الفصل الثامن

الحرب

١

كانت يونيس هويت هي ابنة «تومي» هويت، صاحب شركة هويت وبرينرد، التي تُرى إعلاناتها عن أوراقها المالية الاستثمارية على الصفحات المالية لصحف بيتش سيتي. وكان تومي يُوجَد في السباقات ومباريات الملاكمة، وعادةً ما كان يُلاحَظ أنه يصطحب سيدةً جديدة، تضع الكثير من مساحيق التجميل، وفي بعض الأحيان كانت تضع وشاحًا على رأسها، لكن كان عليك التحلِّي باللباقة وعدم التدخُّل في هذا الأمر، وإدراك أن تومي «رجل لعوب». أما زوجته فكانت تُرى صورها بين «مضيفات الأسبوع المميزات»، وكانت مهتمةً بالفن؛ ولذا كان يزورها بالمنزل شبانٌ عاطفيون. تفهَّم الخدم الوضع، وكذلك فعلَت يونيس.

كانت فتاةً نحيلةً، ضئيلة الحجم، ذات بشرةٍ داكنة، مفعمة بالحيوية وسرعة الحركة، لكنها كانت ضيقة الخُلُق. كانت تحضر صفَّين مع باني، وبعدما اكتشفَت أنه شابٌّ جاد، كانت تضايقه بكلامٍ حادٍّ ولاذع، لدرجة أنه لم يتيقن مطلقًا مما إذا كانت تفعل ذلك عن قصد أم لا، ولم يجرؤ على سؤالها؛ لأنه حينئذٍ ستكون مضايقاتها له أسوأ من ذي قبل. كانت تتبعها دائمًا نصف دزينة من الزملاء؛ لذلك كان من السهل الابتعاد عن طريقها.

ولكن عصر أحد أيام السبت، فاز باني بسباق ٢٢٠ ياردة لفريق المدرسة، مما جعله بطلًا نوعًا ما، واحتشد الأولاد والبنات حوله، وهم يهتفون ويُربِّتون على ظهره. ثم بعد استحمامه وارتدائه لملابسه، خرج بحثًا عن سيارته، وكانت يونيس في اللحظة نفسها تستقل سيارتها المكشوفة، وقالت له: «دعني أوصلك.» أجاب: «سيارتي الخاصة معي هنا»؛ صاحت قائلة: «يا إلهي، يا لكَ من فظٍّ بغيض! اركب هذه السيارة في الحال، أيها الشاب!» وهكذا بالطبع انصاع لأوامرها، وهو متوتر قليلًا. وعندما قالت: «هل تخشى أن يسرق أحدٌ ما سيارتك القديمة الرخيصة؟» لم يستطع أن ينافح عن هدية الأب الأخيرة التي كانت أحدث طرازٍ وباهظة الثمن.

قالت: «باني، هناك شجارٌ دائر بين أمي وأبي في المنزل، والحال مريعٌ هناك.»

قال بتعاطف: «حسنًا، ماذا تريدين أن تفعلي؟»

«دعنا نذهب إلى مكانٍ ما ونتناول العَشاء، بعيدًا عن كل شيء. هيا، أنا أدعوك.»

لذلك قادا السيارة لمدة ساعة أو نحو ذلك، وصَعِدا إلى أعلى تلٍّ عَبْر طريقٍ متعرج، وكان هناك مقهًى، له شرفة تُطِل على خليجٍ وشاطئٍ صخري، كان من الممكن أن يكون مشهورًا لو كان في إيطاليا. تناولا طعام العَشاء، وتجاذبا أطراف الحديث حول شئون المدرسة، وأخبرَتْه يونيس عن حياتها المنزلية، وكيف أن أحدهم أرسل لوالدتها رسالةً تكشف عن أن والدها دفع الكثير من المال لامرأة، وغضبَت السيدة هويت لأنها لم تفهم لماذا يرتكب الرجال أفعالًا تُلزِمهم بدفع المال.

غربَت الشمس فوق المحيط، وأُضيئَت المصابيح على طول الشاطئ، وارتفع بدرٌ تمامٌ كبيرٌ من خلف التلال، وقالت يونيس: «هل تُحبني ولو قليلًا يا باني؟» أجابها أنه يُحبها بكل تأكيد، وقالت: «لكنك لا تُظهِر ذلك مطلقًا.» أوضح لها قائلًا: «حسنًا، لم أعرف قطُّ طبيعة شعوركِ؛ لأنكِ تسخرين مني دائمًا»، ردَّت عليه: «أعلم يا باني؛ فأسلوبي مقيت، لكن الحقيقة هي أنني أفعل ذلك فقط للحفاظ على شجاعتي. أيضًا أنا أخاف منك؛ لأنك جادٌّ وأنا مجرد ثرثارةٍ سخيفة؛ ولذلك أنا مضطرةٌ لأن أتصرَّف على هذا النحو.» حينئذٍ تمكَّن باني من الاستمتاع بالنزهة.

ركبا السيارة وانطلقا مرةً أخرى. كان الطريق يمُر عَبْر مجموعة متشابكة من الكثبان الرملية، تمتد لأعلى مستوى المحيط. قالت يونيس: «يا إلهي، يا له من منظرٍ رائع!»، وعندما وصلا إلى مكانٍ كانت الأرض فيه صلبة، أوقفَت السيارة بجوار الرصيف. وقالت: «دعنا نذهب ونشاهد المحيط. هناك بساطٌ في الخلف.» لذا أخرج باني البساط، وسارا فوق الكثبان الرملية، وجلَسا فوق أحدها، واستمعا إلى صوت الأمواج بالأسفل، ودخَّنَت يونيس سيجارة، ووبَّخَت باني لأنه شابٌّ متشددٌ فظيع، لا يمكنه أن يكون جليسًا مؤنِسًا لها. بعد قليل، مرَّ بهما رجل ونظر إليهما وهو يسير، فقالت يونيس: «هل تحمل مسدسًا؟» وعندما قال إنه لا يحمل واحدًا، علَّقَت قائلة: «من المفترض أن تُحضِر معك مسدسًا هذه الأيام، عندما تذهب مع فتاةٍ إلى نزهة ملاطَفة.» لم يكن باني قد أدرك أن هذه كانت بالضبط نزهة للملاطفة، لكن بالتأكيد لم يكن من التهذيب أن يقول ذلك.

استمع إليها وهي تخبره عن قطَّاع الطرق الذين كانوا يكسبون أقواتهم من سرقة الشباب الذين يوقفون سياراتهم على جانب الطريق، وأخبرته بأن بعضهم كانوا يتعاملون بوحشية مع الفتيات، وسألَته عما سيفعله إذا ظهر أحدهم فجأة؟ قال باني إنه لا يعرف، لكنه بالطبع سيبذل قصارى جهده للدفاع عن امرأة. قالت يونيس: «لكنني لا أريدك أن تُصاب بطلقٍ ناري. لدينا فضيحةٌ بالفعل في عائلتنا.» ولذا استطردَت قائلة: «دعنا نرحل عن هنا يا باني» فلمَّ البساط وتجوَّلا فوق الكثبان، بعيدًا عن الطريق وعن كل شيء، وفي أحد التجاويف المنعزلة الهادئة حيث كانت الرمال ناعمة وملساء، طلبَت منه أن يفرد البساط مرةً أخرى، وهناك جلسا، مختبئَين من كل شيء إلا القمر الأصفر المستدير، الذي شهد ملايين وملايين من تلك المشاهد، لكن دون أن يُفصِح يومًا عما كان شاهدًا عليه.

جلسا متجاورَين، وأراحت يونيس رأسها على كتف باني وهمست: «هل تهتم لأمري ولو قليلًا؟» أكَّد لها أنه يهتم لأمرها، لكنها أخبرَتْه أن هذا غير صحيح، وأنه لا بد أنه يحسبها جريئة وفظيعة، وعندما أخبرها أنها لم تكن كذلك، قالت: «إذن لماذا لا تُقبِّلني؟» بدأ في تقبيلها، لكنها لم تكن راضية، وأخبرَتْه أنه لم يكن صادقًا في قُبلته، وفجأة همسَت قائلة: «باني، أعتقد أنك لم تُحب حقًّا فتاةً من قبلُ!»

