الفصل الثالث

المجتمع في العصور القديمة

إنَّ أي محاولة لفهم التقاليد التي تكوَّنت من خلالها مختلِف أنواع الأمم والهُويات القومية في أواخر العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث؛ لا يمكن أن تتجنَّب وجهة نظر تاريخية عميقة تعود إلى الشرق الأدنى القديم والعالم اليوناني الروماني القديم، ويمكن لوجهة النظر تلك وحدها أن تُمدَّنا بإطار تاريخي مقارن لدراسة «التاريخ السلالي» الثقافي للأمم.

(١) الغائية و«الأمم القديمة»

رغم ذلك، فإن مناقشة احتمالية وجود أمم فيما قبل العصر الحديث تتطلب عناية فائقة حتى نتجنب، قدر الإمكان، أيَّ عواقب للقراءة الغائية للسجل التاريخي.

في آخر نقاش جدلي في مدينة ووريك، قال إرنست جيلنر مازحًا إن الأمم مثل آدم لا تحتاج إلى رحمٍ للخروج منه. كل ما كان يلزم لتفنيد اعتقاد القوميين القائل بوجود أمم فيما قبل العصر الحديث، بل دحض زعم أن للأمم أصولًا عرقية، هو إثبات تشكُّل ولو أمةً واحدةً فقط في العصر الحديث. وقدم حالة إستونيا، كمثال على الأمة بوصفها اختراعًا حداثيًّا صِرفًا. ربما كانت توجد خيارات أفضل؛ لأن الإستونيين كانوا في الأصل شعبًا من المزارعين يتكلمون لغة محلية في العصور الوسطى، وبعد الإصلاح البروتستانتي، الذي تَمَثَّل في الأدب والتعليم القائمَين على التعاليم البروتستانتية، تعرضوا لغزو أَخَويَّة السيف تحت قيادة الأسقف ألبرت في القرن الثالث عشر، وحَكمهم بعد ذلك كبار اللوردات الألمان حتى أوائل القرن العشرين. رغم ذلك، فالفكرة المقصودة فكرة جادة؛ إذ تسعى إلى تحجيم القراءة الغائية للأمم الشائعة لدى القوميين وما يُلازِم ذلك من ميل كثيرٍ من الباحثين إلى «القومية الرجعية»، وهذا أمرٌ انتقدته أيضًا سوزان رينولدز وجون بروييه بقوة.

إلا أن كلًّا من القراءة القومية للأمم والميل إلى القومية الرجعية ليسا ضروريَّين للحجة القائلة بأن كثيرًا من الأمم الحديثة، لكن «ليس كلها»، ينطوي أساسه التاريخي على روابط عرقية من نوعٍ أو آخر يمكن استخدامها كمصادر قوية لتكوين الأمة واستمراريتها، وليسا ضروريَّين أيضًا للزعم الذي يقول إننا يمكننا الحديث عن وجود «بعض» الأمم فيما قبل العصر الحديث، سواء في العصور القديمة أو في أوائل الفترة الحديثة على نحوٍ أكثر تأكيدًا وإلى حدٍّ أبعد، وإنَّ هذا لم يحدث بمحض صدفة. يتفق كلا الزعمين إلى حدٍّ بعيد مع موقفٍ حداثيٍّ معتدل يرى أن معظم الأمم، في الواقع التاريخي، ظهرت بعد الثورة الفرنسية، مستعينةً في حالاتٍ كثيرة بروابط ثقافية موجودة سابقًا، لكن في حالات قليلة مشهورة (إنجلترا، وفرنسا، واسكتلندا، وغيرها) كان الإحساس بالهُوية القومية، على الأقل بين النُّخَب، واضحًا قبل ذلك التاريخ بكثير. وهذا إلى حدٍّ بعيد هو الزعم الذي أرغب في طرحه في هذا الصدد.

نحتاج أيضًا إلى أن نضع في اعتبارنا أننا في التاريخ المقارن وفي العلوم الاجتماعية نتعامل مع ممكنات واحتمالات، وليس مع فرضيات شبه ثابتة؛ لذلك، يجب نبذ المواقف البالغة التعصب التي يتبناها القوميون البدائيون (ليس كلهم بالمناسبة)، والحداثيون الراديكاليون في مثل مجالاتنا التي لا تعترف باليقين إلى حدٍّ بعيد. سيُفهَم موقفي على أنه القول بالاحتمالية، وليس الضرورة الغائية، وهذا ما يمكننا أن نطالب به في مجالات البحث تلك؛ لذلك، لا يوجد اتهام بالقومية الرجعية عند استقصاء أهمية العوامل العرقية في تكوُّن الأمم والقومية واستمراريتهما.

في الفصل الأول قلتُ إن مفهوم الأمة باعتبارها فئة تحليلية يمكن، من الناحية النظرية، أن يشمل كل الفترات وكل القارات. هل هذا يوحي بأننا من الممكن أن نكتشف أشكالًا تاريخية من المجتمعات القومية في أقدم سِجِلاتنا، أي في الشرق الأدنى القديم وفي العالم اليوناني الروماني القديم؟

في واقع الأمر، يشير السؤال إلى اتجاهين للبحث: أحدهما في تحديد الفترة، والآخر عن دراسة الأصول الثقافية. يتعلق الاتجاه الأول بمعايير وأدلة لتحديد تاريخ «أُولى الأمم». المسألة في هذا الصدد مباشرة نسبيًّا؛ فإما أنه لا توجد سجلات تاريخية للهُوية القومية — أو المجتمع القومي في هذه الفترة — وأن مفهوم الأمة لم يكن معروفًا في العصور القديمة، أو أننا يمكننا أن نجد على الأقل بعض الأدلة على وجود شكل قومي من الجماعة والهُوية، إلى جانب بعض عمليات تكوين الأمة. في كلتا الحالتين نحتاج إلى الانتباه إلى عدم السماح لفهمنا الحالي لمفهوم الأمة الحديثة بتوجيه تقييمنا لذلك الدليل بأثر رجعي.

أما الاتجاه الآخر من البحث في التراثات والأصول الثقافية، فهو أكثر تعقيدًا؛ إذ يتطلب دراسة الأنواع المختلفة من الهُويات الجمعية السائدة في العالم القديم لمعرفة إلى أي مدًى وبأي طريقة قدمت تلك الهُويات تراثًا ثقافيًّا لعبَ دورًا جوهريًّا لتكوين الأمم فيما بعد. هذا هو البحث الذي أعتقد أنه سيكون أكثر فائدةً، وهو الاتجاه الذي سوف أتبعه في هذا الفصل وفي الفصول التالية. رغم ذلك، ثَمَّةَ شيء لا بد وأن يُقال فيما يتعلق بتحديد فترة نشوء الأمم، وسأتناول أيضًا المسائل التي يُثيرها هذا الأمر.1
بالنسبة إلى الحداثيين، يمثل مصطلح «الأمة القديمة» تضاربًا في المصطلحات؛ فنظرًا لارتباط الأمم والقومية بعمليات التحديث الأكثر عمومية، فإن أي مثال على أمم وُجدت قبل ظهور الحداثة هو محض صدفة. يتسم إرنست جيلنر — الأكثر صراحةً بين الحداثيين في هذا الصدد — بالوضوح القاطع؛ إذ يقول إنه يُحتمل وجود كل أنواع الهُويات الثقافية والسياسية الجمعية قبل نشأة الحداثة، لكن لم تكن ثَمَّةَ حاجة أو مجال للأمم. وصحيحٌ أن سجلاتنا عن العصور القديمة تتحدث، في الغالب، عن كل أنواع الهُويات الجمعية باستثناء الأمة. في الواقع، من المحتمل أن تكون قوة وصمود تلك الأنواع الأخرى من الهُويات الجمعية — العشيرة والقرية، والدولة المدينة، والدين والإمبراطورية — قد حالت دون تطور تلك العمليات الاجتماعية والموارد الثقافية بعينها التي تساعد في إنتاج الأنواع القومية من الجماعة وتحافظ عليها. وهذا لا يعني القول إنه لا يوجد قدرٌ كافٍ من الأدلة على وجود ثقافات مشتركة ونوع من الانتماء العرقي المشترك بين الجماعات السكانية في الشرق الأدنى القديم والعالم اليوناني الروماني القديم، حتى في بعض حالات تسييس الثقافة والانتماء العرقي القريبة الشبه بالنوع القومي للهُوية والجماعة.2

في هذا الفصل، سأستعرض بإيجازٍ ثلاثة أنواع من الهُوية الجمعية والمجتمع الجمعي في العالم القديم، ألا وهي: الإمبراطورية، والدولة المدينة، والاتحاد القَبَلي، وسأوضح، في كل حالة، كيف أصبحت متشابكة بالاختلافات العرقية وتنمية حس الانتماء العرقي المميز. في الفصول التالية، أتمنى أن أوضح كيف قدمت هذه الأنواع الثلاثة من الهُوية والجماعة التقاليد الثقافية والدينية التي ساعدت في تكوين الأنواع التاريخية المختلفة من الأمم وتشكيلها، في أوروبا والغرب على نحوٍ أساسي.

(٢) الإمبراطورية والعرقية

أبدأ هنا بأيديولوجيات الإمبراطوريات القديمة. في الدعاية الملكية في مصر القديمة، كان يوجد تركيز قوي على الجماعة العرقية المحدودة وفروق واضحة بين النُّخبة المصرية وكل الأجانب. يوجد بلا شك قدر كبير من الحقيقة في رؤية عالِم الآثار ستيوارت تايسون سميث التي تقول إن هذا كان إلى حدٍّ بعيد موضوعاتٍ أدبيةً وبلاغية، جزءًا ضروريًّا من الدعاية الفرعونية موجَّهًا إلى الداخل، إلى النُّخبة المصرية وإلى الشعب المصري. رغم ذلك، اعتمادًا على الأدلة التي عرضها، فإن المصريين ميَّزوا الحد العرقي بينهم وبين شعوب مثل جيرانهم النوبيين في الفنون والعمارة، واللغة والأدب، والملبس، والمأكل، وطقوس الدفن، بالإضافة إلى مجموعة الآلهة الخاصة بكلٍّ من المصريين وتلك الشعوب. في دراسة تايسون سميث للعلاقات المصرية بالنوبة، جارتها الجنوبية، أظهر تايسون سميث إلى أي مدًى بلغ وضوح الفروق بين الخزف المصري والخزف النوبي في حصن أسكوت الحدودي، وإلى أي مدًى بلغت أهمية المقبرة الكبيرة المزخرفة التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد المدفون فيها المراقب سي أمون في تومبوس في النوبة العليا. هذا يشير إلى أن فروقًا عرقية أساسية ظلت ثابتة على مدار قرونٍ عديدة، رغم تكرُّر زواج المصريين بالنوبيين والكميات الهائلة من المجوهرات النوبية، وأدوات التجميل، وتماثيل الإناث، وأيضًا التحف والمباني المصرية التي وُجدت في أسكوت. أي كما أوضحت مقاربة شون جونز الثقافية لعلم الآثار العرقي، فإن التبادل المستمر عبر الحدود أسهم في تقوية الفاصل العرقي لا إضعافه، والدعاية الفرعونية عن تفوُّق المصريين على «رؤساء كوش (النوبة) البائسين … الذين يحملون جزيتهم على ظهورهم» — كما يقول أحد نقوش الفرعون أمنحتب الثالث — كانت تُعَزِّز ذلك الفاصل العرقي باستمرار.3
في حقيقة الأمر، مع حكم الدولة الوسطى، كانت عملية تمصير النوبة قد بدأت. وأصبحت هذه العملية أكثر شدةً بتعيين مُراقب مسئول عن كوش في المملكة الجديدة في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد. كان السببُ في إعادة الغزو يعود في جزءٍ منه إلى رغبة الفراعنة في عدم وجود مملكة مشاكسة على جبهةٍ ثانية أثناء حملتهم على فلسطين وسوريا، بينما يعود في جزءٍ آخر إلى الرغبة في الاستيلاء على موارد النوبة الثمينة من الذهب والعاج والأبنوس وكذلك العبيد الأسرى.4

