الفصل الثاني والعشرون

نسطوريوس والمجمع المسكوني الثالث

٤٢٨–٤٤١

شغور الكرسي القسطنطيني

وتوفي أتيكوس أسقف القسطنطينية في خريف السنة ٤٢٥، فترشح للخلافة كلٌّ من بروكلوس سكرتير أتيكوس، وفيلييبوس أحد كهنة العاصمة، وقد عرف هذا بشغفه بالآثار وباهتمامه بتاريخ النصرانية، ولكن الشعب آثر سيسينيوس Sisinnius أحد كهنة الضواحي، الذي اشتهر بمحبة المسيح وبتواضعه وزهده وعطفه على الفقراء، فتم انتخابه في الثامن والعشرين من شباط سنة ٤٢٦،١ ثم اختار الله له ما عنده، فاصطفاه لجواره في ليلة عيد الميلاد سنة ٤٢٧، فعاد كلٌّ من بروكلوس وفيليبوس إلى سابق نشاطهما، ولكن ثيودوسيوس الثاني آثر التفتيش عن خلف لسيسينيوس خارج العاصمة، فاتجهت أنظاره نحو أنطاكية نحو الراهب نسطوريوس رئيس أحد أديارها، الذي كان قد اشتهر بفضله وفصاحته.

نسطوريوس

وُلِد نسطوريوس في ضواحي مرعش في الربع الأخير من القرن الرابع من أبوين سوريين أو فارسيين، وهو ابن عم ثيودوريطس المؤرخ أسقف قورش،٢ ودرس اليونانية ومبادئ العلوم في مرعش، ثم انتقل منها إلى أنطاكية حيث أخذ العلوم الدينية عن ثيودوروس الموبسوستي، وقدم النذر والتجأ إلى دير أفبريبيوس Euprepios في ضواحي أنطاكية، ثم سيم كاهنًا على مذابح كنيستنا الرسولية، وكُلِّف بتفسير الأسفار المقدسة لتفوقه في اللغة والأسلوب ولجمال صوته.٣
وشغر الكرسي القسطنطيني واشتد نشاط المرشحين وأصحاب المصالح، فوقع اختيار السلطات على نسطوريوس، فقام إلى القسطنطينية في أوائل السنة ٤٢٨، وجاء في أسطورة سريانية أن نسطوريوس عرَّج وهو في طريقه إلى القسطنطينية على معلمه القديم الأسقف ثيودوروس، فأقام عنده في موبسوستي يومين كاملين، وأن ثيودوروس شيعه حتى مشهد القديسة تقلا، وقال له عند الوداع: «إني أعرفك يا بُني، لم تلد امرأة رجلًا أشد حماسًا منك، فعليك بالاعتدال إن رمت النجاح في معالجة الاختلافات في الرأي.» فأجاب نسطوريوس: «ولو عشت أنت يا سيد في زمن السيد المسيح لقيل لك وأنت أيضًا ذاهب.»٤
واحتفل بتتويج نسطوريوس أسقفًا على القسطنطينية في العاشر من نيسان سنة ٤٢٨، فخاطب الإمبراطور على مسمع من جمهور المحتفلين قائلًا: «أعطني بلادًا خالية من الهراطقة، أقدم لك السموات بديلة، واستأصِلِ الهراطقةَ لنا نستأصِل الفرس معك.»٥

حمية نسطوريوس واندفاعه

واندفع نسطوريوس في سبيل الإيمان القويم، فاستصدر أمرًا بإغلاق كنيسة الآريوسيين في القسطنطينية في الأسبوع الأول من رئاسته، وفي الثلاثين من أيار أي في الأسبوع الثامن لرئاسته صدرت إرادة سنية إمبراطورية تستأصل الهرطقة في جميع مظاهرها، فشملت في حكمها: الآريوسيين، والمقدونيين، والأبوليناريين، والنوفاتيين، والأفنوميين، والفالنتينيين، والمونتانيين، والمركيونيين، والبوربوريين، والمصلين، والأفخيتيين، والدوناتيين، والبولسيين، والمركلوسيين، والمانويين، وغيرهم.٦ ونُفِّذت هذه الإرادة بحزم فأُغلِقت كنائس هؤلاء المبتدعين، وأدى إغلاقها إلى استعمال العنف في بعض الأحيان، وإلى خسائر في الأرواح.

والدة الإله

وكان الشقاق لا يزال مستحكمًا في العاصمة بين أتباع آريوس وأتباع أبوليناريوس، وكان من الطبيعي أن يشترك في الجدل بين هذين المعسكرين بعض الكهنة والشمامسة الأرثوذكسيين، ويُستدَل مما جاء في بعض المراجع الأولية٧ أن كاهنًا أنطاكيًّا من ناحية نسطوريوس يُدعَى أنستاسيوس تدخل في الجدل القائم وقال إن مريم بشر، وكبشر لا يمكنها أن تلد إلهًا؛ ولذا فإنه لا يجوز القول عنها إنها والدة الإله Theotokos. وتضيف هذه المراجع نفسها أن نسطوريوس أبى أن يلوم أنستاسيوس، وأنه تحاشى هو بدوره استعمال التعبير «والدة الإله». وجاء في مخلفات المجمع المسكوني الثالث أن دوروثيوس أسقف مركيانوبوليس حرم استعمال الاصطلاح والدة الإله، وأن نسطوريوس سكت عن هذا التحريم ولم يقطع دوروثيوس من الشركة.٨
والاصطلاح «والدة الإله» قديم العهد فيما يظهر، فألكسندروس الإسكندري استعمله بدون تكلُّف، وغريغوريوس النزينزي لعن مَن لا يعتبر مريم أم الله.٩
ورأى نسطوريوس أن هذا الاصطلاح لم يَرِد في الأسفار المقدسة، وأن الآباء لم يستعملوه في نيقية،١٠ وذكر القول النيقاوي «إن ابن الله تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء.» فرأى في هذا اعترافًا بطبيعتين: طبيعة ابن الله المساوي للآب في الجوهر، وطبيعة الإنسان المولود من العذراء، فرأى في الاصطلاح «والدة الإله» خلطًا بين اللاهوت والناسوت، واقترح القول «والدة المسيح».١١

اللاهوت والناسوت

وعلَّمت الكنيسة منذ البدء أن مخلصنا الوحيد إله كاملٌ، وإنسان كامل، رب واحد لمجد الله الآب، فقام آريوس وأنكر على الكنيسة الاعتقاد بطبيعة لاهوت الكلمة المتأنس، فعقدت المجمع المسكوني الأول وحكمت عليه وعلى تعليمه، وقررت حقيقة كمال لاهوت المخلص؛ ثم قام أبوليناريوس وقال بنقص في طبيعة المسيح البشرية، فعلَّم أن اللاهوت في المسيح قام مقام العقل في الإنسان، فعقدت الكنيسة المجمع المسكوني الثاني وحكمت على أبوليناريوس، وقررت حقيقة كمال ناسوت المخلص. ولكن الكنيسة لم تعين بعبارات محدودة مضبوطة وجه العلاقة بين الطبيعتين الإلهية والبشرية، ووجه الاتحاد بين اللاهوت والناسوت، فأدى هذا إلى تفاوت في فهم التعبير، ونشأ عنه اختلاف في التعليم وخصام ونزاع أفضى إلى الانشقاقين النسطوري والأوطيخي.