اعترَفَ لها بأنه لم يُحب فتاةً من قبلُ. قالت: «لطالما عرفتُ أنك فتًى غريب الأطوار. ما خطبُك؟» أجاب باني أنه ليس لديه فكرة، وكان يرتجف بشدة؛ لأنه لم يكن قد اختبر هذا الشعور من قبلُ، واندلعَت بداخله عدةُ مشاعرَ مختلفةٍ في الوقت ذاته، ولم يكن يعلم أي واحد منها عليه أن يتبعه. همسَت الفتاة: «دعني أعلمك يا باني»، وعندما لم يرُدَّ عليها على الفور، وضعَت شفتَيها على شفتَيه وقبَّلَته قبلةً طويلةً أصابَتْه بالدُّوار. تمتم بصوتٍ خافت أن شيئًا ما قد يحدث، وأنها قد تقع في مشكلة، لكنها أخبرته ألا يقلق بشأن ذلك؛ فهي على علم بهذه الأشياء واتخذَت الاحتياطات اللازمة.

٢

هكذا بدأ باني رحلته في حياة الكبار. لقد ولت أيام البراءة السعيدة، عندما كان من الممكن أن يكتفي بالجلوس ممسكًا بيد روزي تينتور. كان «مسك الأيدي» الآن يشبه السير على حافةٍ زلقة، فوق هاويةٍ مظلمة اختلطَت فيها المتعة مع الألم، وأصبح من الصعب التمييز بينهما. كان باني خائفًا من العواطف الجيَّاشة التي استولت عليه، ومرعوبًا من سلوك الفتاة التي بين ذراعَيه؛ فقد كانت تهتز كما لو كانت تُعاني من نوبة جنون، وتتشبث به وهي تتشنَّج من الإثارة، تتداخل أصواتُ بكائها مع ضحكاتها، وتطلق صيحاتٍ قليلة تشبه صيحات حيوانٍ يتألم. وكان على باني مشاركتُها في هذا الهذيان؛ فما كانت لتقبل بغير ذلك، وكانت تغضب بشدةٍ عندما لا تحصُل على ما تريد؛ فقد كانت سيدةَ هذه الطقوس الشيطانية، وكان عليه أن يطيع أوامرها. في المرة الأولى، كان الصبي مرتاعًا عندما أدركَ ما فعله، لكنها تعلَّقَت به، وهمسَت قائلةً: «أوه، لا تخجل يا باني! لا تخجل! لن أدعك تشعُر بالخجل! لماذا لا يحق لنا أن نكون سعداء؟ أوه، من فضلك، من فضلك، كن سعيدًا!» لذلك كان عليه أن يَعِدها، ويبذل قُصارى جهده.

«أوه، يا باني، يا لك من حبيبٍ رائع! سوف نحظى بأوقاتٍ طيبة.» كانت هذه هي تهويدتها التي هدَّأَت بها من روعه، وهي بين ذراعَيه، تحت قمر الربيع، الذي يُطِل على كاليفورنيا وعلى العالم أجمع. وعندما بدأ برد ليالي كاليفورنيا يتسلل إلى عظامهما، لم يتمكَّنا من أن ينفصل أحدهما عن الآخر، وعلى طول الطريق عَبْر الكثبان الرملية كانا يسيران ويتأبط أحدهما ذراع الآخر، ويتبادلان القبلات. «أوه، باني، لقد كنتُ جريئة وسيئة، ولكن أخبرني أنك سامحتَني، أخبرني أنك مسرور بما فعلتَه!» بدا أنه كان من واجبه طمأنتُها.

في طريق العودة إلى بيتش سيتي، تحدثا عن هذه المغامرة. لم يكن باني قبل ذلك قد فكَّر كثيرًا في الجنس، ولم يكن لديه فلسفةٌ جاهزة، لكن يونيس كانت لديها فلسفتُها، وأخبرَتْه بها ببساطة وبصراحة. كان الكبار يملئون رأسك بالكثير من الحماقات حول هذا الموضوع، وبعدها كانوا يتسللون ويعيشون حياتهم بطريقة مختلفة، فلماذا تترك نفسك تنخدع «بنواهٍ» سخيفة؟ لم يكن الحب مشكلةً ما دمتَ تتصرف بطريقةٍ مقبولةٍ اجتماعيًّا، وعندما تكتشف أنه ليس عليك إنجابُ أطفال، فلماذا تكلِّف نفسك عناء الزواج؟ كان معظم المتزوجين بائسين على أي حال، وإذا تمكَّن الشباب من أن يجدوا طريقةً يكونون بها سعداء، فالأمر بيدهم، وما لا يعرفه الكبار لن يضُرَّهم في شيء.

هل رأى باني أي خطأ في ذلك؟ أجاب باني بالنفي، وقال إن السبب في كونه «شديد التحفُّظ» هو أنه لم يكن يعرف يونيس حق المعرفة. قالت إنه من المفترض أن الرجال لا يهتمون بالفتاة التي تتودَّد إليهم، وأضافت بغنج، أنه لذلك من الآن فصاعدًا سيتولَّى باني أمر محاولات التودُّد إليها. أبدى موافقتَه على اقتراحها، وقال إنه كان على استعدادٍ للتنفيذ على الفور، لولا أن يونيس كانت تقود السيارة بسرعة ٤٠ ميلًا في الساعة؛ ولذا كان إيذاء مشاعرها أفضل من إلحاق الضرر بالسيارة.

أراد باني أن يعرف ما إذا كانت هناك فتياتٌ أخريات مثل يونيس، أخبرَتْه أن هناك الكثيرات، وذكرَت أسماء بعضهن، وفوجئ باني وكان مصدومًا قليلًا؛ فبعضهن كان لهن دورٌ بارز في شئون الفصل، وكن يبدون محترمات. أخبرَتْه يونيس عن طرقهن، وكان الأمر يشبه إلى حدٍّ كبير مجتمعًا سريًّا، مع عدم وجود أي مديرين أو طقوسٍ رسمية، ولكن كانت هناك قوانينُ صارمة. أطلقن على أنفسهن اسم «الزولو»؛ حيث تجرَّأن على فعل ما يحلو لهن، واحتفظن بأسرار بعضهن بكل إخلاص، وساعدن الفتيات الأصغر على تعلم ما كان ضروريًّا لسعادتهن. كانت الكبيرات يحرصْنَ على الحفاظ على هذه المعلومات، على سبيل المثال كيف تتجنَّبين إنجاب الأطفال، وماذا تفعلين إذا «افتُضِح أمركِ». كانت هناك معرفةٌ سرية عن فن الحب، في كتب تُباع في متاجرَ معيَّنة، أو مخبَّأة وراء كتبٍ أخرى في غرفة مكتب والدك. وستنتشر هذه الكتب ويقرؤها الكثيرون.

كان هؤلاء الشباب يُعِدُّون لأنفسهم نظامًا أخلاقيًّا جديدًا، دون أي مساعدة من ذويهم. وبالطبع لم تكن يونيس على دراية بأنها كانت تفعل شيئًا جليلًا كهذا؛ كانت تتحدث فقط عن مشاعرها، والأشياء التي كانت تُحبها والأشياء التي كانت تخاف منها. وكانت تتساءل: هل من الصواب أن تُحب بهذه الطريقة أم بتلك؟ وماذا كان رأي باني في إمكانية حب فتاتَين في الوقت ذاته؟ كانت كلير رينولدز ترى أنه لا يمكنك فعل ذلك، لكن بيلي روزين كان لها رأيٌ آخر، وكانتا تتشاجران طَوال الوقت. لكن ماري بليك كانت سعيدةً جدًّا بارتباطها بصبيَّين أحبَّاها واتفقا على ألَّا يشعُرا بالغيرة. كان باني يخطو خطواته الأولى في هذا العالم الجديد؛ ولذا كان يطرح الكثير من الأسئلة، ولم يستطع منع نفسه من الشعور بالخجل عند سماع بعض ردود يونيس التقريرية.