لا تتفرد مصر بذلك التناقض بين الممارسة العرقية عن الأيديولوجية السياسية؛ حيث يمكن إيجاد نفس هذه الازدواجية في الإمبراطورية الآشورية الحديثة في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد؛ فقد كان يوجد قدر كبير من التواصل والتبادل بين الأعراق في الحياة اليومية وفي التجارة والتزاوج.

fig1
شكل ٣-١: القناع الذهبي لتوت عنخ آمون، يعود إلى عام ١٣٥٠ تقريبًا قبل الميلاد (المتحف المصري بالقاهرة).
fig2
شكل ٣-٢: رجال يجلبون الجزية من أفريقيا السوداء لتقديمها للفرعون تحتمس الرابع، تعود تقريبًا إلى ما بين ١٤٢٥ إلى ١٤١٧ قبل الميلاد (المتحف البريطاني).
كما هو معروفٌ جيدًا، كانت «لغة التواصل الوسيطة» في أواخر عهد المملكة الآشورية هي الآرامية، وليست الآشورية، وكان ثَمَّةَ تأثير قوي للعبادات والنصوص الدينية البابلية في نينوى، وكانت القصور الآشورية تعج بمشغولات فينيقيا العاجية وأثاثها. بالإضافة إلى ذلك، فإن تهجير الشعوب المدحورة وتوطينها في الإمبراطورية الآشورية في آخر عهدها جعلها مدينة كوزموبوليتانية في تركيبتها بدرجةٍ متزايدة. وينعكس هذا الأمر في النحت الآشوري؛ حيث أظهر النحت، وفقًا لقول جوليان ريد، اختلاف مظهر الشعوب التي أخضعوها وثقافاتها، و«قد كانت هناك عناية فائقة في تسجيل الملبس والخصائص الأخرى المميِّزة للشعوب الأجنبية.»5
مع ذلك، على الرغم من كل الدمج والاقتراض على مستوى الدولة فإن ملوك آشور ونُخبتها لم يغفلوا مطلقًا عن الهدف الأسمى للإمبراطورية، ذلك الهدف الذي يقول عنه ماريو ليفيراني إنه تحت غطاء الشكل المقدس «يكون أساسُ الأيديولوجية بالكامل (أي أساسُ الإمبريالية الآشورية) هو نظريةَ التنوُّع كمبرِّر لعدم الاتزان والاستغلال.»6
fig3
شكل ٣-٣: جيحو ملك إسرائيل يقدم الجزية لملك آشور، مسلَّة شلمنصر الثالث السوداء، تعود إلى عام ٨٢٥ تقريبًا قبل الميلاد (المتحف البريطاني).
يسرد ليفيراني أنواعًا مختلفة من التنوع — التنوع في المكان والزمان والبضائع والرجال، لا سيَّما التناقض بين قاطني الأراضي الداخلية وقاطني الأراضي المحيطة — بين الآشوريين المتحضرين وبين البربريين غير المتحضرين. في حين كان الآشوريون يرَوْن أنفسهم بشرًا كاملين وعاديين يمكن فهم لغتهم، بدا الأجانب غرباء ويتحدثون لغاتٍ غير مفهومة؛ ومن ثَمَّ فإن مَثَلهم كَمَثل الحيوانات. وفي نسق العلاقات المألوف بين الشعوب المهيمنة والشعوب الخاضعة، يتشابه النموذج الآشوري مع كلٍّ من النماذج البابلية والسومرية والأكدية السابقة؛ ومن ثَمَّ كان الحكم السياسي والمجتمع الذي بناه الملوك الآشوريون دولة عرقية هرمية في جوهرها، دولة كوَّنتها ونظَّمتها «عرقية» مهيمنة، حكمت الشعوب التي أخضعتها واستغلتها.7
حتى في ظل الحكم الفارسي الأقل وطأة، كان عدم التوازن في الهرمية العرقية واضحًا. حقًّا إن الفن الدعائي للإمبراطورية الأخمينية يخلو من أي شكلٍ من أشكال إهانة الأجانب المعهودة في الفن المصري الذي يُظهِر الأجانب متذللين، أو النقوش الآشورية البارزة التي تصوِّرهم راكعين أو مُقبِّلين قدم الملك. فعلى خلاف ذلك، نرى النقوش البارزة الشهيرة المنحوتة على سلم أبادانا في بريسبوليس تُصوِّر ممثلي مجموعاتٍ عرقية مختلفة يجلبون الهدايا لملك الفرس العظيم، وليس الجزية، في موكبٍ هادئ محترم. في رأي كارل نيلاندر، يُعبِّر هذا عن «فكرة خالدة تتمثل في التراتبية العالمية والكونية التي يحفظها الدعم الإلهي والولاء المتبادل بين الملك والرعية.» وهذه نقطة تدعمها إلى حدٍّ ما دراسة حديثة لجوزيف فيزاهوفر:
يُقدِّم كل شعب للملك بعضًا من المنتجات التي يتميز بها، أو مُنتجاته الفاخرة، ويرمز ذلك إلى التضامن بين الملك والرعايا، سواءٌ كان هذا نابعًا من إحساسٍ صادق، أو كان بموجب أمرٍ من الملك.8
على الناحية الأخرى، كما يشهد نقش دارا الأول الشهير الذي يعود تاريخه إلى عام ٥١٩ قبل الميلاد الموجود على الواجهة الصخرية لجبل بيستون، فقد كانت الإمبراطورية الأخمينية قائمةً على هرمية عرقية واضحة. ويؤكِّد دارا الأول نفسه على أصوله الفارسية، ويخبرنا هيرودوت أن الإمبراطورية كان يحكمها ملكٌ مُستبِد ينحدر من أرستقراطية تراتبية من مقاطعة برسيس وقبيلتها باسارجاد، و«عشيرة (أخوية) الأخمينيين، التي ينحدر منها ملوك فارس.» تُبرز الطبيعة العرقية لهرمية الإمبراطورية الفارسية التراتبية حقيقة أن عوام الفرس، صغار المزارعين بصفةٍ أساسية، كانوا مُعفَيْن من الجزية (أو «فوروس»)، التي كانت معظم الشعوب الخاضعة للفرس مُطالَبين بدفعها، باستثناء قليلٍ من الشعوب المحيطة.9
fig4
شكل ٣-٤: السلم الشرقي، قصر أبادانا، برسبوليس، يعود إلى عام ٥٠٠ تقريبًا قبل الميلاد.
إذا تأملنا النقوش والمنحوتات الملكية، فسنجد أن المزج نفسه بين التسامح والبنية الهرمية التراتبية واضحًا؛ إذ إننا نعلم بفرماناتٍ مختلفة انطوت على تعاطفٍ ملكي مع الاستقلال الديني والثقافي للشعوب الخاضعة للفرس؛ فأَخْذُ قورش الكبير بيد بعل بابل، وفرمانات قورش الكبير ودارا الأول بإعادة اليهود المنفيين إلى أورشليم، ما هي إلا الفرمانات الأكثر شهرة. من ناحيةٍ أخرى، يمكننا أن نُفسر نقش دارا الأول في شوشان الذي يتحدث عن بناء قلعة شوشان بعمالة أجنبية بتفسيرَين؛ فإما أنه تفاخُر بالتناغم العرقي، وإما استباحة للاستغلال العرقي. إلا أننا حتى إذا ما تبعنا التفسير الذي يحظى بتفضيلٍ أكبر، فسنجد أن أي اهتمام ملكي بشأن التنوُّع العرقي والاستقلالية الثقافية كانت توازنه المسافة السياسية والاجتماعية التي كان ملك الفرس العظيم وطبقته الأرستقراطية يُبقونها بينهم وبين الشعوب الخاضعة لحُكمهم، وقد عزَّزت الطبيعة المغلقة للغة الفارسية القديمة وكتابتها وللدين الفارسي القديم المدوَّن باللغة «الأفستية» هذه المسافة. ولم تسهم الصورة الرسمية للتناغم العرقي الهرمي في حماية الإمبراطورية من كثيرٍ من الثورات العرقية، كان أبرزها في مصر وإيونية.10

في الممارسات اليومية، كان يوجد قدر كبير من التدفق العرقي والتعاملات المتكررة عبر الحدود، كما أوضح فريدريك بارت. إلا أن هذا ناهضه الثقلُ الأيديولوجي والعمل السياسي. وفي هذا الصدد، نجد أن الفروق العرقية متغلغلة في نسيج الأنظمة الهرمية للإمبراطوريات، والأجانب يُعامَلون عادةً على أنهم مختلفون، وغير مفهومين، وأقل شأنًا في الغالب. وعادةً ما كان هذا النموذج ينسخ نفسه في فتراتٍ مختلفة وقاراتٍ مختلفة، وفي وقتٍ لاحق أثبت أنه مصدرٌ خصب لتكوين الممالك القومية.

