الفصل الرابع

معبد إدفو وقيمته الأثرية

لا نزاع في أن معظم المعابد الفرعونية المنتشرة في أنحاء البلاد المصرية من الإسكندرية حتى الشلال الرابع قد أصبح معظمها الآن إما مشوَّهًا أو خرِبًا باستثناء معبد أبو سمبل الذي يُعدُّ درَّة في جبين الدهر الذي قاومه؛ ولا غرابة في ذلك فإنه قد نُحِت في الصخر الأصم.

والواقع أن معظم المعابد المصرية المبنية بالحجر قد أُعيد بناؤها، أو أضيف إليها أجزاء في العصور الفرعونية البحتة، وفي العهدين البطلمي والروماني، غير أن يد التخريب — كما قلنا — قد امتدت إليها جميعًا على كرِّ الأزمان، وتقلُّب الدهور، حتى أصبحت غير متناسقة في أجزائها الباقية، ومن ثَم أصبح من الصعب على الزائر الحديث العادي أن يتعرف على تصميمها الأصلي، أو أن يكوِّن لنفسه فكرة سليمة واضحة عن طبيعتها وحالتها التي كانت عليها عند إقامتها، يُضاف إلى ذلك أنه أصبح من العسير جدًّا على الفرد العادي أن يتصور كيف كانت تؤدَّى في هذه المعابد العبادات، وتُقام فيها الصلوات على حسب الطرق المصرية القديمة، والواقع أن حسن الحظ قد حفظ لنا معبدًا يكاد يكون كاملًا من كل الوجوه، ويسدُّ كل نقص تقريبًا نلحظه في المعابد الأخرى، وأعني به معبد «إدفو» الذي يُعدُّ أحدث المعابد المصرية التي أقيمت في أرض الكنانة على الطراز الفرعوني الأصيل.

وليس لدينا أي شك في أن كلًّا من معبد «إدفو» ومعبد «دندرة» يختلف عن معابد العصر الفرعوني بأنه محفوظ بدرجة كبيرة نسبيًّا، كما يمتاز بطبيعة نقوشه الكثيرة والرسوم والمناظر التي تغطي جدرانه، وتمتاز المتون التي على جدران هذين المعبدين بأنها مطوَّلة، وتغطي جدران حجراتهما تمامًا، ومما يلفت النظر أنه قد ذُكِر على جدران كل حجرة أو قاعة أو دهليز من مباني هذين المعبدين الاسم المميز لها بصورة واضحة، كما ذُكِر الغرض الذي خصصت له هذه الحجرة أو القاعة، يضاف إلى ذلك أنه قد نُقِش، فضلًا عن ذلك، ما في هذه الحجرات أو القاعات من زينة كما حُدِّدت كذلك مساحتها.

وتحتوي كل حجرة أو قاعة في العادة على متون إضافية نُقِشت على جدرانها كُرِّر فيها ذكر اسمها، هذا فضلًا عن أن هذه المتون تقدم لنا معلومات وافية عن الغرض الذي من أجلها أُقِيمت، وقد عُنِي الكهنة بوضع إيضاحات عدة حتى للزائر المعتاد الذي يعرف أسرار اللغة المصرية القديمة؛ من ذلك أن اسم كل باب قد نُقِش عليه، كما نقشت كذلك على كل باب متونٌ توضح في أي وقت كان يُستَعمل، ولأي غرض أُقِيم، ولدينا فضلًا عن ذلك سلسلة متون تشرح لنا الأعياد التي كان يُحفَل بها في المعبد في كل سنة، كما تذكر لنا تاريخ الأحفال الخاصة بكل عيد، وعدد أيام الاحتفال به، وأحيانًا تقدم لنا هذه النقوش ملخصًا عن الأحفال التي كانت تُقام في المعبد.

وهذا الكنز العظيم من الوثائق الموضحة والمفسرة في أغلب الأحيان بمناظر محفوظة لنا حتى الآن حفظًا جيدًا إلى حدٍّ بعيد نسبيًّا إذا ما قرنت بمتون معابد أخرى؛ يساعدنا على أن نصف ماهية كل جزء من أجزاء المعبد من أصغر مقصورة فيه إلى أكبر قاعة أو ردهة، وكذلك ما فيه من نافورات المياه إلى البوابات والمسلات الشاهقة.١

وليس من العسير علينا بما لدينا من نقوش أن نعيد تأثيث بعض حجرات المعبد، وإعدادها كما كانت عليه، كما أنه من المستطاع أن نحدد كيف وأين كانت تُجهَّز القرابين التي كانت تقدَّم في المعبد في الأيام العادية وفي الأعياد، كما يمكن كذلك تحديد الأبواب التي كان يدخل منها الناس والكهنة إلى المعبد، وكذلك يمكن تعقُّب ترتيب الشعائر والطرق التي كانت تسير فيها المواكب العظيمة الإلهية، وأخيرًا يمكن معرفة ماذا كان مصير القرابين الضخمة التي كانت تُقدَّم في المعبد بعد انتهاء إقامة الشعائر والاحتفال بالأعياد.

هذا، ولا يفوتنا أن نذكر هنا حقيقةً هامةً لا بد من الإدلاء بها في هذا البحث، وهي أن هذه المتون المنقوشة على جدران هذه المعابد كانت بوجه عام — على الرغم من حداثة عهدها — ترتكز على تقاليد قديمة مأخوذة عنها، كما هي عادة المصري بالتمسك بالقديم، وبخاصة في المسائل الدينية، يُضاف إلى ذلك أن المتون التي على جدران هذه المعابد ترجع من جهة مفرداتها في غالبها إلى العهود الأولى من الحضارة المصرية القديمة، ومن أجل ذلك فإنه لو اعتُني بفحصها فحصًا علميًّا دقيقًا لمدتنا بمعلومات أصيلة منقطعة القرين عن الشعائر الدينية المصرية التي كانت في معابد الفراعنة، وهي التي لم نعثر عليها فيما بقي لنا من النقوش التي أبقت عليها عوادي الدهر في معابد الدول القديمة، والوسطى، والحديثة، والعصر المتأخر من تاريخ أرض الكنانة.

وعلى أية حال فإن معبد «إدفو» الذي وضع أساسه «بطليموس الثالث» الذي كان على ما يظهر مهتمًّا بالمسائل الدينية المصرية إلى حدٍّ بعيد، يحتل مكانة فريدة في بابها بين كل المعابد المصرية القائمة في وادي النيل حتى يومنا هذا، ولا غرابة في ذلك فهو المعبد الوحيد الذي ظلَّ محفوظًا لنا نسبيًّا، وإن كانت بعض أجزائه المكملة لا تزال مدفونة تحت مباني بلدة «إدفو» الحالية تنتظر من يميط اللِّثام عنها حتى يصبح بعد ذلك معبد «إدفو» أعظم معبد في العالم المصري من حيث الروعة والجلال والكمال والفائدة العلمية.

أُقِيم معبد «إدفو» في مدة قصيرة من الزمن إذا ما قُرِن بغيره من المعابد الأخرى، ويظهر لنا الآن على ما هو عليه وحدة كاملة؛ إذ لم تمتد إليه يد التخريب بصورة بينة في خلال الألفي سنة التي مضت على اليوم الذي وضع فيه أساسه.

والمعبد الأصلي لا يزال سليمًا؛ فسقفه لم يُمَسَّ بسوء، وأعمدته لا تزال قائمة في أماكنها، أما المسلتان اللتان كانتا منصوبتين أمامه عند المدخل كما هي العادة في كل المعابد المصرية الكبيرة، وكذلك بعض المقصورات التي كانت مقامة على سطحه فإنها اختفت، في حين أن البحيرة المقدسة التي كانت تُحفَر في كل معبد، وكذلك مخازن المعبد ومذابحه والمباني الأخرى الخاصة بالإدارة، فإن جيمع ذلك — كما نوَّهنا من قبل — لا يزال مدفونًا تمامًا تحت منازل إدفو الحديثة الواقعة شرقي المعبد.

ومن كل ما سبق سرده نفهم أن معبد «إدفو» يمكن أن يقدم لنا أحسن فرصة ممكنة حتى الآن لدرس المعبد المصري كما كان في العهد الفرعوني من كل الوجوه، وكذلك يمكن للباحث بوساطته درس النشاط الديني المنوع الذي كان يُجرَى بين جدرانه يوميًّا طوال العام.

ولما كان عهد البطالمة يعدُّ في نظر الكهنة المصريين عهدًا فرعونيًّا خالصًا، وأن الاستعمار الإغريقي لم يكن له أي تأثير على عبادتهم، بل على العكس قد أثرت المعتقدات المصرية في العقائد الإغريقية، فإن ما نقشه هؤلاء الكهنة على جدران هذا المعبد وغيره من معابد القطر في عصر البطالمة يُعدُّ صورةً طبق الأصل من الشعائر والمعتقدات المصرية التي تضرب بأعراقها إلى أقدم العهود الفرعونية؛ ومن أجل ذلك يجدر بنا أن نقدم موجزًا مختصرًا جدًّا عن العبادات اليومية التي كانت تُقام فيه، ونصف بعض الأعياد السنوية التي كان يُحتَفل بها في هذا المكان المقدس، والمقصود هنا وصف الشعائر الدينية بكل اختصار، كما جاء ذكرها في النقوش على جدران هذا المعبد، وقد أفاض في وصفها الأثري «الليو» في كتابه «العبادة» كما أشرنا إلى ذلك من قبل، ومن أراد المزيد فليرجع إلى هذا السِّفر الجليل٢ الذي اعتمدنا عليه كثيرًا في بحث موضوعنا هذا.

(١) تاريخ بناء معبد إدفو

تدل نقوش معبد «إدفو» على أنه كان قد أُهدِي للإله «حور بحدتي» وهو صقر مقدس يمثَّل عادة في صورة إنسان برأس صقر، ويحتوي معبد «إدفو» على تمثال لهذا الإله بهذه الصورة، كما يحتوي على تماثيل تصوره في صورة صقر وحسب.

ومما يسترعي النظر أنه كان يُوجَد بجوار المعبد محراب للصقر المقدس يسكن فيه ويحكم لمدة سنة، وهذا الصقر كان طائرًا حيًّا يُنتَخب سنويًّا ويتوَّج، وكان يوم انتخابه وتتويجه يُعَد عيدًا من أعظم الأعياد السنوية كما سنذكر ذلك بعد.

وتشمل أطوار بناء معبد «إدفو» ثلاث مراحل؛ الأولى: مرحلة المبنى الأصلي، وهي نواة المعبد، وتُعَد بذاتها معبدًا كاملًا، وتشمل قاعة عمد، وقاعتين أخريين، ومحراب، وعدة حجرات جانبية، وقد بدأ «بطليموس» الثالث بناءه في عام ٢٣٧ق.م وبعد مضي ٢٥ عامًا كان قد تمَّ البناء الرئيسي، وقد وُضِع آخر حجر في بنائه في ١٧ أغسطس سنة ٢١٢ق.م؛ أي في السنة العاشرة من عهد «بطليموس الرابع فيلوباتور». أما تزيين الجدران بالمناظر والنقوش فقد أُنجِزت في ست سنوات، وانتهى العمل منها في عام ٢٠٧ق.م وفي نفس السنة رُكِّب الباب الكبير في مكانه، وبعد ذلك قامت ثورة في الوجه القبلي لم تخمد نارها إلا في السنة التاسعة عشرة من حكم «بطليموس الخامس» «إبيفانيس».

وعندما عادت السكينة إلى البلاد استمر العمل في المعبد، وفي اليوم الثالث من فبراير سنة ١٧٦ق.م؛ أي في السنة الخامسة من عهد «بطليموس السابع» (فيلومتور) رُكِّبت أبواب المعبد، ولوازم أخرى في أماكنها. أما تلوين المناظر، والنقوش، وتزيين بعض الجدران بصفائح من الذهب، وتأثيث المعبد فقد تمَّ في السنين القليلة التي تلت ذلك.

وفي ١٠ سبتمبر عام ١٤٢ق.م؛ أي في السنة الثامنة عشرة من عهد «بطليموس التاسع إيرجيتيس الثاني» احتُفل بافتتاح المعبد بأعياد وأفراح، وعلى أية حال فإن قاعة العُمُد الصغيرة لم تكن قد تمَّت إلا بعد عامين من هذا التاريخ؛ أي في ٢ يوليو سنة ١٤٠ق.م، وعلى ذلك فإن بناء المعبد وتزيينه استغرق حوالي ٩٧ عامًا بما في ذلك فترات إيقاف العمل الطويلة التي سببتها الثورات وغيرها. أما قاعة العُمُد والردهة الأمامية والبوابات فلم يكن قد بُدئ فيها، وقد تمَّ بناء قاعة العُمُد في ٥ سبتمبر عام ١٢٢ق.م؛ أي في السنة السادسة والأربعين من حكم بطليموس التاسع، أما الردهة الأمامية فقد أُقيمت بعد ذلك ببضع سنوات.

وأخيرًا تم إقامة البوابات، وتركيب الأبواب الكبيرة للمدخل في ٥ ديسمبر عام ٥٧ق.م؛ أي في السنة الخامسة والعشرين من عهد بطليموس «نيوس ديوسس» الثاني عشر،٣ وهكذا نرى أن المعبد كان قد تمَّ في الوقت الذي جاء فيه «يوليوس قيصر» لفتح بريطانيا، وعندما أخذ نجمُ الإمبراطورية الرومانية يعلو ويسطع في كل العالم. كما نرى أن مدة إقامة معبد إدفو كله قد استغرقت نحو مائة وثمانين سنة تخللتها بعض فترات عُطِّل فيها العمل.

ويقع معبد إدفو الهائل داخل سور شاسع يحيط به جدار سميك من اللبنات، وبابه الرئيسي يقع في الجهة الجنوبية بانحراف بسيط نحو الغرب من المحور الرئيسي للمعبد، ولا يمكن الإنسان الآن معرفة مقدار الامتداد الحقيقي لهذا السور؛ لأن الجدران القائمة حتى يومنا هذا — وهي المصنوعة من اللبنات — قد اختفى جزء كبير منها تحت بلدة إدفو الحالية، وعلى أية حال تحدِّثنا النقوش الباقية على أنه كانت تقع في هذا الجزء المدفون بُحيَرة المعبد المقدسة، ومذبح المعبد، ومطابخه، ومخازنه، وحظائر ماشيته، ودواجنه، وطيوره التي كانت من كل نوع، والمظنون أنه كانت توجد هناك الخمائل المقدسة التي كانت تربَّى فيها الصقور المقدسة، هذا بالإضافة إلى الأدوات الخاصة بالمعبد، ويُحتَمل كذلك أن بعض مساكن الكهنة كانت قائمة في هذه البقعة المباركة.

ويقع خارج حرم المعبد مباشرة في الغرب من المدخل الرئيسي وعلى زاوية مستقيمة؛ المعبد المسمى «بيت الولادة» (مميزى)، ولا بد أن هذا المبنى كان يواجه من الشرق معبد الصقر المقدس الذي اختفت كل معالمه الآن إلا قاعدة مائدة قربان، وأخيرًا يقع على بعض مسافة من الغرب أو الجنوب الغربي ما يُسمَّى بالمعبد العلوي، ومباني أخرى غير معروف أصلها، والظاهر أنها قد لعبت دورًا هامًّا في الأحفال الخاصة بعِيدَي الزواج المقدس، وعيد «بحدتي» وسنتحدث عنهما فيما بعد، ولا يزال موقع المعبد العلوي هذا مجهولًا.

واتجاه معبد إدفو هو من الجنوب إلى الشمال، وكان مقامًا أمام كل جناح من جناحي بوابته أو صَرْحَيه صاريان ومسلة كما هي العادة في المعابد المصرية، غير أن هذه قد اختفت الآن، وكان يوجد كذلك فوق الباب الرئيسي A وبين جناحي البوابة شرفة الصقر التي كان يصل إليها الإنسان من الردهة الأمامية (١) بسلم يقع في الجناح الشرقي للبوابة.

وردهة المعبد الأمامية شاسعة، ومكشوفة، ذات عُمُد يبلغ عددها اثنين وثلاثين عمودًا مقامة في جنوبها وفي شرقها وغربها، ولها بابان في كلٍّ من جداريها الشرقي والغربي.

