الفصل الثاني

مفهوم الذكاء في البشر والآلات

عندما نصل إلى طريقٍ مسدُودٍ، فمن الحكمة أن نعود أدراجنا ونقتفي آثار سيرنا لنقف على أي طريقٍ خاطئٍ سلكناه. ولقد حاججتُ بأنَّ النمُوذج القياسي للذكاء الاصطناعي ما هو إلا طريق مسدُود؛ ذلك النَّموذج الذي تعكفُ الآلات في ظلِّه على الوُصُول بأفضل الطُّرُق إلى الغايات المُحدَّدة التي أودعها البشر إيَّاها. والمُعضلة هنا ليست أنَّنا قد «نفشل» في بناء نظم الذكاء الاصطناعي، بل في أنَّنا قد «ننجح» نجاحًا عظيمًا. فمفهوم النَّجاح في مجال الذكاء الاصطناعي خاطئ بالكُلِّية.

فهيا بنا إذن نعُد أدراجنا ونقتفِ آثارنا من بداية الطَّريق. لنُحاول معًا أن نفهم كيف تبلور مفهُوم الذكاء لدينا وكيف طُبِّق على الآلات. حينها سنحظى بفُرصةٍ لنقترح مفهومًا أفضل لما يُمكن أن يُعدَّ كنظام ذكاءٍ اصطناعي جيد.

(١) الذَّكاء

ما نواميسُ هذا الكون؟ وكيف بدأت الحياة؟ وأين هي سلسلة مفاتيحي؟ تلك أسئلة جوهرية جديرة بالتأمُّل والتَّفكير. ولكن من عساه يسأل مثل هذه الأسئلة؟ وكيف سأجيبُ عنها؟ وكيف لحفنةٍ من الخلايا؛ تلك الكُرة ذات اللون الوردي المائل للرمادي التي تُشبه المُهلَّبية والتي نُسميها الدِّماغ، أن تُدرك وتفهم وتتنبَّأ وتتدبَّر بدهاءٍ أمر عالمٍ من الفضاء الشَّاسع والفسيح؟ ثم بدأ العقل يسبرُ أغوار نفسه.

مُنذُ آلاف السِّنين ونحن نسعى لفهم كيف تعمل عقولنا. في البداية، كان الفُضُول هو ما يدفعُنا إلى ذلك، بجانب مساعي الإدارة الذاتية، وتحصيل القُدرة على الإقناع، ولهدفٍ عمليٍّ آخر وهو تحليل البراهين الرياضية. ومع ذلك، فكلُّ خُطوةٍ نخطُوها إلى الأمام في طريق فهمنا لآلية عمل العقل، هي في الوقت ذاته خُطوة تُقرِّبُنا من مُحاكاة القدرات العقلية في آلةٍ من صُنع الإنسان؛ والتي بدورها خُطوة إلى الأمام في مجال الذكاء الاصطناعي.

إن فهمنا لماهيَّة الذكاء سيُساعدنا في فهم كيف نبنيه في آلات. ولن نتوصَّل إلى هذا الفهم من خلال اختبارات معدَّل الذكاء ولا حتى في اختبارات تورينج، بل هو يقبعُ في علاقةٍ بسيطةٍ بين ما ندركه وما نُريده وما نفعله. يُمكن القول إن أي كيانٍ يُعدُّ ذكيًّا ما دامت فعالُه يُتوقَّع منها أن تُحقِّق ما يريده، مع الأخذ في الاعتبار ما يدركه.

(١-١) الأصول التَّطوريَّة

تأمَّلْ إحدى الجراثيم البسيطة مثل الإي كولاي (جرثومة المعدة). ستجدها مُزوَّدةً بنحو نصف دزينة من الأسواط؛ وهي مجسات طويلة ورقيقة كالشَّعرة تدور قواعدها إما في اتجاه عقارب الساعة أو عكسه. (أمَّا المُحرِّك الدَّوار ذاته فهو آية عظيمة، ولكن ليس هذا مقام الحديث عنه.) وبينما تطفو هذه الجرثومة في بيئتها السائلة؛ الجزء الأسفل من جهازك الهضمي، تُبادل بين تدوير أسواطها في اتجاه عقارب الساعة ممَّا يجعلها تتقلَّب في مكانها، وبين تدويرها في عكس اتجاه عقارب الساعة، فتصير الأسواط كحبلٍ مجدُولٍ يُشبه مروحةً دافعةً مما يُمكِّنُ الجرثومة من السِّباحة في خطٍّ مُستقيم. وهكذا، فإنَّ هذه الجُرثُومة تقوم بنوع من التحرُّك العشوائي؛ تسبح ثمَّ تتقلَّب، ثمَّ تسبح ثم تتقلَّب، وهذا يُتيح لها العثور على جزيئات الجُلوكوز وامتصاصها بدلًا من البقاء ساكنةً مكانها والموت جوعًا.

لو كانت هذه هي الحكاية برُمَّتها، لم نكن لنقول إن جُرثُومة الإي كولاي ذكية على وجه الخصوص؛ لأنَّ فعالها لا تعتمد على أيِّ نحوٍ على البيئة المحيطة؛ فهي بهذه الصُّورة لا تتَّخذ أي قراراتٍ، بل تؤدي سُلُوكًا ثابتًا بناه التَّطور في جيناتها. ولكن ليست القصة كاملةً. فعندما تستشعر هذه الجُرثُومة ازديادًا في تركيز الجُلوكُوز، تبدأ في السِّباحة لمسافةٍ أطول وتُقلِّل الالتفاف، والعكسُ صحيح عندما تستشعر نقصًا في تركيز الجُلوكوز. فما تفعله هذه الجُرثومة إذن (السِّباحة صوب جزيئات الجُلوكُوز) يُتوقَّع منه على الأرجح أن يُحقِّق ما تريده (لنفرض أن ما تريده هو امتصاص المزيد من الجُلوكوز) بناءً على ما أدركته (ازدياد تركيز الجُلوكوز).

رُبَّما تُفكِّر وتقول: «ولكن ألم يدمج التَّطور هذا التَّصرف في جيناتها أيضًا؟! كيف لها إذن أن تُعدَّ كيانًا ذكيًّا؟» أقول لك إن هذا خطُّ تفكيرٍ شديد الخطورة؛ فالتَّطوُّر هو من دمج التصميم الأساسي لدماغك في جيناتك أيضًا، ولا أظنُّ أنَّك سترغبُ في نفي صفة الذَّكاء عنك بناءً على هذا الاعتقاد. ما أرمي إليه هو أنَّ ما دمجه التَّطوُّر في جينات جُرثومة الإي كولاي، الذي هو نفسه ما فعله في جيناتك أنت، هو مُجرَّد آلية يتغيَّر بموجبها سُلوك الجُرثومة طبقًا لما تُدْركه في بيئتها المُحيطة. فالتَّطور لا يعلم مُسبقًا أين سيكون موقع جزيئات الجُلوكوز أو أين هي سلسلة مفاتيحك، لذلك فغرسُ القُدرة التي تُؤهِّلُك للعُثُور عليها هو ثاني أفضل الخيارات.

إن هذه الجرثومة ليست شديدة الذكاء. فعلى حدِّ معرفتنا، هي لا تتذكَّر الأماكن التي مرَّت بها؛ فإذا تحرَّكت من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» ولم تجد جزيئات الجُلوكُوز، فمن المُحتمل أن تعود إلى النقطة «أ» مرةً أخرى. وإذا هيَّئنا بيئةً ما حيث تقُود جزيئات مُدرجة من الجُلوكوز المُغري إلى نُقطةٍ من الفينُول الذي يُعتبر سُمًّا للجُرثومة، ستظلُّ تتبع جزيئات الجُلوكوز المُؤدِّية إلى السُّم. ولن تتعلم أبدًا؛ فلا دماغ لدَيها؛ فما لدَيها هو مجرد بعض التفاعلات الكيميائية البسيطة التي تُساعدها في القيام بمهامها.

ثمَّ حدثت خطوة كبيرة للأمام مع ظهور «جُهد الفعل»؛ وجُهدُ الفعل هذا هو نوع من الإشارات الكهربية التي ظهرت لأول مرة في الكائنات الوحيدة الخلية قبل ما يُقارب المليار سنة. ثمَّ طوَّرت الكائنات المُتعدِّدة الخلايا فيما بعدُ خلايا مُتخصِّصة تُسمَّى «العصبُونات» والتي تَستخدم جهد الفعل الكهربي لنقل الإشارات داخل الكائن الحي بسُرعةٍ فائقةٍ؛ تصل إلى ١٢٠ مترًا في الثانية أو ٢٧٠ ميلًا في الساعة. وتُسمَّى الروابط بين العصبُونات ﺑ «المشابك العصبية». تُحدِّد قوة هذه المشابك العصبية حجم الإثارة الكهربية التي تنتقل من عصبُونٍ إلى آخر، وبتغيير قوة هذه المشابك العصبية يحصُل التَّعلُّم لدى الحيوانات.1 إن التَّعلُّم يمنحُ مزيَّةً تطوُّريةً هائلة؛ فمن خلاله تستطيع الحيوانات التأقلُم والتَّعايش مع مجموعةٍ هائلة من الظُّروف، كما يُسرِّع من وتيرة التَّطوُّر ذاتها.

في البداية، رُتِّبت العصبُونات في «شبكاتٍ عصبيةٍ» مُوزَّعة في جسد الكائن الحي لتُساعد في تنظيم أنشطة مثل الأكل والهضم، أو تنظيم الانقباضات الموقُوتة لخلايا العضلات على نطاقٍ كبير. وما نراه من حركةٍ رشيقةٍ لقناديل البحر ما هي إلا نتيجة لشبكة عصبية؛ فليس لقناديل البحر دماغ إطلاقًا.

أما الأدمغة فقد ظهرت فيما بعد، جنبًا إلى جنبٍ مع أعضاء الحسِّ المُعقَّدة كالأعيُن والآذان. فبعد ظهور قناديل البحر ذات الشبكات العصبية بمئات الملايين من الأعوام، وُجدنا نحن البشر بأدمغتنا الضَّخمة؛ مائة مليار عصبُون (١٠١١) وكوادريليون مشبكٍ عصبي (١٠١٥). ورغم أن الدِّماغ البشري بطيء بالمقارنة بالدَّوائر الإلكترونية؛ فإنَّه يُعتبر سريعًا إذا ما قُورن بمُعظم العمليات الحيوية؛ فزمن الدَّورة الكهربية لكُلِّ تغيير حالة يُقدَّر ببضعة ميلِّي ثانية. وعادةً ما يصف البشر دماغهم بأنَّه «أكثر الأشياء تعقيدًا في الكون»، ومع أنَّ هذا الادِّعاء قد لا يكون صحيحًا، فإنَّه عُذر مقبول نُقدِّمُه حين تُذكر حقيقة أنَّ فهمنا لآلية عمله ما يزال ضئيلًا. وفي حين أنَّنا نعرف قدرًا عظيمًا عن الكيمياء الحيوية للعصبُونات والمشابك العصبية، وكذلك عن البُنى التَّشريحية للدماغ، فإنَّ العمليات العصبية التي تحدُث على المستوى «المعرفي» — كالتَّعلُّم والإدراك والتَّذكُّر والتفكير والتَّخطيط واتِّخاذ القرارات وهلُمَّ جرًّا — ما تزال غير معروفة.2 (ربَّما سيتبدَّل الحال عندما يزداد فهمُنا للذكاء الاصطناعي، أو عندما نُطوِّر أدواتٍ أدق لقياس نشاط الدِّماغ.) لذلك عندما يقرأ المرء في الإعلام أنَّ إحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي «تُضاهي الدِّماغ البشريَّ في آلية عملها»، لا يعرف هل هذا الكلام هو مجرَّد افتراضٍ أم محْض خيال.
أما بالنسبة لمجال «الوعي»، فنحن لا نعرف عنه شيئًا، لذلك لن أكتب عنه حرفًا. فلا أحد في مجال الذكاء الاصطناعي يسعى لبناء آلات ذات وعيٍ، ولا أحد يعرف من أين يبدأ إن كان يسعى لذلك، ولا يُوجَد أي سُلوك يتطلَّب وعيًا كمُتطلَّبٍ أساسي له. لنفترض أنِّي أعطيتُك برنامجًا ثمَّ سألتك: «هل يُمثِّل هذا البرنامج تهديدًا للبشرية؟» ستفحصُ شفرة البرنامج وتُحلِّلها وبالفعل عند تشغيلها، تجد أنها تبدأ في صياغة وتنفيذ خطةٍ نتاجها في النِّهاية سيكون هلاك الجنس البشري، تمامًا كما يصُوغ ويُنفِّذ برنامج خاص بلعب الشطرنج خُطَّةً لهزيمة أي لاعبٍ بشري يُنازله. والآن لنفترض أنِّي قُلتُ لك إن هذه الشَّفرة ستُنشئ عند تشغيلها ضربًا من ضُرُوب الوعي في الآلات، هل سيُؤثِّر هذا على توقُّعاتك؟ لا، إطلاقًا. فلا شيء سيتغيَّر ألبتَّة.3 فتوقُّعاتك لسُلُوك البرنامج ستظلُّ كما هي، وهذا لأنك قد بنيت تلك التَّوقُّعات على ما رأيته من شفرة. فكل ما نراه من حبْكاتٍ لأفلام هُوليود حول آلاتٍ تُصبح ذات وعيٍ على نحوٍ مُبهمٍ ويُعادُون البشر ويكرهونهم لأسبابٍ غامضةٍ، كلُّ هذه الحبْكات تُسيء فهْم الأمر؛ فالمُهمُّ هو الكفاءة لا الوعي.
من أهمِّ الجوانب المعرفية للدماغ التي بدأنا نفهمها ما يُعرف باسم «نظام المُكافأة». وهذا النِّظام هو نظامُ إشارةٍ داخلي يربط ما بين السُّلُوك والمُحفِّزات الإيجابية أو السَّلبية عن طريق مادة الدُّوبامين. وقد اكتُشفت آلية عمل هذا النِّظام في أواخر خمسينيات القرن الماضي على يد عالِم الأعصاب السويدي نيلس-آكي هيلارب ومُعاونيه. إن هذا النِّظام يدفعنا إلى السَّعي وراء المُحفزات الإيجابية كالطعام الحُلو المذاق الذي يزيد من إفراز مادة الدوبامين، ويحُثُّنا على تجنُّب المُحفِّزات السَّلبية كالجُوع والألم التي تُنقص من مُعدَّلات تلك المادة. وإذا نظرنا إلى هذا النظام، سنجده يُشبه إلى حدٍّ ما آلية السَّعي وراء جزيئات الجُلوكُوز عند جُرثومة الإي كولاي، ولكن على مستوى أعقد بكثير. فهذا النِّظام مُصمَّم بأساليب للتَّعلُّم بحيث يصير سلوكنا بمرور الوقت أكثر فعاليةً في الحصول على الإثابة. كما يُتيح لنا أيضًا خاصية اللذة المُؤجَّلة؛ فنتعلَّم كيف نشتهي الأشياء كالمال مثلًا، الذي سيمنحُنا إثابة لاحقةً مُحتملة بدلًا عن إثابةٍ فورية. وأحد الأسباب الكامنة وراء فهمنا لنظام المُكافأة في الدماغ هو أنَّه يُشابه أسلوب «التَّعلُّم المُعزَّز» الذي طُوِّر في أروقة مجال الذكاء الاصطناعي والذي نملك حوله نظريةً مُثبتةً ومُحكمةً.4

من وجهة نظرٍ تطوُّريَّة، يُمكننا اعتبار نظام المُكافأة في الدماغ، مثله كمثل آلية السَّعي وراء جزيئات الجُلوكُوز عند جُرثُومة الإي كولاي، بمنزلة طريقةٍ لتحسين الصَّلاحية التَّطورية. فالكائنات ذات الآليات الأكثر فعاليَّةً في السَّعي وراء المُكافأة — كالعُثُور على طعامٍ لذيذٍ، وتجنُّب الشعور بالألم، ومُمارسة النَّشاط الجنسي، وما إلى ذلك — يحظون بفُرصٍ أكثر لنقل جيناتهم للأجيال اللاحِقة. من الصعب جدًّا على أيِّ كائنٍ من الكائنات الحية أن يُحدِّد ماهيَّة التَّصرُّفات التي قد تصل به على المدى الطويل إلى أن ينقل جيناته للأجيال اللاحقة بنجاح، لذلك سهَّل التَّطور هذا الأمر لنا بأن زوَّدنا بعلاماتٍ إرشاديةٍ داخلية على طول الطَّريق.

ومع ذلك، تلك العلامات الإرشادية ليست مثاليَّة. فهناك طرق للحصول على الإثابة والتي رُبما «تُقلِّل» من احتمالية أن ينقل الفرد جيناته إلى أجيالٍ قادمة. على سبيل المثال، تعاطي المُخدِّرات، والإفراط في تناول المشروبات الغازية المسكرة، والانهماك في ألعاب الفيديو لمدة ثماني عشرة ساعةً مُتواصلة يوميًّا؛ كل هذه الأفعال تأتي بنتائج عكسية فيما يتعلَّق بعملية التَّناسُل والتَّوارث. بالإضافة إلى ذلك، إنك إذا أُعطيت تحكُّمًا كهربيًّا مباشرًا في نظام المُكافأة في جسدك، فعلى الأرجح أنَّك ستظلُّ تُحفِّز النظام ذاتيًّا دون توقُّفٍ حتى تلقى حتفك.5
إن اختلال نظام المُكافأة والصَّلاحية التَّطورية لا يؤثر على البشر فحسب. فعلى سبيل المثال، على جزيرةٍ صغيرةٍ قُبالة الشَّواطئ البنميَّة يعيش حيوان الكسلان القزم الثلاثي أصابع القدم، والذي اتَّضح أنَّه يُدمن مادةً تُشبه في تأثيرها عقارًا مُهدِّئًا يُسمَّى الفلْيُوم من خلال تغذيته على أوراق أشجار المانجروف الحمراء، وأنه قد يكون مُهدَّدًا بالانقراض.6 من الواضح إذن أنَّ نوعًا بأكمله يُمكن أن يندثر إذا عثر على ظروف بيئية مناسبة حيث يُمكنُه أن يُشبع نظام المُكافأة داخله على نحوٍ فيه سُوء تكيُّف.

مع ذلك، وباستثناء حالات الإخفاق العارضة تلك، فإنَّ تعلُّم كيفية زيادة الحصول على المُكافأة في البيئات الطبيعية عادةً ما سيُحسِّن من فُرص الفرد في نقل جيناته، ومن فُرص بقائه في ظل التَّغيُّرات البيئية.

(١-٢) تسارُع التَّطوُّر

التَّعلُّم مُفيد لأسباب غير البقاء والتَّكاثُر؛ فهو يُسرِّع أيضًا من وتيرة التَّطوُّر. كيف يُمكن هذا؟ ففي نهاية المطاف، التَّعلُّم لا يُغيِّر من حمضنا النَّووي، أما التَّطوُّر فما هو إلا تغيير الحمض النَّووي على مدار أجيالٍ مُتعاقبة. لقد طُرحت العلاقة بين التَّطوُّر والتَّعلُّم عام ١٨٩٦ على يد عالم النَّفس الأمريكي جيمس بالدوين،7 كما طرحه قبل ذلك عالم السُّلوك الحيواني البريطاني كونوي لويد مورجان8 ولكن أطروحته لم تُقبل بوجهٍ عامٍّ في ذلك الوقت.
يُمكن فهم «ظاهرة بالدوين»، كما تُسمَّى الآن، بتخيُّل أنَّ التَّطوُّر مُخيَّر؛ إما أن يبني كائناتٍ «غريزيَّة» تكون كُلُّ رُدُود أفعالها مُدمجة فيها مُسبقًا، أو أن يبني كائناتٍ «قادرة على التأقلُم» تتعلَّم ما الذي يجب عليها فعلُه. ولهدف إيضاح الأمر أكثر، تخيَّل معي أنَّ الكائن «الغريزي» المثالي يُمكن أن يُشفَّر برقمٍ من ستِّ خاناتٍ، وليكن مثلًا: ٤٧٢١١٦، بينما في حالة الكائن «القادر على التأقلم» يُحدِّد التَّطوُّر له ثلاث خاناتٍ فقط: ***٤٧٢، وعلى الكائن أن يُكمل باقي الشَّفرة من خلال ما يتعلَّمه في مسيرة حياته. إذن فمن الواضح أنَّ التَّطوُّر إذا كان عليه أن يُحدِّد الخانات الثَّلاث الأُوَل فقط من الشَّفرة، فمهمته ستكون أسهل بكثير؛ فالكائن «القادر على التأقلم» إذْ يكتشف أرقام الخانات الثَّلاث الأخيرة، يُنجز في حياةٍ واحدةٍ ما قد يستغرق التَّطوُّر عدة أجيالٍ ليُنجزه. وهكذا، وبفرض أنَّ الكائنات القادرة على التأقلُم يُمكنُها البقاء خلال رحلة التَّعلُّم، يبدو أنَّ القُدرة على التَّعلُّم تُمثِّل طريقًا تطوُّريًّا مُختصرًا. وتُشير تجارب المُحاكاة الحوسبيَّة إلى أنَّ ظاهرة بالدوين هي ظاهرة حقيقية.9 ويقتصر تأثير الثَّقافة على تسريع العملية؛ وهذا لأنَّ الحضارة المنظمة دائمًا ما تحمي الفرد أثناء عملية تعلُّمه وتنقلُ له المعلومات التي قد يحتاج إلى تعلُّمها بنفسه من جديدٍ إن لم تُنقل له.
أما ظاهرة بالدوين، فقصَّتُها مُشوِّقة لكنَّها ناقصة؛ فهي تفترضُ أنَّ التَّعلُّم والتَّطوُّر يمضيان معًا بالضرورة في اتجاهٍ واحد. ومن ذلك المُنطلق، فهي تفترضُ أنَّ أي إشارةٍ لاستجابةٍ داخليةٍ تُحدِّد اتِّجاه عملية التَّعلُّم داخل الكائن تتَّفق اتفاقًا وثيقًا مع الصَّلاحية التَّطورية. ولكن كما رأينا في حالة حيوان الكسلان القزم الثُّلاثي أصابع القدم، فإن مثل هذا الافتراض يبدو أنَّه خاطئ. ففي أفضل الأحوال، لا تُمدُّ آليات التَّعلُّم المُدمجة الكائن سوى بتلميحاتٍ أوَّليةٍ عن العواقب الطويلة الأمد لأيِّ فعلٍ بالنِّسبة إلى الصَّلاحية التَّطورية. من ناحيةٍ أخرى، علينا أن نسأل: «كيف تسنَّى لنظام المُكافأة أن يُوجَد في الكائنات في المقام الأول؟» والإجابة قطعًا هي أنَّه وُجِد عن طريق عمليةٍ تطوُّريَّةٍ تحوي بداخلها آلية استجابةٍ تتوافق على الأقل بعض الشيء مع الصَّلاحية التَّطورية.10 من الجليِّ أن آلية التَّعلُّم التي تحثُّ الكائنات على النفور من الرِّفاق المُحتمَلين، وتدفعُهم في الوقت ذاته إلى التَّقرُّب من المُفترسين لن تدُوم طويلًا.