تسلَّل باني إلى المنزل في الساعة الثانية صباحًا، دون أن يلاحظه أي فردٍ من أفراد الأسرة. لكنه تأخر بالقَدْر نفسه في الليلة التالية، وفي الليلة التي تليها، ألم يَعِد يونيس «بتولي أمر محاولات التودُّد»؟ عندها، بالطبع، أدركَت العائلة أن ثمَّة خطبًا ما، وكان من المثير للاهتمام رؤية ردود أفعالهم. كانت العمة إيما والجدة في «حالة» يُرثى لها، لكنهما لم تستطيعا تحديد السبب، وكان هذا هو العائق الذي فرضَه الجيل القديم على نفسه. ذهبَت كلتاهما إلى الأب، لكنهما لم تتحدثا إلا عن رجوع الصبي في وقتٍ متأخر وتأثير ذلك على صحَّته. وحتى الأب نفسه لم يستطع أن يفعل أكثر من ذلك بكثير. فعندما قال باني إنه كان يتجول بالسيارة برفقة يونيس هويت، سأله الأب عما إذا كانت فتاةً «لطيفة». أجاب باني أنها كانت أمينةَ صندوقِ فريق كرة السلة للفتيات، وأن والدها هو السيد هويت، الذي كان الأب يعرفه، ولديها سيارتها الخاصة، وأنها حتى عرضَت دفع ثمَن العَشاء. ولذلك استبعد الأب فكرة أن يتعرض باني لأي «إغراءات»، وقال له: «على رِسلِك، يا بني، لا تحاول أن تعيش حياتك كلها خلال بضعة أسابيع.»

أيضًا كان رد فعل أخت باني مثيرًا للفضول. مما جعل باني يتساءل عما إذا كان قد وصلَت إلى بيرتي بعض الرسائل السرية، من خلال علاقاتها مع فتيات «الزولو». فهي لم تزِد عن أن قالت له: «أنا سعيدة لأنكَ وافقتَ على الاهتمام بشيءٍ ما بجانب النفط والعمال المضربين على سبيل التغيير.» لكن خلف هذه الجملة كان يكمُن بحر من المعرفة الأنثوية الهادئة! وبدأ يتوالى على عقل باني سيلٌ من الأفكار الجديدة. هل من الممكن أن يكون سببُ تأخر أخته ليلًا هو نفس سبب تأخره؟ كان من المفترض أن تكون بيرتي في إحدى حفلات الرقص، فهل كانت تعود دائمًا إلى المنزل مباشرةً، أم أنها أيضًا كانت تُوقِف سيارتها على جانب الطريق؟ كان باني قد تجاوَز صدمة وقوف سيارة يونيس على جانب الطريق، لكن الأمر استغرق وقتًا أطول ليعتاد فكرة أن أخته كانت تُوقِف سيارتها على جانب الطريق. وبدأ يلاحظ، وهو يقود سيارته على طول الطرق السريعة في المساء، أن هناك عددًا كبيرًا من السيارات الواقفة هناك!

٣

حدَث كل هذا قرب نهاية الإضراب، وتزامن أيضًا مع خوض أمريكا للحرب. لذلك اختلطَت الإثارة الجنسية في ذهن باني بحماسته الوطنية. كان الأمران مرتبطَين أكثر مما تظن؛ فالشباب كانوا يستعدون للتوجه إلى المعركة، مما أدى إلى تخفيف المعايير المفروضة على السلوك الجنسي. وتسبَّبَت احتمالية عدم رجوع الشباب في التقليل من أهمية أفعالهم في هذه الأثناء. مما أدى إلى تعاطُف الفتيات مع الفتيان الذين كانوا على استعدادٍ لاقتناص القليل من المتعة قبل فوات الأوان.

كان باني صغيرًا جدًّا على الانضمام للجيش في مرحلة التجنيد الأولى، لكنه انضم إلى التدريب العسكري في المدرسة، مما أسبغ عليه إحساسًا بالهيبة العسكرية. كان هناك فيلقٌ في المدرسة الثانوية مزوَّد ببنادقَ قديمةٍ خاصة بميليشياتٍ تابعة للدولة، وكان ملعب المدرسة ممتلئًا بمجموعات من الفتيان يسيرون وهم يردِّدون: «هوب، هوب! هوب، هوب! إلى اليمين دُر! إلى اليسار دُر!» وبالرغم من أنهم كانوا يتعثَّرون ويدوسون بعضُهم على أقدام بعض، كانوا يحافظون على تلك النظرة المتجهِّمة على وجوههم الشابة. وسرعان ما حصَلوا على الزي العسكري، وانطبق الأمر كذلك على الفتيات اللواتي انضمَمن إلى فيلق تدريب الممرِّضات. وكان الفتيان والفتيات يلتقون في اجتماعات المدرسة ويُغنُّون الأغاني الوطنية بحماسة.

أجل، كانت حربًا حقيقية! كانت أساطيل كاملة من سفن الشحن تنقل الإمدادات إلى إنجلترا وفرنسا، وفرقًا من المهندسين والعمال لتمهيد الطريق للجيش. وكان الرئيس يلقي خطبًا رائعة، تتسم بالحماس والبلاغة. ظهرَت جماعة من الرجال الأشرار، يُدعَون الهون، وكانوا يهدِّدون الحضارة؛ ولذا كان على أمريكا الديمقراطية استخدام قوَّتها للقضاء عليهم. وبمجرد إنجاز هذه المهمة، ستنتهي جميع مشاكل العالم؛ لذلك كان واجبًا على كل وطني أن يشارك في هذه الحرب التي ستكون آخر الحروب، الحرب التي كانت تهدف إلى الدفاع عن الديمقراطية وإنهاء الحرب الدائرة. ردَّد السياسيون المخضرمون وقليلو الخبرة هذه الفكرة، ونشرَتْها الصحف في ملايين من النسخ كل ساعة، وتدرَّب العديد من «الرجال المتطوعين لإلقاء خطبٍ قصيرة لا تتعدى الدقائق الأربع» على الذهاب إلى المصانع والمسارح، وحيثما كانت الحشود تتجمع، لحثِّ أمريكا على خوض هذه الحرب الهادفة.

قرأ أفراد عائلة روس، مثل جميع العائلات الأخرى، ما يُكتب حول هذا الأمر واستمعوا إلى ما يُقال وتجادلوا بشأنه. وكان باني، الشاب المثالي، يصدِّق كل ما تنشُره هذه الدعاية؛ فقد كان هذا بالضبط ما أراد تصديقه؛ لأنه كان يتماشى مع أفكاره. ودارت المناقشات بينه وبين والده اللطيف المتأني الشكَّاك بحذَر. وكان الأب يرى أن الفوز بالحرب أمرٌ حتمي، طالما أصبحنا طرفًا فيها. ولكن فيما يتعلق بالمستقبل، فليس علينا أن نشغل بالنا بالتفكير فيه الآن. فقد كان الأب منشغلًا أولًا بتسوية الإضراب، وبعد ذلك ببيع النفط في سوقٍ ترتفع فيها الأسعار باستمرار. فلم يكن هناك أي معنًى لبيع النفط بثمنٍ بخس، في الوقت الذي أرادت فيه الحكومة حفر المزيد من الآبار؛ فكيف سيحصلون على التمويل اللازم، ما لم يُبَع المنتج؟ كانت الحكومة تدفع بسخاء، واعتبر الأب ذلك الفعل أمرًا في غاية الوطنية؛ ولذا كان يهتم بحفر آباره، ويترك الخطب الحماسية للسياسيين.

اعتبرَت العمة إيما التحدُّث مع صبي بهذه الطريقة أمرًا مخزيًا، ووبَّخَت الأب بشدة، مستغلةً كونها «زوجة أخيه». فقد كانت العمة إيما تذهب إلى النوادي، وتستمع إلى النساء الوطنيات اللاتي كن يلقين خطبًا عن الأطفال البلجيكيين الذين قُطِّعَت أيديهم، وعن مستودعات الذخيرة التي فجَّرها الجواسيس الألمان، وكانت تعود إلى المنزل وهي تشعر بحميةٍ عسكرية. ولم تكن بيرتي أفضل حالًا؛ لأن صديقها الذي كان يصطحبها إلى حفلات الجاز كان عضوًا نشطًا في إحدى جمعيات الدفاع، وكان على درايةٍ بأسماء جميع العملاء الألمان في جنوب كاليفورنيا، وبمخطَّطاتهم الشريرة؛ لذلك كانت بيرتي مفعمةً بالكثير من التلميحات المبهَمة، وبشعور بمسئوليةٍ رهيبة.

