الفصل الأول

الأصول والأسس والمنافسون (٨٥٠–١١٠٠)

(١) السياق

المكان: بغداد في حوالي عام ٨٥٠ ميلادية. إننا على بُعْد ما يزيد عن ثمانمائة ميل في الصحراء عن مكان إعلان النبي محمد نزولَ الوحي عليه في مكة، وقد مضى ما يَزيد عن مائتَيْ سنة على موته. وعلى الرغم من أن كلمة «صوفي» (أيْ مُرتَدِي الصوف) كانت مُستخدَمة منذ سنوات كثيرة، باعتبارها لقبًا أو حتى توبيخًا للنُّساك الموجودين في البرِّية المحيطة، فإنها استُخدِمت هنا لأول مرةٍ للإشارة إلى أشخاصٍ في المدينة نفسها. وعلى النقيض من المُنعزلين ساكني الجبال والصحراء الذين يكتنفهم الغموضُ ويعيشون على الهامش، فإن رجال المدينة هؤلاء لم يكتبوا فحسب كتبًا تخبر الآخَرين عن كيفية التصرُّف، لكنهم أيضًا حقَّقوا شهرةً كافية في أعين المعاصرين والتابعين جعلتْهم يُناقشون كتبهم ويحافظون عليها. وفي إحدى المفارقات المألوفة في التاريخ الديني، تُخبرنا الحقيقةُ الخالصة التي نعلمها عن هؤلاء الرجال أنهم لم يكونوا شخصيات منعزلة أو غير اجتماعية تنأى بأنفسها عن العالَم، بل كانوا شخصيات عامة لديهم حياة عامة في مدينة ربما تكون الأغنى والأكثرَ عالميةً في العالَم. بحلول مُنتصَف القرن التاسع كان قد عاش ثمانية أجيال من الآباء والأبناء منذ أن أسَّس النبي محمد مجتمعَ المسلمين، وفي العاصمة الثالثة لذلك المجتمع، كان العُباد والعلماء من وَرَثة هذا المجتمع المؤسس أكثر وعيًا من ذي قبلُ بمسئوليات الحفاظ على رسالة النبي محمد في غيابه. إنه وقتُ إنتاجيةٍ غير مسبوقة من الناحية التشريعية والأخلاقية، والروحانية والفكرية؛ فمِن خلال تراث النبي والأجيال الأولى من المسلمين، ابتُكِرت معاني كثيرة للإسلام (ونُوقِشت وقُمِعت في بعض الأحيان). وعبر الجيل السابق، وجد المتعلِّمون وسيلةً جديدة لنشر أفكارهم وتبادُلها؛ إذ جلبَت الطرقُ التجارية الكبرى للمدينة الورقَ من الصين ليحلَّ محل الرَّقِّ والبَرديِّ؛ فبدأ الكثير من الكتب يُكتَب (ويُنسخ ويُباع)، ووجَدت الأفكارُ الجديدة مؤيدين ومنتقدين لها، واكتسب الإسلام نفسُه المعانيَ والأشكالَ المختلفة للتديُّن والمؤسسات التي سوف تَرثُها الأجيال القادمة وينسبونها إلى زمن النبي أو كلمات القرآن الذي جاء به. إذا كان التراث الورقي الذي تركه الصوفيون الأوائل لا يَنقل المؤرخ إلى فترةٍ أبكرَ من فترة أوائل القرن التاسع هذه، فإنه يمكن قول الأمر نفسه عن تدوين التقاليد الإسلامية الأساسية الأخرى مثل الشريعة والسُّنَّة النبوية؛ ففي حوالي عام ٨٥٠، لم تكن المجموعة الصغيرة من الأشخاص الذين يُدعَون صوفيين منفصلةً كليًّا في اهتماماتها عن الرجال الذين درسوا المبادئَ الشرعية، أو بحثوا عن طرُقٍ لتمييز الروايات الصادقة عن الكاذبة الواردة عن أقوالِ وأفعالِ النبي. وعلى الرغم من أن كلمة صوفي يمكن أن تعني أمورًا مختلفة عديدة في أزمنة لاحقة وأماكن أخرى، فهنا حيث انتشر المصطلح لأول مرة، كان يشير إلى الأفراد الذين لهم طريقة خاصة في سلوكهم وتَقْواهم. تمثَّلت تلك الطريقة في تقرُّبهم الشديد إلى الله، وعزوفهم عن مُتَع الحياة، لدرجة أنهم ارتدَوْا فعليًّا في البداية — ومع مرور الوقت مجازيًّا — الملابسَ الصوفية الثقيلة والخشنة، والمنتنة الرائحة، التي منحتْهم اسمَ الصوفيين، الذي يعني «مُرتَدِي الصوف».

نظرًا لحقيقةِ أنَّ الأكاديميِّين منذ منتصف القرن التاسع عشر بدءوا يَبحثون عن «أصول» الصوفية في الفترة السابقة عن الفترة المذكورة آنفًا، فالأمرُ يتطلَّب إعادةَ التأكيد على الأمور التي نجدها (وتلك التي لا نجدها) في بغداد في منتصف القرن التاسع، الذي ظهرت فيه أول بيانات موثوق فيها عن الصوفية. لدينا في الأساس لقبٌ أو اسمٌ وصفي (صوفي) يُطلَق على أشخاص معيَّنين في منطقة بغداد (بعضهم تَرَك آثارًا مكتوبة)، وسنرى أيضًا فيما بعدُ أنه من المحتمَل أنه كان يُطلَق أيضًا على أشخاصٍ خارج بغداد (لم يَتركوا آثارًا مكتوبة). أما الأمور غير الموجودة بعدُ في تلك الفترة، فهي الحركة الصوفية، ومجموعة المُعتقَدات المميِّزة لها، وبالتأكيد التقليد الصوفي؛ فكلُّ هذه الأمور سوف تتطوَّر لاحقًا فحسب؛ ولهذا السبب ليس من الحكمة الحديث عن «الصوفية» كما لو كانت كيانًا لديه وجودٌ ذو معنًى في ذلك الوقت، بل يُمكننا القول إنه في منتصف القرن التاسع كان يوجد أشخاص يُطلَق عليهم صوفيون ستَخضع تعالميهم تدريجيًّا (وبأثرٍ رجعي كذلك) إلى التمحيص والاستيعاب على يد الأجيال التالية، مع تزايُد أعدادِ الأشخاص الذين يُطلِقون على أنفسهم لقبَ صوفيِّين ويَصيغون طقوسًا ومعتقدات وزِيًّا لتمييز أنفسهم عن غيرهم، ويؤسِّسون سجلًّا تاريخيًّا قائمًا على الوعي الذاتي، ليَمنح وزنًا لأطروحاتهم التي يزعمون أنها صحيحة. ومن خلال الحفاظ على هذا الفرق بين اللقب والشخص، وبين الكلمة وما تشير إليه، سنكون مؤهَّلين على نحوٍ أفضل للتعامل مع أولى المشكلات التاريخية اللازم مواجهتها هنا؛ أَلَا وهي: أصول الصوفية.

(٢) مشكلة أصول الصوفية

لن تكون مبالغةً إذا قلنا إن الأكاديميين تناولوا مسألةَ أصول الصوفيِّين أكثر مما تناولوا أيَّ مسألة أخرى في التاريخ الصوفي. إلا أنَّ أهمية المسألة نسبيةٌ وليست مطلقة؛ إذ إنها تعتمد على نموذج العملية التاريخية التي نستخدمها في فهم الماضي. إن التركيز الأكاديمي على «الأصول»، الموجود منذ أمد بعيد، نشأ عن وجهة نظر ترى أن العملية التاريخية رأسيةٌ بالضرورة؛ أيْ أنها مجموعة «موروثات» و«مؤثرات» أثَّرت على كل جيل من الأجيال الماضية، وتلقَّاها أبناءُ كلِّ جيل على نحوٍ أعطى شكلًا تراكميًّا لأفكارهم وأفعالهم وإنتاجهم. كان هذا النموذج مؤثرًا بصفة خاصة في تطور مجالَي الدراسات الدينية والدراسات الشرقية أثناء القرن التاسع عشر، الذي حدثت فيه اكتشافاتٌ أثرية ونصية جديدة متعلقة بالتاريخ المسيحي واليهودي القديم، وكان لهذا الأمر أثرٌ كبير؛ إذ جعل أيَّ ممارسة للفحص العلماني لأي تاريخ ديني فحصًا «أثريًّا» يقوم على إزالة طبقات المؤثرات والموروثات المتراكمة، من أجل الكشف على ما يمكن وصْفُه بأنه «أُسُس» أي كيان تاريخي. إلا أنَّ العملية التاريخية ليست مجرد عملية رأسية (ولا حتى في الأساس)، واستنادًا إلى قرن ماضٍ من التفكير القائم على علم الاجتماع، فقد زادت الآن احتمالية التفكير في ضوء التاريخ الذي يتكوَّن داخل الطبقة الأفقية التي نرى أنها تتمثَّل في «السياق» و«المُعاصِرين». وفي هذا الصدد لا يُنظَر إلى الماضي على أنه أمر غير قابل للتغيير، بقدر ما يُعتبَر مجموعةً من الموارد الثقافية التي يمكن أن تستمر أو تخضع للتعديل أو تُنبَذ بحسب الرغبة. وكما سنرى لاحقًا في مناقشتنا للأدلة المكتوبة التي ترَكها الصوفيون الأوائل أنفسهم، فقد كانوا حَذِرين جدًّا في توجُّهاتهم تجاهَ ماضي مجتمعهم الإسلامي، وكذلك مجتمعات الأشخاص غير المسلمين الموجودين في الإمبراطورية الإسلامية.