(٣) الدولة المدينة والهُوية العرقية

بالفعل في الألفية الثالثة قبل الميلاد، في السهول الرسوبية لسومر القديمة، كانت الدولة المدينة قد تطوَّرت تمامًا كبؤرة للولاء الحصري. وفي عصر فجر السلالات، تنافس على السيادة عددٌ من الدول المدن مثل إريدو، وأور، وأوروك، ولاجاش، ونيبور، التي كانت كلٌّ منها تحت حماية واحد أو أكثر من آلهة السومريين، ومحكومة من قِبل سيدها المحلي أو من قِبل مجلس «إنسي»، ذلك المجلس الذي يضم كبار القوم وكهنة المعبد، لتقع في النهاية فريسة لطموحات سرجون الأكدي الذي أسس أول إمبراطورية في بلاد الرافدين حوالي عام ٢٣٥٠ قبل الميلاد. بعد سقوط الإمبراطورية الأكدية، حدث ازدهار قصير الأجل للثقافة السومرية في عهد سلالة أور الثالثة في نهاية الألفية الثالثة التي شهدت محاولة لإحياء «العصر الذهبي» في عصر فجر السلالات، قبل فترة جديدة من الغزو القَبَلي من قِبل الجوتيين، واللولوبيين، والتدنوميين، والعيلاميين، وتبعه تنافسٌ جديد بين الدول المدن وظهور بابل في نهاية المطاف. على مدار تلك الفترة، على الرغم من وجود مركز للطائفة السومرية في نيبور، وعلى الرغم من أن الدول المدن السومرية كوَّنت شبكة من النشاط الثقافي والاقتصادي، فإننا في ريب من تحديد مدى إمكانية التحدث عن نوع واضح من العرقية السومرية، فضلًا عن الوحدة العرقية. ربما كانت الثقافة هي الأمر المشترك الوحيد بين سكان تلك الدول المدن السومرية، وكانت متمثلةً في اللغة السومرية وآدابها الثرية، وما تنطوي عليه من أساطير الأصول المشتركة، ومجموعة الآلهة السومرية التي عبدتها الدول المدن اللاحقة في بلاد الرافدين من أكاد إلى بابل، بل أضافت إليها.11
وقعت تنافساتٌ مشابهة بين الدول المدن «الكنعانية» الممثَّلة في سوريا ولبنان وفلسطين في العصرَين البرونزي والحديدي. مرةً أخرى، كانت السمات المشتركة لغوية وثقافية، وكانت أبرزها مجموعة الآلهة المشتركة، وطقوس التعبُّد في «الأماكن المرتفعة»، والمدن المُحصَّنة الهائلة، بالإضافة إلى تطوُّر اللهجة الكنعانية والكتابة الأبجدية الكنعانية. ورغم أننا نسمع عن «أرض كنعان»، ذلك الاسم الذي كان مألوفًا عند المصريين في حكم الدولة الحديثة، والسوريين مثل الملك إدريمي، وكذلك في الكتاب المقدس، فإننا لا يمكننا أن نحدد الآن «ما إذا كان «كنعان» اسمَ إقليمٍ أم اسمًا يشير إلى شعب في المقام الأول.»12
الأمر المؤكَّد هو أن الدولة المدينة كانت مركز الولاء وحلبة النشاط السياسي والتجاري، لا سيَّما الدول المدن التالية: أوغاريت، وبيبلوس، وصور، وصيدا، وحاصور، ومجدو، وتل الجِزِر. ولم ينشأ أي مركز طائفي أو سياسي كنعاني، للسيطرة على الدول المدن المتحاربة في أغلب الوقت أو لتوحيدها، والأمر نفسه ينطبق على المدن الفينيقية، لقد كان الإغريق هم مَن أطلقوا اسم «فينيكس» على الكنعانيين الساحليين نسبةً إلى الصبغة الأرجوانية المستخدَمة هناك. ولم يعترف «الفينيقيون» أنفسهم أو العهد القديم بمصطلح «فينيقيا»؛ فالعهد القديم تحدَّث عن «الصيدونيين» وعن «ملك صور»، وما إلى ذلك.13
إلا أن الدول المدن بلغت في الإمبراطورية الإغريقية أكثر أشكالها تطورًا. حتى بين الأسلاف المسينيين، نجد أن ثَمَّةَ بعضًا من الدول المدن — مثل تيرنز وآرجوس وموكناي، التي كانت تحكم الريف المحيط — وضعت المعيار السياسي. وبطبيعة الحال، كما هو الوضع في كل مكان آخر، كانت صلات القرابة ضرورية في كلٍّ من الحياة اليومية والحكم السياسي، ولا سيَّما من أجل الخلافة النظامية على العرش الملكي. وكذلك كانت الحال في تتبُّع أنساب المجموعات الفرعية الإغريقية المختلفة التي ضمت الأيونيين والدوريين والأيوليين والبيوتيين. واستمر صدى هذه الانقسامات الثقافية والسلالية في العصر الكلاسيكي، بل استُغِلت حتى القرن الخامس كذرائع لسياسات الأثينيين «الأيونيين» والأسبرطيين «الدوريين» في الحرب البيلوبونيسية.14
في العصر القديم (من القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن السادس قبل الميلاد) بعد الإطاحة بالحكم الأرستقراطي، كوَّنت «المدينة المستقلة» الإغريقية أخلاقياتها ومؤسساتها المميزة، لا سيَّما تحت حكم الطغاة الذين يُقرَنون في الغالب بنهوض «طبقة» محاربي الهوبليت أصحاب الأملاك. في هذه الفترة، كان أي حس بالهُوية «الإغريقية» المشتركة ناتجًا عن أساطير الأصل، والأنساب، والطقوس الصادرة عن مجموعاتٍ تزعم أنها انحدرت من نسل «هيلين» ملك ثيساليا، ذلك المكان الذي قال المؤرخ ثوسيديديس إن الإغريق الأوائل جاءوا منه. لربما عجَّلت حقوق المواطنة الجديدة المحصورة في الدول المدن الناشئة مع تشديدها المتزايد على الأرض والإقامة، وكذلك الأصل، في تحديد المواطنة. وعزَّز هذه العملية بالتأكيد الحروب الفارسية في أوائل القرن الخامس عندما أصبح شائعًا التناقض النمطي بين رعايا ملك الفرس العظيم «البربريين» الأذلاء وبين الدول المدن الإغريقية «الحرة»؛ ذلك التناقض الظاهر بالفعل في مسرحية «الفرس» للروائي المسرحي إسخيلوس (٤٧٢ قبل الميلاد). 15
إلا أن هيرودوت، مرةً أخرى، كان مَن حدد وصاغ الهُوية الإغريقية المشتركة، على ألسنة المبعوثين الأثينيين إلى أسبرطة عام ٤٧٩ قبل الميلاد، تلك الهُوية القائمة على:
تماثيل الآلهة والمعابد التي حُرقت ودُمرت … والدم واللسان المشتركَين بيننا نحن الإغريق، بالإضافة إلى أماكن التعبد المشتركة، والقرابين والعادات المتشابهة …16
fig5
شكل ٣-٥: مجموعة من الفرسان الشباب، الإفريز الشمالي للبارثينون، أثينا، يعود تقريبًا إلى الفترة ما بين عامَي ٤٤٢ إلى ٤٣٨ قبل الميلاد (المتحف البريطاني).
مع ذلك، وعلى الرغم من كل الأفكار التقليدية المتعلقة بالهُوية الهيلينية (التي تضم كل الإغريقيين تحت مظلتها)، كان ولاء الإغريقيين الأول للدولة المدينة التي ينتمي كلٌّ منهم إليها. وعلى أي حال، لم يكن عدد المدن التي آلت إلى الفرس عام ٤٨٠ قبل الميلاد قليلًا، وقد كان التنافس التجاري والسياسي الشديد بين تلك الدول المدن، لا سيَّما التنافس بين أثينا وكورنثوس وأسبرطة، هو ما زجَّ بالعالم الإغريقي إلى الحرب البيلوبونيسية (٤٣١–٤٠٤ قبل الميلاد) الطويلة المريرة التقسيمية. وفي القرن التالي، لم تتمكن فكرة الهيلينية الجمعية لصاحبها الفيلسوف إيسُقراط، ولا حملة الملك أجيسيلوس ملك أسبرطة على الفرس، من توحيد الدول المدن الإغريقية، واستلزم الأمر انتصار فيليب المقدوني في معركة خيرونيا لفرض الوحدة، ولو مؤقتًا على الأقل. وعلى الرغم من معتقداتهم وممارساتهم الثقافية والدينية الكثيرة — في اللغة والأدب، والفن والعمارة، والمهرجانات والألعاب، بالإضافة إلى مجموعة الآلهة الأولمبية — فإن محاولات توحيد الهيلينيين سياسيًّا تحطمت على صخرة الولاء والوطنية الحصريَّين للدولة المدينة التي ينتمي إليها الفرد.17
بالنسبة إلى كثيرٍ من الإغريق، كانت الدولة المدينة تمثل عالمًا منفصلًا، وفي حالة أثينا، ربما مثَّلت في واقع الأمر صفة أكبر من مجرد صفة «الدولة المدينة». من حيث المساحة، وحجم السكان، والعدد الكبير ﻟ «المتوطنين» — المقيمين الذين يتمتعون بحقوق اجتماعية مهمة، لكنها ليست حقوقًا سياسية — شكَّلت أثينا ما أطلق عليه أرسطو «جماعة عرقية». ووفقًا لإدوين كوهين، فإن الأثينيين في القرن الخامس اكتسبوا أيضًا أسطورة تقول إنهم من سلالة السكان الأصليين المتحدرين من الملك إيريخثيوس. هل يسمح لنا هذا بأن نشير إلى أثينا وريفها المحيط بها المعروف باسم أتيكا بوصف «أمة» قديمة يعادل حجمها حجم أيسلندا؟ فعلى أي حال، كان لدى أعضائها إحساسٌ واضح بالذاتية الجمعية «في مواجهة» الدول المدن الأخرى، وكانت لديهم أسطورة أصول مشتركة (تكوَّنت لاحقًا)، بالإضافة إلى انتماءٍ قويٍّ إلى الأرض، وثقافةٍ عامة، وقوانينَ وأعرافٍ موحَّدة. ورغم ذلك، إلى أي مدًى كانت تلك الثقافة العامة مميَّزة وإلى أي مدًى كانت مجموعة أساطيرها وذكرياتها ورموزها فريدة؟ ففي النهاية، كثيرٌ من هذه الأمور كان مشتركًا مع بقية الإغريق، لا سيَّما مع الدول المدن المنتمية إلى نفس مجموعتهم العرقية الفرعية الأيونية. بالتأكيد، حاول بيركليس في خطاب التأبين الشهير الذي ألقاه، كما نقله ثوسيديديس، أن يغرس في نفوس مواطنيه الإحساسَ بالتفوق الثقافي لأثينا وبقيادتها السياسية لليونان، بالإضافة إلى مثال التضحية النبيلة بالحياة نفسها فداءً لمدينتهم في الحرب البيلوبونيسية، إلا أن الحرب التي قُتل فيها هؤلاء الأثينيون كانت حربًا بين الهيلينيين، ولم تكن حربًا يقاتلون فيها الفرس، والقيادة التي طمح إليها الأثينيون الذين خاطبهم بيركليس كانت على حساب حلفائهم في الحلف الديلي إلى حدٍّ بعيد. علاوةً على ذلك، لم يقل بيركليس إنَّ على مواطنيه أن «يحبوا» اليونان أو الهيلينيين، بل قال عليهم أن يحبوا دولة أثينا وحدها.18

إلا أنه سواء اتفقنا مع اعتقاد إدوين كوهين وأفييل روشولد بأن أثينا يمكن أن تُعتبر أمة ودولة قومية، فإن «الدولة المدينة» الإغريقية تركت تراثًا ثقافيًّا مهمًّا للعصور والدول اللاحقة. ويرجع السبب وراء ذلك من ناحيةٍ إلى طريقة استخدام الإسكندر المقدوني وخلفائه للدولة المدينة كنموذج لنشر الثقافة الهيلينية في الشرق الأدنى، ويرجع من ناحيةٍ أخرى إلى أن الولاء الشديد ﻟ «الدولة المدينة» قد تَشكَّل من شبكاتٍ هيلينية ثقافية ودينية مشتركة أوسع نطاقًا؛ ونتيجةً لذلك، أصبح مثال التضامن السياسي والحرية السياسية في «الدولة المدينة» جزءًا من التراث الأدبي والفني الأوسع نطاقًا لليونان القديمة؛ ذلك التراث الذي نقله الباحثون العرب والبيزنطيون إلى أوروبا الغربية في العصور الوسطى وفي أوائل العصر الحديث؛ مما قدَّم نموذجًا للمجتمع الجمهوري القائم على شكلٍ صارم من الوطنية والمساواة بين المواطنين. ومع العودة إلى العصور الكلاسيكية القديمة والإحياء الإغريقي، أصبح هذا النموذج مصدر إلهام لمُثُل الحُكم الذاتي والوحدة اللذين سيجعلهما القوميون الحداثيون مبدأين أساسيين للدين العلماني الجديد للشعب؛ ومن ثَمَّ، فإن الدولة المدينة، بعيدًا عن كونها النقيض التام للجماعات القومية والعرقية أو معيقة لها، أصبحت في واقع الأمر تمثل إحدى دعائم الأمة وقوالبها الأوسع انتشارًا؛ حيث تمدها ببعض سماتها الخالدة وأشكالها التاريخية الأهم.

