الفصل الحادي والعشرون

شهر العسل

١

كان باني يبحث عن موقع لإنشاء كلية العمال. وهي مهمةٌ أكثر إمتاعًا بكثير من البحث عن الأراضي النفطية؛ إذ يمكنك أن تُولي المناظر الطبيعية، والغابات والتلال، والأشياء الأخرى التي تهمك حقًّا بعضَ الاهتمام؛ علاوةً على ذلك، فإن الأمر لم يكن مقامرة؛ لأنه يمكنك التحقق فعليًّا من توافُر إمدادات المياه وإجراء تحليلٍ كيميائيٍّ للتربة. وقد تطلَّب ذلك رحلاتٍ طويلةً في الريف، وبما أن رايتشل ستكون واحدةً من القادة، فكان من المنطقي أن تُرافقَه. كان لديهما متسعٌ من الوقت ليتجاذبا أطراف الحديث، مع توافر مواضيعَ كثيرةٍ للتحدُّث فيها؛ إذ إنهما سيكونان مسئولَين عن مجموعةٍ من الشباب والشابات الراديكاليين من مختلف الأعمار، على مدار الساعة.

كانا قد زارا بعض المواقع، وكان هناك موقعٌ آخرُ أكثر بُعدًا عن المدينة، فقال باني: «إذا ذهبنا إلى هذا المكان، فسنعود إلى المنزل في وقتٍ متأخر.» فأجابت رايتشل: «في هذه الحالة يمكننا قضاءُ الليل في أحد الفنادق ومواصلةُ العمل في الصباح.» قال باني: «قد يكون هذا مدعاةً للقيل والقال.» ولكن رايتشل قالت إنها لا تكترثُ للقيل والقال.

توجَّها إلى الموقع الجديد. وكان قريبًا من قرية تُسمى ماونت هوب (أي جبل الأمل) وتقع في وادٍ صغير؛ حيث تمتد الأراضي المزروعة إلى أعلى سُفوح ستة تلال. كان ذلك في أوائل نوفمبر، وكانت الأمطار قد هطلَت، ونبتَت الحبوبُ الجديدة، فشكَّلَت أسطحًا متموجةً جميلةً وكأنها عضلاتُ عمالقةٍ عِظام، مستلقين على الأرض ووجوهُهم لأسفل، ذوي جلودٍ خضراءَ برَّاقةٍ لا مثيل لنعومتها. كانت هناك بساتينُ ومياهٌ ارتوازية ومحطةُ ضخٍّ ومزرعةٌ صغيرة، وبدا أن السكان قد ذهبوا إلى البلدة، مما سمح للزوار بالتجوُّل ومعاينة الموقع على أمل اكتشاف موقعٍ مناسب؛ حظيرة غير تقليدية مطلية بطلاءٍ أحمرَ برَّاقٍ مذهل! قالت رايتشل: «رائع، هذا هو مكانُ الاجتماعاتِ يا باني، كل شيءٍ جاهز! نحتاج فقط إلى تركيب أرضية، ويمكننا أن نرقُص في ليلة الافتتاح!» تخيَّل أن رايتشل تفكِّر في الرقص!

صَعِدا أحد التلال، وكان هناك متنزَّهٌ مليءٌ بأشجار البلوط الحي الداكن والجميز ذي اللون الرمادي الفاتح، وكانت الأرض مغطاةً بالعشب النابت حديثًا. امتد الوادي باتجاه الغرب، وكانت الشمس قد غربَت للتو، لتطلي السماء بألوانٍ ذهبيةٍ برَّاقة، وكانت طيور السُّمَانى تُصدِر نداءاتها الأخيرة، فانتاب باني شعورٌ عميقٌ بالوحدة؛ لأن طائر السُّمَانى كان يُذكِّره بأبيه، وتلال بارادايس الجميلة، وحُلمه بالسعادة التي ذهبَت أدراج الرياح.

الآن كانت رايتشل هي التي تحلُم. وقالت: «أوه، هذا جميلٌ جدًّا يا باني! إنه بالضبط ما نحتاجه! كلية ماونت هوب؛ ما كنا لنجد اسمًا أفضل من ذلك!»

فضحك باني. وقال: «لسنا بحاجة لشراء اسم. لكننا بحاجةٍ لأن نجمع عيناتٍ من التربة.»

«كم هكتارًا تريد؟»

«ستمائة وأربعين، منها ما يزيد قليلًا عن مائةِ فدانٍ مزروعة. وهذا أكثر مما سنكون قادرين على إدارته لفترةٍ طويلة.»

«وثمنها ثمانية وستون ألفًا فقط! تلك صفقةٌ رابحة!» لقد تعلَّمَت رايتشل التفكير على نطاقٍ واسعٍ مثل باني؛ إذ إنها سافرَت معه في جميع أنحاء الولاية بسيارته السريعة؛ لتتفقَّد الأماكن المخصَّصة لأصحابِ الملايين ومُطوِّري العقارات الفاخرة.

قال باني: «السعر معقول، إذا كنا متأكدين من جودة التربة وتوافُر المياه.»

«يمكنكَ معاينةُ حالةِ المحاصيل قبل حلول الظلام.»

«ربما يمكنُني ذلك. سنعود في الصباح ونتحدث إلى القائم على المزرعة. ربما يكون مستأجِرًا ويُقدِّم لنا معلوماتٍ صادقة.» لم يكن قضاء باني صباه في شراء الأراضي مع والده المسن الذكي قد ذهب هباءً!

٢

غَطَّى الشفقُ واديَ الأحلام الجديدة هذا، وبدت التلالُ البعيدة كأنها ظلالٌ أرجوانية. قال باني: «ثمَّة شيءٌ واحدٌ يقلقني الآن بشأن خطتنا: أخشى أن تحدُث فضيحة.»

«ماذا تقصد؟»

«سأكون أنا وأنتِ معًا طَوالَ الوقت، وسنختفي عن الأعين في الليل.»

«أوه، هذا سخفٌ يا باني!»

«لا، حقًّا، أنا قَلِق. لقد أخبرتُ بيتر نيجل أننا يجب أن نلتزم بالمعايير المُحافِظة، وهذه بدايةٌ خاطئة. إن عمتي إيما تمثِّل تلك المعايير، وهي لن توافقَ أبدًا على ذلك، ولن توافقَ والدتُكِ أيضًا. لذا، يجب علينا أن نتزوَّج.»

قالت رايتشل: «أوه، باني!» كانت تُمْعِن النظر فيه، لكن الظلام كان حالكًا فلم تتمكَّن من رؤية أي لمعانٍ في عينَيه. وتابعَت: «هل تمزح؟»

قال: «هل ستُكلفين نفسكِ هذا القَدْر الكبير من العناء للحفاظ على السمعة الطيبة لمؤسَّستنا يا رايتشل؟»

واقترب منها خطوة، فتلعثمَت قائلة: «لا يمكن أن تكون جادًّا يا باني!»

«ليس ثمة سبيلٌ آخر، حقًّا.»

«باني، لا!»

«ولمَ لا؟»

«لأنك لن تحبَّ أن تتزوج من فتاةٍ يهودية!»

«يا إلهي!»

«لا تُسِئ فهمي؛ فأنا فخورةٌ بعِرقي. ولكن كل أصدقائك سيرَونَ أن ذلك كان خطأً.»

«أتقولين أصدقائي يا رايتشل؟ ومن هم أصدقائي، باستثناء أولئك المنتمين إلى الحركة الراديكالية؟ وما قيمة الحركة الراديكالية بدون اليهود؟»

«لكن يا باني، أختك!»

«أختي ليست صديقتي. كما أنها لم تطلُب رأيي عندما اختارت زوجَها.»

وقفَت رايتشل وهي تشبِّك أصابعها معًا باضطراب. وقالت: «أتقول كلامك هذا باندفاع ودون سابق تفكير؟ يا باني؟»

«حسنًا، أظن أنه اندفاعٌ بدون سابق تفكير. يبدو أنني بحاجةٍ لأبوح بما يجول في صدري. إنه اندفاعٌ بلا تفكير لطالما راودني عدة مرات.»

«ولن تندم على ذلك؟»

فضحك. وقال: «هذا يتوقف على الإجابة التي سأسمعُها منك.»

«توقَّف عن المزاح من فضلك، أنت تُخيفني. لا أستطيع أن أسمحَ لك بارتكابِ مثل هذا الخطأ. إنه أمرٌ جادٌّ للغاية!»

«ولماذا تنظرين للأمر بهذه الطريقة؟»

«لا أستطيع أن أنظر له بطريقةٍ أخرى؛ فأنت لا تعرف كيف تشعُر المرأة. لا أريدك أن تُقْدِم على شيء من منطلق الشهامة وبلا سابق تفكير، ثم تشعر أنك مُقيَّد، ولن تكون سعيدًا. لا ينبغي عليك أن تتزوَّج فتاةً كانت تعمل في المصانع.»

«يا إلهي، لقد كان والدي سائقَ بغالٍ يا رايتشل.»

«هذا صحيح، لكنك أنجلوسكسوني، وفي الماضي كان أسلافك فخورين بأنفسهم. يجب أن تتزوَّج من امرأةٍ هيفاءَ وشقراء، ستظل محتفظةً بجمالها طيلةَ حياتها ويتناسب شكلُها مع تجمُّعات المجتمع الراقي. إن النساء اليهوديات يُنجِبن طفلَين أو ثلاثة، ثم يزددْنَ وزنًا، ولن تجدني جذابةً حينئذٍ.»

فانفجر باني بالضحك من قولها. وقال: «لقد حضرتُ حفلاتِ زفافِ بعضٍ من هؤلاء النساء الأنجلوسكسونيات الشقراوات الفارعات الطول، وسمعتُ الكاهن يقول بجديةٍ شديدة: «في هذا الجمع المقدس، أتى الشخصان اللذان أمامنا الآن ليتزوجا. فإذا كان لدى أي شخصٍ سببٌ وجيه يمنع زواجهما بشكلٍ قانوني، فليتكلم الآن أو يصمُت إلى الأبد».»

فقالت متوسلة: «أنا أحاول أن أكون واقعيةً يا باني!»

«حسنًا يا عزيزتي، إذا كنتِ تريدين التحدُّث بجديةٍ فأريد أن أخبركِ أنه لم يحدث أن أحببتُ امرأةً شقراءَ من قبلُ. فالمرأتان اللتان اخترتُ أن أعيش معهما كانت بشرتُهما داكنة، مثلكِ تمامًا. ربما هذه هي طريقة الطبيعة في الجمع بين المتناقضات. أظن أنكِ سمعتِ عن علاقتي بفِي تريسي، أليس كذلك؟»

«بلى.»

«حسنًا، لقد كانت ذات جمال ولا شك، وستحتفظ به؛ فطبيعة عملها تعتمد عليه. لكن كما ترين، لم يُفِدني ذلك بأي شيء؛ إذ إنها تركَتْني من أجل أميرٍ روماني.»

«لماذا يا باني؟»

«لأنني رفضتُ التخلِّي عن الحركة الراديكالية.»

«أوه، كم كنتُ أكره تلك المرأة!»

وكان هناك بعضُ التأثُّر في صوت رايتشل الذي عادةً ما يكون هادئًا، فأصاب باني الفضول. وسألها: «هل كنتِ تكرهينها حقًّا؟»

«كان يمكن أن أخنُقها.»

«لأنها تعدَّت عليكِ بالضرب؟»

«لا! لأنني كنتُ أعلم أنها كانت تُحاوِل إبعادك عن الحركة، وكنتُ متأكدةً من أنها ستنجح في ذلك. فلديها كلُّ ما كنتُ أفتقر إليه.»

بدأ باني يفكر؛ يا إلهي، كان الأمر غريبًا! لقد أدركَت فِي ذلك، أما هو فلا! أوه، يا لغرابة النساء! وجهرًا قال بتهذيب: «لا، لم يكن لديها كلُّ شيء.»

«وما الذي أملكُه أنا يا باني؟ ماذا أعني لك؟»

«سأخبرك، لقد سئمتُ جدًّا من الجدال المستمر. لا يمكنكِ أن تتخيَّلي، حياتي كلها، منذ أن بدأتُ أتخذ قراراتي، كانت عبارةً عن خلافٍ مع الأشخاص الذين أحبوني، أو ظنوا أن لديهم الحق في توجيهي. لا يمكنكِ تخيُّل السلام الذي أشعُر به عندما أفكِّر في أن أكون معكِ؛ إنه يشبه شعور الجلوس وسط وسائدَ ناعمة ومريحة. لقد تردَّدتُ في أن أفصِح لكِ عما يجول بصدري لأنني، بالطبع، لستُ فخورًا جدًّا بتجربتي مع فِي تريسي، ولم أكن أعرف ما إذا كنتِ ستقبلين برجلٍ مَرَّ بعلاقةٍ فاشلة، أو بالأحرى علاقتَين؛ لأنني كنتُ قد ارتبطتُ بفتاة خلال سنوات الدراسة الثانوية. أنا أشارككِ عيوبي، حتى لا تشعُري بقلة الثقة حيال موضوع زيادة الوزن!»