لهذا السبب ولأسباب غيره، فإنه من الأفضل فهم الصوفيِّين وكتاباتهم على أنهم نتاج لزمنهم «الأفقي». وهذا لا يعني أن الممارسات أو الأفكار أو حتى المصطلحات المميزة التي استخدمها الصوفيون لم تنشأ قبل القرن التاسع. على النقيض من ذلك، فإنه في المجتمع العالمي للعراق وغيره من السياقات الكثيرة المختلفة التي زاوَلَ فيها الصوفيون نشاطَهم لاحقًا؛ كانت القدرة على الاقتباس الانتقائي من الماضي من العوامل التي منحت الصوفيين جاذبيتَهم. إلا أن اقتباس عناصر ثقافية معنية لا يعني التنازُل عن تكامل المنتج النهائي؛ فكما يبدو أن المشرِّعين المسلمين الأوائل اقترضوا عناصرَ من قانون الولايات الخاص بالرومان المتأخِّرين عند وضع أنظمتهم القانونية، وأن الخوارج المسلمين صنعوا من أنفسهم نماذجَ سردية للعُنف أو الاستشهاد لأغراض دينية، وهو الأمر الذي ظهر لأول مرة في الإمبراطورية البيزنطية؛ فإنه يبدو أن بعض الصوفيين الأوائل قد اقتبسوا مثلهم عناصرَ من الفكر المسيحي والممارسات المسيحية من أجل أهداف خاصة بهم.1 إن هذه الاقتباسات النقدية والانتقائية لا تقلِّل بالضرورة من كون الإبداعات النهائية ناتجةً عن الدوائر الإسلامية العالمية في العراق في القرن التاسع، إلا إذا كنا نعمل وفقًا للمعيار الديني لا التاريخي، ذلك المعيار الذي ينص على أن كل ما هو إسلامي يجب أن يكون نابعًا من القرآن. وبدلًا من التفكير من منظور «الاقتباسات»، من الأفضل أن نعتبر أوجهَ التشابه جزءًا مما وُصِف بأنه «لغة سيميائية مشتركة» كانت مألوفة لدى كلٍّ من المسلمين والمسيحيين واليهود في القرون الأولى من الحكم الإسلامي.2
من الأمثلة الجيدة على هذه المصطلحات الرمزية (واللغوية بالتأكيد) مصطلح «صوفي» نفسه؛ فعلى الرغم من وجود مجموعة أصول لغوية بديلة مزعومة (بما فيها الكلمة اليونانية sophia التي تعني الحكمة)، فقد أصبح المصطلح مقبولًا في العموم الآن باعتباره اشتقاقًا من الكلمة العربية «صوف»، مما يجعل «الصوفي» هو الشخص الذي يرتدي الملابس الصوفية كما رأينا. أما الباحث الأكثر دقةً في تاريخ المصطلح، فيرى أن هذا المصطلح ظهر لأول مرة في بيئة مسيحية وليس في بيئة إسلامية، للإشارة إلى اتجاه مُخالِف ظهر في أواخر القرن السادس بين المسيحيين النسطوريين في سلوقية-قطسيفون، على بُعْد حوالي عشرين ميلًا جنوب المكان الذي شهد عام ٧٦٢ تأسيس بغداد.3 وعلى الرغم من أن اللغة الرسمية للكنيسة النسطورية كانت السريانية، فمع مرور العقود بعد الفتوحات العربية للمنطقة في الأعوام التي أعقبت وفاة النبي محمد عام ٦٣٢، فقَدَ كثيرٌ من النسطوريين قدرتَهم على فهم اللغة السريانية، وطالَبوا بكتابة المراسيم الكنسية باللغة العربية. لقد كانت اللهجة المسيحية العربية هذه هي التي نشرت مصطلح «لابس الصوف»، ومن ثَمَّ مصطلح «صوفي»؛ للإشارة إلى مجموعةٍ من الزهاد المسحيين في العراق، الذين تشارَك معهم الزهاد المسلمون الأوائل في كلٍّ من الكلمة والممارسة بصفتهما «ارتباطًا بالمكانة البسيطة والمتواضعة، واهتمامًا بالقيم وليس الماديات.»4
تتمثَّل نقطة الضعف في هذا الزعم في أن الأجزاء الرئيسية من الدليل إما مفترضة معتمدة على استخدامات نظرية للكلمة قائمة على التخمين، وإما معتمدة على الاستخدامات الأولية المزعومة المدوَّنة فقط في مصادر متأخِّرة. لكن توجد مشكلات أكبر تخص هذا الزعم أيضًا؛ أولًا: توجد المسألة الخاصة بقدر الأهمية الذي نود أن نمنحَه للاسم، والمسألة الفرعية المتمثلة فيما إذا كان هذا الاسم ومعنى أصله «الأصلي» لهما علاقة مباشرة أو اعتباطية بالأشخاص أو الأفكار أو النشاطات التي أصبحا يشيران إليها في السياقات الإسلامية اللاحقة. في دراسة كلاسيكية لثمانية وسبعين تعريفًا من التعريفات الإسلامية القديمة لمصطلح «صوفي» ومصطلح «تصوُّف» المشتق منه، والذي يعني «لبس الصوف» أو «اتباع الصوفية»، وجدنا تعريفًا واحدًا فقط يشير إلى لبس الصوف، وقليلًا من التعريفات الأخرى التي تشير إلى ممارسات الزهد في العموم، وكانت الغالبية العظمى من التعريفات تُشير إلى القيم المعنوية والنزعات الأخلاقية.5 يبدو أن هذا الدليل ينقض الارتباط بين المعنى الإسلامي والمعنى المسيحي المزعوم لكلمة «صوفي»، بحيث يشير إلى أنه في سياقات الاستخدام المختلفة كانت «الأمور» التي تشير إليها الكلمة مختلفة تمامًا. إلا أنَّ المشكلة في هذا الصدد أيضًا تتمثل في أنه على الرغم مِن أن هذه التعريفات الثمانية والسبعين منسوبةٌ إلى شخصيات في أوائل القرن التاسع، فإنها ظلَّت فقط باعتبارها اقتباسات في المَصادر المتأخِّرة. مرة أخرى، نواجه مشكلةً تتمثَّل في أننا كلما أوغلنا في الفترة السابقة على الانتشار الكبير للأعمال المكتوبة في القرن التاسع، أصبحت المصادر إما غير مباشرة وإما غير موجودة على الإطلاق؛ ومن ثَمَّ لا يُصبح لدينا إلا اقتباسات متأخرة من شخصيات قديمة، أو تخمينات افتراضية للأنماط الكلامية القديمة.
ثانيًا: إذا نظرنا إلى ما وراء موضوع اللغة، فإننا سنجد المسألة الأكثر جوهريةً المتمثِّلة فيما إذا كان يوجد اقتباسٌ من جانب المسلمين للمُمارسات المسيحية إلى جانب المفردات المسيحية، بالإضافة إلى المسألة الفرعية المتمثلة فيما إذا كان هذا الاقتباس قد شكَّل الأنشطة الفعلية لهؤلاء المسلمين الذين سيُطلَق عليهم اسم «صوفيين» في القرن التاسع. في هذا الصدد، من المفيد العودة إلى نموذج المصطلحات السيميائية واللغوية في بعض الحالات التي اشترك فيها المسلمون والمسيحيون، وليس النموذج الذي امتلكه كلٌّ منهم على نحو حصري. ومن المهم أيضًا هنا أن نأخذ في اعتبارنا السياق؛ ففي القرون الأولى من التاريخ الإسلامي كان عدد المسيحيين في البيئات التي عاش فيها المسلمون في مناطق مثل سوريا والعراق ومصر يفوق عدد المسلمين. كان الهلال الخصيب في منطقة الشرق الأوسط، الذي كان مسيحيَّ الطابع حتى أكثر من أوروبا الغربية في ذلك الوقت، ساحةً تعجُّ بالكنائس والأديرة وأضرحة القديسين. لم تَنَلْ هذه المواقع وقاطنوها الحمايةَ القانونية للإمبراطوريات الإسلامية الجديدة فحسب، بل استوعبها أيضًا الحكَّام المسلمون بعدة طرُق مختلفة؛ فقد اعتُبِرت أضرحةُ الأنبياء والقديسين المسيحيِّين مزاراتٍ دينيةً للمسلمين، وأصبحت الأديرة بالنسبة إلى المسلمين أنديةً تقدِّم الخمر، ويتجمَّع فيها الشعراء، ومكتبات للمثقفين المهتمِّين بالأدب، وساعَدَ الباحثون المسيحيون في ترجمة التراث الفكري اليوناني والروماني إلى العربية، الذي حفظه على نحوٍ انتقائي الأسلافُ المسيحيُّون.6 وهكذا، لا يوجد أي شك في أنه كان هناك تنوُّع في أشكال تفاعُل المسلمين مع المسيحيين، على الأقل حتى عام ٨٥٠ تقريبًا.
لطالما اعتُبِر أن لبس الصوف يُشير إلى أوجُه الشبه مع الممارسات الزهدية لمسيحيِّي الشرق، خاصةً في سوريا؛ حيث كانت عاصمة المسلمين في دمشق في الفترة ما بين عامَيْ ٦٦١ و٧٥٠، قبل أن تنتقل إلى العراق بقيام الدولة العباسية. وكردِّ فعلٍ على نزعات البحث عن أصول الصوفيين في الفكر الهندي التي ظهرت في القرن التاسع عشر، كشف الباحثون في ثلاثينيات القرن العشرين عن أدلة تفصيلية عن أوجه التشابه بين «الزُّهاد» المسيحيين والمسلمين؛ وقيل إن هذا التراث الزهدي المشترك مهَّدَ الطريقَ لتحوُّل الصوفيين إلى «زهَّاد» ناضجين مهتمين بالتجربة والمعرفة بدلًا من تعذيب الجسد.7 إنَّ هذا الوضع للمسلمين الأوائل في سياقاتهم التعدُّدية رأيناه أيضًا في الاتجاه الحديث الساعي إلى رؤية كلٍّ من التطورات المسيحية والإسلامية القديمة في إطار بيئتهما الاجتماعية المشتركة. وتمثَّلت هذه الطريقة في أبسط صورها في وضع الأدلة الخاصة بالأنشطة المسيحية والإسلامية جنبًا إلى جنب، والإشارة إلى أوجه التشابه وأدلة التفاعل المباشر بينهما كلما أمكن، واستخدام ذلك كأدلة على تأثير المسيحيِّين على المسلمين، بالإشارة إلى أوجه التشابه من أمثال أنماط الصلاة، والأقوال والتوجهات، بالإضافة إلى الملابس.8 إلا أنَّ الجدل حول الأصول يتحرك في هذا الصدد في اتجاهين يجب الفصل بعناية بين نتائجهما المختلفة. بالنسبة إلى الباحثين الذين كتبوا في ثلاثينيات القرن العشرين، في الحالتين الإسلامية والمسيحية على حد سواء، كان الانعزال وتعذيب الجسد الخاصان بحياة الزهد مهدًا طبيعيًّا (وعالميًّا في واقع الأمر) لتطور «التصوف». كان التصوف بدوره يُعتبَر حاجةً عالَمية تهدف إلى «معرفة الحقيقة المُطلَقة، وفي النهاية تكوين علاقة واعية مع الحق تتوحَّد من خلالها الروح مع الله.»9 بعبارة أخرى، إن هذا التفسير يقدِّم نموذجًا تطوريًّا للتاريخ لا يكون فيه الزهد غايةً في حد ذاته، بل لا بدَّ أن ينضج ويتحوَّل إلى تصوف، وهذا التصوف هو ما يقول المؤلف إنَّ الصوفيِّين يمارسونه. إن هذا الانهيار للاختلافات (وبالطبع التعارض المحتمَل) بين فئة الزهاد وفئة المتصوِّفين يقدِّم — نوعًا ما — سردًا خاليًا من الصراع؛ ومن ثَم، يُعتبَر الزهاد المسلمون القدماء الذين بدَوا متأثِّرين بممارسات جيرانهم المسيحيين هم المسئولون المباشرون عن ظهور الصوفيِّين الذين احتاجوا بدورهم مرة أخرى — أثناء تطويرهم للنماذج الماورائية الأكثر تعقيدًا للتفاعل البشري والإلهي الذي يتطلبه «التصوف» — إلى الأخذ عن المسيحيين الذين كانوا موجودين من قبلهم، وكانوا متقدمين عن المسلمين في المسعى العالمي نفسه للتطور الروحاني.
fig9
شكل ١-١: أساليب حياة الزهد: كشكولان (أيْ وعاءان للتسوُّل)؛ أحدهما مصنوع من الخشب، والآخَر من جوز الهند البحري (تصوير: نايل جرين).
تتمثَّل المشكلة في أنه عند النظر إلى الأدلة الموجودة في الجانب الإسلامي لا يبدو هذا التحول المبكر من الزهد إلى التصوف مباشرًا على نحو واضح؛ لذلك، بدلًا من رؤية الزهاد المسلمين باعتبارهم الأسلاف الطبيعيين للصوفيين، سيكون من الأفضل رؤيتهم باعتبارهم منافسين لهم؛ ففي العقود الحديثة، أثار الفحصُ الأكثر دقةً للمناقشات المتعلِّقة بالزهد الإسلامي المبكر شكوكًا جادة حول هذه الفكرة المتعلقة بوجود تدفُّق مباشر بين «الزاهد» و«الصوفي»، من خلال إظهارِ إلى أيِّ مدًى أُدين تعذيب الجسد، والانعزال، وفوق كل ذلك التبتُّل، باعتبارها انحرافات عن السنَّة النبوية.10 وكما سنرى عند تناول أقدم الأدلة الواضحة المتعلقة بآراء الأشخاص الذين يُطلَق عليهم الصوفيون، فإن كثيرًا منهم كانوا واضحين في إدانة ممارسات الزهد، واصفين إياها بأنها مظاهر علنية غير ضرورية لما يُعدُّ من قبيل التقوى الزائفة. (وعلى الرغم من الاستحسان الكبير الذي لاقاه العديد من زهَّاد العصور القديمة المتأخِّرة، فقد كانت النتيجة المثيرة للسخرية هي أن هؤلاء الزهاد كانوا في الواقع يتَّخذون الزهدَ حرفةً ويتعالَوْن به على غيرهم.) وللتعبير عن الأمر بمزيدٍ من الوضوح، فإنه حتى لو كان الزهاد المسلمون قد قلَّدوا أسلوبَ الزهاد المسيحيين، فهذا لا يشير بالضرورة إلى وجود «أصل» مسيحي للصوفيِّين؛ لأنه نظرًا لكون الصوفيين أبعدَ ما يكونون عن كونهم وَرَثة مباشِرين للزهَّاد، فإنه من الأفضل فهم الصوفيين على أنهم مُنافسون ومنتقدون لهم. و«الزاهد» لا يتطور وينضج ليصبح «صوفيًّا»، بل لقد أُخرِست أصوات «الزهاد» من خلال تهميش الصوفيين الأكثر نجاحًا لهم، وحلولهم محلَّهم في نهاية المطاف.
حتى الآن شككْنا في أهمية أوجه التشابه في المسميات والمُمارَسات بين الزهاد المسيحيِّين والصوفيِّين المسلمين. المشكلة الرئيسية في مثل هذه الدراسات الهادفة إلى تتبُّع الأثر هي أنه على الرغم من وجود الكثير من الأدلة على أوجه التشابه وحتى عمليات التواصل بين المسلمين والمسيحيين، فإنه لا يكاد يوجد أي دليل مباشِر على «الاقتباس» الفعلي المُفترَض أن يكون أساسًا لأوجه التشابه. يمكن القول إن هذا ليس بالأمر المُفاجئ؛ فنظرًا لأن المسلمين كانوا يدركون جيدًا ثراءَ الفكرِ والممارَسةِ المسيحية في القرون الأولى للإسلام، فقد كان من غير المحتمل أن يعلنوا عن حاجتهم إلى اقتباسِ أفكارٍ وأساليبَ من دينٍ من المفترض أن دينهم قد حلَّ محله. ويمكن قول الأمر نفسه عن الأدلة الخاصة بالانتقال الأكثر غموضًا للمعتقدات الماورائية والكتابات التي تَسرد سير الأشخاص. في هذه المنطقة الأكثر ضبابيةً، اقتُرحت طريقةٌ بديلة لتقييم التأثير المسيحي المحتمَل، والتي لم تكن تبحث عن تكرار مسألة الانعزال أو اقتراض الكلمات، بل تبحث عن إعادة إنتاج «نسق أو تركيب أو بنية»، وهذا أمر أكثر تعقيدًا، ولذلك يقلُّ احتمالُ كونه عشوائيًّا.11 فمن خلال نوع من البنيوية التاريخية، قيل إنَّ تأثُّر الصوفيين بالمسيحية النسطورية يمكن تتبُّعه عبر تكرار أنماط العقيدة أو السِّيَر الموجودة أولًا في الأعمال المسيحية، ولاحقًا في الكتابات الصوفية.12 ومن أمثلة ذلك كتابات المسيحي العراقي المنتمي للقرن السابع، إسحاق النينوي؛ إذ ساد اعتقادٌ يَرى أن نموذجه الثلاثي المتعلِّق بارتقاء الروح من خلال سلسلةِ مجموعات ثلاثية من الأنشطة والفضائل، ظهر مرةً أخرى لاحقًا في توضيحات الصوفيِّين لفكرهم.13 وفي محاولةٍ للخروج من مأزق توثيق أوجه التشابه فحسب والاختيار بين ما كان من قبيل الصدفة وما كان دليلًا على الاقتباس المباشِر، تزعم طريقة البنيوية التاريخية تلك وجودَ تكرار لأنماط معقَّدة بالغة التفاصيل على نحوٍ يَحُول دون تكرارها دون نقْل مُباشِر. إن أكمل ممارسة على هذا المنوال أُجرِيت على الروايات التي تسرد سيرة رابعة العدوية (المتوفَّاة عام ٨٠١)، تلك الزاهدة المسلمة الشهيرة التي عاشت في البصرة في جنوب العراق، التي يزعم الصوفيون أنها واحدة من أسلافهم، وأوضحتُ بقدرٍ من النجاح كيف أنَّ الأساطير الإسلامية عن رابعة العدوية اعتمدت على روايات سَرْدية مسيحية أقدم عن غانيات تائبات.14 إلا أننا حتى لو سلَّمنا بانتقال صور أفكار معينة، فإنه في نهاية المطاف لن يكون لدينا فهم أكثر وضوحًا لطريقة حدوث ذلك، وبالنسبة إلى المؤرخين فإن تلك الحاجة إلى تفسيرٍ واضح لطريقة حدوث الأمر تُعادِل أهميةَ وجود دليل على حدوثه. وكما هو الحال مع النوع الأقدم من التاريخ الفكري الذي سيطَرَ يومًا ما على دراسة الصوفية، فإننا دونَ فهم العملية تصبح أمامنا نصوصٌ من المفترض أنها مترابطة، لكن دون أن يكون لدينا أي فكرة عن القرَّاء الذين من المفترض أنهم يربطونها معًا. وحتى في حالة إمكانية تحديد هذه التشابهات البِنيوية المباشرة، فهذا مرةً أخرى يمكن تفسيره بعمليةٍ على أنه نتيجة لمُتَخيَّل رمزي أفقي مشترك — «لغة سيميائية مشتركة» — أكثر من كونه نتيجةً للنقل الأحادي الجانب المتمثِّل في أخذ المسلمين عن المسيحيين.
إذا كانت الدراسات الحديثة لا تقدم صورة واضحة عن أصول الصوفية، فهذا يثير تساؤلًا حول ما إذا كانت كتابات الصوفيين عن أنفسهم تقدِّم صورةً أفضل. فمع مرور الزمن أصبح الصوفيُّون بالتأكيد أكثرَ اهتمامًا بماضيهم، وأثناء تكوينهم لتقليدهم قدَّموا كل أنواع قصص السِّيَر المتعلِّقة بأسلافهم التي تعود للماضي لتربط تعاليمَهم بالنبي محمد. وكما سنرى بمزيدٍ من التفصيل فيما يلي، فإن المشكلة تتمثَّل في أن المصادر الرئيسية التي تتناول هؤلاء الأسلاف يعود تاريخها إلى فترة متأخِّرة إلى حدٍّ كبير عن وقت حياتهم (وفي كثير من الأحيان، تكون قد كُتِبت بعدهم بعدة قرون). وعلى غرار حالة رابعة العدوية، فإن سِيَر أسلاف الصوفيِّين المزعومين هؤلاء من أمثال إبراهيم بن أدهم (المتوفَّى عام ٧٧٧)، وفضيل بن عياض (المتوفَّى عام ٨٠٣)، وبشر بن الحارث (المتوفَّى عام ٨٤١) — الذين ينتمون جميعًا لوسط آسيا — وذي النون المصري (المتوفَّى عام ٨٦١)؛ أصبحت واقعةً في شَرَك المَجازات والموضوعات المكرَّرة المعتمِدة على الموروثات الشعبية قدر اعتمادها على الحقيقة.15 وكما سنرى في الفصل الثاني عندما نأتي لمناقشة السِّيَر التي دوَّنت قصصَ الحياة المفترضة لهؤلاء الأسلاف، سنجد أن الزعم الذي يقول بوجود سلسلةٍ منظَّمة من الأسلاف يخبرنا عن الترابُط النصي للتراث في القرن الحادي عشر أكثر مما يُخبرنا عن حياة وظروف الصوفيِّين الأوائل، الذين عاشوا قبل ذلك بثلاثمائة عام. وكما رأينا بالفعل، ففي منتصف القرن التاسع لم يكن يوجد بَعدُ تقليدٌ صوفيٌّ، ولا حتى حركة مُتماسِكة، بل مجرد مجموعة أشخاص في الغالب مميَّزين جدًّا يُطلَق عليهم صوفيُّون؛ لذلك، فالمسألة إلى حدٍّ كبير ليست وجود أشخاص مثل إبراهيم بن أدهم مِن عدَمِهم، ولا معرفة إنْ كانوا جزءًا من اتجاه قديم نحو الزهد أم لا، بل تتمثَّل المسألة أولًا: فيما إذا كان من الممكن اعتبار أنهم كوَّنوا بأيَّةِ طريقةٍ مجموعةً مُتماسِكة عبر هذه المسافات الشاسعة. وثانيًا: فيما إذا كان من الممكن اعتبار أنهم كوَّنوا اتجاهًا أو مسارًا ورِثَه الصوفيون لا قمعوه.

من الناحية التاريخية، إن هذه المشاكل المتعلِّقة بأصول الصوفية تتضخَّم من ثَمَّ من خلال التأكيد على وجود انتقالٍ رأسي قائم على السبب والتأثير، يُقدِّم وراثةَ الأفكار على رفضها، وانتقال الحركات على قمعها. بَيْدَ أن حقيقة الأمر هي أنه على غرار التاريخ المبكر للمسيحية، فقد كانت القرون الأولى للإسلام فترةَ منافَسةٍ شديدة بين مقدِّمِي نُسَخ دينية متعارضة جذريًّا في الغالب، كانت فيها أنماطُ الولاء السياسي، والنشاط الاقتصادي، وقواعد السلوك اليومية، والقيود القانونية؛ خاضعةً لجدل شديد وعنيف في بعض الأحيان. وبدلًا من البحث عن انتقال منظَّم ومتعدِّد الأجيال من الزهد إلى التصوف، الذي لطالما ميَّزَ دراسةَ التاريخ المبكر للصوفية، فمن خلال إلقاء النظر على كل طبقة زمنية على حِدَة يُمكننا رؤية الانقطاعات والاختلافات التي تسمح لنا بتقييم ما إذا كان مصيرُ أفكارِ وأفعالِ الجيل السابق الاستمرارَ أم الرفضَ.

دعونا نتناول حالة «الزُّهاد» باعتبارها مثالًا توضيحيًّا؛ فبدراسة السِّيَر اللاحقة التي كتبها الصوفيون أنفسهم، عادةً ما اعتبر المؤرخون «الزُّهادَ» «صوفيِّين منتظرين»، إلا أنَّنا إذا وضعنا هؤلاء الزهاد في سياق ظروف زمنهم، فإننا يمكن أن نرى كيف أنهم خدموا مقاصد مختلفة للغاية، وسعَوا نحو أهدافٍ مختلفة تمامًا مقارَنةً بالصوفيِّين الذين ظهروا في القرون اللاحقة. كان القرن الثامن الذي يمثل أوج انتشار «الزُّهاد» فترةً كان فيها المسلمون لا يزالون أقليةً في أراضي إمبراطوريتهم، وجعل توسيعُ فتوحاتهم المناطقَ الحدودية مُهدَّدةً باستمرار بإعادة الغزو.16 في مثل هذه المناطق الحدودية انتشر الكثير من «الزهَّاد»، مثل إبراهيم بن أدهم، حيث شاركوا في الحروب الحدودية، وجلَب لهم ورعُهم الديني وزهدهم الشديد النصرَ في تلك المعارك، وجلب كذلك الشُّهرةَ التي ستنقل أسماءَهم إلى الأجيال التالية. وعند تناول هؤلاء الزهاد في ضوء واقعهم القاسي في زمنهم، سنُدرك أنهم كانوا المعادل الإسلامي للمُناصِرين البيزنطيين الأشداء أتباع القدِّيسين المحاربين المسيحيين، الذين حمتْ أضرحتُهم الجانبَ الآخَر من المناطق الحدودية الإمبراطورية نفسها، أكثر من كونهم مجرَّد سالكين ساعين إلى الله غير مرتبطين بزمن معين.17 ونظرًا لعمل هؤلاء الزهاد المسلمين المُحاربين في هذه المناطق الحدودية الثقافية المُتصارَع عليها، فقد تأثَّروا في كتاباتهم السردية وأفعالهم بنظام قِيَمي متجاوز للعقائد، تشاركوا فيه مع الزهَّاد المحاربين المسيحيِّين الموجودين في تلك الفترة.18 مرةً أخرى، إننا ربما لا نركِّز هنا على مسألة أخذ المسلمين عن المسيحيِّين بقدر تركيزنا على مسألةِ وجودِ ساحةٍ ثقافية ومنطقةٍ جغرافية مشتركتَين، تنافَسَ فيهما المسلمون والمسيحيون داخل مجموعةٍ من الأُطر المتداخِلة، سواء أكانت هذه الأُطر سرديةً أم أخلاقيةً أم ماورائية.
بطبيعة الحال، لم يكن كل «الزهاد» المسلمين الأوائل محاربين على الحدود، بل على الأرجح قضى كثيرٌ منهم وقتًا أكبر في التحاوُر مع المسيحيِّين بدلًا من محارَبتهم. لكن ما يتَّضح عند النظر إلى هذه الشخصيات في ضوء أوقاتهم العصيبة، هو أن الزهاد المسلمين في القرن الثامن لم يكونوا فقط شخصياتٍ أكثر تعقيدًا مما كان سيجعلهم الدور الغائي «للمتصوِّف البدائي»، بل كانوا أيضًا شخصيات مميزة على نحوٍ واضح، ولديهم أدوار اجتماعية وأهداف أخلاقية مختلفة تمامًا عن أدوار وأهداف الأشخاص الذين سيُطلَق عليهم صوفيون في منتصف القرن التاسع في مدن العراق الأكثر هدوءًا، بدلًا من المناطق الحدودية في سوريا أو آسيا الوسطى. وكما توضِّح الكتابات التاريخية اللاحقة للصوفيين أنفسهم، التي سعوا فيها إلى تقديم الزهاد الأوائل باعتبارهم أسلافًا لهم، فإنَّ البحث عن نماذج سابقة لهم عادةً ما يُخبرنا عن السعي إلى اكتساب الشرعية أكثر مما يُخبرنا عن العمليات التي من خلالها تشكَّلت الأفكار والحركات.19 وبدلًا من محاولة تتبُّع التطورات في إحدى الفترات وفقًا لظروفها المختلفة تمامًا عن الفترات السابقة، دعونا نظل في الفترة والظروف «الأفقية» التي في ظلِّها اكتسب عددٌ صغير من المسلمين لقبَ صوفيِّين، ونرى ما إذا كنا سنستطيع أن نشرح على نحوٍ أفضل أصولَهم في طبقتهم الزمنية بدلًا من الطبقات السابقة عليهم.