(٤) الهُوية العرقية والاتحاد القَبَلي

للوهلة الأولى، قد يبدو النوع الثالث من الهُويات الجمعية الثقافية والسياسية، ممثلًا في الاتحاد القَبَلي، أكثر ارتباطًا بالأشكال العرقية والقومية من المجتمع المدني. في واقع الأمر، يرى البعض أن «القبيلة» و«الجماعة العرقية» مصطلحان مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، بل من الممكن استعمال أحدهما محل الآخر. إلا أننا إذا الْتزمنا بالمعنى الذي يرى أن القبيلة ليست مجرد جماعة ثقافية بل إنها التعبير السياسي عن تقسيم الأنساب، فإننا نستطيع أن نرى أن القبائل والاتحادات القَبَلية تستطيع أيضًا أن تُضَعِّف أي حس بهُوية عرقية أكبر نطاقًا وتُقوِّضه، فضلًا عن إعاقة نشأة الأمم، كما تشير العداوات القَبَلية المتكررة.

من الأمثلة القديمة على مثل هذه الاتحادات القَبَلية «العمورو» أو «العموريون» الذين ظهروا لأول مرة في شمال سوريا في الوثائق الأكدية والسومرية في أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد. كانوا عمالًا مهاجرين في مدينة سومر ومدينة أكاد، وكانوا معروفين باسم المارتو في اللغة السومرية، وبدا أن ترحالهم يُشكِّل تهديدًا للحياة الحضرية. وقد وُصِفَ هؤلاء القوم شبه الرُّحَّل على النحو الآتي:
المارتو الذي لا يعرف المنازل، الذي لا يعرف المدن، ذلك الرجل الهمجي الذي يعيش في الجبال … المارتو، شعب من الغُزاة، ذوو غرائز حيوانية، مَثَلهم كمَثَل الذئاب.19

وفي وقتٍ لاحق، اخترق العمورو الجدار الدفاعي الذي بُنِيَ بالقرب من بابل لصدهم عن المدينة، وتولى أفراد من العموريين السلطة في المدن السومرية، وأخذ حمورابي ملك بابل لقب «لوجال عمورو» أي ملك عمورو. إلا أنه في هذه الفترة كانت القبائل «الأمورية» مُثبتة كلًّا بصفتها الفردية على النحو الآتي: الهانيون، والسوتيون، وقبيلة أمنانو، وقبيلة رابُّو، وهكذا. ومن الواضح أنه نظرًا لتفرُّقهم في القرى، وعملهم كفلاحين، وكرعاةٍ شبه رُحَّل، فقد فشلوا في التجمُّع في اتحاد يضم كل القبائل العمورية، وبعيدًا عن مملكة أمورو في وسط سوريا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، فقد أصبح اسمهم مجرد ذكرى أو مصطلحًا جغرافيًّا في سجلات التاريخ الآشوري.

فيما يتعلق بمثال الاتحاد الآرامي الذي تشكَّل لاحقًا، فإنا نقف على أرضٍ أكثر صلابة. في بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، سُجل عديدٌ من الممالك الآرامية، كان أبرزها آرام صوبا، وآرام دمشق، وأرفاد في سوريا، وآرام النهرين، وبيت عديني، وبيت زماني في شمال بلاد الرافدين، وبيت داكوري، وبيت أموكاني في جنوب بابل بالقرب من الخليج الفارسي. ولو كانت تلك الممالك قد شكَّلت تهديدًا للمملكة الآشورية في القرن الحادي عشر والقرن العاشر قبل الميلاد، ولمملكة إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد، فمن المحتمل أن الانتشار الجغرافي الواسع لتلك الممالك وتنظيمها غير المتجانس قد حال دون تحقيق وحدة ثقافية مستقرة، فضلًا عن تحقيق وحدة سياسية. حتى الهجمات الآشورية المتعاقبة على الممالك الآرامية في سوريا من القرن التاسع وحتى القرن السابع فشلت في استنفار مشاعر الآرامية الجمعية، على الرغم من أنها وحَّدت قطاعات من الآراميين تحت قيادة الدولة المدينة المسيطرة في تلك الفترة؛ دمشق في القرن التاسع وأرفاد في القرن التاسع قبل الميلاد.20
هذا لا يعني القول إن الآراميين لم يتشاركوا ممارساتٍ ثقافيةً مشتركة؛ فمع ذلك كله، كانت توجد لغة آرامية وكتابة آرامية. وكانت هناك أيضًا الأهمية المتزايدة لعبادة إله العواصف الآرامي، هَدَد، في سوريا على الأقل. وبعد ذلك، كانت توجد التحالفات المتكررة للممالك الآرامية ضد المملكة الآشورية. ولهذه الأسباب، كما قال ستيفين جروسبي، كان من الممكن أن يكون الآراميون في سوريا جنسية ناشئة؛ وهذا استنتاجٌ معقول من نقوش لوح قرية سِفِيرة البازلتي الذي يعود إلى حوالي عام ٧٥٠ قبل الميلاد، والتي تُسَجِّل معاهدة بين اثنين من الملوك الآراميين، متع أيل (ملك أرفاد) وبرجاية — ملك كتك (مملكة غير معروفة) — والتي تتحدث عن «كل آرام»، وهو ما قد يشمل «آرام العليا» و«آرام السفلى».21
من ناحيةٍ أخرى، قيل إن اللغة الآرامية المشتركة، ونظام كتابتها، أصبحت منتشرة على نطاقٍ واسعٍ حتى إنها كانت تمثل «لغة التواصل الوسيطة» في الشرق الأدنى في الألفية الأولى، وسبب ذلك يعود جزئيًّا إلى عمليات تهجير الآراميين الواسعة النطاق على يد ملوك آشور، وكان الحُكام الآشوريون يستخدمونها في مخاطبة رعاياهم؛ لذلك، بدلًا من المساعدة في تمييز «عرقية» آرامية، قال البعض إن اختلاط الشعوب قسريًّا واعتيادهم على اللغة المشتركة كانا من العوامل الرئيسية لظهور الدولة القومية «الآشورية». وكيفما كانت الحال، لم تتمكن اللغة الآرامية المشتركة ولا صدارة عبادة الإله هَدَد من تكوين وحدةٍ أوسع نطاقًا ولا إزاحة آلهة المدن الآرامية المحلية عن عرشها، أو منع النزاعات المتكررة على الحدود بين الممالك الآرامية المختلفة.22
ربما توجد أدلة أقوى على اعتبار قبائل الأدوميين شبه الرُّحَّل وحدةً ثقافية، إن لم تكن سياسية. يوضح جروسبي أنه في رواية الكتاب المقدس، يظهر الأدوميون كمملكة موحَّدة تعيق مرور بني إسرائيل المشردين بعد خروجهم من مصر. ويشير سِفر العدد إلى شَعبٍ يُسمَّى «أدوم» (الأدوميين) وإلى أرض «كل أدوم»، لها حدود تُسَيِّج جبل سعير (سِفر العدد ٢٠: ١٦، ٢٣). ونعلم أيضًا أنهم في القرن التاسع قبل الميلاد انخرطوا في تحالفات سياسية وصراعات مع حماة، وصور، وصيدا، وكذلك مع مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا. مرةً أخرى، يبدو أنه كان يوجد رب أعلى هو قوش، أو ربما مجموعة من الآلهة ضمَّت إلهةً اسمها أدوم، لكنه من غير المعلوم إلى أي مدًى كانت عبادة قوش مهمة لهُوية الشخص الأدومي. بالنسبة إلى مؤلفي الكتاب المقدس، فإن أدوم والأدوميين كانوا قريبين من مملكة يهوذا، من ناحية الأرض والأنساب القَبَلية، وتوجد تلميحاتٌ على أن عبادة يهوه نشأت في أراضي الأدوميين، على الرغم من أنهم تحوَّلوا قسريًّا بعد ذلك بكثير إلى اليهودية على يد السلالة الحشمونية الملكية. إلا أنه من غير الواضح إلى أي مدًى كَوَّنوا مجتمعًا عرقيًّا منفصلًا (عرقية) يمتلك أسطورة أصل مشترك وذكريات وثقافة مشتركتين.23

(٥) حالة «إسرائيل القديمة»

لا تتوافر لدينا أدلة كافية تجعلنا نُقدِّر إلى أي مدًى يمكننا التحدُّث على نحو مشروع عن جماعةٍ وهُويةٍ قوميتين وعرقيتين إلا عندما نتناول الاتحاد القَبَلي الإسرائيلي. ربما تكون هذه الأدلة كافية، لكنها ليست قاطعة، كما تشهد كل الآراء المتصارعة الكثيرة التي تتناول كل جوانب «إسرائيل القديمة». من ناحيةٍ أخرى، فإن الأهمية الطويلة الأمد لتجارب مملكة إسرائيل القديمة ومملكة يهوذا القديمة في تكوين الأمم لاحقًا تتمتع بأهميةٍ لا تَدَعُ مكانًا للمغالاة.

