وجهًا لوجه … في غرفة «فون»!

عندما نزل «فون» إلى القارب، كان العدد قد اكتمل، ولم يستطع «أحمد» أن يركب معه. وقف الشياطين ينظرون إلى القارب في دهشة، في حين رفع كابتن «فون» يدَه مبتسمًا، وهو يُشير إلى «أحمد» و«فهد»، ويقول: وداعًا أيها الصديقان.

اغتصب «أحمد» ابتسامة، وهو يردُّ: وداعًا! في حين قال «فهد»: إلى اللقاء!

ظلَّ الشياطين في أماكنهم وهم يرقبون القارب الذي كان يبتعد، وعندما توسَّط البحيرة، ظهرَت سمكة «الفك المفترس» فجأة من الماء، فأثارت ذعرَ الكثيرين، وضحكات الآخرين … غير أنَّ الشياطين لم يستمتعوا باللحظة؛ فقد كانوا يفكرون في المفاجأة التي لم تخطر على بالهم. إنَّ البحيرة يحوطها سورٌ حديدي، لا يمكن تجاوزه، وليست به سوى فُتْحتَين، واحدة نزل منها «فون» والأخرى التي سوف يخرج منها، والوصول إلى الفُتحة الأخرى يحتاج إلى الدوران حول البحيرة كلها … همس «أحمد»: ينبغي أن نُسرعَ.

ثم أضاف بعد لحظة: «باسم» و«بو عمير» و«قيس» يُسرعون في هذا الاتجاه، وسوف أتقدَّم أنا و«فهد» في الاتجاه الآخر، ونلتقي هناك.

وبسرعة تحرَّك الشياطين، ولم يكن الطريق سهلًا؛ فحول السور كان زحامُ الناس شديدًا وهم يشاهدون «الفك المفترس»، وهو يغوص في البحيرة، ثم يظهر فجأة، فيصيحون أو يضحكون، ولم يكن أمام الشياطين إلا أن يدخلوا في شارع الاستوديو، حتى يصلوا إلى الجانب الآخر من البحيرة. همس «أحمد» وهو يُسرع بجوار «فهد»: أخشى أن يصل كابتن «فون» إلى الجانب الآخر قبلنا!

ردَّ «فهد»: لا تخشَ شيئًا؛ فسوف نَصِل قبله.

قال «أحمد»: لقد أثار شكوكي عندما قال: وداعًا، ولم يقل: إلى اللقاء. هل تظن أنَّه يشكُّ فينا الآن؟!

ردَّ «فهد»: لا أظن، لقد كان يتصرف بطريقة طبيعية تمامًا، وأظن أنَّه قالها من باب المداعبة.

ثم أضاف بعد لحظة: لا تنسَ أننا أغراب بالنسبة له، ولا توجد علاقة ما تربطه بنا — هكذا يظن — ولذلك قال: وداعًا، ولم يَقُل: إلى اللقاء.

فجأة، ظهرَت لافتة مكتوب عليها: الطريق مغلق، اتبع السهم.

وقف «أحمد» و«فهد» في دهشة، إنَّ ذلك يعني أن يتجهَا اتجاهًا معاكسًا للبحيرة، ويعني أيضًا الابتعاد عنها، ويعني في النهاية أن يقطعَا مسافة أطول للوصول إليها …

قال «أحمد»: ترى هل تصل المجموعة الثانية في الوقت المناسب؟

ردَّ «فهد»: نرجو أن يتحقق ذلك.

فجأة، شاهدَا سيارة تَصِل إلى أحد مباني الاستوديو، ثم ينزل منها رجل، ويختفي داخل المبنى، قال «فهد» بسرعة: فرصة يجب أن نستخدم السيارة.

قال «أحمد»: إنَّها قد تُثير مشاكل نحن في غنًى عنها.

فردَّ «فهد» وهو يتحرك: لا بأس، إنَّ المشاكل لا تساوي شيئًا أمام وصولنا إلى كابتن «فون».

وفي لمحة كان «فهد» يقفز إلى السيارة، فوجد المفاتيح فيها، قفز «أحمد» إلى جواره، فانطلقَا بها. فجأة جاءَت رسالةٌ من مجموعة الشياطين، كانت الرسالة شفرية، تقول: ««٩٠٠ – ١٥ – ١٤ – ٩٠٠ – ٨٠٠ – ١٧»، وقفة «٣٠٠ – ٩ – ٥٠٠»، وقفة «١٦ – ١٧»، وقفة «٩٠٠ – ١٥ – ١٦ – ١٥ – ١ – ٨٠٠»، وقفة «١٧ – ٤٠٠ – ١٧»، وقفة «١٧ – ١٦ – ٥٠٠ – ١»، وقفة «٩٠٠ – ١٥ – ١٥ – ١ – ٨٠٠ – ١٨»، وقفة «٩٠٠ – ١٥ – ٤٠٠ – ١٥ – ١٩ – ١٨» انتهى.» … عندما ترجم الرسالة، علَت وجهَه ابتسامة، فقال «فهد»: أخبار طيبة …

ردَّ «أحمد»: الأصدقاء يقولون إنَّهم يشجعون «اللعبة الحلوة»!

