الفصل السابع

الحالة الدينية

من المأثورات المتواترة أن المسيحية انتشرت في مصر خلال القرن الأول للميلاد، وأن الرسول مرقس الإنجيلي تولى نشرها في الصعيد ثم في مصر العتيقة والإسكندرية، وتتفق أقوال الأكثرين من الشراح الشرقيين على أن بابل المشار إليها في أعمال بطرس الأولى من العهد الجديد هي بابليون المعروفة بموضعها الآن إلى جوار الفسطاط ومصر العتيقة، وفي ختام هذه الأعمال يشير بطرس الرسول إلى تلميذه مرقس قائلًا: «تسلم عليكم التي في بابل المختارة ومعكم مرقس ابني …»

ويؤخذ من سيرة مرقس المتداولة بين أبناء الكنيسة المصرية أن المسيحية سبقته إلى مصر، وأنه جلس إلى جانب إسكاف بالإسكندرية يصلح نعله، فشغل الإسكاف بالحديث معه وأخطأ، فأدخل المخرز في يده فصاح: أيها الإله الواحد! فعلم الرسول أنه يدين بالإلاهية، وشرح له عقيدته المثلى في الدين.

والقول الأشهر أنه من يهود القيروان أصلًا، ثم قدم مع أهله إلى بيت المقدس أيام ظهور المسيح — عليه السلام — فكانوا جميعًا من أسرع اليهود إلى تلبية الدعوة المسيحية، وكان خاله يرنابا وأبوه أرستوبولس من المسيحيين الأوائل، وفي منزلهم حضر السيد المسيح وليمة الفصح، وإلى هذا المنزل كان التلاميذ يترددون قبل انتشارهم في الأقطار.

وقد اختار مرقس وطنه إفريقية الشمالية للتبشير فيه، بعد أن صاحب بولس الرسول، ثم صاحب بطرس بعد مقتل بولس.

وقدم من طريق الصحراء الغربية إلى الصعيد ومنه إلى مصر العتيقة، حيث كتب إنجيله باللغة اليونانية الشعبية؛ لأنها كانت أقرب اللغات إلى فهم الخاصة والعامة من اليهود واليونان وأبناء البلاد المصرية، ثم أنشأ بالإسكندرية مدرسة لاهوتية، وجعل يتردد بينها وبين وطنه الأول بالقيروان، وينيب عنه أستاذها يستاس في أثناء غيابه، إلى أن توفي سنة ثمان وستين للميلاد، ودفن بالإسكندرية، وظل مدة مدفونًا بها إلى أن سرقه أناس من البحارة البندقيين في القرن التاسع للميلاد.

وليس في كتابات الفيلسوف المسيحي أوريجين، ولا في كتابات كلمنت الإسكندري إشارة إلى مرقس الرسول، وقد عاش أوريجين بين أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، ولكن يوسبيوس الذي عاش في القرن الرابع يروي خبر إنشاء الكنيسة، ويؤخذ من خطابات كلوديوس إلى الإسكندريين أن طائفة من اليهود الذين دانوا بالمسيحية، وشجر الخلاف بينهم وبين أبناء ملتهم، كانوا يقيمون بالإسكندرية في القرن الأول للميلاد، ويترددون بينها وبين رومة وفلسطين.

ومهما يكن من الرأي في السجلات التاريخية، فليس من الجائز عقلًا أن يكون الدعاة المسيحيون قد غفلوا عن الإسكندرية منذ القرن الأول، وهي أكبر معاهد الثقافة والبحوث الدينية يومئذ في عالم الحضارة، وقد ثبت أن أقدم الأساقفة الذين لقبوا بلقب «البابا» كانوا في كنيسة الإسكندرية، واعترف لهم بهذا اللقب أعضاء مجمع نيقية الذي انعقد في منتصف القرن الرابع للميلاد.

وقد كانت السمة الغالبة على المفكرين الدينيين منذ القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد، شيوع التفرقة بين العقل والهيولي أو بين الروح والجسد في جميع المذاهب التي ظهرت بين أرجاء الدولة الرومانية، ومحور هذه المذاهب عامة لا يخرج من نطاق مدينة الإسكندرية.