وُجد اسم «إسرائيل» لأول مرةٍ على اللوحة التذكارية للفرعون مرنبتاح (حوالي عام ١٢١٠ قبل الميلاد) التي تُسجِّل الأماكن والمجموعات العرقية التي يَزعم أنه غزاها أو دمَّرها في كنعان. إلا أنه ليس واضحًا ما إذا كانت إسرائيل المذكورة في هذا الصدد وصفًا إقليميًّا أم وصفًا عرقيًّا أم كليهما. تظهر إسرائيل بعد ذلك على اللوحة التذكارية للملك ميشع ملك مؤاب (حوالي عام ٨٣٠ قبل الميلاد) وفي سجلات التاريخ الآشورية على أنها مملكة الشمال المذكورة في الكتاب المقدس، بالإضافة إلى مملكة يهوذا الجنوبية. في سِفر يشوع وسِفر القضاة، نقرأ سلسلةً من الصراعات بين الأسباط الإسرائيلية والعديد من «القبائل» والدول المدن الكنعانية، والفلسطينيين، والأدوميين، والعمونيين، والمؤابيين. قد يشير ذلك إلى قدرٍ من الوحدة السياسية، بل ربما إلى حلفٍ يشبه ذلك الحلف الذي طرحه مارتن نوث ذات مرة. إلا أن سِفر القضاة يُبرز أيضًا الانشقاقات بين الأسباط الإسرائيلية المختلفة، أولئك الموجودين في الجنوب، وأولئك الموجودين في الشرق قبالة الأردن، في المنطقة الجبلية الوسطى، وبقية الأسباط الشمالية المنفصلة، ولم يَبْدُ أن العبادة الرئيسية للإله يهوه قد حققت تأثيرًا سياسيًّا كبيرًا.24
مسألة أصول إسرائيل وإيمانها الفريد بيهوه — وهذه مسألة لا يزال الباحثون ينقسمون حولها — مرتبطة بأصول وطبيعة العهد الذي يُميِّز أسباط بني إسرائيل عن غيرهم، العهد الذي كان له عميق الأثر على تكوين الأمم لاحقًا. حتى إذا كانت «إسرائيل» تشير في الأصل إلى جماعة مختلطة الأعراق تضم البدو الآراميين من الشرق والفلاحين الكنعانيين الذين هربوا إلى المنطقة الجبلية في أعقاب سقوط الحُكم المصري بعد عام ١٣٠٠ قبل الميلاد، فإن محورية قبيلة أفرايم الواقعة في منطقة الجبل، تلك القبيلة التي ينتمي إليها يشوع خادم موسى، واندماج عبادة يهوه بعبادة «إيل» الإله الأعلى عند الكنعانيين تدريجيًّا؛ مَثَّلَت بداية عملية طويلة لبناء وحدة أيديولوجية، إن لم تكن وحدة سياسية دائمة. بالإضافة إلى ذلك، في حين يتعامل بعض الباحثين أمثال يوستا آلستروم مع رواية سِفر الخروج وروايات أسفار موسى على أنها ثانوية، يجد غيرهم مثل إيرفينج زايتلين توافقًا كبيرًا بين سرد الكتاب المقدس في أسفار موسى الخمسة والعادات والأعراف في الشرق الأدنى في تلك الفترة. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، تظل الحقيقة متمثلةً في أنه بحلول عصر شاول الملك (حوالي عام ١٠٠٠ قبل الميلاد)، حققت أسباط بني إسرائيل التي تقطن المنطقة الجبلية، مع سبط بنيامين وسبط يهوذا، قدرًا كبيرًا من الوحدة السياسية، جعلت أحد الباحثين على الأقل يزعم أن عددًا من أسباط بني إسرائيل أقروا فعليًّا بعلاقتهم الوثيقة، بل ﺑ «اتحاد قومي متلاحم قائم على الدين»، لكن دون تعريف معنى مصطلح «قومي» تعريفًا واضحًا في تلك الفترة، أو في غيرها.25
إن جدل الباحثين حول مملكة إسرائيل الموحدة يثير القدر نفسه من الشقاق؛ إذ يرفض بعض الباحثين هذه الفكرة باعتبارها دعايةً حدثت بعد النفي البابلي، بينما بعضٌ آخر من الباحثين على استعدادٍ لقَبول نسخة مختصرة من الرواية الواردة في سِفر الملوك الأول. مرةً أخرى، فالأمر المهم هو أسطورة المملكة المجيدة التالية، مملكة داود الشجاع وسليمان الحكيم، وهما المؤلفان المفترضان لكثيرٍ من المزامير والحِكَم. أصبحت مملكة إسرائيل الموحَّدة تمثل «عصرًا ذهبيًّا»، إلا أن الانقسام المرير للمملكة الموحَّدة الذي حدث لاحقًا إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا جعل ذكراها مدعاةً للحسرة. ورغم ذلك، فمنذ البداية كانت النظرة إلى الملكية في إسرائيل نظرةً متناقضة — فقد كانت تُرى على أنها مقدسة، بل مسيحانية، لكن في الوقت ذاته، كان يُرى أن الشبهات والفساد ضاربان في جذورها، كما أجزل الأنبياء في توضيح ذلك — مثلُ هذا التناقض سيتكرر في الحضارة الغربية ويُلازِمها.26
على الرغم من الانقسامات اللاحقة، فباختيار أورشليم عاصمةً وبناء الهيكل هناك، وفَّر داود ومملكة إسرائيل الموحَّدة أساسًا لنشأة الانتماءات الإقليمية وثقافة عامة مميزة ترتكز على عبادة يهوه. وفيما شهدت مملكة إسرائيل الشمالية صراعًا مستمرًّا بين عبادة الإله بعل الفينيقية السائدة وبين عبادة يهوه، كما هو مُدوَّن في مجموعة قصص إلياس، فإن مملكة يهوذا الجنوبية الأصغر مساحة، رغم ما واجهته هي أيضًا من متاعب مع العبادات الدخيلة، تمكَّنت من اتباع سياسة وحدة دينية أكثر اتساقًا تقوم على تقديس الهيكل ومثال العهد. وحتى في هذه المملكة، لم تتمكن عملية الإصلاحات الدينية الكاملة من البدء إلا بعد دمار المملكة الشمالية على يد الإمبراطورية الآشورية عام ٧٢٢ قبل الميلاد وهروب الكثير من لاجئي الشمال حاملين معتقداتهم الدينية إلى مملكة يهوذا. ومنذ عهد حزقيا في أواخر القرن الثامن وحتى عهد الملك يوشيا في أواخر القرن السابع، بدا أن مملكة يهوذا وشعبها قد أصبحوا أكثر وعيًا بأنفسهم كمجتمع عرقي يعبد إلهًا واحدًا دون إنكار إمكانية وجود آلهة أخرى، مع وجود إحساس أكثر وضوحًا بالأصول والذكريات التاريخية المشتركة. ساعد على هذا التطوُّر أربعة عوامل، هي: تأثير ملوك لَيِّنين سَهْلي الانقياد مثل حزقيا، وتأثير النشاط التنبُّئي لإشعياء وميخا وصولًا إلى إرميا وحزقيال، واكتشاف سِفر الشريعة في الهيكل عام ٦٢١ قبل الميلاد، والتحرير المحتمل لسِفر التثنية والأسفار التاريخية. وفي المقام الأول، كان ذلك نتيجةً لظهور الثقافة النصية التي انتشرت من البلاط الملكي والهيكل في العاصمة، بعد التوسيع السريع لأورشليم في أعقاب تدمير المملكة الآشورية لمدينة السامرة عام ٧٢٢ قبل الميلاد وغزو سنحاريب لمملكة يهوذا عام ٧٠١ قبل الميلاد. وساعدت رغبة البلاط الملكي في استعراض القوة والشرعية من خلال تأسيس مكتبة، كتلك الموجودة في مصر وفي آشور — وما ارتبط بذلك من زيادة في معرفة القراءة والكتابة — في تدوين وتشكيل الذكريات والأساطير والتقاليد لكلٍّ من لاجئي الشمال وقبائل الجنوب في صورة تاريخ عرقي متماسك يتمحور حول العصر الذهبي لداود.27
يَعتبر كثيرٌ من الباحثين أن إصلاحات الملك يوشيا (٦٣٩–٦٠٥ قبل الميلاد) كانت ضرورية لتكوين الكتاب المقدس ونشأة الوعي اليهودي العرقي. على الرغم من انقسام الأثريين حول «التوافق» بين كثيرٍ من الملاحظات الجغرافية والعرقية في أسفار موسى الخمسة وتوسُّع مملكة يوشيا في أعقاب الانسحاب الآشوري بعد عام ٦٢٨ قبل الميلاد، فالخلاف ضئيلٌ حول أهمية حملة يوشيا الدينية ضد العبادات الأجنبية والأماكن المرتفعة («أشيرة» و«باموت»)، واكتشاف شريعة التثنية في الهيكل، والقراءة العامة لتلك الشريعة التي نظَّمها الملك على هذا النحو:

وَصَعِدَ الْمَلِكُ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ وَجَمِيعُ رِجَالِ يَهُوذَا وَكُلُّ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ، وَالْكَهَنَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَكُلُّ الشَّعْبِ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، وَقَرَأَ فِي آذَانِهِمْ كُلَّ كَلَامِ سِفْرِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي وُجِدَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ. (سِفر الملوك الثاني ٢٣: ٢)

يرى ستيفين جروسبي أن هذه الأحداث تشهد على نمو إحساس بالمجتمع القومي والهُوية القومية: يوجد مشاركة من عوام الناس، ونشر للثقافة العامة، والتزام بالقوانين العامة والعادات المشتركة، وارتباط متزايد بأرض مشتركة «من دان إلى بئر سبع»، التي سعى يوشيا إلى استردادها.28
وحتى إذا قبلنا زعم جروسبي القائل بأن فكرة القومية يمكن إدراكها في هذه الفترة، فإننا نحتاج إلى توخِّي الحذر؛ فأولًا: كان هذا الأمر على الأرجح متعلقًا بالنُّخبة، وكان مقتصرًا على أورشليم وضواحيها المتاخمة. ويكشف استمرار عبادة الأوثان في الريف حدود أي إحساس بالمجتمع القومي القائم على تعاليم دينية مشتركة. ثانيًا: كان ظهور فكرة القومية لفترة قصيرة للغاية؛ فبعد موت يوشيا في إحدى المعارك عام ٦٠٩ قبل الميلاد، وتهجير نُخَب مملكة يهوذا إلى بابل على يد نبوخذ نصر عام ٥٩٧ قبل الميلاد، وأخيرًا سقوط القدس عام ٥٨٦ قبل الميلاد، يكاد يكون من المؤكَّد أن سكان الريف المتبقِّين استمروا في عباداتهم الوثنية السابقة. مرةً أخرى، كان إحياء الإحساس بالهُوية العرقية اليهودية والتوحيد الديني مقتصرًا على النُّخَب، الذين جمعوا كتابات ما قبل النفي البابلي وعدَّلوها في بابل، وعاد بعضهم وأعادوا بناء الهيكل في أورشليم بعد عدة سنوات من قرار التسامح الديني الذي أصدره قورش عام ٥٣٨ قبل الميلاد. ومع ذلك، فإن مقاطعة يهوذا الفارسية الصغيرة والمهجورة لم تزدهر مجددًا إلا من خلال تدخُّل نحميا كمبعوث للملك ومن خلال إصلاحات عزرا الكاتِب، لا سيَّما حظره للزواج من السكان المجاورين. ولم يساعد في تحديد العضوية في المجتمع إلا القراءة العامة للتوراة على يد عزرا وتبجيله شريعة موسى، كما يقول بيتر أكرويد:
توجد قيود مفروضة على الزواج، ويوجد تأكيد على النقاء، وعلى تحديد المجتمع من حيث قبوله للإله؛ فالزيجات الأجنبية، ومن ثَمَّ الدين الأجنبي، يمثلان تهديدًا لحياة المجتمع.29
هل يمكننا الحديث عن مجتمع قومي «متجدد»، لكنه صغير ومحفوف بالمخاطر، على الرغم من هذا الدليل الذي يشير إلى مجتمع عرقي مزدهر محدد من الناحية الدينية والشعائرية، مجتمع استمر يجمع وينظِّم أساطير الأصل والتاريخ العرقي المقدس ويسنُّ الشعائر باللغة العبرية المقدسة؟ للأسف، لا توجد أدلة كثيرة تشير إلى الفترة الفارسية وبداية الفترة الهلينستية، باستثناء استنباطات من أواخر عهد الفريسيين إلى أوائل عهد رجال الكَنِيس العظيم. ولا يمكننا البدء في إدراك سمات المجتمع القومي — رغم كونه مجتمعًا مقسمًا وخاضعًا لضغوط متصارعة — إلا مع الانقسام بين اليهود الهلينستيين والحسيديين في أورشليم في عهد السلوقيين في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد، وثورة المكابيين اللاحقة عام ١٦٧ قبل الميلاد على الظاهر أنطيوخوس الرابع إثر محاولاته الضالة للنيل من الاتساق الديني والثقافي من خلال ترسيخ عبادة زيوس في الهيكل. ونظرًا لأن اليهود كانوا يدورون في فلك التوحيد، والتوراة، والهيكل، وبدءوا يعرفون معنى الانتماء إلى اليهودية في ضوء الجانب الديني والجانب الطقسي، فقد أصبح اليهود يُعتبرون على نحوٍ متزايد أمةً منفصلة لها ما يُميزها من ثقافةٍ عامة وقانونٍ ولغةٍ وأرض، على الرغم من أنهم تشاركوا في جوانبَ كثيرةٍ من ثقافتهم المادية مع العالم الهلينستي من حولهم.30