«ليس لي شأن بالنساء الأخريات يا باني؛ فهن سيطاردنك دائمًا بالطبع. لقد انفطر قلبي بسبب الآنسة تريسي؛ لأنني كنت أعلم أنها امرأةٌ أنانية، وكنتُ أخشى أن تدرك ذلك بعد فوات الأوان وتُحبَط. على الأقل، أقنعتُ نفسي أن هذا هو سببُ كرهي لها، لكني أظن أن الحقيقة هي أنني كنتُ أشعُر بالغَيرة تجاهها فحسب.»

«لماذا يا رايتشل! أتعنين أنكِ تُحبينني؟»

«لا تستطيع أي امرأةٍ أن تقاوم حبك! السؤال الحقيقي هو هل تُحبني؟»

«نعم أحبك، أحبك حقًّا!»

«لكن يا باني …» كانت هناك رجفةٌ طفيفةٌ في صوتها. «أنت لا تعبِّر عن ذلك!»

وعندئذٍ أدرك باني أنه كان يُهدِر الكثير من الوقت! لم يكن عليه سوى أن يأخذ خطوةً أخرى، ويضَع ذراعَيه حولها، وها هي تبكي على كتفه، كما لو أن قلبها سينفطر. وقالت: «أوه، باني! باني! هل يمكنني تصديقُ ذلك؟»

بدأ باني في تقبيلها ليجعلها تُصدِّق. لقد كانت دائمًا شابَّة هادئة ورزينة، شأنها شأن أي مديرةٍ في مكتب، وكان باني يجلُّها، لكنه اكتشف الآن أنها لا تختلف عن النساء الأخريات اللاتي أحببْنَه، وحالما أدركَت أنها تستطيع التعبير عن مشاعرها، وأن ذلك لم يكن خطأً أو فكرةً مجنونة، ها هي متمسكةٌ به بسعادة، تضحك وتبكي في الوقت نفسه. وبينما كان يُقبِّلها، تذكَّر شجاعتَها وإخلاصَها وصدقَها؛ إنَّ جَعْل فتاةٍ مثلها سعيدةً يستحقُّ كل هذا العناء! إنَّ مزج الحب بتلك المشاعر الأخرى جعلَه يشعر بالأمان! لقد كانت عاطفيةً بقَدْر يونيس أو فِي، ولم تكن أكثر رزانةً أو تحفظًا بأي قَدْر! همسَت في أذنه في الظلام: «أوه، أحبك كثيرًا يا باني! أحبك كثيرًا!» وكان عناقُها يعبِّر أكثر مما تعبِّر عنه الكلمات.

قال باني بضحكةٍ سعيدةٍ مقتضبة: «عزيزتي رايتشل! إذا كان هذا هو شعوركِ فلنذهب إلى قسٍّ أو مؤدِّي مراسمِ عقودِ الزواج.»

فأجابَت: «ما هذا السخف يا باني! أنا أريد أن أتأكد من أنك تُحبُّني وأن بإمكاني أن أحبَّك. ما أهمية القس أو مؤدي مراسم عقود الزواج؟»

فضمَّها أكثر إلى صدره، والتصقَت شفاهُهما في قبلةٍ طويلة. وكلما حاولَت التحدث والتعبير عن المزيد من الشكوك، كان يُسكِتها، كان يجد سبيلًا لإقناعها! وما هو المكان الأفضل لحبهما من هذا البستان الغامض، المكان الذي سيحتضن مساعيَهما المستقبلية؟ نعم، سيحتاجان إلى شراء هذه المزرعة الآن، بغَض النظر عن أي عيوب في التربة! سيكون لهذا المكان سِحرُه الخاص، وفي السنوات القادمة، بينما يكون الشباب يستمتعون بألعابهم واحتفالاتهم في هذا البستان، سيُشاهِدهم باني ورايتشل بإثارةٍ خفية. ألم تُقَم الطقوسُ الغامضة، ويتم تبادُل الوعود، واستدعاءُ القوات المقدَّسة في بساتين البلوط القديمة!

٣

وفي صباح اليوم التالي، وجدا مؤديَ مراسمِ عقودِ الزواج، وبعد ذلك أتمَّا فحصَ المزرعة، وعادا إلى إنجِل سيتي لتجهيز الدفعة الأولية من ثمن المزرعة. وبعد ذلك أعلنا بحماسٍ خبرَ زواجِهما لأصدقائهما، وأكَّدا أن الزواج تم لمصلحة الكلية بالطبع، ولتجنُّب أي فضائحَ في وسائل الإعلام المُحافظة!

ذهب باني لمقابلة روث وإخبارها؛ ومن الغريب أن ذلك كان يُشعِره بالخجل. فقد جعلَته بيرتي وفِي يظن أن روث كانت تُحبه طوال السنوات العشر الماضية، والآن، كانت رايتشل متأكدةً من ذلك، وقد أثبتَت هؤلاء النساء أنهن دائمًا على حقٍّ فيما يعتقد بعضُهن بشأن بعضهن! وأيضًا، ثمَّة حقيقةٌ لم يكن قد أخبر بها رايتشل؛ لقد قضى وقتًا في طريق العودة من باريس يفكِّر إذا كانت رايتشل أم روث هي من سيطلُب منها الزواج! لقد كان يُكِن محبةً عميقةً تجاه روث، مثل ما كانت تُظهِره له من حبٍّ هادئ. ولكن المشكلة كانت تكمُن في بول. كانت روث شديدةَ الارتباط بأخيها، وهذا يعني ارتباطها بالحركة الشيوعية؛ لذلك، كان على باني أن يفكِّر في هذا الأمر مليًّا.

فعاجلًا أم آجلًا، كان لا بدَّ من اتخاذ قرار بالانضمام إلى أيٍّ من الفريقَين. هل ستعمل على الإطاحة بالرأسمالية من خلال التصويت، أم من خلال ممارسة «العمل المباشر»؟ لقد أدرك باني ذلك بوضوح؛ فالقرار النهائي كان في يد الطبقة الرأسمالية. لقد كانت الطبقة الرأسمالية تستعد للحرب المقبلة، وكان هذا يعني صعودَ البلشفية في جميع الدول المتحاربة في نهاية الحرب، إن لم يكن في بدايتها. سيسعى الاشتراكيون جاهدين لمنع هذه الحرب، وإذا فشلوا، فإن نهج بول سوف يسود من خلال الأممية الثالثة. لكن في الوقت الحالي، كانت طبيعة باني تجعله يميل نحو الاشتراكيين. ولم يكن بوسعه أن يدعو إلى العنف! وإذا حدث أي عنف، فلا بد أن يبدأ من الفريق الآخر!

وأيًّا كان تفكيرُ روث أو شعورُها عند سماعها خبرَ زواجه، فإنها لم تُظهِر سوى السرور. وقالت إنها توقَّعَت ذلك؛ فرايتشل فتاةٌ ممتازةٌ تتفق مع معتقداته، وهذا أهم شيء. وبعد ذلك، أبلغَتْه أنه من المتوقع أن يعود بول في اليوم التالي، وكان من المقرَّر أن يُلقيَ كلمةً في أحد الاجتماعات، وقد رتَّب مؤيدوه بلباقة له أن يتحدث في مقر اجتماع العمال، وستكون لديه فرصةٌ لإخبار العمال بما رآه في روسيا. ويجب أن يأتيَ باني ورايتشل ويستمعا إليه، فأكَّد باني أنهما سيحضران.

كان هذا يوم الأحد الذي سبق يوم الانتخابات مباشرة، الذي كان اليوم الختامي لحملةٍ سياسيةٍ طويلة. وكان العمال قد تلقَّوا أعدادًا لا حصر لها من المناشدات للحصول على أصواتهم، لكن في خِضَم ذلك، حدث شيءٌ مختلف وأكثر أهميةً من أي أمورٍ انتخابية. فعلى الرغم من معارضة قادة العمال، كان من المستحيل على العمال أنفسهم تجاهُل المعجزة المُلهِمة التي تحدث في الجانب الآخر من العالم، المتمثِّلة في إمبراطوريةٍ شاسعةٍ يحكمها العمال، ويضعون فيها قوانينهم الخاصة ويفرضون ثقافتهم الخاصة. كان بول قد عاد للتوِّ من هذه الأجواء، ورسم صورةً حيةً بكلماته، حتى إنه جعلك ترى ما كان يتكلم عنه؛ الجيش الأحمر، والمدارس الحمراء، والصحف الحمراء، والإرهاب الأبيض، والصمود في مواجهة الحصار الرأسمالي على مسافة عشرة آلاف ميل.

كان غضب الصحف الرأسمالية في اليوم التالي هائلًا! فهي لم تكتب عن الاجتماع، لكنها انتقدَته كثيرًا وعبَّرَت عن غضبها في مقالاتها. إن أنصار لافوليت الحمر سيئون بما يكفي، لكنهم الآن مزعجون للغاية؛ فكيف يُسمح لشخصٍ يُعرف عنه دعمُه لموسكو، وكان قد طُرد من فرنسا، أن يعقد اجتماعًا في إنجِل سيتي وتشجيع العمال النقابيين على إثارة الشغب والتمرد! لماذا لم تفعل شرطتُنا أي شيء؟ أين كانت مجموعاتُنا الوطنية والفيلقُ الأمريكي والمنظماتُ الأخرى التي تحافظ على القانون والنظام؟

اتصل باني بروث في صباح اليوم التالي؛ أراد مقابلة بول والتحدُّث معه بخصوص الكلية التي يخطِّط لإنشائها. فأخبرته روث أن بول ذهب إلى الميناء ليتحدث في اجتماعات الملَّاحين. فقد قام هؤلاء الرجال بإضرابٍ كبيرٍ أثناء غياب باني في خارج البلاد، وتعرَّفوا على كيفية عمل الحكومة في ظل الرأسمالية. وتم القبض على حوالَي ستمائةٍ منهم لمجرد القيام بمسيرة والغناء في الشوارع، وتم احتجازُهم في أماكنَ مغلقةٍ دون تهويةٍ مناسبةٍ وذلك لإسكاتهم. وحُكم على عشرين من قادتهم بالسجن لمدة عشر سنواتٍ أو عشرين سنةً بتهمة «إنشاء نقابة إجرامية»؛ لذلك سيكون بقيةُ العمال أكثر تقبلًا لسماعِ الأفكار الشيوعية، وفهمِ الحاجة إلى تحدي النظام الرأسمالي. كانت هناك حفلةٌ في تلك الليلة في قاعة «اتحاد عمال الصناعة في العالم» في الميناء، وستكون هناك موسيقى ووجباتٌ خفيفة، واعتقد بول أنها ستكون فرصةً جيدةً للقاء القادة. فقال باني إنه ورايتشل سيذهبان إلى بيتش سيتي، وقد يأتيان إلى الحفلة ويصطحبان بول معهما في طريق العودة.

٤

كان باني قد رضَخ لإلحاح شقيقته بالمساعدة في الشئون المتعلقة بالتركة بطريقةٍ واحدةٍ على الأقل، وهي فحص التقارير التي قدَّمها فيرنون روسكو بخصوص حقل النفط في بروسبكت هيل. فقد ادَّعى فيرن أن أكثر من نصف الآبار معطَّلة، وشكَّت بيرتي في أنه يحاول خداعهما مرةً أخرى. لم تكن بيرتي تستطيع التمييز بين بئر النفط المعطَّلة وبين حظيرة الدجاج، لكن باني كان يملكُ الخبرة اللازمة، ألا يستطيع زيارة الموقع والتحقيق قليلًا لجمع معلوماتٍ من متخصِّصين آخرين في مجال النفط حول الحقل وإمكاناته؟ أخذ باني رايتشل معه؛ فهي بالطبع ستذهب مع زوجها الجديد إلى أي مكان. وكانا قد عيَّنا أحد شباب رابطة الاتحاد الاشتراكي الأكبر سنًّا مشرفًا على مكتب المجلة، بينما شغلَت رايتشل منصبَي المدير ورئيس التحرير، مما منحها قدْرًا كبيرًا من السلطة والأهمية. كان باني يقود سيارته بذراعٍ واحدةٍ مرةً أخرى، وكانت السيارة مائلةً إلى أحد جانبَيها، وشعَرَت رايتشل بالقلق عندما قاد سيارته بسرعة؛ لأن اللحظات الرائعة مثل هذه تثير حسد الآلهة.

