الفصل التاسع

النصر

١

انتهى الفصل الدراسي الأول في فبراير، وأحرز باني نجاحًا معقولًا في امتحاناته، وجاءت بعد ذلك عطلةٌ قصيرة، وضع الأب خطةً رائعة لقضائها. لم يستطع منع نفسه من الشعور ببعض الضيق، خاصة مع وجود عائلة واتكينز في الأرض التي كان يكسب منها ملايين الدولارات، بالرغم من أنه لم يدفع مقابلها سوى ثلاثة آلاف وسبعمائة دولار. كان الأب يريد فعل شيءٍ حيال ذلك الأمر، لكنه كان يخشى من المبالغة؛ خوفًا من أنه قد «يُفسِدهم»، ويوحي لهم بفكرة أنه يدين لهم بالمزيد. ولذا اقترح الأب رحلةً عائلية؛ حيث كان سيصطحب باني وروث وميلي وسادي معه في السيارة الليموزين الكبيرة، ويستأجر سيارةً أخرى للسيد واتكينز العجوز وزوجته، وينطلق إلى المعسكر الذي كان يعمل فيه بول، لزيارته ورؤية الجيش الجديد قيد الإعداد. كانوا سيمكثون يومَين في فندقٍ قريب، لمشاهدة جميع المعالم، بما في ذلك اجتماعات إحياء الروح الدينية التي كان إيلاي يعقدها في خيمةٍ كبيرة بالقرب من المعسكر.

كانت الفتيات بالطبع متحمسات، ويشعُرْنَ بالسعادة. فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يقمْنَ فيها برحلةٍ طويلة بالسيارة طوال حياتهنَّ البسيطة. تحدَّث باني إلى روث، وطلب منها إقناع والدتها بأن تتحدث إلى زوجها، وتطلب منه أن يعدها ببذل قصارى جهده لإقناع الروح القدس بألَّا يرسل لهم أي رؤًى، أو يلهمهم بالدحرجة أو التحدُّث بألسنة حتى يصلوا إلى اجتماع المعسكر. في واقع الأمر، أعلن الروح القدس أخيرًا، من خلال إيلاي باعتباره نبيًّا للوحي الثالث، أن هذه الحركات الرياضية الملهَمة قد أدَّت الغرض منها ويتعيَّن وقفها. لم يُعطِهم أي مبرِّر لذلك، ولكن كانت هناك شائعاتٌ بأن الأثرياء الذين كانوا يدعمون إيلاي في حملاته الإنجيلية كانوا يحتجُّون على التدحرج، ولم يرَوا لسماع خطاب رؤساء الملائكة أي معنًى للأذن البشرية. وكان من ضمن هؤلاء الأتباع قاضٍ بارز، وكان آخر مالكًا لسلسلة متاجر بقالة، وتولت زوجتاهما مسئولية تحسين آداب التعامل وقواعد اللغة لدى إيلاي، بإيضاح الفوارق البسيطة بين النطق الصحيح للمفردات، كما علمتاه كيفية ارتداء ملابسَ مناسبة وتناوُل الطعام بالشوكة والسكين؛ ولذلك كان إيلاي يتحول إلى رمزٍ ناجح في المجتمع.

كان الأمر أشبه بالذهاب لمشاهدة الحرب؛ حيث انتشرَت في هذه المدينة الرائعة المعسكرات المبنية من القماش والحديد المموَّج وألواح من الخشب الأحمر، تلك المعسكرات التي يبدو أنها بُنيَت بفعل تعويذة من كتاب ألف ليلة وليلة، وكانت المدينة تعجُّ بشبانٍ متحمسين يرتدون ملابس باللون الكاكي، وكانوا جميعًا يعملون بنشاط وكأنهم خلية نحل، ولكن هذا لم يمنعهم من ملاحظة وجود ثلاث فتياتٍ جميلات! كان من الممكن المرور عَبْر هذه المدينة في ساعاتٍ معينة ومشاهدة بعض التدريبات، إذا حصلتَ على التصريح اللازم، وفي ساعاتٍ معينةٍ أخرى، كان بإمكان بول الخروج من المعسكر، وبينما ذهب السيد واتكينز وزوجته والفتيات للاستماع إلى إيلاي، جلس الأب وباني وبول في شرفة الفندق وتحدَّثوا عن الوضع العالمي.

كان الروس قد أبرموا للتو معاهدة سلام مع ألمانيا، وانسحبوا تمامًا من الحرب، وتنازلوا عن الكثير من الأراضي للعدو. تناول الأب هذا الحدث، وأعرب مجددًا عن رأيه في «البلاشفة» الخائنين. أخبرهما بول بوجهة نظره، ورأى باني أنه حتى هنا، مع كل العمل الذي كان عليه أن يؤدِّيه بول، قد تمكَّن من أن يجد وقتًا للقراءة والتأمل في أفكاره الخاصة. وقال: «باني، هل تتذكَّر إضراب النفط الذي حدث عندنا، وما قرأناه عنه في الصحف؟ لنفترض أنك لم تذهب إلى بارادايس من قبلُ، وأنك لم تكن تعرف المضربين، وحصلتَ على كل انطباعاتك من صحف إنجِل سيتي! هكذا أرى الوضع في روسيا؛ فهذا أكبر إضرابٍ في التاريخ وقد انتصر المضربون، واستولَوا على آبار النفط. ويومًا ما، ربما سنعرف حقيقة أفعالهم، لكن لن يكون ذلك من القصص المنشورة بالصحف التي ألَّفَها دبلوماسيو الحلفاء وكبار الدوقات المنفيين.»

شَعر الأب ببعض الحنق عند سماع هذا الكلام؛ لأنه كان يقرأ هذه الأخبار لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر، ويصدِّق كل كلمة فيها. وكان يريد أن يعرف رأي بول في وقوع عمليات اغتيالٍ للطبقات الغنية في روسيا. قال بول إنه وفقًا لما قرأه عن الثورة الفرنسية، فهو لا يشك في احتمالية حدوث بعضٍ من هذه الاغتيالات. كل ما كان يتعيَّن تذكُّره هو الطريقة التي كانت الطبقات الحاكمة تعامل بها الشعب الروسي، وطبيعة الحكومة التي كانوا عليها، كان يتعيَّن الحكم على ثورتهم بمعاييرهم وليس بمعاييرنا. ابتسم بول وأضاف أنه من الخطأ أن يقارِن صاحبُ عملٍ أمريكي، حاول أن يوفِّر لعماله صفقةً عادلة، نفسه بهؤلاء السادة الروس الذين كانوا يضربون رجالهم بالسياط، ويسلمونهم للقوزاق إذا حاولوا الاعتراض.

هدأ الأب بعض الشيء عندما سمع هذا، لكنه قال إن الوضع بدا له كما لو كان هؤلاء البلاشفة مجرد الكثير من العملاء الألمان. وتحدَّث عن القطار الذي نقل لينين عَبْر ألمانيا، وكان الأب ينطق اسمه بشكلٍ مختلف مقسمًا إياه إلى جزأَين «لي-نين». سأله بول عما إذا كان قد اطلع على الأخبار التي جاءت عن مفاوضات السلام؛ فعلى ما يبدو كان الألمان يخافون من الروس مثلنا. وكان هؤلاء البلاشفة يقاتلون الطبقات الحاكمة في كلا الجانبَين، وربما يجد الألمان السلام الذي حقَّقوه أكثر خطورة عليهم من القتال، وقد تنتشر الدعاية الثورية في جيوشهم حتى تصل إلى الجبهة الغربية.

لم تكن هناك فائدةٌ من توقع أن يستوعب الأب شيئًا في غاية التعقيد مثل هذا. وأوضح أنه لو كان الروس قد أرادوا حقًّا مساعدة قضية السلام والعدالة، لكان عليهم مساندة الحلفاء حتى الإطاحة بحكم القيصر. ثم تساءل بول عما إذا كان السيد روس قد قرأ معاهدات الحلفاء السرية، واضطُر الأب للاعتراف بأنه لم يسمع بها من قبلُ. شرح له بول أن السوفييت، بعد مطالبتهم للحلفاء بالإفصاح عن أهدافهم الحربية وعدم اهتمام الحلفاء بذلك الطلب، كشَفوا للعالم عن جميع الاتفاقات السرية التي أبرمها الحلفاء مع القيصر، لتقسيم الأراضي التي كانوا ينوون الاستيلاء عليها من الألمان والنمساويين والأتراك. وأوضح بول أن الصحف الأمريكية قد حجبَت نص هذه المعاهدات، التي تُعتبَر أهم الأخبار في هذه الفترة. فإذا كنا سنخوض هذه الحرب ونحن معصوبو الأعين لمساعدة بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا واليابان في تحقيق أهدافهم الإمبريالية، فهذا يعني أن شعبنا يتعرَّض للخداع، ويومًا ما ستحدث صحوةٌ مريرة.