وأهم هذه الأبواب الأربعة وأكبرها الباب الذي في الجنوب الشرقي B،٤ وكانت تدخل منه الإلهة «حتحور» إلى المعبد عند وصولها من دندرة إلى إدفو عند بداية عيد الزواج المقدس، وذلك بعد أن تكون قد اجتازت حرم المعبد من باب في الجزء المدفون الآن من السور الشرقي.٥
fig12
شكل ٤-١: معبد إدفو.

والأسماء المتداولة الاستعمال لهذه الردهة الأمامية كما جاء في النقوش هي: (أ) ردهة القربان. (ب) ردهة البوابة. (ﺟ) ردهة الطهور. ولا بد أنه كانت توجد مائدة قربان في هذه الردهة غير أن كل معالمها قد اختفت، وكانت العادة أن تُحرَق قربات كثيرة في هذه الردهة عند الاحتفال بعيد السنة الجديدة، ومن المحتمل كذلك أن القربات كانت تُحرَق في مناسبات أخرى، وقد ذُكِر كثيرًا أن قربات كانت تقدم للإله رع ثلاث مرات يوميًّا، والظاهر أن هذه القربات كانت تقرب في أعياد خاصة بالصلوات الثلاث اليومية التي كانت تقام في المحراب.

(٢) قاعة العُمُد الخارجية

وتقع قاعة العُمُد الخارجية (٢) لهذا المعبد في شمالي الردهة الأمامية، وتسمى هذه القاعة: «القاعة الأمامية» أو «الردهة العظيمة» كما جاء في النقوش، وهذه القاعة كانت أعلى قاعة عن سائر قاعات المعبد، كما كانت أوسعها، وتقع في الجزء الشمالي من المعبد، وتحتوي على اثني عشر عمودًا عظيمة، ويحتوي جدارها الجنوبي على حائط ساتر يبلغ ارتفاعه كارتفاع نصف القاعة تقريبًا، ويُشاهَد في هذا الجدار ثلاثة عُمُد داخلة في الجدار على جانبي المدخل … وتتمتع هذه القاعة خلافًا لسائر أجزاء المعبد بإضاءة حسنة، ويُرى في الجدار الشرقي لهذه القاعة باب للخدم، وقد أُقِيمت مقصورتان صغيرتان مرتكزتان على جدارها الجنوبي، ومن ثَم يُشاهد في غربي الباب الرئيسي من هذه القاعة «بيت الصباح» (٣) وهو خاص بتطهير الملك قبل تأدية الشعائر؛ وفي شرقي الباب يوجد بيت الكتب (٤) وهو مكتبة صغيرة للمعبد تحتوي على نخبة من الكتب اللازمة لإقامة الشعائر، وكان يشرف على هذه الكتب كاهن مرتل يؤدي ما عليه من واجبات طوال اليوم.

(٣) البناء الأصلي للمعبد وأجزاؤه

ويُشاهَد البناء الأصلي للمعبد الذي يُعتَبر نواته خلف الردهة العظيمة. فيرى الزائر:

أولًا: قاعة عُمُد (٥) تسمى (أ)٦ الفناء العظيم أو (ب)٧ قاعة العُمُد العظيمة، وأحيانًا تسمى (ﺟ)٨ فناء العيد.
ويوجد في الركن الشمالي الغربي لهذه القاعة المعمل (٦) الذي كان يُجهَّز فيه البخور والعطور، وفي الجنوب منها توجد حجرة النيل (٧) التي في جدارها الغربي حجرة استقبال وباب C يؤدي إلى الممر العام، ومن هذا الباب كانت تدخل القربات اليومية إلى المعبد، وعلى الجانب الشرقي لهذه القاعة مدخل مؤدي إلى السلم الحلزوني D الذي يُصعَد منه إلى سطح المعبد، ويوجد ممر E في الجدار الشرقي كانت تدخل منه القربات اليومية، وفي جنوبي هذا الممر خزانة المعبد (٨) وهي التي كان يُحفظ فيها الأدوات الثمينة، وأواني المعبد.
وخلف قاعة العُمُد الداخلية السالفة الذكر توجد قاعة القربان٩ (٩) ويوجد في غربها قاعة الانتظار المؤدية إلى السلم الغربي (١٠)، وفي شرقها يوجد المدخل الرئيسي المؤدي إلى الطريق الشرقية الحلزونية F، وفي الشمال تقع القاعة الوسطى١٠ وهي المكان الذي يرتاح فيه الآلهة، وتسمى كذلك قاعة التاسوع١١ (١١) حيث توجد المحاريب الخفيفة الحمل الخاصة بآلهة المعبد، ويوجد في غربها مقصورة الإله١٢ «مين» (١٢)، ويُشاهد في شرقي الحجرة الوسطى باب يؤدي إلى حجرتين تقومان بدور هام في عالم المعبد. فالحجرة التي في أقصى الجنوب تسمى حجرة مائدة الطعام١٣ (١٣) وهي مفتوحة الأسقف، وجدارها الشمالي يقوم مقام واجهة حجرة خاصة على ارتفاع بسيط وتسمى «حجرة المكان الطاهر»١٤ (١٤) وكان يُحتَفل في هاتين الحجرتين ببعض الشعائر الأولى لعيد الملابس، وعيد السنة الجديدة.
أما الجدار الشمالي للقاعة الوسطى ففيه واجهة المحراب، وأبواب الدهليز الذي يحيط به، والمحراب أو قدس الأقداس (١٥)، وهو الذي يُسمَّى العرش العظيم١٥ فهو في الواقع عبارة عن مقصورة مستطيلة تمامًا، ومسقوفة، ولا يصل إليها نور خارجي، وهي داخل إطار كبير في المعبد، وأهم محتوياتها ناووس كبير من الجرانيت الأسود لا يزال موجودًا هناك، وكان في الأصل يحتوي على صور العبادة، وعلى الناووسين الخفيفي الحمل اللذين في صورة قاربين، وكان واحد منهما مخصصًا لتمثال «حور»، والآخر للإلهة «حتحور»، وكانا يُستَخدمان في بعض المواكب.
هذا، وكان يُحتَفل في المحراب بالصلوات اليومية، ويحيط بالمحراب سلسلة مقاصير صغيرة مفصولة عنه بدهليز، وأول هذه المقاصير وأهمها مقصورة تسمى مسن (١٦) أو «قصر الشجاعة»١٦ أو «لذيذة السكنى»، وتقع على محور المعبد خلف «قدس الأقداس» مباشرة، وهذه الحجرة تحتوي على ناووس من الجرانيت الأسود وُضِع فيه محرابان صغيران يحتوي كل منهما على تمثال واحد للإله حور في هيئة صقر، والآخر يحتوي على تمثال للإلهة «حتحور»، وبالقرب من هذين الناووسين كان يوجد تمثال يمثل الإله حور في صورة أخرى من أشكاله وهي «حور الذهبي». يضاف إلى ذلك أنه كانت تُحفَظ في هذه الحجرة حربتان للإله حور.١٧
وتقع في غربي قاعة «مسن» أو «قاعة الشجاعة» القاعة التي تسمى «كربت»؛١٨ (١٧) وهي عبارة عن كهف تحت رقعة المعبد، ولها ملحق يدعى قصر الأمير١٩ (١٨) وهاتان الحجرتان بالإضافة إلى الحجرة الأولى التي على الجانب الغربي من الدهليز، وهي الحجرة الخاصة بالكربت (١٩) كانت متصلة بوجه خاص بعبادة الإله أوزير وأسراره.٢٠
وفي الجنوب تقع الحجرة التي تسمى عرش الآلهة (٢٠)٢١ وحجرة قصر الملابس (٢١) وتحتوي على السجل الإقليمي والواردات من النسيج الملون والعطور التي كان يُحتاج إليها في المعبد لإقامة الشعائر.

ويقع في شرق حجرة «مسن» الحجرة التي تسمى قصر الساق (٢٢) وهي التي خُصِّصت للإله «خنسو»، وكذلك ملحقها الذي يسمى «مقصورة حتحور» (٢٣).

وفي الجنوب من هاتين الحجرتين السابقتين الحجرة المسماة «عرش رع» (٢٤) وكان المفروض أن الإله «رع» يرتاح في هذه الحجرة التي كان يُحتَفل فيها كذلك بصلاة المغرب، وأخيرًا الحجرة المسماة حجرة العرش (٢٥).

وكان يصل الزائر إلى سطح المعبد بسلمين؛ فكان الموكب الخاص بالأعياد السنوية يتخذ سبيله إلى السطح من السلم الشرقي الحلزوني F ويسير على طول الجانب الشرقي من السطح إلى أن يصل إلى جوسق صغير يُدعَى «مكان العيد الأول»،٢٢ وكان في الأصل مقامًا في الركن الشمالي الشرقي للسقف، وهذا البناء قد اختفى الآن؛ ولكن لا بد أنه كان يشبه الجوسق الذي يحمل نفس الاسم، وهو الذي لا يزال موجودًا على سطح معبد «دندرة»٢٣ وكان للجوسق بابان؛ فالرئيسي منهما يقع في الجهة الجنوبية، والآخر — وهو الأصغر — يقع في الجهة الغربية، ومن هذا الباب يسلك الموكب طريقه إلى السلم النازل الذي كان يبتدئ عند الركن الشمالي الغربي من السطح، ويُلحَظ أن السطح، وبوجه خاص «مكان العيد الأول»، كان هو الموقع الذي تُقام فيه أهم الشعائر للسنة الجديدة والأخيرة.

وكان المعبد محاطًا بجدار مبني بأحجار ضخمة تفصله عن باقي حرم المعبد، وعندما يبتدئ الإنسان سَيْره من بوابة المعبد يلحظ أن الجدار أولًا يكوِّن الحائطين الشرقي والغربي للردهة الأمامية، ولكن نجد من واجهة قاعة العُمُد شمالًا أن هذا الجدار يؤلف الحائط الخارجي «للممر الطاهر» الذي يحيط بالمعبد.

وهذا الممر الطاهر أو الممشى كان من أقدس أجزاء حرم المعبد، وكان يُعتَبر الطريق التي تمر فيها المواكب الدينية، وبخاصة عيد الإله «سوكاريس»، وكانت هناك أبواب من الشرق والغرب لمنع غير رجال الدين من الدخول؛ ففي الجدار الشرقي من «الممر الطاهر» كان يوجد بابان؛ فالأول: في أقصى الشمال C ويؤدي إلى ممر حُفِر تحت أساس الجدار نفسه، ويفضي إلى البئر المقدسة التي كان يُمنَح منها الماء الطاهر اللازم لصلاة المعبد، والباب الثاني H: ويقع جنوب الباب الأول، ويؤدي إلى الأجزاء المدفونة الآن من حرم المعبد، وهي التي تحت البلد الحديثة، وكان يُجلَب بوساطته كل الطعام والقربات اللازمة لخدمة المعبد، وكذلك كان يدخل منه موظفو المعبد بوجه عام، وذلك بعد تطهير أنفسهم في البحيرة المقدسة استعدادًا لتأدية ما فُرِض عليهم في المعبد، وأخيرًا كانت تُؤخَذ من هذا الباب كذلك القربات إلى خارج المعبد بعد الصلاة، وبعد أخذ الكهنة أنصبتهم منها.

وإذا استثنينا قاعة مائدة القربان (١٣) وكذلك الفتحتين اللتين في قاعة العمد الكبرى فإنا نجد أن المعبد كان عاريًا عن أي ضوء يأتي إليه من الخارج إلا الضوء الذي كان يتسلل من الباب الذي يقع بين قاعتي العمد الداخلية والخارجية عندما يُفتَح، وعلى ذلك فإن الأجزاء الداخلية جدًّا من المعبد كانت في ظلام دامس، ولا نزاع في أن ضوء المشاعل التي كانت تُستَخدم أثناء تأدية الشعائر، وهو يتحرك على نقوش المعبد البراقة، وعلى المناظر المطلية بالذهب، وهي التي كانت على الأبواب والمحاريب، وعلى أدوات العبادة؛ قد زاد في الحس بالرهبة والعظمة والجلال التي كانت تغمر المعبد.

وهذا الشعور بالرهبة الخفية كان يعْظُم ويتجلَّى كلما تقدم الإنسان في سيره من قاعة إلى قاعة مخترقًا المعبد؛ إذ إن مستوى رقعة المعبد يرتفع شيئًا فشيئًا، كما كان في الوقت نفسه ينخفض مستوى السقف شيئًا فشيئًا، وهكذا كان المعبد معدًّا لإقامة الأحفال العدة التي تُقام فيه، وبديهي أن تأسيس معبد كهذا كان مصحوبًا بأحفال دقيقة محكمة، وقد حُفِظت لنا حتى الآن سلسلة أحفال خاصة بتأسيس معابد بصورة مفصلة كانت تقام في المعبد، غير أن المقام يضيق عن حصرها هنا، وعلى أية حال فإنه عندما كان يتم كل شيء في المعبد كان يُهدَى ويتسلمه سيده،٢٤ ومن حسن الحظ أن الأيام قد أبقت لنا على رواية مختصرة عن شعيرة «إدفو» الخاصة بتقديم المعبد لربه،٢٥ وهذا الاحتفال كان يجمع بين شعيرة فتح الفم والشعيرة اليومية التي كانت تُقام في المعبد، وهما في أصليهما موحدتان، ومن المحتمل أن تماثيل «حور» والآلهة الموجودة معه في المعبد كانت تُجمَع في إحدى قاعات المعبد، ومن الجائز أنها كانت قاعة العُمُد الخارجية.

والأحفال التي كانت تُقام في المعبد يمكن تلخيصها بسهولة في خمسة رءوس؛ أولًا: كانت التماثيل تُطهَّر بالغسل والتبخير، وذلك بتقديم قطع من النطرون والبخور لأجل تطهير أفواهها، وبعد ذلك كانت تُفتَح أفواه التماثيل وأعينها، وذلك باستعمال آلات منوعة؛ ثم يتلو ذلك عملية إلباس التماثيل، وكانت تحتاج إلى دقة؛ إذ كانت تُعطَّر وتحلَّى بلباس رأس من نسيج يحتوي على أربعة الألوان المخصصة لذلك، وكذلك الشارة المناسبة، وبعد الفراغ من إلباس التماثيل كانت تُقدَّم أمامها وجبة، ويُلحَظ أنه في شعيرة فتح الفم كانت هذه الوجبة تُعدُّ في نهاية الأحفال، ولكن في أحفال تقديم المعبد في «إدفو» كان يأتي بعد الوجبة حفل فتح الفم ثانية، ويظهر أنه عند هذه النقطة كان الكهنة يزورون كل قاعة، وكل مقصورة في المعبد، ويبخرونها، ويرشُّونها بالماء، ويفتحون فم المناظر المصورة كأنها مخلوقات.

وكان المقصود من هذا العمل الأخير أن التماثيل لم تكن وحدها هي التي أصبحت حية نشطة وحسب، بل كان كل المعبد بما فيه من رسوم لا بد أن يصبح حيًّا نشطًا أيضًا، ومن ثم يمكن للآلهة أن تكون الآن حاضرة كما تريد في صورها الطاهرة على المناظر، وتكون كل الأشياء الجامدة المصورة في المعبد قد أصبحت حقيقة بما تمثله من طعام وأوانٍ وقربات نباتية، وما أشبه ذلك،٢٦ وعند هذه النقطة كان ينتهي الاحتفال، وبعد ذلك كانت تُعاد التماثيل بحفل إلى مقرها، ثم تقدم وجبة خاصة للكهنة وللعمال الذين اشتركوا في بناء المعبد وزخرفته، وكان حفل الإهداء يُكرَّر سنويًّا، ومن ثَم كان المعبد يُعاد بناؤه سنة فسنة، كما كانت تُجدَّد حياته بالكيفية السابقة كل سنة، ومما يؤسف له أنه في «إدفو» لم يذكر لنا بوضوح إعادة هذا الإهداء سنويًّا أبدًا، ولكن ما لدينا من أدلة من الأزمنة المبكرة يوحي بأنه من المحتمل جدًّا أنه كان يحتفل به في عيد أول يوم في السنة الجديدة.٢٧

وهكذا نرى أن المعبد كان قد بُنِي الآن، وقدِّس، وملئ بالحياة، وبعد ذلك يتساءل المرء عن أوجه النشاط التي كانت تحدث في داخله، وكذلك يتساءل عن الصلوات والأعياد التي كان يُحتَفل بها في طوال العام كله في بيت الإله؟

والجواب على ذلك هو أن الأحفال التي كانت تؤدَّى في المعبد في الأصل هي من نوعين: فمن جهة، لدينا الشعيرة اليومية وتشمل ثلاث صلوات رئيسية في داخل المعبد، ومن جهة أخرى لدينا أعياد التقويم السنوي، وهي أعياد عظيمة تختلف مدة إقامتها، وكانت تُقام في تواريخ مختلفة خلال العام.