ضحك «فهد»، وهو يقول: إنَّهم يتحدثون عن الكابتن إذن!

كان طريق السيارة يختلف عن طريق المشاة، لكن طول الطريق لم يكن مشكلة؛ لأنَّهما سوف يصلان في النهاية، كان «أحمد» يخشى أن يختفيَ كابتن «فون» في أيِّ لحظة. فجأة قال «فهد»: لا أظن أنَّ الكابتن سوف ينتظر عند البحيرة!

انتبه «أحمد» فجأة، وهمس: هذا صحيح.

وبسرعة، أرسل إلى مجموعة الشياطين رسالةً يسأل فيها: أين يتجه كابتن «فون» الآن؟ ولم تمضِ دقيقة حتى كان ردُّ الشياطين يقول: ««٧ – ٤٠ – ١٧ – ١٦ – ٩٠٠»، وقفة «٢٠٠٠» انتهى!»

مرة أخرى، ابتسم «أحمد» وهو يترجم الرسالة الشفرية، فعلَّق «فهد»: إنَّها رحلة، وليست مغامرة!

ثم أضاف ضاحكًا: ينبغي أن نوجِّه الشكر لكابتن «فون»؛ لأنَّه كان السبب في قضاء يوم جميل في استوديوهات «يونيفرسال»!

ابتسم «أحمد»، وهو يقول: رحلة ممتعة، مع مزيد من القلق!

وصلَت السيارة إلى دار السينما، ابتسم «فهد»، وهو يقول: ينبغي أن نترك رسالة لصاحب السيارة، حتى لا يقلقَ ويضطرَّ للبحث عنَّا.

ابتسم «أحمد» وهو يُخرج ورقةً وقلمًا، قائلًا: هذا صحيح!

ثم كتب كلمة رقيقة، وضعها فوق تابلوه السيارة، كانت الكلمة: نعتذر عن استخدام السيارة بدون إذن، لكن الظروف اضطرتنا لذلك، نشكرك.

ثم غادرَا السيارة مباشرة إلى دار السينما، عندما دخلَا، كانت الدار قد أطفأت أنوارها، استعدادًا للعرض؛ ولذلك فلم يستطيعَا رؤية أحد، إلا أنَّ رسالة الشياطين جعلَتهما ينظران في اتجاه معين؛ فقد أرسل «قيس» يقول إنَّهم في النقطة «ن». وعندما بدأ العرض، ألقى بقليل من الضوء على الموجودين، واستطاع «أحمد» أن يرى كابتن «فون» مرة أخرى. لم يكن في دار العرض مقاعد؛ فمدة العرض لا تتجاوز عشرين دقيقة، كانت هناك فقط حواجز حديدية يمكن أن يستند إليها المتفرجون، ولم تكن شاشة العرض شاشة عادية، كانت شاشة دائرة حول صالة العرض كلها، واستطاع «أحمد» أن يقسمها بعينَيه إلى ثماني شاشات عرض. كانت البداية هي الدخول إلى أمريكا عن طريق المحيط. فجأة، شعر «أحمد» أنَّه يقف في قلب الماء فعلًا؛ فقد كانت الشاشات تكمل بعضها بعضًا، حتى إنَّ المتفرج يمكن أن يشعر أنَّه جزء من الصورة المعروضة على الشاشة الدائرية، ثم يستمر الفيلم لرحلة داخل أمريكا بين غاباتها، وناطحات السحاب فيها، حتى الوصول إلى استوديوهات «يونيفرسال»، كان العرض شائقًا جدًّا، ليس للرحلة داخل أمريكا، ولكن لطريقة العرض نفسها، مع ذلك، فإنَّ «أحمد» لم يستمتع به؛ فقد كان يفكر في الخطوات الأخيرة للقبض على كابتن «فون»، وهل يتخلصون منه وينقلونه حيًّا إلى المقر السري؟

كان «أحمد» يُقلب الموقف في ذهنه حتى يصل إلى رؤية كاملة، انتهى العرض، وأُضيئت أنوار الصالة. فجأة، جاء صوت الميكروفون يقول: على نُزَلاء فندق الاستوديو أن يتوجهوا إلى السيارات للعودة إلى هناك للراحة، ثم التوجه بعد ذلك إلى مدينة «ديزني لاند».