كان رد الأب على ذلك بسيطًا؛ فقد أخبر بول أن البلاشفة بكل تأكيد هم من زيَّفوا تلك المعاهدات السرية. ألم تقدِّم حكومتنا بالفعل الكثير من الوثائق التي حصلَت عليها في روسيا، والتي تثبت أن قادة البلاشفة عملاءُ ألمان؟ كانت تلك هي الوثائق الحقيقية، وسوف يكتشف بول ذلك يومًا ما، ويخجل من الشك في حلفائنا. أنَّى له أن يفترض أن الرئيس ويلسون سيسمح بتعرُّضنا للخداع؟

كان باني يجلس منصتًا لكل كلمةٍ في هذه المناقشة. كان الأمر محيرًا، ويصعُب التأكد منه، لكن بدا له أن الأب كان على حق، فما الذي يمكن أن يفعله المواطن الأمريكي الصالح، في وقت حربٍ مثل هذا، سوى الوثوق في حكومته؟ صُدم باني عندما سمع أن رجلًا يرتدي زي الجيش يُعبِّر عن شكوكه بشأن رؤسائه، واعتبَر أن من واجبه إجراء محادثةٍ خاصة مع بول، وإخباره ببعض الأشياء التي قالها خطباء الدقائق الأربع في المدرسة، وأن يحاول أن يبث فيه روحًا وطنية أقوى. لكن بول ضحك، وربَّت على ظهر باني، قائلًا إنهم يحصلون على ما يكفي من التحفيز هنا في معسكر التدريب.

٢

في إحدى الأمسيات ذهبوا جميعًا لسماع إحدى خطب إيلاي، في خيمةٍ كبيرة كان يمكن أن تضُم سيركًا بثلاث حلبات، وكانت هناك آلاف السيارات الواقفة في الحقول التي تحيط بها، وتناثَرَت في الممرات نشارة الخشب، وكانت هناك مئات من المقاعد الخشبية التي كانت تعجُّ بالجنود الشباب وأصحاب المزارع وزوجاتهم وأطفالهم. كانت هناك منصةٌ يقف عليها المبشِّر، مرتديًا رداءً أبيض وعلى صدره نجمةٌ ذهبية، وكأنه ساحرٌ فارسي، وكانت هناك «فرقةٌ موسيقيةٌ متألقة»، تحمل أبواقًا مختلفة الأحجام، تُصدِر أصواتًا جهيرة وتبهر العين من شدة بريقها. عندما بدأَت تلك الأبواق الكبيرة في عزف ترنيمة المجد، وبدأ الجمهور في الاهتزاز والصراخ قائلين «سبِّحوا الرب!» كان الجزء العلوي من تلك الخيمة يرتفع لأعلى!

ألقى إيلاي عظة يندد فيها بالهون، مدعيًا أن الروح القدس قد أفصَح له عن أن العدو سيُهزم قبل نهاية هذا العام، مبشرًا بالخلاص الأبدي لكل من ماتوا في سبيل الرب، شريطة إيمانهم، بالطبع، بتعاليم إيلاي. كان هناك خزَّان في منتصف المسرح، ودَرَج للنزول إليه، وكان الأتباع الجدد يجلسون في صفوفٍ على المنصة، مرتدين مناماتٍ بيضاء، وعندما حانت هذه الفقرة من الاحتفالات، نزل إيلاي إلى الماء بنفسه، وأمسك بضحاياه واحدًا تلو الآخر من مؤخرة أعناقهم، وباسم الآب والابن والروح القدس دفعهم إلى الأمام، وغطَّسهم في الماء. وهكذا تخلَّصوا من جميع خطاياهم، وفي حالةِ ما نقَل لهم الماءُ المقدَّس أيًّا من تلك الأمراض التي تُعتبر عقابًا على خطاياهم، حتى لو كانوا ضمن صفوف القوات العسكرية، كل ما كان عليهم فعلُه هو القدوم مرةً أخرى «ليشفيَهم» نبي الوحي الثالث.

في اليوم التالي، عادَت العائلة إلى البيت، وكان لديهم الكثير من المواضيع التي تحدثوا بشأنها في الطريق، ولأسابيعَ قادمة! كان باني يتطلع إلى خوض تجربة الانضمام إلى هذا المعسكر في الصيف القادم، إلا أنه، بسبب التدريبات التي كان يحصُل عليها في المدرسة، بالإضافة إلى تأثير الأب، كان من المقرَّر أن ينضم إلى معسكر تدريب للضباط. وكان يتفانى في عمله، ويؤدي مهامه بجدٍّ أكثر من أي وقتٍ مضى.

في أواخر شهر مارس بدأ ذلك الهجوم المروِّع المنتظَر منذ وقتٍ طويل على الجبهة الغربية؛ واحدة من تلك المعارك التي أصبح العالم معتادًا عليها؛ حيث امتدَّت على أكثر من مائة ميل من الجبهة، واستمرَّت طوال النهار والليل لعدة أسابيع. لم تُسمَّ هذه المعركة على اسم بلدة أو مدينة، ولكن على اسم مقاطعة؛ حيث أُطلِق عليها اسم معركة بيكاردي. اخترقَت القوات الألمانية صفوف الجيش البريطاني، وألحقَت به هزيمةً نكراء، وجعلَته يتراجع ثلاثين أو أربعين ميلًا، وأسرَت مائة ألف رجل، وبدا أن أسوأ مخاوف الأب كانت تتحقق.

لكن لم يكن الألمان ولا الحلفاء يعرفون أنه في قريةٍ مغمورة وسط بساتين الفاكهة في كاليفورنيا، كان هناك نبيٌّ عظيم يمارس سحره من أجلهم. فبالمصادفة قرأ إيلاي واتكينز خبرًا من الجبهة، يعلن عن أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ الجيوش البريطانية هو المطر، وعلى الفور جمع العديد من أتباعه المصلين، وظلوا يهتزُّون طَوال الليل وهم جاثُون على ركبهم، ضامُّون أيديهم، يتضرَّعون للرب أن تحدُث عواصف في بيكاردي؛ وبالفعل استجاب لهم الرب ففُتِحَت أبواب السماء ونزل المطر وسرعان ما علِقَت أقدام الهون، وعَجلات مركباتهم، وغرق جنودهم العظام في الوحل، ولكن على الجانب الذي كان يقاتل فيه جنود الرب، لم تسقُط الأمطار، وكانت الأرض نظيفة، وجاءت التعزيزات، وأُنقِذ خط دفاع الجيش البريطاني، ووسط بساتين كاليفورنيا، هزَّت صيحاتُ تهليل المؤمنين المخلصين الأرجاءَ حتى تساقطَت الأزهار من أشجار البرقوق.

٣

حتى في خِضَم هذه الأحداث المؤلمة والمثيرة، كان باني لا يزال يستمتع بشبابه. ففي طريقه إلى المنزل بعد التدريب، التقى مصادفة بنينا جودريتش، إحدى زميلاته في الدراسة، وهي تنعطف بسيارتها، مرتديةً ملابس السباحة ومن فوقها حَرْملة. من المدهش اعتماد مصائر حياة المرء على هذه الأحداث الصغيرة! أبطأَت سيارتها وصاحت: «تعالَ، اسبَح معي!» قفز إلى داخل سيارتها، ولم يستغرقا سوى دقيقتَين للوصول إلى الشاطئ، وفي غضون خمسِ دقائق، كان قد استأجر ملابسَ سباحة وارتداها، وكان الاثنان يتسابقان على الرمال.

كانت نينا جودريتش واحدةً من تلك الفتيات الفاتنات، اللائي تُنتِج منهن كاليفورنيا عدة آلاف كل عام. فقد كانت ساقاها وذراعاها تتميز بالقوة، وكان فخذاها ونهداها مجهَّزة لحمل عشرات الأطفال وتغذيتهم على التوالي. كان شعرُها أشقر وبشرتها ذات لونٍ برونزي طبيعي ناتج عن السباحة في البحر لساعات، مرتديةً ملابس سباحة الفتيات الرقيقة المكوَّنة من قطعةٍ واحدة، والتي كانت تكشف بصورةٍ ملحوظة عما يزيد عن خمسين بالمائة من مفاتنهن الطبيعية. فلا يمكن لرجل اتخذ لنفسه زوجةً من جنوب كاليفورنيا أن يشتكي من عدم اطِّلاعه على الصفات الجسدية لزوجته المستقبلية!

