الفصل العاشر

الجامعة

١

أنشأ أحد كبار مُلَّاك الأراضي في كاليفورنيا جامعة جنوب المحيط الهادي، باعتبارها مدرسةً دينيةً ميثودية تضُم عشرات المقررات الدينية، واستلزم أن يكون أساتذتها جميعًا من الميثوديِّين. وقد اعتمدَت في تطوُّرها الهائل على أموال قطب من أقطاب النفط الذي كان يدفع الرشاوى للعديد من الحكومات المتتالية في المكسيك والولايات المتحدة، وللحد من شعوره بالذنب والحفاظ على سلامه الداخلي، كان يمنح المستشارين الروحانيين المحترفين مبالغَ طائلة. وعلى ما يبدو أنه لم يكن متأكدًا أي جماعة تملك «العقيدة» الصحيحة للخلاص؛ ولذا قدَّم مبالغَ متساويةً لكلٍّ من الكاثوليك والبروتستانت، الذين استخدموا المال لتقبيح وتقويض بعضهم بعضًا.

لو أن الأب كان يعلم أن ابنه سيتلقَّى تعليمه من تبرُّعات بيت أورايلي، لشعَر بالمتعة والاطمئنان في الحال. ومع عدم معرفته بذلك، ذهب لزيارة المكان، ليرى على الأقل بيئة باني المستقبلية من الخارج. كانت الجامعة قد أُنشِئَت بعيدًا في ضواحي مدينة إنجِل سيتي، لكن المجتمع كان قد نما الآن من حولها؛ مما يعني مساهمة جميع دافعي الإيجارات في المدينة بمزيد من الهبات الكبيرة. كانت مبانيها تتسم بالفخامة، مما أثار إعجاب الأب، لكن ما أذهله أكثر هو أن هذه المباني كانت تعجُّ بخمسة آلاف شاب وشابة؛ فعندما رأى الأب أن هناك عددًا كبيرًا من الأشخاص يفعلون الشيء ذاته، استنتج أنه شيءٌ طبيعي وآمن.

وما زاد من طمأنينته اجتماعه برئيس الجامعة ألونزو تي كوبر، الحاصل على دكتوراه في علم اللاهوت ودكتوراه في الفلسفة ودكتوراه في القانون. كان الدكتور كوبر هو المسئول عن إجراء المقابلات مع الآباء؛ حيث اختاره الأمناء الأثرياء بسبب مهارته الملحوظة في إجراء المقابلات معهم. كان الدكتور كوبر يعلم كيف يمكن للعالِم أن يحظى بالاحترام ويحترم الآخرين في الوقت ذاته. ولوعي الأب التام بالأمور المالية، قرأ الأفكار التي كانت تدور بعقل الدكتور تمامًا كما لو كان بداخله، فإذا كان مؤسس روس كونسوليديتد سعيدًا بالتعليم الذي يتلقاه ابنه، فقد يتبرَّع يومًا ما بمبنًى لتدريس كيمياء النفط، أو على الأقل يخصِّص منحة لأستاذ في أبحاث جيولوجيا النفط. وبدا هذا التصرف للأب هو المسلك المناسب تمامًا لرجل دين وعلم؛ فقد كان كل شخص في العالم يعمل لجني المال، وكانت هذه الطريقة في غاية الرقي.

وكما هو متوقع، أخذ كلٌّ من الأب وباني الجامعة على محمل الجد. ولم يشُكَّ أيٌّ منهما في أن الأموال المكتسَبة من خلال دعم الأحزاب السياسية، ورشوة المشرِّعين والمسئولين التنفيذيين والقضاة والمحلَّفين يمكن تحويلها، على نطاقٍ واسع، إلى أرقى أشكال التعليم، بموجب قرارٍ تنفيذي. انغمس باني بحماس في المقرَّرات والدرجات، وكان يتنقَّل بسرعة بين صف اللغة الإنجليزية ٥أ إلى الإسبانية ٢، ومن هناك إلى علم الاجتماع ٧ والتاريخ الحديث ١٤، وجمَع كومةً من الكتب المدرسية، واستمَع إلى المحاضرات، وكتَب الملاحظات، وخزَّن في عقله الكثير من التواريخ والتفاصيل الأخرى.

استغرق باني وقتًا طويلًا ليدرك أن «اللغة الإنجليزية» كانت مملةً للغاية، وأن المدرس الشاب الذي كان يدرِّسها كان يشعُر بضَجرٍ شديد من وظيفته، وأن «الإسبانية» كانت تُنطَق بلكنة فرنسية، وكان مدرِّسها يتردَّد سرًّا على مهربي الكحول ليواسي نفسه على اضطراره للعيش فيما اعتبره موطنًا للبرابرة، وأن «علم الاجتماع» كان مجموعةً معقدة من التصنيفات، المصطنَعة بالكامل، ابتكرها السادة المثقفون بحثًا عن شيءٍ يمكن تعلُّمه، وأن التاريخ الحديث كان يُدرَّس من الكتب المدرسية التي خضعَت لتدقيق الآلاف من العيون الثاقبة؛ وذلك لحذف المواضيع التي تثير حفيظة السيد بيت أورايلي، وتجنب إعطاء أي طالبٍ أدنى قَدْر من المعلومات بشأن القوى التي تتحكم في العالم الحديث.

٢

وبالقَدْر ذاته من الجدية، تعامل باني مع الحياة الاجتماعية في هذه المُنشَأة الكبيرة. لقد كان ذلك هو الهدف الرائع البعيد المنال الذي أمَل في تحقيقه جميع طلاب المدارس الثانوية، وبالفعل نجح في ذلك بعض المحظوظين القلائل، وكان باني واحدًا منهم. فقد كان لصديق أخته المقرَّب أخٌ في السنة النهائية، وكان عضوًا في أفضل أخويةٍ على الإطلاق؛ لذلك صدر قرارٌ بقبول انضمام باني للأخوية على الفور. كانوا حشدًا مفعمًا بالحيوية، ينفقون ببذخ، ويتسمون بحدة الطباع والثقة بالنفس واستخدام المفردات العامية، ويهتمون بشدة بإمكانات فريق العَدْو لهذا العام. كان باني عدَّاءً؛ ولذلك كان لديهم سببٌ للترحيب به أفضل من نفط والده.

مثل جميع الجامعات الغربية، كانت جامعة جنوب المحيط الهادي مختلطة؛ مما جعل باني محاطًا بعددٍ كبير من الفتيات، اللاتي كن يمثلن له جوهر الإغراء المكثَّف والمركَّز. كان هناك العديد من الأجساد الممشوقة، التي تتميز بكواحلَ رشيقة، وأذرعٍ بيضاءَ وسمراء ممتلئة، وملابس بألوان الفراشات البرازيلية، ومجموعة مختلفة من الابتسامات والعيون البرَّاقة، ونسيم دائم من الروائح الناعمة تُشبه تلك التي تنبعث من شجيرات الليلك وكروم الياسمين، وأميال مترامية الأطراف من بساتين البرتقال والليمون في كاليفورنيا. في بيئة كهذه، كان لا بد من حدوث شيءٍ ما لشابٍّ مثالي، خاصةً في ظل أنه كان قد أمضى لتوِّه الصيف في معسكر تدريب للرجال فقط!

لم تعتَد هذه الفتيات ذوات الجمال الساحر على متابعة تقارير السوق الخاصة بروس كونسوليديتد، ومع ذلك فقد تمكَّنَّ بطريقةٍ ما من معرفة مكتشف حقل نفط بارادايس والوريث الوحيد له. وتجمَّعَت حوله مجموعاتٌ عديدة من الفتيات الحاضِرات الذِّهْن، ودُعي إلى عشرات من حفلات الرقص، ومئاتٍ من حفلات تناول الحلوى، وآلاف من نزهات السيارات. ثم انتشرت شائعةٌ غريبة، ظاهرة لا يمكن تصوُّرها، مليونير شاب لا يودُّ «ملاطفة» الفتيات! وعبثًا ألقت ساحرات جامعة جنوب المحيط الهادي الماهرات واحدةً تلو الأخرى تعاويذهن، وعلى الفور بدأَت تنتشر التوقعات، والمراهنات على من ستكون الفتاة الأولى التي سيقبِّلها باني روس! تحرَّوا عنه في مدرسة بيتش سيتي الثانوية، وكانت النتيجة أن أمير النفط الشاب كان يحمل بين ضلوعه قلبًا كسيرًا؛ مما جعله بالطبع شخصيةً رومانسية، وأضاف بقَدْرٍ هائل إلى مكانته.

عادةً ما تلعب المفارقات دورًا كبيرًا في هذه الأمور؛ حيث لم يلفت انتباه باني سوى فتاةٍ لم تحاول ملاحقته. وقد تمتَّعَت عائلة هنريتا أشلي بالثروة لأجيال، مما جعل تلك العائلة تنظر بازدراء للمال، ولكل من كان يسعى إليه. أثار هذا المسلك إعجاب باني، الذي كان يدرك أنه حديث العهد باقتناء الثروات. فهو لن يصل أبدًا إلى الثقة بالنفس الاستفزازية التي تتمتَّع بها أخته، كان يبحث عن شيءٍ أفضل مما لديه، ولفترةٍ وجده في آل آشلي، بسلوكياتهم الممتازة، وخدَمِهم المتمرسين، وقصرهم المليء بالأعمال الفنية التي تعكس ذوقهم الثقافي ورقيهم.

كانت هنريتا هيفاء ونحيفة، ولطيفة، وذات صوتٍ رقيق، ومتحفظة لدرجة تقترب من التزمُّت. كانت والدتها قد تُوفِّيَت مؤخرًا، وارتدَت ملابس الحداد السوداء طيلة عام، الأمر الذي كان بالطبع لافتًا للأنظار للغاية. كانت من أتباع الكنيسة الأسقفية المتدينين، وفي صباح أيام الأحد كانت ترتدي قفازاتٍ طويلة خاصة بالأطفال، وتحمل كتاب صلواتٍ صغيرًا وكتاب ترانيم، مجلدَين معًا بجلدٍ أسودَ مزيَّن بإطارٍ ذهبي. اصطحبَت باني إلى الكنيسة حيث تَعَلَّم أنه لا يتعيَّن على المرء أن يفسِّر الأساطير العبرية القديمة بحرفيةٍ مبتذلة؛ فقد تحمل معانيَ رمزيةً يشرحها رجلٌ مسن ذو شعرٍ أبيض يتحدث بلكنةٍ بريطانية.

