توفي إلى رحمة الله!

استيقظ الشياطين الخمسة في صباح اليوم التالي، على تقريرٍ من رقم «صفر»، تسلمته «إلهام» وهي تستعد لشرب الشاي:

من رقم «صفر» إلى ش. ك. س

معلوماتكم هامةٌ جدًّا، ليس عندي معلوماتٌ عن الرجل الخامس. معلومات العصفور الأبيض أن الذين سافروا من باريس إلى القاهرة أربعة فقط. اهتموا جدًّا بالرجل الخامس. مع تمنياتي بالتوفيق، أرجو أن تصلنا أخباركم أولًا بأول.

رقم «صفر»

واستعد الجميع في دقائق لمغادرة المقر السري، وقد قسَّموا أنفسهم بحيث يذهب «أحمد» إلى المقابر مرةً أخرى، في زي الشحاذ، بعد أن يغيِّر من طريقة لبسه … وأن يذهب «عثمان» و«خالد» إلى «الكونتننتال» للتأكد من صحة استنتاج «أحمد» أن العصابة تنزل هناك وأن تقوم «زبيدة» و«إلهام» بالتجوُّل في «حي الحسين»، ومعهما جهاز «توكي ووكي» للاتصال «بأحمد» في مقابر «باب الوزير»، حيث يحمل جهازًا مماثلًا، مختفيًا في خرج من الخيش، يتدلَّى من كتفه وبه الأجهزة اللازمة …

وفي الثامنة والنصف صباحًا، غادروا المقر السري، يفصل بين كلٍّ منهم والآخر عشر دقائق، حتى لا يلفتوا إليهم الأنظار … وعندما وجد «أحمد» نفسه في المقابر، فُوجئ بزحامٍ لم يكن يتوقَّعه، ولكنه تذكر أن اليوم يوم جمعة، حيث يخرج أكثر الناس لزيارة موتاهم، ومضى يتجوَّل باحثًا عن المقبرة الرخامية الفخمة، وكم كان ضيقه عندما وجد أنه تاه عنها تمامًا، لقد بدَت مقابر «باب الوزير» مختلفةً تمامًا نهارًا عنها ليلًا. وأخذ «أحمد» يُجهد ذاكرته دون جدوى، وكلما شاهد مقبرةً رخامية أسرع إليها، ولكن بعد الفحص والتدقيق لم يكن يجد ما كان يبحث عنه، ولام نفسه لومًا شديدًا لهذا الخطأ الذي وقع فيه، وعاد من مدخل المقابر، وجلس بجوار مقبرةٍ تجمع عددًا من الأهالي. وفوجئ بطفلة صغيرة حسناء تأتي إليه، وهي تحمل بعض الكعك، وتناول الكعك وهو يُتمتم بألفاظ شكر مبهمة، ولكن المفاجأة التالية كانت أشد؛ فقد جاءت سيدةٌ من الجالسين، ودعَتْه ليقرأ بعض الآيات على القبر، كان ذهنه مشغولًا جدًّا بالخطأ الذي وقع فيه، ولكنه لم يكن يستطيع الرفض، خاصةً وهو يحفظ جزءًا كبيرًا من القرآن، وهكذا قامَ وجلس بجوار الزائرين وبدأ التلاوة بصوتٍ خفيض، ولكن بمرور الوقت وجد نفسه منهمكًا في القراءة، وأحسَّ بعد أن انتهى أنه أكثر هدوءًا وثقة بنفسه، فقام مسرعًا ورفض أن يتقاضى أجرًا ومضى بين نظرات الدهشة التي أحاطت به …

والمدهش أنه لم يَسِر سوى خطواتٍ قليلة، حتى بدا له أنه غير بعيدٍ عن مكان المقبرة الرخامية، وفعلًا عندما انحرف يمينًا كما هدَتْه حاسته، وجد نفسه أمام المقبرة … كان بابها مفتوحًا، وبعض الزائرين يجلسون، ومقرئ يقرأ القرآن بصوتٍ جميل، ولم يتردَّد في الدخول.

