الفصل الخامس عشر

آنا ميخائيلوفنا

درجت عربة الكونتيس روستوف — التي استقلتها الأميرة دروبتسكوي وابنها — في طريقٍ نُثِر عليه التبن، قبل أنْ تدخل إلى حديقة فندق بيزوخوف الذي كان الكونت يقيم فيه.

قالت الأميرة، وهي تسحب يدها من ثنية كمِّها وتضعها على يَدِ ابنها بحركة لطيفة مفعمة بالحنان: يا عزيزي بوريس، كن رفيقًا يا ولدي وامتثِلْ للواقع، إنَّ الكونت سيريل شَبينُك يا عزيزي، ومستقبلك كله يتوقَّف عليه، تذكَّر ذلك يا ولدي، وكن رفيقًا كما تحسن أن تكون.

فأجابها بوريس بلهجة باردة: ليت هذا الخنوع يعود بشيء من الفائدة! لكنني مع ذلك أعدك أنني أمتثل نزولًا عند رغبتك فقط.

وعلى الرغم من أنَّ خادم الباب رآهما يهبطان من عربةٍ تدل على أن أصحابها من السادة المبجَّلين، فإنه راح يحدِّق بقِحَة في وجه الأم وابنها، اللذين دخلا مباشرةً إلى الشرفة دون أن يُبلِغا عن قدومهما، ووقفا بين ذَيْنِك الصفَّين من التماثيل الجميلة البديعة التي تحفُّ بها، وبعد أنْ نظر إلى ثوب السيدة بإشفاق، سألها عما تريد، وهل ترغب في رؤية الأميرات أو الكونت، فلما عرف أنها تريد مقابلة الكونت، أبلغها أنَّ سعادته سيئ الصحة لا يستقبل أحدًا.

فقال الابن وهو يقطِّب حاجبَيْه: حسنًا، هيا بنا إذن!

فضرعت إليه الأم تقول: يا صديقي!

وأشفعت قولها بلمس ذراعَيْه، ولعلها بتلك اللمسة كانت تستوحي الهدوء، أو شحْذ القوى.

صمت بوريس، وراح يستفسر أمه بنظره دون أنْ يخلع معطفه، فقالت هذه تخاطب خادم الباب بلهجة لبِقة: يا صديقي الطيب، إنني أعرف أنَّ الكونت سيريل فلاديميروفيتش مريض جدًّا، ومن أجل هذا جئت. إنني لن أزعجه، يا صديقي. أودُّ فقط أنْ أرى الأمير بازيل سيرجيئفيتش، وأعرف أنه هنا، فتفضَّل بإبلاغ وصولنا إليه.

فجذب خادم الباب حَبلَ الجرس بشراسة، واستدار يقول لخادم آخر ظهر على الباب، يرتدي سراويلَ قصيرة وأخْفافًا: إنَّ الأميرة دروبتسكوي ترغب في مقابلة الأمير بازيل سيرجيئفيتش.

كان الخادم الثاني يطل من فوق الحاجز استجابةً لنداء الجرس، فلما أنهى إليه خادم الباب الأمر، عاد إلى الداخل، أما الأميرة فإنها راحت تسوِّي ثوبها وترتِّبه، وهي واقفة أمام إحدى مرايا البندقية الشهيرة، كانت معلَّقة على الجدار، ثم راحت ترتقي السُّلَّم — المغطَّى بقطِع السجَّاد النفيسة — ببسالةٍ رغم حذاءَيْها الباليَيْن.

قالت لابنها، وهي تضغط من جديد على يده: لقد وعدتَني يا عزيزي، فلا تنسَ.

فتبعها الابن بهدوء مُطْرِقَ الرأس.

دخلا إلى بهوٍ يؤدِّي إلى جناح الأمير بازيل، فلما وصلا إلى منتصف القاعة، همَّا بالسؤال من خادمٍ عجوز بادَرَ لاستقبالهما، غير أن أُكرة أحد الأبواب أُدِيرت، وظهر على عتبة الباب الأميرُ بازيل بثياب المنزل، لا يزيِّن صدره إلا وسام واحد، معلَّق على سترته المخملية القصيرة. كان يودِّع رجلًا أسمر جميل الطلعة، هو الطبيب لوران الشهير الذي استُقدِم من بيترسبورج.