(٣) صوفِيُّو العراق (٨٠٠-٩٠٠)

في أوائل القرن التاسع، خضع الزُّهد لجدل موسَّع بين الدارسين الحضريِّين الذين تزايدت أهميتهم في المجتمع المسلم أثناء هذه الفترة. وفي تلك الفترة حلَّ محلَّ نموذج المجتمع المسلم القديم الذي يقوده فردٌ واحد ينتمي إلى آل النبي محمد (أي الخليفة أو الإمام)؛ أفكارٌ جديدة عن السلطة أعطت صياغاتها المختلفة وزنًا متفاوتًا لكلٍّ من العقل والتقوى، ممثَّلَين في الفهم الكامل للنصوص الدينية والقُرب الشديد من الله. وكان الفلاسفة المسلمون وعلماء الدين العقلانيون المُسمَّون ﺑ «المعتزلة» — الذين استمدوا ريادتهم من مُنطلَق قراءاتهم في الفلسفة اليونانية الرومانية التي تُولي الصدارة للعقل — مؤثِّرين بنحوٍ خاص في بغداد في القرن التاسع.20 وفي العقود الأولى من ذلك القرن، كان الفريق العقلاني مؤثِّرًا على نحو كافٍ فيما يتعلق بتقديمه للعقل على النقل؛ بحيث أقنَعَ قائدَ الإمبراطورية الإسلامية، الخليفة المأمون (الذي حكم من عام ٨١٣ إلى عام ٨٣٣)، ببدء «محنة» (أيْ تحقيق تعسُّفي) في محاولةٍ استمرَّت على مدار ثماني عشرة سنة لفرض معتقَدٍ يقول إنَّ القرآن ليس نصًّا أبديًّا، بل مخلوقٌ في زمن سياقي تاريخي.21 على الجانب الآخَر من الجدل، كان يوجد علماء مُتعدِّدون سعَوْا إلى الدفاع عن سلطة الوحي، لا سيَّما أنه بَدَا أنه يقدِّم أُسسًا أكثر ثباتًا (أو دستوريةً إنْ جاز التعبير) للتشريع، ووجد الكثيرون أنه أقلُّ عرضةً للتلاعُب به من قِبَل الطبقة الحاكمة مقارَنةً بالعقل. واعترضوا بصفة خاصة على مزاعم الخليفة المأمون المتعلِّقة بموثوقية رؤيته لمعنى النص القرآني. وبالإضافة إلى الدفاع عن مكانة القرآن، كان هؤلاء العلماء مُهتمِّين أيضًا بالدفاع عن آلاف الروايات الخاصة بأقوالِ وأفعالِ محمد المعروفة بالحديث، وإبراز مكانتها. ووسط هذه الجدالات التي تجمَّعت بطبيعة الحال في بغداد بصفتها عاصمةَ الخلافة العباسية، بدأ في الظهور ما يُعرَف اليومَ بالإسلام السُّنِّي. إن تلك «الكتلة الدستورية» القائمة على افتراضِ أنَّ المسلمين يُمثِّلون مجتمعًا معنويًّا أكثر منه سياسيًّا، يَربط بين أفراده التزامٌ تجاه رسالة القرآن والسنة النبوية كما هي مدوَّنة في الحديث؛ أعطت بالرغم من ذلك مكانةً خاصة لعلماء الدين الذين كانت لديهم خبرةٌ في فهم النصوص الدينية تُمكِّنهم من تحديد ماهية الرسالة الفعلية للقرآن والحديث.22 على الجانب الآخَر، كان يوجد أشخاصٌ ظلُّوا أوفياءَ للفكرة الإسلامية القديمة التي ترى تمثُّلَ السُّلْطة والمعرفة الدينية في شخص واحد، وعلى الرغم من أنَّ أفكارهم استغرقت أيضًا عقودًا طويلة حتى تبلورت، فقد احتفظوا بلقبهم القديم وهو الشيعة؛ حيث إنهم كانوا أنصارَ الإمام علي، قائدهم الأول وصهر النبي محمد. وبعد قرنين من رحيل النبي محمد عن مجتمع المسلمين الذي أسَّسه، كانت هذه الجدالات محاولاتٍ لفهم المصادر التي تركها لذلك المجتمع؛ سواء تلك التي مصدرها الوحي المتمثِّل في القرآن، أو سُنَّته المتمثلة في الحديث، أو أسرته المتمثِّلة في نَسْل عليٍّ.
يحظى سياق الجدالات المستمرة والمصادر الثقافية هذا بالأهمية؛ إذ إنه يَمنعنا من الوقوع في شَرَك اعتقادِ أن الصوفيين بصفتهم «متصوِّفين» كانوا في الأساس أشخاصًا يسعون إلى تكوينِ علاقةٍ مباشِرة مع الله؛ ومن ثَمَّ لم يكونوا في حاجة كبيرة إلى إرشاد القرآن أو السنة النبوية. وسوف يمنعنا هذا السياق أيضًا من افتراضِ أن الصوفيِّين منذ نشأتهم كانوا في منافَسة مع علماء الدين.23 على النقيض من ذلك، فمن خلال أقدم المصادر التي لدينا عنهم، بَدَا أنهم كانوا مهتمين بشدة بالقرآن والسنة النبوية، وهذا الاهتمام بالنصوص المكتوبة هو ما مكَّننا من كتابة تاريخهم. ونظرًا لأنه في هذه الفترة كانت تعامُلات معظم هذه الشخصيات مع القرآن والحديث من خلال الحفظ الشفهي بدلًا من اللجوء المنتظم إلى الكتب المكتوبة بخط اليد، فإن التركيز يجب أن يتحوَّل من الجانب المكتوب إلى الجانب الشفهي، لكن ستظل الفكرة العامة هي أن الصوفية وعلماء الدين كانوا على حدٍّ سواء في اهتمامهم بالنصوص الشفهية والنصوص المكتوبة، مع مجادَلة الصوفيين في مدى تبيان التجربة للمعاني الحقيقية لهذه النصوص.24 ربما كان يوجد في هذه الفترة أشخاصٌ كُثر كانت لهم حالاتُ تواصُل مباشِرةٌ مع الله لم تكن لها علاقة بالقرآن، وكان يوجد بالتأكيد بين الصوفيِّين الأوائل مَن زعم أن مسعاهم التجريبي المعروف باسم «التحقيق» قد جعل مَزاعِمَهم المعرفية مقدَّمة على تلك المُعتمِدة فقط على النص القرآني. وباستثناء شخصيةٍ بارزة سوف نتناولها في القسم القادم، فإننا إلى حدٍّ كبير لا نعلم إلا قليلًا عن مثل هؤلاء الشخصيات، إما لأنهم لم يكونوا ضمن أعضاء الطبقة المُنتجة للنصوص، وإما لأنهم كانوا غير قادرين على كسب دعمهم.

عند وضع الصوفيِّين الأوائل في سياق زمنهم «الأفقي»، سنحتاج إلى إدراك أن ظهورهم ينتمي إلى عمليةِ تكوين طبقةِ علماء أوسع نطاقًا، لم تكن مزوَّدة فحسب بمعرفة القرآن والحديث والمهارات الخاصة بتفسيرهما، بل كانت أيضًا تكتسب نفوذًا اجتماعيًّا متزايدًا بسبب امتلاكها لهذه المعرفة النصية أو الشفهية وتطبيق نموذجها القويم. ونظرًا لعيشهم في المدن الكبرى، فإنهم لم يكونوا هؤلاء الزهَّاد المُنعزلين ساكني الجبال أو المناطق الحدودية. ولم يكونوا من ساكني الأبراج العاجية المُنعزلين عن الواقع في المدينة نفسها؛ لأنَّ معرفةَ الحلال والحرام والقدرةَ على إقناع الآخرين من خلال الفتوى أو السلطة الأخلاقية الشخصية كانت لهما تأثيرات عملية هائلة. وعلى الرغم من وجود استثناءات، فإن الحكم العام سيظل كما هو في الأجيال التالية، وهو يتمثَّل في أن الصوفيين الناجِحين، سواء أكانوا علماء أم شعراء أم علماء في الماورائيات أم علماء في الأخلاق، نادرًا ما كانوا بمعزل عن العلم والتأليف أو عن الحديث والقرآن؛ تلك الأمور التي وضعت أسسَ التعلم الإسلامي. وبالرغم من ذلك، فإنَّ الصوفيين الأوائل لم يكونوا مؤلِّفين فحسب، ويجب أن نرى أنَّ مَزاعِمهم حول المعرفة التجريبية لا تجعلهم مختلفين بالكامل عن طبقة علماء الدين الناشئة، بل تجعلهم مجموعةً فرعية خاصة أو حتى مجموعة منشقَّة تَشترك في الكثير مع هؤلاء العلماء، باستثناءِ زعمٍ واحد يتمثَّل في سلطة التواصل المباشر مع العوالم الإلهية.

إذا كان القرآن والحديث هما مَصدرا الأشخاص الذين يُسمَّون بالصوفيين، فكيف إذًا استخدموا هذين المصدرَين في تكوين مُعتقداتهم وممارساتهم وفي فهم تجاربهم؟ باختصارٍ، فعلوا ذلك عن طريق الحفظ والتطبيق؛ فقد حفظوا كلَّ آيات القرآن عن ظهر قلب، وطبَّقوا كلَّ ما جاء في الحديث من أخلاق في سلوكهم.25 والأهم أنهم تبنَّوا أيضًا ألفاظًا من القرآن لخلق مصطلحات يُجِيزها النصُّ القرآني لوصفِ الممارسات وأشكال التجربة الروحانية التي أضافوها إلى الطقوس الدينية للأعضاء الآخَرين في طبقة العلماء؛ لذلك فهذا النوع من المعرفة ليس سلبيًّا، وإذا كنا قد أكَّدنا على علاقة الصوفيين بالكتب، فإننا يجب أن نوضح طريقتهم في استخدامها؛ فالكتب بالنسبة إليهم أدواتٌ للتأمُّل من ناحيةٍ، والعمل من ناحية أخرى.26 وعلى الرغم من أننا أوضحنا أنه بظهور الورق تزايَدَ على نحوٍ كبير إنتاجُ الكتب في بغداد مقارَنةً بما كان يحدث في العالَم الغربي، فإن هذه الكتب كانت لا تزال تُكتَب بخط اليد، وتُعتبَر من المقتنيات الثمينة. وهذه العوامل المادية أثَّرت على ثقافة القراءة التي نشأت بسببها، لكن كان يوجد عائق واحد يتمثَّل في أن النصوص الدينية كانت تَستغرِق وقتًا أطول في كتابتها على الورق أكثر مما تَستغرقه النصوص غير الدينية؛ كالقصائد والأعمال العلمية وكتب الطهي. وكما هو الحال في مجتمعات المخطوطات الأخرى التي وُجد فيها استخدام الكتب داخل إطارِ أشكالِ تعلُّم شفهية أوسع نطاقًا، كانت الكتب تُقرَأ بتعمق وعلى نحو متكرِّر، وهي عملية كانت تتعقَّد في بعض الأحيان بالحاجة إلى أن يكتب المرء نسخته الخاصة من الكتاب، أو أن يحفظه عن ظهر قلب كي يَحصل عليه. وفي حين كان العلماء أنفسهم يُجيدون القراءة والكتابة، فإن بعض أتباعهم لم يكونوا كذلك؛ ومن ثَمَّ كانوا يَستمعون إلى الكتب في كل مرة تُقرَأ فيها. وبدلًا من تمييز صفحةٍ بقلمِ تظليل، كان هؤلاء القراء السمعيون معتادين على حفظ واستيعاب المحتويات ذهنيًّا. وكما سنرى لاحقًا، فإن ثقافة القراءة الجهرية للكتُب أثَّرت أيضًا على شكل المحتويات؛ فبعدَ عدة قرون لاحقة كانت معظم كتب الصوفية تَشتمِل على السرد القصصي الشخصي، أو ذِكْر النقاط الرئيسية للموضوع بطريقة مسجوعة؛ بحيث يتمكَّن السامعون من تذكُّرها بسهولة. إلا أنه قبل اعتياد الصوفيين على تدوين كتبهم، فإنهم كانوا يقرءون القرآن والحديث بهذه الطريقة النشطة والذاتية مثل بقية المتعلمين في هذه الفترة.
هذا المعنى للقراءة باعتباره نوعًا من التفاعل النَّشِط مع النص القرآني يُمكِّننا من تناول أحد الجدالات الرئيسية الأخرى المُثارة حول أصول الصوفية. إنَّ فكرة نشأة الصوفية عن القرآن لاقتْ أكبرَ قدر من المؤيِّدين لها بين الباحثين الفرانكوفونيِّين، ومؤخرًا بين الأمريكيِّين، ورأوا غالبًا أنها نظير «النزعة الداخلية» لروايات «النزعة الخارجية» التي تُرجِع أصولَ الصوفية إلى مؤثِّرات مسيحية أو غير مسلمة.27 أظهَرَ تتبُّع أصول المفردات الخاصة أو المعجم الصوفي الذي طوَّرتْه الأجيال الأولى من الصوفية في كتاباتها؛ أنها كانت إلى حدٍّ هائل مفرداتٍ مردُّها القرآن. واستُخدِم ذلك بدوره في القول بأن الصوفية كانت منتجًا إسلاميًّا «داخليًّا» يتميز بالتماسك والترابط، وليست نتيجةً لمؤثِّرات خارجية.28 بطبيعة الحال، تنطوي الحجة على بعض العيوب الأساسية المتعلقة بالتفريق المسبق بين الكلمات والأمور؛ فمجرد اختيار الصوفيين وصْفَ ممارساتهم أو معتقداتهم بمصطلحات قرآنية لا يعني بالضرورة أن الممارسات أو المعتقدات الفعلية نفسها مصدرها القرآن. استخدَمَ نقادُ هذه النظرية أسلوبَ القرآن الذي رأوا أنه جافٌّ أو طائفي أو سردي، لتوضيح أن القرآن كدليلٍ في حدِّ ذاته لا يُمكن أن يكون مصدرَ معتقداتِ الصوفيين: «فالنصُّ [القرآني] يتميز بالصرامة والإحكام، وقد اضطرَّ متصوِّفو الإسلام إلى أن يعملوا جاهدين من أجل استنباطِ معانٍ باطنية تَعكس تواصُلَهم الشخصي مع الله.»29
بَيْدَ أن جواب هذه المسألة يمكن أن يكمن في كلمات النقد نفسه؛ فقد اضطر الصوفيون بالفعل إلى العمل بكدٍّ في معالجة النص القرآني؛ لأنَّ هذا التعاطي التأملي والنَّشِط مع معانيه هو بالضبط طريقة معالجتهم له. وبدلًا من صياغة الجدل حول ما يُمكن أن نراه كقراء مُتأخِّرين في القرآن (الصرامة والإحكام)، والمطالبة بامتلاك النص نفسه بطريقة أو بأخرى للقدرة على خلق معتقدات وحركات في العالَم الخارجي، فإنه من الأفضل أن نحوِّل مَنظورَنا نحو التساؤل عمَّا رآه الصوفيون الأوائل أنفسهم في القرآن، وأن نسأل أنفسنا كيف أنتجت أساليبُ القراءة الفعالة التي اتَّبعوها تلك المعانيَ من خلال التفاعل الإبداعي بين حياتهم وظروفهم وبين النص القرآني؛ ومن ثَمَّ، لا تصبح المسألة متمثِّلةً فيما إذا كانت «الصوفية» قد نشأت عن القرآن أم لا، بل تُصبح متمثِّلةً فيما إذا كان صوفِّيو القرن التاسع قد استخدموا القرآن باعتباره مصدرًا لفهم العالم من حولهم ولخلق طرق تعامُلٍ أخلاقي وفكري وعملي مع العالم.30 لا يوجد خطأ في التساؤل حول ما إذا كان الصوفيون قد جعلوا أفكارَهم تنبع من كتاب الإسلام المقدَّس؛ لأن هذا بالضبط هو طريقة قراءة الكتب المقدسة. استُخدِم الحديث بطرق مشابهة، واستخدمت جماعاتٌ مختلفة آلافًا من الروايات المتناقضة غالبًا التي تروي أقوالَ أو أفعالَ النبي محمد للدفاع عن أفعالهم أو لانتقاد أفعالِ الآخَرين. وكما هو الحال مع القرآن، لم يكن الحديث في حد ذاته «أداة» أو «مصدرًا» بالضرورة للحركات الدينية، بل كان مصدرًا استخدَمَه الصوفيون مثلما فعل معاصِروهم الآخرون في تكوين تعاليمهم والدفاع عنها. أخيرًا، استُخدِم القرآن أيضًا بين الصوفيين باعتباره مصدرًا للعبارات المُغنَّاة التي كوَّنت ممارسةَ الإنشاد الصوفي الخاصة بذكر الله (وهو مصطلح مأخوذ أيضًا من القرآن). في مثل هذه السياقات، كانت كلمات القرآن ليست مجرد مصدر للمعنى اللغوي، بل كانت مثيرًا صوتيًّا لحالات ذهنية مختلفة.
fig10
شكل ١-٢: تأمل القرآن: صحيفة للآيتين ١٩٩-٢٠٠ من سورة البقرة تعود للعراق في القرن التاسع (معرض فرير للفنون، مؤسسة سميثسونيان، واشنطن: بيرتشيس، إف١٩٤٢١٧، إف١٩٣٧. ٦. ٧ب).

بهذه الطريقة، يمكننا أن نرى كيف استخدم الصوفيُّون الأوائل مصادر الماضي الخطابية المميزة (القرآن والسنَّة النبوية) لتطوير «طريقتهم الدينية» وتأسيسها اعتمادًا على مصادر السلطة الشرعية المُعترَف بها لدى مُعاصِريهم. إن للكلمات تاريخًا، ومن ثَم تتغيَّر معانيها مع مرور الزمن، وفي الأزمان والأماكن المختلفة التي تُقرَأ فيها كلماتُ النص القرآني المحفوظة، تُستخدَم للإشارة إلى أمور مختلفة في العالَم عن تلك التي أشارت إليها في زمانِ ومكانِ نزوله؛ ولذلك استُخدِم القرآن في بغداد في مُنتصف القرن التاسع باعتباره مصدرًا لغويًّا لمصطلحاتٍ كانت لها معانٍ مختلفة وأشارت إلى أنشطةٍ وفضائل ومشاعر مُختلفة عما أشارت إليه للقراء المسلمين من الأجيال السابقة. ونظرًا لأن العراق في هذه الفترة كان مُجتمَعًا أكثر تعقيدًا وعالميةً إلى حدٍّ كبير عن شبه الجزيرة العربية التي نزل فيها القرآن؛ فقد كانت الأفعال والأفكار التي ارتبطت بمصطلحاته مختلفةً بالضرورة في هذا الزمن المتأخر. ونظرًا للتبادُلات الثقافية اليومية التي حدثَتْ في العراق في القرن التاسع، فإنه سيكون من المفاجئ لو أنَّ بعض الأفعال أو الأفكار التي ارتبطت بكلمات القرآن لم تُقتبَس مِن قِبل سكان المنطقة غير المسلمين الكثيرين. فعندما تكتب مسيحية أمريكية مُعاصِرة — استجابةً لتوصية الكتاب المقدَّس بالإحسان — شيكًا لإحدى المنظمات الخيرية، فإنها لا تُعدُّ أقلَّ تديُّنًا لأن مثل هذه الإجراءات المصرفية ابتُكِرت في الجمهورية الهولندية، وليس في فلسطين الرومانية. إذًا، في نهاية المطاف، فإن مسألةَ ما إذا كانت الصوفية قد نشأت عن القرآن أم عن أمور مُقتبَسة من المسيحية، هي مسألة زائفة تُبسِّط الطريقة التي قُرِئ بها النص القرآني، والتي أُنتِجت بها الأفكار والأفعال الدينية.