كانت المقبرة جميلة من الداخل، وقد أضيئت بالكهرباء وأقيم القبر في وسط ما يشبه حديقةً صغيرة من نباتات الظل، وقرأ «أحمد» على شاهد القبر «سعيد الأسيوطي بك» توفي إلى رحمة الله في ١٢ صفر سنة ١٣٣٥ هجرية … وجلس «أحمد» القرفصاء بجوار الباب، يُراقب الداخلين والخارجين بعين الصقر، وإن كان قد لفَّهما بالشاش، ووضع عليه كمية من «الميكريكروم»، وسرعان ما جاءه كوب صغير من الشاي، وبعض الكعك، ولم يتردد في تناولهما بنهم … وفجأة … ظهر الرجل الطويل القبيح ذو المعطف الأصفر، وأخذ يتحدث إلى الموجودين حديثًا فهم منه «أحمد» أنه حارس المقبرة، وكان أهم ما سمعه قوله إنه سيتغيب بضعة أيام اعتبارًا من الغد … وعرف «أحمد» موعد بداية رحلة العصابة، وتمنى أن يتحدث ذو المعطف الأصفر أكثر، ولكنه لم يوضح وجهة رحلته، كل ما قاله أنه ذاهبٌ إلى الصعيد لزيارة أقاربه، وأن ابنه سيتولَّى الاهتمام بالمدفن بعده … وعرف «أحمد» أن اسم الرجل هو «المعلم طعرم» ومضى الوقت في حديثٍ عادي، حتى إذا آن أوان عودة الزائرين، ودعهم «طعرم» ثم قال ﻟ «أحمد» بصوتٍ خشن: هيا، لقد انفض المولد!

كانت لهجته قاسيةً خشنة، فحمل «أحمد» عصاه ومضى ولكنه لم يذهب بعيدًا؛ فقد كمن قريبًا من المقبرة، ولم تكد تمضي دقائق حتى شاهد عددًا من الرجال يقتربون من المقبرة، كانوا جميعًا يلبسون الملابس البلدية، ولكن لم يغِب عن «أحمد» أن بينهم «كروجر» بقامته الطويلة، وقد أخفى وجهه بعمامةٍ بيضاء … و«فولكان» الذي كان أقرب إلى ملامح المصري بوجهه الأسمر … ثم ظهر «ستريت» ولم يظهر معهم أحدٌ آخر، رغم أن «أحمد» تمنى أن يجد المصوِّر «شوتي»، والرجل الخامس الذي تحدَّثوا عنه …

دخل الرجال إلى المقبرة، وأغلق «طعرم» الباب بعد أن ألقى نظرةً على المكان، وأسرع «أحمد» يقترب من المقبرة، وجلس في نفس المكان الذي جلس فيه أمس، واستعد لإخراج جهاز الاستماع الدقيق من «الخرج» الخيش الذي يضع فيه حاجياته، ولكن شحاذًا آخر جاء فجلس أمامه، وأخذ يفحصه بطريقة أثارت ارتياب «أحمد» وجعلته يتردد في دس «الإيريال» الرفيع في الثقب كما فعل أمس … وجلس «أحمد» يتظاهر بأنه نائمٌ، وفي نفس الوقت كان يدرس الشحاذ الذي أمامه. وشيئًا فشيئًا انتابه الشك في حقيقته، ورغم أنه كان متقن التنكر إلا أن «أحمد» أدرك أنه ليس شحاذًا أصليًّا، وأنه مثله تمامًا ينتحل صفة الشحاذ، ورغم اتساخ يديه وقدميه، فقد لاحظ أنه مقصوص الأظافر، وأن أسنانه بيضاء لامعة وأحسَّ بالخطر … فهو مراقبٌ من حيث لا يدري، وهو يحمل معه في الخرج الخيش الذي يحمله معدات وأسلحة تكشف شخصيته، بالإضافة إلى العصا التي يحملها، والتي ليست سوى بندقية سريعة الطلقات …

مضت لحظاتٌ متوترة، و«أحمد» يراقب الرجل الذي تظاهر هو الآخر بأنه يُغالب النعاس … وأصبحت المسألة مسألة دقائق قليلة، ثم يخرج الرجال من المقبرة وقد تناقص عدد الزوار تدريجيًّا، ولن تمضي سوى نصف ساعة وتخلو المقابر، ويمكن محاصرته ببساطة والقضاء عليه أو على الأقل أسره واستجوابه …

وأخذ يفكر في طريقة للهرب، وأخذ ينظر حوله لعل مع الرجال أعوانًا آخرين يمكن أن ينقضوا عليه، ولم يكن في إمكانه على البعد أن يعرف من أين هو مراقب، وتوترت أعصابه، وتنبهت حواسه للخطر المحيط به، وأخذ يعد الأجهزة التي معه، وتذكر من بينها جهازًا هامًّا جدًّا.

ولم يملك نفسه من الابتسام رغم كل شيء؛ فقد كان هذا الجهاز هو كل ما يتمناه في هذه اللحظة، ومدَّ يده في «الخرج»، وأخرج قطعة من الكعك أخذ يلتهمها متظاهرًا بالجوع، ثم مدَّ يده مرة أخرى، وأخرج علبة سجائر بريئة المظهر تمامًا، وأخرج منها سيجارة، لم يكن أحد في العالم يتصور أن هذه السيجارة، عبارة عن جهازٍ صغير للتخدير، يطلق قذيفةً رفيعة في حجم الإبرة، تصيب من توجه إليه في ثوانٍ قليلة بالشلل المؤقت!