فقبل الميلاد كانت تقيم في أطراف الصحراء على مقربة من الإسكندرية طائفة من المتنسكين المتنطسين، يتعبدون بالتأمل وترك الملذات الجسدية، ويعرفون بين الناس باسم المتطببين Therapeutae، ومنهم على الأرجح طائفة الآسين أو الأسينيين، وهي كلمة بالآرامية تفيد معنى الأساة؛ أي: المتطببين، وأتباعها هم ألد أعداء الدولة الرومانية بين اليهود!
وبعد المسيحية ظهرت طائفة المعرفيين Gnostics، وظهر أتباع أفلوطين الفيلسوف، وظهرت طائفة المشبهين Docetists التي تنكر كل الإنكار أن يكون السيد المسيح قد تجسد في جسد من المادة، وإنما هو كيان شبيه بالمادة في النظر وليس منها في الحقيقة.

والمهم أن المسيحية حين شاعت وانتشرت في الشرق وفي مصر خاصة، كانت بمثابة احتجاج روحاني على السيطرة الرومانية، وإننا نستطيع أن نقسم العالم الروماني يومئذ إلى قسمين: قسم توافقه عبادة الإمبراطور وهم السادة الحاكمون، وكانت نفوسهم تقبل القول بالخلط بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية على صورة من الصور، وقسم لا توافقه عبادة الإمبراطور وهم الرعايا الساخطون على السيطرة الأجنبية، وكانت نفوسهم تنفر غاية النفور من الخلط بين الطبيعتين الإنسانية والإلهية، ويرفضون كل فكرة تومئ إلى جواز عبادة الإمبراطور، أو جواز الصفة الإلهية على الآدميين.

وما استمات أتباع الأديان الوحدانية في تمييز العنصر الإلهي، كما استماتوا في تمييز هذا العنصر بعد طغيان العواهل الرومانيين وطموحهم إلى التشبيه بالأرباب!

فاليهود كانوا ينزلقون إلى عبادة الأرباب الكنعانية والبابلية والمصرية قبل خضوعهم لدولة الرومان، فلما سامهم عواهل الرومان أن يضعوا تماثيلهم في الهيكل، أو يعلقوا عليه شارة الإمبراطور الإله تمردوا غاية التمرد، وأقاموا الحاجز الحاسم بين سلطان الأرض وسلطان السماء.

والأمة المصرية كانت أشد الأمم سخطًا على الدولة الرومانية، وأشدها تقبلًا للديانة المسيحية، ثم أشدها إنكارًا بعد ذلك للقول بالطبيعتين، وهو القول الذي لم ترفضه الكنيسة في عاصمة الدولة الشرقية، ولا في عاصمة الدولة الغربية، ولم ترفضه كذلك كنيسة أنطاكية كل الرفض؛ لأنها كانت على البرزخ بين القساوسة الأوروبيين والقساوسة الشرقيين. وقد رجع بعض المؤرخين إلى تعليل هذا الفارق، فعللوه بالفارق بين النفس الشرقية والنفس الغربية، وهو هنا فارق متعسف جد بعيد، وإنما حقيقته أنه الحد الحاسم بين النفور من عبادة الإمبراطور، وبين الترخص فيها أو الإغضاء عنها؛ ولهذا كان في آسيا الصغرى أناس يقولون بالطبيعتين وهم شرقيون، وكان في مصر أناس من الأصل اليوناني يقولون بالطبيعتين، ومعهم فريق من المصريين الذين لا يتعصبون على الرومان؛ بل لهذا كانت قبائل القوط والتيتون تدين بمذهب آريوس وتقبل عليه من ناحية التفرقة بين ربوبية الأب التي لا مثيل لها، وربوبية الابن التي خلقها الأب ولم تكن قائمة منذ الأزل، فهذه التفرقة كانت تروق عشائر القوطيين والتيتون، وتدخلهم في زمرة الثائرين على تقديس الإمبراطور من هذا الجانب البعيد.

فعند البحث في الفوارق بين المذهب ينبغي أن نذكر هذا الفارق في مقدمة الفوارق النفسية والعقلية التي قسمت الدولة الرومانية من حيث التنزيه والتوحيد إلى قسمين: قسم السادة الذين لا يسخطون في قرارة ضمائرهم على الخلط بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية، وقسم الرعايا المضطهدين الذين امتلأت ضمائرهم سخطًا على هذه العقيدة، فلم تغب قط عن أنظارهم ولا عن عقولهم كلما واجهتهم المذاهب والبدع بشيء جديد.