الإسكندرية وأنطاكية

وتزعمت الإسكندرية الفكر المسيحي مدة من الزمن وشاطرتها أنطاكية هذه الزعامة، وكان لكلٍّ من هذين المركزين نهجٌ خصوصي في التعليم، واصطلاحٌ في التعبير كثيرًا ما خالف اصطلاح المركز الآخر في تأدية المعنى الواحد.١٢

وقالت الإسكندرية بكمال الطبيعة البشرية في شخص المخلص وبكمال الطبيعة الإلهية، ولكنها لم تعين وجه اتحاد الطبيعتين، فقالت مثلًا بالاتحاد الطبيعي والاتحاد الشخصي والاتحاد الجوهري بين الطبيعتين، وبعضهم نظر إلى الطبيعة الإلهية بنوع خصوصي، فقال بطبيعة واحدة متجسدة، وما عني بذلك سوى الاتحاد الحقيقي بين لاهوت الكلمة وناسوته، وأن الإله المتأنس شخص واحد وليس اثنين؛ لأن كلمة طبيعة كانت عندهم بمعنى الشخص والأقنوم، ولكن أحدًا منهم لم ينكر الطبيعتين بمعنى الجوهر اللاهوتي والعنصر البشري، ونظرًا لامتداد بدعة آريوس ووجوب محاربتها كان كلام الإسكندريين في لاهوت المخلص أكثر من كلامهم في ناسوته، وهكذا فإنهم سموا سيدتنا مريم والدة الإله، وقالوا إنها ولدت إلهًا وإن الإله وُلِد وتألَّم وصُلِب.

وأما مدرسة أنطاكية فإنها توخت البساطة والإيضاح، فميزت بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح الواحد، ومع أنها كانت تعتقد بأن المسيح واحد وليس اثنين، فإنها كانت ترفض التعليم بالاتحاد الطبيعي وبالمزاج بين الطبيعتين، وكانت تعتبر اتحادهما إضافيًّا بمعنى السكنى والارتباط حفظًا لكمال الطبيعة البشرية، التي زعم أبوليناريوس أسقف اللاذقية الأنطاكية أنها كانت ناقصة، وكانت تنكر على الناسوت خواص اللاهوت كالحضور في كل مكان، والقدرة على كل شيء، وما شاكَلَ ذلك، كما أنها أنكرت على اللاهوت أهواء الناسوت وآلامه كالولودة والتألم والموت؛ ولهذا السبب ابتعد الأنطاكيون عن كل تعبير يؤدي على زعمهم إلى مثل المعنى، كتسمية العذراء والدة الإله وغيرها من العبارات التي عيَّنتها الكنيسة بعد ذلك صيانةً للتعليم القويم. وقالوا بوجوب كمال الطبيعة البشرية؛ لأن لوقا يقول إن يسوع «كان ينمو في الحكمة والقامة.» وأوجبوا السجود للناسوت؛ لأنه متحد بالكلمة، ومن هنا قولهم: «إنما نسجد للأرجوان من أجل المتردي به، وللهيكل من أجل الساكن فيه، ولصورة العبد من أجل صورة الله، وللحمل من أجل رئيس الكهنة، وللمُتَّخذ من أجل الذي اتخذه، وللمكوَّن في بطن البتول من أجل خالق الكل.» ولا يجوز القول إن الأنطاكيين علموا بأقنومين، فإنهم قالوا بأقنوم واحد ذي طبيعتين متحدتين، بلا انمزاج ولا اختلاط ولا تشويش.١٣

وهكذا فإن أساتذة المدرستين علموا تعليمًا مستقيمًا، ولكن بمناهج مختلفة وبانتقاء عبارات معينة قضت باستعمالها ظروفهم الخصوصية، فالمصريون الإسكندريون توخوا العبارات التي أوضحت كمال اللاهوت حذرًا من بدعة آريوس، والأنطاكيون طلبوا إيضاح كمال الناسوت حذرًا من بدعة أبوليناريوس، وآريوس إسكندري وأبوليناريوس لاذقي أنطاكي!

وقام في الكنيستين والمدرستين أناس تطرفوا فسقطوا في الضلال، فإن نسطوريوس الأنطاكي تطرف في التعليم بالطبيعتين إلى حدٍّ قال عنده بشخصين أو أقنومين، وأوطيخة الإسكندري كما سنرى تطرف في التعليم باتحاد الطبيعتين إلى حدٍّ قال عنده باختلاطهما طبيعة واحدة لا يميز بعدها بين اللاهوت والناسوت، وهاتان البدعتان أدتا إلى عقد المجمع المسكوني الثالث للنظر في بدعة نسطوريوس، وعقد المجمع المسكوني الرابع للبت في بدعة أوطيخة، وعقد المجمع المسكوني السادس للنظر في بدعة المشيئة الواحدة التي تفرعت عن بدعة الطبيعة الواحدة.

نسطوريوس وإكليروس القسطنطينية

ومع أن نسطوريوس كان أنطاكي المذهب، فإن رهبان الكرسي القسطنطيني وإكليروسه كانوا إسكندريين يعملون ضد آريوس والآريوسية، فلما قاوَمَ نسطوريوس القول باتحاد الطبيعتين اتحادًا طبيعيًّا وجوهريًّا، ونهى عن تسمية السيدة العذراء والدة الإله؛ وقع تعليمه موقع الاستغراب في جميع الأوساط الأرثوذكسية في العاصمة، ثم وصمه المحامي أفسابيوس باتباع بولس السميساطي،١٤ واحتج الرهبان لديه فأمر بضربهم وحبسهم، فاضطر الشعب أن يلجأ إلى الإمبراطور،١٥ فعقد الأسقف مجمعًا سنة ٣٢٩ وحرم جميع الذين لم يقبلوا تعليمه.١٦

كيرلس ونسطوريوس

ولم يلبث خبر نسطوريوس أن ظهر وشاع، فانتشر بريده في الأنحاء ووصل إلى الإسكندرية، وكان كيرلس قد خلف خاله ثيوفيلوس في كرسي الأسقفية (٤١٢)، وورث عنه شيئًا من المنافسة بين الإسكندرية والقسطنطينية التي كانت قد دبَّت إلى الصدور بعد المجمع المسكوني الثاني، عندما أصبح أسقف القسطنطينية الثاني بعد أسقف رومة في الكرامة.١٧ وإذا كان الحاسد يغتاظ على مَن لا ذنب له، فكيف به والذنب خروج على الدين القويم، وهكذا فإن كيرلس تكلم في منشوره الفصحي للسنة ٤٢٩ في تعليم الكنيسة عن الطبيعتين، وحارب تعليم نسطوريوس دون أن يذكر اسمه،١٨ ثم كتب إلى نسطوريوس يوضح الاصطلاح والدة الإله، ويفسر أن هذا الاصطلاح لا يعني أن مبدأ اللاهوت منها، وإنما أن المولود منها كان إلهًا كاملًا وإنسانًا كاملًا،١٩ فأجابه نسطوريوس بعبارات مبهمة غامضة، ولامه على جفاف العبارة وقلة المودة الأخوية،٢٠ وعقد كيرلس مجمعًا محليًّا، وعرض عليه الرسائل المتبادلة فاستصوب المجمع رأيه وحكم بصحته.