وضع «أحمد» السيجارة في مواجهة الرجل الذي لم يكن يبعد عنه أكثر من ثلاثة أمتار، ثم وجهها توجيهًا دقيقًا إلى ساق الرجل العارية، وتظاهر بأنه يشعل السيجارة، وضغط على مكان الفلتر، فخرجت القذيفة الرفيعة، وأصابت ساق الرجل على الفور … وللوهلة الأولى مدَّ الرجل يده ليهرش، وقد تصور أنها لدغة من حشرة، ولم تكد يده تصل إلى ساقه حتى سقطت بجانبه، وشحب وجهه، وتجمَّدت نظرة من الدهشة الشديدة في عينَيْه المفتوحتَيْن …

كان «أحمد» يعرف أن تأثير القذيفة المخدرة لا يستمر أكثر من ربع ساعة … وكان في إمكانه أن يهرب فورًا، ولكنه بدلًا من هذا أخرج «الإيريال» بسرعةٍ، ثم دسَّه في الثقب، متأكدًا أن الظلام داخل المقبرة بالرغم من الإضاءة سيخفي طرف «الإيريال» الرفيع … ومال على الخرج الخيش وتظاهر أنه مستغرقٌ في النوم، ولكنه كان يستمع، وسرعان ما سمع بضع كلمات من الواضح أنها نهاية جملة: تليفون في «الكونتننتال» … ثم نقابله …

وسمع صوت الرجل القبيح «طعرم» وهو يقول: وموعدنا الليلة في المكان المتفق عليه …

رد «فولكان»: سنتصل بك في المقهى كالعادة، فلتكن بجوار جهاز التليفون منذ الساعة السابعة مساءً، ولا تتحرك من مكانك إلا إذا تلقَّيت المكالمة التليفونية.

طعرم: قد يكون جهاز التليفون معطلًا!

فولكان: إذا لم تصلك المكالمة حتى الثامنة مساءً، فسوف آتي إليك، وستراني، فتخرج لمقابلتي عند محل الكبابجي هناك …

طعرم: اتفقنا … من السابعة الليلة سأكون في المقهى.

عرف «أحمد» أن المقابلة أوشكت على الانتهاء … فسحب «الإيريال» سريعًا، ودسَّه في مكانه، ثم قام واقفًا وانطلق مسرعًا في طرقات المقبرة التي أوشكت أن تخلو من زوارها بعد صلاة العصر …

لم يتوقَّف «أحمد» عن السير حتى وصل إلى الطريق العام، وركب الترام حتى ميدان «العتبة»، ثم مشى على قدمَيْه حتى فندق «الكونتننتال»، لعله يعثر على «عثمان» و«خالد» هناك، وتسكَّع أمام الفندق بضع مرات، ولم يكن في إمكانه بالطبع أن يدخل، ولكنه لما لم يرَ أحدًا منهما قرَّر أن يغامر ويدخل، ولكن حارس الباب كان له بالمرصاد؛ فقد دفعه بيده دفعةً قوية كادت تسقطه من على السلالم …

لم يجد «أحمد» بدًّا من أن يغادر مكانه آسفًا، ولم يكن قد تبقَّى على موعد الحديث التليفوني مع «طعرم» سوى ساعتَيْن، فالظلام يهبط مبكرًا في الشتاء، والساعة قد أشرفت على الخامسة، وهكذا ركب أول أتوبيس صادفه في شارع ٢٦ يوليو، ووصل إلى شارع التحرير في «الدقي»، ثم سار مسرعًا إلى المقر السري، ونظر حوله بضع مرات قبل أن يجتاز باب الحديقة، وهو يرفع صوته طالبًا حسنة لله، حتى لا يلفت الأنظار إلى دخوله المريب.

ولم يكد يصل إلى باب الفيلا، حتى أخرج مفتاحه ودسَّه في القفل، وأداره ودخل … كانت الصالة مظلمةً، ولم يكن هناك أثرٌ لأحدٍ من الشياطين الأربعة … كان في أشد الحاجة إليهم في هذه اللحظة؛ فقد كان يريد أن يوزع اثنَيْن منهم على مقاهي «الحسين» لعلهما يسمعان شيئًا من حديث «فولكان» و«طعرم»؛ واثنين يحاولان عن طريق «سويتش» «الكونتننتال» أن يستمعا إلى المكالمة التي أشار إليها «فولكان» في حديثه!

لم يكن هناك أحدٌ على الإطلاق، وأحسَّ بالضيق يجتاحه. وقام إلى التليفون محاولًا الاتصال بهم، وفي هذه اللحظة أطلق جهاز اللاسلكي صفارته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