لم يكن قد سبق لرايتشل أن رأت حقلَ نفطٍ من مسافةٍ قريبة. لذلك أخذها باني إلى «البئر المكتشَفة حديثًا»، وأخبرها كيف فقد السيد كولفر السمع في أذنَيه، وهو يحاول إيقاف التدفق برأسه. وأراها البئر الأولى التي حفَرها الأب، التي ساعد باني في استمرار تدفُّق الطين فيها. وهكذا بدأ الأب في جمع ثروته الكبيرة؛ لقد أصبح ثريًّا هو وربما الكثير من الأشخاص الآخرين، ولتحقيق التوازُن في ذلك، كان هناك عدة آلافٍ من الناس في بيتش سيتي مثقلين بالرهون العقارية على منازلهم، مما يعكس الخسائر التي تكبَّدوها من شراء هذه «الوحدات». كانت تلك هي الطريقة التي جُني بها معظم الأموال في بروسبكت هيل، عن طريق بيع الورق بدلًا من النفط. فالحقيقة هي، كما ذكر بول، أن الأموال المُستثمَرة في التنقيب عن النفط كانت أكثر من تلك المكتسَبة منه. لقد كانت تُوجَد هنا كمياتٌ هائلة من النفط، التي لو كانت قد استُخرِجَت بحكمة، لكان من الممكن أن تستمر ثلاثين عامًا، ولكن في الوقت الحالي، تُستخدم الآلات في الحقل بأكمله لاستخراج النفط، وتُنتِج مئات الآبار كميةً صغيرةً جدًّا مما يجعل تشغيلَها غير مربح. ولم يتم الحفاظ سوى على سدس كمية النفط، في حين تم إهدار خمسة أسداس!

كانت تلك هي «المنافسة» المباركة التي كانوا يعلمون الناس في دروس الاقتصاد أن يسعَوا إليها! ومن جانبٍ آخر، فهناك أيضًا الإحصائيات المخيفة التي تشير إلى أنه من بين آلاف الرجال الذين عملوا هنا، لقيَ ثلاثة وسبعون من كل مائةٍ حتفَهم أو أُصيبوا بجروحٍ خطيرةٍ خلال السنوات القليلة من بَدْء العمل بالحقل! لقد كان صحيحًا حرفيًّا أن الصناعة في ظل الرأسمالية كانت حربًا عالميةً مشتعلةً طوال الوقت، ولكن لا تلتفت إليها الصحف.

فحص باني آبار روس، ولم يكن بإمكانه «التطفُّل»؛ لأن بعض العمال القدامى كانوا يعرفونه، وجاءوا لتحيته. فتحدَّث باني مع عدد من الرجال، وتطابقَت تقاريرهم مع تقارير فيرن. وبعد ذلك، في المساء، بينما كان هو ورايتشل يستعدان للمغادرة، وصلا إلى منزلٍ من طابقٍ واحد، متهالكٍ ومهجورٍ ولونُه أسودُ بسبب بقع الزيت ورمادي بسبب الغبار، وبه مُستودَع تخزين في الفِناء الخلفي، ورافعةٌ على بُعد عشر أقدام في قطعة الأرض المجاورة، وعلى الجانب الآخر كانت تُوجَد سقيفةٌ تحتوي على محرك رافعةٍ أخرى. توقَّف باني، وقرأ الرقم على واجهة المنزل، ٥٧٤٦ جادَّة لوس روبلس. «هنا تعيش السيدة جرورتي! عمة بول، في ذلك المنزل عُقد الاجتماع بشأن عقد الإيجار، وقد سمعتُ صوت بول لأول مرة من خلال النافذة التي هناك!»

وروى باني ما حدث في تلك الليلة واصفًا الشخصيات وكيف تصرف كلٌّ منهم. قال بول إنه كان نزاعًا بسيطًا حول النفط، وكانت الحرب العالمية صراعًا كبيرًا حول النفط، وكانا متماثلَين تمامًا. وبينما كانا يتحدثان، فُتح الباب، وظهرَت امرأةٌ بدينةٌ ذات وجهٍ أحمرَ ترتدي جلبابًا قذرًا، فقال باني في تعجُّب: «ها هي السيدة جرورتي!» حيَّاها قائلًا: «مرحبًا يا سيدة جرورتي!» كانت قد مضت سنواتٌ كثيرةٌ منذ أن رأته آخر مرة؛ لذا كان عليه أن يخبرها من هو؛ فقد كبر ذلك الصبيُّ الصغيرُ وأصبحَت لديه زوجة، حسنًا، حسنًا، هل تُصدِّقين، يمُر الوقت سريعًا حقًّا! إذن فقد تُوفي السيد روس، كان زوج السيدة جرورتي قد قرأ هذا الخبر الحزين في الجريدة. لقد علمَت أنه يجب أن يكون ثريًّا جدًّا؛ لذا شعَرَت بسعادةٍ غامرةٍ بهذه الزيارة، ودعَتْهما للدخول، ولكنها كانت في حالةٍ من الارتباك لأن منزلها لم يكن منظمًا.

دخل باني ورايتشل إلى المنزل؛ إذ أراد باني أن ترى رايتشل الدرَج الغريبَ في منزل السيدة جرورتي، ليضحكا عليه لاحقًا، فلن تُلاحِظ رايتشل أي شيءٍ غير عادي، وستعتقد أن الدرَج يؤدي إلى طابقٍ ثانٍ، في المنزل ذي الطابق الواحد! بدت الغرفة كما هي، على الرغم من أنها بدت أصغر حجمًا وذهب بريقها. وها هي النافذة التي كان باني يقف عندها أثناء الاستماع إلى صوت بول الخافت. يا إلهي، إن كتاب «دليل السيدات، الكُتيب العملي للأرستقراطية» لا يزال موضوعًا على الطاولة في منتصف الغرفة، وأصبح غِلافُه ذو اللونَين الذهبي والأزرق باهتًا وعليه بقعٌ صغيرة. وبجانب الكتاب كانت تُوجَد مجموعةٌ كبيرةٌ مما يبدو أنها أوراقٌ قانونية، ارتفاعُها ثماني بوصاتٍ على الأقل، مجمعة معًا بأشرطة وختم. فلاحظَت السيدة جرورتي نظرةَ باني للأوراق، أو ربما كانت تشعُر بالاحتياج لشخصٍ تبوح له بما يؤرِّقها. قالت: «هذه هي الأوراق المتعلقة بقطعة الأرض الخاصة بنا. لقد استعدتُها للتو من المحامي؛ فهو يأخذ أموالنا ولا يفعل أي شيء.»

وهكذا بدأَت في الكلام، وظلَّت رايتشل تستمع وتعرف أكثر عن تاريخ النفط. لقد أبرمَت عائلة جرورتي اتفاقيةً مجتمعية، ثم انسحبَت منها ودخلَت في اتفاقية أصغر، ثم قامت بتأجير أرضها لصائدَي عقود الإيجار سليبر وويلكينز، اللذَين باعاها بعد ذلك لنقابة ما، وتعرَّضَت هذه النقابة للسرقة وأشهرَت إفلاسها، فاشترى رجلٌ، وَصَفَته السيدة جرورتي بأنه أحقرُ شخصٍ على الإطلاق، عقدَ الإيجار، وقد حصَل على العديد من الحقوق والامتيازات من الأرض، وفي الوقت الحالي، يُحاوِل الناس أخذ الأموال من عائلة جرورتي، على الرغم من أن العائلة لم تحصُل على أي أرباحٍ قط من البئر، وانظُر إلى الظروف المعيشية الصعبة التي تعيَّن عليهما أن يعيشا فيها طوال هذه السنوات!

كانت هناك مجموعةٌ ضخمةٌ من الأوراق التي تُوضِّح تفاصيلَ المعاملات المختلفة، وقد شملَت الاتفاقيات المجتمعية، وعقود الإيجار، والمخالصات، وسندات الإبراء، وإخطارات إلغاء عقود الإيجار، والرهون العقارية، ومبيعات الأسهم، ومطالبات المقاول القانونية، وإيصالات الضرائب، وإخطارات انتهاء الاتفاقيات، كانت المجموعة كبيرةً جدًّا، حوالي أربعمائة صفحةٍ مطبوعة، مكتوب فيها حوالي مليون ونصف كلمة، معظمُها عباراتٌ قانونيةٌ معقدة، مثل «الموقِّعون أدناه يوافقون على ذلك» و«في ضوء التفاصيل المنصوص عليها هنا» و«نظرًا لعدم قيام الطرف الأول بتنفيذ العمليات المذكورة في الموعد المذكور»، وما إلى ذلك، وهي عباراتٌ تجعلك تشعُر بالدوار بمجرد قلب الصفحة. وكانت كل هذه الأوراق ضروريةً لتسوية ملكية ما كان متوقعًا في البداية أن يكون عشرة آلاف برميل من النفط، ولكن تبيَّن أنه أقل من ألف برميل! هنا يمكنك أن ترى أين ذهبَت الأموال، لقد قضى العاملون ذوو المظهر الشاحب على الآلة الكاتبة أيامهم في المكاتب، يكتبون هذه الكلمات المعقَّدة وينسخونها، وقضى الموظفون ذوو المظهر الشاحب أيامهم في المكاتب يفحصون هذه البيانات ويُعيدون فحصها، أو يبحثون عنها، أو يُسجِّلونها؛ إذ ازداد بعض الرجال الأثرياء في إنجِل سيتي ثراءً من خلال توظيف الآلاف من الرجال والنساء الذين يعملون كالعبيد، وكانت مهمَّتهم حرفيًّا هي كتابة ملايين المستندات مثل هذه، وفحصها، وإعادة فحصها، والبحث عنها، وتسجيلها!

٥

تناول باني ورايتشل العشاء ثم تمشَّيا على حافة النهر؛ كانت واحدةً من تلك الليالي الدافئة التي يشهدها جنوب كاليفورنيا بين الفَينة والفَينة، ولمع القمر فوق صفحة المياه، وكان هناك جسرٌ طويل مُضاء بأنوارٍ برَّاقة، وكان عزف أوركسترا موسيقية يجتذب العشَّاق. فعند مدخل الجسر، كانت هناك قاعةٌ كبيرةٌ خاليةٌ تملكها المدينة تُقام بها حفلاتُ الرقص اللائقة، تحت إشراف الحكومة المتدينة بالمدينة. فدخل باني وزوجتُه إلى القاعة ورقصا، وكان من الجيد الاستمتاع بالرقص في هذا المكان الآمن والخاضع للإشراف، خاصةً خلال ما كان ينبغي أن يكون شهر العسل الخاص بهما!

لكن بين الرقصات، عندما توقفَت الموسيقى، هزَّ شيءٌ ما القاعة، ضربةٌ شديدةٌ ذات صوتٍ خافت، أشبه بصوت الرعد من مسافةٍ بعيدة، مما جعل النوافذ تهتزُّ والأقدام ترتجف. سألَت رايتشل في تعجُّب: «ما هذا؟ زلزال؟».

أجاب باني: «إنها المدافع.»

«مدافع؟» فكان عليه أن يشرح أن القوات البحرية كانت تتدرَّب. فقد كان هناك حوالي عشرين سفينةً حربيةً في الميناء، تستعد لمواجهة عدوٍّ غير مُسمًّى، والآن كان التدريب الليلي على إطلاق النار. يمكنك سماعُه بين الحين والآخر، في النهار والليل، إذا كنتَ تعيشُ بالقرب من الساحل.

وهكذا لم تعُد رايتشل قادرةً على الاستمتاع بالرقص. ففي كل مرة كانت تسمع فيها ذلك الانفجارَ العميق، كانت تتخيل جُثَث الشباب وهي تتقطع إرْبًا. كان الرأسماليون يستعدون لحربٍ أخرى، فلماذا كان الاشتراكيون الذين يعارضون الحروب يرقصون؟

مضَيا بالسيارة على الطريق بالقرب من الميناء. كان طول الطريق حوالي خمسة عشر إلى عشرين ميلًا، وتُوجَد على امتداده بلداتٌ وأرصفةٌ وجسورٌ وخطوطُ سككٍ حديدية ومصانع، وفي الداخل، كانت هناك أحياءٌ يعيش فيها العمال. لقد أصبح أحد الموانئ الرئيسية في العالم بسرعةٍ كبيرة، وشعر الأشخاصُ المسئولون عن التطوير، الذين يسيطرون على الأموال، بالقلق إزاء مشكلةٍ كبيرة، ما يُطلِقون عليه «العمل المباشر» أو «النقابات الإجرامية.»، وكان ﻟ «اتحاد عمال الصناعة في العالم» مقرٌّ يجتمع فيه أعضاؤه لمناقشة هذا البرنامج، وكان السادة يشنُّون عليه حربًا باستمرار.

كان العنوان الذي أعطَته روث لباني عبارةً عن شارعٍ مظلمٍ في حي يعيش فيه العمال. كان حجم القاعة معقولًا، وبها أضواءٌ في النوافذ، ويخرج منها صوت البيانو وغناء أحد الأطفال. وجد باني مكانًا خاليًا بين السيارات الواقفة على جانب الطريق، فأوقَف فيه السيارة وكان على وَشْك الخروج منها عندما جذبَتْه رايتشل من ذراعه. وصرخَت: «انتظر!» فقد اندفعَت مجموعةٌ من السيارات في الشارع، اثنتان جنبًا إلى جنب، وأغلقَت الطريق تمامًا، وقفز من السيارات حوالَي خمسين رجلًا يحملون أسلحةً مختلفة، مثل الهراوات والفئوس والمواسير الحديدية. واندفَعوا جميعًا نحو مدخل القاعة، وبعد لحظاتٍ توقَّفَت الموسيقى، وسُمع صوتُ صرخات، وتحطُّم زجاج، وضربات قوية.