ومصدر القوة الكبرى التي اشتهرت بها المسيحية المصرية وجعلتها ندًّا مصاولًا للدولة الرومانية، هو أنها كانت قوة تمتزج فيها العقيدة الدينية والحماسة الوطنية.

ثم دانت الدولة الرومانية بالمسيحية فلم يمتنع هذا النزاع بين القسطنطينية ورومة من جهة، وبين الإسكندرية من الجهة الأخرى؛ لأن الجانب القومي منه لم يزل على حماسته الأولى، بل أصبح بعد ذلك أشد وأقوى، إذ كان طغيان الدولة الرومانية — بعد تحولها إلى دين رعاياها — قد تناول السيطرة على الروحانيات، بعد أن كان مقصورًا على السياسة وشئون المعيشة الدنيوية.

وعلى ضوء هذا الفارق أيضًا ينبغي أن ننظر إلى نتائج المجامع الدينية التي انعقدت في صدر المسيحية، فكل ما رجع منها إلى سلطان القسطنطينية أو رومة قوبل بالمقاومة في الإسكندرية ومن يدينون بمذهب كنيستها، وكل مجمع ديني ملك فيه الأساقفة الإسكندريون حريتهم وشرحوا فيه مذهبهم، لم يجد في مصر مقاومة بين جمهرة المصريين، ولم ينظر إليه المصريون نظرتهم إلى السيطرة الأجنبية التي تفرض مشيئتها عليهم دينًا ودنيا، ولا تدع لكنيستهم حقها من الرعاية والكرامة.

وقد كان سلطان الرأي العام المصري مخيفًا مرهوبًا على مخالفيه والمارقين عليه، فكان الأساقفة المصريون في مجمع خلقيدونية يرتعدون فرقًا من العودة إلى بلادهم بغير ما فوضتهم فيه، وكانوا يصرخون في وجوه الأعضاء الآخرين قائلين: اقتلونا هنا إن شئتم، ولا تردونا إلى بلادنا بغير ما ترضاه!

ومن التهم التي وجهت إلى البابا أثناسيوس السكندري ٢٩٦–٣٧٣، نعرف مدى المكانة الدينية والدنيوية التي بلغها رؤساء الكنيسة في مصر أمام مكانة الإمبراطور نفسه في القسطنطينية، فإنه اتهم بمنع تصدير القمح وافتتاح كنيسة بغير إذن الإمبراطور! ونقل المؤرخ جبون من أخباره أنه لم يكف عن مناضلة قسطنطين وقسطنطينيوس ويوليان وفالنس، وكان يوليان المرتد يسميه بالمشاغب والبغيض، ويبادله التهم مبادلة الند بالند! وسأله قسطنطينيوس مرة: لم لا تأذن بإقامة الكنيسة الآرية في الإسكندرية؟ فكان جوابه: إنني سآذن بها يوم تأذن بإقامة كنيسة أرثوذكسية في أنطاكية!

وغني عن القول: أن المفكرين الدينيين الذين نشئوا في صدر المسيحية، كانوا يعرفون فلسفة اليونان، وكان منهم من يحاول أن يوفق بين الدين وهذه الفلسفة، ومن يفهم قدم العالم وقدم الإله المنزه عن المادة أو الهيولي على مذهب أرسطو تارة، وعلى مذهب المعرفيين أو مذهب الأفلاطونية الحديثة تارة أخرى، وكان من هؤلاء المفكرين يونانيون ومصريون ينظرون إلى المسائل من جانبها الفلسفي، ولا يجنحون بها إلى فريق الحاكمين أو المحكومين، وهذه الآراء العقلية تنجم في كل عصر وفي كل أمة، وتتصل بالسياسة العامة أو لا تتصل بها على حسب الظروف.

ولكن اللازمة التي لا فكاك منها تبرز على الأثر كلما اجتمعت الأسباب اللاهوتية والأسباب القومية في جانب، وهذه القوة المتجمعة من غير الدين وحماسة القومية هي التي اعتصم بها المصريون زمنًا في وجه الدولة الرومانية، قبل إيمان هذه الدولة بالمسيحية، وبعد هذا الإيمان.