سبَح الاثنان بحذاء الشاطئ لمسافةٍ طويلة ولم تزعجهما برودة الماء، وركضا على الشاطئ متشابكي الأيدي، وعندما عادا إلى مكان الاستحمام، قالت نينا: «تعالَ وتناول العشاء معي، يا باني؛ لقد مللتُ من المكوث في المنزل.» لذا انزلق باني في ملابسه، وتوجَّهَت إلى منزلها لتغيير ملابسها، وأثناء ذلك جلس في السيارة وبدأ يقرأ درسه القادم في الشعر الإنجليزي في القرن التاسع عشر. سلَّط الشاعر الضوء على سلسلة من الظواهر الطبيعية:

ضوءُ الشمس يعانقُ الأرض
وأشعة القمر تُقبِّل البحر!
ماذا تُساوي كل هذه القُبلات،
إن لم تُقَبِّليني أنت؟

توجَّها إلى كافتيريا، وهو مكانٌ يقدم أسماك كاليفورنيا وفواكه كاليفورنيا وسلَطات كاليفورنيا، بوفرةٍ مزعجة لفاتنة في التاسعة عشرة من عمرها تعاني بالفعل من أجل «تقليل وزنها». قالت نينا إنه لا يُوجد طعامٌ آمن مثل الكرفس؛ فهو يشغل الحيز ذاته في المعدة ويستغرق الوقت ذاته في المضغ، وبينما كانت تمضغ الكرفس بصوتٍ عالٍ، جلسا بجانب النافذة، وشاهدا غروب الشمس فوق المحيط الأرجواني، وتسلل الضباب ببطء من البحر. ركبا السيارة، ودون أن تنبس ببنت شفة، اتجهَت إلى خارج البلدة على طول الطريق الساحلي السريع، كانت إحدى يدَيها تُمسِك بيد باني، الذي تذكَّر، بعد البحث في مغارات ذاكرته، أنه سمع يونيس تقول إن نينا كانت على علاقةٍ يائسة ببارني لي، الذي كان قد التحَق بالجيش منذ عام، وهو الآن في فرنسا.

توقَّفا في مكانٍ منعزل، وكان هناك بساطٌ في السيارة؛ لذا سرعان ما كانا جالسين بجوار الأمواج الصاخبة، استكانت نينا بالقرب من باني وهمسَت قائلة: «هل تهتم لأمري ولو قليلًا؟» وعندما أجاب بالإيجاب، قالت: «إذن، فلماذا لا تُلاطِفني؟» وعندما بدأ في الامتثال لطلبها، وجد شفتَيه تُقبِّلانها قبلةً طويلةً وبطيئةً تُشبِه تلك القُبلات المؤثِّرة في الأفلام التي تخضع للرقابة، وتتفاوت مدة عرضها وفقًا للبلد الذي تُعرَض فيه، فتُحذف تمامًا في اليابان وتستمر لمدة ٨٠٠٠ ثانية في الجزائر والأرجنتين.

كان من الواضح أن تلك الفتاة الفائقة الجمال البالغة من العمر تسعة عشر عامًا أصبحَت طوع يدَيه على الفور، وبدأ رأس باني يسبح في مخاوفه المعهودة. فلم يكن قد شُفي بعدُ من الألم النفسي الذي شعَر به بعد ترك يونيس، وكانت هذه العلاقة بمثابة الخلاص له! لكنه كان مترددًا؛ لأنه كان قد تعهَّد لنفسه بأنه لن يدخل في أي علاقة مرةً أخرى. وكان أيضًا قد بدأ يسمع عن نوعٍ مختلف من الحب في قصائد بعض الشعراء الإنجليز. ففي قرارة نفسه كان يعلم أنه لم يُحب نينا جودريتش حقًّا، فقد كانت غريبةً عنه تمامًا؛ ولذلك تردَّد، وقلَّت حدة قبلاته، مما جعلها تهمس له قائلة: «ما الأمر يا باني؟»

ارتبك، لكن جاءه إلهامٌ مفاجئ. وقال: «نينا، هذا يبدو مجحفًا.»

«لمن؟»

«لبارني.»

شعَر بها تجفل وهي مستلقيةٌ بين ذراعَيه. «لكن بارني رحل يا عزيزي.»

«أعلم ذلك، لكنه سيعود.»

«نعم، ولكن هذا بعيد المنال، وأظنه على علاقة بفتاة في فرنسا الآن.»

«ربما يكون الأمر كذلك، لكن لا يمكنكِ التأكد، ويبدو من الخطأ أن يخاطر أحد الرفاق بحياته من أجل بلده، ويسرق شخصٌ آخر فتاتَه أثناء غيابه.»

وهكذا بدأ باني يتحدث عن الجبهة، وما كان يحدُث هناك، وعن مدى سرعة دخول الأمريكيين في الحرب، وكيف كان يأمل أن ينضَم للجيش بعد التخرج مباشرةً، وعن بول ومعتقداته عن روسيا، ورأي الأب في بول، وظلت الشابة الفاتنة بين ذراعَيه، ولكن انجذابها إليه تحول إلى محبةٍ أخوية، حتى بدأَت برودة الضباب تدبُّ في جسدَيهما الشابَّين؛ ولذا كان عليهما الرحيل، ووضعَت الفتاة البالغة من العمر تسعة عشر عامًا ذات الجمال الأخاذ ذراعَيها حول رفيقها وقبَّلَته بعنف، وأخبرَتْه: «باني، أنت غريب الأطوار، لكنني معجبةٌ بك بشدة!»

٤

شن الألمان هجومًا هائلًا آخر على البريطانيين، أُطلِق عليه هذه المرة اسم معركة فلاندرز. واحتلوا جزءًا كبيرًا من خطوط الدفاع البريطانية، ولولا صمود العمال والسائقين وكلِّ من كان موجودًا خلف خطوط الدفاع لمدة ستة أيام؛ حيث اختبأ كل رجل في حفرة وقاتل دفاعًا عن نفسه بأي سلاح عثَر عليه، لكان الألمان استولَوا على السكك الحديدية بأكملها في فلاندرز. وبعد شهر أو نحو ذلك، حدث هجومٌ آخر، وكان هذه المرة ناحية الجنوب، ضد الفرنسيين، معركة نهر أن والواز، بدا وكأن باريس محكومٌ عليها بالهلاك، وحبَس الناس في أمريكا أنفاسهم وهم يقرءون النشرات في الصحف.

في خِضَم تلك المعركة، التي امتدَّت على ما يقرُب من مائتَي ميل من الجبهة، حدث شيءٌ غيَّر مجرى التاريخ؛ حيث أمر القائد الفرنسي الذي كان يتعرض لضغوطٍ شديدة بنشر أولى القوات الأمريكية التي وصلَت حديثًا على الجبهة. كان هؤلاء الصبية قد حصَلوا على تدريبٍ لبضعة أشهر فقط، ولم يظن الفرنسيون أنهم سيصمُدون، لكن بدلًا من الانسحاب مثل بقية الجيوش، اخترقوا الخط الألماني وتقدَّموا لبضعة أميال في جبهةٍ تمتد لمسافة ثلاثة أميال. لذلك دُفع بالمزيد منهم، وبعد أيامٍ قليلة حدثت معركة بيلو وود، وسرَت في جميع أنحاء أمريكا حالةٌ من الغبطة. لم يشعر الرجال بمجرد فخرٍ وطني، بل ما هو أكثر من ذلك؛ فقد كان الأمر أشبه بانتصار للمؤسسات الحرة. وعند الاطلاع على قوائم القتلى والجرحى في هذه المعارك، كان بإمكانك العثور على أسماء مثل هورويتز وشنييرو وسامرجيان وسامانيجو، وكونستانتينوبولوس وتوبليتسكي وكونج لينج، لكنهم قاتلوا جميعًا جنبًا إلى جنب، وكان ذلك انتصارًا لطوفان الخطب الرنَّانة المؤثِّرة الذي كان يتدفَّق من البيت الأبيض.

في خِضَم هذه الإثارة جاء وقت تخرُّج باني، وكان عليه اتخاذ القرار العظيم. دارت بينه وبين والده محادثةٌ جادة لم تحدُث مثلها في حياتهما؛ فباني لم يرَ والده متأثرًا بشدة هكذا من قبلُ. قال له الأب: «يا بني، ألا يمكنك البقاء ومساعدتي في أعمالنا؟» أجابه باني: «أبي، إن لم ألتحِق بالجيش، فلن أشعر بالراحة أبدًا بقية حياتي.»