بين أوساط مُفسِّري القرآن والحديث المتخصِّصين، كان الصوفيون الأوائل أقربَ إلى اتجاه الدفاع عن الوحي والتقليد وتقديمهما على العقل؛ فقد كانوا بعيدين كل البُعْد عن كونهم زنادقة مُنتهِكين لأحكام الشريعة، أو راديكاليِّين روحانيِّين؛ لذلك، فإننا على الأرجح يجب أن نراهم باعتبارهم جماعة مُحافظة بوجه عام. وبدلًا من الهروب من المجتمع مثل الزهاد الأوائل، كانوا في الغالب داعِمين بشدة للنظام الأخلاقي والقانوني الناشئ. وعلى غرار الحركة السُّنِّية الناشئة التي اشتركوا فيها، اتبعوا الأمرَ القرآني الذي ينصُّ على «الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر»، حتى لو أزعج ذلك مَن لا يَرغبون في التحلِّي بالأخلاق.31 وكما هو الحال مع كثير من المفكِّرين الإسلاميين البارزين الآخَرين في هذه الفترة، فقد كان الصوفيون الأوائل مُهتمِّين كثيرًا بالأفعال والتوجهات الصحيحة للبشر في هذا العالم الاجتماعي، أكثر من اهتمامهم بمعرفة البشر بما يَكمُن وراء ذلك العالم وتفاعلهم معه.
ربما يعدُّ المُحاسبي البغدادي (المتوفَّى عام ٨٥٧) الأهمَّ — وبالتأكيد الأكثر شهرةً — بين هذه الشخصيات التي رفضت رياءَ الزهَّاد مُفضِّلةً سيادة الذات الأخلاقية على الذات الجسدية.32 يرى البعض أنَّ المُحاسبيَّ لا يُمكن أن يكون صوفيًّا؛ لأنه كان عالِمَ دينٍ مُهتمًّا بالجانب الأخلاقي وليس مُتصوِّفًا، وبالفعل في كتاباته التي وصلت إلينا لم يُشرْ إلى نفسه مطلقًا بلفظة صوفي.33 إلا أن هذا يُعدُّ إغفالًا لسياق الاهتمامات القوية بالاستقامة الظاهرة (إن لم تكن المُرائية) الذي ظهر فيه الصوفيون واستمدُّوا منه معاشهم. علاوةً على ذلك، فقد لعب المحاسبي دورًا مهمًّا في توفير المصادر الفكرية لتكوين التقليد الصوفي؛ حيث سيَزعُم صوفيُّو الأجيال التالية أنه كان واحدًا منهم. كان هذا جزءًا مهمًّا جدًّا من العملية التي نتتبعُها، الخاصة بتطوُّر «التقليد» الصوفي الذي كان في بعض الأحيان عمليةً استرجاعية قائمة على الانتساب إلى أشخاص مرموقين وأفكار محترمة أو مفيدة على نحوٍ ما. لهذه الأغراض، كان المحاسبي مهمًّا في تطوير الممارسة الأساسية التي ستميِّز تدريجيًّا الصوفيين عن غيرهم من الصالحين الذين وضعناهم في مصافِّهم. وهذه الممارسة — أيِ المحاسَبة التي منها اكتسب اسمَه — تمثَّلت في المراقبة الدقيقة لِلَّذات الدنيا الجسدية التي أشار إليها القرآن باسم «النفس» (لاحِظِ اللجوءَ للمُصطَلحات القرآنية).34 في هذا الصدد الخطابي والعملي يَكمن «الالتفات الداخلي» الذي ميَّز الصوفيِّين عن مُنافسيهم الأكثر ميلًا إلى الإظهار الخارجي، سواء أكان هؤلاء المُنافِسون هم الزهاد أم أهل الحديث المُهتمُّون بالأخلاق. وكما سنرى الآن عندما نَلتفت إلى تعاليم الصوفيِّين الأوائل على نحوٍ كامل، فقد كان هذا التطوير لإطارٍ مُقنِع لفهم الذات وطرُق فعَّالة لاستكشافها هو ما أكسب الصوفيِّين الشهرةَ والتبعيةَ اللتَين ستَنشُران طريقتها الجديدة على نطاق واسع على مدار الأجيال القادمة. ونظرًا لأنَّ مُعتقَدات صوفيِّي بغداد في القرن التاسع والقرن العاشر ستُشكِّل أسس التقليد الصوفي اللاحق، فإن الصفحات القادمة سوف تتَّبع تلك المعتقدات بقدر من التفصيل؛ لأنَّ المفاهيم الأساسية والمصطلحات العربية التي ارتبطَت بها ستنتقل لاحقًا إلى الصوفيِّين في أماكن بعيدة مثل واحات الصحراء الكبرى وجزر التوابل في المحيط الهندي.

(٤) الخراز البغدادي (المتوفَّى عام ٨٩٩)

في منتصف القرن التاسع، في بغداد وكذلك جنوبًا في البَصرة، كان يوجد عدد كبير من الأشخاص الذين يُطلَق عليهم الصوفيون، إلا أن أبا سعيد الخراز كان من أهمِّهم من حيث الشهرة في عصره أو الاقتداء به بعد مماته.35 ما نعلمه على وجه التأكيد عن حياة الخراز قليلٌ جدًّا، باستثناء أنه كان كثير الترحال؛ حيث زار مدنًا مقدَّسة مثل القدس ومكة (التي مكَث فيها أحد عشر عامًا)، وكذلك زار مصر ومدينة القيروان الموجودة فيما أصبحَت الآن تونس. ويخبرنا اسمه أنه على الأقل في مرحلةٍ من حياته عمل كإسكافي، وهذا يُشير إلى البيئة الحِرفية الحضَرية التي سنُلاحظ تكرارها بين الصوفيِّين الأوائل الآخَرين. إلا أنَّنا في العموم لا يتوافر لدينا إلا قليل جدًّا من المعلومات المتعلِّقة بسيرته الذاتية كي يُمكننا الاستعانة بها، ومن ثَمَّ فما من طريقة مُمكنة لوضع الخراز وغيره من شخصيات هذه الفترة المشابهة له في السياق، إلا طريقة خطابية متمثلة في وضع أفكاره وكتاباته وسط الأنماط الأوسع نطاقًا، الخاصة بالجدل وإنتاج الكتب التي شهدنا ظهورها في بغداد في تلك الفترة، لكن مع الوضع في الاعتبار أننا ما زلنا في فترةٍ كانت فيها تلك «الكتُب» مكوَّنةً مِن شيء أشبه بمُلاحظاتٍ مدوَّنة في مخطوطات، وليست كتبًا مخطوطةً باليد مُرتَّبة على نحوٍ رسمي. كان الكتاب الأساسي للخراز هو «كتاب الصِّدق» الذي يبدو أنه ألَّفه لنطاقٍ أوسع، وليس لنطاق مذهبي ضيِّق من القرَّاء، على الرغم من أنه كتب أيضًا عددًا من الأطروحات الأقصَر، أو ما يُعرَف بالرسائل المخصَّصة للمسائل الأكثر تحديدًا وتعقيدًا، وكانت على الأرجح موجَّهةً إلى عدد أقل من القرَّاء الذين يتشابهون معه أكثر في التفكير.
ونظرًا لميل كثير من الروايات التي تتناول الفكرَ الصوفي إلى التخلُّص من القشرة الثقافية بحثًا عن النواة التصوُّفية، فإنه تجدر الإشارة أولًا إلى الطابع الإسلامي المميز لكتابات الخراز. وكما في الأعمال الصوفية التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى، التي كتبها الصوفيون في الأجيال التالية، أثبَتَ الخراز وجهات نظره من خلال تقديم اقتباسات مؤيِّدة من مراجع إسلامية قديمة، سواءٌ أكانت من القرآن أم الحديث أم مِن علماء وزهاد من القرنين السابقَين؛ ومن ثَمَّ فقد استخدم الماضي الذي وصفْناه بالفعل بأنه كان مَوردًا استخدمه هؤلاء الكُتاب. وعلى الرغم من أنه لم يكن يوجد بعدُ تقليدٌ صوفيٌّ مميَّز يُمكن الاعتماد عليه — إذ إن كتابات جيل الخراز ستكون هي نفسها المصادرَ الأولى لتكوين مثل هذا التقليد المميَّز على مدار الأجيال القليلة التالية — فقد كان يوجد بالفعل تقليد إسلامي زاخر يُمكن أن يعتمد عليه المرء في دعم أفكاره. إن إدراك هذا السياق الخطابي الإسلامي أمر مُهمٌّ؛ إذ يمنعنا من الانسياق بسهولة وراء الميول القديمة المتعلِّقة بفهم الصوفيين الأوائل، التي ترى أنهم زهاد يَبحثون عن تجربة خام. فمِن ناحيةٍ، إنَّ النظر بعين الاعتبار إلى المحتوى الإسلامي في كتابات الخراز، يَمنعنا أيضًا من الانسياق بسهولة وراء التخلُّص من الأمور التي مثَّلت للخراز وقرَّائه الأسسَ الإسلامية لتعاليمه؛ كي نقدِّم عمله كبنيةِ أفكار مجرَّدة، كي يكون مُمكنًا الزعم أن «عمله يُشبه كثيرًا الأطروحات المسيحية التي كتبها إسحاق النينوي.»36 ومن ناحية أخرى، من خلال إدراك عملية التناصِّ التي عن طريقها طوَّرَ الخراز وغيره من الصوفيِّين نصوصَهم، عن طريق الاعتماد على النصوص القديمة الموثوق فيها (أو انتحال بعض أفكارها على نحوٍ سافرٍ في بعض الحالات كما سنرى لاحقًا)، فإنَّه يُمكنُنا تجنُّب افتراض أن الصوفيِّين بوصفهم «زهادًا» قد ألَّفوا كتاباتهم في الأساس من هذه المادة الخام المُستمَدة من تجاربهم المتسامية. والسبب في ذلك يكمن في أن تلك التجارب فُسِّرَت واكتسبت معانيها من خلال اللجوء للمصطلحات والمفاهيم التي تكوَّنت من خلال قراءة الصوفيِّين النَّشِطة للقرآن والحديث؛ بحيث كوَّنت تلك التجارب والنصوص جزءًا من التسلسُل الإبداعي.
إلا أنَّنا نرى الاهتمام بالدفاع عن سلطة التقليد الإسلامي الجمعي في مقابل التجارب الحضورية الفردية في كثير من أعمال الخراز، التي لم تُحاول إطلاقًا تجاهُلَ المتطلَّبات الأساسية للشعائر الإسلامية، بل اشتملَت على كتاب قديم مخصَّص لطريقة الأداء الصحيح للعبادات الأساسية. في نفس الإطار، دافَعَ الخراز عن سُلْطة الأنبياء (الذين كانوا أمواتًا) على أولئك الذين زعموا أنهم أولياء الله (الذين كان كثير منهم أحياء). سوف نتحدَّث بتفصيل أكبر عن هذه الشخصيات الغامضة — ولكن الأساسية لاحقًا — لكن في هذه المرحلة هدفنا هو إدراك تقليدية وامتثالية الخراز. وفي حين اعتمد الخراز على هذه الخلفية المُلتزمة بالعُرْف، ووضَع نفسه في إطارها، فقد قدَّم إسهامات مهمَّة لتطوير ما سيُصبح عمَّا قريب الطريقةَ المميزة الخاصة بالصوفيِّين؛ ففي «كتاب الصدق»، حدَّد الخراز مجموعةً من الصفات الأخلاقية اللازم على المسلم الحقِّ اكتسابُها إذا كان (وفقًا لكلمات القرآن كما اقتبسها الخراز) «يرجو لقاء ربه.»37 وكان اهتمام الخراز ﺑ «الصدق» صدًى لنقد الزهد الريائي الذي رأينا ظهوره بالفعل، وأثناء تسجيل ذلك بنفسه كان هدفه توضيح أن الصدق «عِلم» (أيْ معرفة نظرية) وفي الوقت نفسه «فقه» (أيْ معرفة عملية)، مع فهم هذين الجانبَين في إطار التصنيفات الإسلامية التي كانت تظهر في ذلك الوقت بين العلماء المسلمين على اختلاف معتقداتهم، بما فيهم الفقهاء.38

على الرغم من أننا أصبحنا الآن أكثر تعوُّدًا على التحدُّث في ضوء «التطور الروحاني»؛ فإنه من الأفضل على الأرجح تدبُّر المبادئ التي حدَّدها الخراز شروطًا أخلاقية؛ لأنَّ الحديث عن التطور «الروحاني» في غياب عمل مبذول في العالم يُعدُّ إساءةَ فهم للمعنى الكامل لرسالة الخراز التي يوضِّح فيها أن التطور الروحاني لا معنى له، إنْ لم يكن مصحوبًا بالعمل الصالح. لا بدَّ أن يكون العمل الخارجي والنية الداخلية متناغمَين كلٌّ منهما مع الآخر، والصدق الحقيقي يُساعد على ذلك. إلا أن هذه كانت بداية الأمر فحسب، وكان «كتاب الصدق» مخصَّصًا لبسط المضامين والجوانب الدقيقة الغامضة لتطبيق هذا المبدأ الدالِّ وإجادته. وبقيامه بهذا، استخدم الخراز ما سيُصبح الاستعارةَ المحورية للمعتقَد الصوفي، والتي تتمثَّل في أنَّ المنهج الصوفي يمكن اعتباره «طريقًا»؛ أيْ دربًا يُرشد المرء بأمان في رحلته نحوَ حالة التناغم مع الله، التي هي الإسلام. ومثل أي رحلة طويلة أخرى، فعلى مدار الدرب يمرُّ المسافر بمجموعة من الأماكن أو المحطات التي تسمى «المقامات»، ومن أجل أن يكون المرء صادقًا في النية وفي الفعل أيضًا، فإنه يجب أن يمرَّ عبر العديد من هذه «الأماكن» المجازية، التي قد يكتسب فيها الجوانبَ المختلفة من الصدق؛ وهي: التوبة، ومعرفة النفس، وضبط النفس، ومعرفة حِيَل الشيطان، ومعرفة الحلال والحرام، والزهد، والتوكُّل على الله، والخوف من الله، والحياء، والشعور بالعِرفان تجاه الخالق، وحب الله غير المحدود، والإيمان بالقضاء والقدر، والشَّوق إلى الله، وأخيرًا مقام القرب من الله.

كانت هذه الاستعارة مهمَّةً؛ لأنه كما هو الحال مع أي رحلة، من غير المُمكن الوصول لأي مكان دون المرور أولًا بالأماكن السابقة عليه بطول هذا الطريق. إن هذا الأسلوب القائم على رسم هذه «الأماكن» على الطريق نحو القرب من الله سيُصبح واحدًا من الخصائص الكلاسيكية لكتابات الكُتاب الصوفيِّين، ودليلًا — كما يجب أن نَفترض — على امتلاك هؤلاء الكُتاب لنوع من المعرفة الخاصة بهذه الرحلة جعَل المُريدين يُقبِلون عليهم. على الرغم من ذلك، يجب أن نفترض أن هذه التعاليم لم تكن نظريةً فحسب، كما تبدو في أعمال تقديمية من أمثال هذا الكتاب، بل لقد كانت أيضًا عملية وفاعلة. وعلى غرار الطب، فإنها لم تكن مجرد فرع رسمي من فروع المعرفة، بل كانت وسيلةً تجلب الشفاء؛ فالصوفيُّون لم يَدُلُّوا الناس فحسب على طريقة فعل الخير، بل دَلُّوهم أيضًا كيف يشعرون بالاطمئنان والسعادة من خلال الرضا الذي يجلبه التوكُّل الكامل على الله.

إذا كانت الطريقة والمحطات المتعلِّقة بها أحدَ العناصر الأساسية للمنهج الصوفي التي قدَّمها الخراز، فقد قدَّم عنصرًا آخر، وهو المفهوم الثنائي المتمثِّل في «الفناء» و«البقاء». وكما هو الحال مع أي مُعتقَد صوفيٍّ آخَر، فقد كان دعم فكرة موت الأنا قبل الجسم موجودًا في حديثٍ للنبي محمد، الذي قيل إنه نصح أصحابه فيه قائلًا: «موتوا قبل أن تموتوا.» وإذا كان السير على الطريقة هو المنهج، فإن الإجراء نفسه هو كبْتُ الغرائز الدنيئة والمتدنية للنفس؛ كي لا يبقى في نهاية الرحلة إلا الرُّوح، التي تكون في حالة من القُرب من خالقها.

ناقَشَ الخراز خصائصَ حالة القرب هذه ونَوع الأشخاص الذين وصلوا إليها؛ وذلك في رسائله الأكثر تخصُّصًا. وكانت لغة هذه الرسائل أكثر عمقًا وغموضًا مما يُشير إلى ظهور اللغة الاصطلاحية المتخصِّصة الموجَّهة لمُجتمعات مغلقة من القراء، والتي تتطلَّب أيضًا وجود تعليق شفهي مِن مُعلِّم لتوضيح المعنى. وفي دائرة الخراز على الأقل، يجب ألا نتخيَّل أنَّ الصوفيين الأوائل كانوا يخاطبون العامة؛ فمثل «إخوان الصفا» المتأثِّرين بالأفلاطونية الحديثة، والداعين لاستخدام السِّحر — الذين ظهروا في البصرة بعد ذلك بنصف قرن — كان الصوفيون الأوائل مُولَعين بما هو غامض ومعقَّد التفاصيل. إن انتقادهم للزهاد الذين من المؤكَّد أن تقشُّفهم الريائي والمريع في بعض الأحيان قد نال تأييدَ العامة، يُشير إلى أن أمثال الخراز والمحاسبي من قبله مثَّلوا دائرة من النخبة المثقَّفة المتحضِّرة المتخصِّصة على نحوٍ واضح، التي سعت إلى تحقيق المكانة من خلال الإبداع في الكتب بدلًا من السيطرة على الأجساد.

في رسائل الخراز، تمثَّلت رغبته في التصنيف التي رأيناها بالفعل في عمله «كتاب الصدق»، في تقديمه ﻟ «الطبقات» السبع الموجودة بين النخبة الروحانية، التي وصف رموزَها بأنهم «أهل الارتباك والحيرة». سعت كل طبقة من هذه الطبقات إلى الله بطريقة مختلفة، بدايةً من التفكُّر في «الإشارات» المُبهَمة من قِبَل أصحاب الطبقة الدنيا وحتى الأرواح العليا الذين وصَلوا إلى درجة من «القرب» من الجوهر الإلهي؛ بحيث أفنوا صفاتهم تمامًا في صفات الله.39 وعلى الرغم من كل محاولات الخراز لتجنُّب إثارة الجدل، من خلال تأييد أهمية الحفاظ الظاهري على الأعراف الاجتماعية الإسلامية، فقد عجز عن تجنُّب إثارة الجدل في تخفيفِه للفرق بين الله والبشر، ولو لنُخبة قليلة منهم. وعلى الرغم من توضيحه وجودَ سبع طبقات نخبوية من البشر، ففي جوانب أخرى، سعى إلى تقليل مكانة الأشخاص الذين قادَهم قربُهم من الله وانشغالهم به إلى اعتبار أنفسهم «أولياء» له.40 وفي حين قَبِلَ الخراز بالتأكيد مثل بقية المسلمين في وقته وجودَ مثل هؤلاء الأولياء، فإنه كان حريصًا على ألَّا تتجاوَز مكانتهم مكانةَ الأنبياء. وكان معنى ذلك أنه بصرف النظر عما كشَفه الله لأوليائه، فقد كان هذا الكشف أقلَّ في السلطة والمكانة عما كشفه لأنبيائه؛ فحتى وليُّ الله لا يُمكنه أن يأمر أيَّ شخص بانتهاكِ قاعدة شرعية، أو إنكارِ ما أوحى الله به إلى الأنبياء. ونظرًا لأن الخراز وسَّع طرُقَ وأعداد الأشخاص المحتمَل أن يكون لديهم تواصُل مباشِر مع الله، فقد كان من ثَمَّ في الوقت نفسه يقلِّل من السلطة التي منحها ذلك التواصُل لهؤلاء الأولياء على بقية أفراد المجتمع.