وقد اضطهد المصريون قبل إيمان الدولة الرومانية بالمسيحية، وبعد إيمانها بها في أيام قسطنطين، وكان من مضطهديهم قياصرة كالفيلسوف ماركوس أورليوس، وقياصرة لا يفقهون ولا يفكرون مثل كاراكلا ودقلديانوس، ووقع الاضطهاد في عهد النقيضتين فوقاس وهرقل، ووقع من العواهل المتدينين وغير المتدينين! ولم يكن هذا الاضطهاد الديني قط خلوًا من شوائب السياسة وعوامل الثورة القومية، فلما وجدت للمصريين كنيسة قائمة كانت هي الدين والدولة في وقت واحد، أو كانت هي الزعامة التي لا تلتف بها الأمة وتثبت فيها كيانها ومشيئتها في وجه القوة المفاجئة.

ولم يسع حكومة القسطنطينية إلا أن تعترف بهذه الحقيقة الواقعة، فأرادت أن تستفيد منها لإرضاء الشعب المحكوم واتقاء التمرد من ولاة الرومان الطامحين، فكانت تفصل أحيانًا بين سلطان الإدارة وسلطان الجيش، وكانت تقسم معسكرات الدفاع بين مصر العليا ومصر السفلى، وكانت تمنح بعض الزعماء المصريين حقوق الرعاية الدينية والرئاسة الحكومية؛ لأنها بمثابة الاعتراف بالضرورة التي لا محيد عنها، وبالحيلة التي تصلح لتفريق القوى ومنعها أن تتجمع في ناحية واحدة للتمرد عليها، وكانت تستعظم قوة البطرق الوطني أحيانًا، فترسل إلى مصر بطرقًا على مذهبها يدير كنيسته إلى جانب الكنيسة الوطنية، ويتبعها المسيحيون من اليونان والرومان غير الوطنيين، كما يتبعها بعض الوطنيين الذين يميلون إلى عقيدتها ورأيها، أو يتزلفون للدولة الحاكمة طمعًا في المناصب والحظوة النافعة.

وكان الوضع الديني في أوائل القرن السابع محدودًا مقررًا بين الكنائس الثلاث في المشرق والمغرب والإسكندرية.

كان الأساقفة المصريون قد تمكنوا من بسط آرائهم في مجمع نيقية برئاسة البابا الإسكندر وتلميذه الكبير أثناسيوس، فأقروا العقيدة المسيحية كما اتفق عليها الأساقفة الذين شهدوا المجمع، وحرصوا على رعايتها في القطر المصري وفي بلاد القيروان وما حوله من المدن الإفريقية، ثم نفس عليهم رؤساء القسطنطينية هذا النفوذ، وأرسلوا آريوس إلى الإسكندرية بأمر الإمبراطور، فقاطعه الشعب المصري وأوصد في وجهه أبواب كنائسه، وفعل مثل ذلك مع البطرق جريجوريوس الذي أقامه الإمبراطور مقام البطرق أثناسيوس المصري بالإسكندرية، فلم يحضر صلواته ولم يعترف بوجوده وأهمله حتى مات في عزلة بين رعاياه! وكان أثناسيوس في هذه الأثناء قد استعان بكنيسة رومة على كنيسة القسطنطينية فأعانته، وبرأته من التهم المنسوبة إليه، فعاد إلى الإسكندرية وكاد يقتل فيها غيلة بدسيسة من الإمبراطور يوليان!

ثم انعقد مجمع خلقيدونية، ورجحت فيه كفة رومة والقسطنطينية، وأهملت فيه كنيسة الإسكندرية أشد الإهمال، فوقع الانقسام بين الملكيين أي: التابعين لمذهب الإمبراطور وبين المصريين التابعين لمذهب كنيستهم، وقيل عنهم يومئذ: إنهم «يعقوبيون»؛ لأنهم تلقوا من يعقوب البرادعي — تلميذ البطرق المصري — تفصيل العقيدة التي يؤمن بها ويوصي باتباعها، وكان هذا البطرق المصري «ديسقورس» قد حكم عليه بالنفي لمقاومته قرارات المجمع الخلقيدوني على الرغم من تزكية الإمبراطور!