لا يمكنك مطلقًا توقُّع كيفية تأثير هذا الحماس للحرب على كل شخص. على سبيل المثال، هل يمكن أن تتخيل أن سيدةً عجوزًا راقية تجاوزَت السبعين من العمر، نشأَت في مزرعة، ومعروفًا عنها عشقها للرسم بالزيت، تُفصِح بشكلٍ غير متوقع عن تعاطُفها مع جماعة الهون؟ هذا بالضبط ما حدث مع الجدَّة، التي أعلنَت أنها غير مهتمة على الإطلاق بهذه الحرب؛ فالألمان ليسوا أسوأ من أي طرفٍ آخر معني؛ فقد كانوا جميعًا ملطَّخين بالدماء، وكان الهدف من كل قصص الفظائع هذه ومن هُراء التجسس جَعْل الناس يكرهون العدو. لكن الجدة لن تضمر أي كراهية لأي شخص، بغَض النظر عن مدى غضب إيما وبيرتي وبقية أفراد العائلة؛ ولذا شرعَت في إظهار تحديها من خلال رسم لوحة لبعض الألمان يرتدون أزياءً تقليديةً قديمة، ويشربون الجعة من أقداحٍ كبيرةٍ ملوَّنة. وأرادت تعليق هذه اللوحة في غرفة الطعام، ونشب خلافٌ كبير، حيث حاولَت العمة إيما وبيرتي إقناع الأب بالحيلولة دون حدوث ذلك!

شكَّل كل هذا جزءًا من عملية تعليم باني؛ حيث كان يستمع ويتعلم. فقد تعلم من والده المسن الهادئ الحازم أن يبتسم بودٍّ ردًّا على نواقص الطبيعة البشرية، وأن يستمر في جمع الدولارات. كان لا بأس من خوض تلك المناقشات، ولكن في نهاية المطاف، ما كان سيضمن الانتصار في الحرب هو الرصاص والقذائف، التي لن تصل إلى ساحة المعركة إلا عن طريق وسائل النقل. وكان النفط الذي يخرجه الأب من الأرض يُستخدم في سير شاحناتٍ كبيرة تنقل الذخائر إلى الجبهة، وكان يُستخدم في سير أكبر وأسرع سفن شحن والمدمِّرات السريعة التي كانت تحميها، إلى جانب استخدامه في تشحيم الآلات في المصانع، وكان الطلب عليه في ازديادٍ مستمر. وبمجرد انتهاء الإضراب، شرع الأب في توقيع عقودٍ مع الحكومة، لحفر عشرات الآبار الجديدة في حقل بارادايس. الشيء الوحيد الذي كان يُزعجُه هو أنه لم يستطع مضاعفة عدد العقود والآبار إلى ثلاثة أمثال، وأن كبار التجار، الذين كانوا يسيطرون على البنوك، لن يسمحوا له بالحصول على ما يكفي من المال، على الأقل إذا لم يشاركهم ويتركهم يَجْنون معظم الأرباح. كانت تلك حربًا من نوعٍ مختلف، حربًا تحدث في الديار، ولم يكن من المتوقع أن تنتهي بخطبٍ رئاسية. كان الأب يشرح ذلك لباني، باعتباره أحد الأسباب التي تحدُّ من «مثالية» رجل الأعمال!

٤

كانت الأوضاع آخذة في الانتعاش في بارادايس. وعاد جميع الرجال إلى العمل، حتى المدرَجون على القائمة السوداء، وحصَلوا على دولارٍ إضافي في اليوم ووُعِدوا بالحصول على زيادةٍ أخرى؛ فعامل الحفر الجيد كان يستحق وزنه ذهبًا. وعاد أيضًا «خطباء الدقائق الأربع» الذين كان يسعَد الجميع بالإصغاء إليهم؛ فقد كان عمال النفط وطنيين، وكانوا مستعدين للانضمام إلى الجيش، لولا أن الحاجة كانت ماسةً إليهم في هذه الوظيفة؛ فقد أصبح إنتاج النفط أهم شيء على الإطلاق، وكانت أفضل طريقة يمكنهم بها خدمة بلدهم هي الحفاظ على تدفُّقه، وتوخِّي الحذر من الحرائق والعوائق التي تسقُط في الآبار، وأعمال التخريب الأخرى التي تُنفذ على يد عملاء العدو.

عاد بول ليعمل رئيس البنَّائين لدى الأب. ولكن بعد ذلك جاءت مرحلة التجنيد الأولى، وكان بول من ضمن المختارين. عرض الأب عليه أن يجعله يحصُل على إعفاء من الخدمة؛ لأنه كان يحتاجه في بناء أكواخ لإيواء الرجال الذين كانوا سيحفرون الآبار الجديدة ويُشغِّلونها. وكان الأب يملك النفوذ لتدبُّر هذه الأمور، ويمكنك فهم ما يعنيه ذلك عندما تعلم أن رئيس مجلس الإعفاء كان السيد كاري، صاحب المزرعة الذي قَبِل المال من الأب لبناء الطريق لبدء الحفر. لكن بول رفض ذلك؛ فقد كان هناك رجالٌ متزوجون ولديهم عائلات يعرفون الكثير عن بناء المنازل مثله؛ ولذلك كان على بول القيام بدوره في هذه الحرب.

استعاد بول وباني صداقتَهما، ومناقشاتِهما التي لا تنتهي. لم يكن بول متحمسًا للحرب بقَدْر ما كان باني، ومع اتفاقه معه على مبدأ ضرورة الانتصار في الحرب ما دمنا قد أصبحنا طرفًا فيها، لم يكن واثقًا من ضرورة المشاركة في هذه الحرب؛ ولذلك كان على باني أن يعيد سرد النقاشات التي سمعها من الخطباء في المدرسة. خلق ذلك أجواءً مفعمة بالحيوية في كابينة آل راسكوم؛ لأن روث، وهو أمر قد يبدو غريبًا، كانت تتبنَّى نفس موقف الجدة من الحرب، على الرغم من أنهما لم تتقابلا مطلقًا. وأعلنَت روث أن جميع الحروب شر، وأنها لن يكون لها أيُّ دور في أيٍّ منها. لكن بالطبع كان يمكن فهم ما كانت حقًّا تعنيه؛ فهي لم تكن تريد بول أن يذهب إلى أرض المعركة ويلقى حتفه! فعندما علم بول أنه من ضمن المُستدعَين في قائمة مرحلة التجنيد الأولى، أصاب روث فزعٌ شديد، ولم يفلح شيءٌ في تهدئتها. وكانت تتشبث ببول، وتطلب منه عدم الذهاب وإلا فستموت من الحزن إن فعل، وعندما أدركت أنه ذاهبٌ لا محالة، عادت إلى مهامها، بوجهٍ شاحبٍ وفمٍ مُطبَق.

غادر بول إلى أحد معسكَرات التدريب، ومنذ ذلك الحين أصبح الشحوب والصمت مهيمنَين على شخصية روث. وعادت إلى منزل والدها لتبيت تلك الليلة، وهو ما كان يعني أن عليها أن تذهب إلى الكنيسة معهم يوم الأحد، وتجلس وتستمع رغمًا عنها إلى عظاتِ إيلاي. فإيلاي كان نبيًّا على نهج أنبياء العهد القديم، وكان يدين أعداء الرب ويدعو إلى ضربهم على سيقانهم وأفخاذهم، وألَّا يُترك أحدٌ من «أبناء الشيطان» على قيد الحياة، ولا حتى صغارهم. ولم يكن على إيلاي، كونه واعظًا، تولِّي عملية القَتْل هذه بنفسه، وكذلك كان الحال مع أخته ميلي، التي حلَّت مشكلة الحرب فيما يخُصُّها بأن تزوَّجَت من شاب يعمل في أحد أبراج الحفر، وطلبَت من الأب أن يجعله رئيس عمالٍ ليكون لزامًا أن يبقى في الديار. وأخبرَت ميلي، تلك الفتاة الشابة الثرثارة المفعمة بالطاقة، باني أن روث ينبغي عليها أن تبحث عن زوجٍ لها بدلًا من الحزن على بول، وربما سيأتي اليوم الذي يرغب فيه باني في أن يُعفى من التجنيد في الجيش، وقد يحلُّ كلاهما المشكلة في الوقت ذاته!

٥

كان ذلك الصيف مليئًا بالأحداث المثيرة في حياة باني، بين حماسه للحرب والنشوة التي كان يشعر بها مع يونيس. وقضى وقتًا طويلًا في بيتش سيتي متعللًا بالعمل العسكري، وبسبب إلحاح يونيس الشديد على تنفيذ مطالبها. وبالفعل، حدث أول خلافٍ في علاقتهما السعيدة بسبب إصراره على زيارة بارادايس؛ حيث لم يكن بوسع يونيس الذهاب معه. واستعارت عبارة بيرتي وأطلقَت على باني لقب «صبي النفط الصغير». وكانت تُجادله قائلة: «لماذا تريد هذا القَدْر من المال؟ يا إلهي، دعني أحصل على بعض المال من أبي، إذا كنتَ بحاجةٍ إليه!» يبدو أن تومي هويت كان قد حقَّق أرباحًا كبيرة، بشراء سفنِ شحنٍ قديمة في المرفأ قبل دخول البلاد الحرب، وذُكِر أن صافي أرباحه وصل إلى ثلاثة ملايين دولار. نشرَت الصحف الكثير من الأخبار حول هذا الموضوع، من منطلَق الإطراء على هذا النجاح، حيث كان الجميع يتطلع إلى تحقيق هذا المجد.