وهكذا، فالشُّكرُ موصُول إلى ظاهرة بالدوين على إيضاح حقيقة أنَّ العصبُونات بقدرتها على التَّعلم وحلِّ المُشكلات، تنتشر انتشارًا واسعًا في مملكة الحيوان. وفي الوقت ذاته، من المُهم لنا أن نعي أنَّ التَّطوُّر لا يَعنيه حقًّا إن كنت كائنًا ذا دماغٍ أو تُعمل عقلك بأفكارٍ مُدهشة. فما أنت إلا مُجرَّد «كيان» بالنِّسبة إليه؛ أي ما أنت إلا شيء ما يفعل الفعل. ورُبَّما تكون الصِّفات العقلية القيِّمة؛ كالتَّفكير المنطقي والتَّخطيط المُتأنِّي والحكمة والفطنة والخيال والإبداع، أساسيةً في تكوين كيان ذكي، ورُبما كانت غير أساسية. وأحد الأسباب التي تُضفي على مجال الذكاء الاصطناعي سحرًا وجاذبيةً هو أنَّه يُقدِّم مُقترحًا لفهم هذه القضايا؛ مُقترحًا قد يُوصلُنا إلى فهمٍ لكيف تُتيح تلك الصِّفات العقلية تكوين سُلُوك ذكي، ولماذا من المُستحيل أن نُصدر سُلُوكًا ذكيًّا حقيقيًّا دونها.

(١-٣) عقلانيَّة الفرد

مُنذُ بدايات الفلسفة الإغريقيَّة القديمة، انحصر مفهوم الذكاء في القدرة على الاستيعاب وإعمال الفكر والتَّصرف «بفعالية».11 وعلى مرِّ القُرُون، أخذ هذا المفهوم يتوسَّع في قابليته للتَّطبيق، كما أصبح أكثر تحديدًا في تعريفه.
كان أرسطو أحد الذين بحثوا في مفهوم التفكير الفعال؛ وهي طُرُق الاستدلال المنطقي التي تُفضي إلى نتائج صحيحة بناءً على مقدمات صحيحة. كما بحث أيضًا عمليَّة اتِّخاذ قرارات الأفعال، والتي تُسمَّى أحيانًا ﺑ «التفكير العملي»، ثمَّ اقترح أنَّ هذه العمليَّة تنطوي على الاستدلال بأنَّ مسارًا ما سيُحقِّق هدفًا منشُودًا ما:
نحن لا نتفكَّر في الغايات، بل نتدبَّر الوسائل التي تُوصِّلنا إليها. فالطَّبيب لا يُفكِّر إن كان سيشفي مريضه أم لا، والخطيب الواعظ لا يُفكِّر إن كان سيُقنع مُستمعه أم لا. … بل يفترض كلاهُما الغاية المرجُوَّة، ثمَّ يدرُسان بتروٍّ كيف يصلان إلى تلكُما الغاية وأي السُّبُل يسلكان، ثُمَّ يقفان على مقدار سُهُولة تلك السُّبُل ومدى فعاليَّتها وكفايتها؛ وإذا تراءى لهُما أنَّ الغاية لا تُدرَك إلا بسبيلٍ واحدٍ لا غير، حينئذٍ يتأمَّلان «كيف» سيُدركانها بهذا السَّبيل، بل وكيف سيظفران بهذا السَّبيل، وهكذا إلى أن يصلا إلى العلَّة الأولى … وما يأتي أخيرًا في سلسلة التَّحليل، يأتي أولًا في ترتيب الوجود. وإذا ما تأكَّدنا أنَّ الغاية بعيدة المنال، ضجرنا بالبحث وتركناه؛ ومثال ذلك، متى كُنا نحتاجُ إلى المال ولا نستطيع أن نُصيبه؛ غير أنَّه إذا بدا أنَّ غايةً ما مُمكنة الحُدُوث، فإنَّنا نبذُل الجُهد لنيلها.12

يحقُّ للمرء أن يقول إن هذه الفقرة قد أرست أسُس الفكر الغربي حول العقلانيَّة منذ ما يربُو على الألفي عام. فهي تُخبرنا أنَّ «الغاية»، وهي مُراد الإنسان، تكون مُفترضة وثابتة. كما تُخبرنا أيضًا أنَّ التَّصرُّف العقلاني هو التَّصرُّف الذي يصل بصاحبه إلى الغاية المُرادة «بسُهُولةٍ وكفاءةٍ» استنادًا إلى الاستنتاج المنطقي عبر سلسلةٍ من الأفعال.

يبدُو طرح أرسطُو هذا طرحًا معقولًا، لكنَّه لا يُقدِّم تفسيرًا شاملًا للسُّلوك العقلاني. وتحديدًا، فإنَّه يغفل عن مُشكلة الارتياب وعدم اليقين. ففي العالم الحقيقي، يميل الواقع إلى التَّدخُّل، وقليل من الأفعال أو سلاسل الأفعال هي التي تضمن حقًّا تحقيق غاياتك المنشُودة. على سبيل المثال، أنا أكتبُ هذه الجُملة التي تقرءونها في يوم أحدٍ مُمطر في مدينة باريس، وفي يوم الثُّلاثاء تُقلع طائرتي المُتوجِّهة إلى مدينة روما في الساعة الثَّانية والرُّبع عصرًا من مطار شارل ديجول الذي يبعُد حوالي خمسة وأربعين دقيقة من بيتي. خُطَّتي هي أن أُغادر مُتَّجهًا إلى المطار حوالي الساعة الحادية عشرة والنِّصف ظُهرًا مما يمنحُني مُتسعًا من الوقت، ولكن قد يعني هذا أني قد أجلسُ قُرابة الساعة على الأقل مُنتظرًا في صالة المُغادرة. هل أنا هكذا «مُتأكِّد» من أنِّي سألحق بالطائرة؟ قطعًا لا. فلرُبَّما واجهتُ ازدحامًا مروريًّا خانقًا، أو يُعلن سائقو سيارات الأجرة الإضراب، أو رُبَّما تتعطَّل سيارة الأجرة التي أستقلُّها أو يُقبض على السائق بعد مُطاردةٍ بسبب السُّرعة القُصوى، وهلُمَّ جرًّا. ولأتجنَّب كُلَّ ذلك، عليَّ إذن أن أتِّجه إلى المطار يوم الاثنين؛ يوم كامل مُقدَّمًا. بلا شك سيُقلِّلُ هذا التَّصرُّف كثيرًا من احتمالات عدم اللحاق برحلتي، ولكن تخيُّل قضاء ليلةٍ في صالة المُغادرة لا يبدو مشهدًا جيدًا أبدًا. بمعنًى آخر، تتضمَّن خُطَّتي «مُقايضةً» بين حتميَّة النَّجاح وكُلفة ضمان مثل هذه الحتميَّة. الخُطَّة التالية لشراء منزلٍ تتضمَّن أيضًا عملية مُقايضةٍ مُماثلة؛ تشتري بطاقة يانصيب، فتربح مليون دولار ثمَّ تشتري المنزل. إن هذه الخُطَّة تصل بصاحبها إلى الغاية المُرادة «بسهولةٍ وكفاءةٍ»، ولكن تقلُّ كثيرًا احتمالات أن تنجح. الفرقُ بين تلك الخُطَّة الطائشة لشراء منزلٍ وخُطَّتي الأوقع والأكثر حصافةً للذهاب إلى المطار يكمنُ في احتمالية الحُدُوث. فكلتا الخُطَّتين فيهما مُقامرة ومُجازفة، ولكن إحداهُما تبدو أكثر عقلانيَّةً من الأخرى.

وهنا يتَّضح أنَّ المقامرة كان لها دورٌ رئيسي في تعميم طرح أرسطُو لتُعلِّل مُشكلة عدم اليقين. في العقد السادس من القرن السادس عشر، طوَّر عالم الرِّياضيات الإيطالي جيرولامو كاردانو أوَّل نظريةٍ دقيقةٍ رياضيًّا للاحتمال؛ وذلك باستخدام ألعاب النَّرد كمثالٍ رئيسي. (ولكن مع الأسف لم تُنشَر أبحاثُه إلا عام ١٦٦٣.)13 وفي القرن السابع عشر، بدأ المُفكِّرون الفرنسيُّون، بما فيهم أنطوان أرنولد وبليز باسكال، في البحث عن جوابٍ لمسألة القرارات العقلانية في المقامرة،14 وقد كان ذلك لأسبابٍ رياضيَّةٍ بحتة. تأمَّل معي الرِّهانين التاليين:
  • (أ)

    احتماليَّة ٢٠ بالمائة أن تربح ١٠ دولارات.

  • (ب)

    احتماليَّة ٥ بالمائة أن تربح ١٠٠ دولار.

قد تُشابه الأطرُوحة التي عرضها عُلماء الرِّياضيات ما تجُود به قريحتُك في هذه المسألة؛ وهي أن نُقارن «القيمة المُتوقَّعة» لكُلٍّ من الرهانين، أي مُتوسِّط المبلغ الذي قد تحصُل عليه من كُلِّ رهان. فالقيمة المُتوقَّعة للرهان «أ» هي ٢٠ بالمائة من العشرة دولارات؛ أي دولاران. أما الرهان «ب»، فقيمته المُتوقَّعة هي ٥ بالمائة من المائة دولار؛ أي خمسة دولارات. لذلك، وطبقًا لهذه الأطرُوحة، نجدُ أنَّ الرَّهان «ب» هو الأفضل. وعليه يُمكن القول إنها أطرُوحة منطقية، وهذا لأنَّنا إذا قامرنا بنفس الرَّهان مرارًا وتكرارًا، فالمُقامر الذي سيتبع القاعدة سينتهي به المطافُ وقد ربح أموالًا أكثر ممَّن لمْ يتبعها.

في القرن الثَّامن عشر، لاحظ عالم الرِّياضيات السويسري دانييل برنولي أنَّ هذه القاعدة يبدو أنها لا تنطبق على المبالغ الكبيرة من الأموال.15 فعلى سبيل المثال، تأمَّل معي الرهانين التاليين:
  • (أ)

    احتماليَّة ١٠٠ بالمائة أن تربح ١٠٠٠٠٠٠٠ دولار. (القيمة المُتوقَّعة هي ١٠٠٠٠٠٠٠ دولار.)

  • (ب)

    احتماليَّة ١ بالمائة أن تربح ١٠٠٠٠٠٠١٠٠ دولارٍ. (القيمة المُتوقَّعة هي ١٠٠٠٠٠٠١ دولارٍ.)

السَّواد الأعظم من قُراء هذا الكتاب ومُؤلِّفُه إلى جانبهم، سيُفضِّلون الرهان «أ» على الرهان «ب»، رغم أنَّ قاعدة القيمة المُتوقَّعة تُشير إلى عكس ذلك! وهُنا افترض دانييل برنولي أنَّ الرهانات لا تُقيَّم وفقًا لقيمتها النَّقديَّة المتوقعة، ولكن حسْب «منفعتها» المُتوقَّعة. والمنفعة — وهي صفةُ كون الشَّيء مُفيدًا أو ذا نفعٍ للشخص — هي، كما اقترح دانييل، كمِّية ذاتية داخلية تتعلَّق بالقيمة النَّقديَّة لكنَّها مُختلفة عنها. وتفصيلًا؛ المنفعة تُظهر عوائد مُتناقصة بالنِّسبة إلى الأموال. وهذا يعني أنَّ منفعة أي مقدارٍ من المال لا تتناسب تناسُبًا دقيقًا مع مقداره، لكنَّها تنمُو ببطءٍ أكثر. ومثال ذلك هو أنَّ منفعة ربح ١٠٠٠٠٠٠١٠٠ دولارٍ أقل بما يزيد عن مائة مرة من منفعة ربح ١٠٠٠٠٠٠٠ دولار. السؤال هو: أقل بكم تحديدًا؟ اسأل نفسك! ما هي نسبة الاحتماليَّة المُرضية لك لتُراهن على ربح مليار دولارٍ وتتخلَّى عن عشرة ملايين مضمُونة؟ سألتُ هذا السُّؤال في صفٍّ لطلبة الدِّراسات العُليا، وكانت إجاباتهم تقعُ قُرب نسبة الخمسين بالمائة، وهذ يعني أنَّ الرهان «ب» سيكون ذا قيمةٍ مُتوقَّعةٍ مقدارُها ٥٠٠ مليون دولارٍ؛ وذلك حتى يُماثل جاذبية الرهان «أ». واسمحُوا لي أن أكرِّر هذه النُّقطة وأقول إن الرهان «ب» سيكون ذا قيمةٍ نقديةٍ مُتوقَّعةٍ أعلى بخمسين مرَّةً من الرهان «أ»، ومع ذلك، فكلا الرهانين سيكون لهُما منفعة مُتساوية.

في ذلك الوقت، كان تقديم دانييل برنولي لمفهُوم المنفعة؛ تلك الصِّفة الخفيَّة، لتفسير السُّلوك الإنساني عبر نظرية رياضية، هو طرح عجيب في بابه. ومما زاده روعةً حقيقة أنَّ قِيَم المنفعة للرهانات والجوائز المُتباينة لا تُلْحظُ مُباشرةً، على عكس القيم النَّقديَّة، بل «تُستنتَج» عوضًا عن ذلك من «التَّفضيلات» التي يُبْديها المرء. وسيمضي على هذه الفكرة قرنان من الزَّمان قبل أن تُستوْعب دلالاتها استيعابًا كاملًا وتصير مقبولةً على نطاقٍ واسع بين علماء الإحصاء والاقتصاد.

في منتصف القرن العشرين، نشر جون فون نيومان (وهو عالمُ رياضياتٍ شهيرٌ سُمِّيت بنية أجهزة الكمبيوتر القياسية على اسمه)،16 بالتَّعاون مع أوسكار مورجينسترن أساسًا «بديهيًّا» لنظرية المنفعة.17 وما يعنيه ذلك الأساس هو كما يلي: طالما أنَّ التَّفضيلات التي يُبْديها فرد ما تُوفِّي قدرًا مُعيَّنًا من البديهيات الأساسيَّة الواجب على أي كيانٍ عقلاني أن يُوفِّيها، حينها «بالضرورة» يُمكن وصف اختيارات هذا الفرد بأنَّها تزيد للحد الأقصى القيمة المُتوقَّعة لدالَّة المنفعة. باختصارٍ: «أي كيانٍ عقلانيٍّ عليه أن يتصرَّف بُغية أن يزيد المنفعة المُتوقَّعة إلى أقصى حد».

ومهما طال الحديث عن أهمية هذا الاستنتاج فلن نُوفِّيه حقَّه. فبطُرقٍ شتَّى، كان مجال الذكاء الاصطناعي، وما يزال، مُتمحورًا على نحو أساسي حول اكتشاف أسرار وتفاصيل كيف نبني آلاتٍ عقلانية.

هيا بنا نُلقي نظرةً مُتعمِّقةً أكثر حول البديهيات التي يُتوقَّع من الكيانات العقلانية أن تُوفِّيها. إليك أوَّلُها؛ والتي تُسمَّى «التَّعدِّي». ومعناها أنَّك إذا كنت تُفضِّل «أ» على «ب»، وفي الوقت ذاته تُفضِّل «ب» على «ﺟ»، إذن أنت تُفضِّل «أ» على «ﺟ». يبدو هذا أمرًا بديهيًّا تمامًا! (إذا كنت تُفضِّل بيتزا السُّجُق على بيتزا الجُبن، وفي نفس الوقت تُفضِّل بيتزا الجُبن على بيتزا الأناناس، فمن المنطقي أن نُخمِّن أنَّك ستختار بيتزا السُّجُق وتترك بيتزا الأناناس.) وإليك ثانية هذه البديهيات والتي تُسمَّى «الرتابة». وهي أنَّك إذا كنت تُفضِّل الجائزة «أ» على الجائزة «ب»، وكنت مُخيَّرًا بين بطاقتَي يانصيب حيث «أ» و«ب» هما فقط النَّتيجتان المُحتملتان، فأنت ستُفضِّل البطاقة ذات الاحتمالية الأعلى لربح الجائزة «أ» عوضًا عن الجائزة «ب». ومرَّة أخرى، يبدُو هذا أمرًا غايةً في البداهة.

ولا تنحصر التَّفضيلات في أنواع البيتزا وبطاقات اليانصيب ذات الجوائز المالية فقط، بل تكون في سائر الأشياء مُطلقًا؛ وقد تكون متعلقةً بحيوات الآخرين والحياة المُستقبليَّة بالكامل على وجه الخُصُوص. وعند مُعالجة تفضيلاتٍ تنطوي على تتابُعٍ للأحداث مع مرور الوقت، غالبًا ما يُفرض افتراض إضافي يُسمَّى «الثَّبات»؛ ومعناه أنَّه إذا استهلَّ خطَّان مُستقبليان بنفس الحدث، وكان أحدهما «أ» والآخر «ب»، وكنت تُفضِّل «أ» على «ب»، فستظلُّ مُتمسِّكًا بتفضيلك ﻟ «أ» على «ب» حتى بعد انتهاء الحدث. قد يتراءى لك أنَّ هذا الافتراض بديهي، لكنَّك قد تُفاجأ بما يترتَّب عليه من نتائج؛ فالمنفعة من أي سلسلةٍ من الأحداث هي مجموع المكافآت المرتبطة بكُلِّ حدثٍ من تلك الأحداث (والذي قد يتضاءل بمرور الوقت جراء نوعٍ من مُعدَّلات الاهتمام العقلي).18 ومع أنَّ هذا الافتراض بأن «المنفعة هي مجموع المكافآت» ينتشر انتشارًا واسعًا – ويعُود في أصله على أقل تقديرٍ إلى نظرية «حساب اللذَّة» التي وُضعت في القرن الثَّامن عشر على يد مُؤسِّس مذهب النَّفعيَّة جيرمي بنثام؛ فإنَّ افتراض الثَّبات الذي يقوم عليه لا يُعدُّ صفةً لازمةً للكيانات العقلانية. فافتراض «الثَّبات» ينفي احتمالية أن تفضيلات المرء قد تتغيَّر بمرور الوقت، وهو ما يُخالف واقعنا المُشاهد.
ومع ما تحملُه تلك الأسس البديهيَّة من معقولية وما ترتَّب عليها من استنتاجاتٍ مُهمَّة، فإنَّ نظرية المنفعة قد لاقت ريحًا عاصفًا لا تهدأ من الاعتراضات مُنذُ أن بدأ صيتُها يذيع وتشتهر. فبعضُ الناس كان يزدريها لمظنَّة أنَّها تختزل الحياة في المال وحُبِّ الذَّات لا غير. (وقد وُصمت النظرية بأنَّها «أمريكية» استهزاءً وتهكُّمًا على لسان بعض الباحثين الفرنسيين،19 رغم ما لها من جُذُورٍ في فرنسا.) في الحقيقة، تُعدُّ الرَّغبة في عيش حياةٍ فيها نُكران الذَّات والتَّخفيف من معاناة الآخرين هي غايتها الأسمى، أمرًا عقلانيًّا تمامًا. فالغيرية ما هي إلا أن يُقام لمصلحة الآخرين وسعادتهم وزن جوهري عند تقييم أي تفضيلاتٍ مستقبلية.
ثُمَّ هبَّت عاصفة أخرى من الاعتراضات حول صُعُوبة الحصول على الاحتمالات الضَّرُوريَّة وقيم المنفعة فضلًا عن ضربهما معًا لحساب المنافع المُتوقَّعة. أعتقد أن هذه الاعتراضات قد خلطت بين أمرَين؛ وهما: اختيار التَّصرُّف العاقل واختياره استنادًا إلى «حساب منافعه المُتوقَّعة». ومثال ذلك أنَّك إذا حاولت أن تفقأ إحدى مُقلتي عينيك بإصبعك، فإنَّك تجد جفنك قد انطبق ليحمي عينك؛ هذا تصرُّف عقلاني، ومع ذلك لم تتخلَّله أي حساباتٍ للمنفعة المُتوقَّعة. أو لنفترض جدلًا أنَّك تقُود دراجةً دون مكابح باتجاه سفح تلٍّ وأمامك خياران؛ إما أن تصطدم بجدارٍ إسمنتي وأنت بسُرعة عشرة أميالٍ في الساعة، وإما أن تصطدم بجدارٍ إسمنتي آخر على مسافةٍ أبعد وأنت بسُرعة عشرين ميلًا في الساعة، فأيُّ الجدارَين ستختار؟ إذا كان اختيارك هو أن تصطدم وأنت بسُرعة عشرة أميالٍ في الساعة، فإليك تهنئتي! هل تخلَّل قرارك أيُّ حساباتٍ للمنافع المُتوقَّعة؟ على الأرجح لا، ومع ذلك فإنَّ اختيار الاصطدام بسُرعة عشرة أميالٍ في الساعة لا يزال يُوصفُ بالاختيار العقلاني. وهذا نابع من افتراضَين أساسيَّين؛ أوَّلُهُما أنَّك آثرتَ الجراح الأخف على الجراح الأشد، وثانيهما أنَّ تزايد سُرعة الاصطدام يزيد من احتماليَّة أن تتخطَّى مستوى أي جُرُوحٍ مُتوقَّعة مهما زاد سُوءُه. ومن هذَين الافتراضَين نخلُصُ إلى أنَّه رياضيًّا، ودون التَّطرُّق إلى أيِّ أرقامٍ مُطلقًا، الاصطدام بسُرعة عشرة أميالٍ في الساعة له منفعة مُتوقَّعة أعلى من الاصطدام بسُرعة عشرين ميلًا في الساعة.20 وخُلاصة القول هي أنَّ تعظيم المنفعة المُتوقَّعة إلى أقصى حدٍّ قد لا يتطلَّبُ حساباتٍ لأيِّ توقُّعاتٍ أو منافع؛ فهذا الأمر لا يعدُو كونه محض توصيفٍ ظاهريٍّ للكيانات العقلانية.