(٦) هل من أممٍ في العصور القديمة؟

من واقع تلك الدراسة البالغة الإيجاز لحالاتٍ مختارة من الهُويات الجمعية الثقافية والسياسية والمجتمعات في العالم القديم، يمكننا الآن أن نتساءل إلى أي مدًى كان الإحساس بالانتماء العرقي المشترك سائدًا، وهل كان من المنطقي الحديث عن «الأمم» في العصور القديمة. في هذا الصدد، لا يسعني سوى طرح بعض الاستنتاجات المؤقتة:

أولًا: يبدو أن أكثر أشكال الهُويات الثقافية والسياسية الجمعية شيوعًا وانتشارًا — فوق مستوى العشيرة والقرية — كانت الدولة المدينة والاتحاد القَبَلي. حتى الهُويات الإمبراطورية نشأت في أحد هذين النوعين من المجتمعات (الدول المدن في بلاد الرافدين والتجمعات القَبَلية في حالة الميديين والفرس) وظلت تعتمد على هذين الأساسين. وتمثل مصر استثناءً جزئيًّا من هذا التعميم، على الرغم من أن مدنًا مثل منف وطيبة لاحقًا كانت أساسًا لقيام أُسَر متعاقبة.

ثانيًا: ما لم يتبنَّ المرء تعريفًا لمفهوم «القبيلة» يجعلها مساوية لمفهوم المجتمع العرقي أو «الجماعة العرقية»، فسنجد أن الروابط العرقية نادرًا ما كانت أساسًا لمجتمعٍ كامل وحصري في العالم القديم. بل نجد أنها تتضافر عادةً مع كل أنواع الهُويات والمجتمعات الثقافية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، في أغلب الأحيان، يبدو أن الآخرين هم من كانوا ينسبون العرقية لغيرهم من الشعوب، ولم تكن تلك الشعوب تنسبها لنفسها بالضرورة، كما في حالة الدول المدن «الفينيقية» التي تعرَّضنا لها سابقًا.

ثالثًا: عندما تكون الروابط العرقية واضحة، يمكننا أن نُميِّز ثلاثة مستوياتٍ للمجتمع؛ في المستوى الأول، الذي أطلقتُ عليه «الفئة العرقية» في الفصل الثاني: نجد تجمعاتٍ غير مترابطة لديها بعض ممارسات ثقافية متشابهة من منطقة معينة، فئة إقليمية وثقافية لها اسم سجَّله الغرباء، مثل الجوتيين واللولوبيين الذين ساعدوا في الإطاحة بسلالة أور السومرية نحو عام ٢٠٠٠ قبل الميلاد. وفي المستوى الثاني، الذي وصفتُه ﺑ «الشبكة العرقية»: فإن تلك المجموعات التي تتمثل عادةً في قبائل أو دول مدن، تكون مجالًا من النشاط الثقافي يُظْهِر قدرًا من التشارك الثقافي، لكنه نادرًا ما يُظهِر أي وحدة سياسية، وفي هذا الصدد أشرتُ إلى الاتحادات القَبَلية الآرامية والدول المدن السومرية. وليس من السهل دائمًا التمييز بين الشبكات العرقية والفئات العرقية، لكن على النقيض من الفئات العرقية، فإن أفراد النُّخبة في الشبكات العرقية يميلون إلى امتلاك أساطير الأصل المشترك والذكريات المشتركة، وربما قليل من التضامن.

أعتقدُ أن ما يُميِّز «الجماعة العرقية» هو تطوير ذكريات مشتركة لتأخذ صورة «تاريخ عرقي» مُركب من النوع الذي نجده في اليونان القديمة، في كتابات هيرودوت وثوسيديديس، وكذلك في إسرائيل القديمة. في حالة اليونان القديمة، على الرغم من تأثيرات القوى المناهضة للولاء للدول المدن، كانت المجتمعات الناطقة بالإغريقية والعابدة لآلهة الأوليمب تُدرِك صلة قرابتها وأساطير السلف المشترك الخاصة بها (على الرغم من الاختلافات الكثيرة بين تلك الأساطير)، وكانت تفتخر باختلافها عن «البربريين» من غير الإغريق، وتفوُّقها عليهم، وهذا أمرٌ ميَّز على نحوٍ واضح مستعمراتها عن جيرانها من شعوب البحر المتوسط. لهذا السبب، حذا موزيس فينلي حذو ماينيكه وأطلق على الإغريق مصطلح «أمة ثقافية» — وهو وفق مصطلحاتي يعني «مجموعة عرقية» تجمع بينها أساطير السلف المشترك، والذكريات التاريخية المشتركة، وثقافة مشتركة، وقدرٌ من التضامن — بسبب عدم وجود وحدة سياسية وإقليمية. وتنطبق اعتبارات مماثلة على بني إسرائيل. ذات مرة، قضت مواجهة الهجمات الفلسطينية على انشقاق القبائل الإسرائيلية، لكن بعد أن تخلص الملك داود من هذا التهديد، عاودت الخلافات الظهور بين القبائل الشمالية والقبائل الجنوبية وانقسمت مملكة إسرائيل. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا إلى تدمير الروابط الثقافية الوثيقة بين القبائل، ودُوِّن تاريخ مملكة إسرائيل جنبًا إلى جنب مع تاريخ مملكة يهوذا، وضُمِّنَ كلاهما في سِفرَي الملوك الأول والثاني.31

لكن أخيرًا، هل يمكننا الحديث عن وجود «أمم» في العالم القديم؟ هل يمكن أن نلاحظ على الأقل بعضًا من العمليات المحفِّزة لتكوين مجتمعات شبيهة بالنوع المثالي للأمة؟ إذا قبلنا التعريف الذي طرحتُه في الفصل الأول الذي عَرَّفَ الأمة بأنها مجتمعٌ بشري له اسم ووصف ذاتي يُكوِّن أفرادُه أساطير، وذكرياتٍ ورموزًا، وقيمًا، وتقاليدَ مشتركة، يقيم في موطن تاريخي، وينشر ثقافة عامة، ويراعي قوانينَ وعاداتٍ مشتركة؛ فإنني أعتقد أننا يمكن أن نُبيِّن أن بعض هذه العمليات الأساسية كانت فاعلة، وأنه في حالاتٍ قليلة للغاية شجَّعت تلك العمليات تَكوُّن الأمم، على الأقل في بعض فتراتٍ من وجودها. ومن أجل هذا، يمكن تناول أربع حالات من العالم القديم؛ ثلاث إمبراطوريات ومملكة: الإمبراطورية الآشورية الجديدة، والإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية المصرية القديمة، ومملكة يهوذا، التي أصبحت لاحقًا مملكة يهودية الرومانية.

في ضوء التعارض المنطقي، قد يبدو غريبًا افتراض أن الإمبراطورية يمكن أيضًا أن تُكوِّن أمة أو تكون امتدادًا لها، أو العكس. إلا أنه يسعدنا تمامًا الاعتراف بأن الأمة الفرنسية في القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، كانت لها «إمبراطوريتها»، أو على نحوٍ أكثر تحديدًا، القول إن الدولة الفرنسية التي حازت إمبراطورية قد أصبحت مجتمعًا قوميًّا، أو كانت في طريقها لأن تصبح كذلك. ألا يمكن إذًا أن ينطبق الأمر نفسه على العالم القديم؟32

(٦-١) الإمبراطورية الآشورية الجديدة

إنَّ وصْفنا للإمبراطورية الآشورية الجديدة بوصف الأمة يمكن أن يعنيَ أن الآشوريين كَوَّنوا أمة بأنفسهم، أثناء حُكمهم لعددٍ من المجتمعات الأخرى، أو أن الإمبراطورية الآشورية بأكملها، في مراحلها اللاحقة، قد أصبحت أمةً واحدة أو كانت في طريقها لأن تصبح كذلك.

أوضحتُ من قبلُ الطبيعةَ الهرمية والاستغلالية للحكم الآشوري، لكن ماذا عن الآشوريين أنفسهم؟ لقد كانوا مجتمعًا له اسمٌ وتعريفٌ ذاتي، وله أسطورة أصل أرستقراطية نابعة من مدينة آشور وإلهها الذي تحمل اسمه، وتشاركوا في ذكريات إنجازات ملوكهم المدوَّنة في السجلات الملكية، وتشاركوا في اللغة، وساد في وسط النبلاء الشعور بالفخر بالمكانة والإحساس بالتفوُّق على العوام في طبقاتهم وعلى الشعوب الخاضعة لهم. نظرًا لهذا التضامن النُّخبوي، يمكننا التحدُّث على نحوٍ مشروع عن مجتمع عرقي آشوري.