كانت هنريتا تمثِّل لباني ملاذًا من كرب وصخب الرغبة غير المشروعة. كان يهرُب إليها وكأنه يهرُب إلى قديسة، تجسيد حي ومرئي للسيدة العذراء في حرم الجامعة. كانت بعيدةً كل البعد عن الفظاظة الصارخة لمجموعة الفتيات الذكيات؛ فلم تكن تستخدم مساحيق التجميل، وحتى العرَق لم يجرؤ على الظهور على أنفها المنحوت بدقة. قد يحلُم المرء بتقبيلها، لكنه سيبقى حلمًا، كانت تناديه «السيد روس» في الأشهر الستة الأولى من تعارُفهما، وبعد ذلك كانت تدعوه «أرنولد»، الذي كانت تعتبره اسمًا مبجلًا، ربما لارتباطه باسم الشاعر «ماثيو أرنولد». وإذا كنتَ، كطالب، تفهم هنريتا وتقدِّرها حقًّا، من حيث شخصيتها وأهميتها، فسوف تتفوق أكاديميًّا. وكما جاء في كتاب الصلاة الصغير ذي اللونَين الأسود والذهبي: «أكرموا السلطان وأطيعُوه، واخضَعوا لجميع الولاة والمعلمين والرعاة الروحيين والسادة.»

٣

توجَّه باني إلى بارادايس لقضاء عطلة عيد الميلاد، وهناك وجد أول رسالةٍ أرسلها بول، كانت مكتوبة على بطاقةٍ عادية تحمل ختم قوات المشاة الأمريكية، لكن دون ذكر المكان، ولم يكن هناك طابع بريدٍ يحتوي على «مناظرَ طبيعيةٍ من إيركوتسك» أو «زلاجة يجرُّها جِمال على نهر الفولجا» أو أي شيء من هذا القبيل! جاء بالرسالة: «عزيزتي روث»: «هذه مجرد رسالةٍ قصيرة لإعلامكِ بأنني بخير، وأن كل شيء على ما يُرام. لقد تلقَّيتُ ثلاث رسائل منك. أرجو أن تكتبي لي بانتظام. نحن مشغولون وأنا أستمتع بوقتي. أبلغي حبي لجميع أفراد العائلة ولباني والسيد روس. مع حبي، بول.»

احتفظَت روث بهذا الكنز لعدة أيام، وكان من المستحيل إحصاء عدد المرات التي قرأَته فيها، ودرَسَت كل علامة فيه على كلا الجانبَين. بدت لباني الرسالة مجرد رسالةٍ قصيرةٍ خالية من المشاعر وغير مُرضية، لكنه لم يقُل ذلك لروث، وسأل الأب عن ذلك، فقال الأب إنه لا بد من فرض قَدْر كبير من الرقابة على بريد الجنود، وربما كتب بول هذه الرسالة المجرَّدة للتأكد من تمريرها. سأله باني عن سبب فرض قَدْر كبير من الرقابة، فأجاب الأب بأن هذه أوقاتٌ عصيبة، وكان على الجيش أن يحمي نفسه من دعاية العدو.

كان الأب قد قرأ مقالًا في إحدى المجلات يشرح ما كان يحدث في العالم. فقد انهارت الإمبراطوريتان الألمانية والنمساوية، وكان ذلك انتصارًا كبيرًا للديمقراطية. ولكن الآن كان أمام أنصار الديمقراطية مهمةٌ كبيرةٌ ثانية، وهي القضاء على وحش البلشفية الجامح. فرضوا عليها حصارًا على كل جبهة لتجفيف منابعها، وحيثما شكل الروس المهذبون والمحترمون حكومةً على الحدود، كان الحلفاء يساعدونهم بالمال والإمدادات. استولى الجنرال دنيكين على جنوب روسيا، وأُنشئَ الكثير من الولايات الجديدة في الغرب، وفي الشمال، في أرخانجيلسك، أحرزَت مجموعةٌ مناهضة للبلاشفة تقدمًا في ظل حماية الجيش البريطاني والأمريكي. أما في سيبيريا، فقد كانت هناك حكومةٌ اشتراكية، باقية من أيام كيرينسكي، لكنَّ هؤلاء الاشتراكيين كانوا يتحدثون كثيرًا دون القيام بأي أفعال؛ ولذا طُردوا وحل محلَّهم رجلٌ مقاتلٌ حقيقي، الأدميرال كولتشاك، الذي كان يقود أسطول القيصر فيما مضى. كان الحلفاء يدعمون هذا الأدميرال لإدارة سيبيريا، وكانت قواتُنا هناك لإبقاء السكك الحديدية مفتوحة أمامه. بالطبع، كان البلاشفة والمتعاطفون معهم في هذا البلد يثيرون ضجة حول هذا الموضوع، وينشرون كل الأكاذيب التي استطاعوا ادِّعاءها، وأضاف الأب قائلًا إن هذا هو السبب في ضرورة وجود رقابة.

قبل باني بهذا التفسير دون مناقشة. لقد كان في معسكر تدريب لمدة سبعة أشهر، واكتسب وجهة النظر العسكرية. وكان متيقظًا بشدة لخطر الدعاية البلشفية، وقرَّر أنه إذا واجه أيًّا منها، فسوف يُسارِع إلى إدانتها وشجبها. كان ساذجًا جدًّا، غير مدرك لدهاء العدو، لم يخطر بباله أنه كان في هذا الوقت يمتَص السم، والأدهى والأمَر أن هذا كان يحدث، من بين جميع الأماكن في العالم، في إحدى قاعات الدراسة في جامعته المسيحية المحافظة!

كان الأمر صعبًا على رئيسِ جامعةٍ مسكين يعمل فوق طاقته. كان العميد الأكثر ثقةً لدى الدكتور كوبر قد عيَّن هذا المدرس الشاب، بناءً على توصية من مسئولين رفيعي المستوى في جمعية الشبان المسيحية. كان الشاب دانيال ويبستر إيرفينج فيما مضى يقوم بأعمال إغاثة في سالونيك، وهو ابن قسٍّ ميثوديٍّ بارز؛ ولذا كان من المستحيل أن يتخيل أي شخص أن رجلًا مثل هذا قد يعاني من تأثيراتٍ نفسيةٍ ناجمة عن صدمةٍ سياسية.

كانت طريقة هذا المدرس الشاب في غاية الدهاء؛ فهو لم يقُل أي شيء يمكن أن يُؤخذ عليه، لكنه كان يزرع بذور الشك من خلال طرح الأسئلة، ونصح الطلاب «بالتفكير في الإجابات». يُوجد دائمًا في كل فصلٍ جامعي واحدٌ أو أكثر من «المحتجين»، أبناء الآباء غير التقليديين؛ كان أحدهم في فصل باني قد صرَّح أنه «عقلاني»، وآخر كان يحمل اسمًا روسيًّا. كل ما كان على المعلم فعله هو السماح لهذَين الطالبين بطرح الأسئلة، وسرعان ما كانت المجموعة بأكملها تجد نفسها في متاهة، وتشعُر بالإحباط بسبب ما تصفه الحكومة اليابانية في عملية مراقبتها للتعليم بأنه «أفكارٌ خطيرة».

كان الرئيس ويلسون قد ذهب إلى أوروبا لتحقيق العدالة التي وعَد بها. وكان يحقق تقدمًا رائعًا عَبْر إنجلترا وفرنسا، وكانت صحفُنا مليئةً بأخبارٍ عن المعجزات التي كان على وشك تحقيقها. ولكن في فصل السيد إيرفينج، سمع باني أن الرئيس حذف أهم نقطةٍ من «نقاطه الأربع عشرة»، وهي المطالبة ﺑ «حرية البحار». هل يمكن أن يكون هذا هو ثمن الدعم البريطاني لبرنامجه؟ الأكثر إثارةً للدهشة هو أن باني اكتشف أن المعاهدات السرية التي وقَّعها الحلفاء فيما بينهم في بداية الحرب قد وُضعَت الآن على طاولة السلام، وكانت أساس المشاحَنَات المحتدمة. لم ينسَ باني قطُّ تلك المعاهدات، وكيف طمأن الأب بول أنه سيتبيَّن أن البلاشفة هم من قاموا بتزييفها. لكن ها هم الحلفاء يعترفون بأنها حقيقية، وعلاوةً على ذلك، كانوا يخطِّطون لتطبيقها، بغض النظر عن أي وعودٍ بالعدالة كان الرئيس ويلسون قد قدَّمها للألمان!

نقل باني هذه الأخبار الرائعة معه إلى الأب، على ما يبدو أن بول كان على حق، وكان البلاشفة الأشرار يقولون الحقيقة! ماذا كان رد فعل الأب؟ لم يستطع الأب استيعاب هذا الأمر، وكان منزعجًا جدًّا، ولم يكن بإمكانه إلا أن يقول إننا لا نستطيع إصدار الأحكام الآن، وعلينا الانتظار. لكن المشكلة كانت أنه كلما طال الانتظار، كانت الأمور على ما يبدو تزداد سوءًا، وأصبح من الواضح أن رئيسنا قد فعل الشيء الذي كان الأب واثقًا من أنه لن يفعله أبدًا؛ فقد سمَح لنفسه بالتعرُّض ﻟ «الخداع». ومثل المياه التي تتسرَّب من تحت سد، كان هناك تيارٌ خفيٌّ من الشك يتسلَّل عَبْر فصول الطلاب الجدد في جامعة جنوب المحيط الهادي التي كانت تدرِّس مادة «التاريخ الحديث ١٤».

لم يكن من المفترض أن يناقش السيد إيرفينج مؤتمر السلام على الإطلاق، وكان من المفترض أن يتأكَّد من أن طلابه يحفظون أسماء المعارك والجنرالات القادة في الحرب الفرنسية البروسية. لكن أحد الموضوعات كان يؤدي بسهولة إلى الآخر، وكان من الصعب للغاية الحفاظ على هدوء «المحتجِّين»! كان هذا الأمر يتكرَّر في الفصول الدراسية الأخرى، وفي أجزاءٍ أخرى من الولايات المتحدة حيث كان الرجال يلتقون برفاقهم؛ ومن ثَمَّ كانوا يتعرضون ﻟ «الأفكار الخطيرة». لم يمضِ وقتٌ طويل حتى عُرضَت الأفكار المحظورة في الكونجرس، وبعد ذلك لم يكن من الممكن إبعادها عن الصحف. كان الأمر أشبه بعاصفةٍ اجتاحت البلاد كلها. وحدثَت صحوةٌ جماعية لمليون مثالي مثل باني، على حقيقةٍ قاسية مفادُها أن مبادئهم السامية لم تكن سوى سراب.