أوضح له الأب تداعيات هذا القرار عليه شخصيًّا. فهو لم يعُد قادرًا على حمل هذا العبء بمفرده. وكان لا بد من حفر المزيد من الآبار، وكانت كل بئر تعني مسئوليةً إضافية. أصبح من الضروري إنشاء معملِ تكريرٍ كبير، وكان هذا يعني أيضًا سلسلة من محطات الخدمة؛ فلا يمكنك الاعتماد على العقود الحكومية إلى الأبد. كانت الأرض ببارادايس ملكًا لباني، ولكن إذا كان يريد التخلي عنها، فسيتعيَّن على الأب أن يتفاوض مع بعض الأشخاص المهمين الذين كانوا يطلبون مشاركته. ففي حالة انضمام باني للجيش، لن تكون هناك فائدةٌ من الاعتماد عليه؛ لأن الأب كان متأكدًا من أن هذه الحرب لن تنتهي قريبًا. عبَّر عن ذلك الأمر قائلًا بصوتٍ مرتعش: «أولئك الذين يذهبون للحرب الآن لن يعود الكثير منهم»، ولو كان الحديث استمَر لأكثر من ذلك، لاضطُر كلاهما لإخراج مناديل الجيب لمسح دموعهما، وهو ما كان سيتسبَّب في شعور كلٍّ منهما بالإحراج بالقدر نفسه. لم يتمكَّن باني من فعل شيء سوى قول: «يجب عليَّ الذهاب يا أبي؛ يجب عليَّ الذهاب.»

لذا استسلم الأب، وبعد أسبوعَين تلقى باني إخطارًا بالتوجه إلى معسكر تدريبه. ذرفَت العمة إيما الدموع من أجله، بينما أطبقَت الجدة شفتَيها الذابلتَين على طقم أسنانها غير المتطابق، وقالت إن هذه جريمة، وإن الحياة لم يعُد لها معنًى. اتخذَت بيرتي الترتيبات لإقامة حفل وداع، وأفاد الأب أنه بدأ بإجراء مفاوضات مع فيرنون روسكو، أكبرِ منقِّب نفطٍ مستقل على الساحل، ورئيس فلورا-ميكس وميد-سنترال بيت، الذي طرح عليه عدة مراتٍ فكرةَ إنشاء مشروعٍ كبير يُسمَّى «روس كونسوليديتد» (أي مجموعة شركات روس).

٥

توجَّها إلى بارادايس، ليُلقيَ باني نظرة وداع على الأشياء هناك، وهناك وجدا أنه كان من المتوقع أن يأتي بول لقضاء إجازة، تمهيدًا للقيام برحلة عَبْر المحيط الهادي. قال الأب إن هذه الحرب كانت مثل حريق في «مُستودَع صهاريج»، لا يمكنك أبدًا معرفة الطريقة التي ستنفجر بها، أو ما الذي سيحدُث لاحقًا. فقد تلقَّى بول ومجموعةٌ من النجَّارين الذين كان يشرف على تدريبهم أوامرَ بالسفر على متن سفينة إلى فلاديفوستوك في سيبيريا، من بين كل الأماكن في العالم!

يبدو أنه عندما فرض البلاشفة سيطرتهم على روسيا، وجدوا أن لديهم عددًا كبيرًا من أسرى الحرب، من بينهم مائة ألف من التشيكوسلوفاكيين. كان هذا اسمًا جديدًا، إذا بحثتَ عنه في الموسوعات فلن تعثُر عليه، وكان لا بد من توضيح أنهم كانوا بوهيميين، ولكن كانت هذه كلمةً ألمانية، وكما غيَّرنا كلمة هامبرجر إلى ليبرتي ستيك (أي شريحة لحم الحرية) وساوركراوت إلى ليبرتي كابدج (أي ملفوف الحرية)، أصبح البوهيميون تشيكوسلوفاكيين، ولكن لم يعرف أحدٌ كيفية تهجئة هذه الكلمة عند سماعها، أو نطقها عند رؤيتها. كان أفرادُ هذا العِرق يثورون ضد ألمانيا، ووافق البلاشفة على أن يُنقَل سجناؤهم من التشيكوسلوفاكيين إلى فلاديفوستوك؛ حيث يمكن أن يتولى الحلفاء مسئوليتَهم، واستخدامهم في جبهة القتال إذا رأَوا ذلك مناسبًا. لكن في الطريق عَبْر سيبيريا، تقاتَل التشيكوسلوفاكيون مع البلاشفة وأسرى الحرب الألمان المفرَج عنهم، واستولَوا على قسمٍ كبير من السكة الحديدية.

ولذلك كان لا بد من تدخُّل فوري للحلفاء في خِضَم هذه الفوضى الغريبة. وأوضحَت الصحف الأمر؛ فقد كانت الحركة البلشفية ثورةً للمتطرفين، فُرضَت على الشعب الروسي بأسلحة المرتزقة المأجورين، الصينيين والمنغوليين والقوزاق والمجرمين الهاربين وحثالة القوم بصفةٍ عامة، لم يكن من الممكن أن يستمر الوضع طويلًا، بضعة أسابيع أو أشهر على الأكثر، وما كان مطلوبًا هو توفير نواة يمكن أن يتجمَّع حولها المواطنون الروس المحترمون. أخذ الحلفاء على عاتقهم مسئولية الاضطلاع بهذه المهمة، وكان على القوات الأمريكية واليابانية مساعدة التشيكوسلوفاكيين في سيبيريا، وعلى القوات الأمريكية والبريطانية تنظيم شئون اللاجئين الروس في أرخانجيلسك في أقصى الشمال. ولذلك كان بول ذاهبًا لبناء ثكنات وأكواخ جمعية الشبان المسيحيين، على طول السكك الحديدية العابرة لسيبيريا الشهيرة، وليشهَد بنفسه تلك الأحداث المثيرة التي كان يتناقش مع الأب بشأنها. كان باني ذاهبًا إلى معسكر تدريب، وربما عندما يجتاز التدريب، سيُرسِلونه إلى الجبهة ذاتها، كان هذا هو الأمر الوحيد الذي من الممكن أن يسمح لوالده باستخدام نفوذه فيه! فقد كان باني ينوي أن يكدَّ في تدريبه وأن يترقَّى في الخدمة، وربما يصل إلى منصب يكون فيه بول ونجَّاروه تحت إمرته!

لقد واجهوا صعوبةً في الحفاظ على روحهم المعنوية بسبب روث، التي كانت تشعر بحزنٍ شديد، لم يتمكَّن أحد من التخفيف من حدَّته. فقد كانت تتجول في المكان والدموع تنهمرُ على خدَّيها، وبين الحين والآخر كانت تُهرَع مسرعةً إلى خارج الغرفة. وعندما حان الوقت لكي يودِّعهم بول، كادت روث أن تفقد عقلها، ولفَّت ذراعَيها بقوة حول رقبته، مما جعله يسحب أصابعها بعيدًا. كان من المحزن أن يرحل أخٌ بينما أخته مستلقية على كرسي مغشيًّا عليها. جاء السيد واتكينز العجوز ليأخذها إلى المنزل، وأرسل سادي لأداء الأعمال المنزلية من أجل الأب. يا للهول، كانت هذه الأحداث هي التي تجعلك تدرك حقيقة الحروب!

٦

عاد باني إلى بيتش سيتي، ليواجه المحنة ذاتها. لم تصرخ الجدة أو تفقد وعيها، بل صعدَت إلى مرسمها الخاص، وأغلقَت الباب عليها، ولم تخرج حتى لتناول الطعام. وعندما كان باني مستعدًّا للرحيل، ذهب إليها وطرق الباب، وسمحَت له الجدة بالدخول إلى مُختبَر الطلاءات والزيوت والفن الراقي. كان وجهها شاحبًا ومتجهمًا، لكنَّ جفنَيها الحمراوَين الذابلَين كشَفا أمرها. قالت له: «أيها الولد الصغير» — فهكذا كانت تراه، ولدًا صغيرًا لن يكبر أبدًا — «أيها الولد الصغير، أنت ضحية لجرائم الكهول. ربما لا تفهم معنى ذلك الآن، ولكن تذكَّر، يومًا ما، بعد وقتٍ طويل من رحيلي، ستفهم ما أعنيه.»

قبَّلَته في صمت، وانسل خارجًا من الغرفة، والدموع تنهمر على خدَّيه، شاعرًا كما لو كان هو نفسه يرتكب جريمة. زاد لديه هذا الشعور عندما تلقى، بعد أسبوع، برقيةً تفيد بأن الجدة روس قد وافَتْها المنية على فراشها. حصل على إجازة لمدة ثلاثة أيام للعودة إلى الديار وحضور الجنازة، وكان عليه أن يودع بقية أفراد الأسرة مرةً أخرى.