نقد آخر لنظرية العقلانية يكمُنُ في تحديد محلِّ اتِّخاذ القرارات. بصيغةٍ أخرى، ما الأشياء التي تُعدُّ كيانًا؟ أظنُّ أنَّنا نتَّفق على أنَّ البشر كيانات، ولكن ماذا عن الأُسَر والقبائل والشَّركات والثَّقافات والأمم القوميَّة؟ إذا ما تأمَّلنا بعض الحشرات الاجتماعية كالنَّمل مثلًا، فهل يُعقل أن نعتبر أي نملة بمفردها كيانًا ذكيًّا، أم أنَّ الذكاء يكمُن حقًّا في المُستعمرة بأسرها كوحدةٍ واحدةٍ تتكوَّن من دماغٍ ضخمةٍ مُؤلَّفةٍ من العديد من أدمغة وأجساد النَّمل التي يربطُها معًا نظامُ تواصُلٍ بإفراز الرَّوائح (الفرمُونات) بدلًا عن نظامٍ يعتمد على الإشارات الكهربيَّة؟ من وجهة نظرٍ تطوُّريَّة، هذا التَّصوُّر حول النَّمل رُبَّما يكون أجدى من غيره؛ لما كان بين النَّمل عادةً من ترابُطٍ وثيقٍ في أي مُستعمرةٍ. يبدو أن النَّمل وغيره من الحشرات الاجتماعية يفتقر، كأفرادٍ، إلى غريزةٍ للحفاظ على الذَّات باعتبارها غريزةً مُنفصلةً عن غريزة الحفاظ على المُستعمرة. فهُو دائمًا ما يهُبُّ لخوض المعارك ضدَّ الغُزاة، حتى ولو كان موتُهُ مُحتَّمًا. بيد أنَّنا نرى أحيانًا بعض البشر يفعلون الشَّيء ذاته ليُدافعوا عن غيرهم من البشر وإن كانوا غير أُولي قُربى؛ كأنَّ النوع بأكمله يستفيد من وجود عددٍ ضئيلٍ من أفراده لديهم الاستعداد للتَّضحية بأنفسهم في المعارك أو الذهاب في رحلاتٍ بحريَّةٍ استكشافيَّةٍ جامحةٍ تحفُّها المخاطر من كُلِّ جانب، أو تنشئة وتربية نسل أناسٍ آخرين. في هذه الحالات، إذا نظرْنا إليها بعينٍ تُحلِّل نظرية العقلانية على أساسٍ فردي محضٍ، فإنَّنا لا محالة فاقدون عُنصُرًا جوهريًّا من الصُّورة الكاملة.

أما بقيَّة الاعتراضات الرَّئيسيَّة على نظرية المنفعة فهي اعتراضات تجريبية؛ أي إنها مبنيَّة على أدلةٍ تجريبيَّة تُشير إلى أنَّ الإنسان كائن لا عقلاني أصلًا. نحن نُخفق في الالتزام بالأسُسُ البديهيَّة بأساليب منهجية.21 وغايتي هُنا ليست أن أُدافع عن نظرية المنفعة بوصفها نمُوذجًا رسميًّا للسُّلُوك البشري. في الواقع، لا يُمكن للبشر أن يتصرَّفُوا بعقلانيَّة؛ فتفضيلاتُنا تمتدُّ لتُؤثِّر في حيواتنا المُستقبليَّة بأكملها، بل وحيوات أبنائنا وأبناء أبنائنا، وحيوات الآخرين الذين يعيشُون الآن أو سيعيشُون في المُستقبل. مع ذلك، فنحن نُخفقُ حتى في تحريك القطع على رُقعة الشطرنج على نحوٍ صحيح؛ تلك الرُّقعة التي تُمثِّل عالمًا صغيرًا وبسيطًا ذا قواعد مُحدَّدةٍ ومدًى غايةً في القصر. وهذا بالطَّبع ليس لأنَّ «تفضيلاتنا» لا عقلانيَّة، بل بسبب «تعقد» مُعضلة اتخاذ القرارات. فمقدار كبير من بِنيتنا المعرفيَّة موجُود لسدِّ الثَّغرة بين أدمغتنا الصَّغيرة والبطيئة وبين التَّعقيد الهائل على نحوٍ غير مفهوم لمُعضلة اتخاذ القرارات التي نُواجهُها في كُلِّ حين.
وهكذا، رغم أنه من غير المعقول أن نبني نظريةً عن الذكاء الاصطناعي النافع استنادًا إلى افتراض أنَّ البشر كيانات عقلانيَّة، فسيكون من الصَّواب أن نفترض أنَّ الإنسان البالِغ الراشد غالبًا ما يكون لدَيه تفضيلات مُتَّسقة بخُصُوص حياته المُستقبليَّة. وبيان ذلك هو أنَّك «إذا قُدِّر لك بطريقةٍ ما واستطعت أن تُشاهد فيلمَين يصف كُلُّ واحدٍ منهما مسيرة حياةٍ مُستقبليَّةٍ بإمكانك أن تعيشها لو أردت وصفًا دقيقًا مُتأنِّيًا يجعلُك تعيشُ أجواءها كأنَّها حقيقة، تستطيع أن تختار أيهما تُفضِّل أو تُعبِّر عن أن كليهما إليك سواء».22

لعلَّ هذا الادِّعاء أقوى مما نحتاج إذا كانت غايتُنا الوحيدة هي أن نضمن أنَّ الآلات ذات الذَّكاء الكافي لن تكُون جالبةً للنَّكبات على الجنس البشري. ومفهُومُ النَّكبة هذا يستلزم حياةً غير مفضلة بلا شك. ولنتفادى النَّكبات، علينا فقط أنْ نحصُر ادِّعاءنا هذا على أنَّ الإنسان البالغ الراشد يقدر على تمييز المُستقبل المنكُوب حين يُطرح أمامه بتفصيلٍ كبير. وبلا شك، فإنَّ التفضيلات البشرية لها بنية أكثر دقَّة، وربما أكثر قابلية للتَّثبُّت منها، من مجرد مُفاضلة بين أبيض أو أسود؛ «عالم بلا نكباتٍ أفضل من عالمٍ منكُوب».

في الحقيقة، يُمكن لنظرية للذكاء الاصطناعي النافع أن تتَّسع لتحتوي عدم الاتساق في تفضيلات البشر، لكنَّ ذلك الجزء غير المُتسق في تفضيلاتك لن يجري إرضاؤه أبدًا، وحينها لن يكون في جعبة الذكاء الاصطناعي شيءٌ ليُقدِّمه. دعنا نفترض على سبيل المثال أنَّ تفضيلاتك للبيتزا تُخالف أحد الأسُس البديهية؛ وهو «التَّعدِّي»:

الروبوت : عود حميد! أتريد بعضًا من بيتزا الأناناس؟
أنت : كلا! كان عليك أن تعرف أنِّي أُفضِّل بيتزا الجُبن على بيتزا الأناناس.
الروبوت : حسن، سأجهِّز لك بيتزا جُبن حالًا!
أنت : لا، شكرًا لك. أنا أحبُّ بيتزا السُّجُق أكثر.
الروبوت : معذرة، سأجهِّز لك بيتزا سجُق.
أنت : في الحقيقة أنا أُفضِّل بيتزا الأناناس على بيتزا السُّجُق.
الروبوت : هذا خطئي، لتكن بيتزا الأناناس إذن!
أنت : لقد قُلتُ لتوِّي إني أُفضِّل بيتزا الجُبن على بيتزا الأناناس.

على هذا المنوال، مهما جهَّز الروبوت من أنواع البيتزا فلن يُرضيك أو يُلبِّي رغبتك؛ لأنَّ هناك دائمًا بيتزا أخرى تُفضِّلُها على ما سيُقدَّم إليك. لكنَّ الروبوت قادر على تلبية الجزء المُتَّسق من تفضيلاتك فقط؛ لنفترض مثلًا أنَّك تُفضِّل أن تأكل أي نوعٍ من أنواع البيتزا الثلاثة على ألا تأكل بيتزا إطلاقًا. في هذه الحالة، الروبوت النافع سيُجهِّز لك أي نوعٍ من الأنواع الثلاثة التي تفضلها من البيتزا، وحينها سيكون قد لبَّى رغبتك في عدم ترك أكل البيتزا، ثمَّ يترُكُك لتتفكَّر برويَّةٍ في تفضيلاتك غير المتسقة على نحوٍ مزعج لنوعيَّة الإضافات على البيتزا.

(١-٤) عقلانيَّة الجماعة

الفكرة الأساسية التي تقضي بأنَّ الكيان العقلاني يتصرَّف ليزيد من المنفعة المُتوقَّعة إلى أقصى حدٍّ، هي فكرة بسيطة بالقدر الكافي، حتى ولو أنَّ تنفيذها فعليًّا يُعدُّ أمرًا بالغ التعقيد حتى يكاد يكون مستحيلًا. لكن هذه النظرية تصلُحُ فقط لتفسير الحالات التي يكون فيها كيانٌ واحد يتصرَّف بمُفرده. أما إنْ كانوا أكثر من كيانٍ، فإنَّ ذلك التصور، الذي يرى أنه يُمكنُنا ولو نظريًّا تحديد احتمالات النتائج المختلفة لتصرُّفات الفرد، يُصبح إشكاليةً مُعقدة. والسَّبب وراء ذلك هو أنَّ هناك جزءًا ما من العالَم، وهو الكيان الآخر، يُحاول الآن أن يُخمِّن كُنْه التصرفات التي ستقوم بها، والعكس صحيح، وهكذا، فلا نرى سبيلًا واضحًا لتحديد احتمالات ما سيصْدُر عن ذلك الجزء من العالَم من تصرُّفات. وبدون الاحتمالات فإنَّ تعريف التَّصرُّف أو الفعل العقلاني بأنَّه يهدف إلى زيادة المنفعة المُتوقَّعة إلى أقصى حدٍّ، يكون غير قابلٍ للتطبيق.

وحالما ينضمُّ شخص آخر إلى العمليَّة، فإنَّ على الكيان أن يجد طريقةً أخرى لاتِّخاذ القرارات العقلانية. وهنا يأتي دور «نظرية الألعاب». لا يغُرنَّك الاسم؛ فهي ليست بالضرورة تتمحور حول الألعاب بالمعنى التقليدي، بل هي تصوُّر عام يُحاول بسْط فكرة العقلانية إلى الحالات التي تضُمُّ أكثر من كيانٍ واحد. وهذا مُهم على نحو واضح لتحقيق غاياتنا؛ لأننا لا نُخطِّط (حتى الآن) لبناء روبوتات لنُرسلها للعيش على كواكب غير مأهولةٍ في نُظُم نجميَّة بعيدة؛ بل على العكس تمامًا، نحن نبني روبوتات لنستخدمها في عالمنا الذي نسكنه نحن البشر.

ولإيضاح فائدة نظرية الألعاب وحاجتنا إليها، إليكم المثال البسيط التالي: أليس وبوب يلعبان كرة القدم في حديقة منزلهما الخلفية (انظر الشَّكل ٢-١). أليس تستعد للعب ضربة جزاءٍ وبوب يقف حارسًا للمرمى. وهي بين خيارَين؛ إما أن تُسدِّد الكرة على يمين بوب أو شماله. ولأنَّها يمينية القدم، فمن الأسهل لها إلى حدٍّ ما والأدقِّ أيضًا أن تُسدِّد الكرة إلى يمين بوب. ولأنَّ أليس ركلتُها سريعة وخاطفة، يعرف بوب أنَّ عليه أن يختار أن يندفع إما يمينًا أو شمالًا على الفور؛ فهو لن يحظى بالوقت الكافي لينتظر ويرى في أيِّ اتجاهٍ ستذهب الكرة. وقد يُفكِّر بوب على هذا النَّحو: «أليس لدَيها فرصة طيبة لتسجيل الهدف إن سدَّدت الكرة إلى يميني لأنَّها يمينية القدم، لذلك أظنُّ أنها ستختار هذا وسأندفع أنا يمينًا.» لكنَّ أليس ليست بالساذجة وتقدر على تصوُّر طريقة تفكير بوب تلك، ولذلك ستختار أن تُسدِّد إلى شمال بوب. لكنَّ بوب ليس بالساذج ويقدر على تصوُّر طريقة تفكير أليس تلك، ولذلك سيندفع شمالًا. لكنَّ أليس ليست بالساذجة وتقدر على تصوُّر طريقة تفكير بوب تلك … وهكذا دواليك، أظنُّ أنَّ الأمر قد اتَّضح. ولنُلخِّص الأمر بطريقةٍ أخرى، إذا كان هناك خيار عقلاني أمام أليس لتتَّخذه، فبإمكان بوب أن يتصوَّره هو الآخر وأن يتوقَّع حدوثه ويمنعها من تسجيل الهدف، لذلك فالاختيار لا يمكن أن يكون عقلانيًّا منذ البداية.
fig3
شكل ٢-١: أليس تستعد للعب ضربة جزاءٍ على مرمى بوب.
في وقتٍ مُبكِّرٍ من التاريخ، وتحديدًا بحُلُول عام ١٧١٣، اكتُشف حلٌّ لهذا اللغز، مرة أخرى من خلال تحليل ألعاب المقامرة.23 الحيلة هنا ليست أن تختار تصرُّفًا مُعينًا، ولكن أن تختار «خُطَّةً عشوائية». ومثال ذلك هو أنَّ أليس يمكنها أن تختار الخُطَّة التالية: «التسديد إلى يمين بوب باحتمالية تسجيل بنسبة ٥٥ بالمائة، أو التسديد إلى شمال بوب باحتمالية تسجيل بنسبة ٤٥ بالمائة». أما بوب فيُمكنه أيضًا انتهاج الخُطَّة التالية: «الاندفاع إلى اليمين باحتمالية صدٍّ بنسبة ٦٠ بالمائة، أو إلى الشِّمال باحتمالية صدٍّ بنسبة ٤٠ بالمائة». كلاهُما يرمي في ذهنه عُملةً معدنيةً متحيزة على نحوٍ ملائم مباشرة قبل أن يتصرَّفا لكيلا يُبديا نواياهما. بالتَّصرُّف «على نحو غير مُتوقَّع»، يتجنَّب كُلٌّ من أليس وبوب التَّضارُبات التي شهدناها في الفقرة السابقة. وحتى إن علم بوب بخُطَّة أليس العشوائية بطريقةٍ ما، فلن يُفيده هذا بشيءٍ إلا إذا كان يملك بلورة العرَّافين السِّحريَّة.
والسؤال التالي الذي يطرحُ نفسه هو: ما هي الاحتمالات؟ وهل خُطَّة أليس التي اختارتها وفيها نسبة ٥٥ بالمائة مقابل نسبة ٤٥ بالمائة، تُعتبر خُطَّةً عقلانية؟ في الحقيقة، تتوقَّف القِيَم الدقيقة على مدى دقَّة أليس وهي تُسدِّد الكرة إلى يمين بوب، كما تتوقَّف على مدى براعة بوب في التصدي للكرة وهو يندفع إلى الاتجاه الصحيح، وغير ذلك. (طالع قسم «الملاحظات» لتقف على التحليل الكامل.)24 ومع ذلك، فالمعيار العام غاية في البساطة:
  • (١)

    أن تكون خُطَّة أليس هي أفضل ما جادت به قريحتُها، بافتراض أنَّ خُطَّة بوب ثابتة.

  • (٢)

    أن تكون خُطَّة بوب هي أفضل ما جادت به قريحتُه، بافتراض أنَّ خُطَّة أليس ثابتة.

إذا تحقَّق ذلكُما الشَّرطان، حينها نقول إن كلتا الخُطَّتَين في حالة توازن. ويُسمَّى هذا النوع من التوازن ﺑ «توازن ناش»، تخليدًا لذكرى العالم جون ناش الذي استطاع عام ١٩٥٠ وهو بسنِّ الثانية والعشرين أن يُثبت وجود هذا التوازن بين أيِّ عددٍ من الكيانات مع وجود أي تفضيلات عقلانية ومهما كانت قوانين اللعبة. وبعد أن صارع جون ناش مرض انفصام الشخصية لعدة عقودٍ، تغلَّب عليه أخيرًا وتعافى، ومُنح جائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد عام ١٩٩٤ نظير اكتشافه ذلك.

بالنسبة لمُباراة كرة القدم بين أليس وبوب، فإننا نجد توازنًا واحدًا فقط. في حالاتٍ أخرى، ربُما توجد عدَّة توازنات، ولذلك فإن مفهوم توازنات ناش، على عكس ذلك الخاص بقرارات المنفعة المُتوقَّعة، لا تُرشدُنا دومًا إلى الطريق الأمثل للتَّصرُّف.

والأسوأ من ذلك، أنَّ هناك مواقف نجد فيها أن توازن ناش يبدو أنه يقُودُنا إلى نتائج غير مرغوبٍ بها على نحوٍ كبير. ومن أمثلة هذه المواقف ما اشتُهر باسم «مُعضلة السُّجناء»، والتي سماها بهذا الاسم ألبرت تاكر عام ١٩٥٠؛ وهو المُشرفُ على أُطرُوحة جون ناش لرسالة الدكتوراه.25 دعونا نُوضِّح أنَّ اللعبة هي نمُوذج مجرد لتلك المواقف الشائعة جدًّا في الحياة الواقعية حين يكون التعاون المشترك هو أفضل خيارٍ لكل الأطراف المعْنيَّة، لكن على الرغم من ذلك يختارون أن يُدمِّر بعضُهم بعضًا.
وبيان مُعضلة السُّجناء هذه كما يلي: أليس وبوب مُشْتبه بهما في جريمةٍ ما ويُحقَّقُ معهما على حدة. وكلاهما أمامه اختيار؛ إما أن يعترفا للشرطة ويشي كُلُّ واحدٍ بشريكه في الجريمة، وإما أن يلزما الصمت.26 فإن لزم الاثنان الصمت، ستُوجَّه إليهما تُهم هيِّنةً ويقضيان سنتَين في السجن، وإن اعترف كلاهما ووشى كُلُّ واحدٍ بصاحبه، سيُدانان بتُهمٍ خطيرةٍ ويقضيان عشْر سنين في السجن. أما إذا اعترف أحدهما ولزم الآخر الصمت، فسيُطلق سراحُ من اعترف ويُسجن شريكه مُدَّة عشرين سنة.

في تلك الحالة، ستُفكِّر أليس كما يلي: «إن كان بوب سيعترف أمام الشُّرطة، فعليَّ أن أعترف أنا أيضًا (فعشْر سنواتٍ أهون من عشرين)؛ أما إن كان سيلزم الصَّمت، فلأعترفنَّ أنا (فالحُرِّية أفضل من قضاء سنتين في السجن)؛ إذن في كلتا الحالتين، عليَّ أن أعترف.» وكذلك سيُفكِّر بوب بنفس الطريقة. لذا ينتهي المطافُ وقد اعترف كلاهما بالجُرم وعُوقبا بالسَّجن عشْر سنين، رُغم أنَّهُما كانا سيقضيان سنتين فقط إذا لزما الصمت معًا. والمشكلة هنا أنَّ التزام الصمت المشترك لا يُحقِّق توازن ناش؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لديه من الباعث ما يدفعه لينقلب على صاحبه ويعترف ليفوز بالحرية.

لاحظ أنَّ أليس كان بإمكانها أن تُفكِّر كما يلي: «أيَّما طريقة أفكر بها، فسيُفكِّر بها بوب أيضًا، هكذا سينتهي بنا المطافُ وقد اخترنا القرار ذاته. وطالما أنَّ الصمت المشترك أفضل من اعتراف أحدنا على الآخر، فعلينا إذن أنْ نرفض الاعتراف وأنْ نلزم الصمت.» يُسلِّم نمط التَّفكير هذا بأنَّ كُلًّا من أليس وبوب، بوصفهما كيانين عقلانيَّين، سيتَّخذان قراراتٍ تصُبُّ في مصلحتهما المُشتركة لا قراراتٍ فردية بحْتة. هذا منهج من مناهج كثيرةٍ حاول علماء نظرية الألعاب أن يتَّبعوها لعلَّهم يصلُون إلى حلول أقل إحباطًا لمُعضلة السُّجناء هذه.27
ومثال آخر شهير على توازنٍ يُحقِّق نتائج غير مرغوب فيها هو «مأساة المشاع» التي حُلِّلت تفاصيلها للمرة الأولى عام ١٨٣٣ على يد الاقتصادي الإنجليزي ويليام لويد،28 لكنَّ عالم البيئة جاريت هاردن هو من سمَّاها وقدَّمها عام ١٩٦٨ حيث نالت اهتمامًا عالميًّا.29 وهذه المأساة تظهر عندما يتشارك جمع من الناس في استهلاك موردٍ مُشترك يتجدَّد ببُطءٍ كأراضي الرَّعي أو مخزون سمكي في حيِّز مائي. وفي غياب الرادع الاجتماعي أو القانوني، فإن التَّصرف الوحيد الذي يُحقِّق توازن ناش بين الكيانات الأنانية (التي لا تهتم بمصلحة غيرها)، هو أن يستهلكوا ذاك المورد قدر المُستطاع مما يتسبَّب في نفاده سريعًا. والحلُّ الأمثل، والمُتمثل أن يتشارك الجميع استهلاك المورد ليكون إجمالي استهلاكهم مُستدامًا، لا يُحقِّق توازنًا لأنَّ كل فردٍ لديه ما يدفعه للغشِّ واستهلاك أكثر من الحصَّة العادلة ليتحمَّل الآخرون كُلفة جشعه. عمليًّا، بالطبع، البشر قادرون أحيانًا على تفادي حدوث هذه المأساة بوضع آليات مثل تحديد الحصص وفرض العقوبات ووضع نُظُم التَّسعير. وقُدرتُهم على فعل ذلك تنبُع من كونها غير مقصورةٍ على تقرير حصَّة الاستهلاك، بل بإمكانهم أيضًا أن يُقرِّروا «التَّواصل» بعضهم مع بعضٍ. وبتوسيع مشكلة اتخاذ القرار على ذلك النَّحو، فإننا نجد حلولًا تُناسب الجميع وتصبُّ في مصلحتهم.