سأله الأمير: أهو إيجابي؟

فأجاب الطبيب، وهو يلفظ الكلمات اللاتينية على الطريقة الفرنسية: يا سيدي الأمير، إنَّ الحال خطير ولكن …

– حسنًا، حسنًا.

ولما وقعت أبصاره على آنا ميخائيلوفنا وابنها، استأذن من الطبيب، وتقدَّم منهما بوجهٍ طافح بأمارات الاستفهام، وفجأةً امتلأت نظرةُ الأميرة بكآبة الحزن العميق، فلم يخفَ ذلك التحول المفاجئ على بوريس، الذي وجد صعوبةً كبرى في إخفاء ابتسامته.

قالت الأميرة دون أنْ تبالي بالنظرة الباردة الجارحة التي كان الأمير بازيل يصعَقُها بها: أية مناسباتٍ سيئة شاءت أن تجمعنا من جديد! يا أميري، كيف حال مريضنا العزيز؟

انتقلت تلك النظرة الفاحصة إلى بوريس، الذي انحنى بأدب، غير أنَّ الأمير لم يُلقِ بالًا إلى تحيَّته، واستدار إلى آنا ميخائيلوفنا، فأجاب على سؤالها بغمغمة وهزة رأس لا تبشِّران بخير عن صحة المريض.

هتفت الأميرة: يا ألله! إنَّ هذا مريع، إنه مخيف.

ثم استتلت وهي تشير إلى بوريس: أقدِّم إليك ولدي بوريس، لقد ألحَّ في أنْ يحضر بنفسه لشكرك.

فعاد بوريس إلى الانحناء من جديدٍ بتأدب واحترام.

استطردت الأميرة تقول: ثِقْ تمامًا يا أميري من أنَّ قلبي كأمٍّ لن ينسى لك أبدًا ما فعلته من أجلنا.

وأخيرًا نطق الأمير فقال، وهو يُصلِح من وضع ياقة سترته: إنني سعيد يا آنا ميخائيلوفنا الطيبة؛ لأنني استطعت أن أُحسِن إليك.

قُدِّر أن عليه — هنا في موسكو — أن يعامل محميته بشيء من الترفع؛ لأنه وحيد معها، وقُدِّر أيضًا أن تكون وسائله الآن أكثر شدةً وجلاءً مما كانت عليه في بيترسبورج عندما كان في حفلة آنيت شيرر، فقال لبوريس بلهجة صارمة: كن ضابطًا ممتازًا، ينبغي أن تكون جديرًا ﺑ… إنني سعيد جدًّا من ناحيتي. هل أنت في عطلة هنا؟

حشا الأمير بازيل جملته الأخيرة بأقصى ما في طاقته من مظاهر العظمة، فأجابه بوريس دون أن يبدي ترددًا إزاءَ لهجة الأمير المرتفعة المهينة أو الرغبة في متابعة الحديث: إنني يا صاحب السعادة أنتظر الأمر لألتحق بمركزي الجديد.

كانت لهجته متزنة مهذبة، حتى إنَّ الأمير راح ينظر إليه باهتمام ملحوظ.

– هل تقطن عند أمك؟

فأجاب بوريس، دون أن ينسى إضافة كلمة «صاحب السعادة»: إنني أقطن عند الكونتيس روستوف.

فتدخلت آنا ميخائيلوفنا قائلة: أتذكر أنه إيليا روستوف الذي تزوَّج ناثالي شينشين.

فقال الأمير بصوته وحيد النغمة: أعرف، أعرف، إنني ما استطعت أبدًا أنْ أفهم كيف أن ناثالي وافقت على الزواج بهذا الدب القذر! إنه شخص سخيف ومضحك تمامًا، ومقامر على ما يقال.

فأعقبت آنا ميخائيلوفنا بلهجة وابتسامة دمثتين، وكأنها توافق على حُكمه على الرجل، ولكنها تلتمس منه الصفح والعفو عن عجوز مسكين: لكنه رجل باسل جدًّا يا أميري.

وعادت تسأل بعد لحظةِ صمتٍ ساعدتها على أنْ تطبع وجهَها بطابعِ ذعرٍ عميق: ما رأي كلية الطب؟ وتقصد الطبيب.

فقال الأمير: هناك أمل ضئيل.

– وأنا التي كنت مُزمِعةً على شكر «عمي» على كل ما أحاطني وأحاط بوريس به من عطف وحُسن التفات.

وأضافت بعد حين، وكأن الخبر سيسُرُّ الأميرَ بازيل معرفتُه: إنَّ بوريس ابنه في المعمودية!