صاح باني: «إنهم يهاجمونهم!» وهَمَّ بالركوض إلى القاعة، ولكن رايتشل أمسكَت به بشدة ومنعَتْه من الحركة. وصرخَت: «لا! لا! لا تتحرك! ماذا يمكنك أن تفعل؟»

«يا إلهي! علينا أن نفعل شيئًا!»

«ليس معك سلاح، ولا يمكنك إيقاف هذا العددِ الكبير! ما سيحدُث هو أنك ستُقتل! لذا لا تتحرك!»

كان الهَرْج والمَرْج داخل القاعة يتزايد؛ لا بد أن المكان كان مزدحمًا للغاية، وكان الجميع بالداخل يصرخون بأعلى صوت. وكان صوتُ الضربات مرعبًا لدرجة أنه من الصعب تحديدُ ما إذا كانت الضربات أصابت قِطعًا من الأثاث أم أجسادًا بشرية. وكاد باني يفقد عقله، وهو يُحاوِل التملُّص من قبضة رايتشل، لكنها كانت ممسكةً به بشدة، لم يكن يتوقَّع باني أنها بهذه القوة. ثم صرخَت رايتشل: «لا، يا باني! لا! من فضلك، لأجل الرب! من أجلي! أوه، من فضلك، من فضلك!» وفي تلك اللحظات المرعبة، أدركَت رايتشل الخوفَ الذي سيبقى معها لبقية حياتها؛ ففي يوم من الأيام، في خِضَم هذه المعركة الشنعاء بين الطبقات، ستأتي لحظةٌ يكون فيها من واجب زوجها أن يُضحِّي بنفسه. ولكن ليس الآن، ليس الآن! ليس أثناء شهر العسل!

حدث الأمر بسرعةٍ كبيرة، مثل إعصارٍ مفاجئ أتى وذهب قبل أن يلحظ أحد. خرجَت المجموعة المعتدية إلى خارج القاعة بالسرعة نفسها التي دخلَت بها. وكان أفرادُها يعتقلون ستة من الأشخاص، ويرمونهم في السيارات التي كانت لا تزال محركاتها دائرة، ثم تحركَت السيارات محدثةً صوتًا عاليًا في الشارع، وحل الصمت.

كان يمكن لباني الخروج الآن والإسراع إلى القاعة، ورايتشل خلفه مباشرة. لم يدُر بخلَده سوى خاطرةٍ واحدة، تمامًا مثل الليلة التي هُرع فيها إلى منزل السيدة جرورتي وهو يصرخ: «بول! بول!» كانا متأكدَين من أنهم أخذوا بول أثناء هذا الاعتداء، فكيف يمكن لباني أن ينقذه؟

أول ما رآه باني عند مدخل القاعة كان رجلًا مصابًا بجرحٍ بالغٍ في جبهته، والدم يسيل من كل مكان؛ كان يترنَّح لأنه لم يتمكن من الرؤية جيدًا، وكان يصرخ: «الأوغاد! الأوغاد!» وبجانبه رجلٌ آخرُ جريح اليد، وامرأة تمزِّق تنورتَها لتصنع ضمادة. وعلى الأرض فتاة صغيرة تتألم بشدة، وتصرخ، وكان أحدهم يحاول خلع جواربها، فيخرج الجلد مع الجوارب. همس أحدُهم في أذن باني: «لقد ألقَوا بها في القهوة! يا إلهي، لقد ألقَوا بالأطفال في القهوة المغلية!»

عمَّت الفوضى أرجاء المكان، وكانت النساء إما في حالة من الهيستريا أو يبكين على الأرض. لقد تم تحطيم كل قِطع الأثاث في القاعة؛ إذ تحطَّمَت الكراسي بالفئوس، كما تحطَّم البيانو وتناثرَت أجزاؤه على الأرض. وانقلبَت الطاولات، وتحطَّمَت الأطباق والآنية الفخارية، وانقلبَت الحاوية المعدنية التي كانت تغلي فيها القهوة، وانسكب السائل المغلي في كل مكان. لكن قبل انقلاب الحاوية، قام المعتدون بإلقاء ثلاثة أطفال في القهوة المغلية، واحدًا تلو الآخر، بينما حاول آباؤهم اليائسون إنقاذهم. فأحرق السائل المغلي أرجلَهم، مما سيتسبب في إعاقتهم مدى الحياة، وكان من بين الأطفال فتاةٌ تبلغ من العمر عشر سنوات تُعرف باسم «طائر العمال المغرد»؛ إذ كانت ذات صوتٍ جميلٍ عالي النبرة، وكانت تُغَني الأغاني العاطفية وأغاني التمرد، وقد أنزلها قائد المعتدين بالقوة من فوق المسرح قائلًا لها: «سنُغلِق هذا الفم اللعين!»

ماذا كان المغزى من هذا الاعتداء؟ فبحسب الصحف فإن هذا كان بسبب سخط بحارة الأسطول الوطنيين. فقد حدث انفجار في إحدى البوارج، قُتل على إثره عدة رجال، ونشرَت الصحف خبرًا مفاده أنه سُمع أحد أعضاء اتحاد عمال الصناعة في العالم وهو يضحك في رضًا. إن هذه استراتيجيةٌ قديمةٌ تستخدمها المؤسسات الإعلامية القوية. ففي روسيا القديمة، جرى تحريض «جماعة المئات السود» من خلال حكايات عن «جرائم القتل الطقسية» التي ارتكبها اليهود؛ إذ قُتل أطفال مسيحيون للتضحية بهم. وفي بريطانيا، تقوم الحكومة الآن بتزوير رسائلَ منسوبةٍ إلى القادة السوفييت، وتستخدمها للتأثير على نتائج الانتخابات. وفي أمريكا، بدا الاضطرابُ الشديدُ بسبب عمليات الترحيل مشروعًا من خلال مجموعةٍ كبيرةٍ من الوثائق المزوَّرة، التي تم التصديق عليها رسميًّا.

وزعمَت الصحف المؤيدة للقانون والنظام أنه اعتداءٌ وليد اللحظة. ومع ذلك، فقد لُوحظَت تفصيلةٌ مهمة؛ فخلال الاجتماعات السابقة التي شارك فيها عمال الصناعة في العالم، كان ضباط الشرطة يحضُرون لملاحظة أي خطابٍ إجرامي، ومن الغريب أنه في هذه الليلة بالذات لم يكن هناك أي ضُباطِ شرطة. وحتى بعد ذلك، لم يُرسَل أيٌّ منهم إلى موقع الحادث، يمكن لباني و«الحمر» الآخرين الاحتجاج خارج قسم الشرطة وحكومة المدينة، وتقديم أسماء المحرِّضين الرئيسيين على الاعتداء، ولكن لن يُتَّخذ أي إجراءٍ لمعاقبة المسئولين عن هذا الهجوم الدموي!

٦

لم يكن باني يتوقع أن يجد بول، لكنه وجده مستلقيًا على ظهره، وحوله بعض الأشخاص. كانت عينُه اليسرى تنزف بشدة، وبدا أنها أصيبَت إصابةً بالغةً نتيجة لإحدى الضربات؛ رقد بول خائر القوى ودون حراك، وعندما ناداه باني باسمه لم يستجب. لكنه كان على قيد الحياة، وصوت تنفُّسِه العالي يشبه صوت الشخير.

استدعُوا الطبيب! استدعُوا الطبيب! كان يعيش في هذا الحي عددٌ من الأطباء، وسارع الناس إلى استدعائهم. كان باني، الذي عاش في بيتش سيتي لفترة من الوقت، يعرف أحد الجراحين، فأسرع إلى الهاتف، ومن حسن حظه أن الجراح كان في المنزل. فأخبره باني بما حدث، فقال له الجراح إنه سيحضر على الفور، وذكر أنه إذا كان هناك أي إصابة في الجمجمة أو العظام الأخرى، فسيكون من الضروري التقاط صور بالأشعة السينية؛ لذا أعطاه أسماء أطباء متخصصين في ذلك، فأجرى باني المزيد من المكالمات الهاتفية، واتفق مع أحدهم أن يبقى في مختبره ويستعد لأي تطورات. كما طلب سيارة إسعافٍ من أحد المستشفيات.

وبعد ذلك عاد إلى القاعة حيث بقي بول على الحالة نفسها. كانت رايتشل قد وضعَت منديلًا نظيفًا على عينه المُصابة، ووضعَت وسادةً تحت رأسه. ونُقِل المصابون الآخرون، وأُغلِق بابُ القاعة المحطَّمة لمنع المتفرِّجين الفضوليين من دخولها.

وصل الجراح، وقال إن بول يعاني من ارتجاج في المخ. وكانت هناك علامات على وجود ضربةٍ قويةٍ في قاع الجمجمة؛ ربما يكون بول قد ضُرب في عينه فسقط وارتطمَت مؤخرة رأسه بشيءٍ ما أثناء السقوط، أو ربما يكون قد تلقَّى ضربةً من الخلف فسقط أرضًا، ثم تلقى ضربةً أخرى على عينه لاحقًا. كانت الخطوة الأولى هي التقاط صورٍ بالأشعة السينية، فنقلوا بول الفاقد للوعي إلى المعمل والتقطوا الصور، ثم أشار الجراح لباني ورايتشل إلى وجود كسرٍ في قاع الجمجمة، يمتد نحو الأمام أعلى تجويف الفم. لم يكن هناك ما يمكن فعله، فمن المستحيل إجراء عمليةٍ في هذا المعمل. كان السؤال هو كيف حدث ذلك، والوقت وحده كفيل بالإجابة عن هذا السؤال. والمريض الآن بحاجة إلى الهدوء.

وكان هناك مستشفًى خاصٌّ في المدينة؛ لذلك لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى نُقل بول إلى سرير المستشفى، تُغَطي عينه المصابة ضمادة، ورأسُه في حمالةٍ لتجنُّب الضغط على المنطقة المصابة، وجلس باني ورايتشل بجوار سريره، ينظران إليه في حزن. وقرأَت رايتشل أفكار باني مثل أي امرأة. فسألَته: «عزيزي، هل ستلوم نفسك إلى الأبد لأنك لم تدخُل إلى القاعة وتُعَرِّض جمجمتك للكسر هي الأخرى؟» لا، كان يعلم أنه لم يكن ليمنع الضرر، ولكن لماذا عقل بول، أفضل عقلٍ عرفه باني على الإطلاق! وجلس ينظر إليه في رعب وحزن.

ومع ذلك، كانت هناك مهمةٌ صعبةٌ أخرى تنتظرهما. فقد ذَكَّرته رايتشل قائلة: «علينا أن نُخبر روث.» وعرضَت أن تتولَّى هي هذا الأمر مراعاةً لمشاعره. فاتصلَت بأخيها جيكوب، الذي كان قد عاد للتو من اجتماع اللجنة، وكان عليه الآن أن يطلب سيارةَ أجرة، ويذهب إلى منزل روث ويُحضرها إلى الميناء.

وبعد ساعتَين، حضَرَت روث إلى المستشفى مسرعةً وصعدَت الدرَج، وظهر الخوفُ الشديدُ على ملامحها. قالت: «كيف حاله؟ كيف حاله؟» وعندما دخلَت الغرفة ورأت بول، تجمَّدَت في مكانها. وتابعت: «يا إلهي، ماذا حدث؟» وعندما أخبراها بما حدث، سألت: «هل سينجو؟» واقتربَت منه دون أن ترفع عينَيها عن وجهه. ومدَّت يدَيها نحوه، ثم تراجعَت؛ فلم تكن متأكدةً مما إذا كان مسموحًا لها لمسُه، ثم مدَّت يدَيها مرةً أخرى، وكأن ليدَيها إرادةً مستقلة. وفجأة، وهَنَت ركبتاها، وسقطَت على الأرض، وغطَّت وجهَها بيدَيها، وانهمَرَت الدموع من عينَيها.

حاولا مواساتها، لكنها لم تكن تكاد تُدرِك وجودَهما. فقد كانت وحيدةً في أروقة الحزن المؤلمة. راقبَها باني وانهمرَت دموع الحزن على وجنتَيه. كانت فِي قد قالت إنه ليس من المعتاد أن تحمل فتاةٌ مثل هذه المشاعر تجاه أخيها، لكن باني تفهَّم ذلك؛ لقد كانت روث تسترجع أيام طفولتها على تلال بارادايس النائية، عندما كان بول هو صديقَها الوحيد، ملجأَها الآمن من عائلتها المتعصبة دينيًّا، وأبيها الذي كان يستخدم العنف لفرض معتقداتِه عليها. وفي تلك الأيام الخوالي، أدركَت روث أن بول شخصٌ عظيم وتبعَتْه على مرِّ السنين، لقد شهدَت تطوُّر عقله وتعلَّمَت منه كل ما كانت تعرفه، والآن، كانت رؤيةُ عقله محطمًا بضربةٍ من أنبوبٍ حديدي من شخصٍ لا يعرف الرحمة أمرًا مؤلمًا!