تلك الأمثلة وغيرها الكثير، إنما تُوضِّح حقيقة أنَّ توسيع نطاق نظرية القرارات العقلانية لتشمل كيانات متعدِّدة يُنتج عددًا مهُولًا من السُّلوكيات المُعقَّدة والمُثيرة للانتباه. كما أن هذا ذو أهمية شديدة في الوقت ذاته؛ لأنه كما أظنُّ أنَّه شديد الوضوح، أنَّ هناك أكثر من إنسانٍ في العملية. وعما قريبٍ ستُشاركنا الآلات الذكية هي الأخرى فيها. ولا حاجة بي أن أُنبِّه إلى ضرورة السَّعي إلى تحقيق تعاونٍ مُشتركٍ تكون ثمرتُه هي مصلحة البشر، عوضًا عن اختيار أن يُفني أحدنا الآخر.

(٢) أجهزة الكمبيوتر

المُكوِّن الأول لإنشاء آلاتٍ ذكيةٍ هو أن يكون لدينا تعريف صائب لماهيَّة الذكاء. أما المُكوِّن الثاني فهو الآلة التي يُمكن أن تُحقِّق هذا التَّعريف. ولأسبابٍ سرعان ما ستتَّضِح فيما بعد، فالآلة هنا هي جهاز الكمبيوتر. كان يُمكن لها أن تكون شيئًا آخر — فعلي سبيل المثال، كان يمكن لنا أن نُحاول بناء آلاتٍ ذكيةٍ عن طريق بعض التفاعلات الكيميائية المعقَّدة أو السيطرة على الخلايا الحية30 — ومع ذلك، فإن الأجهزة التي صُمِّمت لعمليات الحوسبة، بداية من الآلات الحاسبة الميكانيكية المبكرة جدًّا فصاعدًا، لطالما بدت لمُخترعيها على أنَّها المُستقَر المُناسب للذكاء.

إننا، في وقتنا الحالي، اعتدنا أجهزة الكمبيوتر في حياتنا، حتى إننا بالكاد نلتفت إلى قدراتها الخارقة. إن كنت تمتلك جهاز كمبيوتر محمولًا أو مكتبيًّا أو هاتفًا ذكيًّا، فتمعَّن في أيٍّ منها؛ ستجده صندوقًا صغيرًا ذا وسيلةٍ ما لكتابة الرُّمُوز. بالرموز التي تُدخلها فقط، يُمكنُك أن تُنشئ برامج تجعل من هذا الصندوق شيئًا جديدًا؛ رُبَّما شيئًا سحريًّا ينسج مشهدًا مُكونًا من صورٍ متحركة لبواخر عابرةٍ للمُحيطات وهي تصطدم بجبالٍ جليدية، أو لكواكب فضائيين طوال القامة زُرق البشرة؛ أدخل رُموزًا أكثر، وها هو ذاك الصندوق يُترجم من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الصينية؛ أدخل رُمُوزًا أكثر، ويصير صندوقًا يسمعُك ويُحدِّثُك؛ أدخل رُمُوزًا أكثر، ليغلب بطل العالَم في لُعبة الشطرنج.

تلك القُدرة التي تُمكِّن صُندُوقًا واحدًا من تنفيذ أيِّ عمليةٍ يُمكنك تخيُّلها تُسمَّى «العموميَّة»، وهو مفهوم قدَّمه آلان تورينج لأول مرةٍ عام ١٩٣٦.31 والعموميَّة تعني أنَّنا لسنا بحاجةٍ إلى آلةٍ مُستقلَّةٍ للحساب، وأخرى للترجمة الآلية، وثالثة للعب الشطرنج ورابعة لاستيعاب الكلام المنطوق، وخامسة لإنشاء الرُّسُوم المتحركة؛ لا! بل هي آلة واحدة تقدر على تنفيذ كل ما سبق. إن جهاز الكمبيوتر المحمُول خاصتك يُطابق في أسس عمله أي كمبيوتر في مصاف أجهزة الخوادم الضَّخمة التي تُديرها كبرى شركات تكنولوجيا المعلومات في العالم، وحتى تلك المُجهَّزة بوحدات مُعالجة التنسور ذات الإمكانيات العالية والمُخصَّصة لأغراض تعلُّم الآلة. كما أنَّه يُطابق في أسس عمله أي أجهزةٍ حاسُوبيةٍ ستُخترع مُستقبلًا. وبفرض أنَّ جهازك مُزوَّد بذاكرةٍ كافية، فإنَّه يقدر على تنفيذ نفس المهام بالضَّبط؛ لكنَّ الفارق أنَّه سيستغرق زمنًا أطول.

تُعدُّ الورقة البحثيَّة التي قدَّم فيها آلان تورينج مفهوم العمومية من أهم ما كُتب على الإطلاق. في ورقته تلك، كتب وصفًا لجهازٍ حاسوبي بسيطٍ يقدر على قبول توصيف أي جهاز حاسوبي آخر كمُدخلاتٍ، ثمَّ يعمل جنبًا إلى جنبٍ مع مُدخلات ذاك الجهاز الآخر ليُقدِّم نفس المُخرجات التي كان ليُخرجها، عن طريق مُحاكاة عمله من خلال مُدخلاته. نحن الآن نُسمِّي هذا الجهاز الأول «آلة تورينج العمومية». ولإثبات عموميتها، طرح تورينج تعريفَين دقيقَين لنوعَين جديدَين من العناصر الرياضيَّة؛ وهما: الآلات والبرامج. يعمل هذان العنصران معًا لتعريف سلسلة من الأحداث؛ على وجه الخُصُوص، سلسلة من تغيُّرات الحالة في الآلة وذاكرتها.

إن اكتشاف عناصر رياضيةٍ جديدةٍ هو شيء نادر الحُدُوث في تاريخ الرِّياضيات. ففي فجر التاريخ المُدوَّن، بدأت الرِّياضيَّات بظهور الأعداد، ثمَّ حوالي سنة ٢٠٠٠ قبل الميلاد، اكتشف قدماء المصريين والبابليون العناصر الهندسية (النقاط، والخطوط، والزَّوايا والمساحات وهلُمَّ جرًّا) وعملوا بها. وفي سنوات الألفيَّة الأولى قبل الميلاد، قدَّم علماءُ الرِّياضيات الصِّينيون المصفُوفات، بينما المجمُوعات كعناصر رياضيَّة عُرفت مُؤخَّرًا في القرن التاسع عشر. ويُعدُّ العنصران الجديدان اللذان قدَّمهُما تورينج؛ الآلات والبرامج، أعظم العناصر الرِّياضيَّة التي اختُرعت على مرِّ العُصُور. ومن عجيب التَّقادير أنَّ علم الرِّياضيات قد أخفق إخفاقًا ذريعًا في إدراك عظمة هذَين العنصرَين الرِّياضيَّين، وابتداءً من أربعينيات القرن الماضي فصاعدًا، أُلحقت دراسة أجهزة الكمبيوتر والحوسبة بأقسام الهندسة في مُعظم الجامعات الرائدة.

ازدهر العلمُ الذي ظهر، وهو علم الكمبيوتر، خلال السَّبعين سنةً اللاحقة، وقدَّم مجموعةً كبيرةً وجديدةً من المفاهيم والتَّصاميم والأساليب والتَّطبيقات، كما تمخَّض عنه سبع من أهمِّ ثماني شركاتٍ في العالم.

المفهوم الرَّئيسيُّ في علم الكمبيوتر يكمُن في «الخوارزميَّة»؛ وهي تُعرَّف بأنَّها طريقة مُحدَّدة بدقَّةٍ شديدةٍ لحوسبة شيءٍ ما. وفي عصرنا هذا، نرى تلك الخوارزميات حولنا كأجزاءٍ مألوفةٍ من حياتنا اليومية؛ فمثلًا خوارزميَّة الجذر التربيعي في حاسبة جيبٍ آليةٍ تستقبل العدد كأحد المُدخلات ثمَّ تحسب الجذر التربيعي لذلك العدد وتُظهره كأحد المُخرجات؛ خوارزميَّةُ لعب الشطرنج تحلُّ محلَّ أحد اللاعبين وتنظر لوضعها في اللعب ثم تُبادر بتحريك إحدى القطع؛ خوارزميَّةُ تحديد الطُّرُق تضع في حُسبانها موقع البداية وموقع الوصول وخريطة الطُّرُق ثمَّ تُخبرك بأسرع طريقٍ يصل بين نقطة البداية ونقطة الوصول. يُمكنُنا وصف الخوارزميات باستخدام اللغة كالإنجليزية أو باستخدام طُرُق التَّدوين الرياضي، ولكن إذا أردنا أن نُطبِّق خوارزميَّةً ما فعلينا كتابتُها كبرامج باستخدام إحدى «لُغات البرمجة». وتُصمَّم الخوارزميات الأكثر تعقيدًا باستخدام خوارزميات أبسط كوحدات بنائيَّةٍ تُسمَّى «الروتينات الفرعيَّة». ومثال ذلك هو السَّيارة الذاتية القيادة التي قد تستخدِم خوارزميَّة تحديد الطُّرُق كروتينٍ فرعي لمعرفة اتِّجاهات سيرها. وبهذه الطَّريقة تُبنى النظم البرمجيَّة البالغة التَّعقيد، طبقةً تلو الأخرى.

ومسألة المكوِّنات المادية لأجهزة الكمبيوتر تُهمُّنا أيضًا؛ لأنَّ أجهزة الكمبيوتر الأسرع ذات الذاكرة الأكبر تُتيح للخوارزميات أن تُشغِّل أسرع وأن تُعالج معلوماتٍ أكثر. والتَّقدم في هذا المجال معروف لكنَّه مُدهش. إن أول جهاز كمبيوتر إلكتروني قابل للبرمجة طُرح للبيع التجاري، «فيرانتي مارك ١»، كان يُمكنه تنفيذ نحو ألف (١٠٣) أمرٍ في الثانية الواحدة وكان مُزوَّدًا بما يقرُب من ألف بايت من الذَّاكرة الرئيسية. أما أسرع جهاز كمبيوتر في أوائل ٢٠١٩، وهو «ساميت» بمُختبر أوك ريدج الوطني في ولاية تينيسي، فهو يُعالج نحو ١٠١٨ أمرًا في الثانية الواحدة (أي أسرع بألف تريليون مرة)، ومُزوَّد بذاكرةٍ سعتها ٢٫٥ × ١٠١٧ بايت (أي أكبر ﺑ ٢٥٠ تريليون مرة). وهذا التَّقدم إنما هو ثمرةُ الجهود المبذولة في مجال الأجهزة الإلكترونية وحتى في الأمور الفيزيائية الكامنة وراءها والتي فتحت أبوابًا شتَّى أمام تقنية التَّصغير التصميمي.
ورُغم أنَّ المُقارنات بين الكمبيوتر والعقل البشري ليست ذات معنًى في هذا المقام، لكنَّ قُدرات الكمبيوتر «ساميت» قد فاقت قليلًا قدرات العقل البشري والتي كما ذكرنا آنفًا، تُقدَّر بما يقرُب من ١٠١٥ مشابك عصبية، و«زمن دورة» يصل إلى جزء من مائة من الثانية، مقارنة بحدٍّ أقصى نظري يصل لقُرابة ١٠١٧ «عملية» في الثانية الواحدة. والفارق الجوهري بين الاثنين يكمن في الطاقة المُستهلكة؛ فكمبيوتر «ساميت» يستهلك طاقةً أكثر بمليون مرة من العقل البشري.
«قانون مور»، والذي هو إحدى الملاحظات التجريبية التي تقول إن عدد المُكوِّنات الإلكترونية الموجودة في الرقاقات يتضاعف كل سنتين، يُتوقَّع أنَّ يظلَّ ساريًا حتى عام ٢٠٢٥ أو نحو ذلك، ولكن بمُعدَّلٍ أبطأ قليلًا. لسنواتٍ عديدة، أعاقت الحرارة العالية الناتجة عن التَّبديل السريع لترانزستورات السيليكون السُّرعات العالية لأجهزة الكمبيوتر، وعلاوة على هذا، لا يُمكنُنا تصغير حجم الدوائر الكهربية أكثر مما هي عليه الآن؛ فالأسلاك والمُوصِّلات، طبقًا لعام ٢٠١٩، لا يتعدَّى عرضها أكثر من خمسٍ وعشرين ذرَّة، ويتراوح سُمكُها بين خمس وعشر ذرات. وفي ما بعد عام ٢٠٢٥، سنحتاج إلى استخدام ظواهر فيزيائيةٍ أكثر تطوُّرًا؛ بما في ذلك أجهزة المُواسعة السالبة،32 والترانزستورات الأحاديَّة الذرة، وأنابيب الجرافين النانوية، والضَّوئيات؛ وذلك للحفاظ على وتيرة التَّطور التي يتنبأ بها قانون مور (أو أي قانونٍ آخر يخلُفُه).
وثمَّة سبيل آخر بدلًا من زيادة سُرعة أجهزة الكمبيوتر المُتعدِّدة الاستعمالات، والذي يتمثَّل في أن نبني أجهزة ذات غرضٍ مُحدَّدٍ مُعدَّة لتُعالج نوعًا واحدًا من عمليات الحوسبة. على سبيل المثال، وحدات معالجة التنسور التي صمَّمتها جوجل تهدف للقيام بالعمليات الحسابية المطلوبة لخوارزميات مُحدَّدة من خوارزميات تعلُّم الآلة. إن بود وحدات مُعالجة التنسور الذي من إصدار ٢٠١٨ يُعالج ما يقرُب من ١٠١٧ عملية حسابيةٍ في الثانية؛ وهو تقريبًا نفس الرقم الذي يُعالجه كمبيوتر «ساميت»، لكنَّه يستهلك طاقةً أقل بقُرابة مائة مرة، كما أنَّ حجمه أصغر بمائة مرة أيضًا. وحتى لو ظلَّت تقنية الرقاقات كما هي ولم تصْغُر حجمًا، فمثل هذه الآلات يُمكن بيُسرٍ وبساطةٍ أن تُبنى على مقياسٍ أكبر لتُوفِّر مقدارًا هائلًا من الطاقة الحوسبيَّة المُخصَّصة لنظم الذكاء الاصطناعي.
ما سبق نقرة والحوسبة الكمِّية نقرة أخرى. إن الحوسبة الكمِّية تستخدم الخصائص الغريبة للدَّوال الموجيَّة في ميكانيكا الكم لتُحقِّق نتائج مُبهرة؛ فبضعف المكونات المادية الكمِّية، يُمكنُك معالجة «أكثر من ضعفي» عمليات الحوسبة! بصُورةٍ عامةٍ، يسير الأمر كالتالي:33 لنفترض جدلًا أنَّ بحوزتك جهازًا صغيرًا يُخزِّن بتًّا كمِّيًّا أو كيوبت. هذا البت الكمِّي له حالتان؛ ٠ أو ١. من وجهة نظر الفيزياء التقليدية، فهذا الجهاز عليه أن يكون في حالةٍ واحدةٍ فقط من الحالتَين، أما في فيزياء الكمِّ، فإنَّ «الدَّالة الموجيَّة» التي تحمل معلومات عن البت الكمِّي تُخبرنا أنَّه يكون في الحالتَين معًا. فإن كان لديك بتان كمِّيان، فهناك أربع حالات وصلٍ مُحتملة: ٠٠، و٠١، و١٠، و١١. وإذا كانت الدَّالة الموجيَّة متشابكةً على نحوٍ مُترابط عبر البتَّين الكميَّين؛ أي لا تُوجَد أي عمليات فيزيائية أخرى لتُفسد هذا الترابط المُتناغم، حينها يكون البتَّان الكميان موجودَين في الحالات الأربع جميعها في الوقت نفسه. فضلًا عن ذلك، إذا كان البتَّان الكميَّان مُتصلَين في دائرة كمية تقوم ببعض العمليات الحسابية، فإن تلك العمليات الحسابية تُعالج في أربع الحالات في الوقت ذاته. أما إن كانت ثلاثة بتات كمية، فسيكون لديك ثماني حالاتٍ تُعالج في الوقت نفسه، وهكذا دواليك. ولكن هناك بعض القيود المادية لهذه العملية، بحيث إن مقدار العمل الناتج يكون أقل من المقدار الأُسِّي لعدد البتات الكمِّية،34 ومع هذا فنحن نعلم علم اليقين أنَّ هناك مشاكل مُهمَّة ستتعامل معها الحوسبة الكمِّية بكفاءةٍ أعلى من نظيرتها التقليدية.
في عام ٢٠١٩، شهدنا بعض النماذج التجريبية لمُعالجاتٍ كمِّية صغيرة تحتوي على بضع عشراتٍ فقط من البتات الكمِّية، لكن حتى الآن لا تُوجَد أي مهامَّ حوسبيَّةٍ ذات أهميةٍ يتفوَّق المُعالج الكمِّي في سرعة أدائها على الكمبيوتر التقليدي. والعقبة الرئيسية أمامنا تكمُن في إزالة التَّرابط الكمِّي؛ وإزالة التَّرابط الكمِّي هذا يحدُث عندما تُفسد بعض العمليات كالضَّوضاء الحرارية ترابطَ الدَّالة الموجيَّة ذات البتات الكمِّية المتعدِّدة. لكنَّ علماء فيزياء الكمِّ يأمُلون أن تُحلَّ هذه العقبة بدمج مجموعة دوائر مُصحِّحةٍ للأخطاء تكتشف سريعًا أي خطأ يحدُث في الحساب فتُصحِّحه بما يُشبه عملية التَّصويت. ولكن للأسف، تحتاج النظم المُصحِّحة للأخطاء إلى عددٍ أكبر من البتَّات الكمِّية لتعمل: ففي حين أنَّ جهازًا كمِّيًّا يحتوي على بضع مئاتٍ من البتات الكمِّية المثالية سيكون ذا قوةٍ هائلةٍ إذا ما قُورن بأجهزة الكمبيوتر التقليدية المعاصرة، لكن لنُدرك حقًّا حجم تلك القوة الجبارة، سنحتاج على الأرجح إلى بضعة ملايين من البتات الكمِّية المُصححة للأخطاء. والانتقال من بضع عشراتٍ من البتات الكمِّية إلى بضعة ملايين منها سيستغرق سنين عديدة ليتم، وحتى إذا ما وصلنا إلى تلك النقطة أخيرًا، حينها ستتغيَّر أفكارنا حول ماهية ما نستطيع تحقيقه باستخدام قوة الحوسبة المُطلقة هذه تغيُّرًا ثوريًّا.35 فعوضًا عن انتظار اكتشافاتٍ تصوُّريَّة حقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي، قد نتمكَّن من الاستعانة بطاقة الحوسبة الكمِّية الخارقة لنجتاز بعض العقبات التي تُواجه الخوارزميات «غير الذَّكية» الحالية.

(٢-١) حدود الحوسبة

حتى في خمسينيات القرن الماضي، كانت أجهزة الكمبيوتر تُلقَّب في الصُّحُف الشعبية ﺑ «العُقُول الخارقة» التي تعمل «أسرع من عقل أينشتين». ولكن ماذا عن اليوم؟ أيُمكننا أخيرًا أن نقول إنها تُضاهي في قوتها قوة العقل البشري؟ الإجابة هي لا! فالتَّركيز على قوة الحوسبة الهائلة وحدَها يحيد بنا عن الصَّواب تمامًا؛ فالسرعة بمُفردها لن تمنحنا ذكاءً اصطناعيًّا. إن تشغيل خوارزميَّة رديئة التَّصميم على كمبيوتر سريع لن يُحسِّن من أدائها، بل يعني فقط أنَّك ستحصُل على الإجابة الخطأ في وقتٍ أسرع. (وكُلَّما زاد حجم البيانات، زادت احتمالية الإجابات الخطأ!) كانت الغاية الرئيسية من الآلات السريعة، ولا تزال، هي اختصار وقت التَّجارب لتُنجز الأبحاثُ أسرع. إذن المكونات المادية ليست هي ما تكبح مسيرة الذكاء الاصطناعي، بل النُّظُم البرمجيَّة. فحتى الآن، نحن لا ندري كيف نجعل من آلةٍ ما كيانًا ذكيًّا حقًّا، حتى ولو كانت تلك الآلة بحجم الكون كله.