فقطَّب الأمير حاجبَيْه، وراح يفكِّر ولا شك في أنه سيرى في هذين الدخيلَيْن دعيَّيْن آخرين في ميراث الكونت بيزوخوف، وأدركتْ آنا ميخائيلوفنا ما يجول في خاطره، فبادرت تطمئنه بقولها: إنني إذا كنت هنا، فما ذلك إلا لمحبتي ﻟ «عمي» وإخلاصي له (وعادت تضغط على كلمة عمي بتأكيد لبِق) إنني أعرف عقليته النبيلة الصريحة، غير أنني أعرف أنَّ الأميرات وحدهن بجانبه، وهن شابات صغيرات في السن.

واقتربت منه لتهمس في أذنه بصوت خافت: هل قام بآخِر واجباته يا أميري؟ كم هي ثمينة هذه اللحظات الأخيرة! فإذا كانت صحته منحدرة إلى هذا الدرك السيئ، فيجب حتمًا إعداده، ولا شيء أخطر من هذا.

وأعقبت تقول بعد فترة صمت، وهي تشفع قولها بابتسامة عذبة: إنك تدرك يا أميري أننا، معشر النساء، نعرف كيف نتصرف في ظروف عصيبة كهذه. يجب أن أراه، إنه واجب مؤلم لكنني تعوَّدتُ الألم.

وفهم الأمير — كما حدث من قبلُ في حفلة آنيت شيرر — أن من العسير التخلُّص من آنا ميخائيلوفنا، فقال: إن مقابلتك له، يا آنا ميخائيلوفنا العزيزة، قد تُثقل عليه. لننتظرْ حتى المساء، لقد أكد الأطباء أنه ينتظر نوبة …

– أن ننتظر يا أميري؟ لكن مستحيل! فكرْ، إنَّ هذا الأمر متعلق بخلاص روحه. آه كم هي مؤلمة واجبات المسيحي!

فُتِح باب الجناح الخاص، وخرجت منه واحدة من الأميرات، وهي ابنة أخت الكونت، ذات وجه بارد جامد عابس، تعطي ساقاها القصيرتان اللتان تحملان قامتها الطويلة لونًا من الغرابة والشذوذ للناظر المتفحص. الْتفَتَ الأمير بازيل إليها، وقال: حسنًا، كيف حاله؟

فقالت ابنة الأخت، وهي تتفرَّس في وجه آنا ميخائيلوفنا، وكأنها تنظر إلى سيدة مجهولة: لا زال كما هو، إنَّ هذا الضجيج، كما تعلم …

ورمقت الزائرة بنظرها ولم تُعقِّب.

اقتربت هذه منها منبسطة الأسارير خفيفة الخطى، وقالت بتودُّد: آه، عزيزتي! لم أكن أعرفك، لقد وصلت للتوِّ، وإنني في خدمتك لمساعدتك في العناية ﺑ «عمي».

ثم رفعت عينيها إلى السماء بإشفاق وأردفت: إنني أتخيَّل مدى ألمك.

لم تتعطف الأميرة بالجواب ولا بمجرد الابتسام، وانسحبت لفورها، فنزعت آنا ميخائيلوفنا قفَّازيها، وراحت تجلس على مقعد وثير وكأنها في «أرض محتلة»، ودَعَتِ الأميرَ بازيل إلى الجلوس بقربها، ثم قالت تخاطب بوريس وهي تبسم: سأرى الكونت عمي يا بوريس، فامضِ إلى لقاء بيير خلال هذا الوقت يا صديقي، ولا تنسَ أن تُبلِغه الدعوة التي وجَّهها إليه آل روستوف.

ثم أردفت تحادث الأمير: إنَّ آل روستوف يدعونه لتناوُل العشاء لديهم، أعتقد أنه لن يذهب، أليس كذلك؟

فأجاب هذا بلهجة حادَّةٍ منفعلة: لِمَ لا يذهب؟ سأكون سعيدًا إذا خلَّصتِني من هذا الفتى. إنه لا يتحرك من هنا رغم أنَّ الكونت لم يطلبه حتى الآن مرةً واحدة، ولم يسأل عنه، أو يُعرِب عن رغبته في رؤيته.

وهز كتفيه، وجاء خادم يقود بوريس من باب آخَر يؤدِّي إلى سُلَّم جديد؛ ليقوده إلى حيث كان بيير كميرييوفيتش.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