٧

مرَّ وقتٌ طويلٌ بعد منتصف الليل، وقالت رايتشل لباني إن عليهما المغادرة. فلم يكن بوسعهما فعلُ أيِّ شيءٍ آخرَ لبول أو لأخته. كان هناك فندقٌ صغيرٌ قريبٌ يمكنهما أخذ غرفةٍ فيه ونيل قسطٍ من الراحة، وستتصل بهما ممرضةُ المستشفى إذا طرأَت على الحالة أي تغيرات. وافق باني؛ فلم يكن يريد أن يظلم رايتشل. فقد أدرك أن إخلاصه الشديد لبول، وموافقتَه الكاملة على جميع أفكاره، وتذكُّره الدقيق لكل ما قاله، كان غير طبيعي بعض الشيء. نعم، لقد قالت له بيرتي ذلك، وكذلك فعلَت فِي، والآن رايتشل!

جافى النومُ عينَي باني. لذا، بينما كان مستلقيًا في سرير غرفة الفندق، شارك رايتشل أفكاره، وأوضح كيف دخل بول إلى حياته في الوقت الذي كان يبحث فيه عن شيءٍ مختلفٍ وأفضل. لقد قدَّم له بول نموذجًا مثاليًّا صعب الوصول إليه؛ إذ قدم له مثالًا على الاعتماد على الذات، والتفكير المستقل، والتصميم على مواجهة الحياة وفهمها، دون الانجراف وراء الثروة أو المتعة. واعترف باني أنه لم يستطع أن يحذو حذوه، لا؛ فقد عاش حياةً مرفَّهة، وانشغل بمطاردة النساء، ومع ذلك، فقد كان متمسكًا دائمًا بهذه الرؤية، ورَغِب في أن يكون مثل بول.

وبعد ذلك، مع كل أزمةٍ جديدةٍ في حياته، كان بول يظهَر، ليكون بمثابة المعيار الذي يستطيع باني من خلاله تقييمَ أفعالِه؛ ليدرك أن النجاح الذي كان يحقِّقه كان ضئيلًا جدًّا. لقد أخبره بول عن العمال وعن شعورهم، مجسدًا روحَ حركة الطبقة العاملة الناشئة. لقد كان عقل بول بمثابة الضوء الكاشف الذي يُنير العالم ويُظهِر لباني ما يحتاج إلى معرفته. والآن انطفأ ضوءُ الكشاف، وكان على باني أن يرى من خلال فانوسِه ذي الضوء الواهن!

همسَت رايتشل بهدوء: «عزيزي، قد يتعافى»، فتأوه باني، لا، لا، سيموت بول. وكانت تلك الصورة بالأشعة السينية للكسر في قاع جمجمة بول تظهَر بشكلٍ واضحٍ في ذهنه مثل صاعقةٍ مفاجئة. لقد انطفأ النور، على الأقل في هذا العالم؛ أطفأه شخصٌ متوحشٌ بأنبوبٍ حديدي.

فضمَّتْه رايتشل إلى صدرها وحاولَت مواساتَه بلمساتها الحانية. ونجحَت في ذلك بالطبع؛ فلم يكن يستطيع مقاومة حبها. وسرعانَ ما راح في إغفاءة. ولكن رايتشل لم تستطع النوم، كانت تستلقي بجانبه وتحتضنه لأنه كان يجفل أثناء نومه، وترتعد أطرافه، مثلما شعرَت عندما أُطلقَت المدافع الكبيرة!

ما الذي كان يفعل باني؟ هل كان يقاتل هؤلاء المجرمين بهراواتهم وفئوسهم وأنابيبهم الحديدية؟ أم كان، كما فعل في الماضي، يحوم فوق بول وروث، ويشهَد الأحداث التي عذَّبَت نفسه؟ أم كان يرى والده وهو يحرمُ الأسرة من أرضها، ويرى شركات النفط وهي تُخمِد الإضراب الأول، ويرى الحكومة تأخذ بول بالقوة وتحوِّله إلى مفسد لإضراب مصرفيِّي وول ستريت، ويرى فيرنون روسكو وهو يُلقي ببول في السجن، ويرى الرأسمالية، بنظامها الإرهابي العالمي، تُطارِد بول هنا وهناك، وتُهينه، وتُهدده، ثم، في النهاية، تستأجر شخصًا بلا رحمة بأنبوبٍ حديدي!

٨

جاء الصباح وعادا إلى غرفة المستشفى. لم يتغيَّر أي شيء. كان بول لا يزال مستلقيًا على السرير، يتنفَّس بخشونة، بينما جلسَت روث على كرسي بجوار السرير، لا ترفع عينَيها عن أخيها، ويداها متشابكتان بإحكام. والفرقُ الوحيدُ هو أنها بدَت أكثر شحوبًا، وكانت شفتاها ترتجفان، ولا تستقرَّان مطلقًا. وحثَّتها ممرضة المستشفى على الاستلقاء ونيل قسطٍ من الراحة، لكنها هزَّت رأسها. لا، لقد كانت معتادة على رعاية المرضى؛ فقد كانت هي الأخرى ممرضة. فقالت لها الممرضة إن جميع الممرضات يخلدْنَ إلى النوم متى أمكَن ذلك، لكن لا، من فضلكِ، أرادت روث أن تبقى في مكانها.

عاد الجرَّاح. ولم يكن هناك ما يمكنُه فعلُه، فالوقتُ وحده كفيلٌ بتقديم الإجابات. فتنحَّى باني به جانبًا وسأله عن فرص بول في النجاة. من المستحيل الإجابة عن هذا السؤال. إذا كان بول سيتعافى، فسوف يستعيد وعيه. وإذا كان على وشك الموت، فقد تحدُث مضاعفات مثل الالتهاب السِّحَائي أو ربما جلطة في المخ.

اقترحَت رايتشل أن يتم إبلاغ أسرته. لذلك أرسل باني برقية إلى آيبل واتكينز في بارادايس، يُخبره فيها أن يستقل سيارة ويُحضِر العائلة على نفقة باني. وفكَّر فيما إذا كان من واجبه إرسالُ تلغراف إلى إيلاي، لكنه قرَّر في النهاية ألَّا يفعل ذلك. قد يتولَّى السيد واتكينز العجوز أمر إبلاغ إيلاي، لكن باني يسترشد في قراره بما كان بول سيُفضِّله. ثم وصلَته صحفُ الصباح وقرأ روايتَها السعيدة لأحداث الليلة السابقة: لقد تلقَّى «الحمر» درسًا كانوا بحاجةٍ إليه، وتمَّت استعادة القانون والنظام في الميناء.

كان ذلك صباح يوم الانتخابات، وهو ما يمثِّل ذروة الحملة التي كانت بمثابة كابوسٍ طويلٍ لباني. كان السيناتور لافوليت مرشحًا مدعومًا من الاشتراكيين، وكانت القضية الأساسية هي الفساد في قطاع النفط، مع التركيز على أولئك الذين كشَفوا جرائم المسئولين الفاسدين في السلطة. في البداية، أحرزَ هؤلاء الكاشفون تقدمًا، وبدا أن الشعب مهتمٌّ بالقضية. ولكن الخصم كان ينتظر فقط اللحظةَ المناسبةَ ليضرب ضربته. ففي الأسابيع الثلاثة الأخيرة من الحملة، استخدم العدو موارده، فأظلمَت السماء بغمامةٍ هائلةٍ من الأكاذيب، مثل أسراب دبابيرَ سامةٍ لادغة!

وبطبيعة الحال، كان مصدر الأموال هو فيرنون روسكو، وأقطاب النفط، وكذلك المصرفيون، ومجموعات القوى، وكبار الصناعيين ممن يتمتعون بالحماية، وجميعُهم كانت لهم مصلحةٌ خاصةٌ في شراء الحكومة، أو سيقع عليهم ضررٌ في حالة الفشَل في شرائها. تكلَّفَت هذه الحملة خمسين مليون دولارٍ أخرى، وكانت في كل قريةٍ ومنطقةٍ وفي كل مدينةٍ وبلدةٍ لجنةٌ مخصَّصة لنشر الذعر. وكانت المصانع الرئيسية التي تصنع هذه الدعاية موجودةً في واشنطن ونيويورك، وكان منتَجُها يُوَزَّع في جميع أنحاء البلاد بوسائلَ مختلفة؛ بالصحف، والنشرات، والتجمُّعات الجماهيرية، والمسيرات، والفرق الموسيقية، ومسيرات المشاعل والنيران الحمراء، والبث الإذاعي، وشاشات السينما. إذا فاز لافوليت، المدمِّر الأحمر، فسوف يؤدي ذلك إلى كارثةٍ للشركات، ويُصبِح العمال عاطلين عن العمل، وعليه، فقد استُحِثَّ الجميعُ على التصويت لصالح رجل الدولة القوي العظيم الحكيم، الصديق النبيل لعامة الشعب المُسمى ﺑ «الكاليفورني الحذر». وبينما كان بول واتكينز راقدًا في حالةٍ حرجةٍ يكافح من أجل التقاط أنفاسه الأخيرة في الحياة، كانت بطاقات الاقتراع تُسلَّم وتُفرَز في جميع أنحاء البلاد بمعدَّل ما يقرُب من ألف بطاقة اقتراع في الثانية. كانت تعلن عن إرادة عامة الشعب.

٩

بدا اليوم وكأنه منتصف الصيف، وكانت نوافذ غرفة المستشفى مفتوحةً على مصراعَيها. وعلى بُعد حوالَي عشرين قدمًا، في المبنى السكني المجاور، كانت تُوجَد غرفةٌ أمام غرفة المستشفى مباشرةً، ولها نافذةٌ مفتوحةٌ بجانبها جهاز راديو من بين مائتَي ألف جهاز راديو في ولاية كاليفورنيا. كانت السيدة التي تعيش في تلك الشقة واحدةً من مائتَي ألف ربة منزل اعتدْنَ القيامَ بأعمالهن المنزلية، أثناء الاستماع إلى «يسوع، حبيب روحي» أو «مامي المثيرة، الفاتنة التي لا تُقاوَم.» كانت هناك عدة محطاتٍ إذاعيةٍ متاحة، بعضٌ من هذه المحطات تبُثُّ برامجها بشكلٍ مستمر، ويمكنك الاختيارُ فيما بينها. وكانت لربة المنزل هذه أذواقٌ متنوعة، فكان أولئك الجالسون بجانب سرير بول يسمعون مقتطفاتٍ مختلفةً من فرقة «ألوها هاواي» الرباعية، وحفل الأرغن من الكنيسة الميثودية الأولى، وأوركسترا «بيجلي ويجلي جيرلز،» وراديو «كيو إكس جيه» الذي يعلن عن عدد الأصوات في المنطقة الشرقية، وراديو «في زي دبليو» الذي يعلن عن بيع السيارات المستعملة، ومذيع غير معروف يشجِّع المواطنين على التوجُّه إلى صناديق الاقتراع، والآنسة إلفيرا سميثرز، السوبرانو كولوراتورا، وهي تغني: «أحبك يا عزيزي، نعم أحبك.»

جاءت مكالماتٌ هاتفيةٌ من حزب العمال ومن أعضاء اتحاد عمال الصناعة في العالم الذين في الميناء. واستمَع مراسلو الصحف بلطفٍ إلى باني الغاضب بشأن الاعتداء، وقاموا بتدوين بعض الملاحظات، لكنهم لم ينشُروا أي شيء بالطبع. فصحف إنجِل سيتي تتبع سياسةً يمكن لأي طفل أن يفهمَها، وهي تجنُّب نشر أي أخبار قد تضُر بالمصالح التجارية أو تُسيء إليها.

وجاءت مكالمةٌ هاتفيةٌ من بارادايس، كانت من ميلي واتكينز، التي أصبحَت الآن السيدة آندي بوجنر. لقد ذهب والدها ووالدتها، مع سادي، إلى اجتماع إحياء. ولم تكن ميلي تعرف مكان الاجتماع، لكنها ستُحاوِل معرفةَ مكانهم. كيف حال بول؟ وعندما أخبرها باني بحالة بول، سألَت عما إذا كانوا قد طلبوا حضور إيلاي. فبغَض النظر عما إذا كانوا مقتنعين بما يفعله أو لا، فالحقيقة هي أن إيلاي يمتلك قدراتِ شفاءٍ مذهلة، وقد نجح في علاج العديد من الأشخاص، وهو بالتأكيد سينجح في علاج أخيه! لذا، أرسل باني برقيةً إلى إيلاي في المعبد، لإبلاغه بحالة بول، وبعد ساعتَين وصلَت سيارة ليموزين كبيرة وفاخرة إلى المستشفى.