كان موقع معسكر التدريب في الجنوب، مكان يتسم بأشعة الشمس الحارقة والعَرَق الشديد. كان يعجُّ بالفتية القادمين من جميع أنحاء الولاية، معظمهم من طلاب المدارس الثانوية والجامعات، بالإضافة إلى قلةٍ ممن انضموا إلى صفوف الضباط بسبب ما لديهم من خبرةٍ عسكرية. وانضَم إليهم أبناء مزارعي العنب والبرتقال والجوز والخوخ والبرقوق، ورعاة البقر والحطَّابين، ورجال الأعمال والمهنيِّين في المدن، أراد باني أن يتعرف عليهم، وأن يعرف طبيعة أفكارهم بشأن الحياة والحب والحرب. كان يتدرَّب حتى يشعر بألم في ظهره، ويدرُس، كما كان يفعل في المدرسة، لكنه كان يسكُن في خيمة، ويأكل بنهَم، وينمو جسديًّا وفكريًّا.

بين الحين والآخر كان يستكشف البلد مع أحد الرفاق، لكنه كان يبتعد عن المغامرات الجنسية التي شغلَت معظم أوقات فراغ جنود الجيش. فهنا كان يمكنهم التحدُّث بجرأة عن هذه الأمور؛ فرؤساؤهم كانوا يعتبرون البحث عن امرأة عند الخروج من المعسكر أمرًا مسلمًا به، وكانوا يُخبرونهم بما يجب عليهم فعله عند عودتهم، وكان هناك مركز علاج يصطَف فيه الجندي مع زملائه الآخرين، ويُلقون نكاتًا حول الأماكن التي ذهبوا إليها والتكاليف التي تكبَّدوها. كان باني يعرف ما يكفي ليدرك أن النساء، في الحي الذي يقع فيه هذا المخيَّم، اللواتي كن منفتحاتٍ لخوض تلك المغامرات؛ لا بد أنهن سينغمسْنَ في حب الملذات بعد عام؛ لذلك لم يكن مهتمًّا بنظراتهن أو بكواحلهن المزيَّنة بالجوارب الحريرية المزركشة التي كن يتباهَين بها.

كان قد تقدَّم بطلب للالتحاق بسلاح المدفعية، لكنهم كلَّفوه بدراسة «النقل العسكري»، بسبب معرفته بالنفط. تقبل هذا الأمر بسذاجةٍ تامة، ولم يدرك مطلقًا أن الأب بنفوذه الكبير ربما كانت له يدٌ في ذلك. عقد الأب العزم خُفيةً على ألَّا يسافر باني خارج البلاد، حتى ولو استمرَّت هذه الحرب لعشر سنواتٍ أخرى. كان من المقرَّر أن يكون باني من ضمن أولئك المسئولين عن إمدادات الجيش من البنزين والنفط؛ حيث يتأكد من مطابقة المنتجات المختلفة للمواصفات القياسية وشحنها بكفاءة وسرعة. من يعلم، ربما يصبح ضمن أولئك المسئولين عن إبرام العقود، وقد يكون قادرًا بين الحين والآخر على التوصية بروس كونسوليديتد!

٧

كانت الصفقة الجديدة قيد التنفيذ، وأرسل الأب خطاباتٍ طويلة تتحدث عن التقدُّم المُحرَز، وكان على باني إعادة إرسال هذه الرسائل بعد قراءتها، وعدم تركها في الخيمة. انتشرَت أيضًا الشائعات في الصحف، وتبعَتْها روايات أكثر تفصيلًا، مصمَّمة لتهيئة الناس لإطلاق مشروعٍ ضخم. وفي أواخر الصيف، حصل باني على إجازة، وعاد إلى الديار لتلقي آخر الأخبار.

لم تعُد «الديار» تعني بيتش سيتي؛ لأن الأب كان ينتظر فقط حتى يكمل باني دراسته للانتقال إلى منزلٍ آخر. كان قصرًا في الجزء العصري من إنجِل سيتي، كان قد استأجره من خلال وكيل عقارات مقابل خمسة عشر ألف دولار سنويًّا. كان كل شيء من الخارج مصنوعًا من الجص الوردي، وكانت النباتات المحيطة بالمنزل مُقلَّمة على شكل أجراس وكراتٍ تشبه الكرات التي تُوضع فوق لافتات مكاتب الرهن. وكانت هناك شرفةٌ كبيرة بها أراجيحُ معلَّقة بسلاسلَ نحاسية، وسراخسُ مزروعة في صف من أصدافٍ بحريةٍ ضخمة، ونوافذُ زجاجيةٌ كبيرة لا يمكن أن تُفتَح من تلقاء نفسها. وفي الداخل، كان الأثاث على طراز «ميشن أوك» (وهو أثاثٌ عتيق متين، خالٍ من الزخارف، ومصنوعٌ من خشب البلوط)، وكان ثقيلًا جدًّا بحيث يصعب تحريكه، لكن لم يمثل هذا الأمر مشكلةً للأب لأنه لم يكن يرغب في تحريكه؛ فقد كان يجلس على أي مقعد، في أي مكان، وكان المكان الوحيد الذي توقَّع أن يحصُل فيه على الراحة هو غرفة مكتبه؛ حيث كان لديه مقعدُ جلدٍ قديم ضخم، ومخزن للسيجار وخريطة لأراضي بارادايس تُغَطي جدارًا كاملًا. اهتم الأب بشيءٍ آخر؛ هو تعليق أكبر لَوحات الجَدَّة في غرفة الطعام، بما في ذلك تلك اللوحة المخزية للألمان وهم يُمسِكون بأقداح الجعة الكبيرة! أما بقية أغراض السيدة العجوز، مثل حاملِ اللوحات ودهاناتها ومجموعة كبيرة من أعمالها الأصغر حجمًا، فقد وُضعَت في صناديق وخُزِّنَت في القبو. أصبحَت العمة إيما الآن سيدة المنزل، وكانت بيرتي الناقدة الرئيسية عند وجودها بالمنزل.

على مكتب الأب، كانت هناك كومة من الأوراق بارتفاع قدم، تتعلق بالمشروع الجديد. درس كلًّا منها بعناية واحدةً تلو الأخرى موضحًا التفاصيل. كانت روس كونسوليديتد ستصبح مؤسسةً برأس مال سبعين مليون دولار، وكانت حصة الأب عشرة ملايين في شكل سندات وأسهم ممتازة، وعشرة ملايين أخرى في شكل أسهم عادية. كان من المقرر أن يحصل السيد روسكو على المبلغ ذاته مقابل أراضي حقل بروسبكت هيل وتلك الموجودة على نهر لوبوس، بينما يحصُل المصرفيون الآخرون على خمسة ملايين لتمويلهم للمشروع. وكان من المقرَّر أن يتحول الرصيد المتبقي إلى أسهم من فئةٍ خاصة، بقيمة خمسة وعشرين مليونًا تُطرح للجمهور، لتمويل المشروع الجديد، وهو إنشاء أحد أكبر معامل التكرير في الولاية، وصهاريج تخزين، وخطوط أنابيبَ جديدة، وسلسلة كاملة من محطات الخدمات في جميع أنحاء جنوب كاليفورنيا. وكان من المقرَّر ألَّا تتمتَّع هذه الأسهم بحق التصويت، وهي خطةٌ جديدةٌ رائعة شرحها الأب لباني؛ حيث كان على الجمهور المساهمة بأمواله والحصول على حصة من الأرباح، ولكن لم يكن له الحق في التدخل في كيفية إدارة الشركة. وأضاف الأب معلقًا: «وبهذا لن يتدخل في شئوننا حفنةٌ من المغفَّلين، ولن يتمكَّن أحدٌ من التلاعب بالسوق وسَلْب السيطرة منا.»

بعد تعمُّق باني أكثر في هذه التوضيحات، بدأ يفهم الهدف من ذلك التحكم الدائم والحازم الذي كان الأب والسيد روسكو يمنحانه لنفسَيهما. ففي النشرات والإعلانات الخاصة بروس كونسوليديتد، سيطلع الجمهور على كل شيء عن موارد النفط الهائلة في منطقة روس الابن في بارادايس، ولكن كان من المقرر ألَّا تعمل روس كونسوليديتد في هذه المنطقة، بل ستؤجرها لشركةٍ خاصة، ألا وهي شركة روس الابن، ولن يمتلك أحدٌ فيها أسهمًا سوى الأب والسيد روسكو والمصرفيين! كانت هناك مجموعةٌ كاملة من تلك المصطلحات المعقَّدة، من عينة الشركات القابضة وشركات التأجير وإصدارات الأسهم المنفصلة، وكان من المقرَّر أن يدخل بعضٌ من هذه الأمور حيز التنفيذ في الحال، والبعض الآخر في وقت لاحق، بعد أن يساهم الجمهور بأمواله!