كيليستينوس ونسطوريوس

وكتب نسطوريوس إلى كيليستينوس Celestinus أسقف رومة، وإلى كثير من الأساقفة الغربيين لتعزيز موقفه وتكثير أنصاره، ولكن كيليستينوس أنكر على نسطوريوس بقاء بعض الأساقفة البيلاجيين في القسطنطينية، واعتمد في رأيه على مشورة يوحنا كاسيانوس Jean Cassien الذي عرف الشرق جيدًا، وبلغ كيرلس اتصال نسطوريوس برومة، فكتب هو أيضًا لكيليستينوس وأفاد أن الإيمان القويم معرض لخطر عظيم، وأرسل هذه الرسالة مع مخصوص اسمه بوسيذونيوس وأوصاه أن يلاحظ ويفهم، فإذا كان نسطوريوس قد كتب فيقدم الرسالة، وعلم بوسيذونيوس أن نسطوريوس كتب فدفع هو أيضًا رسالة كيرلس، فعقد كيليستينوس مجمعًا محليًّا في صيف السنة ٤٣٠ واعتبر تعليم نسطوريوس غير قويم، وكتب بذلك إلى كيرلس الإسكندري ويوحنا الأنطاكي وغيرهما من رؤساء الكهنة في الشرق، وأوجب التراجع عن الضلال في العشرة الأيام الأولى التي تلي التبليغ وهدد بالقطع،٢١ وكتب أسقف رومة إلى نسطوريوس نفسه أيضًا وإلى رعيته بمثل ما تقدَّمَ.٢٢

وكتب كيرلس أيضًا إلى رؤساء الكهنة في الشرق راجيًا التدخل لهدي نسطوريوس وردِّه عن الضلال، وكان بين هؤلاء الذين كتب كيرلس إليهم أكاكيوس أسقف حلب، وقد زاد سنه على المائة، فكتب هذا الشيخ إلى كيرلس يرجوه أن يجتهد في إطفاء نار الخصومة ضنًّا براحة الكنيسة.

البنود الاثنا عشر

وكان أسقف رومة قد أوجب على نسطوريوس إظهار إيمانه كتابة، فكتب كيرلس رسالة لنسطوريوس «يعلمه فيها كيف يجب أن يؤمن»، وأضاف إليها اثني عشر بندًا يشتمل كل واحد منها على قضية، وحرم ضد مَن يعلم غير ذلك وكلفه أن يوقع هذه البنود! ووصل الوفد الإسكندري إلى العاصمة في السابع من كانون الأول، وأموا دار الأسقفية في أثناء خدمة القداس الإلهي، وطلبوا مواجهة نسطوريوس فأرجأ الأسقف المقابلة إلى الغد، ولما اطلع على الرسالة والبنود رفض مقابلة الوفد الإسكندري، ولم يكتب نسطوريوس ضد كل بند بندًا كما شاع بعد ذلك، وما يُنسَب إليه من هذا القبيل هو من قلم أحد المعجبين به من المتأخرين،٢٣ ولكنه أخبر يوحنا أسقف أنطاكية بالبنود الاثني عشر، وما إن اطلع هذا على نص هذه البنود حتى وصمها بالأبولينارية، وشجع علماء الكرسي الأنطاكي على درسها والرد عليها، فكتب ثيودوريطس أسقف قورش اثني عشر فصلًا، كما صنف مؤلفًا آخر في تجسد الكلمة، ووضع إيبا أسقف الرها رسالة دافع بها عن نسطوريوس، وألَّف أندراوس أسقف سميساط أيضًا كتابًا ضد كيرلس وبنوده.٢٤ وهكذا فإن الاختلاف في الاصطلاح واندفاع كلٍّ من نسطوريوس وكيرلس وانتفاخهما وتسرعهما، قسَّمَ الكنيسة في ظرف سنوات ثلاث إلى شطرين: رومة وآسية وأوروشليم والإسكندرية في الجهة الواحدة، وأنطاكية ونسطوريوس في الجهة الأخرى.

الدعوة إلى مجمع أفسس (٤٣٠)

واتصل نسطوريوس بالإمبراطور ثيودوسيوس الثاني، وأطلعه على واقع الحال، ورجاه أن يأمر بدعوة الأساقفة إلى مجمع مسكوني للنظر في القضية القائمة بينه وبين كيرلس، وكان ثيودوسيوس يعطف على أسقف عاصمته، فأمر في ١٩ تشرين الثاني سنة ٤٣٠ بدعوة جميع «مطارنة» الإمبراطورية إلى مجمع مسكوني يُعقَد يوم عيد العنصرة في السابع من حزيران سنة ٤٣١، وشملت هذه الدعوة كيليستينوس أسقف رومة وأوغوسطينوس وغيرهما من كبار أساقفة الغرب.٢٥
وتوافدت الوفود على أفسس، وشمل الوفد الإسكندري خمسين أسقفًا وعددًا كبيرًا من الشمامسة والرهبان، ولم يعبأ كيرلس بنص الدعوة الإمبراطورية، ووجوب الاكتفاء بعدد قليل من الأساقفة، وجاء نسطوريوس إلى أفسس تصحبه حاشية مخلصة صادقة، وكان من أعضاء هذه الحاشية القومس إيريناوس أحد كبار رجال البلاط الإمبراطوري، وفي الثاني عشر من حزيران أطل أسقف أوروشليم على رأس وفد مؤلف من خمسة عشر أسقفًا، ولا يخفى أن يوبيناليوس Juvenal الأوروشليمي كان مشاغبًا من الدرجة الأولى وطماعًا كبيرًا، وكان همه الوحيد أن يصطاد في الماء العكر ليرفع عن رأسه سلطة أنطاكية، ويستقل بأبرشيات فلسطين،٢٦ ولم يرضَ ممنون أسقف أفسس ومائة غيره من أساقفة آسية عن تدخل أسقف العاصمة في أمورهم، فوقفوا إلى جانب كيرلس، وناصروه مناصرة فعالة نظرًا لكثرة عددهم، وأوفد كيليستينوس أسقف رومة الأسقفين: أركاذيوس وبرويكتوس Projectus والقس فيليبوس، وأوجب عليهم التقيد برأي كيرلس أسقف الإسكندرية،٢٧ وكان أوغوسطينوس قد توفي قبل صدور الدعوة إلى المجمع في الثامن والعشرين من آب سنة ٤٣٠. أما كابريولوس Capreolus أسقف قرطاجة ورئيس كنيسة أفريقية، فإنه اعتذر عن الحضور بداعي هجوم الوندال، وأوفد الشماس بسولة Bessula ليمثله في المجمع.
وترأس يوحنا أسقف أنطاكية (٤٢٨–٤٤١) الوفد الأنطاكي، وتألف هذا الوفد من أربعة وثلاثين أسقفًا: يوحنا أسقف أنطاكية، وألكسندروس أسقف أبامية، ويوحنا أسقف دمشق، وإيلاذيوس أسقف طرسوس، وألكسندروس أسقف منبج Hierapolis، ومكسيموس أسقف عين زربة، وذكسيانوس أسقف سلفكية، وكيروس أسقف صور، وأستيريوس أسقف آمد، وأنطيوخوس أسقف بصرى، وثيودوريطس أسقف قورش، وبولس أسقف حمص، ومكاريوس أسقف اللاذقية، وأبرنجيوس Apringios أسقف قنسرين Chalcis، وجيرونتيوس أسقف كلوديابوليس أسورية، وكيرلس أسقف أدنة، وكيروس أسقف مركوبوليس الرها Marcoupolis، وأوسونيوس أسقف هيميرية الرها Himeria، وأوريليوس أسقف أيرينوبوليس Irenopolis أسورية، وبوليخروتيوس أسقف حماة، وملاتيوس أسقف قيصرية الجديدة، وموسايوس Musaeus أسقف أرواد وطرطوس، وأيلاذيوس أسقف عكة، وهيسيخيوس أسقف كستبالة بودروم قيليقية، وتريانوس أسقف أوغوسطة، وسلوستوس أسقف كوريكوس، وفالنتينوس أسقف ملوس، وزوسيس أسقف أسبوس، ويوليانوس أسقف شيزر Larissa، وديوجينس أسقف جسر شغور Seleucobelos، وإلياس أسقف بلقيس Zeugma بالقرب من بيرة جك، وبلاكوس أسقف اللاذقية، ومركلوس أسقف عرقة، ورابولا أسقف الرها.٢٨
ونهض الوفد الأنطاكي إلى أفسس، ولم تخلُ رحلتهم هذه من المتاعب وبعض الحوادث، ولا سيما وأنهم سافروا برًّا، فأوفدوا مَن سبقهم إلى أفسس؛ ليؤكد وصولهم إليها بعد حين ويرجو انتظارهم، ورأى رأي هؤلاء ثمانية وستون أسقفًا وأوصوا كيرلس بالانتظار،٢٩ ووافقهم على هذه النصيحة القومس كنديديانوس ممثل الإمبراطور، وكان الوفد الروماني في طريقه إلى أفسس، ولكن حسد كيرلس وحقده الموروث وخوفه من مناقشة بنوده أمام المجمع بكامله وطمع يوبيناليوس، أوقع الكنيسة الجامعة في مأزق كان من الممكن تجنبه.٣٠