فكَّر «أحمد» بسرعة: إنَّهم لم يركبوا سيارات الاستوديو، ويمكن أن يُثيرَ ذلك مشكلة.

كان السياح قد بدءوا يخرجون من قاعة السينما، ويأخذون طريقهم إلى موقف السيارات، التي كانت في انتظارهم، ظلَّ «أحمد» يراقب كابتن «فون»، ولم يتركه يغيب عن عينَيه لحظة. اقترب منه «فهد»، فقال «أحمد» بسرعة: انضم أنت إلى الشياطين، واتجهوا إلى الفندق، وسوف أستقلُّ سيارات الاستوديو وحدي مع «فون» حتى لا تظهرَ مشكلة جديدة.

وعندما صَعِد «فون» إلى السيارة، كان «أحمد» أسرعَ في الوصول إليها، وركب مباشرة. بعد قليل تحرَّكت السيارة، ولم تكن مزدحمة، كانت هناك مقاعد كثيرة خالية، ولم تستغرق الرحلة كثيرًا؛ لأنَّ الفندق يقع داخل مساحة الاستوديو نفسها، توقَّفت السيارة أخيرًا، ونزل السياح، كان كابتن «فون» يمشي وحده شاردًا، في حين كان «أحمد» يُراقبه، اتجه «فون» إلى الفندق، ولم يذهب إلى استعلامات الفندق لاستلام مفتاح غرفته، بل اتجه مباشرة إلى الكافيتريا، ظلَّ «أحمد» في مكانه، في انتظار أن يرى الشياطين … ولم يمضِ بعضُ الوقت، حتى ظهروا وهم يتقدمون بسرعة، وعندما انضموا إليه، شرح لهم خطته التي سوف يُنفذها، ابتسم «قيس»، وقال: حتى الآن أحداث المغامرة هادئة هدوءًا غريبًا!

ضحك «فهد»، وقال: معك حقٌّ؛ إنَّ «فون» أسهل مجرم يقع في أيدينا.

وأضاف «باسم»: هذه ليست مغامرة، إنَّها مجرد رحلة جيدة.

كانت خطة «أحمد» أن يُتابع «فون» حتى يدخل غرفته، وقبل أن يُغلق الباب، يكون قد دخل معه، أمَّا باقي الخطة فالشياطين يعرفونها.

غادر «أحمد» مكانه، واتجه وحده إلى «كافيتريا» الفندق، وعندما دخلها توقَّف فجأة … إنَّ «فون» غيرُ موجود، فكَّر بسرعة: أين ذهب «فون»؟ هل اختفى؟ لكنْ عيناه وقعتَا على سُلَّمٍ جانبيٍّ أسرع إليه. كان السُّلَّم يتجه إلى داخل الفندق، قفز وهو يقول لنفسه: لا بد أن «فون» قد صَعِد إلى غرفته عن طريق هذا السُّلَّم، ولم يذهب إلى منطقة المصاعد، ثمَّ فكَّر مرة أخرى: هذا يعني أنَّ «فون» لا ينزل في طابق مرتفع؛ فإمَّا أن ينزل في الطابق الأول، أو ينزل في شاليهات حمام السباحة.

توقَّف لحظة يفكر، ثم أرسل رسالة سريعة إلى الشياطين … للاتجاه إلى حمام السباحة، في نفس الوقت قفز هو إلى السُّلَّم متجهًا إلى الطابق الأول، وما كاد ينحرف في الطرقة الطويلة، حتى شاهد «فون» وهو يضع المفتاح في الباب. قال «أحمد» لنفسه: لا بد أنَّه احتفظ بالمفتاح منذ الصباح … وعندما فتح «فون» الباب، ودخل، كان «أحمد» قد قفز قفزة سريعة، وصل بها إليه، قبل أن يُغلق الباب، وقعَت عينَا «فون» على وجه «أحمد»، وظهرَت الدهشة على وجهه، وسأل: ماذا تريد؟

دخل «أحمد» في هدوء، وهو يُغلق الباب قائلًا: جئت أتعرَّفُ على الكابتن «فون»!