٤

نعم، لقد كان وقتًا عصيبًا لكل من كان يعيش في هذا العالم. فكل تلك الوعود الذهبية التي كنا قد وُعدنا بها، وتلك الآمال المُشرِقة التي كنا نعتز بها أصبحَت سرابًا! وكل دماء الشباب التي أُريقت، ثلاثمائة ألفٍ منهم بين قتيل وجريح في فرنسا، ذهبَت هباءً، وها هم السياسيون المتحالفون، هؤلاء العجزة المتجهِّمون القساة، جالسون على طاولة المشاورات ويعيدون العالم إلى ما كان عليه من قبل! وبذلك كانوا يخلِّدون كل الأحقاد والمظالم القديمة، ويضيفون عليها العديد من الأحقاد والمظالم الجديدة لتشويه المستقبل! كانوا يطردون الألمان بعيدًا عن أرضهم ويمنحونها للفرنسيين، ويسلِّمون النمساويين للإيطاليين والروس للبولنديين، وقائمة طويلة من الأخطاء الفادحة، والنتيجة الحكم على ملايينَ من الناس بالعيش في ظل حكوماتٍ يخشَونها ويحتقرونها، وبذلك يتأكَّدون من قيام ثورات، ويدفعون بأوروبا إلى الفوضى مرةً أخرى!

لم يستطع الناس إدراك هذه الأشياء دفعةً واحدة، فكانوا يستوعبونها شيئًا فشيئًا، مع تسرُّب تفاصيل المفاوضات. كانت كل دولة في العالم تقوم بدعايةٍ خاصة بها، وتفكِّر بأنانية في مصالحها الخاصة، وكان الرئيس ويلسون وسط هذه الفوضى يتعرض لضغوطٍ متضاربة من كل اتجاه، عاجزًا تمامًا عن تحقيق الأهداف الطيبة التي كان قد أعلن عنها. وعندما وصلَت هذه الصورة إلى أمريكا، انتشَرَت موجة من الاشمئزاز لم تكن معروفةً من قبلُ.

ثم عاد الرئيس نفسُه إلى الوطن ليُعلِن أنه قد حقَّق نصرًا كاملًا. وباسم «تقرير المصير لجميع الشعوب» أعطى راينلاند الألمانية لفرنسا، والمستعمرات الألمانية في أفريقيا لبريطانيا، وتيرول الألمانية لإيطاليا، ومقاطعةً صينية لليابان، ومنح الولايات المتحدة الأمريكية حق الانتداب على أرمينيا! كما أقام تحالفًا دائمًا مع فرنسا وبريطانيا، ألزمنا أنفسنا بموجبه بالحفاظ على قرارات تقرير المصير هذا إلى الأبد! وعندما نُفِّذ هذا البرنامج بشكلٍ كامل، سادت أجواءٌ من الاستخفاف المرح بين المثقَّفين الشبان في أمريكا؛ حيث بدأَت الأمهاتُ الصغيراتُ العصريات يخدعْنَ أزواجهن باسم العفة، وبدأ الطلاب الجامعيون في حمل قَنَانيِّ الخمر بجيوب سراويلهم بدافع مناصرة قرار حظر شرب الخمر.

كان الأمر صعبًا جدًّا على باني؛ لأنه كان عليه الذهاب إلى بارادايس من حين لآخر، والالتقاء بروث وجهًا لوجه، وشرح أن تقرير المصير لشعب سيبيريا كان يعني أن شقيقها يجب أن يبقى هناك في وقت السلم، موجهًا سلاحه لأعناق الناس هناك. ولتوضيح هذا الموقف الفريد، أصبح باني محتالًا ماهرًا كما لو كانت لديه وظيفةٌ دبلوماسيةٌ منتظمة بحصانة تتجاوز الحدود الإقليمية. تمكَّن من فعل ذلك لمدة شهر أو شهرَين، وفي غضون تلك الفترة أُجبِر الألمان على الذهاب إلى فرساي، والتوقيع على اتفاق لدفع تعويضٍ ضخم للغاية.

ثم جاءته ذات يوم رسالةٌ جعلَت مهمَّتَه شبهَ مستحيلة. لقد كانت رسالةً بسيطةَ المظهر، مكتوبة بخط يدٍ سيئ على بعض الأوراق الرخيصة، ومختومة بختم بريد سياتل، وموجهة إلى «السيد باني روس، بارادايس، كاليفورنيا.» كان نصها:

«عزيزي السيد باني: أنت لا تعرفني لكنني جندي مُسرَّح من الجيش كنتُ أرعى الماشية في وادي ساليناس. طلب مني بول واتكينز أن أرسل لك خطابًا لأنه لا يمكنه الحصول على أي أخبار بسبب الرقابة. لقد سُرِّحتُ من الجيش بسبب إصابتي بالزحار الآسيوي؛ فأمعائي تنزف منذ ثلاثة أشهر، وعليك أن تغسل يديك جيدًا بعد قراءة هذه الرسالة؛ لأن من السهل التقاط عدوى هذا المرض. أنا في عزلة وهذه الرسالة ستُرسَل في سرية، وأستحلفك بالرب ألَّا تُخبر أحدًا أنني أنا من أرسلَها؛ فمن المؤكد أنهم سيزجُّون بي في السجن. لكن بول قال إن والدك قد يفعل شيئًا لإخراجنا من هذا الجحيم إذا علم بالأمر. سيد باني ماذا نفعل في ذلك المكان ولماذا علينا البقاء هناك؟ درجة الحرارة أربعون تحت الصفر معظم الشتاء، وتهبُّ عواصفُ شديدة في كثير من الأحيان، وبالرغم من ذلك علينا الاضطلاع بمهام الحراسة، وفي الصيف يكون البعوض كبيرًا في حجم الذباب ولا يلدغ دون أن يمصَّ دمًا. واليابانيون يطلقون النار علينا، من المفترض أنهم حلفاءُ لنا، لكنهم بالتأكيد يحاولون الاستيلاء على هذا البلد، من المفترض ألَّا يزيدَ عدَدُهم عن سبعة آلاف، ولكن يُوجَد سبعون ألفًا، والسؤال لماذا أدخلناهم إلى هناك؟ لا يُسمح لجنودنا بحمل أسلحةٍ شخصية؛ ولذا بينما يحمل اليابانيون حِرابًا، لا نملك سوى قبضاتنا. لدينا مناطقُ من المفترض أن نسيطر عليها، لكن اليابانيين لن يكُفُّوا عن انتهاكها، وقد رأيتُهم يصطفُّون حاملين الرشاشات، وإذا اضطُرِرنا إلى محاربتهم على سيبيريا، فسيُقتل بالتأكيد الكثير من جنودنا بمجرد البدء. ولقد سمعتُ عقيدنا يقول إن اللاجئين والضباط الروس الذين لدينا أوامر بمساعدتهم، يضيِّعون ما نمنحهم من مال لإنشاء حكومة على العربدة، وفي تلك الليلة عليك إخراجهم من بيوت الدعارة. لديهم فكرةٌ واحدة فقط وهي إطلاق النار على جميع العمال الذين يمكنهم أَسْرهم وكذلك العاملات وتعذيبهم، سيد باني، لقد رأيتُ أشياء قد تشعُر بالغثيان من مجرد قراءتها. إن الجميع يعاني من هذه المهمة، بدءًا من الجنرال جريفز حتى جنود الجيش، وأصيب بعضهم بالجنون؛ فقد كان هناك أكثر من عشرين جنديًّا في فوجنا، وأُعيد بعضهم إلى الوطن مرتديًا سترة المجانين. لكن لا يُسمح للناس في الوطن بمعرفة أي شيء؛ فهناك شبانٌ في فوجنا لم يصلهم سطرٌ واحد من عائلاتهم خلال ستة أشهر؛ ولذا أصابهم الجنون من شدة القلق. لماذا يجب أن نظل هناك رغم انتهاء الحرب، أتمنى أن تخبرني إذا كنتَ تعلم السبب. لكن بول أوصاني بعدم إخبار أخته؛ لأن الأمور ليست بغاية السوء معه؛ فقد كانوا ينقلونه كثيرًا من موقع لآخر وكان دائم الانشغال، يكون الأمر سهلًا عندما يكون لديك الكثير من أعمال النجارة، ولكنني رأيتُ بعض الرفاق يحملون كومةً من دعامات قضبان السكك الحديدية مائة ياردة، ثم يعيدونها إلى المكان القديم فقط لإبقائنا مشغولين بالعمل. من فضلك أرسِل لي بعض السجائر كوسيلة لإثبات أنك تلقيتَ هذا الخطاب، وإذا أرسلتَ عُلبتَين، فسأعلم أنك تريد مني أن أرسل لك مزيدًا من الرسائل. مع فائق احترامي، جيف كوربيتي.»

٥

أخذ باني هذه الرسالة إلى الأب، وبالطبع جعلَته يشعر بالقلق الشديد، لكن ماذا يمكن للأب أن يفعل حيال ذلك الأمر؟ كان عليه حفر ثلاثِ آبار في ذلك الأسبوع، وانفجَرَت إحداها ولطَّخَت بضع مئات من الأفدنة من الصخور. كما كان عليه هو والسيد روسكو التعامل مع التقلبات المذهلة في سوق النفط. بدا كما لو أن كل دول العالم قد شرعَت فجأة في شراء البنزين، ربما كانت تعوِّض النقص الذي حدث أثناء الحرب، أو ربما كانت تستعد لحربٍ أخرى؛ على أية حال، كان السعر مرتفعًا للغاية، وكانت منطقة جنوب كاليفورنيا تنضب. وكان من المدهش حقًّا أن محطات الوقود كانت ترفض البيع لأي شخصٍ باستثناء زبائنها المعتادين، وكانت الكمية لا تزيد عن خمسة جالونات فقط في المرة الواحدة، وكانت المحطات الأخرى خالية من الوقود، وتوقفَت السيارات لأيام. كان الأب والسيد روسكو يحققان أرباحًا هائلةً من هذا الوضع، قال الأب ضاحكًا إنهم كانوا يحصلون على أموالٍ حقيقية أيضًا، وليس هذه السندات الأجنبية!