وكانت الأحفال الأولى؛ أي اليومية التي تقام في داخل المعبد يحفل بها عدد معين من الكهنة أما غير الكهنة وعامة الشعب فلم يكن لهم شأن في إقامتها. أما الأحفال الأخرى، فكانت تقام في هيئة مواكب فخمة بهيجة تستعرض فيها دائمًا التماثيل الإلهية، وكانت تقام أحيانًا في داخل المعبد فقط، ولا يُسمَح للشعب الاشتراك فيها، وأحيانًا تُقام داخل حرم المعبد، وفي هذه الحالة كان الشعب يشترك فيها أحيانًا إلى حدٍّ ما، وفي حالات أخرى كانت هذه المواكب تتهادى إلى معابد أخرى خارج حرم المعبد، وحينئذٍ كان أفراد الشعب — بطبيعة الحال — يمكنهم أن يروها ويسيروا في ركابها إلا في الشعائر الخاصة المقدسة فكان لا يشترك فيها العامة، ويُقْتَصر فيها على رجال الدين.

(٤) الصلوات التي تقام في المعبد

وقد قدم لنا الأثري «الليو» في بحثه العظيم عن أعياد حور في «إدفو» صورة تامة رائعة عن الصلوات اليومية التي تُقام في المعبد مُدعَّمة بالمصادر كما أشرنا إلى ذلك من قبل.٢٨

والخطوط العريضة الرئيسية لتصوير هذه الصلوات — كما يقول «فرمان» — صحيحة تمامًا، وإن كانت بعض التفاصيل الهامة لم تُدعَم فيها آراؤه بالمتون.

ويتحدث «الليو» عن صلوات وأعياد «قياسية» ويشير بكلمة قياسية لكل الصلوات التي تُقام في المحراب، وهي الشعائر اليومية، وإلى صورة أشد إحكامًا يسميها صلاة شرعية في المحراب (أي فريضة مشروعة)، ويُعتَبر هذا الطراز الأخير من الصلوات خاصًّا بالأعياد القمرية الخمسة، والأعياد الخاصة بثلاثة الأسابيع للشهر الشمسي (الأسبوع عشرة أيام)، والفرق بين هذه الأعياد والصلوات اليومية العادية؛ هو أنه عند إقامة الصلاة المفروضة كانت صلاة الصبح تُقام بأحكام أدق وبأبهة أعظم وباحتفال أكبر، أما صلاة الظهيرة وكذلك صلاة المغرب؛ فكانتا على حسب الشعيرة القياسية.

ويدَّعي «الليو» أن كل المتون في المعبد التي لا تقع في طريق القائمين بالأعياد الرسمية في الصلاة العادية — وهي التي في رأيه تقع في منتصف قاعة العمد الداخلية (٥) شمالًا — خاصة بالصلاة المفروضة، وإن كثيرًا من المتون التي على الطريق الفعلي للصلاة العادية خاصة كذلك بالصلاة المفروضة، وعلى أية حال يعترف هذا الأثري بأنه من الصعب عزل الواحدة عن الأخرى، ويرى «الليو» أنه لحل هذه المسألة لا بد أن نعزو كل الأحفال الدقيقة الفنية إلى الصلاة الشرعية المفروضة (ربما يعني بالصلاة الشرعية هنا الفرض الواجب، ويعني بالصلوات الأخرى السُّنة، كما هي الحال في الشريعة الإسلامية).

وكذلك يدعي هذا الأثري أن البابين الجانبيَّين (C, E) الخاصين بقاعة العُمُد الداخلية كانا مفتوحين لأداء الصلاة اليومية، وأنه منهما كانت تدخل مياه الطهور والقربان، والكاهن الذي يقوم بالشعائر، ويقول كذلك إنه لما كانت الأبواب الأخرى في المعبد موصدة فإن الملك أو نائبه لم يكن في استطاعته أن يدخل من الباب الرئيسي لقاعة العُمُد (٢)، وعلى ذلك فإن ارتداء الملابس العادية والتطهير في بيت الصباح (٣) لم يكن من المستطاع عملها عند الصلاة اليومية العادية، ولكن كان الكاهن القائم بأداء الشعائر يظهر نفسه في البحيرة المقدسة الواقعة شرقي المعبد، ويُلحَظ أنها تقع خارج المساحة المقدسة الحقيقية.

وعلى الرغم من أنه لا يُشكُّ في وجود أحفال أكثر دقة وإحكامًا من الصلاة اليومية العادية فإنه لم يذكر شيئًا عن زمن إقامتها، ومن المعقول أن ندعي وجود أحفال خاصة أثناء أعياد الشهرين القمري والشمسي، ولكن متون «إدفو» قد سكتت سكوتًا بينًا عن هذه الأحفال، والواقع أنه ليس لدينا متن يوحي بفرض وجود شعيرة يومية خاصة أكثر دقة وإحكامًا من الشعيرة اليومية العادية، وأعياد السماء، وأعياد الأزمان، وأعياد التقويم.

ومن المهم أن نلحظ أنه في مدينة «هابو» كانت الأعياد القمرية ضمن أعياد السماء،٢٩ ولا يوجد في «إدفو» ما يشير إلى ذلك إلا مصدر واحد يمكن الأخذ به لوجود عيد قومي، وحتى ذلك قد ورد في نسخة واحدة فقط يحوم الشك حول صحتها، والفقرة المشار إليها هي:
إن الصورة المقدسة للذي على عرشه العظيم قد نُقشِت على جدرانه مع نقوش الآلهة الذين يظهرون معه في كل مرة في عيده الخاص بالربع الأخير من الشهر.٣٠
ولا بد أن نشير هنا إلى أن الفعل «يظهر» في هذه العبارة قد استُخدم بمعناه الفني؛ أي «يظهر في موكب» ومن ثَم فإنه على حسب هذا التفسير لهذه الفقرة يكون المعنى: أن الأعياد القمرية والشمسية كان يُحفَل بها في مواكب كالأعياد التقويمية، وأنها كانت مميَّزة عن الشعائر اليومية، وقد يكون من الصواب — بما لدينا من معلومات حتى الآن — أن نسلِّم بأنه ليس لدينا إلا طراز واحد من الصلوات اليومية. أما الجدال الدائر حول أن الأبواب الجانبية لقاعة العمد كانت لا تُفتَح إلا عند قيام الصلاة اليومية فقط؛ فيتعارض مع ما جاء في عدة فقرات؛ إذ لدينا بيان واضح بأن أبواب الصرح أو البوابة الكبيرة كانت تُفتَح في الصباح عندما يرتفع قرص الشمس وتغلق في المساء،٣١ ولدينا متن آخر يشير إلى المعبد بوجه عام، وهو يحدثنا عن أن أبوابه تُفتَح عند اكتمال القمر حينما تضيء أشعته الأرض،٣٢ وفي مكان آخر ذِكْر عن قاعة العُمُد؛ أن مصراعي بابها يُفتَحان على ردهة القربان (١) لأجل أن يعبد «رع» ثلاث مرات يوميًّا، ويدخل منه موظفو المعبد ثلاث مرات؛ ليقوموا بواجباتهم يوميًّا.٣٣
أما الادعاء بأن الكاهن الذي يقوم بدوره في الصلاة اليومية كان يدخل من الأبواب الداخلية فيرجع من جهة إلى سوء الفهم الخاص بفتح المعبد، ومن جهة أخرى إلى ترجمة المتن الذي على الأبواب الجانبية ترجمة خاطئة — كما يقول «فرمان» — وذلك أن «الليو» يعتبر أن الكاهن الذي يبخر قِرْبات الماء عندما كانت تحضر إلى المعبد كان هو الكاهن الذي في المحراب، وذلك بسبب أنه، لا بدَّ، قد كان هو الكاهن الذي يشغل أعلى درجة؛ لأنه كان يتبع الكاهن الذي كان يحمل الماء، والواقع أنه لا يوجد في المتون ما يقدم لنا أية إشارة عن أيٍّ من الكهنة الذين كانوا يدخلون من الباب الجانبي قد احتفلوا فعلًا بالصلاة في المحراب، بل قد ظهر بوضوح أن الكاهن الذي يحمل البخور كان يقدم قربانًا من الماء وحسب،٣٤ ومن ثَم ليس لدينا ما يدل على أسبقيته.
وحقيقة الأمر هي أن الملك كان هو — نظريًّا — الفرد الذي يؤدي العبادة (الصلاة). أما عمليًّا فإنه من البديهي أن ذلك كان أمرًا مستحيلًا، ولكن من جهة أخرى نجد أن المتون لا تقدم لنا برهانًا قاطعًا عن شخصية نائبه أو ممثله في أداء هذه الصلوات؛ ففي متن خاص بُعيد السنة الجديدة ذُكِر أن الملك نفسه بوصفه الأمير العظيم (وهذا لقب خاص بالكاهن الأكبر في إدفو) هو الذي كان يدخل المقصورة، ويصعد سلم الناووس، ويكشف عن وجه الإله.٣٥
وفي مكان آخر في إشارات بديهية للشعائر اليومية نقرأ: «إني كاهن (خادم الإله) وابن كاهن. إن الملك هو الذي أمرني أن أرى الإله.٣٦ أو إن جلالته هو الذي أمر (؟) الكاهن أن «يعبد» الإله.»٣٧ وفي فقرات أخرى يقول الملك: «إني أنا الذي ينظر ويتأمل الصورة الخفية، وإني أنا الذي يرسل الكاهن (خادم الإله) ليرى الإله.»٣٨ أو يقول: «إني أنا الذي أزين جلالتك بالملابس، ويعمل الكاهن حسب أمري.»٣٩
ولما كان الكاهن الأكبر يعتبر خادم الإله؛ أي خادم الإله الرئيسي الذي يُشْرِف على الكهنة خدمة الإله في المعبد، فإن المتن الذي اقتبسناه الآن هنا يشير إليه، وفي الحق إننا لم نقرأ حتى الآن أن الكاهن الأكبر، أو أي كاهن قد ذُكِر قط بأنه دخل من أي باب جانبي عن قصد؛ ليقوم بالصلاة في المحراب، ويقول الأستاذ «فرمان» إنه يشك كذلك فيما يخص حذف شعائر بيت الصباح من الاستعدادات للصلاة اليومية.٤٠

وكانت مياه القربان تمنح من البئر المحفورة تحت الجدار الشرقي للمعبد، وكان القصد من ذلك ضمان الطهارة التامة، ومن ثَم يُستَنبط أنه بطيبعة الحال أن مياه البحيرة المقدسة التي كانت تقع خارج جدران المعبد لم تكن من الطهر بحيث تكفي لهذا الغرض، والظاهر أنه لا يكاد يكون محتملًا أن الكاهن القائم بالخدمة، والذي كان يدخل قدس الأقداس؛ ليكشف الحجاب عن الإله، ويتأمله، ويلمسه، كان عليه أن يتطهر بماء البحيرة المقدسة فقط، وأنه كان عليه أن يمر في جزء من حرم المعبد الذي كان يُعدُّ أقل طهارة من الوجهة الشعيرية من المعبد نفسه.

ومن كل ما سبق يتضح — على ما يُظَن — أن كل أبواب المعبد كانت مفتوحة عند الفجر، وأنه ليس هناك سبب لإنكار أن الكاهن القائم بالخدمة كان يدخل من الباب الرئيسي لقاعة العُمُد الصغيرة، وكان يطهِّر نفسه في «بيت الصباح»، والكهنة من الذين ذكروا بأنهم يدخلون المعبد بعد التطهير في البحيرة المقدسة كانوا من صغار الكهنة الذين لا يدخلون قط «قدس الأقداس».

والآن نتناول بالبحث ما كان يحدث في إقامة الشعائر اليومية،٤١ ويرجع الفضل في دراسة هذا الموضوع وشرحه للأستاذ «الليو» فهو الذي أماط اللثام للمرة الأولى عن قيام صلوات ثلاث يومية في المعبد؛ الأولى: عند مطلع الفجر، والثانية: عند الظهيرة، وكانت أقل أهمية من سابقتها، والثالثة: عند الغروب، وكانت صلاة الصبح أهم هذه الصلوات بدرجة كبيرة. كما كانت صلاة الظهيرة أقلها أهمية، ويجب أن نشير هنا إلى أن موضوع هذه الصلوات كان مهملًا في الكتب الهامة عن العبادة والتخشع.

صلاة الصبح

فقبل طلوع الفجر كان لا بد من القيام بأعمال تحضيرية ضخمة؛ فكان من واجب كاهنين أن يملآ إناءً للطهور من بئر مقدسة G، وبعد ذلك كان يحمل واحد منهما الإناء، والآخر يمشي أمامه ويبخره، وكانا يسيران حول الممر في اتجاه مضاد، ويدخلان المعبد من باب يقع في الجهة الغربية (٢) ويؤدي إلى حجرة النيل (٧)؛ ومن ثَم إلى قاعة العُمُد الداخلية (٥)، وفي حجرة الاستقبال للباب وفي حجرة النيل كان الماء يُبارَك ويُهدَى، وكان واجب الكاهنين عندئذ أن يملآ كل أواني القربان.
وفي الوقت نفسه كانت تدخل القربات من الباب الواقع شرق قاعة العمد الداخلية E. أما المذابح والمطابخ الواقعة شرقي المعبد فكان يوجد فيها رجال يعملون من قبلُ منذ مدة طويلة قبل طلوع الفجر. فكانوا يذبحون ثورًا، ويحضرون القربات المنوعة التي كانت تُقدَّم أمام الآلهة، وفي اللحظة الموقوتة كانت تُحمَل القربات مارةً بالباب الشرقي H الذي في جدار حرم المعبد، ومن ثم إلى المعبد من الباب الشرقي E لقاعة العمد الداخلية، وكانت القربات تُحرَس وتُطهِّرها الكهنة، والظاهر أنه في الوقت نفسه نجد أن كهنة آخرين ممن كان عليهم واجبات يؤدونها في المعبد، قد دخلوا من نفس الباب، وذلك لأنهم كانوا قد طهروا أنفسهم في البحيرة المقدسة.

وبعد تطهير القربات وتبخيرها كانت تؤخذ إلى قاعة القربات (٩) وعندئذ كانت بعض القربات السائلة والقربات الأخرى، لا بد، قد أحضرت إلى قاعة التاسوع (١١) حيث كانت تحضر المحاريب خفيفة الحمل الخاصة بالآلهة الذين يَثْوُون في المعبد، وفي ذلك الوقت يكون الكاهن الذي يقوم بالخدمة قد دخل بما يليق به من هيبة من الباب الرئيسي لقاعة العُمُد الصغيرة التي تسبق المحراب.

ويُلحَظ أنه قد نُقِش على كل من سمكي قائمتي هذا الباب اعتراف مختصر بالبراءة كان يتلوه الكاهن على ما يظهر عند دخوله، وبعد ذلك كان يلتفت نحو الشمال، ويُؤخَذ إلى بيت الصباح (٣) وكان يظهر هناك باحتفال، ويرتدي ملابسه، ويتقلد مكانته، ويتناول وجبة خفيفة، وبعد إتمام كل شيء، وفي خلال إنشاد الأناشيد كان يسير في حفل رهيب نحو المحراب الذي كانت أبوابه لا تزال مُوصَدة.