(٥) التُّستَري البَصْري (المتوفَّى عام ٨٩٦)

بحلول النصف الثاني من القرن التاسع، كانت مسألة العلاقة بين الأنبياء والأولياء (ومن ثَم، المسلمين العاديِّين الذين كانوا يَدينون لهم بالولاء) مسألةً مُلحَّةً بالفعل. وعلى بُعْد نحو ثلاثمائة وخمسين ميلًا جنوبَ بغداد في مدينة البصرة، كانت هذه المسألة يُواجهها أحد مُعاصِري الخراز، وهو سهل بن عبد الله التُّستَري (المتوفَّى عام ٨٩٦). ومثل الخراز وكثير من علماء المسلمين الآخَرين في هذه الفترة، فقد كان التُّستَري كثيرَ الأسفار في حياته، وعلى الرغم مِن أنه نشَأ في مدينة تُستَر الإيرانية التي اكتسب منها اسمه، فقد حجَّ إلى مكة، وأقام في العديد من المدن في العراق، ومن المحُتمَل أن يكون قد زار ربوعَ مصر أيضًا.41 وعلى الرغم من أن المؤرِّخين لديهم النصوص التي تركها الرجال من أمثال التُّستَري كأدلة، فإنه من الصعب جدًّا تقييمُ مدى تأثير الحوارات والاجتماعات — التي لا بد أن تكون قد حدثت أثناء أسفارهم — على فكرهم. إنَّ المزاعم اللاحقة التي تقول إنَّ التُّستَري تعلَّمَ من الشيخ شبه الأسطوري، ذي النون المصري (المتوفَّى عام ٨٦١)، غير مستبعَدة في الأساس، بل فقط من الصعب إثباتها. فنحن نعلم الكثير عن تكوُّن الأفكار في البصرة على مدار العقود السابقة على وصول التُّستَري إليها عام ٨٧٧، عندما كان بالفعل رجلًا عجوزًا يُناهز الستِّين، حتى لو بَدَا من المحتمل أن أفكاره كانت ناضجةً بالفعل في هذه المرحلة.42 وبينما يُمكننا الإشارة إلى ارتباطه بمُناقَشات وأنماط كتابة الجيل أو الجيلَين السابقين عليه، وفي حين يبدو محتملًا أنه تأثَّرَ بتفسير قديم للقرآن لم يَعُد موجودًا الآن، قدَّمه الإمام الشيعي جعفر الصادق (المتوفَّى عام ٧٦٥)؛ فإنه ربما من الأفضل أن نرى أنه كان مُبدعًا في حد ذاته، ولم يكن يبحث لأفكاره عن مصادر بين الغنوصيِّين وأتباع الأفلاطونية الحديثة.43

الأكثر إدهاشًا في مصدر إبداع التُّستَري كان ظهور ذلك الإبداع في بيئة تفسيرية خصبة جمعت بين القرآن وتجارب التُّستَري الخاصة. ومن المهم ألا نتجاهل أيًّا من شِقَّي هذه البيئة؛ لأنَّ التُّستَري لم يكن مجرَّد مُتصوِّفٍ حرِّ التفكير يعتمد على أفكاره المتسامية، ولا مجرَّد مُفسِّر ناقل يعتمد على تأويلات بسيطة للنص القرآني، بل كان مسلمًا رأى أن كلمات الله المذكورة في القرآن مصدر معرفةٍ لا يَنضب للقارئ المتأمِّل المتفاعِل مع النص القرآني. وبالاستعانة بالقرآن كمرشد له، تفكَّرَ في معنى تجاربه التي كانت نتاجَ سنوات قضاها في إنشاد صيغ الذِّكْر، مثل تلك التي تعلَّمها أثناء شبابه من خاله الذي كان من علماء الحديث المَشهورين. وعلى الرغم من البحث في الصلوات اليسوعية المطوَّلة لدى المسيحيِّين النسطوريِّين عن نظائر ومصادر لممارسة الإنشاد تلك؛ فقد كان مصدر هذه المُمارسة بالنسبة إلى المسلمين أمثال التُّستَري وخاله إسلاميًّا تمامًا. لم تكن الصِّيَغ وحدها مكوَّنة في الغالب من كلمات من القرآن، بل كان المصطلح العام لهذه الممارسات — أي الذِّكر — هو نفسه مأخوذ من عدة وصايا قرآنية بذكر الله. كان التُّستَري أول شخص نعرف عنه أنه ربط بين ممارسة إنشاد الذكر ومفهوم القلب باعتباره عضو المعرفة، الذي يسمح تطهيرُه باستضافته لنور الله الأزلي.

على الرغم من أنَّ تفسير التُّستَري للقرآن عبارة عن مجموعة غير منظمة من الملاحظات أكثر من كونه تفسيرًا تدريجيًّا، فإنه يُعطي فكرةً عامة عن تعاليم التُّستَري، وكذلك لمحة عن دور النص القرآني فيها. وبين النص القرآني والتأمُّل، طوَّر التُّستَري الفكرة القرآنية القائلة بوجود «ميثاق» أزليٍّ بين الله وعباده؛ حيث استُدعِيت كل أرواح البشر الذين سيُخلَقون أمام الله وقَبِلوا به ربًّا لهم.44 إلا أن نسخة التُّستَري من هذا الميثاق امتدَّت إلى ما قبل فجر الخليقة، فقال إنه قبل أن يَخلق الله البشرَ خلق محمَّدًا أولًا.45 لم يكن محمدٌ ذاك النبيَّ محمد المعروف تاريخيًّا، بل كان محمَّدًا كونيًّا خُلِق من نورٍ صافٍ نابع عن نور الله الأزلي نفسه. من هذا «النور المحمَّدي»، خلق الله بعد ذلك بقيةَ البشر بالترتيب التالي: الأنبياء، فأولياء الله الصالحين، فبقية الأرواح البشرية العادية. وليس كل البشر الذين خلقهم الله متساوين. إن أولياء الله ليسوا مقربين من الله بفضل جهودهم الخاصة، لكن بفضل مكانتهم التي قدَّرها الله سلفًا عند لحظة خلقهم، وهذا لا يُقلِّل من شأنهم على الإطلاق. وعلى الرغم من أن المسلمين العاديِّين بإمكانهم بالتأكيد القرب من الله باستخدام أساليب مثل إنشاد الذِّكْر لتطهير أنفسهم من مُشتِّتات النفس، فإنه لا توجد فرصة لهم للترقي في هرمية الوِلاية السماوية تلك. في واقع الأمر، قدَّم التُّستَري هرميةَ أولياء الله هذه في صورةِ جماعةٍ مُغلَقة يُسيطِر عليها عددٌ ثابت من «الصدِّيقين» و«الأبدال» و«الأوتاد». وكما سنرى في الفصل الثاني، فمن الناحية الاجتماعية والمكانية، فإن عقيدة الوِلاية تلك سوف تؤدِّي مع مرور الزمن إلى تقديس قوي للأولياء الصوفيِّين الذين ستُحوِّل أضرحتُهم — مثل ضريح الشيخ يوسف أبي الحجاج في معبد الأقصر الفرعوني القديم في مصر — تدريجيًّا منطقةَ الشرق الأوسط إلى منطقةٍ إسلامية مقدَّسة.
fig11
شكل ١-٣: استعراض للمناطق الإسلامية المقدسة: ضريح من فترة العصور الوسطى للشيخ يوسف أبي الحجاج في معبد الأقصر، مصر (تصوير: نايل جرين).

على الرغم من أن التُّستَري أوضحَ صراحةً أنه توجد أربعة مُستويات لفهم معاني القرآن (الحرفي، والرمزي، والأخلاقي، والأُخروي)، فإنَّ أولياء الله فقط هم مَن يستطيعون حقًّا فهم القرآن. وفي حين نرى مرة أخرى الاهتمامَ بالترتيب والإحصاء الذي ميَّز أيضًا كتابات الخراز؛ فقد حاز أولياء الله بلا شك على حيِّز كبير في عالَم التُّستَري. وفي الوقت الذي كان يُشكِّل فيه الكثير من العلماء المسلمين إسلامًا يتَّسم بالمساواة (أو على الأقل قائم على الجدارة)، كانت فيه المعرفة والسلطة تُكتسَبان من خلال الفهم الصحيح للقرآن واتِّباع السنة النبوية؛ فإننا نرى في دائرة التُّستَري ظهورَ الإسلام الهرمي القديم مرة أخرى، الذي أُودِعت فيه المعرفة والسلطة في عدد صغير من الناس؛ من خلال الاختيار الإلهي. ونظرًا لأن أولياء الله ليسوا نخبة محدَّدة بالنَّسب كما هو الحال في تكوين السلطة لدى الشيعة المَحصور في أولئك المُنحدِرين مِن نسل النبي محمد، فقد مثَّلوا نموذجًا أكثر تغيرًا، ومن ثَمَّ أكثر قابليةً للتحوير، كان من المحتمل أن يجذب عددًا أكبر من المؤيدين نتيجةً لذلك. ولأنَّ أولياء الله هم وحدهم مَن يعلمون أنهم أولياؤه، فلم توجد من الناحية النظرية طريقةٌ للتأكُّد مما إذا كان مَن يزعم أنه من أولياء الله وليًّا له فعلًا أم لا. وكما هو متوقَّع، فقد زعم التُّستَري أنه نفسه «قطبُ» الكون الذي يقف في قلب الهرمية الكونية هذه لأولياء الله الذين اختارهم الله منذ الأزل.

على الرغم من أن تفسير التُّستَري للقرآن يعجُّ بالرؤى والاستنباطات الغريبة، فقد مثَّلت تعاليمه أيضًا مصدرًا عقائديًّا للتوجهات البالغة التسلُّط، التي سنشهد كيف أنها ازدهرت مع سعي الصوفيين إلى كسب مزيدٍ من النفوذ في القرون التالية. وفي زمن التُّستَري، أكسَبَه زعمُ كونه من أولياء الله استحسانَ الآخَرين ودعمهم، ويبدو أنه اضطرَّ للهروب من مدينة واحدة على الأقل نتيجةً لذلك. وبينما تمكَّن التُّستَري من كسب عدد كبير من الأتباع في البصرة، انتقل أتباعه بعد وفاته إلى اتجاهات مختلفة، وأسَّس بعضُهم مدرسةً عقائدية مميَّزة أكثر من كونها مدرسةً صوفية، تُسمَّى السالمية، وانتقل البعضُ الآخَر إلى بغداد للالتحاق بالحلقة المتجمِّعة حول الصوفي التالي الذي سوف نتطرَّق إليه، وهو الجُنَيد صاحب فكرة «الصحو»؛ ومن ثَمَّ، فما نشهد لم يُصبح بعدُ حركةً صوفية متماسكة على نحو كامل، بل مجموعة من الحلقات المتمايزة، لكن المُتقاطعة المجتمعة حول شيوخ مُنفرِدين. وكما نرى في حالة أتباع التُّستَري والجنيد، ففي العراق على أقل تقديرٍ كانت تحظى هذه الحلقات بقدرٍ معقول من التفاعُل الاجتماعي بعضها مع بعض، وهذا التفاعُل سيَخلُق تدريجيًّا على مدار القرنين التاسع والعاشر حركةً صوفية أكثر تماسُكًا، تَتشارك في بعض الأفكار والمُمارسات.

بحلول القرن العاشر، نكون قد تجاوزْنا بالتأكيد المرحلة التي كان يمثِّل فيها مصطلحُ صوفي مجرَّدَ لقب لخليط متنوِّع من السالكين، وأصبح كثيرٌ من الأفكار والمصطلحات والمُمارسات الأساسية التي ستكون تقليدًا صوفيًّا خاصًّا قيدَ التكوين. إلا أنَّنا سنرى من خلال تناولنا للشخصيات القليلة التالية أن وجود الجدالات والخلافات يوضِّح أننا لم نصل بعدُ إلى وجود حركة متماسكة، وأنها ما زالت لا تَرقى لمنزلة التقليد.

(٦) الجُنيد البغدادي (المتوفَّى عام ٩١٠)

على النقيض من الخراز والتُّستَري اللذَين سافرا كثيرًا على الرغم من قضاء أكثر فترات حياتهما المهنية نشاطًا في العراق، فقد كان الجُنيد إلى حدٍّ كبيرٍ مواطنًا طويلَ الإقامة في بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية.46 اشتُهِر الجنيد بلقب الخزاز، وهذا يخبرنا أنه كان يكسب قُوتَه من العمل كتاجر للحرير، وهذا يُشير مرةً أخرى إلى الخلفية المِهَنية الحضرية. إن دراسته المبكرة للفقه الإسلامي — الذي كان فرعًا معرفيًّا ناشئًا في ذلك الوقت — جعلته بحقٍّ في قلب الاتجاه الفكري السائد في بغداد في زمنه أكثر من غيره من الشخصيات التي تناولناها. وتتَّضح هذه المؤهلات العلمية مِن عددِ الرسائل التي كتَبها — التي تَزيد عن ثلاثين بحسب إحدى الروايات — ومعرفتِه بالنقاشات الواسعة النِّطاق التي كشفتها. سعى الجنيد مثل الخراز والتُّستَري إلى بناء تعاليمه (واستقائها في واقع الأمر) من المصدرَين أنفسهما اللذَين استُخدِما لوضع قواعد الشريعة، وهما القرآن والحديث.47 ومثلما يؤكِّد الكثير من كتابات الصوفيين المتأخِّرين الذين أتوا من بعده على التناغُم بين البُعد «الباطني» أو الداخلي، والبُعد «الظاهري» أو الخارجي للوجود، فقد كانت تعاليم الجنيد المتعلِّقة بطبيعة الروح مُتمِّمةً لقواعد الشريعة، وليست بديلة لها. فبالنسبة إليه، لم تكن «الطريقة» أو المنهج سوى التحقيق الكامل للمَبدأ الأساسي في الإسلام المُعلَن في أذان الصلاة، أَلَا وهو: «لا إله إلا الله.» ذلك المبدأ المعروف بمبدأ «التوحيد» — أيْ وحدانية الله في مقابل «التثليث» عند المسيحيين — الذي يُعدُّ المبدأَ الأكثر أساسيةً في المبادئ الإسلامية، والذي كان في نظر الجنيد أساسَ مسعى كلِّ الصوفيِّين. ولم يكن كافيًا مجردُ الشهادة بوحدانية الله باللسان، أو القبول بها بالعقل، بل كان لازمًا العيش بها واختبارها كواقع.48 واعتمادًا على الفكرة القرآنية نفسِها القائلة بوجود الميثاق، التي ناقَشَها التُّستَري في البصرة في الوقت نفسه، زعم الجنيد أنَّ الأرواح البشرية تَتُوق إلى حالة الوجود الأصلية؛ حيث كانت في حالةِ وجودٍ سابق لفرديتها في الله.49 وعلى غرار التُّستَري مرة أخرى، قال الجنيد إنَّ الطريق إلى استعادة هذه الحالة الأصلية يتمثَّل في عملية «فناء» الروح الفردية الدُّنيا أو النفس. ويقول الجنيد مُتحدِّثًا عن تجربته الشخصية فيما يتعلَّق بهذا الفناء: «استحوذتْ عليَّ رؤيةٌ طاغية، ووهج برَّاق، حفَّزا فيَّ حالةَ فناء؛ ممَّا جعلني أُخلَق من جديد بالطريقة نفسها التي خلقني الله بها عندما لم يكن لي وجود.»50
وتطويرًا لمفهوم أساسي آخَر سيُصبح منسجمًا لاحقًا مع نموذج الطريقة الذي رأيناه بالفعل، والذي يتكون من مجموعة من «الأماكن» التي تميِّز السبيل إلى «الفناء»؛ أوضَحَ الجنيد أن السالك سيمرُّ بمجموعة من «الأحوال» (أي الحالات) المؤقَّتة، ولكن التصاعدية. لكن في الفكر الذي سيجعل الجنيد في منزلة مميزة لدى الأجيال التالية من الصوفية، أوضَحَ أيضًا أنه على الرغم من أن حالات النشوة والذهول كانت جزءًا من الطريقة، فإنَّ السالك الذي شهد «البقاء» بعد أن أفنى نفسه في الله لم يبقَ في حالة الإثارة المؤقتة تلك، بل تجاوَزَها وصولًا لحالةِ «صحوٍ» أعلى ودائمة.51 لذلك، كانت أعلى حالات القُرْب من الله مصحوبةً بالسلوك الخارجي المحافظ، الذي يَستطيع المسلمون العاديُّون تمييزَه بوضوح عن حالات النَّشوة المتَّسمة بالهذَيان أو مَظاهر التقشُّف التي تميِّز الأشخاصَ الأقل قُرْبًا من الله.
كان الجنيد، مثل غيره من الصوفيِّين في زمنه، يضع تعاليمَه في سياق الجدالات المُحتدمة حول الاعتقاد والسلوك الصحيحَين. كان أحد أطراف تلك الجدالات الواعظ البغدادي أحمد غلام خليل (المتوفَّى عام ٨٨٨)، الذي قيل عنه إنه في عام ٨٧٧ وجَّه اتهاماتٍ صريحةً بالزندقة إلى ما يزيد عن سبعين من أتباع الصوفيِّين من أمثال الجُنيد؛ مما مثَّل عقبات كبيرة أمام انتشار تعاليمهم التي بدَتْ مُعارِضة لكلمات القرآن أو الحديث بصفة خاصة.52 وتعود أهمية تقديم معتقد الصحو — الذي يعني الالتزام بالشريعة وضبط النفس ورباطة الجأش — جزئيًّا على الأقل أيضًا إلى كونه ردًّا على القصص الشائعة عن السالكين وأقوالهم فيما يتعلَّق بحالة النشوة الدينية التي كانوا يَصلون إليها، والتي كانت تصل بغداد من أقاليم الإمبراطورية الإسلامية. وكثيرٌ مِن هذه الشائعات المتعلقة بالعمالقة الروحانيين الجذَّابين والغامضين كان مُتعلِّقًا بشخص يُقال له أبو يزيد (المتوفَّى عام ٨٧٥) من مدينة بِسْطام، الواقعة في الريف الإيراني البعيد أقصى شرق بغداد. إنَّ ما نعرفه عن أبي يزيد (الذي يُعرف أيضًا باسم بايزيد) قليلٌ نسبيًّا، إلا أن كثيرًا من «العبارات الخاصة بالنشوة» التي تَندرج تحت ما يُسمَّى «الشطح»، والتي زُعم أنه قالها أثناء قُرْبه النشوان من الله؛ جمَعه أتباعه، ونُقِل إلى المسافرين على طريق التجارة عبر بِسطام، ونُوقِش في النهاية في الحلقات الدينية الرفيعة في بغداد. ومن الناحية الجغرافية والروحانية أيضًا، كان المُفكِّرون الحضريون في العاصمة يرون أن أبا يزيد البسطامي يمتلك جاذبيةَ ساكنِ الحدود غير المتقيِّد بأعراف المدينة، والذي لا يخشى المُجاهَرة بإثارة اكتشافاته. مثَّلت نوعية العبارات التي زُعِم أنه قالها — مثل: «سبِّحوني كما لو كنتُ أنا الله.» و«انسلختُ من نفسي كما تَنسلخ الحية من جلدها، ثم نظرت إلى نفسي فإذا أنا هو!» — ملخَّصات بليغة لما كان يقوله تقريبًا صوفيُّو بغداد الأكثر مبالَغةً وحذرًا في نظرية الفناء والبقاء في الله خاصَّتهم، لكنهم كانوا يتجنَّبون قوله بهذه الصراحة.
إنَّ قصة تعلُّم أبي يزيد البِسطامي على يد رجل يُدعَى السِّندي (نسبةً إلى بلاد السند الواقعة في شمال الهند)، ستقود أحد الباحثين المُعاصرين إلى الزعم بأن تعاليم أبي يزيد كانت «واحدية» مأخوذة من مصادر هندية — أيْ إنها «فلسفة فيدانتا في عباءة إسلامية» — وكذلك الزعم بأنَّ هذا التأثير الهندي غيَّرَ إلى الأبد اتجاهَ الفكر الصوفي.53 ومن الراجح إلى حدٍّ كبير أن صوفيِّي بغداد لم يتأثَّروا كثيرًا بمُعتقَدات الآخرين، وأنهم أدركوا (لا سيما الجنيد) أنَّ هذا الرجل الجامح البسطامي لن يساعدهم في قضيتهم بين أوساط النخبة المثقفة الحضرية. وإذا كانت الفكرة التي روَّجها الصوفيون المتأخِّرون، القائلة بأنَّ أبا يزيد والجنيد أسَّسا مدرستين مختلفتَين هما مدرسة «السُّكر» ومدرسة «الصَّحو»؛ مبالَغًا فيها على نحوٍ مؤكَّد، فإننا يُمكننا على الأقل رؤية الاختلافات الناشئة عن طريق الاتجاهات العقائدية والأنماط السلوكية.54
مرة أخرى، نُذكِّركم بأن الصوفيِّين لم يكونوا مجرد متصوِّفين يبنون تعاليمهم على التجربة المتسامية، بل كانوا أيضًا مُفكِّرين عامِّين يشاركون في الجدالات البارزة في زمنهم. كانت الأعمال المكتوبة التي تركها لنا الصوفيون الأوائل عبارة عن إنتاجات خطابية تكوَّنت من اشتراكِهم في الجدالات الشفهية واقتباساتِهم من المراجع المكتوبة، إلا أنها كانت أيضًا نتيجةً لمُحاوَلاتِ ربطِ كلماتِ هذا الخطاب وأفكارِه بالتجارب الفردية بطريقةٍ توضِّح تلك التجارب، لكنها تَرفض (على الأقل في حالة المُحافظين مثل الجنيد) أن تسمح لهذه التجارب الخاصة بزعزعة الأسُس الشرعية والسياسية للحياة الاجتماعية الجمعية. واتِّباعًا لهذا التوسُّط الحكيم، فقد كان الجنيد حَذِرًا في مناقَشة موضوع أولياء الله. وعلى غرار التُّستَري، كان الجنيد يرى أن هذه النخبة موجودة بالفعل، وتحظى بسُلْطة على عوام المسلمين العاديين. إلا أن الجنيد رأى أن الصَّحوَ المُقترن بحالة «البقاء» في الله جعل الصوفي المُتحقِّق مُتشابِهًا خارجيًّا مع عالَم الشريعة:
إنه أحدُ الخبراء في الشريعة، والحلال والحرام، ومن أفضل العارفين بكل الأمور المتعلِّقة بالإسلام. إنه يسير على خطى الأنبياء ويتَّبِع أسلوبَ حياةِ الأولياء والصالحين، ولا يضلُّ ويتَّبِع البِدَع (تلك البِدَع التي لاقت قدرًا من الرَّواج في الإسلام على الرغم من كونها مناقِضةً له)، ولا يمتنع عن قبول التقليد الإسلامي المُجمَع عليه … ويرى أنه لا بد من طاعة المَرجع، وإلا فإنه سيعزل نفسه عن جماعته. ويرى أن التمرُّد على المرجع من أفعال الجاهل …55

