن يعطي نفسه مهلة ساعة واحدة ينصرف بعدها، وقد فكر أن أفراد عصابة «الضفدعة» سوف يترددون في العودة إلى «حي الحسين»، بعد الصدام الذي وقع لهم أمس، وأن حضوره قد أضاع عليه يومًا من المراقبة في فندق «شيراتون»، حيث كانت الخطة الأصلية تحتم ذلك … وفجأة، حدث شيء لم يكن متوقعًا مطلقًا … فقد اقترب منه شحاذٌ قبيح المنظر، يحمل هراوة ضخمة، ولوح في وجهه بالهراوة، وقال: أنت لست من الحسين يا ولد … ماذا تفعل هنا؟

رد «أحمد» محاولًا تقليد لهجة شحاذ ذليل: الأرزاق على الله!

قال الشحاذ بضيق: ولكن هذه منطقتي، وقد كنت في المقابر صباحًا.

أحمد: الأرزاق على الله يا والدي.

قال الشحاذ العملاق بوحشية: هات الأُبَيج …

لم يفهم «أحمد» معنى كلمة «الأبيج» هذه، ولكنه تظاهر بأنه يفهم، وقال: لم أحصل على «الأبيج» بعد يا والدي!

قال الرجل … وهو يمدُّ إليه يدًا أشبه بالمطرقة: طول النهار لم تحصل على «الأبيج» أنت ملعون كاذب، قسمًا لأمسح بك الأرض.

ثم رفع هراوته ليهوي بها على «أحمد»، ولكن «أحمد» كان أسرع منه؛ فقد وجه بعصاه القصيرة الثقيلة ضربةً قوية إلى رقبة الرجل، ثم اندفع يجري دون أن ينسى أنه يعرج في نفس الوقت! … ثم انحرف في أقرب حارة، ووقف كامنًا يستمع إلى بعض الأصوات التي ارتفعت، بعد أن سقط الشحاذ العملاق على الأرض.

وكأنما شاء القدر أن يجعل من فراره هذا بداية مغامرة حقيقية؛ ففي هذه اللحظة اقترب منه رجل قصير القامة، مفتول العضلات، أجنبيُّ الملامح، وقال له باللغة العربية ولكن في لهجةٍ أجنبية: أنت يا ولد، أين حارة السكرية؟

تنبَّهت حواس «أحمد» على الفور، وتذكر «فولكان» رجل الفرقة الأجنبية، وأحد أعضاء مجموعة التنفيذ الذي يجيد اللغة العربية، فمد يده إليه قائلًا: قرش لله يا سيدي؟ ومدَّ الرجل يده في جيبه، وأخرج خمسة قروش، ودقَّ قلب «أحمد» سريعًا؛ فقد استخدم الرجل يده اليسرى، وأصبح «أحمد» أقرب إلى اليقين أن الرجل الواقف أمامه ليس إلا «فولكان» … وشكر في سره الشحاذ العملاق الذي اضطره للاختباء في الحارة!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