ومن البديهي أنه لم يكن هناك مكان على جدران المعبد يتسع لكل سلسلة الأحفال التي كانت مدونة في شعائر «آمون»؛ إذ لم يوجد في معبد «إدفو» إلا تسعة عشر منظرًا من الصلوات اليومية منقوشة على جدران المحراب؛ ولا بد أن نفهم أن هذه كانت نخبة من الأحفال الأكثر أهمية، وليس من الضروري أنها كاملة، بل إن هذه كانت عبارة عن رواية مختصرة عُمِلت خصيصًا لمعبد «إدفو»، ولا بد أن ضيق المكان نفسه هو أهم تفسيرٍ محتمل لعدم وجود أي ذِكْر بالمرة للشعائر الافتتاحية مثل فتل الشعلة، وإضاءتها، وتسلُّم المبخرة، والبخور، ووضع البخور على النار؛ كل هذه الأشياء كانت من الأمور الأساسية الأولية لإقامة الصلاة، وكانت عند هذه اللحظة، وعندما كانت أبواب المحراب تفتح، ترتل أنشودة صباح، وهذه الأنشودة كانت منقوشة على واجهة المحراب،٤٢ وفيها نجد أن «حور» والآلهة القاطنين معه في المعبد وأعضاء «حور» وشارته، وكذلك أجزاء المعبد كلٌّ على حدته كانت تُخاطَب وتؤمر بأن تقشع عن نفسها غشاوة النوم، وتعود إلى الحياة، وهذه الأنشودة طويلة جدًّا وكانت تُرتَّل كل يوم، ولكن لا بد أنه كانت توجد أنشودة للصباح، وهي إما أن تكون هذه الأنشودة المذكورة أو رواية مختصرة منها.
وبعد ذلك كان يدخل الكاهن المحراب، ويتقدم نحو الناووس، والصلاة التي كانت تأتي على أثر ذلك كانت تتألف من سبع مراحل؛ الأولى: نرى فيها الكاهن يصعد درجات السلم إلى الناووس، ويفض أختام الباب، ويشد المزاليج، ويفتح الأبواب، وبذلك يكشف عن تمثال الإله، ثم يتلو هذه المرحلة كشف وجه تمثال الإله، واحتفال رؤية الإله، وذلك عندما يتلو الكاهن: «لقد رأيت الإله، والقوة تراني، والإله يفرح عند رؤيتي، ولقد تأملت تمثال الجعل المقدس المجنح، وهو الصورة المقدسة للصقر المصنوع من الذهب.»٤٣ وهذه اللحظة بلا نزاع كانت تُعتَبر من أهم اللحظات في كل الصلاة؛ وذلك لأن الإله قد دخل مرة أخرى في تمثاله، واتخذ مقره في بيئته.

والمرحلة الثالثة: تحتوي على عبادة الإله، وقد تبعها تقديم عطور (المر)، والحفل الذي ذُكِر آخرًا يرمز ظاهرًا إلى تقديم وجبة، ويحتل مكان تقديم رمز العدالة بمثابة قربان، يحدث عند هذه النقطة في شعيرة آمون.

والمراحل الثلاث النهائية كانت خاصة بإلباس الإله؛ فكان تمثاله يُمَس بالعطور، وتقدم الأنسجة الأربعة التي أشارت إليها الشعيرة، وبعد ذلك يُطهَّر التمثال بالماء من أواني الشعائر، ثم ينسحب الكاهن، ويوصد بابي الناووس والمحراب، ونجد هنا كذلك أن شعائر «إدفو» كانت تختلف عن شعائر آمون في أن التطهير كان يسبق إلباس التمثال، ولكن بوجه عام كانت الصلوات متشابهة تشابهًا كبيرًا.

وفي حين كانت هذه الأحفال تؤدَّى في المحراب كان كهنة آخرون يزورون المقاصير التي تفتح على الدهليز، وكذلك على كل أجزاء المعبد الأخرى، ويؤدون شعائر خاصة مختصرة من التي كانت تؤدَّى في وقت واحد في المحراب نفسه، وعلى ذلك كان كل المعبد والآلهة قد تعطروا، واغتسلوا، ولبسوا ملابسهم، واستعدوا ليوم آخر.

ومن المحتمل أنه بعد انتهاء هذه الصلاة مباشرة كانت الشعائر المسماة «عودة القربان المقدسة» تؤدَّى،٤٤ وذلك أنه من الطبيعي أن جزءًا صغيرًا من القربان الذي أُحضِر إلى المعبد قد وضع رمزيًّا على مائدة قربان الإله، وبعد انتهاء الصلاة وشبع الإله من قربانه كانت تعود إلى الكهنة فتؤخذ إلى خارج المعبد من البابين الشرقيين (E, H)، وبعد ذلك كانت تقسم بين الكهنة بنسب معتدلة على حسب وظيفة كل فرد له نصيب فيها.

صلاة الظهر

أما صلاة الظهر فالتفاصيل عنها ضئيلة جدًّا إلى حدٍّ بعيد، ولا نزاع أنها كان أقل أهمية عن صلاة الصبح٤٥ ويعتبر «الليو» أنها تحتوي في الأصل على قربات سائلة، وملء الأواني في كل أنحاء المعبد، ولم تكن تُقدَّم فيها قربات إلى المعبد، وكذلك كان المحراب يبقى موصدًا، وفي حين أن الحال كان من المحتمل وقوعه على هذا الوضع فإنه من الضروري أن نشير إلى أنه توجد أربعة متون على الأقل تُذكَر بوضوح إحضارَ القربات بوصفها مميزة عن القربات السائلة، إلى المعبد ثلاث مرات يوميًّا، وأن هذه القربات تحتوي أصنافًا مختلفة من الخبز، والزهور، والأوز، والحبوب.٤٦

صلاة المغرب٤٧

وصلاة المساء كانت تُقام قبل غروب الشمس مباشرة، وكانت بوجه خاص تكرارًا لصلاة الصبح، ولكن على نطاق أقل دقة وتفصيلًا، وأهم خلاف بينهما أنها — على ما يظهر — تقام في الحجرة التي تُدعَى عرش رع (٢٤) لا في المحراب؛ فقد كان المظنون أن روح «رع» تعتزل العالم لترتاح أثناء الليل، وأنه من هذا المكان كان يصعد إلى السماء عند الفجر.

هذه كانت الصلوات الثلاث الرئيسية التي كانت تقام في أوقاتها المعلومة كل يوم خلال طول العام. فهل كانت هذه الصلوات هي كل أوجه النشاط الذي يحدث في المعبد في الأيام العادية؟ والواقع أن هذه السؤال لا يمكن الجواب عليه بصورة مقنعة تمامًا حتى الآن؛ غير أنه لا بد من ذكر ثلاث حقائق غريبة؛ وذلك أنه لدينا متن نُقِش على الباب الشرقي لقاعة العُمُد الصغيرة يتحدث عن التعاويذ الخاصة بغسل الصور المقدسة الكبيرة لجلالة «رع» خلال ساعات النهار الاثنتي عشرة.٤٨
ولدينا تعويذة أخرى في المكتبة تقول: إن المرتِّل الأول كان يعمل واجبه فيها في خلال ساعات النهار الاثنتي عشرة،٤٩ وأخيرًا يحدثنا متن على قائمتي باب القاعة التي تسمَّى عرش «رع» أن الكهنة خدمة الإله كانوا يمرون في طريقها إلى القصر البحدتي (أي قصر حور) لأجل أن يكشفوا عن وجه صاحب الحياة اللذيذة (هذا نعت للإله حور صاحب «بحدت»)٥٠ من وقت المساء دون انقطاع خلال ساعات الليل الاثنتي عشرة، وكانت المُؤَن في أيديهم لأجل أن توضع على مائدتها … ويشبع بالقربان، والآلهة والإلهات الذين في ركابه يأكلون معه، وعلى ذلك فلا مهرب من أن نستنبط أنه كانت توجد بعض شعائر تقام في المعبد في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، غير أننا لا نعرف شيئًا محسًّا عن كنه هذه الشعائر.

(٥) الأعياد الموسمية

كان في المعبد تقويمان٥١ للأعياد يميزان عن الشعائر اليومية العادية التي كان يُحتفل بها في «إدفو» خلال العام، وعلى الرغم من سوء الحظ أن السجل غير كامل في بعض أجزائه فإن التقاويم نفسها وبعض نتف من المعلومات المبعثرة المأخوذة من متون أخرى تُرِينا أنه كان يُحْتَفل بأكثر من أربعين عيدًا خاصًّا في المعبد في خلال عام واحد، وهي أعياد كانت تختلف في طولها من يوم إلى خمسة عشر يومًا، ومعظم هذه الأعياد ليست إلا مجرد أسماء بالنسبة لنا، فلا نعلم أي شيء عن كنهها أو طولها، وفضلًا عن ذلك فإنه من الجائز أن بعض هذه الأعياد كانت قد حُذِفت من القائمة.
وفي خلال جزء كبير من الشهر الرابع من السنة، وهو الشهر الرابع من فصل الفيضان، كانت تقام أعياد خاصة بالإله أوزير في كل معابد مصر، وفي معبد «إدفو» لدينا ثلاث حجرات كانت بوجه خاص لها علاقة بعبادة «أوزير» (انظر تصميم المعبد الحجرات ١٧، ١٨ و١٩)، وتحتوي على جزء من تمثيلية أوزير، وكان مفروضًا أن ساق «أوزير» محفوظة في المعبد، بل هناك ادعاء يُفتَخر به جاء فيه أن «أوزير» كان قد حُنِّط في «إدفو»،٥٢ ومن المؤكد أنه كانت هناك عبادة لأوزير، غير أن التقويم يتجاهل ذلك كلية، إلا ما جاء من إشارات عن عيد «سوكاريس» الذي كان يُعقَد في اليوم السادس من الشهر،٥٣ على أنه لو بقيت لنا بعض الحجرات التي كانت مقامة فوق السطح لكنا في مركز أحسنَ يمكننا من أن نتحدث بما كان فيها من نقوش عما كان يحدث، ولكن ما لدينا من معبد «إدفو» وحده لا يمكن أن نعتبره مادة كافية نستطيع بها أن نرسم صورة كاملة؛ ولذلك فإن الحصول على قصة صحيحة تامة عن تمثيلية أوزير لا بد لنا من الانتظار إلى أن تَخْرُج لعالم الوجود طبعةٌ كاملة دقيقة عن المواد الغزيرة لنقوش «دندرة» و«فيلة»، وعلى ذلك فإن ما لدينا من نقوش لا يمكننا أن نستخلص منه بدقة إلا أربعة أعياد من الأعياد العظيمة، وهذه يمكن أن نضع لها صورة بشيء من الدقة والتفاصيل.

وهذه الأعياد الأربعة هي: (١) عيد السنة الجديدة. و(٢) عيد تتويج الصقر المقدس. و(٣) عيد النصر. و(٤) عيد الزواج المقدس.

وسنتحدث عن كلٍّ من هذه الأعياد ببعض الإيضاح بقدر ما لدينا من معلومات أكيدة مستنبطة من النقوش.

عيد رأس السنة

يتفق وقوع عيد رأس السنة في مصر في نفس اليوم التقليدي الذي يزيد فيه النيل، أي على الأقل عندما يكون التقويم والسنة يسيران بخطوة واحدة، والأحفال التي تُقام في هذا اليوم، وهي التي تعتبر بشير فيضان مانح للحياة هي على ذلك بطبيعة الحال أولًا خاصة بالتجديد؛ أي تجديد الحياة، والخصب للآلهة ولمصر، وللناس، وفوق كل شيء للفرعون الذي يتوقف عليه رخاء مصر، وهذا التجديد رُمِز له باتحاد أشعة الشمس مع تمثال الإله، وقد خصِّصت الحجرتان اللتان أُطلِق عليهما حجرة «مائدة الطعام» (١٣) و«المكان الطاهر» (١٤) وكذلك السلالم التي يُصعَد منها وينزل بها من السقف، والجوسق، ومكان العيد الأول؛ لتسهيل هذا الاتحاد البالغ الأهمية.

وكان أول من فحص عيد السنة الجديدة هو «الليو» فقد درسه درسًا٥٤ وافيًا، وسنتحدث عن هذا العيد على حسب ما جاء في مؤلف «الليو» وإن كانت هناك بعض اختلافات ذكرها الأثري «فرمان» في ثلاث نقاط؛ أولًا: ليس من المؤكد تمامًا أن العيد قد أُقِيم في «إدفو» مدة أحد عشر يومًا كما يقول «الليو» وذلك لأن الأحفال قد بدأت في اليوم الثلاثين من الشهر الرابع من فصل الصيف (آخر يوم في السنة القديمة) واستمر مدة خمسة أيام النسيء، وعلى حسب «الليو» انتهى في اليوم الخامس من الشهر الأول من فصل الفيضان، والصعوبة هنا هي أن التسجيلين لليومين الرابع والخامس لهذا الشهر لا يحتويان على تلميح لعيد السنة الجديدة، ولكن يسميان على التوالي عيد «البحدتي» وعيد «حور البحدتي»،٥٥ وفضلًا عن ذلك نجد أن تقويم «كوم أمبو»٥٦ يبين بوضوح أن العيد انتهى في اليوم الرابع من الشهر. هذا ولا يمكن تقديم حل نهائي لهذه المسألة.

النقطة الثانية: هي أن «الليو» قد حاول أن يبرهن على أن «مكان العيد الأول» كان هو اسم الجوسق الذي على السطح، وكذلك اسم الحجرة المسماة «مائدة الطعام» (١٣) وبذلك يقسم الأحفال مرحلتين؛ المرحلة الأولى: الأيام التي قبل يوم السنة الجديدة، وذلك عندما حدثت الأحفال في وبين «حجرة مسن» (١٦) وحجرة «مائدة القربان» و«المكان الطاهر» (١٤) والمرحلة الثانية: في يوم السنة الجديدة والأيام التي أتت بعده، وذلك عندما امتدت إلى سطح المعبد والجوسق، والواقع أنه ليس لدينا أي متن في «إدفو» أو في «دندرة» يطبق عبارة «مكان العيد الأول» على أي جزء في المعبد خلافًا للجوسق الذي على السطح.

ورأي «الليو» يرتكز على حقيقة أنه في «دندرة»٥٧ كانت الحجرة التي تقابل حجرة «مائدة الطعام» في «إدفو» تسمى أحيانًا: «فناء المكان الخاص بالعيد الأول»، وإذا كان ذلك يعني أي شيء فإنه يعني أكيدًا أن الحجرة لا يمكن أن تكون «مكان العيد الأول»، وإلا فإن في الإمكان كذلك أن نسميها المكان الطاهر، وذلك لأن اسمًا غير عادي لنفس هذه الحجرة هو «فناء المكان الطاهر».٥٨
ويقول «فرمان»: إنه لما كان تقويم «إدفو» يقول صراحة: إنه في اليوم الأخير من السنة، وفي أيام النسيء كان يذهب الإله إلى «مكان العيد الأول»، فإني أرى خلافًا لرأي الأثري «الليو» أنه قبل وبعد أول يوم في السنة الجديدة كانت الأحفال تشمل موكبًا يذهب إلى السطح، وأخيرًا ينكر «الليو» أنه لم تكن تقع أية مرحلة من مراحل إلباس الإله على سطح المعبد، وهذا الرأي كذلك من المستحيل الأخذ به؛ لأنه يوجد ملخص للأحفال في دندرة يشير صراحة لمراحل إلباس الإله بعد أن دخلت «حتحور» الجوسق،٥٩ ولكن نجد أنه في كل من «إدفو» و«دندرة» أن لوازم اللباس كانت تُحمَل إلى السطح، وفي إدفو يوجد بوجه خاص بيان واضح يشير إلى أن إلباس الإله كان يتم هناك.٦٠

لم تؤثر أحفال السنة الجديدة في المحراب والتماثيل التي كانت تُحفَظ فيه، بل كانت تبدأ في حجرة «مسن» (١٦). فكان الملك أو نائبه بصحبة كبار كهنة المعبد، يدخلون الحجرة ويؤدون الشعائر الافتتاحية الخاصة بالصلاة اليومية؛ فكان يعتلي سلم الناووس ويفتحه ويكشف عن وجه الإله، وبعد صلاة قصيرة كان يُنقَل كل من محراب حور وحتحور، ويوضع على حامل مستطيل منفرد يعلو كل منها سرادق يرتكز على أربعة عُمُد في كل منها حلقة من المعدن في كل من جوانبه الأربعة، وكان المعتاد أن يخصص لكل محراب وحامله تسعة كهنة يُدعَون في العادة الرفاق؛ وكانوا هم المسؤلين عن حمله في كل مواكب اليوم، وكانوا يسندون المحاريب على أيديهم، وبوساطة حبال توضع حول رقابهم، ثم في داخل الحلقات المتصلة بالحامل.