أرسل باني دزينة من خراطيش السجائر إلى جيف كوربيتي، وليلًا ونهارًا كان عقله منشغلًا بمشكلة بول. بطريقةٍ ما، اتخذ قمع البلشفية جانبًا مختلفًا تمامًا عندما صار يعني بقاء بول في سيبيريا! وكذلك، بدَت الدعاية البلشفية مختلفةً عندما عبَّر عنها راعي ماشية سابق من وادي ساليناس! ببساطة كان على باني أن يفعل شيئًا، وفي النهاية جلس في يأس وكتب رسالة إلى عضو الكونجرس، السيد ليذرز، يخبره فيها بما سمعه عن الظروف في سيبيريا، ويطلب من ذلك الموظف المسئول التحقُّق من أسباب فرض وزارة الحرب الرقابة على بريد الجنود في وقت السلم، وكذلك لحث الكونجرس على إجراء تحقيق في أسباب بقاء القوات الأمريكية في سيبيريا.

كان من المقرر أن تصل تلك الرسالة إلى عضو الكونجرس بعد خمسة أيام. بعد سبعة أيام من إرسال باني لهذه الرسالة، جاء سيدٌ محترمٌ أنيق ولطيف إلى منزل آل روس في مدينة إنجِل سيتي، موضحًا أنه كان صاحب امتيازٍ نفطي في سيبيريا وأراد أن يقنع السيد روس بمشاركته. كان الأب في بارادايس؛ لذلك تحدث باني مع السيد المحترم، وبعدما وجده باني رحيمًا وكاثوليكيًّا، أخبره بكل شيء عن بول، وأراه رسالة جيف كوربيتي. ناقشا الوضع في سيبيريا، وقال السيد المحترم إنه لم يكن هناك إعلان للحرب على الروس؛ ولذا فبأي حق نقاتلهم؟ قال باني إن الأمر بدا له كذلك أيضًا، ثم غادر السيد المحترم، ولم يكن هناك أي أخبار عن امتياز النفط، ولكن بعد بضعة أسابيع، تلقى باني رسالةً ثانية من الجندي الراعي البقر السابق، يلومه بمرارة لأنه «خذَله»، ولا بد أن يكون هو من فعل ذلك؛ فجيف لم يكن قد أرسل أي رسائل لأي شخصٍ آخر، ومع ذلك علم الجيش بأمره، وأُلقي به في السجن تمامًا كما سبق أن قال، وكان يُهرِّب هذه الرسالة ليلعن باني متمنيًا له أن يُخَلَّد في الجحيم. كان هذا الموقف خطوةً جديدة في مرحلة تعليم ذلك الصبي المثالي الصغير!

كان على باني بكل تأكيدٍ التحدُّث إلى شخصٍ ما بشأن ما حدث. وفي اليوم التالي، بينما كان يقود سيارته الرياضية الجديدة بعيدًا عن الجامعة، لاحظ شابًّا يسير بعرجٍ طفيف، وظن أنه من غير اللائق أن يقود طالب بالجامعة سيارةً رياضيةً جديدة، بينما يسير مدرس بالجامعة وهو يعرج هكذا. أبطأ باني من سرعة السيارة، وسأل الشاب: «هل تريد توصيلة، سيد إيرفينج؟»

قال الآخر: «إذا كانت وجهتُنا واحدة.»

كان رد باني: «سأتجه إلى الوجهة التي تريدها. في واقع الأمر، كنتُ آمل أن أحظى بفرصةٍ للتحدث معك، وسيكون ذلك بمثابة معروفٍ لي.»

ركب الشاب السيارة، وأخبره بالعنوان الذي يريد الذهاب إليه، ثم قال: «ما الذي يجول بخاطرك؟»

«أريد أن أسألك لماذا في ظنك نحتفظ بجيش في سيبيريا.»

كان السيد دانيال ويبستر إيرفينج شخصًا غريب المظهر؛ فقد كان رأسُه يبرز من ياقة ملابسه على نحوٍ ملحوظ، وكانت حركات رأسه المتأهبة السريعة تجعلك تفكِّر في طائر سُمانى يجلس على شجرة، يراقبك ويراقب بندقيتك. كان لديه شاربٌ بني، كث وأشعث، وعينان رماديتان يُثبِّتُهما بحدةٍ عليك عندما تقول شيئًا غبيًّا في قاعة الدراسة. كان يحدِّق الآن في باني، متسائلًا: «ما الذي يجعلك مهتمًّا بذلك الأمر؟»

«لديَّ صديق مع القوات هناك، منذ ما يقرُب من عام، ولديَّ بعض الأخبار التي تقلقني. أنا لا أفهم ما يحدث.»

قال السيد إيرفينج: «هل تسألني بصفتك طالبًا أم بصفتك صديقًا؟»

أجاب باني وهو يشعُر ببعض الحيرة: «عجبًا. يسُرني أن أكون صديقك، إذا سمحتَ لي بذلك. لكن ما الفرق؟»

قال الرجل الآخر: «الفرق قد يكون فقداني لمنصبي في الجامعة.»

احمرَّ وجه باني خجلًا. «لم أفكِّر في أي شيء من هذا القبيل، سيد إيرفينج.»

«دعني أحدثك بصراحة، يا روس. لقد أنفقتُ كل مدخراتي على أعمال الإغاثة في أوروبا وعدتُ إلى الوطن مفلسًا. والآن أتولى مسئولية تعليم أختي الصغيرة، وأتلقى أجرًا سخيًّا من الجامعة يبلغ ألفًا وثلاثمائة دولار سنويًّا. ومن المقرَّر أن أحصل على زيادة بمقدار مائتَي دولار العام المقبل، وستُناقش مسألة العقود هذا الشهر. ولذلك إذا أُبلغ عن دفاعي عن البلشفية أمام طلابي، فلن أحصُل على عقد، سواء هنا أو في أي مكانٍ آخر.»

«يا إلهي، لكن سيد إيرفينج، أنا لن أفكر حتى في الإبلاغ عنك!»

«لن تحتاج إلى ذلك. ما عليك سوى إخبار والديك أو أصدقائك بما أظن أنه في رأيي سببُ وجود قواتنا في سيبيريا، وسيعتبرون أن من واجبهم الأخلاقي الإبلاغ عني.»

قال باني: «هل الوضع بهذا السوء؟».

قال السيد إيرفينج: «الوضع سيئ للغاية لدرجة أنني لا أستطيع تخيُّل كيف يمكن أن يصبح أسوأ من ذلك. سأجيب عن سؤالك بشرط أن توافق على أنني أتحدَّث كصديق، وأنك لن تذكُر المحادثة لأي شخصٍ آخر.» كان بالإمكان رؤية مدى عمق سقوط باني في أَشْرَاك البلشفية، عندما كان على استعداد للموافقة على اقتراح مثل هذا!

٦

ما قاله السيد إيرفينج هو أن قواتنا كانت في سيبيريا؛ لأن المصرفيين الأمريكيين ورجال الأعمال الكبار كانوا قد أقرضوا حكومة القيصر مبالغَ ضخمةً من المال، قبل الحرب وخلالها، ولقد تنصَّلَت الحكومة البلشفية من هذه الديون؛ ولذلك صمَّم المصرفيون ورجال الأعمال لدينا على تدميرها. لم يكن الأمر متعلقًا بالمال فحسب، ولكنها مسألة مبدأ يتجاوز القضية التي كانت على المحك، فإذا كان بإمكان حكومة أي بلد التنصل من التزامات حكومةٍ سابقة، فماذا عن القروض الدولية؟ أصرَّت الدول الدائنة، أي أمريكا وبريطانيا وفرنسا، أن الدَّين الحكومي هو حقٌّ قانوني، ليس على الحكومة، ولكن على الدولة ومواردها. كان المبلغ الإجمالي للقروض الدولية مائة أو مائتَي مليار دولار، وكانت الدول الدائنة تهدف إلى جعل روسيا السوفييتية عبرةً لمن لا يعتبر، وإرساء القاعدة التي تنُص على أن الحكومة التي تتنصَّل من ديونها ستُقال من منصبها.

وجد باني وجهة النظر هذه جديدة؛ ولذلك طرح العديد من الأسئلة. قال السيد إيرفينج إنه في وقت الحرب كان هناك سفيرٌ روسي في واشنطن، وبسبب منصبه كان هو المسئول عن إدارة الأموال التي أقرضَتها لهم حكومتنا، واستُخدمَت في شراء الأسلحة والقذائف لروسيا. في وقت الثورة البلشفية، كان هذا السفير قد حصل على ما يقرب من مائة مليون دولار، وكانت حكومتُنا تسمح له باستخدامها لإنشاء جهاز دعاية ضد الحكومة السوفييتية، بالإضافة إلى نظام تجسُّسٍ متطور يضاهي نظام التجسس الذي كان قائمًا في فترة حكم القيصر. وكان كلٌّ من الصحف والصحفيين والمسئولين الحكوميين والمشرِّعين في قائمة الرواتب التي يدفعها هذا السفير. علاوةً على ذلك، كان لدينا مسئولون في وزارة الخارجية تزوَّجوا زوجاتٍ روسيات من طبقة النبلاء البائدة، وهؤلاء الزوجات فقدْنَ كل شيءٍ في الثورة، وكان من الطبيعي أن يكرهْنَ النظام الجديد. وكان أحد المسئولين عضوًا في المؤسسة المصرفية التي كانت تدير مسألة القروض وتكبَّدَت خسارة فادحة، وكان مسئولون آخرون مرتبطين بالبنوك والشركات التي كانت جازفَت بمبالغَ ضخمة. لذلك، دخلَت أمريكا في حالة حرب مع روسيا السوفييتية، امتدَّت لجميع أنحاء تلك الجمهورية الشاسعة؛ ولذلك لم يستطع مدرس في إحدى الجامعات الأمريكية مناقشة الأمر مع أحد طلابه، حتى خارج حجرة الدراسة، دون أن يخاف من فقدان منصبه.

نفى السيد دانيال ويبستر إيرفينج أن لديه أيَّ تعاطُف مع البلشفية، أو أنه كان يرغب في تدريس هذه المذاهب في أمريكا، وصدَّق باني، بروحه البريئة، هذا التصريح، غير مدرك أن جميع عملاء البلاشفة يقولون ذلك، حتى تتسمَّم عقول ضحاياهم تمامًا. وأعرب السيد إيرفينج عن رأيٍ مفادُه أن ما يحدُث في روسيا كان تجربةً اجتماعيةً عظيمة. وسأل: هل يمكن أن تنجح حكومةٌ من الطبقة العاملة؟ هل الديمقراطية في الصناعة ممكنة أم مجرد حُلم لدى أحد المتعصبين؟ يجب أن نرسل أشخاصًا غير متحيزين، خبراء من جميع المجالات إلى روسيا، لرؤية ما كان يحدث والإبلاغ عنه. لكننا، بدلًا من ذلك، كنا نساعد فرنسا وبريطانيا على تجويع الروس، وكنا نُجبِرهم على بذل كل طاقاتهم في مقاومة جيوشنا، والجيوش التي كنا ندعمها، وبذلك كنا نجعل نجاح التجربة أمرًا مستحيلًا؛ ومن ثَمَّ، بالطبع، لن يثبت فشلها شيئًا.