من ناحيةٍ أخرى، من النادر وجود أدلة على وجود مشاعر خاصة تجاه الوطن الآشوري أو شعور بقدسية الأرض خارج «أرض آشور» نفسها، ولم تكن توجد عاصمة واحدة منفردة. فيما عدا بعض عبادات الآلهة الآشورية، وبعض فنون القصر الآشوري والدعاية الملكية، يبدو أنه لم يُبذَل جهدٌ كبير في نشر الثقافة الآشورية العامة في أرجاء الإمبراطورية. من المحتمَل أن الأسرى أو زوار مدينة النمرود أو مدينة نينوى كانوا يشعرون بالرهبة، لكننا لا نسمع إلا القليل عن نشر الثقافة الآشورية العامة إلى عوام الآشوريين، فضلًا عن الشعوب الأجنبية الخاضعة للإمبراطورية. علاوةً على ذلك، فكما ذكرت من قبل، كانت الثقافة الآشورية الجديدة مَدِينةً إلى حدٍّ بعيد للنصوص الدينية المكتوبة بالمسمارية وللثقافة الأدبية الأكدية لبلاد بابل؛ تلك النصوص التي كانت تُمثل المرجعية وتلك الثقافة التي مثلت العصر الذهبي اللازم إحياؤه. أما عن توحيد القوانين والعادات العامة، فبعيدًا عن الجزية المعتادة، والتجنيد العسكري، وبعض المراسيم الملكية، سُمح على نحوٍ ضمني لغالبية الرعايا الذين ظلوا في أراضيهم بالاحتفاظ بعاداتهم وقوانينهم المحلية.33
على صعيد آخر، هل يمكننا وصف الأراضي التي ضمتها الإمبراطورية الآشورية الجديدة والمجتمع الذي أنشأته بالدولة القومية، على الأقل في مراحلها الأخيرة؟ هذه فرضية قدَّمها مؤخرًا سيمو باربولا. مع وضع النموذج الأمريكي في الاعتبار، زعم باربولا أن عمليتَي التهجير المنتظم والاستيعاب الثقافي ساعدتا في تكوين مجتمعٍ جديد أكثر تماسُكًا وتجانسًا؛ فعن طريق إجبار شعوب الشرق الأدنى القديم على الاختلاط مع غيرهم، ومنْحهم الكثير من حقوق المواطنة، واستيعابهم عن طريق لغةٍ مشتركة تمثلت في الآرامية، وعن طريق كتابةٍ مشتركة تمثلت في الأبجدية الآرامية، كان الآشوريون لأول مرة في التاريخ يُكوِّنون أمة قومية على نحوٍ واعٍ. إنها فرضية جذابة. لا شك أن تلك التوجُّهات ساعدت بالفعل في تعزيز مجتمعٍ جديد أكثر عالميةً وتنوعًا من خلال تحطيم عزلة شعوب الشرق الأدنى القديم. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن النظير الأمريكي مضلل. لقد كانت الولايات المتحدة، وما زالت، مجتمعَ مهاجرين يختار أعضاءُ مجموعاته العرقية المختلفة الدخولَ فيه ويتبنَّون طواعيةً أسلوب الحياة الأمريكي مع احتفاظهم بكثيرٍ من تقاليدهم ومعتقداتهم وعاداتهم. بالإضافة إلى ذلك، كانت الولايات المتحدة منذ البداية جمهورية شعبية قائمة على الأيديولوجية القومية المدنية لآبائها المؤسسين. ومثل هذه الأيديولوجية القومية لا يمكن العثور عليها في الإمبراطورية الآشورية؛ فالهجرة كانت قسرية إلى حدٍّ بعيد، وعلاقة الحكام الآشوريين بالشعوب الخاضعة لهم كانت استغلالية في العموم، كما رأينا. في جوهر الأمر، ظلت الإمبراطورية الآشورية حالةً هرمية عرقية قائمة على القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية. إن الابتهاج العام شبه العالمي الذي صاحب انهيار الإمبراطورية الآشورية، والاختفاء شبه الكامل ﻟ «العرقية» الآشورية مع انهيار الدولة، يؤكِّدان فشل المشروع «القومي» الآشوري، إن كان ثَمَّةَ مثل هذا المشروع.34

(٦-٢) فارس الأخمينية

كثيرٌ من الاعتبارات نفسها ينطبق على فارس الأخمينية. يمكننا أن نتفق عند وصف «العرقية» الفارسية؛ فهي مجتمع بشري له اسمٌ وتعريف ذاتي، وأسطورة أصل مشترك منسوبة إلى البيت الحاكم الذي يتشارك فيه النبلاء (بتتبُّع سلالة الزعماء الأخمينيين المنتمية إلى قبيلة باسارجاد)، وذكرياتٌ مشتركة متعلقة بإنجازات الملك والمعارك التي انتصروا فيها (مثلما يفتخر دارا الأول على نقش ضريحه في برسبوليس)، ولغةٌ فارسية قديمة مشتركة، واعتقادٌ مشترك في نعمة «أهورامزدا» على ملوك ونبلاء الفرس، في نظام كوني أبدي ومتجانس.

لكن، مرةً أخرى، فإن هذا يصف هرمية عرقية متعارضة مع فكرة المجتمع القومي؛ لذا، فعلى الرغم من أن أرض بارس في جنوب غرب إيران، مقر حكم الإمبراطورية الأخمينية، كانت تتلقى الثناء بسبب وفرة إنتاجها الزراعي، فإنها لم تتمتع بأي مكانةٍ خاصة أو مقدسة، كما لم توجد عاصمة واحدة للإمبراطورية على مدار القرنين اللذين استمرت فيهما. وكانت ثقافتها العامة أيضًا محصورة إلى حدٍّ بعيد على النبلاء الفارسيين والمبعوثين الأجانب المهمين، وأيضًا كان يوجد انقسامٌ لغوي؛ حيث كانت الآرامية هي «لغة التواصل الوسيطة» المستخدمة في المحادثات العامة مع الشعوب الخاضعة للإمبراطورية. وعلى الرغم من أن الحُكم الفارسي كان بالتأكيد أقل وحشية، فإن دور الشعوب الخاضعة له كان موضَّحًا جيدًا، كما رأينا، في مواكب المجموعات العرقية التي تحمل الهدايا إلى الملك العظيم على سلم أبادانا في برسبوليس، أو على النقش الملكي في شوشان الذي مدح عمالة وموارد الشعوب الخاضعة للإمبراطورية. وكلا العملين الفنيين يعطي إحساسًا بالعظمة والتباعد بين الحُكام والمحكومين في إمبراطورية مترامية الأطراف. الاختلاف الوحيد الذي يُفرِّق الإمبراطورية الأخمينية عن الإمبراطوريات السابقة هو تسامحها الأكثر وضوحًا مع القوانين والعادات المحلية، وهذا التسامح كان نابعًا من سياسة قورش؛ ومن ثَمَّ كانت الرغبة في دمج الشعوب الخاضعة لهم في مجتمع واحد متعدد العرقيات أقل وضوحًا. ومثلت المحاولات اللاحقة التي قامت بها السلالة البارثية والسلالة الساسانية للعودة إلى نموذج فارس الأخمينية تناقضًا مثيرًا للاهتمام مع مصير الإمبراطورية الآشورية.35

(٦-٣) مصر القديمة

حالة مصر القديمة أكثر تعقيدًا. إنَّ عُزلة مصر بسبب جغرافيتها ووحدتها بسبب النيل قد جعلت المجتمع المصري والهُوية المصرية يتطوران على مدار ألف سنةٍ تقريبًا في ظل المملكة المصرية القديمة الموحدة. وساعد هذا في تكوين أساطير الأصل، بأساطير الخلق المتعددة المتعلقة بها، لكن انعدام التواصل النسبي مع الآخرين قبل المملكة الوسطى ربما تسبَّب في تأخُّر ظهور الشعور بتعريف الذات. لكن كما نرى في حالة العلاقات مع النوبة، ففي بداية الألفية الثانية كوَّنت الأرستقراطية معتقدًا واضحًا بالتفوُّق المصري على الأجانب، بالإضافة إلى الكثير من الأساطير والذكريات والرموز والحنين للعصر الذهبي للأسرة الرابعة المجيدة التي اختار فيها أمنمحات الأول إطلاق المنشور الدعائي المعروف باسم «نبوءة نفرتي» لتبرير اغتصابه للعرش عام ١٩٩١ قبل الميلاد. ولعل تعلُّق المصريين ﺑ «الأرض السوداء» التي أكسبها النيل خصوبتها يخبرنا المزيدَ عن الشخصية المصرية. في الحكاية الخيالية الشهيرة «قصة سنوحي» التي تدور في الفترة نفسها، يروي مسئول رفيع المستوى من الحاشية، هرب إلى سوريا تجنبًا لاتهامه ظلمًا بالتورط في مؤامرة قتل أمنمحات، قصةَ رحلته، وإقامته الطويلة في المنفى، ورغبته في أن يُدفَن في مصر أرض آبائه على طقوس الدفن المصرية، وقد تحققت تلك الرغبة لاحقًا. في مرحلةٍ ما، يُعرب سنوحي عن حزنه قائلًا:

أنا رغم ذلك غريبٌ لا يحبه أحد، تمامًا كما لا يحظى بدويٌّ بحب أحدٍ في الدلتا … وهل من أمر أهم من أن تُدفَن جثتي في الأرض التي وُلِدت فيها؟

من مرحلةٍ لاحقة، يمكن أن نقتبس أيضًا رغبة الفرعون كامس في طيبة في أن «يُنقذ مصر التي دنَّسها الآسيويون»، والإحساس الواضح لدى الحُكام المصريين بالحدود التاريخية لمصر من الدلتا إلى جزيرة إلفنتين في الجنوب، ورغم ذلك فمن غير الواضح إلى أي مدًى كانت تُعتبر الأرض مقدسة وليست فقط مباركة.36
إنها لَحقيقة لا تُنكَر أن النُّخَب المصرية القديمة خلقت ثقافة عامة مميزة ودائمة تكوَّنت من الطقوس، والمراسم، والرموز، ومدعومة بلغة وكتابة هيروغليفية، ونظام تعليمي. لقد كانت على الأرجح أكثر الثقافات العامة إبهارًا وشمولًا. كانت تلك الثقافة ترتكز على أيديولوجية الملكية الإلهية التي زعمت أن الفرعون كان تجسيدًا للإله حورس الذي يشبه الصقر وابنًا لرع إله الشمس، وأن من واجبه، من خلال أداء الطقوس العامة والحُكم الرشيد، ضمان انتصار «ماعت» (الحق والعدل) في عالم البشر. ووفقًا لما يقوله باري كيمب، فإن هذه الأيديولوجية كانت:

تُعَزَّز باستمرارٍ في التجمعات الإقليمية من خلال الطقوس وتصوير الطقوس، مثل ذلك الطقس الذي يجعل الملك مسئولًا عن مراسم المعابد الإقليمية.

على الرغم من أن أبناء النبلاء والكَتَبة كان لهم تعليمٌ منفصل، فإن المنتمين إلى الطبقات الدنيا كان بإمكانهم الالتحاق بالثقافة التي دعمت هذه الأيديولوجية. وعلى الرغم من أننا لا نستطيع تحديد إلى أي مدًى كانت تلك الثقافة منتشرة خارج نطاق النُّخَب، فإنه من المفيد تَذكُّر أن ذلك كان النوع الوحيد من الثقافة العامة الذي تعرَّض له المصريون على مدار ألفين وخمسمائة عام (باستثناء الفاصل القصير من «الهرطقة» الإخناتونية).37

في الغالب تُوصَف مصر القديمة بأنها مجتمعٌ بالغ التنظيم. ربما كان هذا نتيجةً لتراثٍ طويل من السلطة المركزية التي تكوَّنت منذ فترةٍ مبكرة، عندما كانت مصر بعيدةً إلى حدٍّ كبير عن التهديدات الخارجية؛ ومن ثَمَّ تمكنت من تكوين مجتمعٍ أكثر تكاملًا لعب فيه القانون الموحَّد والتشريع البيروقراطي دورًا كبيرًا، بسبب الحاجة إلى الاستفادة من تأثيرات الفيضان السنوي للنيل. وإلى حدٍّ ما، انتقل هذا النموذج إلى فلسطين وسوريا، عندما أقامت مصر إمبراطورية في عهد المملكة الحديثة، وفي الوقت نفسه يبدو أن الشعوب التي خضعت لمصر هناك تمكَّنت من الاحتفاظ ببعض عاداتها وقوانينها المحلية. وربما لأن مصر ظلت لفترةٍ طويلة جدًّا مجتمعًا مستقلًّا بذاته، دون إمبراطورية، فقد أصبحت تُشبه لدرجةٍ كبيرة النوع القومي من الهُوية الجمعية والمجتمع الجمعي، حتى لو كانت تلك الهُوية تتجسَّد على نحوٍ بالغ الوضوح لدى النُّخَب. في هذا الصدد، كانت العمليات الأساسية المتمثلة في التعريف الذاتي، وتأسيس الأساطير والذكريات والرموز والقيم، وأقلمة الارتباطات، ونشر ثقافة عامة مميزة، وتكوين قوانين وعادات موحَّدة، واضحة في أبلغ صورة. ومن ناحيةٍ أخرى، كان هناك غياب لبعض المصادر الثقافية الأساسية الأخرى؛ فقد فشل المصريون في تكوين أسطورة للاختيار الإلهي للشعب — مقارنةً بالفضل الإلهي على الفرعون وسلالته — وعلى الرغم من أن النُّخَب في الفترات التالية استحضروا «العصور الذهبية» السابقة، فإنهم فشلوا في تكوين تاريخ عرقي هادف، أو إحساس بالمصير الجمعي المصري الذي يتطلب كفاحًا وتضحية من جانب أفراده.