الجلسات

وفي الثاني والعشرين من حزيران سنة ٤٣١ اجتمع في كنيسة السيدة في أفسس مائة وخمسون أسقفًا برئاسة كيرلس أسقف الإسكندرية، فهرع ممثل الإمبراطور إلى هذه الكنيسة يؤكد أن الإمبراطور لا يرضى عن مجامع ناقصة، ويرجو الانتظار ريثما يصل وفد أنطاكية، فامتنع الآباء عن الإصغاء، وكادوا يطردون ممثل الإمبراطور طردًا من الكنيسة، فاضطر هذا الممثل أن يدوِّن احتجاجه ويعلنه للجمهور.

ثم دُعي نسطوريوس إلى الحضور فلم يحضر، فدعي ثانية وثالثة فلم يحضر، فحكم عليه بالقطع، ثم تليت رسائل كيرلس وبنوده الاثنا عشر ورسالة البابا كيليستينوس إلى نسطوريوس وأساقفة الشرق وقرار مجمع رومة المحلي، فصدَّق المجمع على هذه كلها واعتبرها أرثوذكسية، وكتب كيرلس باسم المجمع إلى الإمبراطور وإلى إكليروس العاصمة وشعبها، منبئًا بما تمَّ في أفسس، واحتج نسطوريوس وعشرة أو سبعة عشر من مؤيديه على خروج كيرلس ومجمعه على النظام، ورفعوا احتجاجهم إلى الإمبراطور.٣١
وفي الرابع والعشرين من حزيران وصل يوحنا أسقف أنطاكية ووفد كنيسته، فأرسل المجمع مَن أفاد بقطع نسطوريوس، فأسف يوحنا واعتبر عمل المجمع ظاهرة من ظواهر الرعونة والاستبداد، ثم عقد يوحنا مجمعًا مؤلفًا من ثلاثة وأربعين أسقفًا حكم فيه بالقطع على كيرلس وممنون لظلمهما، وحكم أيضًا بمثل ذلك على سائر الأساقفة الذين قبلوا قرار المجمع بدون فحص ولا تروٍّ٣٢ إلى أن يجتمعوا ثانيةً ويلغوا ما قرروه ويحرموا بنود كيرلس الاثني عشر، وكتب يوحنا بهذا كله إلى الإمبراطور والمجلس الأعلى والإمبراطورة والإكليروس والشعب.٣٣
ثم وصل وفد رومة، فاجتمع مجمع كيرلس في دار الأسقفية في العاشر من تموز، فتُليت تحارير كيليستينوس الجديدة وأعمال الجلسة الأولى، وفي الحادي عشر وافق أعضاء الوفد على مقررات هذا المجمع، ثم عقد كيرلس وأتباعه جلستين في السادس عشر والسابع عشر من تموز، ودُعِي يوحنا أولًا وثانيًا وثالثًا، فأرسل رئيس شمامسته فلم يقبل المجمع، فحكم حالًا بقطعه وقطع أربعة وثلاثين أسقفًا معه،٣٤ وكتب يوحنا إلى الإمبراطور ضد كيرلس ووافقه في ذلك ممثل الإمبراطور، فأمر ثيودوسيوس الثاني بتكدير كيرلس وتوبيخه وببقاء جميع الأساقفة في أفسس ليجتمعوا مجمعًا جديدًا واحدًا.٣٥

دستور الإيمان

وبحث مجمع كيرلس في جلسته السادسة في الثاني والعشرين من تموز أمر دستور إيمان كان قد فُرِض في فيلادلفية على بعض التائبين من الهراطقة، فحرم المجمع كل محاولة لإعداد دستور إيمان غير ذلك الذي أقره الآباء في نيقية بإلهام الروح القدس.٣٦