أما باني، ضحية الدعاية الصغير المسكين، فقال إنه بدأ يغيِّر رأيه بشأن هذه الأمور. نعم، من المؤكد أن للروس الحق في حل مشكلتهم بطريقتهم، وبالتأكيد يجب أن نعرف حقيقة ما كان يحدث، وتمنى أن تكون هناك طريقةٌ ما لمعرفة ذلك. وبناءً على ذلك، أعطاه السيد إيرفينج اسم مجلتَين أسبوعيتَين، تصادف أنهما قد استُبعِدتا للتو من مكتبة الجامعة، ومن جميع المدارس الثانوية في مدينة إنجِل سيتي، بسبب ما تحتويانه من «أفكارٍ خطيرة».

يمكنك تخيُّل ما حدث بعد ذلك. عندما تخبر فتًى مفعمًا بالحيوية أنه يجب ألَّا يقرأ منشوراتٍ معينة، يملؤه الفضول على الفور لمعرفة ما تحتويه هذه المنشورات. عاد باني إلى المنزل واشترك في هاتَين المجلتَين، مستخدمًا اسمه الحقيقي. وبذلك أُضيف اسمٌ جديد في فهارس البطاقات الخاصة بإدارة الاستخبارات العسكرية وإدارة الاستخبارات البحرية وجهاز المخابرات، فضلًا عن العديد من المنظمات التي كانت تستخدم فهارس البطاقات هذه باعتبارها ملكًا لها، مثل العديد من الجمعيات الوطنية، والعديد من الصحف المتشددة، والعديد من وكالات المباحث الخاصة الكبيرة، بما في ذلك، بالطبع، إدارة الاستعلامات الخاصة بسفيرٍ سابق من حكومةٍ روسية لم تعُد موجودة.

قرَّر باني، متلمسًا طريقة للبحث عن طريقةٍ ما لمساعدة بول، إرسال رسالة إلى صحيفة جامعة جنوب المحيط الهادي «ستود»، يعبِّر فيها عن رأيه بشأن الوضع في سيبيريا، وبالطبع، كان حريصًا على عدم الإشارة إلى السيد إيرفينج، أو ذكر اسم بول أو جيف كوربيتي. أعاد الطالب الذي يتولى منصب رئيس التحرير رسالتَه إليه، مرفقًا معها ملاحظةً يحتج فيها على تقديم رجل بشهرته في الجامعة مثل هذه المساعدة لأعداء بلاده. وانتشَر خبر هذه الواقعة، وذاعت الشائعات المبالغ فيها، ووجد باني نفسه محاصرًا بين الأصدقاء وغيرهم ممن أرادوا قراءة الرسالة، ثم الدخول في جدال معه.

أعلن أحد طلاب السنة النهائية أنه يتفق مع باني؛ فبالتأكيد كان من حق الروس إدارة بلدهم. كان اسم هذا الفتى بيلي جورج، وكان والده ثريًّا يعمل في مجال تصنيع الأنابيب الحديدية. وغنيٌّ عن القول، أن باني كان سعيدًا بهذا القَدْر القليل من التعاطُف، وسمح لصديقه الجديد أن يقرأ رسالته إلى «ستود»، ورسالة جيف كوربيتي إليه، وأخبره بكل أفكاره ومشاكله، وبذلك أُثريت فهارس البطاقات في إنجِل سيتي ونيويورك وواشنطن بمزيد من المعلومات. ونظرًا للسماح للعديد من الأشخاص الآخرين بفحص هذه الفهارس، فمن المؤكد أن إلقاء نظرة على الملف لن يكون أمرًا غير وطني في حالتنا. كانت البطاقات بحجم ستة في ثمانية، مكتوبًا على كلا جانبَيها بخطٍّ منمق، وعندما كانت تمتلئ إحداها، تُبدأ الكتابة على أخرى. وكانت تفاصيل شابنا المثالي تبدو الآن على النحو التالي:

«روس، جيمس أرنولد، طالب في السنة الأولى، معروف باسم باني، يسكن في ٦٧٩ شارع إس ميندوسينو، إنجِل سيتي، كاليفورنيا، وكذلك في بارادايس، مقاطعة سان إليدو، كاليفورنيا، العمر ٢٠ عامًا، الطول خمس أقدام وتسع بوصات ونصف، شعرٌ بني، عينان بنيتان، ملامحُ عادية، مرفق صورة. ابن جيه أرنولد روس، نائب رئيس شركة روس كونسوليديتد أويل، بناية فيرنون روسكو، إنجِل سيتي، كذلك له مصالحُ نفطيةٌ مستقلة، تقدَّر قيمتها بنحو ٢٥ مليون دولار. خريج مدرسة بيتش سيتي (كاليفورنيا) الثانوية، عام ١٩١٨، تقارير المدرسة جيدة، له علاقاتٌ جنسية، مرفق تقرير العميل ١١٤٩٧. متعاطفٌ نشط مع إضراب النفط ببارادايس ١٩١٦–١٧، صديقٌ حميم لبول واتكينز، قائد الإضراب، الملف ١٢٧٢دابليو١٧. يُشتبه أن يكون بينه وبين روز واتكينز، أخت بول، علاقةٌ حميمية. تلقى تدريبًا في معسكر آرثر، ١٩١٧–١٨، سجلٌّ مُرضٍ. أرسل رسالة إلى السيد إتش جي ليذرز، ممثل مقاطعة كاليفورنيا رقم ٤٩، مدفوعًا من الجندي المُسرَّح جيف كوربيتي، ملف رقم ٩٦٧٨كيه٣٠؛ انظر الرسالة المرفقة، وكذلك تقرير العميل ٢٣٦٧٢ المرفق. فصل عام ١٩٢٣، جامعة جنوب المحيط الهادي، أخوية كابا جاما تاو، عدَّاء، تلميذ دانيال واشنطن إيرفينج، ملف رقم ٣٢٧١١٨. متعاطف مع البلاشفة. مشترك في مجلتَي نيشن، ونيو ريبابليك. تقاريرُ أخرى من العميل ١١٤٩٧، طالب زميل، وكذلك ٩٦٢١، الصديق الحميم لأخت الهدف، المعروفة باسم بيردي روس.»

٧

كان لدى روس الأكبر مصدرٌ آخر للمعلومات المتعلقة بالشئون العالمية، إلى جانب صحيفته الصباحية والمسائية وابنه المثالي. فقد كان زملاؤه في مجال النفط يفكرون بشدة في هذا الموضوع، وعقدوا مؤتمراتٍ طويلة ودرَسوا تقاريرَ مفصلة. كما أنهم كانوا غير راضين عن دبلوماسية الرئيس ويلسون، ليس لأنه لم يجعل العالم آمنًا للديمقراطية، ولكن لأنه لم يجعله آمنًا للمنقبين عن النفط. ففي الأراضي التي أُخذَت من الأعداء كانت هناك مناطقُ غنية بالنفط بها ثروات لا تُعَد ولا تُحصى، ولكن، باسم المثالية الحمقاء، كنا نسمح لفرنسا وبريطانيا بالاستيلاء على هذا الكنز، بينما كنا نتولَّى مسئولية إبعاد الأتراك عن الأرمن!

فيما يتعلق باهتمامات الأب الشخصية، ظل تركيزُه على الديار. وكانت إكسلسيور بيت وفيكتور أويل وبقية «الخمسة الكبار» هم الذين يسعَون للحصول على امتيازاتٍ أجنبية، وإذا تمكَّنوا من الحصول عليها، فقد ينخفض سعر النفط في الوطن، الأمر الذي سيكلف الأب خسارة مبلغٍ كبير من المال. ومع ذلك، فقد تبنَّى ذلك الموقف الوطني؛ فالبلاد بحاجة إلى النفط، ودورنا توفيره. كما ترى، كان الأب أيضًا مثاليًّا، وقد أزعجه أن هذا النوع من المثالية لم يكن موضع تقدير من ابنه.

بدأ يقتنع بأن اللوم يقع على الجامعة. وبغَض النظر عما قد يقوله باني، فقد كان هذا «التعليم» هو الذي يشوِّش على عقله، ويُفسِد قدرته على التعامل مع الأمور العملية. أدرك باني عدة مرات أن الأب الداهية كان يتفحَّص عقله؛ لا بد أن شخصًا أكبر سنًّا من باني يؤثِّر على تفكيره، والحقيقة الأكثر إثارةً للريبة هي عدم ذكر باني لهذا الشخص. أدرك باني أن اسم دانيال ويبستر إيرفينج، المعروف بدانييل واشنطن إيرفينج، كان سيظهر حتمًا للعلن، عاجلًا أم آجلًا؛ لذلك خطرَت له فكرةٌ ذكية، كان سيطلب من الأب مقابلة صديقه المدرس! فمن المستحيل أن يبلغ الأب عن رجل استقبلَه في بيته!

«أبي، أريد أن أحضِر أحد أساتذتي ليرى الحقل.» وبالطبع كان الأب مسرورًا؛ فهذا الأمر من شأنه أن يجلب القليل من الثقافة إلى عالمه، ويمنحَه فرصة لإلقاء النظر على حياة ابنه العقلية. فقد كانت إحدى المخاوف التي تطارد الأب هو أن هذا «التعليم» قد يجعل باني يخجل من والده العجوز الجاهل. كان الأب يعلم أن هناك «رجالًا مثقفين»، مصابين بدرجةٍ من الجنون كافية لتجعلهم ينظرون بازدراء لخمسة وعشرين مليون دولار، أو على الأقل يتظاهرون بذلك!