لكن لنفرض جدلًا أنَّنا نجحنا في تطوير النُّظُم البرمجيَّة المناسبة لبناء الذكاء الاصطناعي. هل تُوجَد أي حدودٍ فيزيائيةٍ لن تتخطاها قوة أجهزة الكمبيوتر؟ وهل ستمنعُنا تلك الحدود من تملُّك ما يكفي من الطاقة الحوسبيَّة لصُنع ذكاءٍ اصطناعي حقيقي؟ والإجابة على هذين السؤالين هي نعم، هناك حدود فيزيائية ولكن لن تمنعنا ولا تُوجَد ولو ذرَّة من شكٍّ في ذلك. أقدم سيث لويد؛ الفيزيائي بمعهد ماساتشوستس للتقنية، على تقدير حدود كمبيوتر بحجم كمبيوتر محمول استنادًا على اعتباراتٍ من نظريتَي الكمِّ والقُصُور الحراري.36 وكانت النَّتيجةُ صادمةً حتى إنها كانت تُدهش عالمًا مُخضرمًا ككارل سيجان؛ كانت النتيجة هي ١٠٥١ عملية في الثَّانية الواحدة و١٠٣٠ بايت من الذاكرة؛ بمعنًى آخر، أسرع بما يقرُب من مليار تريليون تريليون مرة من كمبيوتر «ساميت»، وأكبر بأربعة تريليونات مرة من ذاكرته؛ وقد أشرنا فيما سبق إلى أنَّ «ساميت» هذا يمتلك قوةً حوسبيَّةً تفوق العقل البشري. ولهذا عندما يسمع المرءُ منا أقاويل عن أنَّ العقل البشري يُمثِّل أعلى حدٍّ لما يُمكن تحقيقه فيزيائيًّا في هذا الكون الشاسع،37 فعليه أن يُبادر على الأقلِّ بطلب توضيحٍ أكبر لهذا الادعاء.
إلى جانب الحدود التي تُمليها علينا الفيزياء، هناك حدود أخرى لقُدرة أجهزة الكمبيوتر نبعت من أبحاث علماء الكمبيوتر. آلان تورينج أثبت أنَّ بعض المشاكل بالنِّسبة إلى أيِّ كمبيوتر تكون «غير قابلة للحسم»؛ وبيان ذلك هو أن تكون المُشكلة مُعرَّفة تعريفًا دقيقًا وحلُّها معروف، لكن لا يُمكن أن تُوجد خوارزميَّة قادرة دائمًا على معرفة ذلك الحلِّ. وضرب مثلًا على ذلك سُمِّي فيما بعد ﺑ «مُعضلة التَّوقُّف»: هل تقدر أيُّ خوارزميَّةٍ على معرفة إذا ما كان برنامجٌ ما به «حلقة لا مُتناهية» تمنعُه من الاكتمال؟38
إثباتُ آلان تورينج أنه لا خوارزميَّة تقدر على حلِّ مُعضلة التَّوقُّف39 هو إثبات في غاية الأهمية لأُسُس علم الرياضيات، لكنَّه لا علاقة له بمسألة ما إذا كان بإمكان أجهزة الكُمبيوتر أن تصير ذكيةً أم لا. وأحد الأسباب وراء هذا الادِّعاء هو أنَّ ذاك القُصُور الجوهري يبدو أنه ينطبق على العقل البشري. فإذا ما طلبت من أيِّ عقلٍ بشريٍّ أن يُحاكي نفسه مُحاكاةً دقيقةً، ثُمَّ يُحاكي تلك المُحاكاة، ثُمِّ تُحاكي هذه المُحاكاة الأخيرة نفسها وهكذا دواليك … فحتمًا وبلا أدنى شكٍّ ستُواجه صعوباتٍ وعقباتٍ شتَّى. عن نفسي، لمْ يسبق لي القلق مُطلقًا حول قُصُوري فيما يتعلَّق بفعل هذا.

يبدُو إذن أن التركيز على المشكلات ذات القابلية للحسم لا يضع أي قيودٍ حقيقية للذكاء الاصطناعي. رغم ذلك، يتبيَّن لنا أنَّ كون مسألةٍ ما تقبل الحسم لا يعني أنَّ حسمها أمر هيِّن وسهل. يقضي علماء الكمبيوتر أوقاتًا طويلةً وهُم يُفكِّرون في مدى «تعقيد» المُشكلات؛ أي يتساءلون فيما بينهم عن كمية الحوسبة المطلوبة لحلِّ مُشكلةٍ ما بأكفأ الطرق. وهاك مثالًا لمشكلة سهلة: أمامك قائمة بألف عدد، جِدِ العدد الأكبر فيما بينها. إن كنتَ ستتحقَّق من عددٍ واحدٍ في الثانية، فحلُّ هذه المسألة سيستغرق ألف ثانيةٍ إذا اتَّبعت هذه الطريقة الواضحة المُتمثلة في أن تتحقَّق من الأعداد عددًا واحدًا في كل مرة مع تذكُّر أيها أكبر قيمة. أهناك طريقة أسرع؟ لا، لأنَّه إذا تجاهلَتْ أيَّ طريقةٍ بعض الأعداد في القائمة، لا تدري لعل العدد الأكبر قيمةً يكون بين ما تجاهلته، وبهذا ستفشل في إيجاده. هكذا نجد أنَّ الوقت المُستغرق لإيجاد أكبر عنصرٍ في قائمةٍ ما يتناسب تناسبًا طرديًّا مع طُولها. قد تُعلِّق عالمة كمبيوتر على مثل هذه المسألة وتقول إنها مسألة ذات تعقيدٍ خطِّي؛ أي إن حلَّها سهل يسير. ثمَّ تَجِدُّ في البحث عن مسألةٍ أكثر أهمِّيةً وتشويقًا لتعمل على حلِّها.

إن ما يُثير اهتمام عالم كمبيوتر نظري هو حقيقة أنَّ الكثير من المشكلات في أسوأ الفُرُوض تبدو ذات صعوبةٍ «أُسِّيَّة».40 وهذا يعني شيئين؛ الأول هو أنَّ جميع الخوارزميات التي نعرفها تتطلَّب زمنًا أُسِّيًّا — أي مقدارًا من الوقت يُمثَّلُ كأُسٍّ مرفوعٍ لحجم المُدخلات — لحلِّ بعض حالات المشاكل على الأقل؛ والثاني هو أنَّ علماء الكمبيوتر النَّظريِّين واثقون تمام الثِّقة أنَّ لا وجود لخوارزميات أكثر كفاءةً وفاعليَّة.
ونمو الصعوبة الأُسِّية يعني أنَّ المشكلات قد تُحَل نظريًّا؛ أي إنها بلا شكٍّ ذات قابليةٍ للحسم، لكنَّها تكون مُستعصيةً على الحلِّ عمليًّا أحيانًا؛ ونُسمِّي مثل هذا النوع من المشكلات بالمُشكلات «العسيرة». ومثالُ هذه المشكلات هو مُشكلة حسم ما إذا كانت خريطةٌ ما يُمكن أن تُلوَّن بثلاثة ألوانٍ فقط؛ بحيث لا يُلوَّن منطقتان متجاورتان فيها باللون نفسه أم لا. (من البديهي أنَّ تلوين الخريطة بأربعة ألوانٍ مُختلفةٍ هو حلٌّ مطرُوح في جميع الأحوال.) في تلك المشكلة، إذا كان عدد المناطق في الخريطة هو مليون، فقد نجد أنَّ بعض الحالات (بعضها وليس جميعها) يتطلَّب ما يُقارب ٢١٠٠٠ خطوة حوسبية لنصل إلى إجابة. وهذا الرَّقم يُساوي قُرابة ١٠٢٧٥ عام من الحوسبة إذا ما استخدمنا كمبيوتر «ساميت» الخارق، أو ١٠٢٤٢ عام فقط إذا استُخدِم كمبيوتر سيث لويد المحمول الذي يُلامس أقصى حدود القدرات الفيزيائية المُمكنة. هذا الرَّقم هائل لدرجة أنَّ عمر الكون الذي يُقدَّر ﺑ ١٠١٠ سنة تقريبًا لن يعدُو كونَه قطرة ماءٍ في محيطٍ واسع.

السؤال هنا: هل يجعلنا وجود مثل هذه المشكلات العسيرة نظُنُّ أن أجهزة الكمبيوتر لن يمكن أن تُضاهي البشر في الذكاء؟ لا؛ فنحن لا نفترض أنَّ البشر قادرون على حلِّ هذه المشكلات العسيرة أيضًا. والحوسبة الكمِّية في هذه الحالات، سواء في الآلات أم الأدمغة، قد تُساعد قليلًا، لكن ليس بالقدْر الذي يُغيِّر من الناتج الأساسي.

والتَّعقيد يعني أنَّ مشكلة حسم القرارات في الحياة الواقعيَّة — كمشكلة اتِّخاذ قرارٍ بما ستفعله الآن في كل لحظةٍ من لحظات حياتك — هي مسألة غاية في الصعوبة، ولن يقدر البشر ولا أجهزة الكمبيوتر أبدًا في أيِّ وقتٍ قريبٍ أو بعيدٍ على إيجاد حلولٍ مثالية لها.

ونستشفُّ من ذلك استنتاجَين؛ أولهما أنَّنا نتوقع، في غالبيَّة الأوقات، أنَّ القرارات في الحياة الواقعية ستكون جيِّدةً على أحسن تقديرٍ، لكنَّها بعيدة كل البُعد عن المثالية؛ وثانيهما، أنَّنا نتوقَّع أنَّ جزءً كبيرًا من «البنية العقلية» للبشر والآلات؛ أي طريقة عمل عمليات اتِّخاذ القرارات، ستكون مُصمَّمة لتفادي التَّعقيد قدْر الإمكان؛ وهذا حتى نتمكَّن من أن نتوصَّل إلى تلك القرارات الجيدة رغم التَّعقيد الهائل في هذا العالم. وأخيرًا، نحن نتوقَّع أنَّ الاستنتاجَين السابقَين سيظلَّان حقيقةً مهما كان ذكاء وقوة الآلات التي قد تُصنع في المُستقبل؛ فالآلات قد تكون أكثر كفاءةً منَّا بكثيرٍ نحن البشر، لكنَّها ستكون بعيدة كلَّ البُعد عن العقلانية التامَّة.

(٣) أجهزة الكمبيوتر الذكية

أتاح تطوُّر المنطق على يد أرسطُو وغيره وضع أُسُسٍ دقيقة للتَّفكير العقلاني، ولكننا لا ندري إذا ما كان قد خطر على بال أرسطُو ذات مرةٍ أن يتفكَّر في احتمالية أن تُطبِّق الآلات تلك القواعد. في القرن الثالث عشر، اقترب رامون لول؛ الفيلسوف وزير النساء والمُتصوِّف الكتالوني الشهير، من هذه الفكرة وصنع بالفعل عجلاتٍ ورقيةً عليها رُمُوز منقوشة يستطيع من خلالها تكوين ودمج عباراتٍ منطقية. لكنَّ بليز باسكال عالم الرياضيات الفرنسي العظيم الذي عاش في القرن السابع عشر، كان أول من طوَّر آلةً حاسبةً ميكانيكية حقيقيَّة وعمليَّة. ومع أنَّها كانت لا تقدرُ إلا على جمع الأعداد أو طرحها، وكانت مُستخدَمة حصريًّا في مكتب أبيه لتحصيل الضرائب، فإنَّها أرشدت باسكال لكتابة ما يلي: «هذه الآلة الحسابية تُحدِث آثارًا تبدو أقرب إلى ما يُحدثه التَّفكير من كل السُّلوك الحيواني.»

حدثت في التقنية في القرن التاسع عشر طفرة هائلة عندما صمَّم تشارلز بابيج؛ عالم الرياضيات والمُخترع البريطاني، «المُحرِّك التحليلي»، الذي هو عبارة عن آلةٍ قابلةٍ للبرمجة ومُتعدِّدة الأغراض بالمفهُوم الذي عرَّفه آلان تورينج لاحقًا. وقد ساعدَتْه في اختراعه ذاك آدا كونتيسة لوفليس، ابنة الشاعر الرومانسي والمستكشف اللورد بايرون. وبينما كان تشارلز بابيج يأمل في استخدام هذا المُحرِّك التحليلي في حساب بياناتٍ رياضيةٍ وفلكيَّةٍ دقيقة، فإن لوفليس انتبهت إلى القوة الحقيقية الكامنة في هذا المُحرِّك،41 ووصفته في عام ١٨٤٢ باعتباره: «آلة تُفكِّر … أو آلة لها القُدرة على الاستنتاج في كافَّة المجالات في هذا الكون.» وهكذا وُضعت المبادئ النَّظريَّة الأساسية لصُنع ذكاءٍ اصطناعي! ومن هذه النقطة من التاريخ، بلا شكٍّ كان ظهور الذكاء الاصطناعي مُجرَّد وقتٍ ليس إلا.
لسُوء الحظِّ، مرَّ وقت طويل لم يُبْن فيه المُحرِّك التحليلي أبدًا وباتت أفكار آدا لوفليس في طيِّ النِّسيان. ثمَّ جاءت أبحاثُ آلان تورينج النَّظريَّة عام ١٩٣٦ وما لحِقَها من زخم الحرب العالمية الثانية، فظهرت آلات الحوسبة العمومية على الساحة أخيرًا في أربعينيات القرن الماضي. ثمَّ ما لبثت أن ظهرت أفكار عن بناء ذكاءٍ اصطناعي في إثرها، وكانت ورقة آلان تورينج البحثيَّة التي نُشرت عام ١٩٥٠ تحت عنوان «الآلات الحاسوبية والذكاء»42 هي أفضل ما كُتب من الأبحاث المُبكِّرة العديدة حول احتمالية بناء آلاتٍ ذكية. وقتها، كان المُشكِّكُون يجزمون بأنَّ الآلات من المُستحيل أن تفعل أيَّ شيءٍ يُمكن أن يجُول بخاطرك من أفعال البشر، لكنَّ آلان دحض تلك الشُّكُوك وفنَّدها. واقترح أيضًا اختبارًا عمليًّا للذكاء يُسمَّى «لُعبة المُحاكاة» والذي تطوَّر وصار في صُورةٍ أبسط ليُصبح ما يُعرف اليوم ﺑ «اختبار تورينج». وهذا الاختبار يقيس «سلوك» الآلة؛ وتحديدًا، يقيس مدى براعتها في خداع المُستجوب البشري بحيث تُقنعُه أنَّها أيضًا إنسان مثله.

إن لُعبة المُحاكاة لها دور مُحدَّد في ورقة آلان تورينج البحثيَّة؛ وهو أنها تجربة فكرية هدفها إخراس ألسنة المُشكِّكين الذين زعموا أنَّ الآلات لا يُمكنها أن تُفكِّر تفكيرًا سليمًا لأسبابٍ وجيهةٍ وبالقدْر المُلائم من الوعي. كان آلان يأمُل أن يُغيِّر اتجاه النقاش إلى مشكلة ما إذا كانت الآلات تستطيع أن تتصرَّف بطريقةٍ مُعيَّنة. وإذا تبيَّن أنَّها قادرة على ذلك؛ فهل تستطيع مثلًا أن تتناقش نقاشًا موزُونًا حول قصائد شكسبير ومعانيها؟ حينها لن يُمكن أن يدوم الشَّك في الذكاء الاصطناعي طويلًا. وخلافًا للتَّفاسير الشائعة، فإنِّي أشُكُّ أنَّ مثل هذا الاختبار كان يُقصَد به أن يُعرِّف الذكاء تعريفًا حقيقيًّا بمعنى أنَّ الآلة تكون ذكيةً فقط إذا اجتازت اختبار تورينج بنجاح. في الواقع، كتب آلان في ورقته البحثيَّة قائلًا: «ألا يُمكن للآلات أن تُنفِّذ شيئًا ما قد يبدُو كأنَّه تفكير في صُورته، لكنَّه في الحقيقة عملية مُختلفة تمامًا عن كيفية إعمال العقل لدينا نحن البشر؟» وسبب آخرُ يدفعنا ألا نلتفت إلى ذلك الاختبار كتعريفٍ للذكاء الاصطناعي، وهو أنَّه لو كان تعريفًا لعُدَّ تعريفًا سيِّئًا جدًّا للعمل في ظلِّه. ولهذا السَّبب، لم يبذُل السَّواد الأعظم من باحثي الذكاء الاصطناعي أيَّ جُهدٍ يُذكر لاجتياز هذا الاختبار.

اختبار تورينج لا يُفيد الذكاء الاصطناعي؛ لأنَّه تعريف عام ومشرُوط للغاية؛ فهو يعتمد على خصائص العقل البشري الشديدة التَّعقيد والتي نجهل عنها أكثر بكثيرٍ مما نعلم، والمستمدة من التَّكوين البيولوجي والثقافي معًا. إنه لا سبيل إلى «تحليل» ذلك التَّعريف إلى مُكوِّنات أساسية يمكننا أن نسير عليها لنبني آلةً تستطيع أن تجتاز الاختبار. عوضًا عن ذلك، انكبَّ مجال الذكاء الاصطناعي على دراسة السلوك العقلاني كما وُضِّح آنفًا؛ أي تُعتبَر الآلة ذكيةً ما دام أنَّ فعالها يُتوقَّع منها على الأرجح أن تُحقِّق غايتها، مع أخذ مقدار إدراكها في الاعتبار.

استهل باحثو الذكاء الاصطناعي الأمر، كما فعل أرسطُو قبلهم، بالنظر إلى الغاية في عبارة «أن تُحقِّق غايتها»، باعتبارها هدفًا إما أن يُحقَّق أو لا. يُمكن أن تُوجد هذه الأهداف في عالم الألعاب مثلُ «أُحجية المربعات الخمسة عشر»، تلك التي يكون المطلوب فيها هو ترتيب مربعات الأرقام ترتيبًا تصاعديًّا من ١ إلى ١٥ في إطارٍ صغير مربَّع الشَّكل؛ أو قد تكون موجودة في بيئات مادية وواقعية. فمثلًا في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كان الروبوت «شيكي» في معهد ستانفورد للأبحاث في كاليفورنيا كان يدفع المُكعَّبات الضخمة ليُشكِّل ترتيباتٍ مطلوبة، وكان الروبوت «فريدي» بجامعة إدنبرة يُجمِّع قاربًا خشبيًّا من أجزائه المُفكَّكة. كل هذا كان يُنجز باستخدام النظم المنطقية لحلِّ المُشكلات ونُظُم التخطيط لوضع وتنفيذ خُططٍ مضمونة لتحقيق الأهداف.43
وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، كان من الجليِّ أنَّ التفكير المنطقي وحده لا يُمكن أن يفي بالغرض، وهذا لأنه كما أشرنا سابقًا، لا تُوجَد خطة «تضمن» لك الوصول إلى المطار. إن المنطق مبنيٌّ على اليقين والعالَم الذي نعيش فيه لا يُوجَد به شيء مؤكَّد. في تلك الأثناء، كان جوديا بيرل؛ عالم الكمبيوتر الأمريكي الإسرائيلي الذي فاز عام ٢٠١١ بجائزة آلان تورينج، مُنشغلًا بالعمل على طرائق للتفكير المنطقي غير المؤكَّد استنادًا إلى نظرية الاحتمالات.44 وشيئًا فشيئًا تقبَّل باحثو الذكاء الاصطناعي أفكار بريل، وتبنَّوا آليات نظريتَي الاحتمالات والمنفعة؛ ومن ثمَّ تشابك علم الذكاء الاصطناعي مع غيره من العُلوم كعِلم الإحصاء ونظرية التَّحكُّم وعلم الاقتصاد وعلم أبحاث العمليات. وكان هذا التغيير علامةً فارقةً بدأ من بعدها ما يُسمِّيه بعض المُراقبين ﺑ «الذكاء الاصطناعي الحديث».

(٣-١) البيئات والكيانات

يتمحور الذكاء الاصطناعي الحديث حول مفهوم «الكيان الذكي»؛ وهو كيان يُلاحظ ويُدرك ويتصرَّف. وهو عملية تحدث بمرور الوقت بمعنى أنها تُحوِّل سلسلةً من المُدخلات المُدركة إلى سلسلةٍ من التصرفات. ولنضرب مثالًا على ذلك. لنفترض أنَّ الكيان الذكي هنا هو سيارة أجرةٍ ذاتية القيادة تُقلُّني إلى المطار. مُدخلات هذه السيارة قد تشمل ثماني آلات تصويرٍ آر جي بي تلتقط صورًا مُلوَّنة بمُعدَّل ثلاثين إطارًا في الثانية، وكل إطارٍ يحوي ما يُقارب ٧٫٥ ملايين بكسل، وكل منها له قيمة كثافة صورة في كلٍّ من قنوات الألوان الثلاثة؛ لينتج ما يربُو عن ٥ جيجابايتات في الثانية الواحدة. (يُعدُّ سيل البيانات المُتدفِّق من شبكية العين البشرية من خلال مائتي مليون مُستقبلٍ ضوئي بها أكبر حجمًا، وهذا جزئيًّا يُفسِّر لماذا تشغل حاسَّة البصر هذا الجزء الكبير من الدماغ البشري.) كما تشمل مُدخلات سيارة الأجرة أيضًا بياناتٍ من مقياس تسارُع بمُعدَّل مائة مرةٍ في الثانية الواحدة، جنبًا إلى جنبٍ مع بيانات نظام تحديد المواقع العالمي. يُحوَّل هذا السَّيل الهائل من البيانات الخام عبر المليارات من الترانزستورات (أو العُصبُونات) ذات القوة الحوسبية الجبارة إلى قيادةٍ سلسةٍ وفعالة. أما تصرفات سيارة الأجرة فتشمل الإشارات الإلكترونية المُرسلة إلى عجلة القيادة والمكابح ودوَّاسة الوقود بمُعدَّل عشرين مرةً بالثانية الواحدة. (جُلُّ هذه الدَّوامة من التصرفات المُتلاحِقة تتم على نحوٍ غير واعٍ بالنسبة إلى سائقٍ بشريٍّ مُحنَّك، ولا يعي الواحد منا إلا ما يُريد أن يتَّخذه من قراراتٍ مثل تخطِّي الشاحنة البطيئة التي تسير أمامه أو التَّوقف للتَّزُّود بالوقود، أما عيناه وعقله وأعصابه وعضلاته فهي تعمل معًا لتنفيذ بقية المهام.) إذا نظرنا إلى برنامجٍ للُعبة الشطرنج، فإن مُدخلاته تتلخَّص غالبًا في دقات الساعة التي تُشير إلى الوقت المُتاح لتنفيذ الحركة، بالإضافة إلى حركة خصمه على الرقعة ووضعها الجديد. أما التصرفات فهي إما أنَّه ساكن لا يفعل أي شيءٍ بينما يُفكِّر، وإما يختار حركته الجديدة من آنٍ لآخر ثم يُنبِّه الخصم. أما إذا تأمَّلنا مساعدًا رقميًّا شخصيًّا (بي دي إيه) مثل «سيري» أو «كورتانا»، فإن المُدخلات تتضمَّن أكثر من الإشارات الصوتية عبر الميكروفون (بمُعدَّل عينات يُساوي ثمانية وأربعين ألف مرةٍ في الثانية الواحدة) ومُدخلات من الشاشة اللمسيَّة، لتشمل أيضًا محتوى أي صفحةٍ من صفحات الإنترنت يزورها. بينما التصرفات تتضمن التَّحدُّث وعرض المعلومات على الشاشة.