استقلال كنيسة قبرص

وشملت ولاية الشرق قبرص، فخضعت هذه الجزيرة لأنطاكية في شئونها المدنية، واعتبرت كنائس قبرص كنيسة أنطاكية كنيسة مؤسسة، فنشأت مرتبطة بالكنيسة الأم خاضعة لها. وكان ما كان من أمر آريوس والآريوسية، ودبَّ الشقاق إلى صفوف المؤمنين في أنطاكية، فتشاغلوا عن شئون قبرص وتركوها رهن الطوارق، وقيَّضَ الله لقبرص في النصف الثاني من القرن الرابع راعيًا صالحًا عالمًا وَرِعًا، فوحَّدَ صفوف المؤمنين فيها وزادهم ثقة في النفس وإحساسًا بالعزة والكرامة، والإشارة هنا إلى القديس أبيفانيوس صاحب كتاب علبة الأدوية البيناريون، وكتاب الإنكيروتس «الثابت في مرساه»، وكتاب الأدوية ضد البدع، وفيه محاولة لدحض ثمانين بدعة وهرطقة. وقد يفيد أن يعلم أن أبيفانيوس وُلِد في بيت جبرين وتنسك في بيت صدوق، وأنه ذاع صيت علمه وقداسته؛ فعُيِّن أسقفًا على مدينة قسطنسية (سلامينة) سنة ٣٦٧، وبقي حتى وفاته في السنة ٤٠٣، والواقع أن احترام أبيفانيوس أدى إلى ممارسة الاستقلال قبل الاعتراف به. وفي السنة ٤١٥ نرى الجدال محتدمًا بين تروئيلوس متروبوليت الجزيرة وبين ألكسندروس رئيس كنيسة أنطاكية، ونرى هذا الأخير يستعين بزميله الروماني أنوشنتيوس الأول، فيؤكد أسقف رومة وجوب الاعتراف بسلطة أسقف أنطاكية في جميع أنحاء ذيقوسية الشرق، ويضيف أن هذا التقدم عائد إلى أمرين: أولهما أن أنطاكية كانت مقر الرسول بطرس وأنها كانت عظيمة،٣٧ ولكن أساقفة قبرص لم يكترثوا بشيء من هذا كله، فلما كان ما كان من أمر نسطوريوس ومجمع أفسس، سأل أسقف أنطاكية يوحنا والي ذيقوسية الشرق أن يأمر بتأجيل انتخاب خلف للمتروبوليت ثيودوروس في قبرص إلى أن يرفضَّ مجمع أفسس، ولكن رجينيوس المتروبوليت الجديد كان قد انتخب فأقلع للحال إلى أفسس ومعه أسقفان، وبات رجينيوس ينتظر فرصةً مناسبةً لإثارة قضيته، فلما توترت العلاقات بين يوحنا وكيرلس تقدَّمَ متروبوليت قبرص بطلب رسمي إلى المجمع في جلسته السابعة في الحادي والثلاثين من تموز سنة ٤٣١ يرجو به منح قبرص استقلالها، فكان له ذلك، ولا يجوز القول إن هذا تمَّ في الثلاثين من آب.٣٨

بيان إمبراطوري

وفي أوائل آب أطلَّ على الآباء المجتمعين المختلفين أحدُ كبار رجال البلاط يوحنا قومس العطايا المقدسة وبيده براءة إمبراطورية، ولدى وصوله أمَرَ الحزبين المتنافرين أن يجتمعا في مكان واحد، ثم قرأ عليهم البراءة، وفيها خلع نسطوريوس وكيرلس وممنون ووجوب الاستمساك بنص الدستور النيقاوي والعودة إلى الأوطان.٣٩
ووافق الوفد الأنطاكي على مضمون هذا البيان، وأعلن استمساكه بالدستور النيقاوي واعتقاده بصحة الاصطلاح «والدة الإله»، ولم يأتِ الوفد على ذكر نسطوريوس؛ والواقع أنه منذ وصول الوفد إلى أفسس ونقطة الدائرة في البحث هي بنود كيرلس الاثنا عشر، أما الوفد الإسكندري ومن شد أزره فإنهم صعقوا صعقًا، وراحوا يسعون للدفاع عن كرامة كيرلس وممنون، وعاد كيرلس إلى أساليب خاله ثيوفيلوس فنثر الذهب في العاصمة، ولا سيما في البلاط، ووزَّع الهدايا على أنواعها،٤٠ فأصغى الإمبراطور إليه وقال بالتسوية.

في خلقيدونية

واستقال نسطوريوس من منصبه وآثر العودة إلى الدير في أنطاكية، ولم يطلب شيئًا سوى إبطال بنود كيرلس الاثني عشر، ووافق الوالي أنطيوخوس فعاد نسطوريوس إلى دير أفبريبيوس،٤١ ودعا الإمبراطور ممثلين عن الحزبين المختلفين إلى خلقيدونية، واستمع إلى أقوالهما وأمر بإعادة كيرلس وممنون إلى منصبَيْهما، ونصَّب على كرسي القسطنطينية مكسيميانوس الكاهن الوقور المحب المحترم،٤٢ ولكن هذا وحده لم يكفِ لإعادة السلم والوئام إلى الصفوف، فبنود كيرلس الاثنا عشر كانت لا تزال موضع جدل عنيف بين أنطاكية والإسكندرية.

ورجع الأساقفة إلى أوطانهم وهم على شقاق لا على سلام واتفاق، وبعد رجوعهم عقد الأنطاكيون مجمعين أحدهما في طرسوس والآخر في أنطاكية، وأعادوا حرم كيرلس وبنوده.

مهمة أرسطولاوس

فساء هذا كله في نظر الإمبراطور، فشاور مكسيميانوس في الأمر، فأشار بدعوة كل من كيرلس ويوحنا إلى اجتماع خصوصي يُعقَد بينهما وحدهما في نيقوميذية، فاستدعى الإمبراطور القائد أرسطولاوس Aristolaus ودفع إليه بإرادة سنية قضت بقيام كلٍّ من كيرلس ويوحنا إلى نيقوميذية لأجل التفاهم، وبامتناعهما عن خلع الأساقفة وسيامتهم حتى وصولهما إلى الصلح والاتحاد، ولدى وصول أرسطولاوس إلى أنطاكية رأى من المفيد جدًّا أن يتصل بعميد الأساقفة، وشيخهم الوقور أكاكيوس متروبوليت حلب، ففعل وحمل إليه أيضًا جواب أساقفة أنطاكية، وكان هؤلاء قد أكدوا للإمبراطور أرثوذكسيتهم واستمساكهم بدستور نيقية وبنص رسالة أثناسيوس إلى أبيكتيش، ولكنهم أعلنوا عدم استعدادهم لتقبل أية إضافة إلى التعاليم الموروثة.٤٣
ورأى أكاكيوس أن يطلع كيرلس على جواب أساقفة أنطاكية، فأوصى أرسطولاوس بذلك، فكتب كيرلس إلى أكاكيوس مبينًا شروط التفاهم المنشود، وأهمها الاعتراف بخلع نسطوريوس وتحريم بدعته، وأما سائر الأمور المعلقة، ولا سيما البنود، فإن كيرلس لم يقصد بها سوى نسطوريوس وعقيدته، فلمس الأسقف الشيخ استعدادَ كيرلس للمصالحة، فكتب إلى ثيودوريطس قورش وألكسندروس منبج يبيِّن شروط كيرلس، وينصح بقبولها ويرجو التفضل بالرد،٤٤ فرفض ألكسندروس منبج هذا النصح، وأيَّده في الرفض عدد من زملائه الأساقفة، وأجمعوا أن فيما يقوله كيرلس شيئًا من الأبولينارية، أما ثيودوريطس قورش وأندراوس سميساط، فإنهما لمسا تقرُّبًا في رد كيرلس، ولكنهما رفضا ذم نسطوريوس والحكم عليه.٤٥