كيف يمكن لباني أن يشرح أن الأمر لم يكن متعلقًا بالمال، ولكن بأن البلاد كانت بحاجة إلى النفط، وأنه يريد أن يؤدي دوره، كان هذا الشاب البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا يتمتع بجديةٍ خارقة للطبيعة. ولذا تحجَّج بالأب، وقال إنه لم يكن على ما يُرام وكان بحاجة إلى ابنه، وهكذا تطوَّر الأمر إلى المعضلة التالية: من الذي كان يحظى باهتمام باني أكثر من غيره، والده أم حبيبته؟ أمسكَت يونيس بكتفَيه وهزَّتْه؛ فقد كانت بحاجة إلى شخصٍ ما ليصطحبها إلى حفلة رقص، وإذا ذهب ودفن نفسه في الصحراء، فستحصل على رفيقٍ آخر.

كانت لا تكُف عن البحث بشراهة عن المتعة، وكانت تفتقر إلى معرفة متى عليها أن تتوقف، مهما كان الأمر المَعني. فكانت تطلب متوسلة: «فلنحظَ برقصةٍ أخرى! واحدة فقط!» وبعد ذلك تكون قبلة واحدة أو شراب واحد. كانت تستجدي باني دائمًا ليشرب، وتنجرح مشاعرها إذا رفض. كان وعدُه لوالده أهمَّ عنده بكثير من وعده بأن يكون رفيقها. وكذلك لم يكن يستمتع بالخروج مع رفاقِها؛ لأنه كان يشعر بأنه يفسد عليهم مُتعتَهم.

وسرعان ما سئمَت يونيس من التواجد بين الكثبان الرملية ومشاركة علاقتهما السرية مع القمر. وانجذبَت إلى الأضواء الساطعة وإنفاق ثروة والدها المفاجئة ببذخ واستهتار. فكانا ينطلقان إلى مدينة إنجِل سيتي؛ حيث الفنادق العصرية وغرف الطعام الفخمة، وعازفو موسيقى الجاز، وحشودٌ من المعربدين الذين كانوا يحتفلون بتوقيع عقودٍ جديدة، وتحقيق إنجازاتٍ ماليةٍ جديدة. كانت الغرف مزينةً بأعلام جميع الحلفاء، وكان الرجال يرتدون أزياءً عسكرية مختلفة. كان هذا ما تعنيه الحرب ليونيس، أن تكون وسط هذه الحشود المبهِرة، وتقف أثناء عزف الفرقة الموسيقية للنشيد الوطني الأمريكي، وبعد ذلك ترقص طوال الليل على أغنية «قبلني، حبيبي»، أو أي ألحانٍ رومانسية قد يعزفها الساكسفون بشكلٍ ارتجالي. كانت ترقص بحيوية، وتتشبَّث بشريكها، حتى يصبحا جسدًا واحدًا. لم يكن باني يرى أن من اللائق التصرُّف بهذا الشكل في الأماكن العامة، لكن كان هذا هو السلوك السائد في ذلك الوقت، ولم ينتبه أحدٌ إليهما، خاصةً مع مرور الوقت وبَدْء ظهور تأثير الخمور.

كان إخراج يونيس من هذه الأماكن وما فيها من إثارةٍ يشكل مشكلةً دائمًا. فهي لم ترغب مطلقًا في الرحيل، حتى عندما كانت منهكة؛ ولذا كان يجعلها تتكئ عليه وتنام على كتفه في طريقهما إلى المنزل، وكان هذا كل ما يمكنه فعله لمنع نفسه من النوم أثناء القيادة. فقد كان هناك صبيٌّ في جماعتهم سيُضطَر إلى العيش بأنفٍ مكسور طوال حياته؛ لأنه غفا على عجلة القيادة في شارعٍ مزدحم، وكان آخَر قد أمضى عشرة أيام في السجن؛ لأن الشرطة شمَّت رائحة خمور في أنفاسه بعد تعرُّضه لحادث. وكان من آداب الحفلات أن على الرجل الذي يقود سيارته أن يشرب الجن فقط، ليس لأنه لن يجعلَه يثمل، ولكن لأنه لم يكن يترك رائحةً في أنفاسه!

جاء الوقت الذي قرَّرَت فيه يونيس أن من السخف القيادة لكل هذه المسافة الطويلة إلى بيتش سيتي بعد الرقص. وعثَرَت على فندقٍ يمكن الحجز فيه باسم السيد والسيدة سميث من سان فرانسيسكو، دون أن يسأل أحدٌ أي أسئلة، وكان الدفع مقدمًا؛ بسبب عدم وجود أمتعة، وفي الصباح كانا يتسللان إلى خارج الفندق، كلٌّ على حدة، دون أن يلاحظهما أحد. كل ما كان عليهما فعله هو إخبار أهلهما في المنزل أنهما قد قضيا الليلة مع أحد الأصدقاء؛ ولن يتحقَّقوا من صحة هذا الأمر؛ خوفًا مما قد يكتشفونه.

أحدث كل هذا تغييرًا كبيرًا في حياة باني، وسرعان ما بدأ يظهر ذلك على مظهره؛ فلم يعد خداه متوردَين، وقد لاحظ الأب ذلك، وعلى الفور تخلص من شعوره بالحرج من التحدُّث معه في هذا الشأن. وقال: «أنت تتصرف برعونة، يا بني، يجب أن تتوقف عن الرجوع إلى المنزل في هذه الساعات المتأخرة.» لذلك كان باني يحاول التهرُّب من الذهاب إلى بعض حفلات الرقص، وكانت يونيس تندفع بين ذراعَيه، وتبكي، وتتشبث به، وتحتضنه بتلك الطريقة الرهيبة، المذهلة التي كانت تتميز بها؛ حيث كانت تجعل كل حواس باني تشعر بها، وبرائحة العطر الهادئ الذي كانت تضعه، وملمس الملابس الرقيقة التي كانت ترتديها، وشعرها المسترسل، وقُبلاتها المثيرة السريعة المتواصلة. وكان عليه أن يُجادلها ويتوسَّل إليها، محاولًا الحفاظ على صوابه بالرغم من اضطراب مشاعره.

أحيانًا كان الشعور بالحرج يختلط بمشاعرَ أخرى؛ لأن هذه المواقف كانت تحدث في قاعة الاستقبال بمنزل آل هويت، بحضور أيٍّ من الوالدين. ولكن ماذا يمكن أن يفعلا؟ فقد ساعدا في تنشئة هذه الفتاة الجامحة، موفرَين لها كل شيء في العالم، وحاشية من الخدم للسهر على راحتها، وتلبية كل نزواتها. كانت دائمًا تحصل على ما تريده، والآن تريد حبيبها، ولم تجرؤ السيدة هويت المسكينة على قول شيءٍ سوى «لا تكن قاسيَ القلب يا باني»، وكأنها كانت تلومُه على نوبات الغضب التي كانت تنتاب ابنتَها في حضورها! أما «تومي» المسكين، فعندما شهد واحدةً من نوبات الغضب، ظهَر الذعر على وجهه الوردي ذي الملامح الطفولية، واستدار ورحل مسرعًا. فقد كان لديه ما يكفيه من مشاكله الخاصة، وفي المرة التالية التي التقى فيها باني، أوضح له وجهة نظره في جملةٍ واحدة قائلًا: «لا تُوجَد في العالم كله امرأةٌ عادية!»