تتوقَّف الطريقة التي نبني بها الكيانات الذكية على طبيعة المشكلة التي نواجهها. ومن ثمَّ، هذا يعتمد على ثلاثة عوامل؛ الأول: طبيعة البيئة التي سيعمل فيها هذا الكيان؛ فرُقعة الشطرنج بيئة مختلفة تمامًا عن أحد الطرق السريعة المزدحمة أو هاتفٍ جوال. أما العامل الثاني فهو المُلاحظات والتَّصرفات التي تربط الكيان بالبيئة، ومثال ذلك هو أنَّ «سيري» قد يكون لديه وصول لكاميرا الهاتف ليرى ما حوله أو لا. والعامل الثالث هو الغاية من الكيان؛ فتعليم الخصم أن يُطوِّر من مهاراته في الشطرنج مهمة مختلفة تمامًا عن تعليمه أن يفوز بالمُباراة.

ولنضرب مثالًا واحدًا فقط لتوضيح كيف يعتمد تصميم الكيان الذكي على تلك العوامل الثلاثة. إذا كانت الغاية هي الفوز بالمباراة، فإن أيَّ برنامجٍ مُصمَّم ليلعب الشطرنْج لا حاجة له أن يتذكر التحركات الماضية على الرُّقعة، بل يحتاج فقط إلى التَّفكير في وضعها الحالي.45 على الجانب الآخر، يحتاج البرنامج الذي مُهمته تعليم الشطرنج أن يُحدِّث منهجه باستمرارٍ استنادًا على ما مضى من تحركاتٍ ليضُمَّ الجوانب التي استوعبها المُتعلم من قواعد الشطرنج وتلك التي لم يستوعبها بعدُ حتى يقدر على تقديم إرشادات مفيدة للمتعلم. بعبارة أخرى، بالنسبة إلى البرنامج الذي يُعلِّم الشطرنج يُعدُّ عقل المتعلم جزءًا ذا صلةٍ بالبيئة التي يعمل فيها البرنامج. وزد على ذلك أنَّه جزء لا يُمكن ملاحظته مباشرةً، على عكس الرُّقعة التي يراها أمامه مباشرةً.
إذا نظرنا إلى خصائص المشاكل التي تُؤثِّر على كيفية تصميم كيان ذكي، فسنجدُها تتضمَّن على الأقل ما يلي:46
  • هل البيئة المحيطة يُمكن مُلاحظتها ملاحظةً كاملةً (كما في الشطرنج، حيث المُدخلات توفِّر وصولًا مباشرًا لجميع جوانب الوضع الحالي للبيئة المُحيطة ذات الصلة)؛ أم ملاحظةً جزئيةً (كما في قيادة السيارة حيث مجال رؤية السائق محدود ولا يُمكنه رؤية ما بداخل المركبات الأخرى ونوايا السائقين الآخرين مُبهمة؟)

  • هل البيئة المحيطة والتصرفات مُنفصلتان إحداهما عن الأخرى (كما في الشطرنج)، أم مُتَّصلتان اتصالًا فعَّالًا (كما في قيادة السيارة)؟

  • هل البيئة تضُمُّ كيانات أخرى (كما في الشطرنْج وقيادة السيارة)، أم لا (كما هو الحال أثناء إيجاد أقصر الطُّرُق إلى مكانٍ ما عبر الخريطة)؟

  • بالاستناد إلى ما تنُصُّ عليه «قواعد» البيئة أو «قوانين الفيزياء» فيها، هل نتائج التصرفات قابلة للتَّوقُّع (كما في الشطرنْج)، أم لا يُمكن توقُّعها (كما في حركة المُرور وحالة الطقس)، وهل تلك القواعد التي استندنا عليها معلومة أم مجهولة؟

  • هل البيئة تتغيَّر ديناميكيًّا فيكون الوقت المُتاح لاتخاذ القرار محدودًا (كما في قيادة السيارة)، أم لا (كما في اختيار الخُطَّة الضريبية المُثلى)؟

  • ما مدى الإطار الزمني الذي تُقاس عليه جودة القرار المُتَّخذ وفقًا للغاية المُحدَّدة؟ هذا الإطار الزمني قد يكون قصيرًا جدًّا (كما في الضغط على مكابح السيارة في حالةٍ طارئة)، أو مُتوسط الطول (كما في لعبة الشطرنْج التي يصلُ عدد حركات المباراة فيها إلى حوالي مائة حركة)، أو طويلًا جدًّا (كما في رحلتي إلى المطار، والتي قد تتطلَّب مئات الآلاف من دورات اتخاذ القرار إذا افترضْنا أنَّ السائق يأخُذ مائة قرارٍ في الثانية الواحدة).

يُمكن للمرء منَّا أن يتخيل الكم المُحيِّر الذي تُثيره تلك الخصائص من مشكلاتٍ بأنواعٍ شتَّى. فإذا ما ضربنا بعض تلك الاختيارات ببعضٍ فسنحصُل على ١٩٢ نوعًا، ويُمكن لنا أن نجد مثالًا واقعيًّا لكل نوعٍ من تلك الأنواع. إن بعضها يُدرَس بطبيعة الحال في مجالاتٍ أخرى غير مجال الذكاء الاصطناعي؛ فمثلًا، تصميم نظام طيارٍ آليٍّ يُحافظ على مستوى تحليقٍ أفقي يُعدُّ مشكلة ديناميكية ومتَّصلةً وذات إطارٍ زمني قصير، وغالبًا ما تُدرَس في مجال نظرية التَّحكم.

من الواضح أن بعض المشكلات أسهل من غيرها. لقد أحرز مجال الذكاء تقدمًا كبيرًا في مشاكل كألعاب الطاولة والأحاجي التي تكون قابلة للملاحظة، ومنفصلة البيئة، ومحددة، ولها قواعد معلُومة سلفًا. بالنسبة لأنواع المشاكل الأسهل، فقد طوَّر باحثو الذكاء الاصطناعي خوارزميات ناجحةً وعامةً إلى حدٍّ ما، وكوَّنُوا عنها فهمًا نظريًّا مُتماسكًا، حتى إن الآلات غالبًا ما تتخطى البشر وتتفوَّق عليهم في الأداء في هذا النوع من المشاكل. ونحن نُطلق على خوارزميةٍ ما أنها خوارزمية عامة لأنَّنا نملك أدلةً رياضيةً على أنَّها تُعطي نتائج مثالية أو قريبة منها إذا ما طُبِّقت على فئةٍ كاملةٍ من المشاكل في ظل تعقيدٍ حوسبيٍ مقبول، ولأنها تعمل جيدًا عمليًّا حين تُطبَّق دون الحاجة إلى تعديلاتٍ مُخصَّصة لكل مشكلةٍ على حدة.

أما ألعاب الفيديو مثل لُعبة «ستاركرافت»، فإنها تُعدُّ أصعبَ قليلًا من ألعاب الطاولة؛ فألعاب الفيديو بها المئات من العناصر المُتحرِّكة وأُطُر زمنية تشتمِل على الآلاف من الخطوات، كما أنَّ الرُّقعة مرئية جزئيًّا في أي وقتٍ من الأوقات. في كل نقطة، يُمكن أن تصل الخيارات أمام اللاعب إلى ما لا يقلُّ عن ١٠٥٠ حركة، مقارنة بما يُقارب ١٠٢ في لُعبة مثل «جو».47 ولكن على الجانب الآخر، القواعد معلُومة وبيئتها منفصلة بها أنواع محدودة من العناصر. بحلول عام ٢٠١٩، أصبحت الآلات تُحاكي في مهاراتها بعض أفضل لاعبي «ستاركرافت»، لكنها ليست مُستعدَّةً بعدُ لتُواجه أمهر اللاعبين البشريين على الإطلاق.48 ما يُهمُّنا الإشارة إليه هنا هو أننا بذلنا مجهودًا كبيرًا ومُركَّزًا على تلك المُشكلة بعينها لنُحرز هذا التَّقدم؛ فالخوارزميات العامة لم تصل بعدُ إلى مرحلةٍ تُطبَّق فيها على لُعبة «ستاركرافت».

أما إذا ما نظرنا إلى مشاكل مثل إدارة حكومةٍ ما أو تدريس البيولوجيا الجزيئية، فسنجدها أصعبَ صعوبةً بالغة عما سبق. فتلك مشاكل ذات بيئاتٍ مُعقدةٍ غالبًا ما تكون غير قابلة للمُلاحظة (حالة دولة بأكملها أو حالة عقل طالب)، وتحتوي على عناصر وأنواعٍ؛ عناصر أكثر بكثير، ولن تجد تعريفاتٍ واضحةً عن ماهية التصرفات، كما أنَّ أغلب القواعد مجهولة، زد على ذلك وجود الكثير من الشَّك وعدم اليقين، وأطرٍ زمنية طويلة جدًّا. نحن نمتلك الأفكار والأدوات الجاهزة التي نتعامل بها مع كل خاصيةٍ من تلك الخصائص على حدة، لكن حتى الآن لا تُوجَد طرق عامة تتماشى مع جميع الخصائص معًا في وقتٍ واحد. عندما نبني نظم ذكاءٍ اصطناعي لحلِّ هذا النوع من المهام، فإن تلك النظم تتطلَّب كمًّا هائلًا من التَّصميم المُخصَّص، وغالبًا ما تكون هشةً للغاية.

إحراز التقدم فيما يتعلَّق بالتوصُّل إلى خوارزميات عامة يحدث عندما نبتكر طرائق فعالة تُستخدم لمُعالجة المشكلات الصَّعبة في فئةٍ ما، أو عندما نُصمِّم طرائق تتطلَّب افتراضاتٍ أقل وأسهل بحيث يمكن أن يُعمَّم تطبيقها على مشكلاتٍ أكثر. إن الذكاء الاصطناعي العام طريقة قابلة للتطبيق في جميع فئات المُشكلات، تعمل بفعاليةٍ عند تطبيقها على المشكلات الأصعب والأكثر تعقيدًا مع استخدام افتراضاتٍ قليلة جدًّا. وهذه هي الغاية الأسمى لأبحاث الذكاء الاصطناعي؛ ابتكار نظامٍ لا يحتاج إلى تصميمٍ مُخصَّصٍ لمُشكلةٍ بعينها ويمكنه أن يُدرِّس محاضرة في علم البيولوجيا الجزيئية أو يدير حكومة دولةٍ ما. إنه نظام يتعلَّم ما يحتاج إلى معرفته من خلال جميع المصادر المُتاحة له، ويطرح الأسئلة حين الحاجة ثمَّ يبدأ في وضع الخطط الفعالة وتنفيذها.

مثل هذا النِّظام العام ليس موجودًا في الوقت الحالي، لكنَّنا نقترب منه شيئًا فشيئًا. وقد تتفاجأ حين تعلم أنَّ مقدارًا كبيرًا من هذا التَّقدُّم تجاه ذكاءٍ اصطناعي عامٍّ يُنسَب إلى أبحاثٍ لا تتمحور حول بناء نظم ذكاء اصطناعي عامة. هذا التَّقدم يُنسب إلى أبحاثٍ في مجال «الذكاء الاصطناعي المحدود» أو «الذكاء الاصطناعي الخاص» والذي يعني نظم ذكاءٍ اصطناعي لطيفة وآمنة ومُملَّة صُمِّمت لحل مشكلات بعينها مثل لعب لُعبة جو أو التَّعرف على الأرقام المكتوبة يدويًّا. إن الأبحاث في هذا النوع من الذكاء الاصطناعي يُظَنُّ عادة أنها لا تُمثِّل أي خطرٍ لأنها مُصمَّمة لغرضٍ بعينه، ولا علاقة لها بالذكاء الاصطناعي العام.

إنَّ هذا الاعتقاد إنما هو ناجم عن سوء فهمٍ لنوعية العمل الذي تنطوي عليه تلك النظم. في الحقيقة، غالبًا ما تُعطي أبحاث الذكاء الاصطناعي المحدود دفعةً باتجاه الذكاء الاصطناعي العام، وخصوصًا عندما تُجرى على يد باحثين يتصدون للمشاكل التي تتخطَّى حدود قدرات الخوارزميات العامَّة الحالية، وطريقتهم في حل المشكلات ليست مجرَّد حشو ما يلزم من شفراتٍ خاصة لمُحاكاة تصرُّفات شخصٍ ذكي إذا وُضع في هذا الموقف أو في ذاك، إنما محاولات لغرس قدرةٍ ما في الآلات تُصبح بعدَها قادرةً بنفسها على إيجاد حلول للمشاكل التي تُواجهها.

ومثال ذلك هو نجاح فريق «ألفا جو» بشركة ديب مايند التابعة لجوجل في تصميم برنامجهم الذي سحق أبطال العالم في لُعبة جو، حيث حقَّقوا هذا الإنجاز دون بذل الجهد في تعليم البرنامج اللعبة ذاتها. وما أعنيه بذلك هو أنَّهم لم يكتُبوا مجموعة كبيرة من السطور البرمجية الخاصة بلُعبة جو والتي تُحدِّد ما الذي يجب على البرنامج فعله في المواقف المختلفة أثناء اللعب. ولم يضعوا إجراءات لاتخاذ القرارات خاصة بلُعبة جو دون غيرها. عوضًا عن ذلك، ما فعلوه هو أنَّهم طوَّروا أسلوبَين من الأساليب العامة إلى حدٍّ ما تطويرًا كافيًا للعب لُعبة جو بمهاراتٍ خارقة تفوق قدرة البشر، وهذان الأسلوبان هما أسلوبا البحث الاستباقي المُعِين على اتِّخاذ القرارات، وأسلوب التَّعلُّم المُعزز لتعلُّم كيفية تقييم الأوضاع. هذا التَّطوير قابل للتَّطبيق على مشكلاتٍ أخرى كثيرة، بما في ذلك المشكلات في مجالاتٍ بعيدةٍ كل البُعد كمجال صناعة الروبوت. ولمزيد من إبراز النجاح، دعني أُخبرك أنَّ إصدارًا من برنامج «ألفا جو» يُسمَّى «ألفا زيرو» تعلَّم مؤخَّرًا كيف يهزم إصدار «ألفا جو» في لُعبة جو، كما تعلَّم كيف يهزم «ستوك فيش» (وهو أفضل برنامج يلعب الشطرنج في العالم وبمهاراتٍ خارقة تفوق قدرات البشر) و«إلمو» (وهو أفضل برنامج للُعبة الشطرنج الياباني «الشُّوجي» والذي تفوق مهاراته أي كائن بشري). كل هذه الانتصارات حقَّقها برنامج «ألفا زيرو» في يومٍ واحد لا غير.49

كما كان هناك تقدُّم مُعتبر باتِّجاه الذكاء الاصطناعي العام، نابع من الأبحاث التي أُجريت في تسعينيات القرن الماضي للتَّعرف على الأرقام المكتوبة يدويًّا. لم يكتب فريق يان ليكن بمُختبرات شركة إيه تي آند تي أيَّ خوارزمياتٍ خاصة للتعرُّف على الرقم ٨ عن طريق البحث عن الخطوط المُنحنية والحلقات، بل طوَّروا خوارزميات للتَّعلُّم بالشَّبكات العصبونية موجودة بالفعل ليُنتجوا «الشبكات العُصبُونية الالتفافيَّة»، التي أظهرت بدورها نجاحًا في التَّعرُّف على الرموز بعد تدريبٍ مناسب على الأمثلة ذات الصلة. تلك الخوارزميات نفسها يُمكن أن تتعلَّم كيف تتعرَّف على الحروف والأشكال وعلامات التَّوقُّف والكلاب والقطط وسيارات الشُّرطة. وتحت مُسمَّى «التَّعلُّم المُتعمِّق»، أحدثوا ثورةً في مجالَي التَّعرُّف على الكلام وتمييز العناصر المرئية اللذَين يُعدَّان حجر الأساس في برنامج «ألفا زيرو» ومعظم المشاريع المُعاصرة لبناء سياراتٍ ذاتية القيادة.

وإذا ما أمعنت النظر في الأمر، فإنَّك لن تجد غرابةً في إدراك أنَّ التَّقدُّم نحو خوارزميات ذكاءٍ اصطناعي عامة سيحدث عبر مشاريع الذكاء الاصطناعي المحدود التي تُنفِّذ مهامَّ مُحدَّدة؛ فتلك المهام هي التي تجعل باحثي الذكاء الاصطناعي مُنهمِكين في البحث والتطوير. (هناك سبب يجعل الناس لا يقولون: «التَّحديق خارج النافذة هو أمُّ الاختراع».) في الوقت نفسه، من المُهم أن نفهم مدى التَّقدم الذي أُحرز وأين هي حُدود ذلك التَّقدم. عندما هزم برنامج «ألفا جو» لي سيدول ثمَّ لاحقًا سحق جميع عمالقة لُعبة جو الآخرين، افترض العديد من الناس أنَّ هذا الانتصار هو بداية النِّهاية، وما هي إلا مسألة وقتٍ ليس إلا حتى نرى الذكاء الاصطناعي يُسيطر على العالم؛ كُل هذا لأنَّ إحدى الآلات قد تعلَّمت من الصِّفر هزيمة مُنافسيها من البشر في مُهمَّةٍ يُعرف عنها صعوبتها الشديدة حتى بالنسبة إلى أكثر البشر فطنةً ودهاءً. إن بعض المُشكِّكين في موضوع سيطرة الذكاء الاصطناعي قد زالت شُكوكهم واقتنعوا عندما فاز برنامج «ألفا زيرو» في الشطرنج والشُّوجي، بالإضافة إلى لُعبة جو. لكن يجدُر الإشارة هنا إلى أنَّ برنامج «ألفا زيرو» له قيود صارمة؛ فهو لا يعمل إلا في فئة الألعاب الثنائية اللاعبين، ذات القواعد المعلُومة سلفًا، والتي تكون غير قابلة للملاحظة، وفي بيئةٍ مُنفصلة. ببساطةٍ، مثل هذا الأسلوب لن ينجح مُطلقًا في قيادة السيارات أو التَّدريس أو تولِّي قيادة حكومة دولةٍ ما، أو السيطرة على العالم.

تلك القُيُود الشديدة على كفاءة الآلات تعني أنَّه عندما يتحدث الناس عن ازدياد «مُعدَّل ذكاء الآلات» ازديادًا فائقًا يُنذِر بأنَّه سيتخطَّى معدلات الذكاء البشرية، فإن كلامهم هذا ما هو إلا لغط لا قيمة له مُطلقًا. ونحن إذْ نقول إن مفهوم مُعدَّل الذكاء قد يبدو منطقيًّا إذا ما طُبِّق على البشر، فهذا لأنَّ القُدرات البشرية عادةً ما يترابط بعضها مع بعض في نطاقٍ كبير من الأنشطة المعرفية. ومُحاولة تعيين معدل ذكاءٍ للآلات تُشبه محاولة أن تأتي بحيوانٍ يمشي على أربعٍ وتضعه في مُنافسةٍ مع البشر في مُسابقة العُشاري الخاصة بألعاب القوى. لا أحد يُنكر أنَّ الخيل تستطيع أن ترمح رمحًا سريعًا وأن تقفز عاليًا، لكنَّها ستُواجه الكثير من الصُّعوبات في رياضتَي القفز بالزَّانة ورمي القُرص.

(٣-٢) الغايات والنموذج القياسي

بالنظر إلى أي كيانٍ ذكي من الخارج، ما يُهمُّنا هو سلسلة التَّصرفات التي يتَّخذها استنادًا إلى سيل المُدخلات التي يستقبلها. أما من الداخل، فالتَّصرفات يجب أن تُتَّخذ بمعرفة ما يُطلق عليه «برنامج كيان». إن جاز القول إن البشر يُولدون ببرنامج كيان واحد، ثمَّ يبدأ هذا البرنامج بالتَّعلُّم بمرور الوقت ليتَّخذ تصرُّفاتٍ ناجحةً بقدرٍ معقولٍ في عددٍ ضخمٍ من المهام. حتى الآن، ليس هو الحال بالنسبة للذكاء الاصطناعي؛ فنحن لا نعرف كيفية بناء برنامج ذكاءٍ اصطناعي عامٍّ يفعل كل شيءٍ، لهذا وعوضًا عن ذلك، نبني أنواعًا مختلفةً من برامج الكيان التي يختصُّ كلُّ واحدٍ منها بنوعٍ مختلف من المشاكل. وأظُنُّ أني بحاجةٍ إلى شرح ولو جزءٍ يسيرٍ من كيفية عمل تلك البرامج المختلفة؛ وفي الملاحق في نهاية الكتاب سيجدُ القارئ المُهتم شرحًا مُستفيضًا لهذه النُّقطة. (وُضعت الإشارات إلى ملاحق بعينها كحروفٍ صغيرة بين قوسين أعلى الكلام هكذا«أ» وهكذا«د».) وسأُركِّز في هذه الجُزئية تركيزًا أساسيًّا على كيفية تمثيل النمُوذج القياسي في مُختلف أنواع الكيانات؛ بعبارةٍ أخرى، كيفية تحديد الغاية ونقلها إلى الكيان.