بولس أسقف حمص

وكتب يوحنا أسقف أنطاكية كتابًا كريمًا إلى زميله الإسكندري، جاء فيه أنه لا يطلب إلا السلام، وأنه يغتبط لتمسك زميله برسالة أثناسيوس لأبيكتيتس؛ لأنه هو أيضًا مستمسك بها،٤٦ فرأى أكاكيوس أن يوفد صديقه بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية لينقل رسالة يوحنا ويفاوض كيرلس في التفاهم والاتحاد.٤٧
وصل بولس إلى الإسكندرية فوجد كيرلس مريضًا، ثم لمس شيئًا من الدس يزرعه البلاط الإمبراطوري طمعًا بالمال، فطالت إقامة الرسول الأنطاكي، ونثر كيرلس الذهب مرة ثانية فسكتت القسطنطينية، ثم استأنف الفريقان التفاوض فاتفقَا على أن يعلن بولس اعترافه بقانونية انتخاب مكسيميانوس وبصحة التعبير «والدة الإله»، وأن يخطِّئ نسطوريوس فيما ذهب إليه، فيدخله عندئذٍ كيرلس في شركته، واعترف بولس بهذا كله، فاشترك في الذبيحة الإلهية في الإسكندرية مرتين متتاليتين؛ في ٢٥ كانون الأول سنة ٤٣٢، وفي أول كانون الثاني سنة ٤٣٣.٤٨

اتفاق وسلام

وكان أرسطولاوس قد عرَّج على أنطاكية حاملًا رسالة بيَّن فيها كيرلس موقفه النهائي من المسالمة، وقد أوجب فيها قطع نسطوريوس ونبذ تعاليمه، ولم يُشِرْ بشيء إلى بنوده الاثني عشر، فقبل يوحنا وأرسل إلى كيرلس نص اعتراف كان قد حرره ثيوذوريطس في أفسس، فوافق كيرلس عليه وتم التفاهم بين الإسكندرية وأنطاكية، وإليك أهم ما جاء في هذا الاعتراف:
نؤمن بأن سيدنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد، هو إله تام وإنسان تام من نفس ناطقة وجسد … وأنه قام به اتحاد طبيعتين، وأنه مسيح واحد، وابنٌ واحد، ورب واحد، وأن البتول بحسب هذا الاتحاد العادم الاختلاط هي والدة الإله؛ لأن الإله الكلمة تجسد وتأنس منها، ومن بدء الحبل اتحد بذاته الهيكل المأخوذ منها … إلخ.٤٩
وصدر عن أنطاكية وعن الإسكندرية رسائل سلامية إلى كلٍّ من سيكستوس أسقف رومة، ومكسيميانوس أسقف القسطنطينية، وثيودوسيوس الإمبراطور؛ تنبئ بالحادث السعيد.٥٠

اختلاف الكلمة في أنطاكية

واختلف الأساقفة الأنطاكيون في أمر هذا الاعتراف، فاعتبره ألكسندروس منبج انتصارًا لكيرلس واندحارًا ليوحنا وأتباعه، وقال هذا القول معظم أساقفة قيليقية الأولى والثانية كما يتبين من مقررات مجمع عين زربة في ربيع السنة ٤٣٣، وتفرقت الطرق بأساقفة وادي الفرات، فبعضهم أيد ألكسندروس والبعض الآخر عاد إلى الشركة مع يوحنا رئيس الكنيسة، وبين هؤلاء أندراوس أسقف سميساط ويوحنا أسقف مرعش.

وتوفي مكسيميانوس أسقف القسطنطينية في ربيع السنة ٤٣٤، وحل محله بروكلوس، وقد سبقت الإشارة إليه، وظل ألكسندروس منبج، وإيلاذيوس طرسوس، ومكسيميانوس عين زربة، وملاتيوس موبسوستي، وثيودوريطس قورش؛ مستبدين برأيهم منفردين به، فأطلت عليهم السلطات المدنية، وأكدت لهم أن الوقت قد حان للتواضع والتعقل، وضغطت بشكل خصوصي على ثيودوريطس أعلم الأساقفة وأبعدهم أثرًا، فبعثت بسمعان العمودي ويعقوب وغيرهما من مشاهير الرهبان إليه؛ ليتوسلوا إليه بوجوب المحافظة على الاتحاد، وشجعت السلطات وجهاء رعية هذا الأسقف القديس على مطالبته بالأمر نفسه، وتعددت رسائل زملائه الأساقفة للغاية نفسها، فقبل ثيودوريطس أن ينهض إلى أنطاكية لمقابلة رئيس الكنيسة يوحنا، ولدى وصوله إليها اشترك بالذبيحة مع يوحنا ووقع الاعتراف وكتب إلى كيرلس بذلك، ولم يطلب إليه أن يقطع نسطوريوس،٥١ وتبع ثيودوريطس في هذا عددٌ غير قليل من أساقفة القيليقيتين وأسورية، وأصرَّ ألكسندروس منبج على غيِّه وأمعن في تيهه فنُفِي إلى مناجم مصر، وهام في أودية الضلال حتى وافته المنية، وعميت وجوه الرشد على خمسة عشر أسقفًا آخرين فخُلِعوا وأُبعِدوا، وأشهر هؤلاء: ملاتيوس موبسوستي، وأنستاسيوس تنذوس.٥٢

إبعاد نسطوريوس

وكان نسطوريوس لا يزال مقيمًا في ديره في أنطاكية منذ أواخر السنة ٤٣١، يرقب سير الحوادث ويجمع المواد اللازمة للرد على خصومه، ورأى كيليستينوس في ذلك ضررًا على الإيمان والوحدة، فكتب بإبعاده عن أنطاكية في السنة ٤٣٢،٥٣ ثم خشي يوحنا نفسه أثر بقاء نسطوريوس في كنفه، فكتب إلى الإمبراطور بإبعاده، فأُبعِد إلى البتراء أولًا، ثم إلى الواحدة الكبرى في صحراء ليبية، وبقي فيها حتى وفاته ولا نعلم تاريخ وفاته، ولم يعلم سقراط المؤرخ، الذي كان يدون تاريخه في السنة ٤٣٩، ما إذا كان نسطوريوس قد مات فعلًا أو أنه كان لا يزال حيًّا.٥٤
وفي الثالث من آب سنة ٤٣٥ صدر قانون إمبراطوري قضى بتحريم تعاليم نسطوريوس وحرق كتبه،٥٥ واضطهد الولاة أتباعه وخصوا صديقَيْه القومس إيريناوس والكاهن فوتيوس بعنايتهم، فنزعوا عنهما الألقاب والرتب وصادروا أملاكهما ونفوهما إلى البتراء.٥٦

فاتحة الفصول الثلاثة

وانتمى نسطوريوس إلى مدرسة أنطاكية، فنزع إلى أستاذته فيها إلى ثيودوروس الموبسوستي وديودوروس الطرسوسي، ولكن أحدًا من الباحثين في قضيته في أفسس والإسكندرية لم يُثر هذا النسب العلمي، ولا سيما وأن كلًّا من ثيودوروس وديودوروس كان قد توفي على إيمان وتقوى.