إن هذا الموقف المحافظ لا يعني أن مسيرة الجنيد كانت خاليةً من الخلافات، لكنْ بدلًا من أن نرى أن تطوير الصوفيين الأوائل لطريقتهم كان مُعارِضًا في جوهره للمُدافعين عن الشريعة والدين الإسلامي الحنيف، يجب أن نُدرك أنه لم يكن هناك اتفاقٌ إلا على أمور قليلة (حتى إنه كان هناك اختلافٌ كبير حول الطرق التي كانت تتشكَّل الشريعة من خلالها). وفي سياقٍ كوَّن فيه المدافعون عن فكرة المجتمع المسلم المُتماسك بفضل الالتزام بالسنة النبوية مفهومَ «الإجماع» (أي الموافقة الجماعية للعلماء) باعتباره نوعًا من أنواع السلطة القائمة على شبه المساواة؛ حاوَلَ الجنيد التوفيقَ بين فكرة السلطة المأخوذة من العلاقة الخاصة مع الله التي يتبنَّاها نخبة الأولياء، وبين التيار الفكري السُّنِّي الناشئ. فمن خلال تصرُّف أولياء الله تمامًا مثل بقية أفراد طبقة العلماء، وعدم مخالفة إجماعهم، سيكون دورهم مُقتصرًا فقط على نُصح الناس بالوفاء بالتزاماتهم الاجتماعية والشرعية العادية، وعدم الإخلال بها. لم يكن الصوفيُّون من أمثال الجنيد مُتصوِّفين مُنعزلين ومُستغرقين في تأمُّل ذواتهم، بل كانوا مشاركين فاعلين في تكوين المجتمع الإسلامي؛ ومن ثَمَّ اشتركوا في جدالات عامة عنيفة تدور حول العلاقة بين السلطة والمسئولية، والسلوك والرضا. لكنْ وكما سنرى عندما نتناول بعضًا من مُعاصري الجنيد الأقل تبنِّيًا لمبدأ الصحو، سنجد أن تجربة الشعور بالقرب من الله وما تتضمَّنه من شعور بالاختيار الإلهي لم تكن في كل الأحوال سهلةَ الترويج.

(٧) الحلَّاج البغدادي (المتوفَّى عام ٩٢٢)

أشهر صور هذا التوتُّر الناشئ بين السلطة القائمة على الإلهام الشخصي والسلطة القائمة على الإجماع، هو ما نراه في حياة حسين بن منصور، المعروف بالحلَّاج (وكلمة حلَّاج تَعني الشخص الذي يَندِف الصوف).56 وُلِد الحلَّاج في جنوب إيران حوالي عام ٨٥٧، وأصبح تابعًا للتُّستَري، ثم لشيخ صوفي آخَر في البصرة يُدعَى عمرو بن عثمان المكي قبل التحاقه بحلقة الجنيد في بغداد. يَبدو أنه كان عاجزًا عن الالتزام بأن يُصبح مريدًا لأيٍّ مِن هؤلاء الشيوخ؛ ربما بسبب أنه كان يطمح في جذب أتباعٍ لنفسه. لقد كان الحلاج كثيرَ التَّرحال للغاية حتى مقارَنةً بأكثر مُعاصِريه ارتحالًا؛ فلم يتجوَّل عبر إيران فحسب، بل وصَل أيضًا إلى أقاصي التوسُّعات الإسلامية في آسيا الوسطى والهند. في هذه الرحلات اختفى الحلاج من آفاق التوثيق التاريخي المَحدودة، لكنَّه معروفٌ لنا على نحوٍ أساسيٍّ من خلال وجوده في عاصمة الأدب والفكر في العالَم الإسلامي في هذا الوقت؛ حيث أثار جدلًا كبيرًا حول آرائه في بغداد، وأُعدِم هناك في النهاية عام ٩٢٢. ومثل بقية ضحايا الفكر، كان إعدامه تتويجًا لمسيرته؛ إذ ضمنَ تخليدَه على يد كثيرٍ من كُتَّاب السِّيَر الذاتية والشعراء الصوفيِّين في القرون اللاحقة، الذين سيتذكَّرونه فيما بعدُ باعتباره شهيدًا عظيمًا أُعدِم بسبب الحديث عن حقيقة الحب الإلهي.

في الواقع الأليم، كانت الصورة بالتأكيد أكثر تعقيدًا وربما أقلَّ جاذبيةً؛ فعلى الرغم مِن أنَّ الحب الإلهي النشوان كان جزءًا من تعاليم الحلاج، ويظهر على نحوٍ جليٍّ في الشعر المؤثِّر الذي كتبه، فإن كتاباته النثرية — التي ظلَّت لفترة قصيرة — تُشير إلى قُدرةٍ فكرية أكبر على الاستفادة من الأفكار التي طوَّرها شيخُه السابق التُّستَري. وكما رأينا، فقد حازت فكرة الفناء في الله على انتشارٍ كبير في حلقات الصوفيِّين التي تردَّد عليها في بغداد والبصرة، وكذلك فكرة وجودِ علاقة خاصة بين الله ونخبةٍ تُعرَف ﺑ «الأولياء». ورأينا بالفعل كيف كوَّنَ مُعتقَدُ الأولياء نموذجَ سلطةٍ خاصًّا؛ إذ قُدِّم الوليُّ على أنه يتمتَّع بقُرْب خاص من الله، لا يُمكن أن يحقِّقه أيُّ قدرٍ من حفظ القرآن أو الحديث. أما من ناحية الاستفادة الاجتماعية من هذا المُعتقَد، فإنَّ مَن زعموا أنهم أولياء مثل التُّستَري لم يستخدموا المكانةَ التي وصلوا إليها من خلال الاختيار الإلهي إلا في جمع حلقات صغيرة من السالكين المتشابهين معهم في التفكير حولهم؛ أما في حالة الحلَّاج، فقد بدأنا نرى الاستفادة من المَقدرة الاجتماعية الكاملة لهذا المُعتقَد، من خلال تطوير زعمِ الوِلاية بالإظهار الخارجي له عن طريق صُنْع الكرامات. وعندما تعلَّقَ الأمر بجذب عدد أكبر من المُريدين، كان لتلك الأدلة القائمة على صنع المُعجزات لإثبات المكانة الخاصة قدرةٌ أكبر على الحشد، وقد حقَّقَ صنْعُ الحلاج العلني لهذه المعجزات هذا الأمر بالضبط. لم يكن الحلاج أولَ مسلم يُعتقَد أنه يَمتلك القدرةَ على صنع المعجزات، وكان يوجد بالفعل عددٌ كبير من الحكايات عن المعجزات التي صنَعها الأولياء السابقون والأنبياء، إلا أنَّ الحلاج كان أولَ صوفي بارز يَضمُّ هذه المهارةَ إلى سجلِّ مهاراته. وعلى غرار الماركسي الذي يَنتقل من قاعةِ ندواتٍ إلى منصَّةٍ في تَجمهُر خلوي، فإنه في جَمْعه للكثير جدًّا من الأتباع في هذه الأثناء قد غيَّرَ جذريًّا الأمورَ التي كانت مثارَ جدل في تعاليم الصوفيِّين.

وكما هو مُتوقَّع، فإنَّ الأتباع الكثيرين جدًّا الذين جذَبهم الحلاج إليه جعلوه محطَّ اهتمامِ سُلطات الدولة في بغداد، التي كانت مزاعمُ شرعيتها — التي أصبحت مُبتذَلة نسبيًّا — في ذلك الوقت تتضاءل مع كل جيل من الأفكار الجديدة. وعلى الرغم من أنَّ أسباب القبض على الحلاج وإعدامه في النهاية تضمَّنت مزيجًا كارثيًّا من المواقفِ السياسة الحكومية والصراعِ مع النُّخَب المثقَّفة، فإن ما جعل الموقف أكثر سوءًا كان عبارات الحلاج المُتجاوزة، التي ظلَّ بعضُها موجودًا في كتاباته، وظل بعضُها الآخَر في اقتباسات موجودة في أعمالٍ كتَبَها غيره. في هذا الصدد، تجاوَز الحلاج النقاشَ السابق المتعلِّق بفناء النفس في الله، ليَزعُم أنه نظرًا لأنه لم يتبقَّ شيء الآن من منصور الحلاج، فإن مَن يتحدَّث من خلال شفتَيْه هو الله؛ فنفْسُ الحلاج قد فارقَتْه لتترك فقط رُوحَ الله تسكُن جسده أثناء سيره بين الشوارع والناس في بغداد. في أكثر مَزاعمه شناعةً — التي تَكتسب قدرًا أكبر من الأهمية بسبب اعتقاد المتأخِّرين أنه قالها بالفعل، وليس لوجود دليل مؤكَّد على قوله لها — استخدم واحدًا من أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين ليقول عن نفسه: «أنا الحق.» ليُعلن نفسه فعليًّا أنه الله. بل الأغرب من ذلك أنه أعرَبَ عن تعاطُفه مع الشيطان، الذي رأى رفضَه للسجود لآدم فيه نوعٌ من الولاء البطولي لله؛ نتيجةً لرفضه الانحراف عن استغراقه في عبادة الله الواحد.57 على الرغم من ذلك، فإنَّ السبب الرسميَّ لإعدام الحلاج كان أحدَ التعاليم المنسوبة إليه، الذي يقضي بأنَّ الحجَّ إلى مكة، الواجبَ على كل المسلمين القادِرين على أدائه، يُمكن أيضًا أداؤه رمزيًّا حول طاولةٍ في المنزل. ومن الناحية الضِّمنية، فإنه كان يقول إن البُعد الرمزي أو الباطني للواجبات الدينية أكثر أهميةً من الأداء الفعلي أو الظاهري لها. كان هذا المبدأ في حال تعميمه يُهدِّد النسيجَ الكامل للتكاليف والواجبات التي على أساسها كان يتطوَّر المجتمعُ الإسلامي على مدار القرون الثلاثة السابقة. ومع تزايُد عدد الأتباع، أصبحت آراءُ الصوفيين تحمل أهميةً كبرى.

(٨) الصوفية في العراق في أواخر القرن العاشر

مع مرور القرن العاشر تزايَدَ عدد الشيوخ المعروفين بالصوفيين، الذين كانوا يجذبون أتباعًا لهم في العراق، وقد كتَبوا أعمالًا استفاضوا فيها في شرح المصطلحات والمفاهيم التي شهدنا تطوُّرها في كتابات الخراز وغيره. وكما هو الحال مع الشيوخ الذين تناولناهم، والذين كانوا يُطلِعون السالكين على كيفية القُرب من الله ومشاركته في علمه وفي قوته في بعض الأحيان، كان لهذه المُعتقَدات تبعاتٌ اجتماعية وسياسية هائلة، حتى لو أنها في ذلك الوقت لم تكن قد تحقَّقت إلا بالمعنى السلبي المتمثِّل في إعدام الحلاج. ولعلَّ أوضحَ مثال على ذلك العراقيُّ محمد بن عبد الجبار، المعروف باسم النِّفَّري (نسبةً لمدينة نِفَّر) المتوفَّى بعد عام ٩٧٧، والذي لا يتوافر عن سيرته الذاتية إلا القليل.

في كتاب «المواقف» اعتمد النِّفَّري على النزعة الصوفية — التي شهدنا نشأتها فيما سبق — إلى تأويل «المقامات» أو «الأحوال» الكثيرة الموجودة على الطريقة الصوفية. طوَّر النِّفَّري فكرةً تقول إن الطريقة تحتوي أيضًا على «مواقف» (أيْ نقاط توقُّف)، وهي على الرغم من أن بعض المسافرين من الممكن أن يتجاوزوها، فإنها في الواقع أماكن يَكشف فيها الله جوانبَ مختلفة عن نفسه للسالكين الشديدي التقوى، الذين يتحلَّون بالصبر. وفي إشارةٍ إلى أن السالكين الآخَرين فاتَتْهم تلك «المواقف»، أخذ النِّفَّري يصف بتفاصيلَ مدهشةٍ الكشوفَ التي منَحها الله له في كلِّ موقف من هذه المواقف، التي لا تقلُّ عن سبعٍ وسبعين، بادئًا مناقشةَ كل «موقف» بزعم صريح يقول: «أوقفَني الله وقال لي …»58 بالنسبة إلى النِّفَّري، كانت هذه التجربة الرُّؤيوية المُكتسَبة في تلك المواقف أعلى من تعلُّم الكتب، وكذلك مِن المَعرفة المباشِرة المكتسَبة على عجل، التي يَزعم الصوفيُّون الآخَرون أنهم حصلوا عليها من الله. في هذه العروض المُتزايدة التفاصيل لطبيعةِ ومدى الرحلة إلى الله، لن يكون من المستبعَد رؤيةُ نوعٍ من محاوَلة إظهار الأفضلية الروحانية على الغير. ويَرى النفَّري أن التمكُّن في المواقف في هذه الرحلة له مكافأةٌ عظيمة؛ إذ يَستطيع السالك أن يكتسب من هذه المواقف قُدرةَ الله على الخلق، فيأتي بالأشياء إلى الوجود. وحتى في هذه المرحلة المُبكِّرة لم تكن القدرة على صنع المعجزات — أي القدرة على صنع أشياء لا يَستطيع فعلها حتى أقوى الرجال — بعيدةً مُطلقًا عن اهتمامات الصوفيِّين.

قبل أن نَنتقل لاستعراض المنطقة الجغرافية الرئيسية الأخرى التي تكوَّنت فيها الصوفية، جديرٌ بنا الانتظار قليلًا لإلقاء نظرةٍ على التطورات التي حدثت في العراق في نهاية القرن العاشر. بدايةً، لقد رأينا تطوُّرًا من فترةٍ كان فيها مصطلحُ «صوفي» أو «لابس الصوف» مجردَ لقب لخليط غامض من السالكين، إلى فترةٍ استُخدِم فيها المصطلح للإشارة إلى طريقةٍ محدَّدة لاكتساب المعرفة أُطلِق عليها صوفية؛ وهذا يَعني أن المصطلحات اكتسبت معنًى جوهريًّا ومحدَّدًا أكثر؛ ففي السابق كان يوجد فحسب أشخاصٌ يُطلَق عليهم صوفيون، والآن أصبحت توجد طريقة عملية ونظرية يُطلَق عليها الصوفية. كانت العوامل التي أتاحت هذا التطور عديدة، بعضُها اتَّضح بعد قرون، وبعضها كان أكثر غموضًا. أما العامل الأكثر وضوحًا، فكان إنتاجَ نصوصٍ طوَّرَ فيها الصوفيون المصطلحاتِ المفاهيمية التي فسَّرت أفكارَهم وأوضحَتْ تجاربهم وتجارب مُريديهم، وربطتهم بمصادر المعرفة الشرعية المتمثِّلة في القرآن والحديث. وبحلول القرن العاشر تقريبًا، تراوحت أنواع النصوص الصوفية ما بين تفسيراتٍ للقرآن، ورسائلَ حول موضوعات معيَّنة، وشعرٍ عاطفي، وخطاباتٍ توجيهية، وأقوالٍ مأثورة مُوحية، وسردٍ لتجارب رؤيوية. وفي كثير من الحالات، كانت تلك الأعمالُ البالغةُ التعقيدِ والإيحاءِ، في أغلب الأحيان، إبداعاتِ نخبةٍ مثقفة تكتب لأتباعها. وفي فترةٍ كانت السلطة الشرعية والأخلاقية على المجتمع الإسلامي يكتسبها تحديدًا أولئك المتعلمون الذين أطلَقوا على أنفسهم لقب «علماء»، كانت هذه المكانة الاجتماعية للمنهج الصوفي الجديد مُناسِبةً للغاية.

هذا لا يعني أن الأتباع الأوائل للصوفيِّين كانوا كلهم أعضاءً في هذه النخبة المثقفة الحضرية؛ لأنَّ كثيرًا من الأشعار والأقوال المأثورة والقصص التي ظهرت في الكتابات انتشرت بسهولة بين غير المتعلِّمين من خلال الحفظ والكلام. بل المقصود أنه لولا مساعدة هذه النخبة المثقفة ذات النفوذ المتزايد، لَأصبح استمرارُ الصوفية بعد هذه الفترة وتوسُّعها خارج العراق أكثرَ صعوبةً. إن الكتابات التي أنتجها مثقَّفو العراق كانت فعَّالةً في حد ذاتها في العملية التي من خلالها انتشرت واستمرت الصوفية؛ فهي لم تنقل الأفكار عبر الزمن فحسب (حيث اكتسبت تلك الإنتاجات مكانةً أكبر مع مرور كل جيل من الأجيال، باعتبارها من نتاج عصر روحاني ذهبي)، بل نقلتْها عبر المكان أيضًا (حيث نشَرت طريقة بغداد الجديدة الرائجة في أقاليم إمبراطوريتها). وبقدر ما يُمكن اعتبار الصوفية نوعًا من «التصوف» تَحظى فيه التجربةُ بأهمية بالغة دائمًا، فعند تحديدِ سببِ نجاحها لا بد أن نُدرك أن الأمر كان أيضًا يرجع إلى حد كبير للكتابات. وبالنسبة إلى المؤرِّخين على الأقل، فإن تلك الأعمال أكثر أهميةً؛ لأنه عند انقضاء هذه التجربة الخاطفة يَبقى ما يُكتَب عنها؛ فكما يُقال: «الحروف المكتوبة تبقى.»

