الخلافة

(١) ماهيتها

الخلافة ضرب من الملك خاص بالإسلام لم يكن في سواه من قبل، وهي من قبيل السلطة الملكية المطلقة، ولكنها تمتاز عن سلطة القياصرة والإمبراطورين والأكاسرة بأن الخلافة تشمل السلطتين الدينية والدنيوية، فتحمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، وأما تلك فتنحصر في حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية.

وقد يظهر الفرق بين السلطتين كبيرًا ومرجعهما إلى مبدأ واحد، لأن الذي يتأتى له أن يتولى أمور الناس ويحكم فيهم حكمًا مطلقًا، إما أن يسير بهم على قانون مفروض، أو على مقتضى ميوله وأغراضه، وأكثر حكام العالم المتمدن يحكمون بقوانين سياسية وضعها عقلاء الأمة وأكابر الدولة، يطيعها الناس ويجرون على أحكامها، كذلك كان الفرس والروم قبل الإسلام، وكان هذا شأن الملوك المطلقين في أوربا إلى عهد قريب، بل كذلك شأن الديموقراطيات التي يتولى الحكم فيها ملك يرث العرش عن آبائه، أو رئيس جمهورية ينتخبه الشعب وفق قواعد مقررة في الدستور، ويقوم بالحكم في حدود يعينها الدستور أيضًا.

وأما الخلافة فإنها مقيدة بقوانين دينية شرعية يسوس الخليفة بها أمته ويحمل الناس على أحكامها بالنيابة عن النبي صاحب تلك الشريعة، ومن هذا القبيل اشتمال الخلافة على الإمامة، وقد سموا الخليفة إمامًا، تشبيهًا بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به.

(٢) شروط الخلافة

للخلافة أربعة شروط يشترط توفرها في الخليفة، وهي: العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس، واختلفوا في شرط خامس هو النسب القرشي أي أن لا يقوم خليفة إلا من قبيلة قريش، فامتنع حينئذ أن يتولى أمورَ المسلمين أعجمي باسم الخليفة، وأصل هذا الشرط حديث، احتجت به قريش لما طلب الأنصار الخلافة لهم كما تقدم في الكلام على بيعة أبي بكر، وكان هذا الشرط مرعيًّا كل الرعاية في سائر أحوال الدولة الإسلامية، والخلافة لم يتطلبها غير القرشيين قط، ومع كل ما انتاب الخلفاء في أواخر الدولة العباسية من الضعف واستبداد الأمراء فيهم حتى جردوهم من كل قوة دنيوية وأنشأوا الدول دونهم ولقبوا أنفسهم بالسلاطين، رغم ذلك كله لم يخطر لأحد منهم أن يدعي الخلافة أو أن ينصب نفسه خليفة.

هذه دول بني بويه والسلاجقة والغزنوية والطاهرية والأيوبية وغيرهم، قد استقلوا في الأحكام، وفيهم من غلب على الخلفاء، ولكنهم لم يسموا أنفسهم إلا سلاطينَ، بل كانوا يتزلقون إلى الخلفاء، ليثبتوهم في الحكم وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي في مصر، فإنه تناول أزمة الملك في مصر من آخر خليفة فاطمي — وليس من يطالبه أو ينافسه على السلطة وبيده مقاليد البلاد — فلما أراد الاستقلال بالملك دعا على المنابر للخليفة العباسي، ولم يسم نفسه خليفة بل اكتفى بلقب السلطان، وأول من تولى الخلافة الإسلامية من غير قريش السلطان سليم الفاتح العثماني سنة ٩٢٣ﻫ، وحجة الأئمة الحنفية في صحة خلافة بني عثمان أن الخليفة يتولى الخلافة بخمسة حقوق وهي:

حقوق الخليفة عند الحنفية

  • (١)
    حق السيف: ومعنى ذلك أن طالب الخلافة يجب أن يقوم بدعوته أنصار لا يقوى عليهم مناظر آخر على وجه الأرض، وقد كان ذلك شأن السلطان سليم يوم التمس الخلافة بعد فتح مصر.
  • (٢)
    حق الانتخاب: أي مصادقة أهل العقد، وهو مجلس من الأئمة والعلماء، وحجتهم في ذلك أن هذا المجلس كان في أول عهد الإسلام بالمدينة ثم نقل إلى دمشق، ثم إلى بغداد، ونقل من بغداد إلى القاهرة، فيجوز أيضًا نقله من القاهرة إلى القسطنطينية، فلما فتح السلطانُ سليم مصرَ حمل معه جماعة من علماء الأزهر، وأضاف إليهم عدة من علماء الأتراك، وألف من الفئتين مجلسًا صادق على انتخابه وسلموه السيف، وكانت هذه هي العادة الجارية في تقليد الخلفاء العثمانيين السيفَ من أيدي العلماء، وكانوا يفعلون ذلك في جامع أيوب بضواحي الأستانة.
  • (٣)
    الوصاية: وهي وصاية الخليفة لمن يخلفه بعد موته، وقد أوصى المتوكل آخر الخلفاء العباسيين بمصر يوم فتحها الأتراك للسلطان السليم بالخلافة.
  • (٤)
    حماية الحرمين: فقد كان السلاطين العثمانيون حماة الحرمين — إلا سبع سنوات تولاهما فيها أئمة صنعاء في القرن العاشر، وسبع سنوات أخرى تولاهما فيها الوهابيون.
  • (٥)
    الاحتفاظ بالأمانات: وهي المخلفات النبوية المحفوظة في الآستانة، وهم يقولون: إن الآثار النبوية سلمت من اغتيال التتر في بغداد، فحملها الخلفاء العباسيون معهم في القاهرة، ما زالت فيها حتى نقلها السلطان سليم إلى القسطنطينية، وهي محفوظة إلى الآن في صندوق من الفضة في غرفة بالسراي القديمة «طوبقبيو» سيأتي ذكرها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