عندما بدأ باني، «المثالي الصغير»، في الاعتراض على ذلك، وجد أنه يجرح مشاعر والده. وقال الأب إن هذه هي الطريقة المعتادة لعَقْد الصفقات المالية الضخمة؛ فهم لا يديرون مطعمًا خيريًّا. وسيحصُل الجمهور على حصته وأكثر؛ حيث ستصل قيمة ذلك السهم إلى مائتَين في السنة الأولى، فقط انتظر وسترى! لكن كان الأب وابنه هما مَن قاما بالعمل الشاقِّ في أراضي بارادايس، وفي بروسبكت هيل ونهر لوبوس أيضًا؛ وأرادَت الحكومة منهما المضي قدمًا وإنجاز المزيد من العمل، بحفر مائة بئرٍ جديدة والمساعدة في الانتصار بالحرب، لكن كيف يمكنهما فعل ذلك إذا وزَّعا الأموال على الناس ليضيعوها في حفلات الجاز؟ فقط انظر إلى هؤلاء «الأطفال الذين وُلدوا أثناء الحرب»، والإنفاق الطائش للنقود في نيويورك! كان الأب يعتني بأمواله ويستخدمها بحكمة، في مجال النفط، حيث تنتمي، لقد كان صادقًا، وصارمًا، في اقتناعه بأنه الشخص الذي يجب أن يستفيد بالأرباح. فقد حارب هو والسيد روسكو بمفردهما الشركات الكبيرة وتغلَّبا على جميع التحديات؛ والآن كانا يشكِّلان شراكةً راسخة، وبالتأكيد سيحقِّقان مكاسبَ كبيرة منها!

٨

في غضون ذلك، كان الألمان قد بدءوا هجومًا آخر على الفرنسيين، وكان الأكثر ضخامةً حتى ذلك الوقت؛ كان معركة المارن الثانية، وأطلقوا عليها اسم «فريدنستورم» (التي تعني بالألمانية هجوم السلام)؛ لأنهم أرادوا الاستيلاء على باريس وتحقيق السلام. ولكن كانت هناك قطاعاتٌ كبيرة تحتلها القوات الأمريكية؛ حيث كان هناك مليون جندي في فرنسا، وثلاثمائة ألف يأتون كل شهر، بكل مؤنهم، على الرغم من التهديد الذي كانت تشكِّله الغواصات. كانت هذه القوات مفعمةً بالنشاط، بينما كانت القوات الأخرى منهكة؛ ولذلك حيثما وُجدوا، لم يَنهَر خط دفاعهم، وصدُّوا القوات الألمانية ومنَعوا تقدُّمها، وأوقفوا الهجوم الكبير.

بعد ذلك بأسبوع أو اثنَين، حدث أمرٌ أثار الحماس في العالم أجمع؛ بدأَت قوات الحلفاء في التقدم! وشنَّت الهجمات في أماكنَ مختلفة، واستحوذَت على الأراضي، وطردَت الأعداء من الحصون التي استغرق بناؤها سنوات، وكانوا يعتبرونها منيعة. بدأ خط هيندنبيرج العظيم في الانهيار، وتبعه خط سيجفريد وخط هندينج، وجميع المنشآت الأسطورية الأخرى. اعتبر الناس في أمريكا أن ذلك بمثابة تسلل أشعة الشمس الأولى عَبْر غيوم العاصفة. كان «اليانكي» يكتسحون ثغرة سان ميهيل، ويأسرون عشرات الآلاف من جنود العدو، والأهم من ذلك، أنهم كانوا يستولون على الرشاشات والمدافع التي لم يستطع الألمان الحصول على غيرها. استمر هذا حتى أوائل الخريف؛ حتى بدأ الضباط الشباب المستقبليون في معسكر تدريب باني في القلق لأن هذه الحرب الجارية، التي وصلَت إلى مرحلة حاسمة، كانت ستنتهي قبل أن يشاركوا فيها.

لكن طَوال هذا الوقت، لم تأتِ لهم أي أخبار عن بول! وتلقَّى باني رسائلَ مفعَمة بالحزن من روث تسأله فيها: «ماذا في ظنك يمكن أن يكون قد حدث له؟ أُرسِل له خطاباتٍ كل أسبوع على العنوان الذي أعطاني إياه، وأعلم أنه سيرُدُّ عليَّ إن كان على قيد الحياة.» أوضَح باني أن البريد يستغرق ستة أسابيع حتى يصل إلى فلاديفوستوك ويعود إلى هنا؛ ولا يمكن لأحد أن يقدِّر الوقت الذي يستغرقه على خط السكة الحديدية، وإلى جانب ذلك، كانت هناك رقابة، وقد تحدُث أشياءُ كثيرة للرسائل أثناء الحرب. لو كان بول قد قُتل أو جُرح، لكان الجيش بالتأكيد بلَّغ والدَيه؛ لذا عدم تلقِّي أي أخبار عنه يعني أنه على ما يُرام. فعليًّا، لم يكن هناك أي قتالٍ تقريبًا، كما استطاعت روث أن ترى من قُصاصات الصحف التي أرسلها إليها باني بكل أمانة. كانت التقارير مقتضَبة، ولكن كان ذلك بسبب عدم حدوث أي تطوراتٍ كبيرة؛ فلو كان هناك قتالٌ حقيقي، أو خسائرُ للقوات، كانت الصحف ستُعلِن عنها بكل تأكيد.

في شهر يوليو من عام ١٩١٨، هبطت القوات الأمريكية واليابانية في فلاديفوستوك، دون مقاومة تُذكَر، وانتشرَت على طول السكك الحديدية العابرة لسيبيريا، التي سيطرَت عليها، بل وتولَّت إدارتها، على طول الطريق إلى بحيرة بايكال حيث التقت بالتشيكوسلوفاكيين. وبمساعدة هؤلاء الرجال الأذكياء، فرَض الحلفاء سيطرتهم على البلد بأكملها حتى نهر الفولجا؛ مما أجبر البلاشفة على البقاء بالداخل. بين الحين والآخر كانت الصحف تنقل أخبارًا عن هذا الأدميرال أو ذاك الجنرال الذي كان يؤسِّس حكومةً روسيةً مستقرة، وبالطبع بمساعدة أموال الحلفاء وإمداداتهم. في الطرف الغربي من خط الدفاع، كان هناك قائدٌ من القوزاق وفي الطرف الشرقي كان هناك قائدٌ صيني أو منغولي أو أي قائدٍ وحشيٍّ آخر، وهكذا تحرَّرَت مساحاتٌ جديدة من الأرض من شر البلشفية. وفي مكانٍ ما وسط هذه الأحداث الرائعة والمثيرة، كان بول واتكينز من بارادايس، كاليفورنيا، يبني ثكناتٍ للجيش وأكواخَ «جمعية الشبان المسيحيين»، ويومًا ما سيعود للديار بقصةٍ رائعة ليرويها! وهكذا أرسل باني خطابًا لروث يطلب منها أن تُحافِظ على معنوياتها، وأن تثق في لطف حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

٩

زادت برودة الليالي في معسكر باني، واستمرَّت الأخبار المثيرة في التدفق من أوروبا، وانتشرَت عَبْر الصفحات الأولى من الصحف التي كانت تصدر ست طبعات أو ثمانيًا كل يوم. كان تقدُّم الحلفاء يتحوَّل إلى مسيرة، تلك المسيرة المتجهة إلى برلين التي طال انتظارها! وكانت هناك مسيرةٌ أخرى متجهة إلى فيينا وصوفيا والقسطنطينية، حيث كانت القوى المركزية في كل مكانٍ تضعُف وتنهار وتستسلم. أصدر الرئيس ويلسون «النقاط الأربع عشرة» التي على أساسها دُعي الألمان إلى الاستسلام. كانت هناك شائعاتٌ بشأن إجراء مفاوضات، وأن القادة الألمان يقترحون هدنة! واستمرَّت حالة التشويق هذه ليومين أو ثلاثة أيام، حتى جاءت الإجابة: لن تكون هناك هدنة، فقط استسلام؛ واستمرت المسيرة إلى برلين!