ولكن التفرقة الصحيحة بين المذهبين هي التفرقة بين القول بطبيعة واحدة للإله، وبين القول بطبيعتين إحداهما إلهية والأخرى إنسانية. ولما استعصى على الدولة أن ترغم المصريين على اتباع مذهبها، توسط بعض الرؤساء الدينيين في حسم الشقاق بترك الخلاف على الطبيعة والطبيعتين، ووصف الإله بأنه ذو مشيئة واحدة، وقدروا أن القول بهذا المذهب يرضي المصريين؛ لأنه يرادف القول بالطبيعة الواحدة، ولا يسخط أصحاب القول بالطبيعتين؛ لأنهم يقولون: إن الطبيعتين تتفقان في المشيئة الإلهية.

غير أن هذا التوفيق لم يحسم الشقاق، ولم تكن له من نتيجة غير تجديد المناقشة في صورة أخرى، وإثارة الخلاف على الفرق بين الطبيعة والمشيئة مما عاد بالمسألة كلها سيرتها الأولى!

ووضح للإمبراطور الروماني أن هذا «العناد» من جانب المصريين — كما سماه — يخفي وراءه شيئًا غير مجرد الخلاف على العقائد اللاهوتية، والواقع أنه كان لاهوتيًّا قوميًّا بغير مراء، وأن تهافت المصريين على الرهبانية نفسها لم يكن خلوًا من الاحتجاج على المظالم الرومانية، وقد عبر عنه أثناسيوس هذا التعبير حيث قال في كتابه «حياة القديس أنطون» Vita Antoniou: «إن رهبان الصحراء كانوا ينشدون المزامير، ويحبون المطالعة، ويصومون ويصلون، ويفرحون بالرجاء في المصير، ويعملون على إسداء الإحسان ويحب بعضهم بعضًا … حيث لا يقيم بينهم معتد ولا معتدى عليه، ولا يقترب منهم جابي الضرائب، ولا يبصرون هنالك غير جمهرة من النساك على مقصد واحد، وهو التطلع إلى الفضيلة.»

لقد كان هرقل مشغولًا بحرب الفرس وقبائل البرابرة في أوائل أيامه على العرش، فلما انتصر على الفرس وهادن القبائل حول عاصمته فرغ «للمعاندين المنشقين»، وغره النصر، فأمعن في طغيانه وغلا في مطالب الطاعة من رعاياه، وخيل إليه أن استقرار الأمر له مرهون بتوحيد المذاهب في المملكة، وأن هؤلاء المعاندين المنشقين يهددونه ويجترئون عليه، فانقسمت الدولة عنده إلى «ملكيين» وخارجين على الملك، وتبادل الفريقان التهم العنيفة، فكانت كلمة الوثني الخائن أيسر وصف لمن يخالفون الإمبراطور وشيعته، وكانت كلمة الخلقيدوني مرادفة لوصف الكفر والغشم في نظر أبناء البلاد! ولم تكن المسألة يومئذ مسألة مذاهب وطوائف في ديانة جامعة، بل كانت مسألة مسيحية أو لا مسيحية؛ لأن مهمة المجامع في القرون الأولى إنما كانت تقرير العقيدة التي يدين بها المؤمن وينكرها غير المؤمن، ثم جاء الاضطهاد فأوغر الصدور، وخرج به الفريقان من الخلاف إلى العداء، وآمن كل متدين مخلص في عقيدته أن مخالفيه قد استحقوا الغضب والنقمة من الله!

ولم ينحصر النزاع بين الملكيين وجملة المصريين، بل ظهرت معه الخلافات بين الآريين والنسطوريين والأوطاخيين والشيوبسقيين أتباع بطرس القصار، وغيرهم من أصحاب النحل المتقاربة أو المتباعدة في تفسير اللاهوت والناسوت، وغلب الضجر على الكثيرين فاعتزلوا المذاهب، وساورتهم الشكوك، وانهارت الأخلاق، وساءت القدوة بعلية الناس ورؤسائهم، فمن لم يكن ناقمًا متوقعًا للغضب السماوي فهو متهاون غير حافل بما تصير إليه الأمور.