أبسط طرائق نقل الغاية هي أن تُنقل في صيغة «هدف». عندما تستقلُّ سيارتك الذاتية القيادة ثمَّ تضغط على أيقونة «البيت» الظَّاهرة على الشاشة، تستقبل السيارة هذا كغايةٍ يجب بُلوغها ثمَّ تشرع في انتقاء الطَّريق وبدء الرحلة. بعد ذلك إما أن يُحقق العالم الواقعي الهدف المرجو (أجل، وصلت إلى البيت) أو لا يُطابقه (لا، أنا لا أسكن في مطار سان فرانسيسكو). في الحقبة الكلاسيكية لأبحاث الذكاء الاصطناعي وقبل أن تُصبح مشكلة الارتياب وعدم اليقين هي المشكلة الرئيسية في ثمانينيات القرن الماضي، كانت غالبية أبحاث الذكاء الاصطناعي تفترض عالمًا محددًا وقابلًا للملاحظة بالكامل، وتُعدُّ فيه الأهداف طريقةً منطقيةً لتحديد الغايات. أحيانًا تكون هناك أيضًا «دالة تكلفة» لتقييم الحُلُول، وهكذا يكون الحل المثالي هو الذي يُقلِّل من التَّكلفة الإجمالية ويصل إلى الهدف في الوقت ذاته. إذا طبَّقنا هذا على السيارة، فلرُبَّما يكون هذا مدمجًا فيها تتخذه تلقائيًّا — ربما تكون تكلفة طريقٍ ما هي إلا مُحصِّلة ثابتة لمجموع الوقت المُستغرق والوقود المُستهلك معًا، أو قد يكون للراكب البشري الخيار في تحديد أيهما سيُضحِّي به في سبيل الآخر.

والسَّبيل إلى تحقيق مثل تلك الغايات يكمُن في القدرة على «المُحاكاة الذهنية» لتأثيرات التصرُّفات المُحتملة والتي تُسمَّى أحيانًا ﺑ «البحث الاستباقي». إن سيارتك الذاتية القيادة مُزوَّدة بخريطةٍ مُدمجة؛ ولهذا فهي تعرف أنَّك إذا كنت في سان فرانسيسكو واتَّجهتَ شرقًا عبر جسر سان فرانسيسكو-أوكلاند فستصل إلى أوكلاند. وهكذا تجد الخوارزميات التي بُنيت في ستينيات القرن العشرين50 طُرقًا مثاليةً فقط بالبحث الاستباقي وفحص العديد من تسلسلات التَّصرُّفات المُحتملة.«أ» تلك الخوارزميات تُشكِّل السَّواد الأعظم من البنية التَّحتية الحديثة؛ فهي لا تُعطي اتجاهات القيادة فقط، بل تُوفِّر حلولًا للسَّفر الجوي وتجميع الروبوتات والتَّخطيط العمراني والإدارة اللوجستيَّة للتوريدات. وبإجراء بعض التعديلات للتَّعامل مع السُّلوك المُفاجئ للخُصُوم، فإنَّ الفكرة ذاتها الخاصة بالبحث الاستباقي تُطبَّق في ألعابٍ مثل الشطرنج وجو وإكس-آو، حيث الهدف هو الفوز وفقًا لما يعنيه مفهوم الفوز في كل لُعبة.

تعمل خوارزميات البحث الاستباقي بكفاءةٍ لا مثيل لها في المهامِّ المُحدَّدة المكلفة بها، لكنَّها لا تتَّسم بالمُرُونة الكافية. فمثلًا، برنامج «ألفا جو» «يعرف» قواعد لُعبة جو فقط بصفتها تحوي روتينين فرعيَّين بُنِيا بلُغةٍ برمجيةٍ تقليديةٍ مثل «سي++»؛ روتينًا يُولِّد جميع التَّحرُّكات الجائزة المُحتملة، والآخر يُشفِّر الهدف ثمَّ يُقرِّر ما إذا كان الوضع الحالي فوزًا أم خسارة. وليلعب برنامج «ألفا جو» لُعبةً أخرى، على أحدٍ ما أن يُعيد كتابة تلك الشَّفرة المكتوبة بلُغة «سي++» بالكامل. علاوة على ذلك، إذا أوكل له هدف جديد — لنقُل مثلًا: زيارة الكوكب غير الشمسي الذي يدور حول نجم «القنطُور الأقرب» — ما سيفعله البرنامج حينها هو أنَّه سيسبُر أغوار المليارات من سلاسل تحرُّكات لُعبة جو بحثًا عن تسلسلٍ يُحقِّق الهدف الجديد، ولكن بلا طائل. فهو لا يُمكنه فحص شفرته التي بلُغة «سي++» والانتهاء إلى الحقيقة الواضحة؛ ألا وهي: لن تُجدي أي سلسلةٍ من سلاسل التَّحرُّكات في لُعبة جو نفعًا في إيصاله إلى الكوكب المطلوب. فمعارف البرنامج بصفةٍ أساسيةٍ محبُوسة في داخل صندوقٍ أسود.

في عام ١٩٥٨ وبعد أن مرَّ عامان على برنامج دارتموث الصيفي الذي أرسى قواعد مجال الذكاء الاصطناعي، اقترح جون ماكارثي منهاجًا أعمَّ وأوسع بإمكانه فتح ذاك الصندوق الأسود، والذي تمثَّل في بناء برامج تفكير عامةٍ يُمكنُها أن تتشرَّب المعرفة في أيِّ مجالٍ كان، ثمَّ تُنعم النَّظر في تلك المعرفة لتُجيب عن أيِّ أسئلةٍ يُمكن الإجابة عليها.51 وأخُصُّ بالذكر أحد أنواع التَّفكير الذي اقترحه أرسطُو وهو «التفكير العملي»: «إذا قمت بالأفعال «أ» و«ب» و«ﺟ» … فستُحقِّق الهدف «ز».» وهذا الهدف قد يكون أي شيء على الإطلاق؛ قد يكون مثلًا: رتِّب البيت قبل أن أصل، أو فُز في مباراة شطرنج دون أن تخسر أيًّا من الحصانَين، أو خفِّض من ضرائبي بنسبة ٥٠ بالمائة، أو زُر نجم «القنطُور الأقرب» وهلمَّ جرًّا. سُرعان ما أصبحت هذه الفئة الجديدة من البرامج التي اقترحها جون ماكارثي تُعرف باسم «النظم القائمة على المعرفة».52
ولنبني نظمًا قائمةً على المعرفة، علينا أن نُجيب على سؤالين لا ثالث لهما. الأول هو؛ كيف تُخزَّن المعرفة داخل كمبيوتر؟ أما الثاني؛ فكيف للكمبيوتر بعد إذنٍ أن يُفكِّر تفكيرًا صحيحًا استنادًا إلى تلك المعرفة ليصل في النِّهاية إلى استنتاجات جديدة؟ ولحُسن حظنا، أجاب فلاسفة اليونان القديمة، وخصوصًا أرسطُو، على تلك الأسئلة بإجاباتٍ أساسية قبل مجيء أجهزة الكمبيوتر إلى عالمنا بوقتٍ طويل. في الحقيقة، أجد جليًّا أن أرسطُو لو كان لديه كمبيوتر (وتيار كهربي أيضًا) لكان قد اشتغل كباحثٍ في مجال الذكاء الاصطناعي. وإجابة أرسطُو على هذَين السؤالين، كما أعاد طرحها جون ماكارثي، هي أن نستخدم المنطق الصُّوري«ب» كحجر أساسٍ للمعرفة والتَّفكير.
هناك نوعان من المنطق يُعدَّان مُهمَّين في علم الكمبيوتر. النَّوع الأول يُسمَّى «منطق القضايا» أو «المنطق البوليني»، وقد كان معروفًا عند اليونانيِّين القدماء، والفلاسفة الهنود، والصينيين القدماء. وهو يعتمد على بوابات «الاقتران» وبوابات «العاكس المنطقي» وغيرهما من البوابات التي تُشكِّل مجموعة الدوائر الكهربية في رقاقات الكمبيوتر. وإذا تمعنا في وحدة معالجةٍ مركزيةٍ حديثةٍ فإننا سنجدها، بالمعنى الحرفي للكلام، عبارةً عن تعبيرٍ رياضيٍ غاية في الطول — قد يحتاج لمئات الملايين من الصفحات — مكتوب بلُغة منطق القضايا. أما النوع الثاني، فهو ذاك النوع من المنطق الذي اقترح جون ماكارثي استخدامه في مجال الذكاء الاصطناعي ويُسمَّى «المنطق الإسنادي».«ب» وتُعدُّ لُغة المنطق الإسنادي لُغةً ذات قدرةٍ تعبيرية أكبر بكثيرٍ من منطق القضايا، مما يعني أن هناك أشياء يمكننا التعبير عنها بسهولةٍ ويُسرٍ باستخدام المنطق الإسنادي والتي تكون شاقةً أو تكاد تكون أمرًا مستحيلًا إذا حاولنا كتابتها باستخدام منطق القضايا. ومثالُ ذلك هو أنَّ قواعد لُعبة جو تُكتب في نحو صفحةٍ واحدةٍ بلُغة المنطق الإسنادي، لكنَّها تأخذ قُرابة عدة ملايين صفحةٍ باستخدام منطق القضايا. بالمثل، يُمكننا التَّعبير بسهولةٍ باستخدام هذا النوع من المنطق عن معارف كثيرةٍ كقواعد الشطرنج، ومعنى المُواطنة البريطانية وقانون الضَّرائب والبيع والشراء، والتنقل والرَّسم والطَّهي وغيرها العديد من المناحي البديهيَّة في عالمنا.
من حيث المبدأ إذن، القُدرة على التَّفكير بالمنطق الإسنادي تجعلنا نقطع شوطًا كبيرًا باتِّجاه الذكاء الاصطناعي العام. في عام ١٩٣٠، نشر عالم المنطق النِّمساوي المُخضرم كورت جوديل بحثه الشهير «مبرهنة تمام المنطق الإسنادي»53 الذي أثبت فيه أنَّ هناك خوارزمية ما تتَّسم بالخاصية التالية:54

لأي «نوع من المعرفةٍ» أو لأي «سؤال» قابل للتعبير عنه بالمنطق الإسنادي، فإن الخوارزمية ستُخبرنا بالإجابة عن هذا السؤال إذا كانت الإجابة موجودة أصلًا.

وهذا ضمان مُذهل! إنه يعني أنَّنا، على سبيل المثال، يُمكن أن نُعلِّم النِّظام قواعد لُعبة جو وهو سيُخبرنا (إذا انتظرنا الوقت الكافي) إذا ما كانت هُناك حركة افتتاحيَّة تُمكِّن صاحبها من الفوز بالمُباراة. كما يُمكننا أن نُغذِّي النظام بالحقائق الجُغرافيَّة لمنطقةٍ ما وسيهدينا إلى طريق المطار. بل ويُمكننا أن نُعلِّمه الحقائق الهندسية وقوانين الحركة وماهية أدوات المطبخ، وسيُعلِّم ذلك النظامُ الروبوت كيفية ترتيب مائدة طعام العشاء. وعلى وجه العُمُوم، إذا ما أعطي الكيان أي هدفٍ قابلٍ للتحقيق ثمَّ غُذِّي بالمعلومات الكافية ليعرف نتائج تصرُّفاته وأثرها، فيُمكنه أن يستخدم الخوارزمية لوضع خُطَّةٍ ليُنفِّذها ليُحقِّق هذا الهدف.

fig4
شكل ٢-٢: الروبوت «شيكي» عام ١٩٧٠ تقريبًا. في الخلفية تُوجد بعض الأشياء التي دفعها «شيكي» هنا وهُناك حتى تستقرَّ في أماكنها الصحيحة.
علينا أن نُبيِّن أن كورت جوديل لم يُقدِّم أي خوارزمية، بل أثبت فقط أنَّ هناك واحدة موجودة. وفي بواكير ستينيات القرن الماضي، بدأت الخوارزميات الحقيقية للتَّفكير المنطقي بالظُّهور،55 ولاح في الأفق حُلُم جون ماكارثي ببناء نظم ذات ذكاءٍ عامٍّ قائمة على المنطق، وبدا قريبًا من أن يُصبح حقيقة. وأول الغيث كان مشروع الروبوت المُتنقِّل المُسمَّى ﺑ «شيكي» والذي كان من تطوير معهد ستانفورد للأبحاث، والذي كان قائمًا على التَّفكير المنطقي (انظر الشَّكل ٢-٢). تلقَّى «شيكي» هدفًا ما من مُطوِّريه البشريين، فاستخدم خوارزميات الإبصار لاستنتاج تأكيداتٍ منطقيةٍ لوصف الوضع الحالي، ثمَّ أجرى استدلالًا منطقيًّا لوضع خُطَّةٍ تضمن تحقيق الهدف ثمَّ بدأ بتنفيذها. كان الروبوت «شيكي» بمثابة دليلٍ «حيٍّ» على أنَّ تحليل أرسطُو للمعرفة والسُّلوك البشريَّين كان تحليلًا صحيحًا جزئيًّا على الأقل.
لكن للأسف، كان ذاك التحليل الذي افترضه أرسطو (ومن بعده جون ماكارثي) بعيدًا كل البُعد عن كونه تحليلًا كامل الصحَّة لا تشُوبه شائبة. فالمُعضلة الأساسية هي الجهل، ولا أقصد هنا جهلًا عند أرسطو أو جون ماكارثي، بل الجهل في جنسنا البشري وفي الآلات أيضًا حاضرًا ومُستقبلًا. إن مقدارًا ضئيلًا جدًّا من معرفتنا هو ما يُمكن اعتباره معرفةً يقينية. وأخصُّ بالذكر هنا معرفتنا عن المُستقبل التي لا تكاد تُذكر. إن الجهل مُعضلة لا تُذلَّل لأيِّ نظامٍ منطقي صرف. فلو سألت مثلًا: «هل سأصل إلى المطار في الوقت المُحدَّد إذا غادرت المنزل ثلاث ساعاتٍ قبل موعد الرحلة؟» أو «هل يُمكنني أن أتملَّك منزلًا إذا اشتريتُ بطاقة يانصيب رابحة ثمَّ اشتريت المنزل بنُقُود الجائزة؟» هنا الإجابة الصحيحة لكِلا السؤالين هي: «لا أدري!» والسبب وراء ذلك هو أنَّ الإجابة عن أيٍّ من السؤالَين سواء بنعمٍ أم بلا، كلاهما احتمال منطقي صحيح. ومن الناحية العملية، فلا يُمكن للمرء أن يحظى بإجابةٍ يقينيةٍ عن أي سؤالٍ تجريبي إلا إذا كانت الإجابة معروفةً قبلًا.56 ولحُسن الحظِّ، لا يُعدُّ اليقين ضرورةً لاتِّخاذ التَّصرُّفات؛ فكل ما نحتاج إلى معرفته هو أي التَّصرفات أفضل، لا أيها حتمًا سينجح.

وعدم اليقين هنا يعني أنَّ «الغاية التي جعلنا الآلة تسعى لتحقيقها» لا يُمكن في العُمُوم أن تكون هدفًا موصُوفًا بدقةٍ بحيث يتمُّ تحقيقه مهما كان الثمن. فلم يعُد هناك ما يُسمَّى ﺑ «سلسلة من التَّصرُّفات التي تُفضي بالهدف إلى تحقيقه»، وهذا لأنَّ أي سلسلةٍ من التَّصرفات سيكون لها العديد من النتائج المحتملة، والتي بعضها لن يُحقِّق الهدف المطلوب. وهنا نرى أنَّ أرجحيَّة النَّجاح مسألة مُهمَّة؛ فالمُغادرة إلى المطار قبل موعد الرحلة بثلاث ساعاتٍ «رُبَّما» يعني أنَّك لن تُفوِّت الطائرة، وشراء تذكرة يانصيب «رُبَّما» يعني أنَّك قد تربح ما يكفي من النقود لشراء منزلٍ جديد، وشتان بين «رُبَّما» الأولى و«رُبَّما» الثانية. فالأهداف لا يُمكن أن تُنقذ من الفشل بالبحث عن خُطط تُعزِّز من أرجحيَّة تحقيقها؛ فالخُطَّة التي تزيد من أرجحيَّة الوصول إلى المطار في الوقت المُحدَّد للَّحاق بالرحلة قد تجعلك تُغادر البيت عدة أيامٍ قبل الموعد وبرفقتك حُراس مُسلَّحين بينما ينتظرك عدد من وسائل النَّقل البديلة لنقلك في حال تعطَّلت سيارة الأجرة التي تستقلُّها، وما إلى ذلك من التَّجهيزات. لكن حتمًا، لا بُدَّ للمرء أن يضع في اعتباره التَّفضيلات النِّسبية للنتائج المُختلفة جنبًا إلى جنبٍ مع أرجحيَّة حدوثها.

إذن، يُمكننا أن نستعيض عن الأهداف باستخدام «دالَّة المنفعة» لوصف تفضيلات النتائج المُختلفة أو سلاسل الأوضاع. وغالبًا ما يُعبَّر عن منفعة سلسلةٍ ما من الأوضاع بمجموع «المُكافآت» لُكلِّ وضعٍ من أوضاع السِّلسلة. فإذا أعطيت الآلة غايةً ما وكانت الغاية مُعرَّفةً بدالَّة المنفعة أو المُكافأة، فإنها ستسعى لتنتهج سُلوكًا يُعزِّز من المنفعة المُتوقَّعة أو مجموع المكافآت المتوقَّع لها حسب مُتوسِّط النتائج المُحتملة وحساب أرجحيَّة حدوث كلٍّ منها. وهكذا يُعدُّ مجال الذكاء الاصطناعي الحديث جزئيًّا إعادة إحياءٍ لحُلم جون ماكارثي، مع استبدال المنافع والاحتمالات بالأهداف والمنطق.

في عام ١٨١٤، كتب عالم الرياضيات الفرنسي العظيم بيير سايمن لابلاس يقول: «نظرية الاحتمالات ما هي إلا اختزال البديهيات في معادلات التَّفاضل والتَّكامُل.»57 وظلَّ الحال كما هو حتى ثمانينيات القرن الماضي حين طُوِّرت لُغة رسمية عملية وخوارزميات للتفكير لاستخدامها في عُلُوم الاحتمالات. وكانت تلك هي لغة «الشَّبكات البايزيَّة»«ﺟ» التي قدَّمها جوديا بيرل. وعُمومًا، فالشَّبكات البايزيَّة ما هي إلا النظراء الاحتماليُّون لمنطق القضايا. وبالمثل، هناك أيضًا نظراء احتماليُّون للمنطق الإسنادي، بما في ذلك المنطق البايزي58 وعدد هائل من «لُغات البرمجة الاحتمالية».
جاءت تسمية «الشَّبكات البايزيَّة» و«المنطق البايزي» تيمُّنًا بالقسِّ البريطاني المُبجَّل تُومس بايز الذي نُشرت مُساهمته الخالدة في الفكر الحديث عام ١٧٦٣ بعد وفاته بوقتٍ قصير على يد صديقه ريتشارد برايس،59 والتي تُعرف الآن باسم «مُبرهنة بايز». تصف المُبرهنة، بصيغتها الحديثة التي قدَّمها بيير لابلاس، بطريقةٍ غاية في البساطة كيف يُمكن لاحتمالٍ «قبلي»؛ وهو الاعتقاد المبدئي الذي يتكوَّن لدى المرء فيما يتعلق بمجموعةٍ من الفرضيات المُحتملة، أن يُصبح احتمالًا «بعديًّا» كنتيجةٍ لمُلاحظة بعض الأدلَّة. وكُلَّما توافدت أدلَّة جديدة، يُصبح الاحتمال البعدي احتمالًا قبليًّا جديدًا، وهكذا يستمر تحديثُ عملية مُبرهنة بايز إلى ما لا نهاية. وتُعدُّ هذه العملية أساسًا جوهريًّا، حتى إن الفكرة الحديثة عن العقلانيَّة التي ترى أنَّها وسيلة لتعزيز المنفعة المُتوقَّعة تُسمَّى أحيانًا ﺑ «العقلانيَّة البايزيَّة». وهي تفترض أنَّ الكيان العقلاني لدَيه معرفة بتوزيع للاحتمالات البعديَّة للأوضاع الحاضرة المُحتملة وللافتراضات المُستقبلية، استنادًا إلى كل خبراته السابقة.
كما طوَّر الباحثون في مجالات أبحاث العمليات ونظرية التَّحكُّم والذكاء الاصطناعي أنواعًا مُختلفةً من الخوارزميات لاتِّخاذ القرارات في ظلِّ وجود الارتياب وعدم اليقين، والتي يعُود بعضها إلى خمسينيات القرن الماضي. وتلك الخوارزميات التي تُسمَّى خوارزميات «البرمجة الديناميكيَّة» هي النظراء الاحتماليُّون للبحث والتخطيط الاستباقي، ويُمكنها أن تُولِّد سُلُوكًا مثاليًّا أو قريبًا منه في جميع أنواع المشاكل العملية في المجال المالي وقطاع النَّقل والإمداد وغيرها من المجالات التي يلعب عدم اليقين فيها دورًا كبيرًا.«ﺟ» توضع الغاية في تلك الآلات في صيغة دالة مكافأة، ويكون الناتج عبارةً عن «سياسة» تُحدِّد التَّصرُّف المُلائم لكل وضعٍ مُحتملٍ قد يتعرَّض له الكيان.

أما بالنسبة إلى المشاكل المُعقَّدة مثل لُعبة الطاولة ولُعبة جو حيث عدد الأوضاع هائل والمُكافأة لا تُمنح إلا بنهاية المُباراة، فهُنا البحث الاستباقي لن يُجدي نفعًا. وعوضًا عن ذلك، طوَّر باحثو الذكاء الاصطناعي أسلُوبًا يُسمَّى «التَّعلُّم المُعزَّز». وتتعلَّم خوارزميات التَّعلُّم المُعزَّز من الخبرات المُباشرة لإشارات المُكافأة في البيئة المُحيطة، تمامًا كما يتعلَّم الطفل الرضيع الوقوف على قدميه من المكافأة الإيجابية لكونه يقف مُعتدلًا ومن المكافأة السَّلبيَّة للوقوع أرضًا. وكما في خوارزميات البرمجة الديناميكيَّة، تكون الغاية الموضُوعة في خوارزمية التَّعلُّم المُعزَّز هي دالَّة المكافأة، ثمَّ تتعلَّم الخوارزمية قاعدة لتقدير قيم الأوضاع (أو أحيانًا قيم التَّصرُّفات). وهذه القاعدة يُمكن الجمع بينها وبين البحث الاستباقي قصير المدي نسبيًّا لتوليد سُلوكٍ ذي كفاءةٍ عالية.