ثم في أحد الأيام نُشِر تقريرٌ رائعٌ يعلن عن توقف العدو عن المقاومة وتوقيع اتفاقية الاستسلام! في واقع الأمر، كان إعلانًا زائفًا، بسبب تعوُّد الأمريكيين على استباق الأحداث. تريد كل صحيفة أن تتغلب على الصحف الأخرى؛ لذا كان القائمون على الصحف يجهِّزون كل شيء مقدمًا، بدءًا من الخطب التي لم تُلقَ بعدُ، وصولًا إلى المراسم التي لم تحدث بعدُ. تحمَّس أحد الصحفيين، ونشر قبل الأوان الرسالة التي جعلَت أمريكا كلها تشعر بحالةٍ من الإثارة الجامحة. لم يسبق لهذا المشهد مثيلٌ منذ بدء الخليقة؛ انبعثَت الأصوات من كل أدوات إصدار الضجيج، وخرج الرجال والنساء والأطفال إلى الشوارع، ورقصوا وغنَّوا وصرخوا حتى استُنفِدَت طاقتهم، وأُطلقَت الرصاصات من المسدَّسات، وانطلقَت السيارات بأقصى سرعة وهي تجرُّ خلفها عُلَب صفيح تتقافز، وبكى الصبية بائعو الصحف وسماسرة الأوراق المالية على أكتاف بعضهم، ورقص رؤساء البنوك المحافظون المسنُّون رقصة الكان كان مع كاتبات الآلة الكاتبة وعاملات الهاتف. وبعد يوم أو اثنَين، عندما جاءت الأخبار الحقيقية، خرجوا ليكرِّروا مراسم احتفالاتهم، لكنهم لم يتمكَّنوا مطلقًا من استعادة نشوتهم الأولى الطائشة.

بعد ذلك، بالطبع، قلَّت متعة التدريب العسكري، وأراد جميع الضباط الشباب المستقبليين العودة إلى منازلهم، أو الذهاب إلى الكلية أو تولي وظائفهم، وسرعان ما حصل كلُّ مَن له نفوذ على إجازاتٍ كان مفهومًا ضمنيًّا أنها غير محدَّدة المدة. وعلى غير المتوقع حظي باني بهذه الإجازة؛ حيث استخدم الأب نفوذه الغامض، وعاد باني إلى المنزل ليراقب عن كثَبٍ الأنشطة والتطورات المتعلقة بشركة «روس كونسوليديتد»، التي كانت قد طُرحَت أسهمها بسعر افتتاح قدره ١٠٨ دولاراتٍ للحصة «للسهم من الفئة ب»، وبِيعت بالكامل في غضون يومَين، ووصل سعرها الآن في السوق إلى ١٤٧ وثلاثة أرباع. كانت الشركة قد طرحَت الأسهم «دون قيمةٍ اسمية»، وهو مصطلحٌ جديدٌ آخر أوصى به محامو فيرنون روسكو الرائعون؛ فقد كان من الممكن التهرُّب من بعض الضرائب الحكومية والفيدرالية بهذه الطريقة، وعلاوةً على ذلك لن تكون هناك أي حاجة لإصدار «أرباح الأسهم» لإخفاء مبلغ الربح. كان السيد روسكو بالتأكيد خبيرًا في الأمور المالية، وربما يكون أذكى رجل قابله الأب في مجال النفط.

انزاح عن كتفَي الأب حملٌ هائل؛ إذ ستتولى مؤسسة روسكو الهائلة مسئولية تسويق النفط وجمع الأموال. وكان الأب مسئولًا عن عمليات التطوير الجديدة، وهي أكثر ما يُحبه الأب في هذا المجال. فقد كان عضوًا في مجلس إدارة الشركة الجديدة، وكذلك نائبًا للرئيس، براتب مائة ألف دولار سنويًّا، بالإضافة إلى تكليفه بعمليات التنقيب والحفر، وكان يُسافر في كل مكان ويُعاين الأراضي ويحدِّد مواقع الحفر، ويتأكد من حفر كل بئر على النحو الصحيح، قبل تسليمها إلى مسئولٍ تنفيذيٍّ آخر، المشرف على عملية الحفر. اقترح الأب أن يتولى باني منصبًا تحت رئاسة والده، ليبدأ براتب ستة آلاف في السنة، وسيستمر هذا الوضع حتى يشعُر الجميع بالرضا عن مدى معرفته بالعمل؛ سيستمع الاثنان بقضاء الوقت معًا، حيث سيجوبان بالسيارة جميع أنحاء جنوب كاليفورنيا، ويستكشفان الأماكن التي تحتوي على نفط، تمامًا مثلما حدث في بارادايس! أعجِب باني بالفكرة، لكنه كان يريد بعض الوقت للتفكير في الأمر، والتعوُّد على فكرة أنه لن يذهب إلى سيبيريا أو فرنسا. وافقه الأب؛ فبالطبع، لا ينبغي أن يتسرَّع في اتخاذ هذا القرار، ولكن كان بوسع باني أن يرى أنه كان متألمًا قليلًا؛ لأن ابنه الذي كان يحمل اسمه لم يكن يعمل في مجال النفط!

١٠

توجَّها إلى بارادايس ليطَّلعا على التطورات، وكان من ضمن التطورات الأولى التي شهداها هي روث، التي أعدَّت لهما الغَداء في كابينة آل راسكوم. صُدم باني من مظهرها؛ فقد بدت أكبر بعشر سنوات مما كانت عليه عندما رآها آخر مرة، وكان وجهها شاحبًا، وابتسامتُها مصطنعة. كانت قد تخلَّت عن كل مظاهر الأنوثة، وكان شعرها مشدودًا إلى الخلف وملفوفًا في عقدة أعلى رأسها، وتنانيرها تصل إلى كاحلَيها؛ أي أطول من المعتاد في الموضة بمقدار نصف ساق. قالت ميلي إن روث كانت على وشك أن تصبح خادمةً عجوزًا، وكل ذلك بسبب حزنها البالغ على بول.

قالت روث: «أعلم أنه مات! فكِّر في الأمر، لقد مرت خمسة أشهر منذ رحيله، ألا تعلم أن بول كان سيُرسِل لي الكثير من الرسائل في ذلك الوقت؟»

بدا الأمر غريبًا بالفعل، وفكَّر الأب قليلًا وقال: «نعم، لقد انتظرنا طويلًا بما يكفي، والآن علينا أن نكتشف الأمر.»

صرخَت روث وهي تعقد يديها معًا: «أوه، سيد روس، ماذا تقصد؟».

«حسنًا، إن هذا الجيش ليس مفقودًا تمامًا في سيبيريا، وأظن أن هناك طريقةً ما للتواصل معه.»

ازداد شحوب روث أكثر من أي وقتٍ مضى. «يا إلهي، لا أعرف ما إذا كنتُ سأجرؤ على اكتشاف ذلك! إذا أبلغونا أنه لقي حتفه، إذا كنتُ سأعرف ذلك حقًّا …»

قال الأب: «اسمعي، يا طفلتي، المشاكل التي تتخيلينها تكون دائمًا أسوأ بكثير من المشاكل الحقيقية. أريد أن أعرف ما حدث لرئيس النجَّارين لديَّ، وهذا ما سأفعله!»

وهكذا توجَّه الأب إلى الهاتف، واتصل بمخزن التبن والأعلاف المملوك للسيد جيك كوفي في سان إليدو. «مرحبًا يا جيك. نعم، كلنا بخير هنا، كيف حال والدك؟ أعلم أن لديك مرشحًا … لقد نسيتُ اسم الرجل، إنه عضو الكونجرس من هذه المنطقة. حسنًا، لم أطلب منه معروفًا من قبلُ، لكني أعتقد أن لديَّ الحق في أن أطلب منه معروفًا، نظرًا لكل ما قدمتُه لانتخابه. حسنًا، أريدك أن ترسل له برقية وتطلب منه الذهاب إلى وزارة الحرب والاستفسار عن مكان بول واتكينز وصحته. هل لديك قلم رصاص؟»

التفت الأب إلى روث، قائلًا: «حسنًا أخبريني. السرية ب، فوج كاليفورنيا السابع والأربعون، قوات المشاة الأمريكية المتجهة إلى روسيا. أريد من وزارة الحرب أن ترسل برقية استفسار وبرقية الرد، وأرسل خمسةً وعشرين دولارًا لعضو الكونجرس لتغطية التكلفة، وإذا كان هناك أي شيءٍ متبقٍّ يمكنه الاحتفاظ بالباقي. سأرسل لك الشيك بالبريد اليوم. يمكنك أن توضِّح، إذا كنت ترغب في ذلك، أن أحد أفراد الأسرة مريض، وأن الحصول على أي معلومات في الحال مسألة حياة أو موت. أنا ممتنٌّ لك، يا جيك، وإذا كنتَ بحاجة إلى أي بنزين لسيارتك، فقط مُر علينا عندما يبدأ معمل التكرير الجديد في العمل. بالمناسبة، ما رأيك في شيك توزيعات الأرباح الأخير من الشركة؟ ها ها ها! حسنًا، إلى اللقاء.»