كان من المقرَّر أن يُدرِّس السيد إيرفينج في المدرسة الصيفية، ولكن كان أمامه عشرة أيام قبل البدء، واقترح باني أنه قد يرغب في الذهاب بالسيارة إلى بارادايس لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وقَبِل المدرس الشاب في دهشةٍ ممتزجة بالسعادة. وهكذا انطلقا، في صباح أحد أيام شهر يونيو، في ذلك الطقس المشمس الشائع في جنوب كاليفورنيا، القادر على أن يجعلك تنسى كل مشاكل العالم. وفي الطريق تحدَّثا عما يحدُث في روسيا وسيبيريا، والتقدُّم الذي أحرزه الجنرال دينيكين والأدميرال كولتشاك، والجهود اليائسة للبلاشفة لتنظيم «جيشٍ أحمر»، وأمل الطبقة الحاكمة الألمانية في استعادة جدارتها بالاحترام من خلال مساعدة الحلفاء ضد الثورة الروسية. كما أخبر باني السيد إيرفينج بفكرته عن هذه الزيارة؛ فعلى السيد إيرفينج أن يسمح للأب بأن يتولى دفة الحديث معظم الوقت، ويجب ألَّا يعبِّر السيد إيرفينج إلا عن الآراء التي كان من المناسب أن يسمعها منقِّبٌ عن النفط كبيرٌ في السن.

٨

وصلا إلى بارادايس، ورُحِّب بالمدرس على النحو الواجب في «بيت المزرعة» ذي الطراز الإسباني الجديد الرائع، الذي بناه الأب على قطعة الأرض ليستخدمه هو وضيوفه. كان هناك فناءٌ في وسط المنزل، في منتصفه نافورة يتناثر منها الماء، وأشجار النخيل ونباتات الموز وبراعمُ كبيرة من عريشة الجهنمية بدأَت تتسلق الجدران الجصية. وكان هناك رجلٌ ياباني يؤدي وظيفتَين، رئيس الخدم والطباخ، وصبيٌّ يجمع بين البستنة وغسل الصحون، بينما ترقَّت روث في منصبها وأصبحَت مدبرة المنزل والمشرفة العامة. كان هناك ستُّ غرف للضيوف، وعندما كان يأتي المديرون التنفيذيون والمديرون والجيولوجيون والمهندسون بشركة روس كونسوليديتد إلى المنطقة، كان الأب يستضيفهم دائمًا؛ فقد كانوا عائلةً واحدةً كبيرةً سعيدة. كانوا يجلسون حول طاولة مكسوَّة بالجوخ الأخضر في غرفة المعيشة بعد العَشاء مباشرة، ويشرعون في لعب البوكر، وكانوا يخلعون معاطفهم ويفكُّون حمالاتهم، ويستدعون الخادم الياباني ليُحضِر لهم المزيد من السيجار والويسكي والصودا، ويملَئون الغرفة بالدخان، ويمكثون حتى الساعات الأولى من الصباح. وكان هذا مثالًا توضيحيًّا مثيرًا للاهتمام على ازدواجية المعايير الأخلاقية لدى الأب، الذي كان يسعد بأن ابنه كان يفضِّل البقاء في غرفته الخاصة والقراءة، وعدم سماع القصص التي كان يرويها رجال النفط عندما يبدأ تأثير الشراب في الظهور.

لكن لم تكن هناك مقامرةٌ هذه المرة؛ فقد كان من المفترض أن تكون عطلة نهاية الأسبوع ثقافية، تكريمًا ﻟ «البروفيسور»، كما أصر الأب على الإشارة إلى ضيفه. كان روس الأكبر فخورًا بسذاجة بزيارة «البروفيسور»، واطِّلاعه على البئر التي كانت تُجرى بها عملية الحفر الأوَّلي، وبئرٍ أخرى حيث كانت عملية نزح الماء قيد العمل، وعشرات الآبار قيد الحفر. عاينوا معمل التكرير الجديد المميز حقًّا، الذي قالت عنه الصحف إنه أحدثَ معجزةً في هندسة البترول، وبالفعل، كان تحفةً فنية؛ حيث كان يتكوَّن من مبانٍ خرسانية، ومعدنيةٍ لامعةٍ مطلية حديثًا، وتُحيط به حديقةٌ لطيفة. كانت آبار النفط سوداء ومشحَّمة، على نحوٍ يستعصي تنظيفه، لكن معمل التكرير مختلف؛ فالنفط يأتي في أنابيب تحت الأرض، ويخرج معظمه بالطريقة ذاتها؛ لذلك يمكن أن يُصمم معمل التكرير وفقًا لذوق شابٍّ مثالي، حيث تحيط به أسوارٌ جميلة من شبكاتٍ فولاذية مغطَّاة بكروم الورد، وقِطع من العشب تتعرَّج بينها طرقٌ مكسوَّة بالحصى. كان معمل تكرير روس بحجم قرية كبيرة، معظم منازلها على شكل خزانات؛ خزانات كبيرة وصغيرة، وخزانات طويلة وقصيرة، وخزانات مستديرة ومستطيلة ومربعة، وخزانات سوداء وحمراء، وخزانات ذات ألوانٍ متنوعة من الداخل، لا يمكن رؤيتها من الخارج.

كان أكثر ما يميِّز معمل التكرير هو وجود مجموعةٍ ضخمة من وحدات التقطير، موضوعة في صفٍّ واحد ومتصلة بعضها ببعض بمجموعةٍ متشابكة من الأنابيب، وكان كلٌّ منها كبيرًا بما يكفي لخدمة أغراض جميع المهرِّبين في الولايات المتحدة. في وحدة التقطير الأولى، كان النفط الخام يُسخَّن إلى درجةِ حرارةٍ معينة، حتى ينبعث أحد منتجاته، وكانت هذه العملية تُسمَّى بعملية «التكسير». وكان الباقي من النفط ينتقل إلى وحدة التقطير التالية، حيث تزداد درجة الحرارة قليلًا، وينبعث منتجٌ آخر. وبهذا كان النفط ينتقل من وحدة تقطير إلى أخرى، وتُسمَّى هذه العملية بالتقطير «المستمر». وكان المنتج من كل وحدة تقطير ينتقل إلى مكثفٍ كبير، ومن هناك إلى خزانه الخاص؛ وبهذا تحصُل على جازولين متعدد الصفات، وكيروسين وبنزين ونفط، وزيوت تشحيم مختلفة الدرجات، وبترول، وقطرانٍ سميكٍ أسود، وعددٍ لا نهائي من أحواض شمع البارافين الأبيض الناعم.

يمكنك أن ترى كيف تتطلب هذه العمليات قَدرًا هائلًا من الإشراف، واكتشاف طرقٍ جديدة. كان الأب مولعًا بالحديث عن كيميائي يعمل لديه؛ فهذا الرجل كان أعجوبة بكل المقاييس! كان الأب يدفع له ستة آلاف في السنة، وفي المقابل كان يحصُل على كل ما يكتشفه، مما ساعد في توفير عدة ملايين للشركة منذ بداية إنشائها. عاش ماكينيس على حلقات وسلاسل الكربون؛ حيث كان يرسم المخطَّطات على السبورة، التي كانت تبدأ بصبغةٍ أرجوانية، ثم يضيف ذرة كربون أخرى، ويا للهول، تتحول إلى مادةٍ خضراء يمكنها أن تعالج الديدان الشريطية، وكان اسمها أطول من أي دودةٍ شريطية قيست على الإطلاق.

كان لا بد من مقابلة هذا الساحر؛ لذلك ذهبوا إلى المختبر، الذي كان يقع منفردًا على قمة تلٍّ صغيرٍ ناءٍ، حتى يتسنى لساكنه إمكانية تفجير نفسه مراتٍ عديدة بقَدْر ما يشاء. كان ماكينيس شاحبًا، منحني الكتفَين وأصلع جزئيًّا، وكان يحدِّق فيك من خلال نظارةٍ كبيرة. كان الأب فخورًا بتقديم «البروفيسور» إيرفينج، وعرض عليهم الكيميائي صفًّا من أنابيب الاختبار ومعوجات التقطير، وأوضح أنه كان يحاول التحقق من أسباب انخفاض استقرار الهكسان العادي والميثيل الحلقي البنتان الأكثر استقرارًا في الحرارة مقارنة بالهيدروكربونات المشبعة من نفس الوزن الجزيئي. كانت هناك فرصةٌ لإحداث أكبر توفير في تاريخ التكرير، ولكن المشكلة كانت أن النسبة المئوية القصوى للتعريفات التي تتطلبها المعادلة العامة البسيطة، وهنا بدأ الكيميائي بكتابة المعادلة التالية على السبورة: ، نادرًا ما تحقَّقَت بسبب بلمرة الأوليفينات وتكوين النفثينات.

بعد معرفة تلك المعلومة، عادوا إلى «بيت المزرعة» لتناول عَشاءٍ من الدجاج المقلي مع الذرة الخضراء الطازجة وشمام من وادي إمبريال، ثم جلسوا للدردشة. كان السيد إيرفينج لطيفًا، وتحدَّثوا حتى منتصف الليل، وأجاب على أسئلة الأب العديدة حول شئون العالم، وأخبره عما رآه في أعمال الإغاثة في اليونان والعمل الدبلوماسي في فرنسا.

كان للمدرس الشاب بعض الأقارب الذين يشغلون مناصب عليا؛ لذلك كان يعرف معلوماتٍ خاصة تتلاءم مع ما كان الأب يعرفه، كان الوضع فظيعًا؛ حيث كانت كل الجهود تبوء بالفشل. يا إلهي، فها نحن نطلب من اليابانيين أن يسيطروا على جزيرة سخالين، التي ربما كانت تحتوي على نفطٍ أكثر من بقية العالم، وكان البريطانيون بالطبع يعملون على إصلاح خطوط الأنابيب في باكو، وفي الموصل كانوا يسيطرون على جميع حقول النفط، وكان الفرنسيون يدخلون بلاد فارس وسوريا مع البريطانيين؛ السؤال هنا أين كانت الحكومة الأمريكية؟ كان فيرنون روسكو يشتاط غضبًا؛ لأنه كان لديه بعض العقود في باكو، فما الفائدة من طرد البلاشفة ووضع الإنجليز والهولنديين؟ قال روسكو إن هذا البلد بحاجةٍ إلى رجلٍ عملي لمنصب الرئيس وليس إلى أستاذٍ جامعي …

توقَّف الأب؛ خوفًا من أن يكون قد قال شيئًا غير ملائم، لكن السيد إيرفينج ضحك وقال: «لا تقلق، سيد روس؛ فأنا لستُ أهلًا لهذا الشرف الرفيع، ولا أتوقع أن أصل إليه أبدًا.» لذا استمر الأب في خطبته العصماء عن روسكو؛ فقد كان رجال النفط قد تعلَّموا الدرس، وكانوا سيجتمعون معًا لمناقشة الانتخابات القادمة؛ فقد كانوا ينوون ترشيح رجل أعمالٍ لمنصب الرئيس. تبادَل باني ومعلمه البلشفي نظرةً خاطفة، لكن الأب لم يشُكَّ في شيء. بعد ذلك، عندما كان الأب بمفرده مع باني، قال: «يا بني، إنه شابٌّ ذكي. ومن دواعي سروري التحدث مع رجل يفهم الأمور مثله.» وهكذا كانت تنتشر الدعاية البلشفية!