كان أول نظام تعلُّمٍ مُعزَّز ناجح، هو برنامج آرثر صامويل للُعبة الدَّامة، الذي أثار ضجَّةً حين عُرض على شاشات التلفزيون عام ١٩٥٦. تعلَّم هذا البرنامج اللُّعبة من الصِّفر باللَّعب ضدَّ نفسه ثمَّ مُلاحظة مكافآت الفوز والخسارة.60 وفي عام ١٩٩٢، طبَّق جيري تيزاورو الفكرة ذاتها وطوَّر برنامجًا للُعبة الطاولة، والذي حقَّق مُستوًى يُضاهي مستوى بطل العالم بعد ١٥٠٠٠٠٠ مُباراة.61 وفي بدايات عام ٢٠١٦، استخدم برنامج «ألفا جو» وما تلاه من إصدارات من تطوير شركة ديب مايند أسلُوب التَّعلُّم المُعزَّز واللَّعب ضد النَّفس ليتمكَّن من هزيمة أمهر اللاعبين البشريين في ألعاب «جو» والشطرنج والشُّوجي.
تستطيع خوارزميات التَّعلُّم المُعزَّز أيضًا أن تتخيَّر التَّصرُّفات استنادًا إلى مُدخلاتٍ إدراكيَّة أوَّليَّة. على سبيل المثال، تعلَّم نظام «دي كيو إن» التابع لشركة ديب مايند كيفية لعب تسعة وأربعين لُعبة فيديو «أتاري» مختلفة من الصِّفر، بما في ذلك ألعاب «بونج» و«فري واي» و«سبيس إنفيديرز».62 واستخدم فقط بكسلات الشاشة كمُدخلاتٍ، وعدد النقاط كإشارة مكافأة. وفي غالب الألعاب، تعلَّم نظام «دي كيو إن» أن يلعب أفضل من أيِّ لاعبٍ بشري مُحترف رُغم أنَّه ليس لديه أيُّ سابق معرفةٍ بالزَّمان أو المكان أو العناصر أو الحركة أو السرعة أو الرِّماية. ومن الصَّعب أن نُحاول فهم ما الذي يفعلُه هذا النظام، إلى جانب الفوز في الألعاب.

إذا علمنا أنَّ رضيعًا في يومه الأول على الأرض قد تعلَّم كيفية لعب العشرات من ألعاب الفيديو بمُستوًى يفوق القدرات البشرية، أو صار بطل العالم في لُعبة جو أو الشطرنج أو الشُّوجي، فقد نظُنُّ أنَّ روحًا شيطانيةً تتلبَّسُه، أو أنَّه كائن ذو عقلٍ فضائي. لكن تذكَّر أنَّ كل تلك المهام هي أبسط بكثيرٍ من العالم الواقعي؛ فهي يُمكن ملاحظتها ملاحظةً كاملة ولها إطار زمني قصير، كما أنَّ لها فضاءات وضعية صغيرةً نسبيًّا وقواعد سهلة ويُمكن التَّنبؤ بها. وإذا أرخينا أيًّا من تلك الشروط، فهذا يعني أنَّ الطرق القياسية ستفشل.

على الجانب الآخر، الأبحاث الحالية تهدف على وجه التحديد إلى تخطِّي الطرق القياسية لكي تُصبح نظم الذكاء الاصطناعي قادرةً على العمل في فئات أكبر من البيئات. وإليكم مثالًا: في اليوم الذي كتبتُ فيه الفقرة السابقة، أعلنت شركة أوبن إيه آي أن فريقها المُكوَّن من خمسة برامج ذكاءٍ اصطناعي تعلَّم كيف يهزم فرقًا بشريةً مُحنَّكة في لُعبة «دُوتا ٢». (ولمثلي من غير المُطَّلعين، فلُعبة «دُوتا ٢» هي نُسخة مُطوَّرة من لُعبة «الدِّفاع عن آثار القُدماء»، وهي لُعبة استراتيجية آنيةُ الاستجابة من عائلة لُعبة «وور كرافت». وهي الآن أكثر الألعاب الإلكترونية تنافُسيَّةً وربحًا؛ فهي تُقدِّم جوائز بملايين الدولارات.) تتطلَّب لُعبة «دُوتا ٢» عملًا جماعيًّا وتواصُلًا بين اللاعبين، وزمانًا ومكانًا شبه مُتواصلين. فالمُباريات قد تصل إلى عشرات الآلاف من الفترات الزَّمنية، ويبدو أنه لا بُدَّ من وجود قدرٍ من التَّنظيم التَّسلسُلي للسُّلوك. وصف بيل جيتس هذا الإعلان بأنَّه «قفزة كبيرة للأمام في مجال الذكاء الاصطناعي».63 وبعد عدة أشهرٍ، سحق إصدار مُحدَّث من البرنامج أمهر فريقٍ احترافي في العالم في لُعبة «دُوتا ٢».64
ألعاب مثل «جو» و«دُوتا ٢» تُعدُّ ساحة اختبارٍ مُمتازةٍ لأساليب التَّعلُّم المُعزَّز؛ لأنَّ دالة المكافأة تكون ضمن قواعد اللُّعبة. لكن العالم الواقعي أقل مُلاءمةً، وهناك العشرات من الحالات التي أدَّى التَّعريف الخاطئ للمكافآت إلى سلوكياتٍ غريبةٍ ومُفاجئة.65 بعض هذه الحالات هي أخطاء بريئة مثل نظام مُحاكاة التَّطور والذي كان من المُفترض أن يُوجد كائنات سريعة الحركة، لكنَّ المطاف انتهى به وقد أنشأ كائناتٍ طويلةً كالنَّخل وتتحرَّك بسرعةٍ عن طريق السَّقوط مرارًا وتكرارًا.66 وهناك حالات أخرى أقل براءةً مثل أدوات تحسين مُعدَّل النَّقر على منصات التواصل الاجتماعي التي يبدو أنَّها تُضرم نار الفوضى في عالمنا.
آخر فئة من فئات برامج الكيان سأتحدَّث عنها هي أبسطها؛ وهي تلك التي تصل الإدراك مُباشرةً بالتَّصرُّفات دون أي تداولٍ أو تفكير وسيط. نُسمِّي مثل هذا النوع من البرامج في مجال الذكاء الاصطناعي ﺑ «برنامج الاستجابة اللاإرادية»، في إشارةٍ إلى ردود الفعل العصبية اللاإرادية البسيطة في البشر والحيوانات، والتي لا يتخلَّلُها أي تفكير.67 ومثال ذلك هو استجابة «الرمش» التي تصلُ مُخرجات دوائر المُعالجة البسيطة في الجهاز البصري مُباشرةً بمنطقة العضلات التي تتحكم في حركة الجُفُون التي تكون على استعدادٍ إذا لاح طيف سريع مُقترب من العين في المجال البصري أن تُغمض بقوة. ويمكنك اختبار ذلك بنفسك الآن إذا حاولت (محاولةً بسيطةً) أن تُدخل إصبعك في إحدى عينيك. يُمكننا أن نُحوِّل نظام الاستجابة هذا إلى «قاعدةٍ» بسيطةٍ على النحو التالي:

إذا <لاح طيف سريع مُقترب في المجال البصري>، إذن <أغمض الجفنين>.

استجابة الرمش لا «تدري ما الذي تفعله»؛ فالغاية (حماية مُقلة العين من الأجسام الغريبة) لا تتجسَّد في أي مكان، وكذلك الحال بالنسبة للمعرفة (أيُّ طيفٍ سريعٍ يلُوح مُقتربًا يعني أنَّ جسمًا ما يقترب من العين، وأنَّ ذلك الجسم الذي يقترب من العين قد يضُرُّها). وهكذا فإنِّك عندما يُحاول الجانب الإرادي منك وضع قطرات في العين، فإنَّ الجزء اللاإرادي سيظلُّ يرمش ويُغمض الجفنين.

ومثال آخر لردِّ الفعل اللاإرادي هو «كبح الطَّوارئ»؛ عندما تتوقف السيارة التي أمامك فجأةً أو عندما يخطُو أحد المُشاة في الطريق. ليس من السَّهل أبدًا أن تُقرِّر بُسرعةٍ ما إذا كان استعمال المكابح ضرُوريًّا أم لا في تلك الحالة؛ في عام ٢٠١٨، عندما دهست سيارة اختبارية في وضع القيادة الذاتية أحد المُشاة، فسَّرت شركة أوبر الحادثة بأنَّ «إمكانية كبح الطوارئ لا تكون مُفعَّلةً حين تكون السيارة تحت تحكُّم الكمبيوتر؛ وذلك للتَّقليل من احتمال قيام المركبة بسلوك خاطئ.»68 في تلك الحالة، كانت غاية المُصمِّم البشري واضحةً وضوح الشَّمس؛ وهي: «لا تقتُل المُشاة»، لكنَّ سياسة الكيان (لو كانت فُعِّلت) نفذتها بطريقةٍ خاطئة. ونؤكِّد هنا مرة أخرى أنَّ الغاية لم تُمثَّل في الكيان؛ فلا تُوجد سيارة ذاتيةُ القيادة في يومِنا هذا تفهم أنَّ الناس لا يُحبِّذُون أن يُدهسُوا.
للأفعال اللاإرادية دور أيضًا في العديد من المهام الأكثر اعتياديَّة مثل البقاء في إحدى حارات الطَّريق؛ فإذا ما حدث وحادت السيارة قليلًا عن الموضع المثالي لها في حارةٍ ما، فإنَّ نظام تحكُّمٍ بسيطًا يُمكنه أن يُحرِّك المِقود حركةً خفيفةً في الاتجاه المُعاكس لتصحيح المسار. ومقدار تلك الحركة سيعتمد على قدر انحراف السيارة. وهذا النَّوع من نظم التَّحكُّم إنما يُصمَّم عادةً لتقليل خطأ التَّتبُّع المُتراكم بمُرُور الوقت. إن المُصمِّم يستنتج قاعدةً للتَّحكُّم، آخذًا في الاعتبار افتراضاتٍ مُعيَّنة حول السُّرعة المُقرَّرة ومدى تقوُّس الطريق، والتي تعمل على تنفيذ عملية التقليل هذه تقريبيًّا.69 وفي أجسادنا نظام مثل هذا يعمل طيلة الوقت وأنت واقف على قدميك، ولو حدث وتوقَّف ذلك النِّظام لخرَّ جسدك على الأرض في غضون ثوانٍ معدودة. وكما هو الحال بالنسبة إلى عملية الرمش، يكادُ يكون مستحيلًا أن تُوقف تلك الآلية عن العمل طواعيةً لينهار جسدُك على الأرض.

وهكذا فإن برامج الاستجابة اللاإرادية تُنفِّذ الغاية التي أودعها فيها المُصمِّم، لكنَّها في الوقت ذاته لا تعرف ماهيَّة تلك الغاية أو لماذا تتصرَّف على نحوٍ مُعيَّن. وهذا يعني أنَّها لا تستطيع اتِّخاذ القرارات بنفسها، بل يتَّخِذها شخص آخر نيابةً عنها ويُخطِّط لكل شيءٍ سلفًا؛ وهذا الشخص عادة ما يكون المُصمِّم البشري أو ربَّما يكون عملية التَّطور البيولوجي. من الصَّعب جدًّا أن تبني برنامجًا جيدًا من هذا النوع من خلال البرمجة اليدوية فقط، اللهم إلا لتنفيذ بعض المهام البسيطة جدًّا مثل لُعبة «إكس-أو» أو كبح الطَّوارئ. وحتى في تلك الحالات، يكون برنامج الاستجابة اللاإرادية جامدًا للغاية ولا يُمكنه تغيير سُلُوكه عندما تُشير الظُّروف إلى أنَّ السياسة التي طُبِّقت لم تعُد مُلائمة.

وإحدى الطَّرائق المُمكنة لبناء برنامج استجابة لا إرادية أكثر قوة هي عبر عملية للتَّعلُّم من الأمثلة.«د» وبدلًا من أن يُحدد المصمم البشري قاعدةً تُوضِّح للبرنامج كيف يتصرَّف أو يُزوِّده بهدفٍ أو دالة مُكافأة ما، فإنه يُمكنه أن يُغذِّيه بأمثلةٍ لمشاكل اتِّخاذ القرار، جنبًا إلى جنبٍ مع القرار الصحيح في كل مُشكلة. فمثلًا، يُمكننا أن نبني كيانًا يُترجِم من الفرنسية إلى الإنجليزية بتغذيته بأمثلةٍ لجُملٍ فرنسية جنبًا إلى جنبٍ مع الترجمة الإنجليزية الصحيحة. (لحُسن حظِّنا، يُصدر البرلمان الكندي وكذلك الخاص بالاتحاد الأوروبي الملايين من تلك الأمثلة سنويًّا.) بعد ذلك، تُعالج خوارزمية «تعلُّم مُوجَّه» الأمثلة لتُنتج قاعدةً مُعقَّدةً تأخذ أي جُملةٍ فرنسيةٍ كمدخلات فتُنتج ترجمةً لها بالإنجليزية. إن خوارزمية التَّعلُّم الرائدة حاليًّا في الترجمة الآلية هي ضرب من ضُرُوب ما يُسمَّى بالتَّعلُّم المُتعمِّق الذي يُنتج قاعدةً على هيئة شبكةٍ عصبونيةٍ اصطناعية بمئات الطَّبقات وملايين المعاملات.«د» أما خوارزميات التَّعلُّم المُتعمِّق الأخرى، فقد تبيَّن أنها بارعة جدًّا في تصنيف العناصر في الصور والتَّعرُّف على الكلمات في إشارة كلامية. وهكذا فإنَّ الترجمة الآلية وتمييز العناصر المرئية والتَّعرُّف على الكلام تُعدُّ ثلاثةً من أهم المجالات الفرعية في مجال الذكاء الاصطناعي، وهي السَّبب وراء الحماس الزَّائد والنَّظرة المُتفائلة إلى مُستقبل التَّعلُّم المُتعمِّق.
يُمكنُني أن أجزم جزمًا شبه قاطعٍ بأنَّ التَّعلُّم المُتعمِّق هو ما سيقُودنا مُباشرةً إلى بناء ذكاء اصطناعي يُضاهي ذكاء الإنسان. ووجهة نظري في هذا الشأن، والتي سأشرحها لاحقًا، هي أنَّ التَّعلُّم المُتعمِّق ينقُصُه الكثير حتى يُحقِّق المطلوب،«د» لكن لنصُبَّ تركيزنا الآن على معرفة كيف تُستخدَم مثل هذه الطرائق في إطار النمُوذج القياسي للذكاء الاصطناعي حيث يُمكن للخوارزميات أن تُحسِّن من غايةٍ مُحدَّدة. بالنسبة إلى التَّعلُّم المُتعمِّق أو في واقع الأمر أي خوارزمية تعلُّمٍ مُوجَّه أخرى، فإن «الغاية التي جعلنا الآلة تسعى إلى تحقيقها» عادةً ما تكون تعظيم دقَّة التنبؤات أو بالطبع التَّقليل من الخطأ. وهذا القدْرُ يبدو واضحًا جليًّا، لكن يُمكن فهمُه بطريقتَين مختلفتَين طبقًا لدور القاعدة المُتعلمة في النِّظام برُمَّته. الدَّور الأول هو دور إدراكي محض؛ تُعالج الشَّبكة المُدخلات الحسِّية ثمَّ تمُدُّ بقيَّة النظام بالمعلومات في صورة تقديراتٍ احتماليةٍ لما تُدركه. فلو كانت الشبكة مثلًا هي خوارزمية تمييزٍ للعناصر المرئية، فلرُبَّما كانت المعلومات المُقدَّمة منها هي: «احتمالية ٧٠ بالمائة أنَّ العنصر هو كلب من سلالة «نورفولك تيرير»، و٣٠ بالمائة أنَّه كلب من سلالة «نورويتش تيرير».»70 وعلى بقيَّة النظام أن يُقرِّر التَّصرف الخارجي استنادًا إلى تلك المعلومات. وهذا الهدف الإدراكي المحض لا يُمثِّل أدنى مُشكلةٍ إذا استوعبناه بالمعنى التالي: حتى النِّظام «الآمن» للذكاء الاصطناعي الخارق، في مقابل النِّظام «غير الآمن» المبني على أساس النمُوذج القياسي، يحتاج إلى وجود نظام إدراكٍ دقيقٍ ومعاير جيدًا قدر الإمكان.
تأتي المشكلة عندما ننتقل من الدَّور الإدراكي المحض إلى دور اتِّخاذ القرارات. فمثلًا، قد تُولِّد شبكة مُدرَّبة على تمييز العناصر المرئية تلقائيًّا تسمياتٍ للصور على موقعٍ من مواقع الإنترنت أو حسابٍ على منصَّةٍ من منصَّات التواصُل الاجتماعي. ولأنَّ نشر هذه التَّسميات يُعتبر تصرُّفًا له عواقبه، لذا تتطلَّبُ كُلُّ عملية توليدٍ للمُسمَّيات قرارًا تصنيفيًّا. وما لم تكُن نتيجةُ كُلِّ قرارٍ من تلك القرارات مضمونةً تمامًا، حينها يكون لزامًا على المُصمِّم البشري أن يضع «دالة خسارة» تُوضِّح تكلفة الخطأ في تصنيف أحد العناصر من النَّوع «أ» على أنَّه عنصر من النَّوع «ب». وهذا يُفسِّر كيف واجهت شركة جوجل مُشكلةً عويصةً مع الغُوريلات. ففي عام ٢٠١٥، نشر مهندسُ برمجياتٍ يُسمَّى جاكي ألسنا تغريدةً على موقع «تويتر» يشتكي فيها أنَّ إمكانية تسمية الصُّور في خدمة «صور جوجل» قد وضعت تسميةً لصورةٍ له ولصديقه على أنَّهُما غوريلتان.71 لا أحد يعرف كيف حدث مثل هذا الخطأ، لكن من شبه المُؤكَّد أنَّ خوارزمية جوجل لتعلم الآلة كانت مُصمَّمةً لتقليل دالَّة خسارةٍ مُحدَّدةٍ وثابتة. وفوق كلِّ هذا، فإنَّ تلك الدَّالة كانت تُعطي تكلفةً مُتساويةً لجميع الأخطاء. بعبارةٍ أخرى، إن تلك الدَّالة افترضت أنَّ تكلفة التَّصنيف الخطأ لشخصٍ على أنَّه غوريلا مثلُها كمثل تكلفة التَّصنيف الخطأ لكلبٍ من سُلالة «نورفولك تيرير» على أنَّه من سُلالة «نورويتش تيرير». ومن الجليِّ أنَّ تلك الدَّالة لم تكن دالة الخسارة الحقيقية لجوجل (أو مُستخدميها) كما تبيَّن من حجم الكارثة التي تسبَّبت بها على مُستوى العلاقات العامَّة.

وبما أنَّ هناك الآلاف من التَّسميات الممكنة للصُّور؛ فمن ثمَّ هناك الملايين من التَّكاليف الواضحة الخاصة بالتَّصنيف الخطأ لفئةٍ ما على أنَّها فئة أخرى. إن إيجاد كل تلك الأرقام وتحديدها مُقدَّمًا كان سيكون أمرًا غايةً في الصعُوبة على جوجل، حتى ولو حاولت فعله. لكنَّ الصَّواب هنا هو التَّسليم بعدم اليقين فيما يتعلَّق بالتكاليف الحقيقية للتَّصنيف الخطأ، والبدء بتصميم خوارزمية تعلُّمٍ وتصنيفٍ تكون ذات حساسيةٍ مُلائمةٍ للتَّكاليف وبعدم اليقين الذي يُحيط بها. مثل تلك الخوارزميات قد تسأل المُصمِّم البشريَّ في جوجل بين الفيْنة والفيْنة أسئلةً مثل: «أيهما أسوأ؛ التَّصنيف الخطأ لكلبٍ على أنَّه قطَّة، أم التَّصنيف الخطأ لإنسانٍ على أنَّه حيوان ما؟» بالإضافة إلى ذلك، قد ترفُض تلك الخوارزمية أن تضع أيَّ مُسمَّياتٍ لبعض الصُّور إذا وجدت أنَّ هناك قدرًا كبيرًا من الارتياب وعدم اليقين حول تكاليف التَّصنيف الخطأ.

في أوائل عام ٢٠١٨، تداول الناس أنَّ خدمة «صور جوجل» رفضت تصنيف صورةٍ لغوريلا. فرغم أنه أُعطي لها صورة غاية في الوضوح لغوريلا مع صغيرَين لها، فقد علَّقت قائلة: «امممم … لم أستطع أن أُميِّز هذه الصورة جيدًا بعد.»72

أنا لا أُريد أن أُلمِّح إلى أنَّ تبنِّي الذكاء الاصطناعي للنَّمُوذج القياسي كان اختيارًا سيئًا في ذلك الوقت؛ فقد بُذل قدر عظيم من العمل في تطوير العديد من النُّظم المنطقيَّة والاحتماليَّة والتعليميَّة المبنيَّة على ذلك النمُوذج. ونجد أنَّ العديد من النظم الناتجة هي فعلًا نُظُم مُفيدة؛ وكما سنرى في الفصل القادم، فما يزال هناك المزيد لنراه في المستقبل. على الجانب الآخر، فإنَّنا لا نستطيع أن نستمرَّ في اعتمادنا على أسلوب التَّجربة والخطأ لتحديد الأخطاء الجوهرية في دالة الغاية؛ فالآلات التي تزداد ذكاءً وتأثيرًا على مستوى العالم يومًا بعد يوم لن تسمح لنا بمثل هذه الرَّفاهية بعد الآن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