وقد صور لنا أبناء ذلك العصر شعورهم في أقوالهم وأخبارهم فاتفقوا على شعور واحد مع اختلافهم في كل ما عداه، وذلك هو شعورهم بالغضب الإلهي وانتظار الجزاء العادل من الله.

فلما تقدم المسلمون لحرب الدولة الرومانية، شاع في المشرق كله أن هزيمتها حق، وأن غلبة المسلمين عليها عدل، وأن القضاء الإلهي ينفذ في مستحقيه بما قدمت أيديهم من ظلم ومعصية.

وربما نفر الخاضعون للدولة الرومانية من هذا القضاء الذي حل بها، لو أنه أصابهم كما أصابهم، وعرضهم للشر الذي كانوا يأمنونه في ظلها، ولكنهم وجدوا الفاتحين يؤمنونهم من حيث خافوا، ويبيحون لهم ما لم يكن مباحًا لهم في أيام الدولة الدائلة، فمن التصدي لعدل الله في قضائه أن ينصروها لتخذلهم وأن يدافعوا عنها ليدفعوا عنها غضب الله.

كانت مدينة غزة أول المدن الكبرى التي استولى عليها العرب من أرض فلسطين، وقالت مجلة المشرق اليسوعية في سنتها الثانية: «إنه كان يسكن وقتئذ في جنوب غزة قوم من قبائل العرب المتنصرين، وكان قد أصابهم من قبل ولاة الروم عسف وجور في المعاملات فالتجئوا إلى عساكر المسلمين، ودعوهم إلى فلسطين، فلبوا دعوتهم وزحفوا على غزة في اليوم الرابع من شهر شباط لعام ٦٣٤، وظفروا بجيش الروم وفتحوا المدينة … وبعد أيام قليلة أتموا فتح بقية مدن فلسطين.»

قال ماير Meyer في تاريخ مدينة غزة: إن سكانها المسيحيين خرجوا مع جيش الروم عندما حاصرها العرب، إلا أنهم عادوا إليها بعد اطمئنانهم إلى الفاتحين، ودخل فريق كبير منهم في الإسلام، وذهب المتكلمون عنهم إلى عمرو بن العاص يطلبون منه قسمة الكنائس بينهم، فقسمها بينهم على حسب عددهم، وأعطى الكنيسة الكبرى لأصحاب العدد الأكبر وهم المسلمون، وأمر بإبقاء الكنيسة الأخرى لمن بقي على دينه من المسيحيين.

وكانت غزة على أبواب مصر تسري أنباؤها إلى الديار المصرية بين ليلة ونهار، وكان فيها وفيما حولها طائفة من الجنود المصريين والمتمصرين الذين استنجد بهم هرقل وقائده بميادين فلسطين، وكانت أنباء العهود التي اتفق عليها المسلمون ونصارى العراق والشام تتوالى على كل جانب من جوانب الدولة الرومانية، فلم يكن في كل أولئك ما يدعو أبناء البلاد إلى مؤازرة الدولة الرومانية ودفع الهزيمة عنها ولم يكن لانتصار العرب وانهزام الدولتين — دولة الأكاسرة ودولة القياصرة — غير تفسير واحد، وهو قضاء الله وعدل الله.

ولفهم التاريخ كما حدث ينبغي أن ننظر إليه بأعين المعاصرين، وأن نشعر بحوادثه كما كانوا يشعرون بها، وأن ندخل في حسابنا ما دخل في حسابهم من التقديرات والمعايير، وأن نعرض العداوات والصداقات على المحك الذي عرضوها عليه، ومنها ما خطر لهم وهو لا يخطر لنا الآن، ومنها ما نستخف به ولم يكن خفيفًا قط في موازينهم للحوادث والأمور.

إن العرب أبناء إسماعيل وهاجر … يعلم ذلك كل من قرأ التوراة واطلع على أصول الديانة المسيحية، ويعلمونه في ذلك العصر خاصة؛ لأنه كان عصر العداوة القومية بين الرومان الأجانب وشعوب الشرق على الإجمال، وقد كانت وحدة الديانة خليقة أن تنسي الشعوب المحكومة فوارق الوطن واللغة، ولكنها وحدة لم تنتظم قط بين الحاكمين والمحكومين، ولم يكن فيها ما يجمع المختلفين، بل كان فيها على الدوام ما يفرق المجتمعين، ويمشي بينهم بالعداوة والبغضاء!