وهؤلاء الكهنة كانوا يمثلون أولاد «حور» الأربعة وأولاد «مخنتي-إنرتي»، أما «مخنتي إنرتي» نفسه الذي لم يقم بدور الحامل فقد كان يعمل بمثابة مشرف على جماعة من الحمَّالين، وبعد تأليف الموكب في طابور مزدوج، وحربة حور المقدسة أمام حور، وحربة «خنسو» أمام «حتحور» كان يشق طريقه على طول الدهليز الذي كان يحيط بالمحراب.

وفي نهاية الأمر يصل إلى «مائدة الطعام» (١٣) و«المكان الطاهر» (١٤) وفي الوقت نفسه كانت توضع على كل موائد القربان قربات ثمينة تشمل قربات محروقة في كل أنحاء المعبد، وقبل كل شيء في الردهة الأمامية؛ أي فناء القربات (١)، وعندئذ كانت محاريب حور وحتحور، وكل آلهة المعبد تجتمع في «المكان الطاهر» (١٤) وفي الجهة الجنوبية كانت تقدم لهم قربان، ويكشف عن التماثيل، ثم تكرر بعد ذلك مراحل إلباس الثياب الخاصة بالشعيرة اليومية في كل شكل ثمين متقن، ويصحب ذلك إنشاد أناشيد خاصة.

وعند هذه اللحظة يكون الوقت قد حان لإعادة تكوين الموكب والسير به إلى سطح المعبد، وكانت الطريق تبتدئ من حجرة مائدة الطعام (١٣) إلى القاعة الوسطى (١١)، ومن ثم إلى قاعة القربات (٩) حيث كان الموكب يتحول نحو اليسار مارًّا بالباب F ثم يأخذ طريقه صاعدًا في السلم المتعرج حتى يصل إلى السطح، وأخيرًا إلى الجوسق، وقد وصل إلينا وصف مفصل بوجه خاص عن الموكب، ولما كان كل من الطابورين في الواقع كالآخر تمامًا فإننا نصف طابور «حور» وحسب؛ فكان القسم الأول من الموكب مؤلفًا من كهنة يُحتَمل أن عددهم خمسة عشر يحملون الأعلام المقدسة، وكانت وظيفتهم إفساح الطريق لفتحها، وإزالة كل شر أو خطر من طريق الإله.

وخلف هؤلاء يلي كهنة آخرون بعضهم مقنعين يمثلون آلهة كانوا يحملون طعامًا وشرابًا، وملابس، وقربات أخرى، ثم يأتي بعد هؤلاء حاشية الإله المقربين منه؛ ويتألفون من كهنة أصحاب مراتب عالية، والكاهن الأعظم خلفهم على مقربة جدًّا من الناووس، وفي مقدمتهم كان يسير كاهن مرتل، وكهنة آخرون يحملون ملابسَ وأحجارًا نصف كريمة، وبخورًا وماء قربات، ويمشي خلف هؤلاء مباشرة رجل يرتدي بذلةً ملكيةً حاملًا حربة «حور» المقدسة، وخلفه تأتي الملكة والملك حافيان، وينظران من فوق أكتافهما إلى ناووس الإله الذي كان خلفهما مباشرة، وكانت الملكة تلعب بالصناجة وهي ماشية، أما الملك فكان يحرق البخور، ثم يأتي بعد ذلك الناووس الخفيف الذي فيه الإله «حور» يحمله تسعة الرفاق، ثم يجيء بعد الإله كهنة آخرون كل يحمل أحد الآلهة القاطنين في المعبد وهو في صندوقه الخفيف، وأخيرًا كان ينتهي كل طابور بحامل مروحة.

وكانت تماثيل الآلهة يُؤتَى بها إلى الجوسق، وكلها متجهة نحو الجنوب، ومجموعة على الجانبين، وخلف «حور»، وفي حين كانت قربات أخرى تؤدَّى كانت الشعائر تقام مرة أخرى فيُكشَف عن وجه التمثال، وتُزال الملابس القديمة، ويعطر التمثال، ويرتدي ملابسه الجديدة، وتُقدَّم له وجبة، ولا نزاع أن اللحظة الرهيبة في الحفل كانت دون أي شك لحظة الكشف عن وجه الإله، وكانت تتم على ما يُعتَقد عند الظهيرة، وفي تلك اللحظة كانت أشعة الشمس تُرسَل على التمثال، وكان الاتحاد الخفي للشمس مع الإله هو الغرض الذي يرمي إليه هذا الحفل، وبعد كل هذه المراسيم كان يتألف الموكب من جديد، ويمر بالباب الغربي للجوسق، وأخيرًا يصل إلى المعبد وإلى مكان سُكْنى الآلهة على التوالي بالنزول من السلم الغربي.

ولا بد أن نتحدث هنا عن نقطتين أخريين لم تُفحَصا سابقًا عن هذا العيد. ففي تقويم «كوم أمبو»٦١ جاءت إشارة خاصة «بفتح الفم» في أثناء «العيد الأول» وعلى الرغم من أن هذا الحفل لم يُذكَر في أيٍّ من المتون الخاصة بعيد «السنة الجديدة» في «إدفو» أو في دندرة، فإنه لمن المهم جدًّا أن نذكر هنا أن تقويم «إدفو» قد حدثنا بأنه في اليوم التاسع عشر من الشهر الأول من فصل الصيف (الشهر التاسع من شهور السنة) قد أقيمت الأحفال الآتية: موكب هذا الإله الفاخر «خنسو» صاحب «بحدت» إلى سطح المعبد، وكشف الوجه، وإلباس الملابس، وتقريب عطور، وغناء مدائح، إجراء عملية فتح الفم٦٢ … وأهمية هذه الفقرة في أنها بلا شك تشير إلى أحفال على السطح تشبه أحفال «عيد السنة الجديدة».

وإذا كان ما قيل هنا صحيحًا عن شعيرة فتح الفم في عيد أول السنة — كما يقول «فرمان» — فإنه يكون لدينا بذلك حقيقة جديدة وهامة جدًّا؛ وذلك لأن الوقت التقليدي لإهداء معبدٍ كان إما في مساء يوم أول سنة جديدة أو في يوم سنة جديدة، ومن ثَم يقترح «فرمان» أن الأحفال التي كانت تقام على سطح المعبد في يوم سنة جديدة كانت تشمل إعادة إهداء المعبد وإلهه السنوي، فكأن الاتحاد مع الشمس لم يجلب فقط تجديد الخصب والرخاء لمصر، بل كان يجدد لمدة سنة أخرى حياة «إدفو» وقواها وحور والآلهة الذين عاشوا معه في المعبد.

والأحفال التي وصفت الآن، على الرغم من أنها كانت تؤثر في سعادة الشعب المصري ورخائه فإنها كانت خفية عن العالم الخارجي، وذلك لأن أبواب المعبد كانت موصدة عندما كان يُحتَفل بها، ولم يشاهدها واحد من عامَّة الشعب.

وقد كان المظنون حتى الآن أنها قد انتهت برجوع الموكب إلى المحراب الثانوي، ولكن على أية حال وفي تقويم في معبد «دندرة» نقرأ ما يأتي:
والآن بعد الأحفال الخاصة بالصلاة المقدسة يكون قد تمَّ — عندما تحل الساعة الثامنة من النهار — تأدية كل الأحفال الخاصة بإخراج هذه الآلهة العظيمة حتحور، سيدة «دندرة» وعين «رع» في «رافع الجمال» في موكب مع تاسوعها إلى «ردهة السماء العظيمة» فتكون متحدة مع والدها، ويشاهد جمالها قوم الشمس، وتدخل بيتها بخطًى وئيدة. ثاوية في مكانها هذا.٦٣
وهذه الكلمات لا يمكن أن تعني على وجه التأكيد إلا أنه بعد الظهر، بعد أحفال السنة الجديدة كانت الآلهة حتحور والآلهة المعاشرين لها في المعبد يخرجون من نواويسهم ويستعرضون لبعض الخاصة من القوم، لا للشعب بوجه عام، في قاعة العُمُد الخارجية للمعبد؛ على أن ذِكْر قارب الموكب يبرهن على أن ذلك لم يكن موكبًا يسير على سطح المعبد؛ لأن طريق السلم كانت ضيقة لا تتسع لقارب وحامليه، ومع أن ذلك لم يُذكَر في متون «إدفو» فإن الأحفال في «إدفو» و«دندرة» كانت متشابهة لدرجة يظهر فيها أنه كان هناك احتمال معقول أن في «إدفو» كان «حور» يخرج كذلك من ناووسه ويستعرض على ما يظن في الردهة الأمامية، وهي التي من أسمائها «ردهة السماء العظيمة».٦٤

ومن المعقول أن يتساءل المرء فيما إذا كان هناك أي فرق بين الأحفال التي كانت تقام قبل السنة الجديدة، والتي كانت تقام بعدها؛ وذلك لأنه يظهر بطبيعة الحال أنه غير محتمل أن نفس الشعائر بالضبط كانت تؤدَّى في كل عيد دون أي فرق خاص عن عيد رأس السنة الهام، ولكن مما يؤسَف له أن المتون والمناظر الأثرية لا تساعدنا في هذه النقطة، وعلى ذلك فإن الإنسان في هذه الحالة يكون مضطرًا للالتجاء إلى الحدس والتخمين، وعلى أية حال فإنه من المحتمل أن المواكب والأحفال في المعبد وعلى سطح المعبد في خلال ستة الأيام قبل السنة الجديدة لم تكن إلا مجرد مقدمة، وكانت تقام على نطاق متواضع.

والواقع أن الاتحاد الحقيقي مع الشمس كان يتم في اليوم الأول من السنة، وقد كان، فضلًا عن ذلك، يميَّز بأنه اليوم السنوي لإعادة إهداء المعبد، ومن الجائز كذلك أن يوم أول السنة والأيام التي تليه كانت مميزة عن الأيام التي سبقتها بأحفال خاصة لها علاقة بعبادة الملك الحاكم وأجداده، وهم الذين لعبوا دورًا بارزًا في أحفال السنة الجديدة كما يؤكد ذلك «الليو»٦٥ وقد تحدثنا عن ذلك في مرسوم «كانوب».

عيد التتويج

والعيد الثاني العظيم الذي سنتحدث عنه هنا هو عيد تتويج الصقر المقدس، وكان يُحتَفل به في اليوم الخامس من الشهر الأول من فصل الشتاء (الشهر الخامس من السنة) ويرجع الفضل الأول في دراسة هذا العيد وترتيب النقوش الخاصة به في مبعد إدفو للأثري «الليو».٦٦

وتفاصيل هذا العيد سهلة نسبيًّا عندما نريد إعادة بنائها، ويرجع الفضل في ذلك إلى مجموعة فاخرة من النقوش تتألف من ثمانية مناظر عظيمة تصحبها متون مطولة دوِّنت في الصفين الأول والثاني للواجهة الداخلية للجدار الشمالي لحرم معبد «إدفو» مضافًا إلى ذلك متون عدة مبعثرة في أجزاء أخرى من المعبد.

وتدل المناظر على أن تمثال «حور» الذي مثِّل برأس صقر متوج بالتاج المزدوج يؤخذ من ناووس المحراب (١٥) ويوضع على مِحفَّة خفيفة الحمل مفتوحة من جوانبها، ولكن يعلوها مظلة خفيفة، وكان يحمل هذه المِحفَّة كهنة مقنعون؛ فأولئك الذين كانوا في المقدمة يلبسون قناع الصقر، والذين في المؤخرة يلبسون قناع ابن آوى، وهم في ذلك يمثلون أجداد ملوك المملكتين العتيقتين اللتين كانت تتألف منهما مصر وهما «هيراكنبوليس» في الوجه القبلي و«بوتو» في الدلتا.

ويُحتَمل أن الموكب كان يشبه جدًّا في نظامه موكب عيد السنة الجديدة؛ فكان يأتي في مقدمته الكهنة حاملين الأعلام، ويأتي بعدهم أعضاء طائفة الكهنة، والإله في مِحفَّته، وأخيرًا يأتي كهنة يحملون آلهة في نواويسهم، وكان من صفات هذا الموكب أنه كان يسير في صمت فلا يتكلم رجل مع زميله،٦٧ وكان الموكب يمر داخل المعبد مخترقًا أبواب الصرح، وبعد أن يجتاز البوابة التي في الجدار الجنوبي لحرم المعبد يتحول نحو اليسار سائرًا إلى معبد «الصقر المقدس» وهنا تتحول المِحفَّة، وتواجه نواويس الآلهة الذين كانوا مجتمعين أمامه مع حامليهم، وعندئذ تكون قد حانت اللحظة لانتخاب الملك الجديد، والطريقة في ذلك كانت بالوحي؛ فكان يُنادَى اسم كل إله على انفراد حتى يكون في مقدور «حور» أن يشير إلى الذي وقع عليه اختياره، ولم ينتخب واحد من الآلهة الذين نودي عليهم، والظاهر أن مِحفَّة حور في هذه الحالة إما أن تكون قد بقيت دون حركة، أو تكون قد عملت حركة تراجع عند نداء كل اسم، وبعد ذلك يدخل الموكب فناء الردهة الأمامية، أو قاعة العُمُد الكبرى لمعبد الصقر المقدس، وفي أثناء وقوف مِحفَّة «حور» في المدخل يجلب مربو الصقور عددًا من الصقور المقدسة التي ربِّيت في الخميلة المقدسة، وفي النهاية يُنتَخب واحد من هذه، ويعترف بأنه هو وارث الإله، والملك الجديد.
بعد ذلك يبتدئ الجزء الثاني من الحفل؛ وذلك أن الموكب الآن قد شمل الصقر المقدس، وألف وعاد أدراجه في طريقه إلى الردهة الأمامية لإقامة حفل الاعتراف به، وبعد الدخول في الردهة الأمامية كانت الآلهة وأتباعهم يدخلون من الباب الذي على الجناح الشرقي للبوابة، ويصعدون إلى سطح الباب الرئيسي الواقع بين جناحي البوابة الكبرى: وهذه كانت تُدعَى شرفة الصقر٦٨ أو «نافذة الظهور»،٦٩ والسبب الواضح لذلك هو أن «حور» يكون في مقدوره أن يستعرض خلفه — وهو الصقر المقدس الذي انتُخب حديثًا — أمام الناس.

وليس لدينا ما يشير إلى من هم هؤلاء الناس، ولكن يظهر أنه كانت هناك جماعة من الكهنة وغيرهم من الناس المفضلين في الردهة العظيمة وأمام الصرحين.

ومن المرجح أنه عند هذه النقطة كان يُرتَّل دعاءان؛ الدعاء الأول: خاص بسنة سعيدة، ثم يتلوه دعاء الإلهة «سخمت» وكان الغرض منه أن يُحفَظ الصقر المقدس من كل أنواع الأضرار والأخطار.

وبعد ذلك كان ينزل الموكب من الشرفة، ويدخل المعبد للقيام بإنجاز الجزء الثالث من الإجراءات، وأعني بذلك إجراءات التتويج فكان يوضع الصقر تحت مظلة خفيفة — لأجل إتمام الجزء الأول من صلاة التتويج — على جذع مستطيل أُحكِم حفره؛ ليكون تقليدًا لواجهة القصر البدائية المعروف باسم «سرخ» ثم كان يُعطَّر، ويقلد قلادة رسمية، ويقدم له رمز الأبدية، وأربع الباقات الخاصة بالآلهة «حور البحدتي» و«رع» و«حتحور» و«آتوم».