٦

قبل استئناف الدراسة بقليل، انتهز باني الفرصة وذهب إلى بارادايس لقضاء أسبوع مع والده، ووجد بول هناك يقضي هو الآخر إجازة لمدة ثلاثة أيام. يبدو أن بول لن يُرسل إلى خارج البلاد؛ فقد جعله الجيش يعمل بوظيفته القديمة وأصبح مسئولًا عن بناء الثكنات، الآن فقط، وبدلًا من الحصول على عشرة دولارات في اليوم، كان يحصل على ثلاثين دولارًا شهريًّا بالإضافة إلى «الفاصوليا». كان هذا هو ثمَن الوطنية الذي كان على العامل دفعه! وكان هذا الثمن يتناقض تناقُضًا كبيرًا مع اﻟ «ثلاثة ملايين» دولار التي حصَل عليها تومي هويت، والمائة والعشرين ألفًا التي كان الأب يحصل عليها أسبوعيًّا من عقود النفط! لكن لم يفكِّر أحد في ذلك، بسبب بلاغة خُطب الرئيس، والحماسة الشديدة لخطباء الدقائق الأربع.

بدا بول ضخمًا وقويًّا بزيه الكاكي، وكانت روث سعيدة، لأنه لن يُقتَل. وكانت ميلي فرحة بحملها، وسادي مغتبطة «لمرافقتها» صاحب مزرعةٍ شابًّا. وكان الأب مسرورًا، لأنه حفر بئرًا أخرى غزيرة الإنتاج، وأثبت أن هناك نفطًا في منحدر جديد تمامًا بأرض بارادايس، وكان بصدد بناء خطوط أنابيب والاستعداد لتحقيق تطور هائل، ولم يتمكن المصرفيون من منعه؛ لأنه كان يستخدم أمواله الخاصة لتنفيذ هذا الأمر!

كان الجميع سعداء باستثناء باني، الذي لم يكن يفكِّر إلا في أن يونيس كانت غاضبة، وأنه كان يُخاطِر بخسارتها. لقد حذَّرَته من التخلي عنها، وإن هجرها فستنتقم منه. كان يعلم أنها تعني كل كلمة تقولها؛ فقد كان لها عشَّاقٌ قبله، وستحظى بآخرين بعده. كانت هذه «الملاطفة» ضرورةً يومية لها، ولم تستطِع الفتاة الحصول عليها إلا إذا كانت على استعداد ﻟ «تجاوز الحد». كانت تلك هي القواعد المتعارف عليها بين هذه الفئة من الشباب المتميزين بالأناقة والروعة؛ حيث كان يخرج شبان المدارس الثانوية الأثرياء في ثنائيات في سياراتهم الرياضية الفاخرة، للتعرف على الفتيات وتوصيلهن بالسيارة، وإذا لم تذعن الفتيات لرغباتهم، يتركونهن على الطريق، في أي مكان، على بعد عشرات الأميال من البلدة. وكانت هناك صيغةٌ قصيرة ومقتضَبة تعبِّر عن هذا الأمر؛ هي «الملاطفة أو السير!»

خرج باني للسير لمسافةٍ طويلة، محاولًا التخلص مما كان يشعُر به من اضطراباتٍ قاسية. كان من المفترض أن يخلُد للنوم بمجرد عودته، لكنه كان يفكِّر في يونيس، وكانت حواسُّه تستعيد مشاعر النشوة المتعددة؛ فقد كان فكره مشغولًا بكل محاولاتها لإغرائه وهجرانه. ولأكثر من مرة حاول باني بتردُّد أن يخبر بول بالأمر؛ فبول كان عنده في منزلة إله، بما يمثِّله من قوةٍ أخلاقيةٍ راسخةٍ جديرة بالثقة، يمكن للمرء الفِرار إليها. تذكَّر باني حديث بول بازدراء عن «الزنا»؛ لم يكن باني حينئذٍ يعرف تمامًا ما كان يقصده، لكنه، للأسف، كان الآن يعي كل شيء جيدًا. وحاول الاعتراف لكنه خجِل ولم يستطع كسر الحواجز. وبدلًا من ذلك، اختلق الأعذار لوالده وعاد إلى بيتش سيتي، قبل ثلاثة أيام من الموعد الذي كان ينوي العودة فيه، وطوال الطريق كان يسمع صوت بول وهو يقول له تلك الكلمات القاسية التي قالها له في أيام الإضراب: «أنت ليِّن العريكة، يا باني، ليِّن العريكة.»

٧

تساقَط المطر للمرة الأولى في هذا الموسم، مما جعل باني يصل متأخرًا إلى حدٍّ ما، ووجد أن يونيس كانت في المنزل، ولم تكن قد نفَّذَت تهديدَها بالحصول على حبيبٍ آخر. بل كانت تُحاوِل إجراء تجربةٍ قرأَت عنها في أحد كتب والدتها، شيء يسمى «التخاطر الذهني»؛ حيث تجلس وتُغمِض عينَيك و«تركِّز» «راغبًا» في أن يفعل شخصٌ ما شيئًا ما، وعندئذٍ ينفِّذ الشخص هذا الأمر، فتثبت صحة مبدأ «الفكر الجديد». كانت يونيس تُحاوِل فعل ذلك، وعندما سمعَت وقع خطوات باني على الشرفة، نهضَت وهي تصرخ في فرح واندفعَت بين ذراعَيه، وبينما كانت تخنقه بقبلاتها، أخبرَتْه عن هذا الانتصار الرائع لعلم النفس التجريبي. «باني، كنتُ أعرف أنك لا يمكن أن تكون شديد القسوة معي! كنتُ أعلم أنك ستأتي؛ لأنني بمفردي تمامًا؛ فقد ذهبَت أمي لجمع الأموال لأيتام صربيا. أوه، تعالَ يا باني!» وبدأَت تجذبه نحو الدَّرَج.

لم يَرَ باني أن هذا أمرٌ مقبول، وحاول التراجع، لكنها قابلَت مقاومته بمزيد من القبلات الخانقة. «أيها الفتى السخيف، هل تريد الخروج وإيقاف السيارة تحت المطر؟ أم تريد الذهاب إلى أحد الفنادق هنا في البلدة، حيث يعرفنا الجميع؟»

«ولكن، والدتك، يا يونيس …»

قالت يونيس: «والدتي، هُراء! والدتي لها عشيق وأنا أعلم ذلك، وهي تعلم أنني أعلم. وإذا لم تكن تعلم بأمر علاقتنا، فقد حان الوقت لأن تبدأ في الشك. لذلك تعالَ معي إلى غرفتي.»

«ولكن كيف سأخرج يا يونيس؟»

«ستخرج عندما أسمح لك بذلك، وربما يكون ذلك في الصباح، وحينئذٍ ستحظى بكرم الضيافة.»

«لكن، يا يونيس، لم أسمع بشيءٍ من هذا القبيل!»

«باني، أنت تتحدث مثل جدتك!»

«ولكن ماذا عن الخدَم يا عزيزتي؟»

قالت يونيس: «الخدم، فليذهبوا إلى الجحيم! يمكنك إدارة أمور منزلك بالطريقة التي تُرضي بها الخدم، ولكن هذا ليس نهجنا، على الأقل، ليس الليلة!» وأثناء نقل يونيس الخبر إلى والدتها، أبقت باني في غرفتها في الصباح حتى لا يشعُر بأي إحراج، وحتى لا يطلع على أي آلامٍ نفسية قد تتعرض لها يونيس؛ فنصيرة الأيتام الصربيين كانت تُفطر في السرير، وتقرأ في صحيفة الصباح خبرًا عن أعمالها الخيرية الذائعة الصيت.

بعد ذلك، توطَّدَت العلاقة؛ فكما يقول الفرنسيون، الخطوة الأولى هي أهم خطوة، بالرغم من أنه من غير المؤكد أن يُضطَر أي ولي أمر في المجتمع الفرنسي المحافظ إلى اتخاذ خطوةٍ كبيرة جدًّا كهذه. استمر موسم الأمطار، مما جعل نزهات الملاطفة في الهواء الطلق غير مريحة؛ لذلك كان باني يبقى في منزل يونيس كلما أمرَتْه بذلك، وكان كل شيءٍ مألوفًا وعاديًّا وفقًا للمعايير الحديثة المتقدمة. في الواقع، لم يتبقَّ سوى تفصيلةٍ واحدة، وبالفعل اقترحَها باني قائلًا: «يونيس، ما الذي يمنعنا من الزواج وإنهاء هذا الأمر؟»

فوجئ بشدة من رد فعل الفتاة. «أوه، باني، نحن نستمتع بوقتنا، لماذا تريد أن تُدمِّر سعادتنا؟»

«لكن لماذا سيُدمِّر الزواج سعادتنا؟»

«كل المتزوجين بائسون. أعرف ذلك من ملاحظتي لهم. إن أمي وأبي مستعدان لدفع مليون دولار — حسنًا، ربما ليس كل هذا المبلغ ولكن بالتأكيد بضع مئات من آلاف الدولارات — إن استطاعا أن ينفصلا دون الاضطرار إلى خوض نزاعاتٍ قضائية، ودون الأشياء الفظيعة التي ستنشُرها الصحف عنهما، بالإضافة إلى صورهما وكل شيء.»