فالعرب أبناء إسماعيل وهاجر أقرب من الروم إلى أبناء مصر بالنسب الذي تحفظه الكتب الدينية، وقرابة الأمومة والسلالة، ومثل هذه القرابة لم تكن من المهملات في ذلك العصر ولا في العصور التي لحقت به إلى عهد غير بعيد من عصرنا الحاضر، وقد رأينا أنها كانت حجة الفرس في الزحف على بلاد الدولة الرومانية؛ لأن زوجة كسرى كانت من بنات الروم.

ومن مقدمات الفتح الإسلامي تبادل الرسائل بين النبي — عليه السلام — والمقوقس، أو عظيم القبط كما سمي في تلك الرسائل، وقد حفلت بأخبارها كتب السيرة النبوية وكتب التاريخ عن الفتح وما بعده، نستخلص منها ما لا بد من العلم به وبأمثاله في بيان الحالة الدينية بمصر كما واجهها الفاتحون وأهل البلاد.

قال حاطب بن أبي بلَتْعة، حامل رسالة النبي إلى المقوقس، إنني قلت له: «كان قبلك رجل — يعني فرعون — زعم أنه الرب الأعلى، فانتقم الله به ثم انتقم منه! فاعتبر بغيرك ولا تعتبر بك! وإن لك دينًا لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي الله به فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكننا نأمرك به.»

قال حاطب: ثم تناول المقوقس كتاب النبي فقرأ فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام، فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤].

ثم قال المقوقس كلامًا عن صفات النبوة، منها: «أنه يركب الحمار ويلبس الشملة، ويجتزئ بالثمرات والكسر، ولا يبالي من لاقى من عم ولا ابن عم.» وأنه كان يظن أن مخرجه من الشام، فمن هناك كانت تخرج الأنبياء، وكتب الجواب فجعل عنوانه «لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط».

وورد في بعض الأخبار أن المقوقس أراد أن يمتحن دعوى النبوة بالهدية، فأرسل هدية معها صدقة؛ لأن الأنبياء تقبل الهدايا ولا تقبل الصدقات، وجعل الهدية جاريتين أختين ليرى هل يجمع بينهما أو يتورع عن الجمع بين الأختين، فكان أن أهدى النبي إحدى الجاريتين وبنى بالأخرى، وأنه وزع الصدقة على الفقراء.

ومثل هذه الأخبار يوجبها فهم التاريخ كما حدث أو كما ينبغي أن يحدث، ولا ترفضها إلا الحذلقة التي تُداخل المؤرخ العصري، فيحسب أن المقوقس يعيش في هذا القرن العشرين، ويتلقى دعوة النبوة كما يتلقاها أبناؤه، فلا ينظر في امتحانها بما كانت تمتحن به النبوات في القرون الأولى للميلاد، وإنما الخليق بالتحقيق التاريخي أن يوقن المؤرخ من حصول شيء كالذي نقله رواة السير والأخبار عن تصرف حاطب بن أبي بلتعة، وتصرف المقوقس في جوابه وهديته، فما كان المقوقس ليتلقى رسالة النبي أو ليجيب عنها إلا على ذلك النحو، مما يحاول المؤرخ أن يتخيل غيره فلا يستطيع!

أما المسلمون فقد جاءوا مصر ومنهم من سمع أحاديث النبي — عليه السلام — في التوصية بها، ومنها: «وإنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا، أو قال: ذمة وصهرًا.»

ومن الأحاديث النبوية عن مصر أنه — عليه السلام — قال: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض.» قال أبو بكر — رضي الله عنه: ولم ذلك يا رسول الله؟ فقال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة.» وقال: «ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مئونته.»

ومن لم يكن من الجند الفاتح قد سمع الأحاديث النبوية، كان قد سمع آيات من القرآن الكريم، وفيها من لعنة فرعون: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا [القصص: ٣]، وفيها من لعنته: إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ [القصص: ١٩] وفيها: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٥–٦].

وعلى ألسنتهم جميعًا حكاية عن قوم يوسف: ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ [يوسف: ٩٩]، وقوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [الدخان: ٢٥–٢٨].