ارتدى إيلاي واتكينز، نبي الوحي الثالث، بدلةً بيضاءَ مائلةً إلى الصفرة ذات نسيجٍ ناعمٍ تُبرِز قامتَه الطويلة. وفي أيام المجد والسلطة هذه، كان يتخذ طابعًا بابويًّا. لقد امتنع عن المصافحة، وبدلًا من ذلك كان يثبِّت عينَيه البارزتَين الزرقاوَين اللامعتَين عليك ويقول: «فلتحلَّ عليك بركاتُ الرب.» وعند دخوله إلى غرفة أخيه، وقف في صمتٍ يتأمله، ولم يُظهِر أي اهتمام بصُور الأشعة السينية للجمجمة؛ فالرب كان يعلم كل ما كان يلزم. وفي النهاية قال: «أريد أن أبقى بمفردي مع أخي.» ونظرًا لعدم وجود سببٍ واضحٍ لرفض طلبه، غادر باني ورايتشل وروث الغرفة.

لم يُشكِّل المكان الذي كانت فيه روث أي فرق بالنسبة لها؛ فلم يكن بوسعها سوى الجلوس والتحديق أمامها، وشفتاها ترتجفان بشدة في مشهدٍ مؤلم. إنه حزنٌ عميق! وقد ترجَّاها طبيب المستشفى أن تشربَ القليل من الحليب، وأحضَرت الممرضةُ كوبًا، فأخذَت روث رشفةً منه لكنها لم تستطِع بلعَه. فقد تجمَّعَت الدموع في عينَيها، ولم يكن بوسع أحدٍ أن يتكلَّم معها، أو أن يفعل أي شيءٍ معها.

ورحل إيلاي دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة؛ فطُرق الرب لم تكن دائمًا مفهومةً للبشر العاديين. ولم يطرأ على حالة بول أيُّ تغييرٍ ملحوظ. وعادت روث إلى الجلوس بجانب سرير بول، لكن الطبيب أمرها بأن تأخذ عقارًا منوِّمًا وأن تنال قسطًا من الراحة، فلن يسمحَ لها بإلحاق الأذى بنفسها في مستشفاه. ونظرًا لأن روث كانت معتادةً على تنفيذ أوامر الأطباء، فقد ذهبَت مع الممرضة، وبقي باني ورايتشل بجانب بول.

١٠

ومع حلول الليل، عاد ساكنُ الشقة المقابلة لنافذتهم إلى منزله، وتناول عَشاءَه، وجلس على كرسيٍّ عميقٍ من الخيزران أمام جهاز الراديو يرتدي قميصًا وفي يده غَلْيون، وبدأ في استكشاف قنوات الراديو. وسمح ذلك لمرافقَي بول بمعرفة أخبار الانتخابات دون الحاجة إلى التحرُّك من مكانهما. وبسببِ فروقِ التوقيت، تلقَّت ولاية كاليفورنيا نتائجَ الانتخابات من الولايات الشرقية قبل أن تُصبِح نتائجها متاحة، ولكن ظهرَت النتائج في الولايات الشرقية وتلك الغربية في الوقت نفسه في مساء هذا الثلاثاء؛ فقد حقَّق صندوق الحملة الضخم الذي تبلغ قيمتُه خمسين مليون دولار أهدافه، وبغض النظر عن المكان الذي تُتابع فيه أخبارَ الانتخابات، كان من الواضح أن عدد أصوات الناخبين الذين أدلَوا بأصواتهم لصالح رجل الدولة القوي الصامت، كان أكبر من عدد الأصوات التي حصل عليها خصومُه مجتمعين. ولأن هذا هو بالضبط ما كانت محطات البث، إلى جانب الصحف الكبرى والكنائس والمعابد والمَظالِّ التي تسيطر عليها، ترغب فيه بشدة، فقد حملَت الإعلانات لهجةً مرحة، وبعد سماع أن ولاية ماساتشوستس تدعم بشكلٍ حاسمٍ مرشَّحَها المفضَّل، يمكنك سماع أعضاء فرقة «جولي جاز بويز» الستة وهم يغنُّون: «لقد تعرَّفتُ على فتاةٍ شابةٍ مثيرةٍ في بلدة بالقرب من السكة الحديدية!» أو ربما تسمع فرقة «شيكاجو كوميت» تغني بسعادة: «سوف تأتي حبيبتي في الثانية ودقيقتَين!» وقد خلق هذا جوًّا مبهجًا، على الرغم من أن بول لم يكن في وعيه لسماع ذلك للأسف.

بدأ معبد الوحي الثالث يبُث برنامجه في ذلك الوقت. فلم يُظهِر أتباع إيلاي أي اهتمام بالانتخابات؛ لأنهم اعتقدوا أنهم سيصعدون قريبًا إلى العوالم السماوية التي يحكمُها نظامٌ ملكي. بدأ البث بعزف الأرغن، ولكن صاحب المنزل لم يهتم بذلك، وفضَّل راديو «فِي كاي زي،» وهو برنامج تحت رعاية شركة «سنو بايبي» للصابون، الذي قدَّم أول ظهور في إنجِل سيتي لثلاثي «بريتي بيت»؛ إذ غنَّوا أحدث أغانيهم «عزيزتي الصغيرة المحبة للجاز، حبيبتي الصغيرة المحبة للجاز». ولكن، في وقتٍ لاحق، عاد صاحبُ المنزل مرةً أخرى إلى بث معبد الوحي الثالث، فسُمع صوت إيلاي العالي، وهو الصوتُ الذي يُحبه جميع سكان كاليفورنيا. فأدرك باني ورايتشل الغرض من زيارة إيلاي لبول.

«أيها الإخوة، لقد منَّ عليَّ الرب بدليلٍ رائعٍ على رحمته تجاهي. إنه يقدِّم بشرى مجيدةً للعالم الليلة! لي أخٌ أكبر اسمه بول، كان رفيق صباي، وقد تربَّيْنا على مخافة الرب، وقد كان معتادًا على سماع صوت العليِّ على التلال المنعزلة؛ حيث كنا نرعى معًا القطعان الخاصة بأبينا. كنا رعاةً نجلس تحت النجوم، ننتظر علامةً على رحمة الرب، ونُصلِّي من أجل خلاص النفوس الضالَّة في هذا العالم، طالبين الحمايةَ من فِخاخ الشيطان.

لكن يا إخوتي الأعزاء، كبر أخي وضلَّ عن طريق الإيمان الذي اعتاد السيرَ فيه في طفولته، واستسلم لتأثير الرفاقِ الأشرارِ وأصبح مستهزئًا بكلمة الرب. ولم تعُد محبة مُخلِّصنا يسوع المسيح تسكُن قلبه، وحل محلَّها الكراهيةُ والشقاقُ والحسدُ تجاه أولئك الذين أعلن لهم الرب حقيقته. لقد حل به يا إخوتي البلاء الذي سعى هذا الضالُّ إلى إلحاقه بالآخرين، وفي هذه الليلة، يرقُد بين الحياة والموت، متأثرًا بأفعال الشر التي حَرَّض عليها ذات يوم. لقد كان من واجبي أن أزورَه وهو في سريره وأراه يرقد فاقدًا للوعي، وكان هذا أمرًا مؤلمًا.

ولكن يا أصدقائي، مَن منَّا يستطيع أن يتوقع حكمة الرب؟ من يستطيع أن يفهم طُرقه؟ لقد جرت إرادتُه الإلهية أن يستجيبَ لصلواتي ويسمحَ لأخي الضال أن يفتَح عينَيه، ويسمع صوتَ الرب يتكلم على لساني، ويستجيب لها، ويعترف بخطاياه، ويتوب، ويُشفى، ويتطهَّر في دم حَمَل الرب. المجد للرب! هللويا! إِنْ كَانَت خطاياكُم كالقِرْمِز تَبيضُّ كالثلج، مباركٌ اسمُ الربِّ! افرحوا معي يا إخوَتِي؛ لأني وجدتُ خِرافي الضَّالَّة. أقولُ لكم: إنَّه هكذا يكون فَرَحٌ في السماء بخَاطئٍ واحدٍ يتوبُ أكثرَ مِنْ تسعةٍ وتسعينَ بارًّا لا يحتاجون إلى توبة. هللويا! هللويا!»

وطَوال هذا الخطاب، كان هناك هتافٌ مستمرٌّ من جمهورٍ كبير. فقد هتفَت الجموعُ بكلماتٍ حماسيةٍ عند توقُّف النبي عن الكلام، وعندما وصل الخطابُ إلى نهايتِه، هتفَ الجمهورُ في ابتهاج: «المجد! المجد، هللويا!» وفي هذه الأثناء، عند مدخل غرفة المستشفى، كانت تقف روث واتكينز، بعدما استيقظَت من نومها. كانت تُحدِّق في باني في رعب، وهمسَت: «أوه، يا له من كذب!»

كانت لدى باني شكوكٌ حول صحة كلام إيلاي، لكنه لم يتمكَّن من إثباتها، وحتى إن استطاع، فما الفرق الذي سيُحدِثه؟ فالراديو هو وسيلةُ اتصالٍ أحاديةُ الاتجاه، تسمح لك بالاستماع فقط دون الرد. وهذه الطبيعة الأحادية الجانب هي ما يجعل الراديو مفيدًا بشكلٍ كبيرٍ للنظام الرأسمالي. فالمستمع يجلس في منزله ويتلقَّى ما يُقدَّم له من معلومات، مثل الرضيع الذي يرضَع من خلال أنبوب. وهو الأساسُ الذي تُبنى عليه أعظمُ إمبراطوريةٍ للعبيدِ في التاريخ.

١١

قام صاحب المنزل بتغيير محطة الراديو. وقد بدأَت إذاعة نتائج الانتخابات في كاليفورنيا. «إذاعة «في إكس زي»، أخبار إنجِل سيتي المسائية، إنجِل سيتي، كاليفورنيا.» كان المذيع يمتلك صوتًا لطيفًا ومريحًا يستحق عليه راتبًا شهريًّا كبيرًا، وكانت لديه ضحكةٌ مكتومةٌ جعلَته محبوبًا لدى الأطفال، الذين عرَفوه باسم «العم بيتر»، وقد كان يقُصُّ على الأطفال حكايات قبل النوم. والآن يستخدم خفَّة ظلِّه في إذاعة نتائج الانتخابات. «روساريو، كاليفورنيا. أهلًا! مسقط رأس بوب باكمان سكرتير الغرفة التجارية! لنرَ ماذا فعل بوب! روساريو، ٣٧ دائرةً انتخابية من أصل ٥٢، لافوليت ١١٧، دافيز ٨٦، كوليدج ٥٤٩. عظيم! إذا كان بوب يسمعنا الآن، فتهانينا من العم بيتر؛ فأنت مؤيدٌ متحمسٌ يا بوب!»

وبعد ذلك، دهِشَ الأشخاصُ المتجمعون بجانب السرير، عندما تابع قائلًا: «بارادايس، كاليفورنيا. ما رأيكم في هذا؟ المكان الذي به حقل روس الابن للنفط، الذي يملكه باني روس، مؤيِّد البلشفية من الصالون! باني هو فتًى يدافع عن السجناء السياسيين، كما يُحب أن يسمِّيَهم؛ ولديه جريدةٌ متواضعةٌ تهدف لنشر الأفكار الاشتراكية بين شباب وفتيات الجامعات. دعونا نرَ ما ستقوله بلدة الفتى باني. بارادايس، كاليفورنيا، ١٤ دائرةً انتخابية من أصل ٢٩، لافوليت ٢١٧، دافيز ٩٨، كوليدج ٦٩٣. حسنًا، حسنًا، يبدو أن لديك المزيدَ من العمل الذي يتعيَّن عليك القيامُ به داخل المؤسسات يا باني!»

قام صاحب المنزل بتغيير المحطة مرةً أخرى. «إذاعة «كيو إكس جيه»، برامج إنجِل سيتي المسائية، نستمع إلى عزف البانجو الفردي لبيلا بلو، ساحرة ويتشيتا.» بلانكيتي-بلانكيتي-بلانكيتي-بلانكيتي-بلانك-بلانك-بلانك-بلانك!

بدأَت شفاه بول تتحرك. كان يُصدِر أصواتًا خافتة، وانحنَت روث بالقرب منه. وقالت: «إنه يستعيدُ وعيه! أحضِروا الطبيب!» وصل طبيبُ المستشفى واستمع لنبض بول، لكنه هزَّ رأسه. إن الأمر يتعلق فقط بالمناطق التي تأثَّرَت من الدماغ، ربما لم تُصَب المناطق المسئولة عن الكلام بأذًى. لم يكن لكلمات بول معنًى، وأوضح الطبيب أن بول لم يكن على الأرجح على علمٍ بما يقوله. ومن الممكن أن تستمرَّ هذه الحالة لعدة أيام، وربما حتى أسبوع أو أسبوعَين.