ازدادَت دهشة «فون». وفي لحظة سريعة كان يوجِّه ﻟ «أحمد» ضربة قوية، إلا أنَّ «أحمد» كان ينتظرها؛ فقد تلقَّاها في رشاقة، ثمَّ ردَّ عليها بأخرى مثلها، جعلَت «فون» يتراجع. قفز «أحمد» في الهواء، وهو يضرب «فون»، إلا أنَّ الكابتن استطاع أن يُفلت منها بهدوء. وقبل أن يصل «أحمد» إلى الأرض، كان «فون» يضربه ضربة عنيفة، جعلَت «أحمد» يكاد يصرخ، ثم يسقط على الأرض، عاجلَه «فون» بضربة أخرى، جعلَته يصطدم بالحائط دون حركة، نظم «فون» ثيابه، حتى لا يبدوَ على مظهره أنَّه كان يتشاجر، ثم تقدَّم إلى الباب في هدوء، وفتحَه خارجًا، إلا أنَّ «فهد» كان في الباب … وكان ظهور «فهد» مفاجأة لكابتن «فون» … استغلَّها «فهد» بأن صوَّب إليه ضربة عنيفة، جعلَته ينحني، فضربه ضربة أخرى، فاستقام مرة أخرى، لكن مع استقامته، كانت يده قد خرجَت لتضرب «فهد» ضربة قوية، الذي كان واعيًا لها. في نفس اللحظة، كان «أحمد» قد تحامل على نفسه، وأسرع ينضم إلى «فهد». وفي دقائق، كان «فون» يرقد على الأرض بلا حَراك … ابتسم «فهد»، وقال: وقع في المصيدة.

وبسرعة، أجرى «أحمد» اتصالًا بعميل رقم «صفر»، واتفقَا على أشياء سريعة. وفي هدوء قيَّدَا «فون» إلى السرير، ثم خرجَا وأغلقَا الباب، وأخذ «أحمد» المفتاح في جيبه … قال «أحمد»: بعد قليل سوف تهدأ حركة الفندق، وبعدها نُكمل خطتنا.

نزلَا إلى حمام السباحة، حيث كان بقية الشياطين هناك، أخبرهم «أحمد» بما حدث، جلس الجميع حول الحمام، وتناولوا بعض المرطبات، ثم وقف «أحمد»، وقال: أعتقد أنَّه أفاق الآن، علينا بتنفيذ الجزء الباقي من الخطة.

غادر الشياطين الحمام، متجهين إلى حيث غرفة «فون»، كان «فون» قد أفاق فعلًا، وظلَّ ينظر حواليه. ثم فجأة، دخل «أحمد» مبتسمًا، وقال: يا عزيزي الكابتن، لا ينبغي أن تفكر في شيء، فسوف نخرج إلى رحلة أخرى، لكن ليست إلى «ديزني لاند».

كان «فون» ينظر إليه في دهشة، أخرج «أحمد» مسدسه، فازدادت دهشة «فون». ابتسم «أحمد» وهو يصوب إليه المسدس، وقال: لا تخف، إننا لن نقضيَ عليك، فنحن في حاجة إليك.

ثم ضغط زناد المسدس، فانطلقت إبرة مخدرة، واستقرت في ذراع «فون»، الذي غاب عن الوعي بعد لحظة. لم تمضِ دقائق، حتى كان صوت سيارات النجدة يدوِّي. وفجأة، سمع طرق الباب، فأسرع «أحمد» إليه، وعندما فتحَه كان الشياطين أمامه في ملابس الشرطة الأمريكية. وفي هدوء حملوا «فون» إلى خارج الفندق، ورغم أنَّ كثيرين كانوا يشاهدون عملية نقل «فون»، إلا أنَّ أحدًا لم يجرؤ على السؤال؛ فالشرطة تؤدي واجبها.

وانطلقَت سيارة الشرطة إلى المطار، حيث كانت طائرة الشياطين جاهزة للطيران للعودة إلى المقر السري، وعندما وصلت إلى هناك، ونُقل إليها كابتن «فون» ارتفعت في الفضاء بسرعة، وأرسل «أحمد» إلى رقم «صفر» يقول: لقد انتهَت المهمة، وكابتن «فون» في استضافتنا في المقر السري.

وجاء ردُّ رقم «صفر» يقول: هذه أخطر، وأسرع مغامرة قام بها الشياطين، أهنِّئكم!

وعندما قال «أحمد» مضمون الرسالة إلى الشياطين، قال «باسم»: بل هذه ليست مغامرة كما قلت من قبل، إنَّها مجرد رحلة للترفيه.

ابتسم «قيس»، وقال: وإنقاذ العالم من الكارثة!

وفجأةً، جاء صوت كابتن «صقر» يقول: ما رأيكم في وجبة ساخنة؟

وتعالَت الضحكات؛ فقد نجحَت المغامرة، وعلَّق «أحمد»: إنَّ الوجبة الساخنة ترقد في نوم عميق!

وكان يقصد بالوجبة الساخنة: «جيرالد فون كلايتون»، أو الكابتن «فون».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