٩

قضى باني ذلك الصيف في ممارسة بعض «الأنشطة الترفيهية»، كما يُقال عادة؛ حيث قرأ بعض الكتب عن الوضع الدولي، ودرس بعض التقارير السرية لعملاء فيرنون روسكو الأجانب، وشاهد بناء أبراج الحفر فوق تلالٍ أخرى في أرض روس الابن. هاتفَته بيرتي، وأصرَّت على أنه يجب عليه أن ينخرط في المجتمع ويلتقي ببعض الفتيات «المؤهلات»؛ لذلك ذهب معها لقضاء أسبوع في مخيم آل وودبريدج رايلي العصريين، الواقع في أعالي الجبال، في «نادٍ» لا يدخله سوى النخبة. في هذا المكان، كان الناس يركبون القوارب ويسبحون، ولكنهم كانوا يعيشون حياةً معقدة كما هو الحال في المدينة، عالقين في نفس الشبكة من الواجبات والارتباطات الاجتماعية، وتغيير الملابس عدة مرات في اليوم. كانوا يشربون الكثير من الخمر على العَشاء، ويرقصون حتى انبلاج الفجر على أنغام موسيقى الجاز التي تعزفها فرقةٌ موسيقية من الزنوج، وبعد ذلك كان الشباب يذهبون لركوب الخيل، ويتناولون إفطارًا متأخرًا، وينامون بضعَ ساعاتٍ قبل الذهاب إلى مأدبة الغداء.

هناك تعرَّف باني على إلدون بورديك، عاشق أخته المفضَّل منذ بضع سنوات. لكن باني لم يكن متأكدًا من طبيعة علاقتهما. وكان الأب قد غامر بإلقاء مزحة عن اقتراب موعد حفل زفافهما، لكن بيرتي أوقفَته، وأخبرَتْه أنها ستتولى أمور ارتباطاتها الخاصة دون تدخُّل أبوي. اكتشف باني أنهما كانا يتشاجران، ولم يستطع منع نفسه من أن يتسمع حديثهما، ولاحظ الدموع في عينَي أخته. كانت غاضبة لأن إلدون كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع فقط في المخيم، وكان هو غاضبًا لأنها عاقبَتْه بالرقص عدة مرات مع رجلٍ آخر. لكن لم يتحدث أيٌّ منهما عن هذا الأمر مع باني، ولم يتدخل باني في شئونهما.

كان إلدون بورديك الابن الأصغر لعائلةٍ من مُلَّاك الأراضي العريقين في كاليفورنيا. تقع ممتلكاتهم في ضواحي مدينة إنجِل سيتي، وكل عشر سنوات أو نحو ذلك كانوا يبيعون جزءًا كبيرًا من أراضيهم ويخصِّصونه لبناء المنازل، ويؤدي هذا التطوير إلى زيادة قيمة باقي الأراضي، وبذلك كانت الأسرة تزداد ثراءً طَوال الوقت، على الرغم من وجود أربعين شخصًا، صغارًا وكبارًا، ينفقون الأموال على كل ما يخطر ببالهم. كان إلدون رجلًا رياضيًّا وسيمًا وأنيقًا، لديه شاربٌ أسودُ صغير، على غرار ضباط الجيش البريطاني، وكانت وقفتُه مستقيمة ومتخشبة، واكتشف باني أن لديه عقلًا عسكريًّا. لا بد أن بيرتي قد ذكَرَت أفكار أخيها الخطيرة؛ لأن إلدون دعا الشاب الأصغر لركوب الخيل، وشرع في سؤاله عن آرائه. كان إلدون وطنيًّا هاويًا، مجسدًا المعاني الأصيلة التي تحملها كلمة هاوٍ غير الملائمة لوصف الوطنية؛ فهو لم يجعل خيوله تشارك في مباريات البولو طوال الصيف، وذلك لانشغاله في تأدية دوره لإنقاذ المجتمع.

لم يستغرق وقتًا طويلًا ليكتشف عمق الخطر الذي كان يُحدِق بباني. كان الصبي قد حفظ عن ظهرِ قلبٍ كلَّ مبدأ من مبادئ البلشفية، مثل: إن للشعب الروسي الحق في إدارة بلده بطريقته الخاصة، وإن قواتنا ليس لديها الحق في إطلاق النار عليهم وقتلهم دون إعلان الكونجرس للحرب، وإن الناس في هذا البلد لديهم الحق في التعبير عن الإدانات المذكورة أعلاه، دون التعرُّض للضرب أو تلطيخهم بالقير وتغطيتهم بالريش، أو إرسالهم إلى السجن أو ترحيلهم. أوضح له إلدون أن كل هذا كان مجرد تمويه؛ فقد استغل المتآمرون المجرمون هذه المبادئ الجيدة؛ للاختباء تحت عباءةٍ من الشرعية و«حرية التعبير» و«الحقوق المدنية» وغيرها من المفاهيم المشابهة. لكن السوفييت الهمجيين تنصَّلوا من كل هذه المبادئ، وكان من واجبنا أن نحاربهم بأسلحتهم.

استمع باني بأدب إلى شرح رفيقه لتداعيات مؤامرة البلاشفة. فهؤلاء الخونة لم يسعَوا فقط لمنح النصر لألمانيا، بل كانوا الآن ينظِّمون جهاز دعاية للإطاحة بالحكومات المدنية في جميع أنحاء العالم، وكانوا يحرِّضون الزنوج والهندوس والصينيين والمسلمين على الوقوف في وجه العِرْق الأبيض والقضاء عليه. ويتبع مئاتُ الآلاف في هذا البلد منظَّماتهم السرية، وكانوا ينشُرون ويَدعَمون ما يقرُب من ثمانمائة صحيفة، تدعو جميعها إلى الحقد الطبقي. كيف يمكن لأي رجلٍ ذي فطرةٍ سوية أن يعقد هدنة مع هذه الوحشية؟

لقد كان أمرًا مرعبًا حقًّا ويصعُب الردُّ عليه، ومع ذلك، أصَر باني على رأيه، وأنْ ليس من حقنا التدخُّل في شئون روسيا أو سيبيريا، وإذا تركنا البلاشفة وشأنهم، فلن يتمكَّنوا من إيذائنا. فعندما قمَعْنا أفكار الناس، جعلنا الأمر يبدو كأننا لا نستطيع تقديم إجابات لهم، وعند تفريق التجمُّعات وإلقاء مئات الأشخاص في السجن لمحاولتهم حضور هذه التجمُّعات، كانت النتيجة هي الترويج للأفكار التي كنا نحاول قمعها، وجعل الكثير من الأشخاص الآخرين يتعاطفون مع الضحايا. انظر إلى هؤلاء الفتيان والفتيات اليهود الروس الذين اعتُقلوا في نيويورك، وكانوا جميعًا دون العشرين من عمرهم، لم يفعلوا شيئًا سوى توزيع منشور يناشد الشعب الأمريكي بعدم شن حرب على روسيا، ومع ذلك فقد تعرَّضوا للتعذيب في السجن حتى مات أحدهم، وحُكم على الباقين بالسجن لمدة عشرين عامًا! عندما اكتشف إلدون بورديك أن باني كان يدافع عن أشخاصٍ محتقرين مثل هؤلاء، شعَر بالغضب أولًا، وبعد ذلك تعامل معه بتحفُّظ، وسرعان ما لاحظ باني أن بقية الضيوف كانوا يتعاملون معه بتحفُّظ، فجاءت إليه أخته بعينَين متأججتَين معلنةً أنه قد دمر حياتها الاجتماعية.

١٠

وهكذا ذهب باني لزيارة هنريتا أشلي في منزل عائلتها الشاطئي، الواقع على بحيرةٍ زرقاءَ جميلة، تنتشر فوقها قواربُ شراعيةٌ بيضاءُ صغيرة، وتُحيط بها منحدراتٌ صفراء ورمادية مغطَّاة ببيوتٍ مبنية على الطراز الإسباني من الجص المتعدد الألوان. وأثناء الإبحار بقارب الكانو، حاول باني تبرير أفكاره، لكنه لم ينجح في ذلك. فقد كان لدى هنريتا تحيُّز لا يُقهر ضد البلاشفة، وكان باني يشُك في أن السبب وراء ذلك أنها قد سمعَت عن تأميم النساء. كان يودُّ أن يلمح لها إلى أنه يشك في حقيقة هذه الأخبار، ولكن لو كان من الممكن ذكر موضوع مثل هذا لهنريتا، لما كانت نموذجه المثالي للنقاء الأنثوي.

لذلك كان على باني التوجه بالسيارة إلى مدينة إنجِل سيتي واصطحاب السيد إيرفينج لتناول الغداء؛ من أجل أن يجد شخصًا يخبره بمشاكله. لكن السيد إيرفينج زاد الطين بلةً بإطلاعه على مقال من صحيفةٍ اشتراكية، كتبه صحفيٌّ إنجليزي جاء لتوِّه من روسيا، يحكي فيه عن الجهود اليائسة التي يبذلها الشيوعيون للدفاع عن قضيتهم. جنَّد الحزب خمسين بالمائة من أعضائه للذهاب إلى الجبهة والموت، فهذا ما كانت تئول إليه كل الأحداث، فحتى الجرح الطفيف كان مميتًا في كثير من الأحيان؛ إذ لم يكن هناك مطهراتٌ في أي مكان في بلد يزيد عدد سكانه عن مائة مليون شخص. كان العمال الروس يخوضون معاركَ ضد مجموعة من الأعداء على ست وعشرين جبهة. في فنلندا وحدها كان الجنرال مانرهايم المعادي للثورة قد ذبَح مائة ألف شخصٍ مشتبه في تعاطفهم مع البلشفية، لقد فعل ذلك باستخدام البنادق الأمريكية والذخيرة الأمريكية، وكان العديد من قواته يرتدون الزي العسكري الأمريكي. في الحالات التي هُزمَت فيها القوات على يد البلاشفة وأُجبرَت على التراجع، أحرق الصليب الأحمر الأمريكي إمداداتٍ طبية تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات؛ خوفًا من استخدامها لإنقاذ الجنود البلاشفة الجرحى والنساء البلاشفة أثناء المخاض. بطريقةٍ ما، عندما تكون على دراية بأن مثل هذه الأشياء كانت تحدث في العالم، لن تستمتع بالانجراف على سطح بحيرةٍ زرقاءَ جميلة على متن قارب كانو!