ولكن روث ظلَّت تُحاوِل تمييز كلمةٍ واحدة. ربما يحاول بول التحدُّث إليها، ليطلب منها طلبًا معينًا. وهمسَت له بلهفةٍ حزينة: «بول، بول، هل تُحاوِل أن تقول لي شيئًا؟» أصبحَت الأصواتُ أكثر وضوحًا، فقالت رايتشل: «إنها تبدو وكأنها لغةٌ أجنبية.» فقال باني: «لا بد أنها اللغة الروسية»؛ فهي اللغة الأجنبية الوحيدة التي يعرفها بول. كان الأمر غريبًا، أشبه بجثةٍ أو دميةٍ شمعيةٍ تتكلم؛ يبدو وكأن الأصوات تصدُر من أعماق حلقه. كرَّر مرارًا وتكرارًا: «دا ذدرافستفويت ريفلييتزيا!»؛ فقال باني: «لا بد أن هذا يعني الثورة.» وبعد ذلك، قال بول: «سيا فلاست سوفيتيم»، التي من المحتمل أن يكون لها علاقة بالسوفييت!

استمر هذا لمدة ساعة، حتى تدخَّلَت روث فجأةً قائلة: «يجب أن نكتشف ما يقوله يا باني! أوه، علينا أن نفعل ذلك، تخيَّل فقط لو كان يطلب المساعدة!»

حاولَت رايتشل الجدال معها، مدعيةً أن الأمر لا يعدو كونه هذيانًا. ولكن روث أصبحَت أكثر اضطرابًا؛ فلم ترغب في أن تتدخَّل رايتشل. فقد أنقذَت رايتشل زوجها، فماذا تعرف هي عن المعاناة؟ وقالت: «أريد أن أفهم ما يقولُه بول! ألا يمكننا العثور على شخص يعرف اللغة الروسية؟» لذلك اتصل باني بجريجور نيكولاييف وطلب منه الحضور إلى المستشفى بالسيارة في أسرع وقتٍ ممكن.

عند عودة باني إلى الغرفة، أصبح صوتُ بول أعلى، لكنه لم يكن يحرِّك سوى شفاه. كان كورال «أنجيل جاز» يُغَني: «عزيزي، عزيزي، قبِّلني في رقبتي!» وفي هذه الأثناء، استمر بول في ترديد: «ني تروديشيسيا دا ني ييست!»

توسَّلَت روث: «أوه، باني، علينا أن نكتب ما يقوله! قد يتوقف عن الكلام ويظل صامتًا إلى الأبد!» ففَهِم باني وجهةَ نظر روث؛ فقد نشأَت على الإيمان بالوحي، وبالكلمات ذات المغزى العميق المنطوقة في مناسباتٍ خاصة، بلغاتٍ غريبةٍ أو غيرها من الأساليب غير التقليدية. قد يصفه الأطباء بالهذيان، ولكن كيف يمكن التأكُّد من ذلك؟ ففي بعض الأحيان، كانت الأشياءُ المخفيةُ عن الحكماء تُكشف للبسطاء. وهكذا، أحضر باني دفتَر ملاحظاته وقلمَ الحبر الخاصَّ به وحاول تخمينَ ما يقوله بول بالروسية ويكتبه. «خليبا، ميرا، سفلوبادي!» وعندما وصل جريجور بعد حوالي ساعة، استطاع ترجمة كلمات بول وقال إنها تعني «خبز، سلام، حرية» وهو شعارُ البلاشفة عندما حكَموا روسيا، وأطلق بول أيضًا صرخةَ حربِ الجيش الأحمر، وهو يأمر العدو بترك مواقعه. وكان بول أيضًا يقول عباراتٍ خاصةً بالثورة، التي سمعَها لأول مرة في سيبيريا، ثم في موسكو. لا، لم يكن بول يُحاوِل التحدث إلى شقيقته، بل كان يخبر العمال الشباب في أمريكا عما كان يفعلُه العمال الشباب في روسيا!

١٢

«إذاعة فِي إكس زي، فِقرات إنجِل سيتي المسائية، أوركسترا وينيتسكي، من غرفة الطعام الرئيسية في فندق أدميرالتي، يُبَث عن بُعد.» وبعد فترةٍ وجيزة، كانت إذاعة «كيو إكس جيه، الأخبار المسائية» تعلن نتائج الانتخابات؛ الأعداد النهائية الآن. «يشير مقر حملة الحزب الجمهوري في نيويورك، في نشرة صدَرَت في الساعة الواحدة صباحًا، إلى أن كالفن كوليدج قد فاز بالأغلبية في ولاية ماساتشوستس ﺑ ٤٠٠ ألف صوت؛ تحية لولاية أولد باي! ونيويورك ﺑ ٩٠٠ ألف، ثلاثة هتافات لولاية إمباير، راي، راي، راي! وإلينوي، انتظروا، لقد أسقط شخصٌ ما نظارتي؛ إنهم يتسبَّبون في ضجة في هذا الاستوديو. توقَّفْنَ عن هذا يا فتيات؛ ألا تعرفْنَ أن العالم كله يستمع إلى «كيو إكس جيه» الليلة؟ إلينوي ﺑ ٩٠٠ ألف. عظيم! هذه الضجة التي تسمعونها هي احتفال شيكاجو كوميت بولايته! لقد حان الوقت لكي تُغني لنا شيكاجو كوميت أغنيةً حماسيةً مرةً أخرى، تيدي، الأغنية التي تتحدَّث عن اقتراب الترام. هل تعرف ماذا أقصد؟» أجاب صوتٌ أمريكي من أصلٍ أفريقي مرح ورنَّان: «نعم، بالتأكيد أفهمك! نعم، ها هي ذي!» بلانكيتي-بلانك …

«كان عند شخصٍ ما قبل أن يكون لدَيك
وسوف يكون عند شخصٍ آخرَ بعد رحيلك
سواء كان ترامًا أو حبيبًا لا يهمُّني
سيكون هناك شخصٌ آخرُ قادم!»

قبل ستة أو سبعة أعوام، أصدر المسئولون في الولايات المتحدة، بحكمتهم الفائقة، قانونًا يحظر بيع المشروبات الكحولية للاستخدام الترفيهي. لكن أنصار القانون والنظام قد منَحوا أنفسهم حق اختيار القوانين التي يلتزمون بها، وقانون حظر المشروبات الكحولية لم يكن واحدًا منها. فالطبقة الحاكمة المتميزة في أمريكا تحتفل بانتصاراتها السياسية من خلال تناول الكحول. وقد فهم باني ذلك؛ لأنه هو نفسه تناول الكحول قبل أربع سنوات عندما تم انتخاب الرئيس هاردينج، وكان يضحك الآن ضحكةً مكتومةً عندما تلعثَم مذيع «كيو إكس جاي» في كلامه: «هذا ليس من الأدب يا بولي، توقَّفي عن تحريك الميكروفون!»

كان صاحب المنزل المجاور عاملًا أو موظفًا أو إنسانًا بسيطًا، ولم يكن يتمتَّع بميزة انتهاك القانون بإنفاق عشرة دولاراتٍ على ربع جالون من الجين، أو ثلاثين على زجاجةٍ من الشمبانيا. ومع ذلك، كان بإمكانه الجلوس في غرفته إلى ما بعد منتصف الليل، والانتقال من محطةٍ إذاعيةٍ إلى أخرى، مستمتعًا بسماع غَيره يشرب الكحول. «إذاعة فِي إكس زي، غرفة الطعام الرئيسية في فندق أدميرالتي.» كان أحد المطربين الفرنسيين من جراند جينيول في باريس يغني أغنيةً حماسية، ويمكنك سماعُ ضحكاتِ مَن فهِموا الكلماتِ البذيئة، وأولئك الذين تظاهروا بالفهم، وأولئك الذين كانوا في حالة سُكْرٍ شديدةٍ لدرجة أنهم لم يتمكَّنوا من فَهْم أي شيءٍ باستثناء كيفية الضحك. شعَر باني وكأنه هناك؛ لأنه ذات يومٍ كان في غرفة الطعام هذه مخمورًا، وكذلك كان الأب، وفِي تريسي وآنابيل إيمز وفيرنون روسكو، وكان هارفي مانينج نائمًا على كرسيه، وتومي بالي يُحاوِل الصعود على الطاولة، وكان عليهم منعُه من الشجار مع النوادل. وكان هناك حوالي ثلاثمائة طاولةٍ في القاعة، تم حجزُها جميعًا قبل شهر، ويشغلها جميعًا محتفلون في حالاتٍ مختلفةٍ من السكر؛ كانت الطاولات مليئةً بقوارير الجيب، والزجاجات الفارغة، ورماد السجائر، والطعام المسكوب، والزهور، وقُصاصات الورق، وكانت المناديل الورقية تُقذَف من طاولةٍ إلى أخرى؛ مما أدَّى إلى تغطية الغرفة بشبكةٍ عنكبوتيةٍ من الألوان الزاهية، وطارَت البالونات هنا وهناك، وعلى صوت الموسيقى والغناء والصُّراخ، واحتضَن الرجال نساءً شبه عاريات، كبارًا وشبابًا، ومتحررات، وأمهات وجدَّات المتحررات.

ستُعلَن نتائج الانتخابات، وستزداد أعدادُ مؤيدي رجل الدولة القوي الصامت المنتصر، أما قطب النفط، الذي كان يعلم أن هذا النصر يعني توفيرَ عدة ملايين من الدولارات من ضرائبِ دخله، أو تأمينَ امتيازٍ نفطي في بلاد ما بين النهرَين أو فنزويلا، من خلال الرشاوى الأمريكية وبحماية البوارج الأمريكية، فسوف يطلق هتافًا، وينهض من مقعده ويوضِّح كيف كان يرقص رقصتَه عندما كان عاملًا في مزرعة، ثم يسقط في أحضان عشيقته، التي ترتدي ألماسًا بقيمة مليون دولار على بشرتها العارية، وسيؤدي المغني من مؤسسةٍ مشهورةٍ في برلين يرتادها المنحرفون جنسيًّا أحدثَ أغنيةٍ لموسيقى الجاز، وسينضَم قطب النفط وعشيقته إلى الكورال:

ماذا أفعل؟
تودل-دودل-دو،
تودل-دودل-دو!

١٣

بدأَت يد بول تتحرك، ومرةً أخرى صرخَت روث بحماس، لقد عاد إلى الحياة! لكن الممرضة قالت إن ذلك لا يعني شيئًا، مشيرةً إلى أن الأطباء قالوا إنه قد يتحرك. ويجب ألَّا يسمحوا له بتحريك رأسه. وقامت الممرضة بقياس درجة حرارته، لكنها لم تقُل لهم شيئًا.

بدأَت يدا بول تتحركان فوق الملاءة التي تُغطيه، بلا هدف، هنا وهناك، كما لو كان يُحاوِل ضرب حشرات على السرير. أصبح صوتُه أعلى، ودائمًا باللغة الروسية، وكان جريجور يتولَّى ترجمة الكلمات لهم. ووجدوا أنفسهم في الساحة الحمراء، يشاهدون الجيوش تسير ويسمعون الجماهير العمالية تهتف بشعاراتها، كانوا مع العمال الشباب، كانوا في سيبيريا مع ماندل بينما كان يعزف على البالالايكا تارة، وبينما كان النمل يلتهم عينَيه تارةً أخرى. «تحيا الثورة!» «كل السلطة للسوفييت!»

ومن هناك وجدوا أنفسَهم في قاعة الرقص في فندق إمبيرور، بإنجِل سيتي، إذاعة آر دبليو كي واي، بث إنجِل سيتي باتريوت بالتحكُّم المباشر. أم كانوا في قلب الكونغو؛ حيث كان أفرادُ القبائل العُراة يرقُصون على إيقاع الطبول، وأجسادُهم الداكنة مغطَّاة بزيت النخيل، تلمع في ضوء النيران؟ لآلاف السنين، أبحَر هؤلاء المتوحشون في مياه النهر دون أن يخطر ببال أحدٍ فكرة المحرك، ووقفوا على شواطئ البحيرات الشاسعة، دون أن يخطر ببال أحدٍ فكرة المركب الشراعي. لقد كانوا مثقلين بخصوبة التربة التي لا يُمكِن السيطرة عليها، ممَّا أدى إلى قمع فضولهم الفكري. والآن، بينما كانت الحضارة الرأسمالية تندفع نحو السقوط بسرعةِ أسرعِ طائراتها المقاتلة، بحثَت عن وسيلةٍ للتعبير عن انحدارها، واختارت إيقاعاتِ الطبل الكونغولية لموسيقاها والرقصاتِ الشرقية للكونغو من أجل الترفيه، فظهرَت أمريكا، أرض الجاز.

انطلق صوتٌ من مكبِّر الصوت، حادٌّ، ثاقبٌ، ساخر:

«هذا ما أنفِق عليه أموالي،
أحمرُ الشفاه ومستحضراتُ التجميل، وأشياءُ من هذا القبيل!»