أما الجزء الثاني من الحفل فكان خاصًّا بتتويج الحاكم الجديد وحمايته، فكان يوضع الصقر والإله حور جنبًا لجنب على عرشين، وكل منهما على ظهر صورة أسد، وكان يُقدَّم للإله الشارة الملكية، وعدد عظيم من التمائم، ثم تُلمَّس شفتاه باللبن، وتغنى أناشيد طويلة لحماية الإله وبيته والأرض التي كان يقف عليها، والسرير الذي كان ينام عليه، والهواء الذي كان يتنفسه، وكذلك كانت التعاويذ الخاصة بحماية الجسم الإلهي تُتلَى أمامه.

وبعد تمام هذه الأحفال كان وقت المرحلة الأخيرة للحفل قد حان، وأعني بذلك إقامة وليمة، وكان يؤلف لهذا الغرض الموكب من جديد، ويعود إلى معبد الصقر المقدس، وهناك كانت تقام صلاة شكر دقيقة قبل أن تُرتَّل أسماء القربان، في حين أن الملك كان يقدم لحومًا مختارة للصقر؛ وهذه القطع من اللحم هي التي كانت تمثل هلاك أعداء الإله والملك.٧٠ أما الوليمة الفعلية فقد مثلت في منظر عنوانه حرق البخور. إحضار الإله إلى لحمه٧١ (طعامه). هذا، ونجد في الصلاة اليومية — كما أشرنا إلى ذلك من قبل — أن قربان بخور المر كان يُرمَز به إلى وجبة فعلية؛ وذلك لأن الصيغة الخاصة به تحدثنا بأن «رائحة المر لأجل أنفك، وأنها تملأ خيشومك، وقلبك يتسلم أنصبة اللحم على رائحتها.»٧٢

وهذه الوليمة هي نهاية الأحفال الرسمية، وفي حين نجد أن الصقر المقدس قد بقي في معبده فإن الإله «حور» كان يُحمَل ثانية إلى ناووسه في محراب المعبد الرئيسي، وكان الشعب في هذه الآونة يُلقي بنفسه في أحضان الفرح والسرور والتمتع بالولائم.

ويلحظ أن التقابل الذي يلفت النظر بين هذه الشعائر، وبين حفل التتويج في أيامنا الحاضرة لا يحتاج أي تحسين جديد، وعلى أية حال لدينا نقطة أخرى تحتاج إلى تعليق قصير؛ إذ لا بد من أن نؤكد من أنه في خلال كل هذه الأحفال كانت هناك وحدة تامة بين الصقر المقدس وحور البحدتي٧٣ والفرعون. فالعيد في الواقع كان أكثر جدًّا من كونه مجرد اختيار صقر مقدس وتتويجه، بل كان كذلك التجديد السنوي لتتويج الملك الحاكم، فاليوم الأول من الشهر الأول من فصل الشتاء، وهو اليوم الأول من العيد، وقد سمي في التقويم بمثابة يوم عيد السنة الجديدة لحور البحدتي. وأهمية ذلك كما أظهر «جاردنر» في نقده لكتاب «فريزر» عن «أدونيس» و«أنتيس» و«أوزير»٧٤ أن هذا اليوم يأتي مباشرة بعد أعياد أوزير الكبيرة التي تقع في الشهر الرابع من السنة؛ ففي اليوم الأخير من الشهر كانت تقوم قيامة «أوزير» بوصفه ملكًا متوفى نودي ثانية من قبره ليعيش شبه حياته السابقة ثم دفنه، وفي اليوم التالي وهو اليوم الأول من الشهر الخامس تسلم ابنه حور الملكية، ومن ثم كان هذا هو التاريخ الذي كان يُعتَبر ظاهرًا مناسبًا لتولي أي فرعون عرش الملك، وكان ذلك اليوم هو التاريخ المتفق عليه للعيد سد (العيد الثلاثيني) وهذه الحقائق هي التي وتوضح لنا أهمية هذا التاريخ، وطبيعة تتويج الصقر المقدس.

عيد النصر

كان يحتفل بعيد النصر — وهو ثالث الأعياد التي نَصِفها هنا — مدة خمسة أيام متتالية، تبتدئ باليوم الواحد والعشرين من الشهر الثاني من فصل الشتاء (الشهر السادس من السنة)، وهذا العيد يختلف عن الأعياد التي نصفها هنا في أنه لم تصل إلينا معلومات مفصلة عن الأحفال المنوعة التي كانت تقام فيه، والمتون الطويلة الخاصة بهذا العيد تُعتَبر من طراز خاص، ولا يمكن أن تكون قد اشتملت على كل الشعائر؛ ولذلك فإن الشعائر التي كانت تقام أثناء انعقاده متروكة للحدس والتخمين.

والمتون الرئيسية الخاصة بهذا العيد محفوظة في الصفين الأول والثاني من الواجهة الداخلية للجدار الغربي لحائط حرم المعبد، وهذه المتون محددة المعالم ومفصولة عن كل المناظر الأخرى التي على هذا الجدار؛ إذ إنها نُقِشت بنظام معكوس.٧٥ ففي الصف الأول نجد المتن الذي يمكن أن نسميه بسهولة: الدراما المقدسة،٧٦ ونجد في الصف الثاني ما يسمى عادة: «أسطورة قصر الشمس المجنح»،٧٧ ويتلو ذلك متن أقصر يشير عنوانه إلى شراب مؤلف من عنب وماء.٧٨
وموضوع طبيعة المتون التي في الصف الأول موضوع جدال؛ فيقول «فرمان» إنه على الرغم من معارضة رأيه القائل إن هذا المتن وضع في صورة تمثيلية مقدسة تحتوي على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة،٧٩ وقد عارضه كل من «دريتون» و«الليو» وقد قال الأخيران: هذا المتن لا يمثل دراما، بل يحتوي على سلسلة من الأعمال الشعائرية. وعلى أية حال لا يزال «فرمان» متمسكًا برأيه ومصممًا على القول بأن المتن الذي في الصف الأول هو الذي بقي في الصورة على الجدار في صورة تمثيلية مقدسة.

ولما كانت هذه الدرامة المقدسة توجد في الصف الأول فإنه يظهر من المؤكد أنها قد مثلت في الصباح المبكر قبل المناظر التي في الصف الثاني، ولكن ما سبق ذلك فلا علم لنا به غير أنه مما لا جدال فيه أن تمثال «حور» لا بد كان قد أُحضِر من المحراب إلى البحيرة المقدسة التي كانت بلا نزاع قد أقيم على حافتها جوسق صغير، وأن تمثيل الرواية قد وقع بعضه بجانب البحيرة وبعضه الآخر على مائها في حضرة الكهنة وجم غفير من المخلصين الذين مثلوا في البطانة، وأهم المشتركين هم الملك وكاهن مرتل وكهنة كانوا يقومون بدور الآلهة والبطانة.

والواقع أنه لم يكن هناك إلا تمثيل قليل، والنقطة الهامة كانت تنحصر في إلقاء الخطب الرنانة التي كان يتبعها القليل جدًّا من التعابير الطنانة، ولم يكن فيها إلا تمثيل ضئيل بالمعنى الذي نقصده نحن الآن؛ كما أنه لم يوجد تخصيص في التمثيل، فهي تظهر بمثابة مادة معتمة تتخللها فقرات قليلة لها صبغة أدبية تبعث فيها الحياة، ولكن يجب أن نلحظ أنها لم تكتب لنا أو لقوم لهم آراؤنا وأفكارنا، ولكن في نظر المتفرجين المصريين القدامى كانت الألفاظ والأوضاع — وفوق كل شيء ما تنطوي عليه هذه التمثيلية من أفكار دينية وآراء سياسية — قد جعلتها تمثيلية حقيقية مثيرة، وذات أهمية عميقة جدًّا عند المصريين.

وتضع أمامنا لون الرواية بما فيها من مديح للملك، وبالبيان الذي يقول:
هنا يبتدئ وقوع انتصار «حور» على أعدائه،٨٠ والفصل الأول: قُسِّم خمسة مناظر، وهو عبارة عن شعائر الخطاف (نوع من الرماح) المقدس؛ أي إنه كان هناك عشر خطاطيف مصحوبة بكلمات وحركات مناسبة قد رُشِقت بالتوالي في صورة فرس البحر، والفصل الثاني: يحتوي على منظرين لهما علاقة بالابتهاج بالنصر، ففي المنظر الأول: يُرى «حور» جالسًا في سفينته، ويطلب الغوث من الشباب حاملي الخطاطيف، وفي المنظر الثاني: يفرح الناس بحور عندما توج وقلد بشارة الملك، والفصل الثالث: هو عبارة عن الاحتفال بالنصر، ويحتوي على روايتين خاصتين بتمزيق أعضاء «ست» يفصل بينهما فاصل، وأخيرًا الخاتمة: وفيها يعترف بأن «حور» قد انتصر، وأن أعداء الآلهة والملك قد هُزمِوا.

ومن المهم أن نلحظ أن هذه التمثيلية قد بدأت بالملك وانتهت بالملك، ولا نزاع في أن التصوير الدرامي لانتصار «حور» والبيان الرسمي عن فوز «حور» والملك قد جعل من المؤكد أن أعداء الفرعون قد هُزموا وأهلكوا، وبذلك أصبح مضمونًا لمدة عام آخر أن الملك وشعبه وكل أرض الكنانة قد نالت نصرًا وسلامًا.

والمتن الرئيسي الذي في الصف الثاني هو أسطورة قرص الشمس المجنح٨١ وهذا المتن ليس خاصًّا بالتعاليم أو الشعائر الدينية العادية، كما أنه ليس بالمتن التمثيلي، بل هو في الواقع قد وُضِع في صورة قصة طويلة عن الحرب بين «حور» و«ست» تتخللها عدة توريات مملة خاصة بالأعمال المختلفة والأماكن التي ذكرت فيها. على أن ذروة هذه القصة قد وضحت في بيانٍ جاء فيه: أن قرص الشمس المجنح لا بد أن يوضع في كل معبد في أنحاء مصر، ثم يستمر المتن في تفسير أن قرص الشمس هو «حور البحدتي» الذي له السيادة على الوجه القبلي والوجه البحري، وأنه هو الذي يهزم دائمًا العدو، وأنه هو الذي في اسمه قد نُقش الحي والميت، ثم ينتهي المتن بقطعة من السحر الخالص، وهي أن جعلًا مجنحًا منقوشًا يوضع على صدر الملك في يوم الشدة، وعندما تُتلَى التعويذة المناسبة تكون النتيجة أن الملك لن يستولي عليه الخوف، وأن أعداءه سيقضي عليهم مباشرة.

ومن ذلك يتضح أن هذا المتن بصورة عامة قد وُضِع تصميمه؛ ليؤكد ويبرهن على أحقية «حور البحدتي» في السيادة على مصر، وكذلك ليؤكد أنه في قدرته أن يحمي الملك كما هي الحال فعلًا.

ومما له معناه هنا أن كل الأسطورة قد أخذت صورة وثيقة تاريخية، وتبتدئ بتاريخ أسطوري: في سنة ٣٦٣ من حكم ملك الوجه القبلي والوجه البحري «رع–حور–أختي».

وهذا يبدو بجلاء كأحد الاستشهادات لسابقة تاريخية كانت أو خيالية، من تلك التي كان قد أُولِع بها المصريون، ومن ثَم يجوز لنا أن نقترح هنا أن هذا الجزء من العيد كان قد فُكر فيه؛ ليكون بمثابة تكملة للدراما المقدسة، وأنه يحتوي على تلاوة تاريخ انتصارات «حور» التي مثلت كذلك تحت ستار وثيقة تاريخية؛ لتبرهن على أحقيته في السيادة.

والجزء الأخير من هذا المتن متصل بوضوح بقربات تحتوي على ماء، وغزال، ووعل، وماشية من ذوات القرون الطويلة والقصيرة، وكل هذه القربات — كما هو معروف — ترمز لأعداء الملك والآلهة، ثم يستمر المتن بعد ذلك مباشرة في ذكر الفقرات الختامية لأسطورة قرص الشمس المجنح، وذلك بتحضير التعويذة التي تُتلَى على الجُعَل المُجنَّح الذي وُضع حول رقبة الملك الذي أصبحت أعداؤه في الحال خبرًا بعد عين، على حسب أحد المبادئ الأساسية للسحر المصري؛ وذلك بمجرد التأكيد أنهم خائفون، ولا حول ولا قوة لهم، ويتبع ذلك بيان بأن الأعداء المهزومين قد أُرسِلوا إلى جهات العالم الأربع، وذلك ليكونوا سلالات مختلفة من بني الإنسان، وذلك بصرف النظر بطبيعة الحال عن المصريين، يضاف إلى ذلك ذكر حوادث أخرى عن حروب «حور» مع التَّوْرِيات في الألفاظ التي كان لا محيص عنها، والواقع أن المتن كله يظهر بأنه ملحق لأسطورة القرص المجنح، وغرضه الأساسي — على ما يظهر — هو إقامة شعيرة تعتبر فاصلة وسحرية حامية في نهاية الحفل.

الزواج المقدس

يعد الزواج المقدس٨٢ وهو آخر الأعياد الكبيرة التي سنفحصها هنا من وجوه عدة، وهو أعظم هذه الأعياد من حيث التشويق والأهمية، وهذا العيد كان شعبيًّا في أصله إلى درجة عظيمة أكثر من الأعياد التي وصفناها فعلًا؛ وذلك لأن جزءًا كبيرًا من الأحفال كان يحدث خارج جدران المعبد كما كان — بدرجة مختلفة — له أثره ومكانته في نفوس كل شعب الوجه القبلي من «دندرة» حتى «الفنتين».
وكان هذا العيد يُحتَفل به في «إدفو» من أول يوم من الشهر القمري في الشهر الثالث من فصل الصيف (وهو الشهر الحادي عشر من السنة) وينتهي في اليوم الذي يبلغ فيه القمر التمام؛ أي إنه كان يمكث مدة خمسة عشر يومًا، وعلى أية حال كانت تبتدئ التجهيزات الأولية فعلًا قبل الاحتفال بأربعة عشر يومًا٨٣ في درندة، وذلك عندما كانت الإلهة حتحور «تركب» سفينتها العظيمة ويسير بها موكبها في عرض النهر، وبعد ذلك كانت ترسو عند «إدفو»، وهناك كانت تدق أوتادها في وسط أسطول عظيم من القوارب التي كانت تحمل الكهنة والأتقياء من عبادها. هذا، وكان الموكب يقف في طريقه عند طيبة حيث كانت تزور الإلهة «موت» ربة «أشرو» و«كومير» الواقعة بين «أسنا» و«هيراكونبوليس» قبالة الكاب الحالية، ومن الجائز أنها كانت تقف في أماكن أخرى — وإن كان ذلك لم يذكر — ومن السهل علينا أن نتخيل أنه عندما كان الموكب الوضَّاء يتقدم ببطء فإن ذلك كان يثير أحساسيس النظارة فيرقصون ويمرحون برؤيته، وهم وقوف على شاطئ النهر، ولا نزاع في أن مدة العيد كانت فترة سلام وأفراح، فكان سكان إدفو في ابتهاج يصيحون سرورًا حتى عنان السماء … وماء الفيضان العظيم قد سكن ثائره، والنيل يفرح مهدئًا أولئك الذين في الماء في حين أن التماسيح قد هدأت كلها، ولم يكن في مقدور واحد منها أن يَثِب من الماء.٨٤
وكان الموكب يصل عند المرسى الواقعة شمال إدفو في الساعة الثامنة نهارًا في يوم القمر الجديد، وهناك قابل حتحور «حور بحدت» وأتباعه ووفد من «الفنتين»، وبعد ذلك نزلت «حتحور» من سفينتها، وسارت مع «حور» إلى معبد قريب، وهناك أقيمت أحفال مختلفة أهمها حفل فتح الفم، وتقديم قربات من باكورة فاكهة الحقل، وتقديم الحقل، وحفل «سوق العجول» وتقديم رمز الصدق وقربات طعام عدة، وبعد ذلك ركب الآلهة سفنهم، ثم أقلعوا مع عمدة «كومير» و«هيراكنبوليس» و«الفنتين» وجم غفير من الحجاج إلى «إدفو» في قناة على ما يظن، ودخلوا في النيل عند «أتبو» إلى مكان على مقربة جدًّا من المعبد، وفي أثناء الطريق وقف الموكب عند مكان يدعى «تل جب» حيث أقيمت أحفال أخرى تشمل حفل «فتح فم» آخر، وتقديم قربات محروقة، ثم استأنف الموكب طريقه، وفي النهاية وصلت القوارب إلى «إدفو»، وعندئذ دخل «حور» وزوجه حرم المعبد من الباب الشرقي في الحرم المصنوع في الجدار المبني باللبنات، وبذلك اجتازوا الحرم، ودخلوا الردهة الأمامية من الباب الواقع في ركنه الجنوبي الشرقي B، وبهذا تمت أحفال اليوم، وقد كان هذا هو الزواج الحقيقي، وقد أمضى «حور» و«حتحور» ليلة زواجهما في المحراب.