«لكننا لن نُضطَر إلى فعل ذلك يا عزيزتي.»

«كيف تعرف أننا لن نفعل ذلك؟ إذا تزوجنا، فستشعُر أنكَ تمتلكُني، وحينئذٍ لن تفعل ما أطلبه منك بعد الآن؛ الأمر الذي سيتسبَّب في تعاستي. أوه، دعنا نفعل ما نريد، وليس ما يُحاوِل الآخرون إجبارنا على فعله. فطَوال حياتي، كان الناس يُجبرونني على فعل أشياء، وكنتُ أقاومهم، حتى أنت، يا باني-الحنون.» كانت تُطلِق عليه العديد من الأسماء، لأن اسمه، كما يمكنك أن تلاحظ، كان يتكيف مع أغراض نزهات الملاطفة، وكانت هناك رقصةٌ شائعة في ذلك الوقت اسمها «باني هج» (أي حضن الأرنب).

عندما تتجول في هذا المجتمع المزدهر العصري، سيبدو كل شيء ظاهريًّا لائقًا وسليمًا، ومتناسبًا مع أعراف الزواج المنصوص عليها في القوانين وتدعو إليها الكنائس. ولكن عند تخطِّي هذه المظاهر والغوص في أعماق المجتمع، سواء الغني أو الفقير، ستجد أن البشر قد توصَّلوا إلى مفاهيمَ خاصة، بسبب شعورهم بالتعاسة. فالأزواج والزوجات انفصلوا بعضُهم عن بعض، وتبادَلوا الشركاء، وجلبوا إلى منازلهم أصدقاءهم، الذين حلُّوا في الواقع محل الأزواج أو الزوجات، وكان هناك رفقاء وسكرتيرات ومربيات وبنات عمومة يلعبن هذه الأدوار، وعندما كان الأطفال يكتشفون ذلك، كانوا في وضع يسمح لهم بالضغط على والدَيهم، وهو نوع من الابتزاز العائلي غير الرسمي، وهو أمرٌ جيد للحصول على سيارات ومعاطف فرو وسلاسل من اللؤلؤ، والأهم من ذلك كله، أن يكون لك الحق في التصرُّف وفقًا لطريقتك الخاصة.

٨

في بداية العام، بينما كانت أمريكا تدخل الحرب، أطاح الروس بقيصرهم وأقاموا جمهورية. وقد أسعد ذلك الخبر معظم الناس في أمريكا؛ فقد كان من الأفضل بكثير التحالف مع جمهورية. لكن الآن، في الخريف، وقع حدثٌ مرعب؛ فقد اندلعَت ثورةٌ أخرى، ولكن هذه المرة لم تكن من صنع العلماء المحترمين ورجال الأعمال، بل المتعصبين الهائجين الذين يُطلق عليهم اسم «البلاشفة»، الذين شرَعُوا في مصادرة الممتلكات وتحطيم كل ما يقابلهم. وعلى الفور اتضَح للحلفاء مدى جسامة الكارثة التي سيتسبَّب هذا الموقف في حدوثها؛ فقد كانت روسيا على وشك التخلي عنهم، مما سيهيِّئ الظروف لاندفاع القوات الألمانية في الشرق لمواجهة الجبهة الغربية شبه المُستنزَفة. وبالفعل كانت الجيوش الروسية تتفكَّك، وكان الجنود يفرُّون بالجملة ويعودون إلى مدنهم أو قراهم، وفي الوقت ذاته بدأ قادة الحكومة الجديدة في تنفيذ دعايةٍ عالمية تهاجم الحلفاء وأهدافهم من هذه الحرب.

من كان هؤلاء القادة؟ كان يكفي أمريكا ملاحظة أن الحكومة الألمانية قد نقلَت مجموعة منهم، كانت مختبئةً في سويسرا، في قطارٍ مغلق عَبْر ألمانيا حتى وصلَت إلى روسيا بهدف إثارة كل ما في وسعها من مشاكل. كان هذا يعني أن لينين وجماعته كانوا عملاء مستأجرين للهون، وعندما شرعوا في مهاجمة ما أطلقوا عليه اسم «إمبريالية الحلفاء»، كان الأمر كما لو كانوا يتبنَّون نفس أفكار الإمبراطور الألماني القيصر فيلهلم الثاني، وعندما نشَروا المعاهدات السرية للحلفاء، المأخوذة من سِجلات القيصر، رفضَت الصحف في أمريكا الوثائق باعتبارها مزورة تزويرًا واضحًا.

صدق الأب، بوصفه مواطنًا أمريكيًّا صالحًا، ما تقوله صحفه. واعتبر أن هذه «الثورة البلشفية» كانت أفظع حدثٍ وقع في العالم طَوال حياته، وكان وجهُه يصبح شاحبًا وهو يتحدث إلى باني عنها. لم تتمكن أمريكا من إرسال أي جيوشٍ إلى فرنسا حتى الربيع المقبل، وربما حتى الخريف، وفي غضون ذلك كان لدى الألمان مليون رجلٍ يمكنهم نقلهم بضعَ مئاتٍ من الأميال فقط عَبْر بلادهم إلى الجبهة الغربية، وكانوا سيقضون على القوات البريطانية والفرنسية، ويستولون على باريس، وربما فرنسا بأكملها، حينئذٍ سيتعيَّن أن نتولَّى مهمة طردهم مرةً أخرى. كان عبء الحرب يقع كله الآن على عاتق أمريكا، وسيستمر ذلك الوضع لسنواتٍ طِوال، ولن يعيش أيٌّ من الأب أو باني حتى يرى نهاية هذه الحرب.

كان الأب يقرأ فقراتٍ من الصحف، وتفاصيلَ عن الفظائع التي كانت تحدث في روسيا؛ حيث ذُبِح حرفيًّا ملايين الأشخاص، الذين كانوا جميعًا من المتعلمين والمستنيرين، وتعرَّضوا لأبشع أنواع التعذيب، وأعمالٍ شائنة لا يمكن ذكرها في الصحف. وسرعان ما بدءوا في تطبيق نظرياتهم الشيوعية على نساء البلد، اللائي وقعْنَ تحت وطأة «التأميم» وتحوَّلْنَ إلى ملكيةٍ عامةٍ بموجب مرسومٍ رسمي، وكان «المفوَّضون» يغتصبونهن بالجملة. كان لينين يدبِّر لمقتل تروتسكي، بينما كان تروتسكي يحتجز لينين في السجن. لقد كان غليانًا يندلع من أعماق المجتمع، وحشية لم نكن نحلم يومًا بوجودها في الطبيعة البشرية. استطاع باني الآن أن يرى مدى حماقة تلك «المثالية» التي كان يثرثر بها، وفكرته عن تحقيق مطالب المضربين، وتولية مجموعة من الغوغاء شئون العمل. كان الآن يشهد نتيجةَ تجربةِ هذا الاقتراح عمليًّا، وبإمكانه أن يقرِّر مدى إعجابه بالنتيجة. تعيَّن على باني أن يعترف بأنه لم يعجب بالنتيجة على الإطلاق، وأنه قد أفاق من أحلامه التي تحطمت.

كان باني يشعر بتحدٍّ داخلي؛ لأنه كان عليه أن يؤدي واجبه في هذه الأزمة العالمية. كانت هذه هي سنته الأخيرة في المدرسة، وبعدها سيصبح عمره مناسبًا للتجنيد؛ فماذا سيفعل؟ أجرى مع والده محادثةً جادةً لمناقشة هذا الأمر. وارتأى الأب أن لديه ما يكفي من المسئوليات التي تُعطيه الحق في تلقي المساعدة من ابنه الوحيد، وكان يرى أنه لن يكون متقاعسًا عن تأدية الواجب، إذا طلب من السيد كاري إعفاء باني من الجيش للعمل في مجال النفط. لكن باني أصَر على أنه يجب أن يذهب إلى الجبهة، حتى إنه تحدَّث عن ترك المدرسة في الحال والتطوع في الجيش، كما فعل عددٌ من الفتيان الآخرين. اتفقا أخيرًا على حلٍّ وسط؛ هو الانتظار حتى يُكمِل باني دراسته، ثم يقرِّرا وفقًا لتطوُّر الأحداث. لكن في غضون ذلك، كان على باني الالتزام بواجبه تجاه بلده، وكذلك تجاه نفسه؛ حيث كان ينبغي أن يُوليَ دراسته مزيدًا من الوقت، وأن يقلِّل من وقت اللهو. فإذا كان الشاب يعي حقًّا هذه الأزمة العالمية، فإنه بالتأكيد سيتفانى في أي عملٍ كان يؤديه، ولن يُضيع نفسه بالانغماس في الملذات. احمرَّ وجه باني وأطرَق خجلًا، وقال إنه يرى أن هذا صحيح، وأنه سيُقوِّم سلوكه في المستقبل.