(٦-٤) مملكة يهوذا ومملكة يهودية

هذه الموارد الثقافية فحسب هي ما تطور ببطء في فتراتٍ معينة من التاريخ القديم لإسرائيل، أو تحريًا للدقة، في فتراتٍ معينة من التاريخ القديم لمملكة يهوذا ولكومنولث يهودية لاحقًا.

حاولتُ سابقًا أن أوضح نمو المجتمع العرقي في مملكة يهوذا في أواخر القرن الثامن أو القرن السابع قبل الميلاد. حينئذٍ، كان المجتمع مجتمعًا بشريًّا له اسم وتعريف ذاتي وأساطير عن الأسلاف، وذكريات تاريخية تفصيلية مشتركة، وثقافة أدبية عبرية قائمة على محورية عبادة يهوه، وتوراة موسى، والهيكل. وفي عهد ملوك الإصلاح الأقوياء أمثال حزقيا ويوشيا، والمطالبات التنبُّئية القوية المنادية بالتطهير، حفَّز هذا التراث بين النُّخَب السياسية والدينية وعيًا عرقيًّا قويًّا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمعتقد العهد الإلهي، في وقتٍ كانت تهدد فيه الإمبراطورية الآشورية استقلال مملكة يهوذا.

لكن هل يمكننا أن نبالغ ونرى في مملكة يهوذا القديمة مثالًا أوليًّا لنوعٍ من المجتمعات القومية، قد يكون بالفعل نموذجًا أوليًّا للأمة كما يزعم أدريان هستنجز؟ من الصعب تحديد قدر الارتباط بأرض مملكة يهوذا. لقد ظلت بالتأكيد أرض الميعاد، وأوضح بعض الباحثين أن الأرض لم تصبح مقدسة إلا في تلك الفترة من خلال احتلالها من قِبل شعب مختار. لدينا سِجِل حافل بهذا التعلق المحموم الذي تَكوَّن لاحقًا في المنفى «على أنهار بابل». وفي مزامير داود وفي أقوال الأنبياء يمكننا أن نرى شيئًا من الفرح والحب للأرض وتضاريسها — جبال الكرمل، وجمال وادي شارون، وتلال يهوذا، ولا سيَّما مدينة أورشليم المقدسة نفسها، العاصمة الوحيدة لمملكة يهوذا — وللأرض ذات الحدود؛ تلك الحدود المذكورة في التوراة.38
كثيرٌ من الباحثين سيتفق أيضًا على الطبيعة المميزة على نحوٍ متزايد للثقافة العامة لمملكة يهوذا. ورغم ذلك، فنظرًا لاستمرار عبادة الأصنام في ريف يهوذا، حتى في أيام يوشيا، فمن المحتمل أن الوعي القومي القوي — لو كان موجودًا — كان مقتصرًا على أورشليم والبلدات القريبة منها. هناك، كما رأينا، اشترك الناسُ المجتمعون في تجديد عهد سِفر الشريعة الذي عُثر عليه في الهيكل عام ٦٢١ قبل الميلاد، واشتركوا في إصلاحات يوشيا الدينية المصاحبة لذلك. بالتأكيد حاول الملك توسيع نطاق إصلاحاته من خلال تحطيم الأماكن المرتفعة والأصنام في الريف. في هذه الحالة، كانت الثقافة العامة المميزة هي كلًّا من «كلمة الرب» والشريعة، المنطبقة على الجميع. كانت المشكلة في ضمان التمسُّك بها على نطاق واسع، وهنا كان الموت المبكر ليوشيا في إحدى المعارك هو ما أوقف برنامجه الإصلاحي. ولم يُستأنف البرنامج جزئيًّا إلا في المنفى البابلي، من خلال مزيدٍ من التعديل للقوانين والتواريخ في أسفار موسى الخمسة وفي سِفر التثنية، ولم يتمكَّن عزرا ونحميا من البدء في وضع أساس مجتمع قومي مُجدَّد ومُطهَّر إلا في مجتمع أورشليم وهيكله بعد النفي البابلي.39
كلُّ هذا يؤيد تصنيف ستيفين جروسبي لمملكة يهوذا في أواخر القرن السابع على أنها «جنسية» — وأقول «أمة» — لكنها أمة سرعان ما انمحت. ورغم ذلك، فقد أصبح نموذج تلك الأمة رائجًا. فحتى دون وجود الملوك وحتى تحت الحكم الأجنبي تَمكَّن يهود أورشليم من البدء في بناء مجتمعٍ عرقي ديني مستقل تحت قيادة مرجعياته الدينية المرتكزة على الهيكل وثقافته العامة، ومستحضرًا العصر الذهبي للعهد الموسوي. وفي اللحظة التي فتحت فيها الظروفُ الطريقَ أمام قدرٍ من النشاط السياسي المستقل، أُضِيفَت لمحة جديدة من النضال والتضحية من أجل التوراة والمجتمع إلى الثورة المكابية الناجحة التي قامت عام ١٦٧ قبل الميلاد، وسعى قادةٌ أمثال سمعان المكابي إلى تعضيد مناصبهم العسكرية بمكانة الكاهن الأكبر الدينية من خلال الحصول على تصديق المجتمعين. في القرن التالي، نرى تأكيدًا مجددًا على نطاق أرض إسرائيل، ذروة ثقافة الهيكل، مصحوبًا بزيادة الكُنُس، والتزام أكبر بالتوراة. وعلى الرغم من انفصال الأسينيين والصراع بين الصدوقيين والفريسيين، فلم يُسفر الاحتلال الروماني إلا عن تقوية العمليات التي عززت تكوين مجتمع قومي بين اليهود في هذه الفترة، وعبَّر الفريسيون وحزب زيلوت عن الحس الوطني المتزايد المنتشر بين أعداد غفيرة من السكان اليهود في فلسطين الرومانية.40

خاتمة

على الرغم من أن أي استنتاجٍ بشأن وجود الأمم في الشرق الأدنى القديم هو استنتاج غير مؤكَّد وضعيف للغاية، فيبدو أنه — على الرغم من انتشار الروابط والشبكات العرقية — لا يمكن العثور على أدلةٍ كافيةٍ تسمح لنا بالحديث عن وجود أمم في العصور القديمة إلا في مصر القديمة وفي مملكة يهوذا. في هاتين الحالتين فقط أصبحت العمليات الاجتماعية والرمزية الضرورية متطورة بالقدر الكافي لتكوين الظروف المناسبة التي من شأنها أن تجعل تلك المجتمعات قريبة الشبه بالنموذج المثالي للأمة، وفي فتراتٍ معينة فقط من تاريخها. من ناحيةٍ أخرى، في حالة الإمبراطورية الآشورية الجديدة والإمبراطورية الفارسية، لم يكن يوجد سوى بعض العمليات ذات الصلة، وكانت كافية لتحفيز ظهور «عرقيات» ذاتية التعريف، لا لتكوين ظروف نشأة الأمم. علاوةً على ذلك، لم تكن المصادر الثقافية المتعلقة بأساطير الاختيار الإلهي للشعوب، والعصور الذهبية، والمصير من خلال التضحية، والمصادر التي تساعد في الحفاظ على الإحساس بالهُوية القومية؛ متطورةً جيدًا إلا في حالة مملكة يهوذا، وهذا قد يساعدنا في تفسير سبب استمرار كونها ذات صلة وتأثير «على المدى الطويل».

من الممكن استنتاج أمرين إضافيَّين؛ الاستنتاج الأول هو: الأهمية الحيوية للسياسة والكيانات السياسية؛ فكل حالة من الحالات التي تناولناها نشأت من رحم أحد الأنظمة السياسية — إما إمبراطورية بيروقراطية وإما ملكية متوارثة عن الأسلاف — وكانت الأيديولوجية السياسية والعمل السياسي ضروريَّين لتكوين «العرقيات»، والأمم بصفةٍ أخص. ومن جانبٍ آخر، ففي اليونان القديمة حالَ دون تكوين أمة إغريقية ضعفُ الأيديولوجية الهيلينية الجامعة وعدم وجود إطار سياسي واحد في مواجهة الوطنية الحصرية والتضامن الحصري ﻟ «الدول المدن»، ومن باب أدعى أن يكون ذلك ما حالَ أيضًا دون تكوين أمة فينيقية أو أمة سومرية؛ لذلك، لا بد من إبراز أهمية الأيديولوجية السياسية والمؤسسات في تكوين الأمم.

لكن الأمر نفسه لا بد أنه ينطبق بالمثل على المعتقدات والعبادات الدينية. فعلى الرغم من أن الفرس والآشوريين كانت لديهم، بطبيعة الحال، عباداتٌ ومُثُل خاصة بهم، فإنهم فشلوا إما في توحيد الشعوب الخاضعة لهم حول تلك المعتقدات والعبادات، وإما في التسامح العلني مع وجود الآلهة والعبادات المحلية. وعلى أي حال، لا يمكن أن يكون الدين هو لُحمةَ التضامن الاجتماعي. من ناحيةٍ أخرى، في مصر ومملكة يهودية كانت التصورات والأخلاقيات والطقوس الدينية العناصرَ التي ربطت بين الوعي القومي والتماسك الاجتماعي. وإنه لَصحيحٌ أن عامة الشعب في مصر في الفترات الأخيرة من الحُكم الأجنبي كانوا بعيدين عن دين المعبد ولغة الكهنة والنبلاء، وكانت النتيجة أنه في الفترة الرومانية أحرزت ديانات منافسة مثل المسيحية تقدُّمًا هائلًا على حساب الدين المصري التقليدي الذي كان يعتمد على قوة الفرعون الإله. ومن ناحيةٍ أخرى، ففي مملكة يهودية، كان الدين الأصلي المتمثل في الرب والتوراة والهيكل — مضافًا إليه معتقد العهد وما يرتبط به من أساطير الاختيار الإلهي وأرض الميعاد — من الممكن تجديده باستمرار من خلال التفسيرات الجديدة المتنوعة وتزايد احتواء الشعب، لا سيَّما بعد ثورة المكابيين وظهور الفريسيين. وقد كان هذا الشكل من الدين المتجدد ذاتيًّا — في الديانات التوحيدية الثلاث — هو ما أثر تأثيرًا قويًّا على تكوين الأمم لاحقًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