وفي صباح اليوم التالي — وهو اليوم الثاني من الشهر القمري — حدث تغيُّر يدل على دهاء؛ فلم يظهر أي تأكيد على موضوع الزواج الذي لم يأت ذكره، بل نقرأ بدلًا من ذلك عن «عيد بحدت» مدة أربعة عشر يومًا يبتدئ في هذا اليوم، وقد تألف الموكب، وكان على رأسه خمس الحراب المقدسة، وكل الوفود الزائرين وكهنة، وبلا نزاع كان معظم أهل البلد يتبعونهم، وسلك الكل طريقهم من المعبد مجتازين الصحراء حتى أرض دفن «بحدت» التي تقع على مسافة إلى الغرب أو الجنوب الغربي، وهناك وقفوا عند المعبد العالي فضلًا عن قربات الخبز والجعة والثيران والطيور، وكل شيء طيب، وضحايا محروقة كثيرة، وإنشاد الأناشيد لتقديم القربات السائلة للأرواح المقدسة، واحتفال دوس القبر.

وبعد ذلك اندفع كل الناس لإقامة الأفراح لمدة من الزمن، وبعد ذلك غادر الموكب المعبد العالي، وانطلق في طريقه إلى قاعة «بيت الحياة» وهو مبنى لا يُعرَف موقعه، ولكن يُحتَمل أنه كان من المباني التابعة للمعبد الرئيسي، وهنا أقيمت سلسلة شعائر غاية في التعقيد، وأهم مفرداتها هي ذبح تيس أحمر ووعل أحمر (اللون الأحمر يدل على الشر، وهو لون يجلب سوء الحظ؛ لأنه لون الإله ست) وكميات غزيرة من القربات من كل وصف، وكذلك أطلق أربع أوزات إلى جهات العالم الأربع، وكل واحدة منها تحمل الرسالة التالية لآلهة الجهات الأربع المختصة لكل:

إن ملك الوجه القبلي والوجه البحري «حور البحدتى» رب السماء قد استولى لنفسه على التاج الأبيض، وتسلم التاج الأحمر.

وبعد ذلك أخذ كاهن يدعى «ابنه المحبوب» قوسًا وفوقه نحو الجنوب والشمال والغرب والشرق.

هذا، ونجد أن طبيعة الشعائر التي تلت قد تغيرت، وأصبحت أكثر مقاومة للمرض؛ فقد أُحضِر فرس بحر مصنوع من الشمع الأحمر منقوش عليه أسماء الأعداء، ثم دونت أسماء أعداء الملك على إضمامة من البردي، وصُنِع فرس بحر من الرمل، وعمل لها كل شيء مؤذٍ، وبعد ذلك أُدِّيَت أحفال دوس السمك، ودوس عدو الملك، ووطئه بالأقدام، والطعن بالسيف، وهذه الأحفال قد تُبِعت بعد ذلك بترجمة فسَّرت بوضوح أن كل هذه كانت رموزًا للأعداء التي قضى عليها بهذه الكيفية، وفي هذا الوقت كان المساء قد حلَّ، وبعد الشراب في الحضرة الإلهية انسحبت الآلهة، واستسلم الناس لليلة طافحة بالمسرات حول المعبد.٨٥
والأحفال التي أقيمت من اليوم الثاني حتى اليوم الرابع من «عيد بحدت» كانت على وجه التقريب مماثلة لأحفال اليوم الأول عدا أنه في كل من الأحفال الرئيسية التي كانت تقام عند المعبد العالي كانت تقع عند تلٍّ مختلف، ومن اليوم الخامس حتى اليوم الثالث عشر من أيام العيد نجد أن التفاصيل عنها ضئيلة للغاية، ولكن بقدر ما يمكن الإنسان أن يجمعه من معلومات كانت الأحفال تقام على نطاق ضيق جدًّا، فلم يظهر هناك أي موكب للجبَّانة،٨٦ وكل الأحفال الدينية يظهر أنها كانت تؤدى كلها داخل المعبد، وأخيرًا في يوم تمام القمر، وهو اليوم الرابع عشر من عيد «بحدت» كان الوقت قد حل لرجوع «حتحور» إلى «دندرة».

وقد سار في ركابها الناس بنفس الأبهة التي وصلت بها حتى معبد أو مقصورة «أتبو» وهناك أقيم لها احتفال وداع عظيم فعُمِل لها احتفال «فتح الفم» وقدمت القربات، وسار نواتي مركب حور أمامها، وأدى حفل دوس القبر مرة أخرى، وتُلِيت عبادة الخطاف المقدس، وأخيرًا ركبت «حتحور» سفينتها، وأقلعت بها تتهادى نحو الشمال إلى «دندرة».

والوصف السابق يعد أبسط مجمل لأحفال هذا العيد التي تُعتَبر غاية في التعقيد، وهي التي ذكرتها لنا المتون بقليل من التفصيلات، وعلى أية حال ظهر عدد من النقاط غاية في الأهمية؛ فمن الواضح أن هذا العيد لم يكن وحدة قائمة بذاتها، كما أن أقسامه الواضحة تنحصر في قسمين رئيسيين؛ وهما الزواج المقدس الذي حدث في اليوم الأول، وبعبارة أدق الذي حدث بعد ظهر اليوم الأول وفي المساء من نفس اليوم، وعيد بحدت الذي جاء على أعقابه ينقسم كذلك قسمين؛ الأول: مكث أربعة أيام، والثاني: عشرة أيام.

ولكن هناك أكثر من ذلك؛ وذلك أن الميزة البارزة في الأحفال هي التأكيد على إبراز الأحفال التي يحتويها، وكل ما هو معروف الآن في الواقع هو عبارة عن شعائر خاصة بعيد الحصاد مثل شعيرة تقديم باكورة الفاكهة، وقربات الحقل، وسوق العجول، ودوس القبر، وطلق الأوز إلى الجهات الأربع، وكلها مميزات معروفة تمامًا لعيد الحصاد، وحتى دوس العدو تحت الأقدام موجود بوضوح، وهو ممثل في نثر الحَب ودوسه تحت الأقدام عند عيد الحصاد غير أنه تظهر نقطة غريبة؛ وذلك أنه عندما نعتبر عيد الحصاد بأنه احتفال يقع مباشرة قبل حصد المحصول، وأن تاريخه التقليدي هو الشهر الأول من فصل الصيف،٨٧ وحتى عندما تكون السنة والتقويم متفقين معًا فإن الشهر الثالث من فصل الصيف يكون قد اشتمل شهر مايو ويونيو عندنا، وذلك بعد الحصاد بكثير؛ لأن الحصاد يحدث في شهر أبريل في الوجه القبلي، ولكن في الوقت الذي كان قد دوِّن فيه متن العيد الذي نحن بصدده وهو الشهر الثالث من فصل الصيف؛ قد جاء متأخرًا في السنة.
ويحتمل أن ذلك كان من يوليو لأغسطس، وهما شهران يأتيان بعد الحصاد والدرس في مصر، وذلك عندما يكون النيل في فيضانه فعلًا، وليس هناك من شك أن الزواج المقدس في «إدفو» كان في الأصل عيد حصاد، وهو في الحقيقة عيد الشهر الأول من الصيف، ولكنه عيد حصاد قد تمَّ في غير فصله المناسب (بسبب عدم الحساب بالسنة الشمسية المضبوطة التي تحتوي على يومًا).
ولكن هناك ما هو أكثر من ذلك؛ فمن المعلوم جيدًا أن أعياد الحصاد هذه كانت قد أصبحت بسرعة أوزيرية الصبغة، وبذلك أصبحت أعيادًا جنائزية، وهذا واضح بجلاء في إدفو، ونعلم أن الزيارة للمعبد العلوي كانت لزيارة جبَّانة مقدسة؛ حيث دفنت الأرواح المقدسة التي كانت تقدم لها القربات أثناء انعقاد العيد، وهذه الأرواح المقدسة كانت من المسلَّم به هي الآلهة الأجداد لمدينة إدفو، ولدينا سلسلة٨٨ طويلة من المتون خاصة جميعها بهؤلاء الآلهة، وعلاقتهم بهذا العيد الخاص، فهي تحدثنا بأنهم كانوا تسعة آلهة، ثم تذكر أسماءهم، وتحدثنا أن الزيارة السنوية التي كانت تقوم بها حتحور للإله حور قد جلبت لهؤلاء الآلهة حياة ونورًا.

وعلى ذلك فمن البدهي أن هذا الزواج المقدس كان عيدًا مركبًا جدًّا، فالزواج نفسه يعد جزءًا وثيق الصلة بالحصاد، وذلك لأنه يضمن الخصب وكثرة المحصول، وفي «إدفو» نجد أنه قد اتَّحد دون مِراء مع شعائر الحصاد، ومع عبادة الأجداد، وأنه أصبح المثال المصري الكامل للنموذج المثالي لعالم الإنثروبولوجيا للزواج المقدس المرتبط بشعائر الحصاد، وعبادة الأجداد.

والآن بعد أن ألقينا نظرة عامة سريعة على النشاط الذي يحدث في المعبد خلال سنة كاملة، فقد أصبح من الطبيعي بعد ذلك أن نسائل أنفسنا: كيف كان مسلك رجال الدين أمام هذا النشاط المتعدد النواحي؟ وبأية روح كانوا يقومون بأداء واجباتهم؟ والواقع أن نقوش المعبد المصري لم تكن قط شخصية فلم تُحدِّثنا قط في عبارات مدونة عن شعور الكهنة ورد الفعل عندهم، ولكن لدينا على بعض أبواب المعبد خطابات موجهة من الكهنة للداخلين في المعبد، وهي تلقي بعض الضوء على السؤال السابق.

وقد جمع كل هذه الخطابات الأثري «الليو» وترجمها،٨٩ وسنورد منها هنا اقتباسين: فعلى أحد الأبواب مثلًا نقرأ:
إن كل فرد يدخل من هذا الباب عليه أن يحذر من أن يدخل نجسًا؛ لأن الإله يحب الطهارة أكثر من ملايين الممتلكات، وأكثر من مئات الآلاف من الذهب النضار. فطعامه الصدق، وإنه راضٍ به، وقلبه مسرور بالطهارة العظيمة.٩٠
وفي متن آخر يقول الكاهن:
ولوا وجوهكم شطر هذا المعبد الذي وضعكم فيه جلالته، فهو يسيح في السموات في حين أنه يرى ما يجري فيه، وإنه لمسرور بذلك على حسب كماله. لا تدخلوه مذنبين، ولا تدخلوا فيه أنجاسًا، ولا تنطقوا مَيْنًا في بيته، ولا تطمعوا في أشياء، ولا تسبوا، ولا تقْبَلوا رشوة، ولا تكونوا متحيزين بين رجل فقير ورجل عظيم، ولا تُخْسِروا الميزان والمِكْيال، ولا تلحقوا أضرارًا بحاجيات عين رع (القربان المقدسة) ولا تفشوا أسرار ما رأيتم في المعبد، ولا تمدوا أيديكم إلى أمتعة بيته، ولا تخاطروا بالاستيلاء على متاعه. احذروا فوق ذلك من قولكم غبيا! في القلب، وذلك لأن الإنسان يعيش على فيض الآلهة، والفيض هو ما يسميه الإنسان ما يأتي من مائدة القربان بعد إعادة القربان الإلهية التي كانت عليها (أي على موائد القربان). تأمل فإنه (أي الإله) سواء يسبح في السموات، أو يجتاز العالم السفلي فإن عيناه مثبتتان بقوة على ممتلكاته في أماكنها الحقة.٩١

على أنه في استطاعة الرجل الساخر الهازئ بما أوردنا هنا أن يعلق بقوله إذا كانت أمثال هذه التحذيرات ضرورية، فإن هؤلاء الكهنة لا بد أنهم كانوا قد سقطوا في هوة سحيقة بعيدة عن المثل العليا، ولكن على أية حال لا بد من الاعتراف هنا بأنه كان يوجد كهنة أشرار بعيدون عن سبيل الفضيلة، ومع ذلك فأهم من مثل هذه الاعتبارات هو وجود المثل الأعلى فيها، وهذه المتون تضع أمام الكهنة هدفًا ومثالًا أعلى، والواقع لن نكون قد حِدْنا عن جادة الصواب إذ سلَّمنا أنه مع ذلك كان يوجد كهنة قد سعوا بكل إخلاص وتواضع في أن يسلكوا هذا السبيل السوي الذي رسموه.

أما عن الشعب وسلوكه بوجه عام فليس لدينا ما نتحدث به عنه إلا القليل. فمن الواضح أن الأغلبية العظمى من دهماء الناس لم يكن لهم اتصال مباشر بالصلوات اليومية التي كانت تقام في المعبد، أو بالكثير من مختلف العبادات. يضاف إلى ذلك أن الشعب لم يشترك في إقامة أية شعائر خاصة أو مقدسة.

وكل ما نعرفه هو أنه في بعض المناسبات، كعيد تتويج الصقر المقدس وعيد النصر، نرى أنه من المعقول أن نسلِّم أن بعض أشراف المديريات، ويُحتَمل كذلك أعضاء من جماعات المعبد غير طائفة الكهنة كان يُسْمح لهم بالدخول في حرم المعبد، ومن الجائز أنه كان يصرَّح لهم بالدخول في ردهة المعبد الأمامية، ومن ثَم نفهم أنه لم يكن مسموحًا لأي فرد من غير الكهنة بالتوغل في داخل المعبد أكثر من ذلك.

أما رجل الشارع العادي فكان عليه أن يقنع بمعرفة أن هذه الشعائر السرية كانت تقام في داخل المعبد لمنفعته ومصلحته العظمى وحسب، وعلى أية حال كان في مقدوره أن يسهم في الأعياد والمواكب المطبوعة بالطابع الشعبي، فيتمتع بالوجبات المجانية التي كانت تقدم له، وينعم بالأفراح التي كانت دائمًا تصحب مثل هذه الأعياد.

وتدل شواهد الأحوال على أن الشعب كان يتمتع بمثل هذه الملاذ بشهوة، فقد وجدنا ذلك مسجلًا على جدران المعبد أكثر من مرة، والاقتباس التالي يضع أمامنا وصفًا للأفراح العامة في أحد الأعياد، ويعتبر نموذجًا لما كان يجري في تلك الفترة من تاريخ البلاد:٩٢

إنه يقف قبالة مدينته، ويرى معبده، وقد أثرى بكل مئونة، ومدينته في عيد وقلبه متهلل بالفرح، وكل أزقتها في سرور … مُؤَنها يفوق عددها عدد رمال الشاطئ؛ فكل أنواع الخير فيها بكثرة مثل عدد حبات الرمل، والثيران ذوات القرن الطويل وذوات القرن القصير أكثر عددًا من أرجال الجراد، وفيها بِركة طير لأجل الطيور، والغزال والوضيحى والوعل وما شابهها يبلغ دخانها عنان السماء (أي الدخان المنبعث من طهيها)، وعين حور الخضراء (كناية عن النبيذ) تجري في ربوعها كالفيضان عندما ينبع من كهفيه (عند أسوان)، وبخور المر على موقده مع البخور تُشَم رائحته على بعد ميل، وإنها (أي المدينة) موشاة بالقاشاني المتلألئ بالنطرون، وهي مكللة بالأزهار والأعشاب النضرة، في حين أن الكهنة خدمة الإله والكهنة آباء الآلهة كانوا مرتدين ملابس جميلة من الكتان، وحاشية الملك قد ارتدوا شعاراتهم، وشبانها سكارى ومواطنوها مبتهجون، وشباتها العذارى يروق النظر إليهن، والفرح شامل، والأعياد في كل الربوع، ولا نوم فيها حتى مطلع الفجر.