وفي حين أننا يجب ألا نتجاهل أهمية التجربة الروحانية الفردية ومحاولات التفسير الإبداعي، فقد كانت عمليات الكتابة «الخطابية» بالغةَ الأهمية؛ لأنَّ الصوفيِّين الأوائل حرصوا عند بناء مُعتقَدهم الصوفي على المصطلحات والنصوص التي كانت مفهومةً للمُسلمين الآخَرين في هذه الفترة، على أن تكون تعاليمُهم محترمةً ومن الممكن فهمها على نحوٍ كافٍ كي تستمرَّ في الأجيال المُستقبلية، وتكون مرتبطة بفروع المعرفة المُعترَف بها الأوسع نطاقًا. وعندما دخلت التجربة إلى المُعادَلة، لم يكن مسموحًا لها أن تظلَّ نقية وغير قابلة للوصْف، بل كان لزامًا تفسيرها وفهمها من خلال المُصطَلحات الخاصة التي صاغها الصوفيون الأوائل في كتاباتهم وكان مصدرها القرآن بصفته وحيًا مُعبَّرًا عنه بالكلمات.59 إن هذا التطوير المبكِّر للمصطلحات الخاصة بالمُعتقَد والممارسة التي تكتسب قوتها من كونها شرعية، سنرى أهميتَه الصرفة لاحقًا في عملية «الازدواجية اللغوية» المُتكرِّرة، التي من خلالها اقتُرِضت المصطلحات العربية الأصلية هذه، واستمرَّت في كثير من اللغات الأخرى التي سيتحدَّث ويكتب بها الأجيال اللاحقة من الصوفيين. إنَّ الإنتاج النصِّي للصوفيِّين الأوائل في بغداد، سواء أُخِذ ككتب كاملة أو كعناصر مكوَّنة من خلال المصطلحات الشرعية الواسعة النطاق، قد أوجَدَ أحد المصادر الأساسية التي من خلالها ستكون الأجيال اللاحقة من الصوفيِّين «تقليدًا»؛ أيْ مجموعة من المعتقدات والممارسات تستمِدُّ الشرعيةَ والمكانة من علاقتها بالماضي المقدَّس. وإذا كانت النصوص هي أحد المصادر، فإنَّ شخصيةَ مُنتِجي هذه النصوص تُعدُّ مصدرًا آخَرَ، وكما سنرى لاحقًا، فسوف تَستخدم الأجيال اللاحقة من الصوفيين حياةَ الصوفيين الأوائل في العراق لتكوين سلاسل تراجم نسبية، من خلالها يُمكن لأيِّ صوفيٍّ من الأجيال اللاحقة أن يَزعُم أنه وريثٌ لواحد أو أكثر من شيوخ بغداد والبصرة؛ لذلك، فإن الصوفيِّين في العراق في القرن التاسع لم يكونوا مهمِّين بسبب ما قدَّموه في عصرهم فقط، بل لأنَّهم كانوا أيضًا مصادر لتكوين التقليد الصوفي؛ ومن ثم، كانوا مُهمِّين نظرًا لما تركوه للعصور التالية عن طريق النصوص وهيئة الأسلاف.

بالنظر إلى الاتجاه الزمني المُعاكِس ومُقارَنة صوفيِّي هذه الفترة بحركة الزهاد في القرن السابق، يُمكننا أن ندرك أيضًا أن إضفاء الطابع الاجتماعي على الزهد كان على الأرجح أهم إنجازاتهم الأخرى، إلى جانب بحثهم عن طريقة تعبير مشروعة. فمن خلال تقديم طريق مُقنِع إلى الله بدلًا من تعذيب الجسد والانصراف عن الحياة الاجتماعية والزواج وحيازة الأملاك، الذي كان يُروِّجه «الزهاد»؛ قدَّم الصوفيُّون منتجًا دينيًّا لديه فرصة أكبر كثيرًا للتكرار والبقاء. ولم يكن الأمر هكذا فقط بسبب البديهيات العامة المتمثِّلة في أن أي مجتمع لا يستطيع إعالة سوى عددٍ محدود من الزهاد غير المنتجين اقتصاديًّا، وأنَّ حياة الزهد لن تلقى إلا قبولًا اجتماعيًّا محدودًا؛ بل كان الأمر كذلك نظرًا لسبب محدَّد ثقافي على نحو أكبر؛ ففي هذه الفترة وهذا المكان كانت «سُنَّة» النبي محمد آخِذة في تشكيل أساس النظرية الاجتماعية والأخلاقية، وبدأت تتضاءَل مشروعيةُ حياة الزهد الانعزالية مِن المنظور الإسلامي. لقد كان النبيُّ محمد ربَّ أسرة، وقائدًا لمجتمعه، وتاجرًا ناجحًا، ولم يَمنع أيٌّ من ذلك اختيارَه ليكون نبي الله. وعلى مدار القرون اللاحقة، أثبَت التراث الذي خلَّفته عملية إضفاء الطابع الاجتماعي على الصوفية المُبكِّرة هذه — والتي منحَت الصوفيِّين القدرةَ على محاكاة النبي من خلال زعم أنهم أولياء لله، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالفُرَص التي أتاحتْها لهم حيازة الأملاك، وتكوين العلاقات الاجتماعية، والتناسل — أنه كان ضروريًّا في مَنحهم القدرة على ترسيخ أنفسهم في كل جانب تقريبًا من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمُجتمعاتهم.

حتى الآن لا نَعلم إلا القليل عن النسق التنظيمي للصوفيِّين في هذه الفترة المبكِّرة، الذين يبدو أنهم تجمَّعوا في حلقات صغيرة حول شيوخهم على نحوٍ مثَّل انعكاسًا لتجمُّعات العلماء المسلمين الآخرين في هذا الوقت.60 ولا نرى دليلًا على التحوُّل من «حركة» صوفية تضم شيوخًا ومُريدين مُتشابهين في التفكير — والتي تكوَّنت بحلول القرن الحادي عشر في العراق — إلى «تنظيم» صوفيٍّ يَمتلك قواعد جماعية مميزة، وهياكل بنيوية خاصة به؛ إلا عند الالتفات إلى التطورات التي حدثت في أقصى الشرق.

(٩) البدائل الشرقية: التنافُس والاندماج في خراسان

لم يكن الصوفيون على الإطلاق المسلمين الوحيدين الذين طوَّروا أساليبَ معرفيةً باطنية وتصوُّفية في العراق، إلا أنَّ ما شاهدْناه كان بداية صعودهم التدريجي والمحسوب هناك عندما حلُّوا محلَّ حركة زهدية هامشية (كانت تستمدُّ سلطتها من السيطرة على الجسد)، وانحازوا إلى حركة العلماء السائدة (التي تستمدُّ سلطتها من الفهم الصحيح للكتاب والسنَّة). وعندما نلتفت إلى المنطقة الشرقية من الدولة العباسية، المعروفة باسم خُراسان (وهي كلمة تعني «الأرض التي تُشرق منها الشمس»)، سنرى الاحتكاك التدريجي بين ما كان في البداية مجموعةً من التطورات الدينية المُتوازية والمُنفصلة تمامًا، وبين الحركة الصوفية النابعة من مركز الإمبراطورية في العراق، واستحواذ الصوفية على تلك التطوُّرات في نهاية المطاف. ومن المهمِّ أن نُميِّز بين تلك الحركات المختلفة، وأن نُدرِك عملياتِ التنافُس والتوافُق التي تفاعَلتْ خلالَها تلك الحركات، وإلا فسنقع في الفخِّ نفسه الذي قاد الكثير من الأعمال السابقة التي تناولت الصوفية إلى تصويرِ أنها ظهَرت في الوقت نفسه تقريبًا، في نطاق عريض من الأماكن المُتباينة جغرافيًا. وعلى غرار الأعمال الحديثة الأخرى التي تحدَّثت عن بدايات الصوفية، فإن الصورة المقدمة في هذا الكتاب هي عمومًا صورة انتشار الأفكار والممارسات والمؤسَّسات الدينية (وفي هذا الصدد قدَّمت خراسان إسهامها الخاص).

وقعَت خُراسان — التي تضمُّ مناطق تقع اليومَ في شرق إيران وأفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى — في أيدي المسلمين خلال العقود الأولى من الفتوحات التي أعقبتْ وفاة النبي محمد عام ٦٣٢. وعلى النقيض من العديد من المناطق الغربية من الدولة العباسية الإسلامية التي كانت في السابق واقعةً تحت الحكم المسيحي البيزنطي؛ فقد كانت خراسان خاضعة للحكم الزرادشتي الفارسي، وضمَّت أيضًا جيوبًا ذات وجود بوذي ومسيحي. وكما هو الحال في الغرب، فقد كانت عملية التحولِ إلى النظام الإسلامي وإعادةِ الاستيطان طويلةً، وعلى الرغم من وصول نخبة حاكمة جديدة من المسلمين، فقد احتفظ كثير من ملَّاك الأراضي الناطقين بالفارسية الكبار في الرِّيف بنفوذهم. ومع انهيار القوة المركزية لبغداد في القرن العاشر، شعرت بعض المدن أيضًا بهذا التأثير الثقافي الفارسي.61 ولم يَحُلْ ذلك دون تطويرِ أنماطِ حياةٍ اجتماعية وفكرية إسلامية على نحوٍ صحيح في مدن الواحات الزراعية والتجارية الغنية في خراسان، وبقاءُ أيِّ نوعٍ من الثقافة الفارسية الصرفة التي لا يشوبها شائبة يَنتمي إلى تصوُّر القومية الحديثة. وإذا كانت مدن ودولة خراسان بعيدين عن مُستنبَت الإنتاج والجدل الديني للإمبراطورية الإسلامية في بغداد، فإنه مِن خلال بَذْر الأفكار الإسلامية في التربة الثقافية الخراسانية المميَّزة تمكَّنت مدن ودولة خراسان — بالرغم من ذلك — من إنتاج أنواع جديدة خاصة بها من الحركات الإسلامية. والسؤال الآن هو: ما علاقة هذه الحركات الخراسانية بالحركة الصوفية الناشئة في العراق، وكيف تفاعلت معها؟
على الرغم من أن كتب السِّيَر اللاحقة، من القرن الثاني عشر فصاعدًا، ضمَّت الكثيرَ من الشيوخ الخراسانيِّين الأوائل إلى التقليد الصوفي الذي كانوا يُحاولون تطويره في منطقتهم، فإنَّ الأبحاث المعاصرة أظهرت أنه قليلًا ما كان يوجد شخصٌ يُطلَق عليه «صوفي» في خراسان نفسها في القرن العاشر، وأنَّ القلَّة الذين كانوا يُطلَق عليهم هذا اللقب كانوا إما قد هاجروا من العراق وإما سافروا إلى العراق.62 وإذا كان الزهاد الخراسانيُّون القدماء في القرن التاسع لم يُسموا أنفسهم صوفيين، فإنَّ هذا الأمر ليس مفاجئًا على الإطلاق نظرًا لبُعْدهم عن المناطق الغربية التي انتشر فيها هذا اللقب، خاصةً إذا قبلنا الفرضيةَ التي تقول إنَّ مصطلح «صوفي» استُخدِم في الأصل باعتباره جزءًا من مصطلحات المسيحيين العراقيين.63 إنَّ الميل إلى الانصراف عن المجتمع الذي ميَّز الحركتين الأهم من الحركات الخراسانية المبكِّرة جعلهما مُتشابهتَين مع حركة الزهاد في سوريا والعراق (لكن غير مُرتبطتَين بها). كانت الحركة الأولى يُطلَق عليها الكرَّامية نسبةً لاسم مؤسِّسها أبي عبد الله محمد بن كرَّام (المتوفَّى عام ٨٧٤)، وفي أغلب الأحيان كان معاصرو أتباعِ هذه الحركة يَسخرون منهم بسبب شدة زُهدهم، ناعِتين إياهم بلقب «المتقشِّفة».64 لقد جمعت معتقداتهم بين الفهم الحرفي للنص القرآني، وزعْم أنَّ العمل والكسب المادي عقَبتان في طريق الوصول إلى الله. أكسَبَهم المزيجُ الناتج من تكوين صورة مجسِّمة جذَّابة لله، ووجودُ قيادة تُضاهي في فَقرها أفقر فلاح مِن أتباعِهم؛ قاعدةَ تأييد شعبية كبيرة في خراسان. وعلى الرغم من أنَّ قادة هذه الحركة تشابَهوا مع علماء العراق في امتلاكِ قدرٍ كافٍ من المعرفة بالقرآن، تسمَح لهم بجعلِ مصدر مُعتقداتهم القرآنَ والاشتراكِ في بعض الحالات في النقاشات العقائدية النابعة من بغداد؛ فقد كانت الحركة في نهاية المطاف حركةً للطبقات الدنيا التي ضمت سكانًا محليِّين معتنقين للإسلام، بدأ دخولهم إلى الأمة الإسلامية يتحدى التركيبة الاجتماعية للإسلام في خراسان، التي كانت موجودة سابقًا، باعتباره دينَ النُّخبة الإمبراطورية المهاجرة.65 ومنذ القرن التاسع وحتى القرن الثاني عشر، ظلت الكرَّامية قوةً مهمَّةً في الحياة الاجتماعية والدينية في خراسان. كان السببُ في هذه الاستمرارية والتأثير تكوينَ مُجتمَعاتِ رهبنةٍ كبيرة في أراضٍ خصَّصها أصحابها لهذا الغرض، حتى يتمكَّن قاطنوها من اتِّباع أمرِ ابن كرام بتجنُّب العمل وتكريس النفس للزهد والصلاة فحسب. ونظرًا لأنَّ عدد قاطِني هذه الأراضي كان يصلُ في بعض الأحيان إلى أربعة آلاف، فقد كانت الأماكن مؤثِّرةً على نحوٍ واضح. وعلى الرغم من أنه بحلول القرن الثاني عشر سيؤدِّي بزوغُ نجم الصوفيِّين في خراسان إلى أفول نجم الكرَّامية في نهاية المطاف، فإنه سيَثبُت التأثير البالغ للنموذج، وكذلك لأسماء المؤسسات المُبتكَرة — التي أشاروا إليها تارةً باسم «خانقاوات» (وهي كلمة فارسية الأصل)، وباسم «مدارس» تارةً أخرى — على تطوير الصوفيِّين لمؤسساتهم.66
الحركة المُنافسة الثانية في خراسان التي يجب أن نَتناولها هي «الملامتية»؛ أي «الساعون لِلَوْم أنفسهم»، والتي نشأت حول مدينة نيسابور في حلقة حمدون القصار (المتوفَّى عام ٨٨٥).67 بالإضافة إلى كون الملامتية مُناهِضةً للصوفيين الذين ظهروا في بغداد، فإنها على النطاق الأكثر محليةً كانت مُعارِضة على نحوٍ أساسي للكرَّامية الذين اعتبرَتْهم (تمامًا مثل رأي الصوفيِّين في «زهَّاد» العراق) مروِّجين مُرَائين للزهد، يقف استحسان الناس لهم عقبةً أمام التقوى الحقيقية. على النقيض من ذلك، فقد سعى الملامتية إلى تقريب أنفسهم من الله، عن طريق تدمير الذات من خلال تجنُّب أيِّ إظهار علَني للتقوى مِن المُحتمل أن يجذب الثناء المُثير للفخر، ومن خلال جعل الذات تتذكَّر الذكريات المُستحِقة للمَلامة والمُهينة للذات. وفي حين بدا أن الكرَّامية راقت للطبقات الدنيا من المُجتمع، فقد بدا أن الملامتية لقيَت رواجًا بين الطبقات الحِرفية الحضرية؛ حيث أتاحت لهم إمكانية العيش بتقوى دون التخلِّي عن العمل أو الحياة الاجتماعية.68 اشترك الملامتية بالتأكيد مع الصوفيين في بغداد في تلك الفترة في كثير من المُصطَلحات والأفكار، مثل تجنُّب «الرياء» والسيطرة على النفس، إلا أنه كانت توجد اختلافات حتى وسط هذه التشابُهات؛ فعلى النقيض من الصوفيِّين، اعتقد الملامتية أن النفس لا يُمكن تدميرها، وزعموا أنَّ أي تعبير علني عن الإنجاز الروحاني يُبطله على الفور. وإذا كان الملامتية يشكُّون — نتيجةً لذلك الاعتقاد — في مزاعم الصوفية بتدمير أنفسهم، ومن ثَمَّ إعلان أنفسهم أولياء مُقرَّبين لله، فإن تجنُّب الملامتية إظهارَ التقوى العلنية تركهم أيضًا غير راغبين في الاشتراك في الوعظ العلني و«الأمر بالمعروف» اللذين ربطا الصوفيين بالتيار السُّنِّي الناشئ.
الحركة الثالثة من الحركات الخراسانية اللازم تمييزها عن الصوفيين الأوائل في العراق كانت حركة الحُكَماء التي نشأت في مدينتَين من مدن الواحات؛ هما بلخ وترمذ، حول ما يُعرَف حاليًّا بالحدود الشمالية لأفغانستان. ونظرًا لنَجاح الصوفيِّين لاحقًا في ضمِّ قادة تلك الحركة إليهم، فإن مزاعم أن أعضاء تلك الحركة كانوا صوفيِّين على نحو صريح، وليسوا حركة محلية مُنفصلة، عادةً ما كان يَقبلها الباحثون المُعاصرون كما هي دون تحقيق. إلا أنه يوجد سببٌ لتصنيف مجموعة الرجال المعروفين باسم «الحُكَماء» باعتبارها حركة مُنفصلة في حدِّ ذاتها، وإن كانت أقل تأثيرًا وانتشارًا من حركة الكَرَّامية وحركة الملامتية.69 فعلى الرغم من أن الحركتَين السابقتَين اجتذبتا في العموم الفلاحين والحرفيِّين، ففي ضوء المعلومات القليلة التي نعرفها يبدو أن حركة الحكماء كانت ذات طابع «أرستقراطي» إلى حد كبير؛ فلم يكن قادتُها من مُلَّاك الأراضي بالوراثة فحسب، بل أعلنوا أيضًا أنهم من أولياء الله. في واقع الأمر، كان القادة فقط يُعتبَرون حكماء، ومن الواضح أن هذا اللقب كان لقبًا للقادة وليس لقبًا للأتباع. ومن أجل أغراضنا، فإن الشخصية الأكثر أهميةً بينهم هي أبو عبد الله محمد، المعروف باسم الحكيم الترمذي، الذي تُوفِّي في الفترة ما بين عام ٩٠٥ وعام ٩١٠.70 ومن الأسباب التي جعَلت الترمذي يَحظى بأهمية كبيرة في ذاكرة الأجيال اللاحقة، حقيقةُ أنه استطاع أن يترك طابعَه الخاص على التاريخ من خلال كتابة سيرته الذاتية؛ تلك السيرة التي تُعتبَر أمرًا غير لائق بالنسبة إلى المسلمين في فترةِ ما قبل العصر الحديث، بل تُعتبَر أيضًا متناقِضةً على نحوٍ شديد مع القيود المُهِينة للذات، التي وضعها معاصِروه من الملامتية والكرَّامية.71 وعلى غرار الصوفيِّين البارزين في بغداد، فقد حفظ الترمذي القرآنَ في سنٍّ مُبكِّرة، وأجاد دراسةَ الفقه الإسلامي والحديث، وزار كذلك البصرة ومكة. وعلى غرار «كتاب المَواقف» للنِّفَّري في العراق في الجيل اللاحق، فإن سيرة الترمذي المكتوبة بالعربية تُصوِّر تجاربَه الرؤيوية الخاصة بتفصيلٍ مدهش، بدايةً بحلمه بالنبي محمد وهو يدلُّه على الطريق في مدينته.72

الأمر الأكثر إثارةً في سيرته الذاتية هو طريقةُ وصفِ الأحلام التي رأت فيها زوجةُ الترمذي وأصدقاؤه المرتبةَ الروحانية العالية التي وصل إليها؛ بحيث قُدِّمت أحلام الآخرين باعتبارها دليلًا من طرفٍ ثالث على مكانة الترمذي كوَلِيٍّ، وهذه وسيلة يبدو أنها كانت ردًّا على منتقِديه الكثيرين الذين نعرف أنهم كانوا موجودين في مدينته. في الواقع، فيما يتعلَّق بتقديم مصادر أساسية للتكوين اللاحق للتقليد الصوفي، كان الترمذي في غاية الأهمية بسبب تطويره للنظرية الرسمية المعروفة باسم نظرية «الوِلاية».