انتظرَت روث لمدة يومَين على أحرَّ من الجمر، وكانت تحبس أنفاسها في كل مرة يرن فيها الهاتف، وأخيرًا اتصل جيك كوفي، أجاب باني، وعلى الفور ترك سماعة الهاتف وقال: «هناك برقية من عضو الكونجرس ليذرز؛ تفيد وزارة الحرب أن بول موجود في إيركوتسك وأنه بصحةٍ جيدة.» صرخَت روث وترنَّحَت، وحاولَت الإمساك بطاولة الطعام التي كانت تقف بجانبها، لكنها أخفقَت، واضطُر باني إلى ترك السماعة والإمساك بها. فقدَت الوعي وكان وجهها في غاية الشحوب وجسدها باردًا، فوضعوها على الأرض ورشُّوا الماء على وجهِها. وعندما استعادت وعيَها، كان كل ما أمكنَها فعلُه هو البكاء مثل الأطفال. بعد قليل، تذكَّر باني سماعة الهاتف المعلَّقة، وذهب واعتذر للسيد كوفي وشكَره، وكان هذا كل ما تمكَّن باني من فعله للحفاظ على صوته ثابتًا؛ ففي الحقيقة كان هو والأب قلقَين بشأن بول أكثر مما أظهَرا.

بعد أن تمكَّنَت روث من الاعتدال في جلستها والابتسام، قال الأب: «إيركوتسك، أين تقع هذه المدينة؟» فقالت الفتاة على الفور: «إنها على بحيرة بايكال، في وسط سيبيريا.» قال الأب: «يا إلهي، من أين حصلتِ على هذه المعلومات الجغرافية؟» اتضح أنه كان هناك أطلسٌ قديم بين كتب بول، وكانت روث قد حفظَت عن ظهر قلب الجزء الخاص بسيبيريا، بما في ذلك أسماء كل محطة على السكك الحديدية العابرة لسيبيريا — أومسك، وتومسك، وتوبولسك — ووجد الأب هذا الأمر مسليًا، وجعلها تسردُها جميعًا؛ ربَّاه، لو كان هناك جدولٌ زمنيٌّ مرفق، لكانت قد عرفت موعد وصول قطار الشحن الليلي لفلاديفوستوك! كانت تعرف الطبيعة الجغرافية للبلد، والأعراقَ التي تسكنها، وما بها من نباتات وحيوانات ومصالحَ تجاريةٍ رئيسية، وما تتمتع به من فراء، وخشب، وقمح، ومنتجات ألبان.

كانت المشكلة الوحيدة أن معلوماتها كانت قديمة تعود إلى عشرين عامًا مضت! ولذا لم يكن أمامها سوى التوجُّه إلى روزفيل بالعربة عصر ذلك اليوم، وفي المكتبة ستجد أطلسًا جديدًا كبيرًا، وربما بعض الكتب حول هذا الموضوع. قال باني إنه سيُوصلها بالسيارة، وبالفعل ذهبا، ووجدا أطلسًا به صورة لإركوتسك، ميدان عام به بعض المباني أو الكنائس أو المساجد أو أيًّا كان اسمها، تعلوها قبابٌ مستديرة بها طرفٌ مستدق يمتد إلى نقطة بالأعلى، وكان هناك ثلج على الأرض، وزلاجاتٌ ذات أحزمةٍ كبيرة تصل إلى أعناق الخيول وتلتف حولها. قالت روث إن الجو كان باردًا بشدة هناك، وإن بول لم يكن معتادًا على مثل هذا الطقس، لكن باني ضحك وأخبرها ألَّا تقلق بهذا الشأن؛ فبول سيحظى بالكثير من الملابس ليرتديها؛ فقد كان الجيش يوفر أفضل رعايةٍ في التاريخ، وما دام خط السكة الحديد يعمل، فلن يعاني أحد.

لكن هذا لم يكن كافيًا لروث، فما أرادته هو عودة بول إلى المنزل. بالتأكيد، كان من المفترض أن يكون في طريقه للعودة الآن بعدما انتهت الحرب! لكن باني قال إنه سيتعيَّن عليها الانتظار؛ لأن الهدنة لم تكن مثل السلام؛ فقد كان هناك الكثير من المفاوضات التي يتعيَّن إجراؤها، وسيظل الجيش ملتزمًا مواقعه في هذه الأثناء. ولكن عندما يُعلن السلام، سيعود بول بالتأكيد؛ لأننا بالتأكيد لن نواصل تشغيل السكة الحديدية العابرة لسيبيريا بعد انتهاء الحرب. قال باني ذلك وهو يضحك، متعمدًا أن يكون مضحكًا، وابتسمَت روث؛ لأن الفكرة بدت مضحكة لها، كانا في غاية البراءة وبعيدَين كل البعد عن تعقيدات الدبلوماسية العالمية، كانا غرَّين، من السهل خداعهما!

١١

قضى باني أسبوعًا في صيد السُّمانى مع الأب، أو في التجوُّل بمفرده فوق التلال، مفكرًا في بعض الأمور. في النهاية جلس مع والده لمناقشة ما يدور في خاطره. «أبي، أخشى أنني سأخيِّب ظنك، ولكن هذه هي الحقيقة؛ أريد أن أذهب إلى الكلية.»

«الكلية! يا إلهي، لماذا يا بني؟» علت نظرة دهشة وجه الأب، لكنه كان يتظاهر بذلك؛ فقد كان يعلم جيدًا أن باني كان يفكِّر في الالتحاق بالكلية، وقد فكَّر في الأمر كثيرًا.

«أنا فقط أشعر أنني لم أتلقَّ تعليمًا كافيًا يا أبي.»

«ما الذي تريد معرفته؟»

«إنه شيءٌ لا يمكن تحديده؛ فأنت لا تعرف بالضبط ما ستحصُل عليه حتى تحصُل عليه. لكنَّ لديَّ شعورًا أنني أريد معرفة المزيد عن الأشياء.»

بدا الأب محبطًا بشكلٍ مثير للشفقة، لكن هذه المرة كان شعوره صادقًا وغير متعمَّد. «هذا يعني أنك لست مهتمًّا بالنفط.»

«في الواقع يا أبي، هذا ليس صحيحًا تمامًا. يمكنني الدراسة لفترة ثم العودة إلى العمل.»

لكن الأب كان يفهم الوضع بصورةٍ أشمل. «لا، يا بني، إذا ذهبتَ إلى الكلية، فستشعر أنك أعلى مكانةً منا، نحن العاملين في مجال النفط، ولن تلاحظ حتى وجودنا. إذا كان هدفك أن تصبح خبيرًا في النفط، يجب أن يكون مجال دراستك هو النفط.»

«في الواقع يا أبي، حقيقة الأمر هي أنني صغيرٌ جدًّا على معرفة ما أريد أن أكون. وإذا أردتُ أن أفعل شيئًا آخر، فبالتأكيد لدينا ما يكفي من المال …»

«الأمر لا يتعلق بالمال، يا بني، إنها الوظيفة. أنت تعرف ما أشعُر به؛ أحب وجودك بجانبي …»

قاطعه باني على الفور: «أنا لا أنوي الذهاب بعيدًا؛ فهناك الكثير من الكليات هنا، ويمكنني العيش في البيت. ويمكننا أن نتقابل في عطلات نهاية الأسبوع والعطلات الرسمية، كما هو الحال دائمًا. لن أفقد اهتمامي ببارادايس يا أبي، لكنني حقًّا لن أكون سعيدًا بالعمل بجد حتى يتسنَّى لي معرفة المزيد.»

كان على الأب أن يفسح له المجال لتنفيذ هذه الخطوة. فقد كان يدور في ذهنه تلك الحرب الغريبة؛ حيث يختلط احترام المعرفة، بالرهبة في حضور المثقفين، إلى جانب الخوف من «الأفكار» التي قد يحصُل عليها باني، وتطلُّعاته الغريبة إلى «المثالية» التي ستتسبَّب في جعله غير مناسب ليكون الوريث والوصي على روس كونسوليديتد التي تصل قيمتها إلى عشرين مليون دولار!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