ولا يجب علينا — على أية حال — أن نفكر في أن اتصال الرجل العادي بربه ومعبده كان اتصالًا الغرض منه الخلاعة والانغماس في اللذات؛ وذلك لأنه على الرغم من أنه لم يكن مسموحًا له دخول المعبد، فإن المعبد والصلوات التي كانت تقام فيه وإلهه المعبود كانت كلها أمورًا حقيقية في نظر الكثير، كما كانت ضرورية لهم.

فلدينا سلسلة متون منقوشة على البوابة الجنوبية لحرم المعبد تبرهن لنا على أن هذا الاعتقاد في الإله كان موجودًا فعلًا، وأن مؤنًا كانت تُصنَع لحاجة الناس لإقامة الصلاة، ولتقديم قرباتهم. ففي هذه المتون نقرأ أنه مكان الوقوف لأولئك الذين يملكون والذين لا يملكون (ثروة) ليتعبدوا طلبًا للحياة، ولأجل رب الحياة، أو المكان لسماع ظلامات كل المتظلمين، لأجل أن يفصل بين الصدق والكذب، وأنه المكان العظيم لحماية الفقراء، ولتخليصهم من الأقوياء،٩٣ ويقول كذلك: إنه المكان الذي في خارجه تقدَّم القربات في كل الأزمان، وتحتوي على كل محصول للخدم.
والمتون التي اقتبسناها هنا تبرهن على أنه خارج البوابة الجنوبية مباشرة من حرم المعبد كان في استطاعة عامة الشعب أن يأتوا إلى هناك في كل وقت للصلاة وللعبادة، ولتقديم ظلاماتهم، وليلتمسوا العدالة، وليضعوا قرباتهم المتواضعة أمام الإله.٩٤ فالمعبد إذن كان وحدة حية، وكان النشاط المنوع الذي يُجرَى في داخل جدرانه يُعمَل للصالح العام، ولم يكن رجل الشارع أعمى بالنسبة لإلهه، ولكن كان ينظر إليه بطريقته المتواضعة بأنه السند والملاذ في وقت الشدة والرجاء.٩٥

هذه نظرة عابرة على ما جاء في معبد «إدفو» من نقوش دينية، وبخاصة عن عبادة الإله «حور» رب معبد «إدفو»، وكان لا بد من وضع هذا المختصر لأولئك الذين يريدون دراسة عهد البطالمة من الوجهة المصرية البحتة، وهو المرمى الأصلي، والهدف الأساسي في كتابتنا لتاريخ مصر في عهد البطالمة.

ولا نزاع في أن الأجانب الذين كانوا يقطنون وادي النيل في تلك المدة كانوا لا يعرفون شيئًا عما كان يجري في داخل المعابد المصرية، كما أن الكهنة — على الأرجح — كانوا لا يسمحون لأحد من هؤلاء الأجانب بالدخول في معابدهم، ولا أدل على ذلك من أن المصريين أنفسهم من غير رجال الدين لم يكن يُسمَح لهم بالدخول في أعماق المعبد، أو حتى الاشتراك في إقامة الصلوات هناك، وقد نوهنا عن ذلك فيما سبق، ومن أجل ذلك لن نكون قد حِدنا عن جادة الصواب إذا قلنا إن العبادات التي كانت تقام داخل المعبد كانت مصرية بحتة لم تشبها أية شائبة أجنبية، وعلى الرغم من أن النقوش تحدثنا أن الملك كان هو الكاهن الأكبر الذي كان عليه أن يقوم بتأدية الشعائر الدينية فإن من المحتمل جدًّا أنه كان لا يحضرها قط أو يفهم منها كلمة واحدة؛ وكل ما في الأمر أنه كان رمزًا للفرعون الذي لم يكن بد من وجوده في مصر حسب السُّنة التي اتبعت منذ أقدم العهود، وكان الملك على أية حال يمثل على جدران المعبد وهو يقدم القرابين، ويرأس الأحفال، ومع ذلك فإنه من الجائز جدًّا أنه لم يره طوال حياته، ولدينا في معبد إدفو عدة مناظر مُثِّل فيها بطليموس الثالث وهو يقوم ببعض العبادات، وتأدية شعائر دينية نذكر منها ما يأتي:
  • (١)
    قاعة العُمُد الداخلية: يُشاهد في المدخل من الداخل بطليموس الرابع أمام بطليموس الثالث «إيرجيتيس» و«برنيكي الثانية» زوجه، وذلك في الصف الثالث من الجدار الغربي (١١٠–١١٤).٩٦
  • (٢)

    الدهليز الخارجي: الحجرة الخامسة (١٦٥): يُشاهد الملك «بطليموس الرابع» أمام بطليموس الثالث المؤلَّه، ومعه «أرسنوي» (؟) وثالوث «إدفو» وهو يقدم لهم قربانًا، والمنظر على الجدار الشمالي من الحجرة.

  • (٣)

    على جدران المقصورة رقم ٩ من الداخل: يُشاهد «بطليموس الرابع» و«أرسنوي الثالثة» يقدمان القربان لكل من «بطليموس الثالث» و«برنيكي الثانية» وذلك على الجدار الغربي (رقم ٢٠٠).

  • (٤)
    المحراب: وكذلك في المحراب يُشاهد «بطليموس الرابع» أمام «بطليموس الثالث» و«برنيكي».٩٧
  • (٥)
    خارج المعبد الأصلي أي على جدار الدهليز من الخارج: هناك متن مؤلف من سطرين ذُكِر فيهما تأسيس المعبد على يد «بطليموس الثالث إيرجيتيس» الأول.٩٨
  • (٦)

    الواجهة الخارجية — الجدار الغربي: نقرأ على جدران سور المعبد من الخارج على الجدار الغربي تواريخ ذكرها «بطليموس الحادي عشر» عن بناء المعبد وتزيينه في عهد كل من «بطليموس» الثالث والرابع والخامس والسادس … إلخ.

تعليق: إن أهم ما يلفت النظر في المناظر التي تركها لنا «بطليموس الثالث» في نقوش معبد «إدفو» هو أن اسمه لم يُذكَر فيها بوصفه هو الواضع لها على الرغم من أنه هو الذي أقام البناء الأصلي، ومن ثَم نستنبط أن المعبد لم يُنقَش، ولم يزين في عهده، غير أن ملوك البطالمة الذين أتَوا من بعده لم ينسوا له فضله فذكروا أعماله كما ألَّهوه في أعين الشعب المصري هو وزوجته «برنيكي» وبدهي أن كل ذلك من عمل الكهنة المصريين، ويحق لهم أن يفعلو ذلك؛ فقد كان من أعظم ملوك البطالمة الذين خلَّفوا وراءهم آثارًا ضخمة عديدة في طول البلاد وعرضها، وهي التي سنستعرضها بقدر ما وصلت إليه معلوماتنا، ويخيَّل إليَّ أن ملوك البطالمة قد أخذوا درسًا مفيدًا من ملوك الأسرة الثلاثين الذين كانوا يتبارون في إقامة المباني الدينية في عهدهم؛ وذلك بعد أن علموا تمام العلم أنه لن يستقر عرش الملك لواحد منهم إلا إذا أقام المباني الدينية الضخمة وأرضى الكهنة بكل ما لديه من قوة وسلطان، وإلا كان مصيره الخلع أو الطرد، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الجزء الثالث عشر من هذه الموسوعة (راجع الجزء الثالث عشر).
١  Chronipue d’Egypte, No. 57, (January 1954). PP. 29–45.
٢  Alliot, Le culte d’Horus au temps des Ptolémées, 2 Tomes.
٣  Weigall, Guide. P. 333.
٤  انظر الشكل رقم ٤-١ الخاص بتصميم معبد إدفو.
٥  Chassinat, Le temple d’Edfou, VI, 7, 5–8, VII, 18, 10–19, 2; Edfou V, 370, 11–371, 9; 374, 3–14.
٦  Chassinat, Le temple d’Edfou, VII, 17, 3.
٧  Ibid, IV, 6, 4.
٨  Ibid, II, 11, 13.
٩  Ibid, IV, 6, 3; VII, 16, 5.
١٠  Ibid, IV, 5, 12; VII, 15, 7.
١١  Ibid, IV, 13, 13.
١٢  Ibid, IV, 6, 2, VII. 15, 9.
١٣  Ibid, IV, 6, 2; VII. 6,1.
١٤  Edfu, IV, 5, 9–11; 13, 12; VII, 15, 3–7.
١٥  Edfu, IV, 5, 9–11, 12, 12; VII, 15, 3–7.
١٦  Edfu, IV,5, 1; 13, 7.
١٧  M. Alliot, Le eulte d’Horus à Edfu. P. 314. 26.
١٨  Edfu, IV, 5, 4; 13, 11; VII, 13, 3.
١٩  Edfu, VII, 13, 3.
٢٠  Edfu, IV. 5, 6; VII, 14, 1-2.
٢١  Edfu, IV. 5, 6; VII, 14, 1-2.
٢٢  Edfu, VII, 14, 4.
٢٣  Chassinat, Le Temple de Dendera, Tom. I. Pla. 40–12.
٢٤  J. E. A. 32. P. 81, No. 32.
٢٥  A. M. Blackman and H.W. Fairman. The consecration of án Egyptian Temple according to the use of Edfu. J.E.A. 32. P. 75–91.
٢٦  J. E. A., 32, 90, also Ibid, PP. 84-85.
٢٧  Ibid., 32, P. 81. and Journal of New Eastern Studies, 8. P. 340-1.
٢٨  Revue de l’histoire des Reilgions, 137, 59–104.
٢٩  Medinet Habu, ed. Chicago III. Pl., 148, 318, 367, 391; Pl., 150, 440, 452; ln the Edfu name list the only festivals under the name of Heliopolis are the “festivals of the sky”, all those listed being days of lunar month (Edfu, I, 333, 13), cf. J.E.A., 38, 21, Pap. harrin 161, 13; 346. 6 = Bibliotheca Aegyptiaca V, 20, 10, 40, 2.
٣٠  Edfu l, 368, 11-12.
٣١  Edfu VIII. 58, 14, 15.
٣٢  Edfu I, 20, 1–3 on the left.
٣٣  Edfu III, 335, 7-8; Cf. V, 2, 2-3.
٣٤  Edfu II, 139, 8.
٣٥  Edfu I, 554, 3-4.
٣٦  Edfu III, 83, 10.
٣٧  Edfu II, 114, 8; وقد ترجم «الليو» هذه العبارة بصورة مختلفة تمامًا راجع: Alliot. Culte I, 15 et Note 2.
٣٨  Edfu I, 420, 13 = XII. PI. 344.
٣٩  Edfu I, 429, 15-16 = XII. PI. 346.
٤٠  Blackman, The House of the Morning. J.E.A. 5, 148–65.
٤١  راجع عن هذا الموضوع: Moret, Le ritual du culte Journalier en Egypte; Blackman, The sequenc of the Episodes in the Egyptian Daily Temple, Journal of the Manchester Egyptian and oriental Society. (1918-19), PP. 27–53.
٤٢  Blackman and Fairman “A group of texts inscribed on the facade of the Sanctuary of the temple of Horus at Edfu; Miscellenia Grego–riana. PP. 397–428”.
٤٣  Edfu I, 26, 4–6 Alliot Cult I. P. 79.
٤٤  J. E. A., 35, 85.
٤٥  Alliot, Culte, 107–20, 83, 16–84 2; 207, 7–10; 230, 2–4.
٤٦  Edfu VI, 105, 2-3; VII.
٤٧  Alliot, Culte I, 12–32.
٤٨  Edfu III, 356, 1.
٤٩  Edfu III, 339, 9-10.
٥٠  Edfu I, 282, 12–15.
٥١  Edfu I, 359, 15–18 = XII, Pl. 324; V, 397, 5–401, 5; 394, 10–395, 7 = XIII. Pls. 494, 491, 489; Alliot, Culte I, 206–15; Edfu, V, 348, 4 353, 6; 354, 2–360, 2 = XIII. Pls. 485, 486.
٥٢  Edfu, V, 164, 6-7; Cf. 163, 17–164, 1.
٥٣  Edfu, V, 399, 1–6; 6, 7-8; VI, 9, 7-8; Edfu, V, 163, 16–165, 2; VI, 136, 11–142, 6; 281, 12–282, 13.
٥٤  Alliot, Culte I, 303–433.
٥٥  Edfu, V, 397, 6, 314, no, 426.
٥٦  De Morgan Ombos I.
٥٧  Chassinat, Le temple de Dendera IV, 185, 14, 186, 5.
٥٨  J. Dumichen Baugeschichte des Dendera tempels XIV, 10.
٥٩  Chassinat Dened., V, 117, 1–4; Mariette Dendera III, 37, 1; Dumas A.S. 51, 384–8 Cf. Mariette Dend. IV, 11; Dumischen Altaegypti–schen Kalendar inschriften, 82-3.
٦٠  Edfu I, 555, 11–14.
٦١  De Morgan Ombos II, 52, No. 596.
٦٢  Edfu V, 400, 80–401, 2.
٦٣  Mariette Dendera I, 62 f; Brugsch Thesaurus, 365.
٦٤  Edfu V, 6, 10, Cf. VII., 18 8-9.
٦٥  Alliot. Culte I, 358–60.
٦٦  Alliot, Culte. Revue de l’histoire des Relig., 137, 88–95.
٦٧  Edfu VI, 102, 5.
٦٨  Edfu VI, 93, 11.
٦٩  Edfu VI, 102, 9.
٧٠  J. E. A., 31, 57–73.
٧١  Edfu, VI, 305, 2.
٧٢  Edfu VI, 305, 3-4.
٧٣  Edfu V, 399, 7.
٧٤  J. E.A., 2, 121–6, and PP. 122–4.
٧٥  راجع ملحوظات الأثرى شاسيناه. Edfu VI, 55-6, 104.
٧٦  Edfu, VI, 60, 6–90, XIII. Pls. 494–514.
٧٧  Edfu, VI, 108, 15–132, 5, XIII. Pls.
٧٨  Edfu, VI, 132, 7–136, 9, XII. Pls. 534, 535.
٧٩  J. E. A. 28, 32–8; 29, 2–36; 30, 5–22.
٨٠  Edfu VI, 61-2.
٨١  J. E. A, 21. P. 26.
٨٢  Edfu V, 29, 9–32, 16; 124, 8–129, 11; 130, 17–136, 4; 34, 2–35, 3.
٨٣  Edfu VII, 26, 9–12.
٨٤  Edfu V, 30, 3–6.
٨٥  Edfu V, 134, 2.
٨٦  J. E. A., 35, 98–112; 36, 63–81.
٨٧  Gauthier. Les fêtse du dieu Min; Frankfort, kingships and the Gods. PP. 188–90.
٨٨  Edfu I, 173, 3–174; 382, 4–15, II, 51, 352, 8; IV, 102, 17–103, 13; 239, 13–241; V, 61, 17–63; 160, 12; 162, 6; VII, I, 118, 4–119, 8; 279, 16–281, 2; III, 323, 5–12.
٨٩  راجع Alliot Culte I, 181 95; Marriette Dend. I, 15 e; De Morgan Ombos II 245 No. 878.
ولدينا متون مماثلة في دندرة، وكوم امبو.
٩٠  Edfu VI, 349, 4–6.
٩١  Edfu III, 360, 361, 5.
٩٢  Edfu IV, 3, 1–8.
٩٣  Edfu VIII, 162, 16-17.
٩٤  Edfu VIII. 163. 1-2.
٩٥  Edfu VIII, 164, 11.
٩٦  انظر تصميم معبد إدفو شكل ٤-١.
٩٧  Portr and Moss VI. P. 146.
٩٨  Porter and Moss Ibid. P. 157.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١