وكل هذه الوصايا القرآنية والنبوية في أذهان الفاتحين تجنح بهم إلى المسالمة والمؤامنة في معاملة أهلها، وتضع الروم عندهم في موضع فرعون الذي تجبَّر وفرق رعيته شيعًا، ووجب أن يتركوا الأرض لمستضعفيها، وأن يورثها الله قومًا آخرين.

وتوافق هذه المسألة خطة مثلها من أبناء البلاد توحيها إليهم أحوال كثيرة كانوا يكابدونها على الأحقاب المتوالية، وأهمها الحالة الدينية كما صارت أيام الفتح الإسلامي خاصة، وهي تلك الحالة التي أزعجت البطرق عن كرسيه، وألجأت زعيم القوم إلى مذهب في العقيدة غير مذهبه، فلم تعد الطمأنينة إلى المتعبدين لأول مرة في ثلاثة قرون إلا بإعلان الأمان لكل متعبد ورعاية لكل معبد.

ولا خلاف بين المؤرخين في منهج الدعوة الدينية في سنوات الفتح الأولى إلى أواسط أيام الدولة العباسية، فلم يقع إكراه على أحد، بل وقع ما يناقض الإكراه في رواية الكثيرين من مؤرخي العربية ومؤرخي اللغات الأجنبية، فقد أدهشهم إحجام الفاتحين عن إكراه أبناء البلاد على الدخول في ملتهم، حتى التمسوا تأويل ذلك بأنهم كانوا يشفقون من نقص الجزية وإقفار خزانة الحكومة وانقطاع أرزاق الجند والعمال، وهو تأويل مخطئ كما سنرى في باب الأحوال الإدارية وتقسيم الأموال بين الجزية والخراج والزكاة، ولكنه مهما يكن من خطئه صحيح في الإبانة عن الواقع في مسألة الدعوة الدينية، فإذا بلغ من إحجام الحاكمين عن إكراه الرعية على التدين بدينهم أن يعلل المؤرخون ذلك بنفورهم من فقدان الجزية، فقد صح على الأقل أنهم أحجموا عن الإكراه ولم يقسروا أحدًا على الخروج من دينه.

غير أن الحالة الدينية كما وصفناها، تفسر الواقع كما تستدعيه تلك الحالة، وكما ورد في التواريخ القبطية كتاريخ يوحنا النخيوي المشهور، فهو يقول: إن المسيحيين الملكيين أسرعوا إلى الدخول في الإسلام؛ لأنهم كرهوا أن يثوبوا في أحكامهم ومعاملات زواجهم وطلاقهم إلى الكنيسة التي يعادونها وتعاديهم، ويشبه الطائفة الملكية أناس في حكمها كالطائفة النسطورية والآرية، ومن يقول بالمشيئة الواحدة ولا يقول بالطبيعة الواحدة، كما يقول القبط، ولا بالطبيعتين على النحو الذي يدين به الملكيون.

وقد حدث في هذه الفترة وما قبلها بقليل أن الطائفة المارونية هجرت أرضها جملة واحدة، وانتقلت إلى جبال لبنان كراهة الخضوع لليعقوبيين، ولعلها لو اضطرت إلى البقاء حيث كانت لدانت بالإسلام ولم تذعن لمن حاربتهم وحاربوها في المعتقدات والأحكام عشرات السنين.

فالذين أسلموا بعد الفتح إنما أسلموا طوعًا غير مكرهين على ترك مذهب ولا نِحْلة، وهم على رواية يوحنا النخيوي طائفة الملكيين الخلقيدونيين ومن يشبهها من الطوائف التي لا تقول بالطبيعة الواحدة! ويضاف إليهم أناس من الذين فهموا من انتصار المسلمين على الفرس والروم أنه آية إلهية وبرهان من السماء على صحة الدين وسلامة الدعوة، ويضاف إليهم أناس ممن هان عليهم أمر التدين في محنة الشقاق ومحنة الأخلاق، فلم يبالوا على أي دين أصبحوا بعد الشك والريبة، ثم فضلوا الدين الذي يعتقده ولاة الأمر وحكام البلاد! ولا تفسير للحالة الدينية أيام الفتح أصح من هذا التفسير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