عاد باني إلى بارادايس ودرس الأمور وفكَّر فيها وانتظر. أرسل بول بطاقةً بريدية أخرى، تمامًا مثل البطاقة السابقة، واقعية وخالية من المشاعر، كان بول بصحةٍ جيدة ومشغولًا، وكان يحظى بعنايةٍ جيدة، أخبرَهم أنه استلم رسالةً أخرى من روث، وأنه كان يتمنى أن تكون الأسرة بصحةٍ جيدة، وكذلك آل روس. كان لدى باني ما يكفي من المعلومات عن الوضع العالمي الحالي لفهم سبب كتابة بول لهذه البطاقة، وحتى لتخيُّل المرارة التي لا بد أن بول كان يشعر بها حتى يُضطَر لكتابتها.

فكَّر باني في أن يرسل له هو أيضًا بطاقة. ولذا أحضر بطاقةً عادية، وأخبر بول أنهم جميعًا بخير ومشغولون بإنتاج الكثير من النفط للمساعدة في هزيمة أعداء أمريكا. وأضاف باني جملة: «يراودني الكثير من الأفكار»، ولكن بعد ذلك خطر له أن هذه الجملة قد توحي بإجراءٍ محظور على القوات؛ لذلك أحضر بطاقة أخرى وأخبره عن مدى سعادة الجميع وكيف كانت الأمور تسير على ما يُرام، ثم أضاف: «لقد أصبحتُ متفقًا مع توم أكستون في كل شيء.» خَمَّن باني أن المسئول عن الرقابة في سيبيريا لن يعلم كيف نظَّم توم أكستون صفوفَ عمال النفط في حقل بارادايس!

طَوال هذا الوقت، كان باني يتخبَّط بين مجموعتَين من المشاعر القوية والمتناقضة تمامًا. لقد كان ضابطًا محتملًا في الجيش وكان يشعر بولاءٍ شديد لوطنه، ولكن الآن، بعد سبعة أشهر فقط، كان يرغب في «دعم» أعداء بلاده، والهتاف فرحًا عندما يتعين الانسحاب! نعم، لقد كان بالفعل يشعُر بالسعادة عندما قرأ أن القوات الأمريكية في أرخانجيلسك قد توقفَت عن التقدم، وأن قادتها البريطانيين أخفَقوا في تحقيق أهدافهم! لقد تذكَّر الحماسة التي أثارت روحه في معسكر التدريب، عندما كان يقفز من خيمته على صوت بوق الاستيقاظ، ويشاهد «العلم الأمريكي» يرفرف في نسيم الفجر، لو كان من الممكن أن يُلقي باني في تلك الأيام نظرةً على نفسه الآن، لاعتبر نفسه خائنًا أسود القلب!

١١

كان هناك عددٌ قليل جدًّا من الأشخاص في العالم، ممن اعتقدوا أن الروس سيكونون قادرين على الدفاع عن أنفسهم في مواجهة جيوش العالم أجمع. لكنهم بطريقةٍ ما تمكَّنوا من ذلك. كان هناك شيءٌ غريب يمكن ملاحظتُه في تقارير الصحف من مختلف الجبهات المناهضة للبلشفية. فقد أفادت التقارير أن قوات التحالف كانت تحقِّق انتصاراتٍ عظيمة؛ حيث استولت على بيرم، أو أوفا، أو أي مدينةٍ أخرى، وأسرَت الآلاف من جنود الأعداء. وبعد شهر أو شهرَين، احتفلوا بانتصارٍ آخر، ومرةً أخرى كان الوطنيون يهتفون، حتى خطر ببالهم مراجعة الخريطة، ومقارنة موقع المكانَين، حينئذٍ اكتشفوا أن المكان الثاني كان أبعد من المكان الأول بمقدار مائة أو مائتَي ميل!

في وقتٍ لاحق اكتشف باني ما يعنيه هذا الأمر. فقد كان لدى الفلاحين طريقة للحفاظ على هدوئهم أثناء تقدُّم قوات التحالف، ثم الانقضاض من خلف خطوطهم ليُجبروهم على التراجع. وكانت الدعاية البلشفية في غاية القوة؛ حيث كانت تعمل في أرخانجيلسك، وعلى طول الجبهة الغربية من بحر البلطيق إلى شبه جزيرة القرم، وفي جميع أنحاء سيبيريا؛ ولذلك لم يدُم أي نصر على الإطلاق. قطع الأدميرال كولتشاك المسافة عبر سيبيريا كلها، ووصل الجنرال دينيكين في أوكرانيا إلى مسافة مائة وخمسة وعشرين ميلًا من موسكو، لكن لم يسفر كل ذلك عن شيء.

ثم، مع تحول الصيف إلى خريف، والخريف إلى شتاء، بدأ يحدث شيءٌ أكثر رعبًا. بدأَت جيوش القوى العظمى تظهر عليها علامات الاستسلام لسم الدعاية القاتل! كانت تلك الجيوش وقتئذٍ في الشتاء الثاني منذ الهدنة، وظن الجنود أن الحرب قد انتهت، إذن فلماذا لا يستطيعون العودة إلى ديارهم؟ بدأَ أسوأ نبوءات إلدون بورديك يتحقق فجأة. وانتفض بحارة الأسطول الفرنسي في البحر الأسود، وأطاحوا بضباطهم واستولوا على عدة بوارجَ قتالية! ورفضَت القوات الألمانية استعادة احترامها من خلال قمع الحركة البلشفية من أجل الحلفاء! ورفَض الجنود البريطانيون في فولكستون الصعود على متن السفن التي كانت ستأخذهم إلى أرخانجيلسك!

كان الأمر الأكثر فظاعة على الإطلاق هو حدوث تمرد في الجيش الأمريكي! كان ذلك هو التمرُّد الأول في تاريخ الولايات المتحدة كله! فقد نُقل الحطابون والمزارعون الشباب من ميشيجان إلى هناك أسفل الدائرة القطبية الشمالية، ووُضعوا تحت إمرة ضباطٍ بريطانيين، وأُمروا بالخروج لإطلاق النار على العمال الروس الجوعى ذوي الملابس البالية في درجة حرارة خمسين تحت الصفر، لكن هؤلاء الفتيان ألقَوا أسلحتهم! وتكتَّمَت الصحف هذه الحقائق، لكنها انتشرَت في الدوائر العليا للجيش والدبلوماسية العالمية، والمباني الإدارية؛ حيث كان النبلاء والسيدات الوطنيات يخططون لمستقبل العالم!

في شهر أكتوبر، بذل الحلفاء آخر جهودهم العسكرية. وطلبوا من الجنرال يودنيتش الموالي للقيصر الاستيلاء على بتروجراد، وأمدُّوه بجميع الإمدادات التي يمكنه استخدامها، وقواتٍ من العديد من الدول، وتقدم مسافة أميالٍ قليلة من المدينة، مما اضطر السوفييت إلى نقل عاصمتهم إلى موسكو. لكنَّ الشيوعيين الذين كانوا يعانون من الجوع والملابس الرثة أجبَروا أعداءهم على التقهقُر، وشرعَت الدعاية البلشفية في إحداث ثورة في المجر وثورةٍ أخرى في بافاريا!

أيضًا بدأ يظهر في الوطن دلالاتٌ على ما كان يحدُث. فعلى الرغم من كل عمليات المداهمة والسجن والترحيل، لم يكن بالإمكان منع أعدادٍ كبيرة من الناس من أن تقول علنًا وجهرًا إنه لم يكُن من حقِّنا شن حربٍ على شعبٍ مسالم. وزاد الاستياء من خطة إبقاء جنودنا في الخارج بعد انتهاء الحرب. واستمر تداول الصحف والمجلات «الراديكالية»، وبأي حال من الأحوال، لم يكن من الممكن منع التجمُّعات الجماهيرية في المدن الكبرى.

لم يكن من الصعب جدًّا جَعْل أي احتجاجٍ فعَّالًا، بسبب الظروف الغريبة التي كانت الحكومة قد وقعَت فيها. ولذلك انطلَق الرئيس في جولة لإقناع الناس بضرورة رضاهم عن التسوية السلمية. وجاء إلى إنجِل سيتي، وذهب الأب وباني لسماعه، في قاعةٍ واسعة حيث نُظم عشرة آلاف شخص، وتلقَّوا تعليمات بالوقوف والجلوس، والهتاف عند رؤية الإشارة، كل ذلك بوقارٍ شديد، تمامًا مثل حفلات الملوك. كان صوت الرجل العظيم متوترًا، وكان وجهه محمرًّا بشكلٍ بغيض، وحُجَجه واهنة مثل مظهره. بعد أيامٍ قليلة وردَت أنباءٌ تفيد بأن حالته الصحية قد ساءت، ونُقل بسرعة إلى واشنطن؛ حيث أصيب بسكتةٍ دماغية. وكان الآن يرقد عاجزًا، قعيدًا شبهَ واعٍ، وتولى حكم البلاد ثلاثيٌّ غريب؛ سكرتير خاص كاثوليكي، وطبيب في الجيش، وواحدة من أكثر سيدات مجتمع واشنطن أناقة.

لكن في مكانٍ ما، ربما في مجلس الوزراء، كان هناك قَدرٌ قليل من الذكاء تمكَّنوا من خلاله من إدراك المخاطر المتزايدة في الخارج والداخل. وفي وقت عيد الميلاد، أثناء وجود باني في بارادايس، لصيد السُّمَانى ومشاهدة تقدُّم روس كونسوليديتد، خرج ذات صباح للحاق بالسيارة الفورد التي كانت تجلب البريد إلى المنطقة. وحصَل على جريدته الصباحية وفتحها، وظهر في الصفحة الأولى تقرير من واشنطن يعلن أن سلطات الجيش قد قرَّرَت أنه لم يعُد ضروريًّا لها تولي إدارة السكك الحديدية العابرة لسيبيريا، وأننا سنترك هذه المسئولية لليابانيين، ونعود إلى الوطن. صاح باني واندفع إلى المنزل مناديًا روث. «بول سيعود! بول سيعود!» وبعدها كان عليه أن يركض بسرعة ليمسك بها من ذراعها ليسندها ويساعدها على الجلوس!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