وكانت الكنيسة في أرمينية في نهضة مباركة، وكان آباؤها قد آثروا نقل مؤلفات الآباء اليونانيين إلى الأرمنية على التصنيف من جديد، فتعرفوا إلى أقوال ثيودوروس وديودوروس وغيرهما من الآباء الأنطاكيين ونقلوها إلى الأرمنية، وشاء القدر أن تتاخم أبرشيتا أكاكيوس ملاطية ورابولة الرها البلاد الأرمنية، وكان كل من هذين الأسقفين كيرلسيًّا حساسًا، فكتبا إلى إخوانهما في الرب أساقفة أرمينية، يرشدانهم إلى الابتعاد عن مصنفات ثيودوروس الموبسوستي؛ لأنه «أبو النسطرة»، وكانت العقائد الأبولينارية أيضًا قد تسربت إلى بعض الأوساط الأرمنية، فقام أنصارها يعارضون الاعتماد على مصنفات الآباء الأنطاكيين، فعقد الأرمن مجمعًا محليًّا للنظر في هذا الأمر، وأوفدوا كاهنين إلى القسطنطينية ليعرضا القضية على بروكلوس ويستبصرا برأيه.٥٧

ورحَّب بروكلوس بالوفد الأرمني ودرس نصوص ثيودوروس المحمولة إليه، فألفاها تتطرف في التفريق بين «ابن الله» و«ابن الإنسان» إلى درجة يصعب عندها القول بوحدانية الأقنوم، فشجبها ودوَّن «اعترافًا» خصوصيًّا عُرف باسمه، ودفع بهذا النتاج كله إلى الوفد الأرمني موصيًا بوجوب قبوله وتوقيعه.

ولم يقف بروكلوس أسقف القسطنطينية عند هذا الحد، فإنه بعث بمثل ما خص الأرمن به إلى الآباء الأنطاكيين، وأوجب شجب بعض الأقوال التي نُسِبت إلى ثيودوروس، وأرفق هذا كله بإرادة إمبراطورية توصي يوحنا رئيس كنيسة أنطاكية وزملاءه الأساقفة بالابتعاد عن كل ما من شأنه الإخلال بالسلام والمحبة.٥٨
ودُهش يوحنا ولفيف الأساقفة الأنطاكيين لهذا التجرُّم والتجني، فكتبوا إلى بروكلوس يشجبون نسطوريوس والنسطرة، ويؤكدون استمساكهم بالدستور النيقاوي، ولكنهم رفضوا شجب ثيودوروس «كي لا يشجبوا أثناسيوس وباسيليوس وغريغوريوس وثيوفيلوس وغيرهم ممَّن علَّم المبادئ نفسها».٥٩ وكتب يوحنا إلى الإمبراطور بالمعنى نفسه، ولفت نظره بالإضافة إلى الخطر الذي يتحتم وقوعه من جرَّاء محاكمة آباء سبق رقادهم على إيمان وتقوى،٦٠ وحرر إلى كيرلس أيضًا يوجب تسكين هذا اللهيب وإطفاء جمره،٦١ وكان كيرلس يُعِدُّ كتابًا في الرد على علماء أنطاكية، ولكنه أحب السلام فيما يظهر، فكتب إلى بروكلوس يذكره أن مجمع أفسس شجب قولًا عُزي إلى ثيودوروس، ولكنه لم يذكر اسمًا واحدًا عند شجب هذا القول، وأضاف أنه يجدر به ألا يتطلَّب أمورًا كثيرة من أساقفة الشرق.٦٢
وسكت الأساقفة الكبار الثلاثة، ولكن أسقف الرها خلفَ رابولة لم يسكت، وكان يدعى إيبا Ibas، فإنه شنها حربًا شعواء على بروكلوس في سبيل الدفاع عن ثيودوروس الموبسوستي وديودوروس الطرسوسي المعلمين الأنطاكيين، وعرف فيما بعدُ برسالة امتدح فيها هذين المعلمين، ووجهها إلى ماري أحد أتباع ملك الفرس في سلفكية.٦٣

وفاة يوحنا وكيرلس وبروكلوس

وتوفي يوحنا أسقف أنطاكية في السنة ٤٤١ أو ٤٤٢ وخلفه ابن أخته دومنوس، ثم لحق بيوحنا كيرلس أسقف الإسكندرية (٤٤٤)، فتولى الرئاسة بعده الأرشدياكون ديوسقوروس. وفي السنة ٤٤٦ انتقل بروكلوس أسقف القسطنطينية، فرقي سدة الرئاسة بعده فلافيانوس الكاهن، وبوفاة هؤلاء الثلاثة أصبح ثيودوريطس أسقف قورش زعيم الكنيسة الأوحد في الشرق كله.

ثيودوريطس (٣٩٣–٤٥٧)