٩

ذهب إلى يونيس وهو في غاية الجدية، ليشرح لها أن عبء مهمة إنقاذ الحضارة قد وقَع على عاتقهم. وافقَته الرأي، وأخبرته أنها تدرك ذلك؛ فقد حظيَت بمحادثةٍ جادة مع والدتها، التي أوضحَت أنه في الفترة القادمة سيكون هناك نقصٌ في الطعام وجميع الأشياء الأخرى؛ نتيجةً للحرب واحتياجات حلفائنا. وقرَّرَت سيدات النادي القيام بواجبهن، فلن يشترين إلا أغلى أنواع الطعام؛ بحيث يتركْنَ الشحم والملفوف والبطاطس للفقراء، وتبرَّعَت السيدة هويت بكل ملابسها لمنظمة جيش الخلاص، وأنفقَت مبلغًا كبيرًا لشراء مجموعةٍ كاملة من أغلى الملابس التي تمكَّنَت من العثور عليها. كانت يونيس بالطبع مستعدةً تمامًا لاستخدام الكماليات الغالية الثمن فقط، لكنها وجدَت الأمر محيرًا بعض الشيء؛ لأن عمتها أليس اتخذَت موقفًا معاكسًا تمامًا، واشتَرَت الكثير من الأشياء الرخيصة، من أجل أن تكون قدوةً للطبقات العاملة. فيا ترى أي نهجٍ كان باني يراه صائبًا؟

لكن هذه الجدية لم تدُم طويلًا مع يونيس. فبعد يومَين دُعِيَت لحفلٍ من أجل الأيتام البلجيكيين، وعندما أصَر باني على أنه بحاجةٍ إلى التركيز على دراسته، هدَّدَت بالذهاب مع بيلي تشالمرز، القائد الوسيم لفريق كرة القدم العام الماضي؛ حيث لم يكن هناك فريقٌ هذا العام. لم يُعارِضها باني، وهكذا تباهَت يونيس ببيلي أمام المدرسة بأكملها، وسرَت شائعاتٌ بأنه كان يُوقِف سيارته وهي بصحبته، مما جعل باني يشعر بإهانةٍ شديدة. استمر هذا الوضع لأسبوعٍ أو اثنَين، حتى فاقت آلامُ قلب باني تحمُّلَه. جاءت إحدى ليالي السبت، وكان الأب قد اتفق معه على أنه لا ضير من الذهاب إلى الرقص مرةً واحدة في الأسبوع؛ لذلك اتصل بيونيس هاتفيًّا، و«تصالحا» وسط نوبةٍ من العواطف الجيَّاشة والدموع، واعترفَت له أنها لم تحبَّ أي شخصٍ حقًّا سوى باني الحنون، وسألَته كيف أمكَنه أن يكون لئيمًا جدًّا لدرجة رفضِ تلبية رغباتها.

ولكن بعد ذلك جاء عيد الميلاد، ورتَّب الأب الداهية المثابر سلسلةً من الإغراءات، تتضمَّن ديكًا روميًّا كبيرًا، ستتولى روث طَهْوه، وحفر بئرَين جديدتَين، فضلًا عن صيد السُّمانى فوق التلال عند غروب الشمس. وعده باني بالذهاب، وكان عليه الوفاء بوعده، وعندما علمَت يونيس بذلك الأمر، انتابَتْها واحدةٌ من أفظع نوبات غضبها، وأمسكَت بشعر باني وجرَّتْه عَبْر قاعة الاستقبال بمنزل والدتها؛ حيث كانت والدتُها تقف بلا حول ولا قوة، وأقسمَت بأن باني كان مخادعًا، وبائسًا، وأنها ستتصل ببيلي تشالمرز، وسينطلقان في رحلةٍ ممتعة بالسيارة في تلك الليلة بالذات، ولن يعودا حتى تنتهي عطلة عيد الميلاد وربما بعد ذلك.

ذهب باني إلى بارادايس، وفحَص البئرَين الجديدتَين، ورسومات خطوط الأنابيب الجديدة، و«تجهيزات» معمل التكرير المقترح، وتجوَّل فوق التلال مع الأب، واصطاد السُّمانى، وفي الليل رقد وحيدًا في سريره يتلوى في بؤس. بدا له أنه يتحول إلى رجلٍ كهل، بالتأكيد سيجد الشَّيب قد دبَّ في شعره في الصباح! كان يُعاني من اضطراباتٍ في النوم أكثر من الاضطرابات التي كان سيعاني منها لو كان قد اصطحَب يونيس إلى حفلات الرقص، ولم يعلم السبب وراء ذلك. كانوا يُعلِّمونه في المدرسة عن علم الأحياء وعن شعراء القرن التاسع عشر الإنجليز، ولكن كيف سيُساعِد ذلك في طرد الألمان من فرنسا؟ كانت يونيس ضعيفةً جدًّا وجميلة جدًّا، ولا بد أنها ستشعر بحزنٍ شديد! كانت مختلفةً عن الفتيات الأخريات، يصعب فهمها، ولن يعاملها الرفيق التالي جيدًا كما كان يفعل باني! علاوة على ذلك، فالعالم الذي كان يحاول التفريق بينهما هو نفس العالم الأعمى الغبي الذي كان يقتل ملايين البشر، ربما كانت الجدة على حق؛ فقد كان الأمر برمته مليئًا بالقسوة والفوضى، ولا يهمُّ ما تفعله ولا أي فريق يفوز.

في الصباح كان الأب يشرف على أعماله اليومية المضنية. كان الأب على الأقل جديرًا بالثقة، وكان لديه هدفٌ واضح. وإضافةً إلى ذلك، بدا أنه يعرف كل شيء عن باني دون إخباره بشيء؛ فقد كان لطيفًا ومتعاطفًا بطريقةٍ لبقة، دون أن يقول كلمةً واحدة، بل كان يحاول الترفيه عن باني، واقتراح أنشطة يمكنهما ممارستها معًا. وعند التفكير في الأمر، ستجد أن الأب نفسه قد مرَّ بمواقف مثل هذه! وكان من شأن التحدث معه مباشرةً أن يكون ممتعًا، لكن كان من الممكن أن يتسبب ذلك في شعوره بالحرج. فكَّر باني في «الأم الصغيرة» التي لم يَرَها منذ أكثر من عام؛ حيث كانت قد ذهبَت إلى نيويورك، وكان باني يشُك في أن الأب قد وافق على زيادة المبلغ المخصَّص لها بشرط أن تبقى هناك. تمنَّى باني أن يتحدَّث معها عن يونيس، وأن يسألها عن رأيها في موضوع العشَّاق القابلين للمبادلة.

ثبت باني على موقفه، وعندما عاد إلى الديار، لم يذهب لمقابلة يونيس. فكلما كان يقابلها، كان قلبه ينبض بشدةٍ مؤلمة، لكنه كان يدور على عقبَيه ويمشي بضعة أميال لتجاوز الأمر. انتشر خبر انفصالهما للأبد بين فتيات «الزولو»، وبدأ العديد من الشابات الصغيرات المفعمات بالحيوية في التقرُّب من أمير النفط الشاب. لكن باني لم يلاحظهن؛ فقد كان قلبه ميتًا بداخله، وعاهَد نفسه على أنه لن ينظر إلى فتاةٍ أخرى أبدًا. كان بايرون أحد شعراء القرن التاسع عشر، وقد عثَر باني في قصائده الرومانسية على حالة انكسار القلب بالضبط التي تحدُث بين أفراد الطبقة الأرستقراطية، تلك الحالة التي تردَّد صداها بداخله. أما يونيس، فقد استمرَّت في الخروج في نزهات الملاطفة مع قائد فريق كرة القدم السابق، ويبدو أنها تمكَّنَت من الهروب من كل المصائب التي كان باني يخشى منها عليها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