ووجد باني نفسه في قاعة إمبيرور الكبيرة، وهو المكان الذي رقص فيه لياليَ كثيرة، أولًا مع يونيس هويت ثم مع فِي تريسي. والليلة، سيكون جميع أصدقائه حاضرين؛ فيرن وآنابيل وفريد أوربان وثيلما نورمان والسيدة بيت أورايلي ومارك أيزنبرج، الذين يمثلون صفوة الطبقة العليا، يحتفلون بأهم انتصارٍ لهم حتى الآن. فقد زينَت الأعلامُ الأمريكيةُ واللافتاتُ المزخرفةُ الجدران، ولوَّح بعض الحاضرين بأعلامٍ صغيرةٍ في الهواء، في إشارةٍ إلى هذا الحدثِ الوطني العظيم، الذي لم يسبق له مثيلٌ منذ الهدنة؛ مرحبًا كوليدج، كن لطيفًا مع كاليفورنيا! كانت القاعة مكتظةً إلى درجة الاختناق، وبحلول هذه الساعة المتأخرة، كان أغلب الراقصين يتمايلون تحت تأثير الكحول. كان أصحابُ المال البدينون، الذين تجعَّدَت قمصانهم، يحضنون زوجاتهم الممتلئات أو عشيقاتهم النحيفات، اللاتي كانت ظهورُهن عارية وصدورُهن شبه مكشوفة ومزينة بالألماس واللؤلؤ، وشفاههن مطلية بأحمر الشفاه، وجلجلَت الأساور البلاتينية في آذانهن وهن يرقصْنَ رقصةً فوضويةً على إيقاع الطبول، وأنغام الساكسفون، وقعقعةِ العِصي، ورنين الأجراس، وزمجرة الأبواق المتوقفة. «إنها تمشي مشية الجِمال!» كان صوت المغني حادًّا وكانت عضلاتُ حوضِ وأردافِ الرأسمالي ذي الخصر الكبير تنقبضُ وتسترخي بالتناوب، ويجرُّ قدمَيه على الأرض في ردودِ فعلٍ غيرِ متناسقة، وكأنه يعاني من اختلاجٍ حركي وشللٍ نصفيٍّ تشنُّجي.

١٤

بدأ بول يحرِّك ذراعَيه بعنف، فوجب الإمساكُ به، وعندما حاولوا فعل ذلك، أخذ يُقاوِم جهودهم بشراسة. هل ظن أن حُراس الإضراب في بارادايس قد ألقَوا القبض عليه؟ أم أنهم السجانون في سان إليدو؟ أم عملاء المخابرات الفيدرالية؟ أم رجال الدرك الفرنسيون؟ أم بحَّارة الأسطول؟ أم البلطجية المسلحون بالفئوس والأنابيب الحديدية؟ لقد قاتل بإصرارٍ شديد، فأمسك كلٌّ من باني وجريجور بإحدى ذراعَيه، وأمسكَت كلٌّ من روث ورايتشل بإحدى قدمَيه، بينما أسرعت الممرضةُ لإحضار قميصِ التقييد. وبجهدٍ كبيرٍ تمكَّنوا من تثبيته بإحكام. كان يكافح بلا هوادة، وتحوَّل وجهُه إلى اللون الأرجواني، وانتفخَت الأوردة في رقبته، لكن النظام سيطَر عليه، ولم يكن هناك مهرب.

وفي هذه الأثناء، ومن خلال النافذة المفتوحة، بث راديو فِي إكس زي الأجواءَ المفعمةَ بالحيوية من غرفة الطعام الرئيسية في فندق أدميرالتي، كانت الأصواتُ مزيجًا من أصوات مئات الأشخاص وهم يصرخون، ويُغنُّون، ويهتفون، وأحيانًا يحطِّمون طبقًا أو يضربون على طاولة. كان شخصٌ ما يُلقي خطابًا أمام الجمهور، على الرغم من كونه في حالة سُكْر، لدرجة أن الخطاب كان غير مفهوم تقريبًا، وكان جميع الحاضرين في حالة سُكرٍ أيضًا؛ فلم يكونوا ليفهموا الخطاب على أية حال. وكان يمكن تمييزُ أجزاءٍ من الخطاب، مع عبارات مثل «النصر المجيد»، و«أعظم بلد»، و«المؤسسات الحكيمة»، و«أعظم رجل على الإطلاق في البيت الأبيض»، «الكاليفورني الحذر، تحية لكوليدج!» تعالى صوتُ احتفالٍ صاخب، وهتافات، وصيحات، وضحكات، وصوت المذيع المخمور هو الآخر، وهو يهتف: «حبيبتي بيل، حبيبتي الصغيرة المثيرة، من فضلكِ غني لنا أغنيةً مثيرةً على الفور. عزيزتي، أنا هنا لدعمكِ!»

كان من الواضح أن المذيع مخمور، وكان البث الإذاعي بأكمله مخمورًا أيضًا، وفشلَت الأجهزة في إرسال الأطوال الموجية بدقة، مما أدى إلى اهتزازها، بدت قوانين الكون المادي مرتبكة، كما لو أن الربَّ نفسَه كان مخمورًا على عرشِه، مبتهجًا بانتخاب أعظم رجلٍ يسكُن البيت الأبيض. وأدرك باني المرهَقُ المشهد من خلال مجموعةٍ من الأصوات والحركات؛ الأبواق المتلألئة، والتلويح بالأعلام، ووميض الإشارات الكهربائية، وتصرُّفات الشهوانيين، ورقصات المتوحِّشين، واهتزاز رجال المال وعشيقاتهم في محاكاةٍ للجماع. غنت بيبي بيل، التي بدت غير متزنة أمام الميكروفون، أغنيتَها على أجزاءٍ بسبب ترنُّحها، وكانت هذه الأغنية تعبِّر عن الشهوانية الشديدة: «مامي المثيرة، الفاتنة التي لا تُقاوَم … الفتاة الأكثر إثارة في المدينة … الجذابة … عذاب الحب … الفتاة التي تُشعِل النار في قلوبهم!»

صرخت روث: «يا إلهي! يا إلهي! إنه يُحاوِل التحدث معي!» وفي لحظة، بدا الأمر كما لو كان يفعل ذلك فعلًا. فتح بول إحدى عينَيه وكشفت عن نظرةٍ غاضبةٍ ومرعبة، ورفع رأسه وأصدر صوتًا مختنقًا …

صاح مذيع الراديو: «عندما يتعلق الأمر بالحب، فهي مثيرة!».

صرخَت روث: «بول! ما الأمر؟»

«أليس من الغريب أن تحترق النقود الورقية في يدها!»

انهار بول مرةً أخرى على السرير، مستسلمًا، وبدت روث، وقد شبَّكَت يدَيها معًا كما لو كانت تُصلِّي من أجله، وكأنها تتبعُه بروحها إلى ذلك العالم البعيد الذي كان ذاهبًا إليه.

«مامي المثيرة، التي تعمل في منجم، أكلَت علبةً من أعواد الثقاب في سن التاسعة!»

وضعَت روث يدَها على صدر بول، ثم أجفلت متراجعةً وهي تصرخ: «لقد مات! لقد مات!»

غنى الكورال مرةً أخرى: «مامي المثيرة، الفاتنة التي لا تُقاوَم، الفتاة الأكثر إثارةً في المدينة!»

فاندفعَت روث نحو النافذة، كما لو كانت تُحاوِل القفز، لكن باني كان أسرع وتمكَّن من إيقافها، وانضمَّ الآخرون للإمساك بها، بينما أحضَرَت الممرضةُ إبرةً تحت الجلد بسرعة، وفي غضونِ دقائقَ قليلة، كانت روث مستلقيةً على سريرٍ نقَّال بجانب الغرفة، وبدَت وكأنها جثةٌ هامدة، مثل شقيقها.

وفي هذه الأثناء، تحوَّل صاحبُ المنزل إلى إذاعة آر دبليو كي واي، إنجِل سيتي باتريوت التي تبثُّ من الاستوديو المخصَّص لها. «آخر تحديث من نيويورك: تؤكِّد اللجنة المركزية للحزب الجمهوري أن كالفن كوليدج حصل على أعلى أغلبيةٍ تم تسجيلُها على الإطلاق في التاريخ الأمريكي، ما يقرُب من ثمانيةَ عشرَ مليونَ صوت. تصبحون على خيرٍ يا أصدقاء راديولاند الأعزاء.»

١٥

كان الشيوعيون يرغبون في تنظيم «جنازة حمراء» بغرضِ استغلالِ موتِ بول للدعاية. لكن إيلاي تدخَّل وفرض سلطته، وبما أن بول قد تاب عن شَرِّه وعاد إلى يسوع، فيجب دفنُه وفقًا لطقوس الوحي الثالث.

وهكذا، وبعد ثلاثة أيام، شَقَّ موكبٌ متواضعٌ طريقه إلى قمة أحد تلال بارادايس. وتجمَّع حشدٌ من الناس، وكانت هناك شاحنةٌ بها معدَّات الراديو اللازمة، فلم يُسمَح لكلمةٍ واحدةٍ من خطاب إيلاي الثمين أن تمُر دون سماعها هذه الأيام، أُخطِرت جميعُ ربَّاتِ البيوتِ اللاتي لديهن راديو في كاليفورنيا، واللاتي يبلغ عدَدُهن مائتَي ألف، من خلال الصحف، وأجَّلَت مائةٌ وتسعون ألفَ ربة بيت منهن أعمالَها اليومية؛ للاستماع إلى قدَّاس هذه الجنازة المؤثِّرة. وقف باني ورايتشل ومجموعةٌ صغيرةٌ من الحُمْر جانبًا، مدركين أن وجودَهم لم يكن موضعَ ترحيب. ووقفَت روث بالقرب من القبر بجانب العائلة المنكوبة، يُحيط بها من كلا الجانبَين اثنان من عمال النفط الأقوياء، صهراها، آندي بوجنر وجيري بلاك؛ وذلك لأنها كانت معروفةً بتصرُّفاتها العنيفة في بعض الأحيان، ولم يكن أحدٌ متأكدًا مما يمكن أن تفعله. كانت شاحبةً وخائفة، لكنها بدَت غافلةً عما تعنيه الحفرةُ العميقةُ في الأرض والتابوت الأسود الطويل المزيَّن بالزهور. وبينما كان إيلاي يُلقي خطبته الحماسية حول عودة الابن الضال والحمَل الضائع الذي عُثِر عليه، حدَّقَت روث في السُّحُب البيضاء التي كانت تنجرف خلف قمم التلال البعيدة.

لم يكن لديها أيُّ نية في التسبُّب في أي مشكلةٍ أخرى. كانت رغبتها الوحيدة هي أن تتجوَّل في هذه التلال، وتُنادي بين الفَينة والفَينة على الأغنام التي لم تعُد موجودة. وفي بعض الأحيان، كانت تُنادي بول، وأحيانًا أخرى كانت تُنادي باني؛ لذلك سمحوا لها بالتجوُّل بحرية، وفي أحد الأيام، بدأَت تُنادي جو جوندا. لم يكن عمال النفط الذين كانوا يقومون بتركيب أبراجٍ جديدةٍ، وإعادة الآبار المحروقة إلى الإنتاج على دراية بمنطقة روس الابن؛ إذ يُشار إليها الآن باسم منطقة روسكو الابن؛ فقد تولَّى مسئوليةَ المنطقةِ أحدُ أبناء فيرنون روسكو الأربعة. لم يكن هؤلاء العمال الجدد على علم بقصة «عامل الحفر» الذي وقع في البئر المكتشفة حديثًا؛ لذا لم يُعيروا الفتاةَ الحزينةَ التي تتجوَّل وتُنادي اسمَه أيَّ اهتمام.

وفي وقتٍ متأخرٍ من تلك الليلة، عندما أُبلِغ عن اختفاء روث، وبدأَت العائلة في البحث، ذكَر أحدُهم أنه سمع نداءها لجو جوندا. تذكَّرَت ميلي الحادثةَ على الفور، وأنزلوا خطَّافًا في البئر المكتشفة حديثًا، التي كانت في طَور الحَفْر مرةً أخرى، واستعادوا قطعةً من فستان روث، مما دفعهم إلى استخدام خطافٍ ثلاثيِّ الشُّعَب لاستعادة ما تبقَّى منها، وجاء إيلاي مرةً أخرى، ودفنوها بجانب بول، ليس بعيدًا عن المكان الذي دُفِن فيه جو جوندا.

يمكنُك أن ترى تلك القبور محاطةً بعوارضَ رأسية، دونَ وجودِ أي رافعاتٍ بالقرب منها لمسافةِ مائةِ قدمٍ أو أكثر. ويومًا ما في المستقبل، ستُزال جميعُ رافعاتِ النفطِ القبيحة، وكذلك العوارض الرأسية والقبور. وسوف تركُضُ فتياتٌ أخريات، بسيقانٍ بنيةٍ عارية، فوق تلك التلال، وقد يكبرْنَ ليُصبحْنَ نساءً أسعد، إذا تمكَّن الرجالُ من معرفةِ كيفيةِ تصفيدِ الشيطانِ الأسودِ القاسي الذي قتل روث واتكينز وشقيقها، وكذلك الأب؛ إنه قوةٌ شيطانيةٌ تجول في العالم، وتُصيب أجسادَ الرجالِ والنساءِ بالشلَل، وتستدرج الأمم إلى دمارها بأحلامِ الثراءِ السهل، وبفرصةِ استعبادِ العمالِ واستغلالِهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