وُلِد في أنطاكية ونشأ فيها، وأخذ عن أساتذتها شطرًا وافرًا من العلوم الدنيوية، ثم نقل عن آبائها تفسير الأسفار المقدسة واللاهوت، وقبل النذر فالتجأ إلى أحد الأديار بالقرب من أبامية،٦٤ واشتهر بالعفة والطهارة والتقوى فسيم أسقفًا على قورش في السنة ٤٢٣.
وكانت أبرشية قورش كبيرة، ولكنها لم تكن غنية ولم تخلُ من الوثنيين والهراطقة، فكرَّسَ ثيودوريطس سنواته الأولى (٤٢٣–٤٣٠) لمكافحة الوثنية والهرطقة بالوعظ والكتابة والتأليف، ويُجمِع رجال الاختصاص اليومَ على أن مصنفه اﻟ Curatio في الدفاع عن المسيحية ظهر في هذه الحقبة الأولى من أسقفيته،٦٥ وأن عددًا كبيرًا من رسائله الضائعة التي رشق بها الآريوسيين والمركيونيين والأفنوميين والمقدونيين تعود إلى هذه الحقبة نفسها أيضًا،٦٦ وصادر ثيودوريطس في أثناء حربه هذه أكثر من مائتي نسخة من دياتسرون Diatessaron تاتيانوس، وأحل محلها نسخًا من الأناجيل المفردة؛ حرصًا على سلامة النص، وأعاد الأسقف إلى حظيرة الخلاص أكثر من عشرة آلاف ضالٍّ،٦٧ وواصل الأسقف أبناءه الروحيين حيثما كانوا في المدن وفي القرى والمزارع، وأصغى إلى شكاواهم ودافَعَ عن حقوقهم، ولا سيما أمام الجباة والشرطة.٦٨
ووصل نسطوريوس إلى السدة القسطنطينية، وحلَّت العاصفة ووضع كيرلس الإسكندري بنوده الاثني عشر، وهبَّت أنطاكية تدافع عن موقفها العلمي اللاهوتي، فوكل أسقفها يوحنا أمر هذا الدفاع إلى ثيودوريطس، فصنَّفَ كتابًا أسماه «الرد على اللعنات»، وقد ضاع هذا المؤلَّف ولا نعلم عن محتوياته شيئًا سوى ما جاء في معرض الرد عليها في رسائل كيرلس.٦٩ ومثَّل ثيودوريطس رئيسه ألكسندروس منبج في اجتماع خلقيدونية المنبثق عن مجمع أفسس، وتولى الكلام باسم كنيسة أنطاكية، وما فتئ يدافع عن مدرسة أنطاكية حتى كان ما كان من أمر التفاهم بين يوحنا وكيرلس، فطغت محبة المسيح على نعرة إقليمية، ووقَّع ثيودوريطس ما أدى إلى توحيد الصفوف في الكنيسة الجامعة.
١  Socrates, Hist. Ecc., VII, 26.
٢  Nau, F., Naissance de Nestorius, Rev. Or. Chrét., 1909, 424–426.
٣  Nau, F., Analyse du Traité écrit Par Denys bar Saliby contre les Nestoriens, Rev. Or. Chrét., 1909, 302.
٤  Brière, M., Légende Syriaque de Nestorius, 19; Nau. F., Héraclide de Damas, VI.
٥  Socrates, Hist. Ecc., VII. 29; Loofs, F., Nestoriana, 171.
٦  Cod. Théod., XVI, 5; Bardy, G., Débuts du Nestorianisme, Fliche et Martin, op. cit., IV, 166.
٧  Socrates, Hist. Ecc., VII, 32; Evagrius, Hist. Ecc., I, 2; Liberatus. Breviar., IV.
٨  Bardy, G., Débuts du Nestorianisme, op. cit., IV, 170.
٩  Epist. ad Cledonium.
١٠  Nestorius, Epist. Fraternas.
١١  Nestorius, Epist. Saepe Scripsi.
١٢  Bardy, G., Débuts du Nestorianisme, op. cit., IV, 169-170.
١٣  عن ذيوذوروس الطرسوسي كما جاء في كتابه ضد الأبوليناريين، وفي كلامه في الروح القدس، وعن ثيوذوروس الموبسوستي في شرح رسالة رومية؛ تاريخ الانشقاق لجراسيموس متروبوليت بيروت، ج١، ص١٩٩–٢٠٢.
١٤  Socrates, Hist. Ecc., VII, 31.
١٥  Mansi, II, Col. 1101–1108.
١٦  Socrates, Hist. Ecc., VII, 32.
١٧  Baynes, N. H., Alexandria and Constantinople, Journ. of Eg. Arch. 1926, 145–156.
١٨  Cyrille, Epist. I, Mansi, IV, Col. 588.
١٩  Cyrille, Epist. II.
٢٠  Cyrille, Epist. III.
٢١  Jaffé-Wattenbach, Regesta Pontificum Romanorum, 372, 373; Morin, G., Etudes, Textes Découverts, I, 341.
٢٢  Jaffé-Wattenbach, op. cit., 347–375.
٢٣  Schwartz, E., Die Sogenannten Gegenanathematismen des Nestorius, (Sitzungsberichte der bayerischen Akademie der Wissenschaften), Philol, Hist. Kl., 1922, 1–29.
٢٤  Pat. Graeca, Vol. 76, Col. 316, 385; Cyrille, Epist. 44.
٢٥  Mansi, IV, Col. 1112–1116; Bardy, G., Débuts du Nestorianisme, op. cit., IV, 175, n. 1.
٢٦  Bardy, G., Début du Nestorianisme, op. cit., IV, 178.
٢٧  Jaffé-Wattenbach, op. cit., 379; Collectio Veronensis, VII; Bardy, G., op. cit., 177.
٢٨  Gerland-Laurent, Corpus Nolitiarum Episcopatuum, I, 1936, fasc. II, 74–78; Devresse, R., Patriarcat d’Antioche, 131–133.
٢٩  Nestorius, Heraclide, I, 2; Tillemont, Mémoires, XIV, 393.
٣٠  Galtier, P., Centenaire d’Ephèse, Rech. Sc. Relig., 1931, 275; Alès, A., Le Dogme d’Ephèse, 139; Duchesne, L., Hist. Anc. de l’Eglise, III, 349, n. 1.
٣١  Loofs, E., Nestoriana, 186–190.
٣٢  Schwartz, E., Acta Concil. CEcumen., I, 4; Bardy, G., Débuts du Nestorianisme, op. cit., IV, 183, n. 1.
٣٣  Mansi, IV, Col. 1260–1277, 1380–1392.
٣٤  Alès, A., Dogme d’Ephèse, 167–170.
٣٥  Mansi, IV, Col. 1377–1380.
٣٦  Mansi, IV, Col. 1361.
٣٧  Jaffé-Wattenbach, Regesta Pont. Roman., 307; Batiffol, P., Siège Apost., 330–332; Tillemont, Mémoires, XIV, 444–447.
٣٨  Devresse, R., Patriarcat d’Antioche, 49, n. 4; Bardy, G., Débuts du Nestorianisme, op. cit., IV, 186, n. 4.
٣٩  Gerland-Laurent, op. cit., 55-56.
٤٠  Batiffol, P. Les Présents de Saint Cyrille à la Cour de Const., Études de Liturgie et d’Arch. Chrét. 1919, 154–179.
٤١  Synodicon, XXIV–XXV; Neue Aktenstücke, 13-14.
٤٢  Socrates, Hist. Ecc., VII, 37.
٤٣  Synodicon, 35.
٤٤  Mansi, V, Cot. 830; Alès, A., Dogme d’Ephèse, 207.
٤٥  Synodicon, 60.
٤٦  Synodicon, 80.
٤٧  Neue Aktenstucke, 67-68.
٤٨  Mansi, V, 293–301.
٤٩  Mansi, V, 781–783; Cyrille, Epist. 38; Alès, A., Dogme d’Ephèse, 296–312.
٥٠  Jaffé-Wattenbach, Regesta, 391.
٥١  Devresse, R., Le Retour des Orientaux à l’Unité (433–437), Échos d’Orient, 1931, 271–292; Tillemont, Mémoires, XIV, 585–590.
٥٢  Tillemont, Mémoires, XIV, 596–903.
٥٣  Jaffé-Wattenbach, 385.
٥٤  Socrates, Hist. Ecc., VII, 34.
٥٥  Cod. Theod. XVI, 5.
٥٦  Synodicon, 188-189.
٥٧  Mansi, IX, Col. 240; Liberatus, Breviarium, X.
٥٨  Synodicon, 219.
٥٩  Synodicon, 196, 197.
٦٠  Synodicon, 200.
٦١  Schwartz, E., Konzilstudien, 62–66.
٦٢  Mansi, IX, Col. 409.
٦٣  Labourt, J., Le Christianisme dans l’Empire Perse sous la Dynastie Sassanide, 133 n. 6; Devresse, R., Lettre d’Ibas et Tome de Proclus, Rev. Sc. Relig., 1931, 543–565.
٦٤  Epist., 119; Azema, y., Correspondance (Théodoret de Cyr), 14-15.
٦٥  Canivet, P., Précisions sur la Date de la Curatio, Rech. Sc. Relig., 1949, 585–593.
٦٦  Azema, Y., op. cit., 16.
٦٧  Théodoret, Haeret. Fabul. Compend., I, 20.
٦٨  Azema, Y., op. cit., 44–56; Bardy, G., L’Acte d’Union, Fliche et Martin, op. cit., IV, 209-210.
٦٩  Pat. Gr., Vol. 77, Col. 316, 385.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