في «كتاب سيرة الأولياء» استخدَمَ الترمذي الأسلوبَ التصنيفي نفسه الذي رأيناه في معالجة الصوفيِّين في بغداد لمقاماتِ وأحوالِ الطريقة الصوفية، وعمل فيه على تصنيف وترتيب الطبقات والأنواع المختلفة لأولياء الله؛ فقدَّم فكرة أنه مثلما يوجد «خاتم الأنبياء» (وهي المكانة التي يحتلُّها النبي محمد)، فإنه يوجد أيضًا «خاتم الأولياء» (وهي مكانة يبدو أن الترمذيَّ نفسه احتلَّها). وعلى الرغم من أنه سلَّم بأن الأنبياء ما زالوا أعلى مكانةً من الأولياء، فإن الأولياء من الناحية العملية لم يَمتلكوا فحسب معظمَ صفات الأنبياء الخارقة للطبيعة، بل أصبح لزامًا أيضًا — بسبب انتهاء النبوة بالنبي محمد بصفته خاتم الأنبياء — أن يهتدي البشر الآن بالأولياء الأحياء. إلا أنَّ وجود الأولياء على الأرض ليس الهدف منه مساعدة أتباعهم، بل ليؤدِّبوهم ويُعاقبوهم؛ فالولي هو «موضع نظر الله المُتسامِح، وسوطه في خلقه.»73 وفي كتابات الترمذي، نرى أن مزاعم التجربة الرُّؤيَوية لم تكن مجرد شهادات عن الخلاص الشخصي، بل كانت أيضًا دليلًا بُنِي عليه نموذجٌ هرمي على نحوٍ صارخ للبشرية وقادتها الشرعيِّين.
لقد تكوَّنت حركات الكرَّامية والملامتية والحكماء بعيدًا عن بغداد على نحوٍ كافٍ؛ بحيث استمرَّت قائمةً بذاتها حتى القرن الحادي عشر، قبل دَمجها وقمعها فعليًّا مع انتشار الحركة الصوفية شرقًا من خلال تأسيسها لمَواقع ارتكازٍ وإعدادها لدُعاة لها في خراسان. ولدراسة كيف حدثت عملية التنافُس والدمج هذه، يجب أن نلتفِت إلى أحد الأزمنة والأماكن الأخرى المهمة في التاريخ الصوفي؛ أَلَا وهو مدينة نيسابور في الفترة ما بين القرن العاشر والقرن الثاني عشر.74 كانت نيسابور من أكبر المدن التجارية والواحية، فيما يُعرَف الآن بالركن الشمالي الشرقي من إيران، ومع ضعف سيطرة الخلافة في بغداد عليها وسقوطها في يد البويهيِّين الشيعة عام ٩٤٥، تزايدت أهميتها باعتبارها مركزًا للإنتاج الأخلاقي والديني. وعلى غرار عاصمة الخلافة في أوج مجدها، فقد كان هذا المتجر الصحراوي الكبير سوقًا وجد فيها مُنتجو ومورِّدو النماذج المختلفة للإسلام أنفسَهم في منافَسةِ بعضهم بعضًا منافَسةً شَرِسة.
من العمليات الواسعة النطاق التي يمكِن الزعم بحدوثها في هذا الصدد عمليةُ استبدال حركات الدمج الداخلي، بما يُمكن أن يُطلق عليه: حركات التوسع الحدودي. وكما رأينا، فقد كان من أهم سمات حركة الكرَّامية الدورُ الذي لعبته في دخول الرعايا غير المسلمين المعروفين باسم «الذمِّيِّين» إلى الإسلام. إن زيادة الفهم التاريخي للحدود الشرقية لخراسان في القرنين التاسع والعاشر أشارَتْ أيضًا إلى دور شيوخ الحدود المُحارِبين، الذين جمعوا بين «الجهاد» و«الدعوة» لتوسيع الحكم الإسلامي عبر أراضي السهوب في آسيا الوسطى، التي كان يَحتلُّها البدو الأتراك في ذلك الوقت.75 وبطرقٍ ما، تعكس تلك الصورة للحدود الشرقية ما رأيناه بالفعل في الغرب؛ حيث استقرَّ على الأقل بعض الزهاد في الحدود المضطربة مع الأراضي البيزنطية. ومع اتجاه الحدود الخارجية إلى أقصى الشرق، وتلاشي الحدود الاجتماعية الداخلية، مع زيادة التحوُّل إلى الإسلام وتبنِّي سماته الثقافية؛ انفتح المجال في النسيج الاجتماعي أمام حركات دمج جديدة مهتمة بإضفاءِ قدرٍ أكبر من الطابع الإسلامي على المجتمع، من خلال «استيطان دائم» يؤكِّد على القانون والإنتاج الاقتصادي والحياة الاجتماعية القابلة للاستمرار، التي لم تَعُد مناسِبةً لها حركةُ زهاد الكرَّامية ولا مجاهدي الحدود. وعلى الرغم من أن الحدود الدقيقة لتلك العمليات الريفية الأكبر تظل غير واضحة، فإن الطابع الأكمل للمصادر الحضرية يعني أن لدينا صورةً أوضح عن التطورات التي حدثت في مدن مثل نيسابور. في هذا الصدد، سننظر إلى عمليتين منفصلتين لكن متداخلتين، إحداهما خطابية والأخرى مؤسسية. ونظرًا لأننا ناقشنا بالفعل الطرق التي من خلالها ساعدت النصوص والجدالات في ازدهار الصوفيين في العراق، فإننا سوف نلتفت أولًا إلى المسألة الخطابية المتمثِّلة في كيف ساعدَتِ الكتب والمناقشات في توسُّع الصوفية على نحوٍ مشابِه في خراسان.
كما رأينا، فإن كثيرًا من النصوص والمصطلحات، وحتى الأساليب، التي كانت مستخدَمة من قِبَل الحركات «المحلية» في خراسان؛ كانت مُتشابهة في كثير من الأمور مع تلك المُستخدَمة من قِبَل الصوفيين في العراق؛ فقد كان القرآن والحديث مصدرَين مشتركين لهما، وكان يوجد انتشار واسع لمفهومَي «الأولياء» و«الطريقة»، وكانت الصلاة وإنشاد الذِّكْر والسماع — بالنسبة إلى البعض — من الممارسات المشتركة. ليست المسألة اشتراكَ كلِّ السالكين الخراسانيين المحليِّين في كل هذه الأمور المشتركة، ولا حتى اتفاقهم على المعنى الدقيق للمصطلحات المشتركة أو الأداء الصحيح للأساليب المشتركة، بل تمثَّلت المسألة المهمة في الوضوح المتبادَل للأساليب المتنوِّعة المتاحة؛ ذلك الوضوح الذي أتاح المناقَشات والتفاعلات المُثمرة بين أعضاء الحركات المختلفة، والأهم على الأرجح بين «المؤيدين المذبذَبين» من أعضائها المُحتمَلين. وعلى مستوًى أكثر أساسيةً، مكَّنَ هذا الوضوح وجودَ أدوات تواصُل مشتركة — بما في ذلك اللغة العربية باعتبارها لغةَ تواصُل بين المتعلمين — وتوفُّرَ الورق لإنتاج الكتب وحتى لكتابة الخطابات. وعلى الرغم من المسافة الشاسعة بين العراق وكثير من مدن خراسان (فالمسافة من بغداد إلى نيسابور تقريبًا هي المسافة بين لندن ووارسو)، مكَّنتْ أدواتُ التواصل تلك المتعلِّمين من هذه المناطق المختلفة للغاية من مشاركة الأفكار على نحوٍ غير مباشِر عن طريق الكتابة. وكما هو الحال بالنسبة إلى دور اللاتينية في العالَم المسيحي في العصور الوسطى، فلا بد أن نتوخَّى الحذر كيلا نعتبر أدواتِ التواصُل المشتركةَ تلك من المسلَّمات؛ فعندما سعى الصوفيون لاحقًا إلى التوسُّع في سياقات جغرافية واجتماعية أخرى، احتاجوا إلى اكتسابِ أدواتٍ ثقافية أخرى مثل اللغات المحلية والأغاني الشعبية. أما في سياق التفاعل الحالي بين سكان المدن في خراسان والعراق، فإننا نُلقِي النظرَ على العملية التي من خلالها سافَرَ الصوفيون العراقيون أو أرسلوا كتاباتهم شرقًا، وسافَرَ «المؤيدون المُذبذَبون» الخراسانيون للحركات الصوفية غربًا (عادةً في طريقهم إلى مكة)، وعادوا إلى وطنهم حاملين في الحالتين ما يمكِن أن نُطلِق عليه الآن وسائل تواصُل محمولة في أمتعتهم، مُتمثِّلةً في الكتب التي أحضروها من أسفارهم (أو على الأرجح نسخوها).76
إذا كان هذا يُساعدنا على معرفة كيف تفاعلت الحركة الصوفية الأصلية مع الحركات المحلية البديلة لها في خراسان، فإن التعرُّف على سبب تفضيلها في نهاية المطاف على تلك الحركات المحلية أمرٌ أكثر صعوبةً. إنَّ السبب في ذلك ليس أننا نتعامل في النهاية مع الكثير من الاختيارات الفردية، التي على الرغم من أنها تسهم في رسم نسَق تفضيلٍ شامل، فإنَّ أسبابها المحددة جعلت دوافعها في طيِّ النسيان منذ وقت بعيد. ونظرًا لأنَّ دوافع الأفراد من المعروف أنها صعبة التقييم على المؤرِّخين، فإنَّ الدليل المُقدَّم على دمج الملامتية والكرَّامية في الصوفية دليلٌ على العداوات والتحالفات الأكثر عموميةً. تقول إحدى النظريات الأكثر إقناعًا على الأرجح إنَّ الصوفيين في نيسابور والمدن المحيطة ربطوا أنفسهم بالفقه الشافعي، وهذا منَحهم «إطارًا مؤسَّسيًّا يمكن من خلاله تقديم التصوف وممارسته.»77 إلا أننا قبل الانتقال إلى الأبعاد «المادية» المتمثِّلة في المؤسسات، دعونا أولًا نتناول الأبعاد «المعنوية» أو الخطابية.
كما رأينا، فمنذ فترة ظهور الصوفيِّين المبكِّر في بغداد، كانوا إلى حدٍّ كبير جزءًا من حلقات القرآن والحديث والشريعة؛ ولهذا السبب، يجب أن نَحذر من التأويلات الأقدم التي رأت التطوُّرات التي ندرسها الآن باعتبارها عمليةً شهدت في النهاية التحاقَ الصوفيين ﺑ «التيار السائد»؛ إذ يَعتمد هذا التأويل على مغالَطة ثنائية تتمثَّل أولًا في أن الصوفيين كانوا خارجَ «التيار السائد»، وأنه كان يوجد «تيار سائد» معيَّن يتدفَّق بالتساوي عبر أماكن مختلفة خلال القرون السابقة.78 إذا كان الفقه الشافعي على وجه الخصوص، والفقه الإسلامي في العموم، لا يمثِّلان «تيارًا سائدًا» طويلَ الأمد انضمَّ إليه الصوفيون لأول مرة في نيسابور، فإن ما قدَّمه العلمُ الفقهي كان طريقةً أكثر فاعليةً لاكتساب المعرفة بالنص القرآني واستخدامها عمليًّا، تلك المعرفة التي لطالما اهتمَّ بها المُتخصِّصون من الصوفيين ومن غيرهم، وجعلت هذه الفاعلية الصوفيين والملامتية يُلزِمون أنفسهم بمُمارساتها. تمثَّلت طبيعة هذه الفاعلية في الطريقة التي منَح من خلالها المذهبُ الشافعي لطلابه نظامَ «إجازة»، كان الشاهد الاجتماعي فيه على مرجعيَّتهم شهادة مكتوبة مِن شيوخهم، ومنهجًا شرعيًّا واضحًا يُمكن تطبيقُه، بدلًا من حفظ عدد هائل من الأحاديث وتكوين طرُق خاصة مُتفرِّدة لفهمها.79 هذه الفاعلية الجديدة، التي جعلت مُمارسة الفقه أيسر، وضمنت أيضًا التعامُل الجدي مع أحكام الفقهاء، كانت نتيجةَ مكانةٍ مُعترَف بها على نطاقِ نظامٍ بأكمله، وليس نتيجةَ سمعةٍ شخصية، وجذبَت مختلف الأفراد والحركات ليتبنَّوا المذهب الشافعي؛ مما أدَّى إلى اجتماع كلٍّ من الصوفية والملامتية على اتِّباع هذا المذهب وأوساطه الاجتماعية وحلقاتها الدراسية.
بعد أن جذبَت الشافعية هاتين الحركتين، أمدَّت كلتَيْهما بمزيدٍ من الأدوات الخطابية. كان إحدى هذه الأدوات نموذجُ نقلِ المعرفة من خلال التسلسل من الشيخ إلى المُريد، الذي أطلَق عليه الصوفية «السلسلة»، وهذا ما سوف نُناقشه بمزيدٍ من التفصيل لاحقًا. وهذا بدوره شجَّعَ المريدين على الاقتداء بسلوك شيوخهم بطريقةٍ مثَّلت محاكاةً لفكرة السُّنَّة النبوية.80 وحاز أيضًا الفهم التام للحديث الشريف على أهمية مُتزايدة؛ حيث استخدم الصوفيُّون الشافعيون في هذه الفترة، أمثالُ أبي عبد الرحمن السلمي (المتوفَّى عام ١٠٢١)، هذه المعرفةَ الخبيرة في وضع كتب تجميعية وتفسيرية للسُّنَّة النبوية تدعم الصوفية بدلًا من الطريقة الكرَّامية.81 وهذا لا يعني على الإطلاق قول إنَّ كل الصوفيين في خراسان، أو في غيرها من الأماكن، أصبحوا منذ هذه الفترة أتباعًا للمذهب الشافعي. إلا أنه في نيسابور وما حولها خلال القرنين العاشر والحادي عشر أدَّى اختراق الصوفية للمؤسَّسة المحلية الصاعدة، المتمثِّلة في الفقهاء الشافعيين، إلى حصولهم على نقطة انطلاق مهمَّة في منطقة خراسان، التي كان يسيطر عليها في السابق الكرَّامية والملامتية.
يوجد أمران واضحان إلى حدٍّ كبير بصرف النظر عن مدى إمكانية ارتباطهما المباشِر بتوسُّع المذهب الشافعي في خراسان، وهما أنَّ الصوفيين في المنطقة كانوا إلى حدٍّ كبير من أتباع المذهب الشافعي، وظهر بين هؤلاء الصوفيِّين نموذجٌ لنقل المعرفة وتوثيقها يشبه في فاعليته النموذجَ الشافعي في هذا الصدد. في نهاية المطاف، إنَّ عواقبَ هذا التطور — لا أسبابه — هي الأكثر أهميةً. فما رأينا ظهوره في نيسابور وما حولها، وانتقاله منها إلى خراسان ونحو الغرب أيضًا إلى العراق، وصولًا إلى الأندلس؛ كان علاقةً جديدة بين الشيخ والمريد، ستُغيِّر إلى الأبد طبيعةَ منهج الصوفية وتَربطه بمجموعة قوية من العلاقات الاجتماعية الجديدة. وُصِف «نموذج نيسابور» هذا بأنه نموذج «يُلزِم فيه الشيخُ المبتدئَ، بموجب تعهُّدٍ، بالطاعة المُطلَقة، وتنفيذ كل الأوامر، والكشف عن كل أفكاره السرية وحالاته الداخلية دون استثناء … وفي الوقت نفسه لن يتغاضى الشيخ عن أيِّ خطأ من جانب المبتدئ، ويُمكنه أن يُوقِع في حقِّه أيَّ نوعٍ يَرغب من العقاب.»82 سيكون من الغباء التاريخي اتِّباع تأويل أخلاقي قديم يُقارن بين فترة مبكِّرة «صحية»، كان فيها أتباعُ الصوفيِّين في بغداد أشبهَ بطلاب يَحضُرون دروس الأساتذة، وبين فترةٍ لاحقة «فاسدة» من اتَّباع الخُرافة وتقديس الشيوخ. فأيُّ تناقُض صارخ بين «شيخ التعليم» و«شيخ التربية» هو على الأرجح تبسيطٌ للأمور، على الرغم من وجود قدرٍ قليل من الشك في تزايُد قوة العلاقة بين الشيخ والمريد.83 أصبح هذا الارتباط بين المريد والشيخ مصحوبًا في ذلك الوقت بيمين مغلَّظة، أو ما يُعرف ﺑ «البَيْعة»، على غرارِ تعهُّدات الولاء الرسمية التي قدَّمها المسلمون الأوائل إلى النبي محمد. وكما سنرى فيما يلي عندما نتناول الأشكالَ الأكثر ماديةً المتمثِّلة في الجانب المؤسسي؛ فقد كان نموذج «التتلمُذ» الجديد يتضمَّن، بالنسبة إلى كثير من المريدين، التخلِّيَ عن حياتهم الأسرية من أجل فترةٍ يُحدِّدها الشيخ كي يعيشوا في مأوًى صوفي، ويتضمَّن أيضًا قصَّ الشعر، وارتداء ملابس معينة تميِّزهم كصوفيين.84 باختصارٍ، لقد دخلنا مرحلةً أصبح مِن الأجدى فيها تقديمُ الصوفيين باعتبارهم حركةً جماعية مميَّزة داخل المجتمع، يميِّز أفرادُها أنفسَهم عن غيرهم، وبعضَهم عن بعضٍ، بطقوسِ الالتحاق، وعهودِ البيعة، والمظهرِ الخارجي، واستخدامِ لغةٍ غامضة. ومن الناحية الاجتماعية والنفسية، بحلول القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر أصبح تحوُّلُ المرء إلى الصوفية تجربةً شاملة إلى حدٍّ كبير.
عندما أصبحت الصوفية تعني أمورًا لم تكن تعنيها قبل تحوُّلها في خراسان، صارت المتطلبات الرسمية على نحوٍ متزايد المتعلقة بكلٍّ من الالتحاق بطريقة والعضوية في حركةٍ؛ يُعَبَّر عنها في نوعين جديدين من أنواع الكتب ظهَرَا بنحوٍ أساسي في خراسان أثناء القرنين الحادي عشر والثاني عشر. تمثَّل هذان النوعان في الكتيبات وكتب الطبقات، وهما نوعان أدبيان مُتداخِلان كثيرًا من الناحية العملية. أشهر الأمثلة المبكِّرة على الكتيبات هي «كتاب اللُّمَع في التصوف» لأبي نصر السراج (المتوفَّى عام ٩٨٨)، و«التعرُّف لمذهب أهل التصوف» لأبي بكر الكلاباذي (المتوفَّى عام ٩٩٠ أو عام ٩٩٥). ومن الأمثلة الأخرى للكتيبات التي أُنتِجت في القرن التالي كتابُ «الرسالة القُشيرية في علم التصوف» لأبي القاسم القُشيري (المتوفَّى عام ١٠٧٤)، وكتاب «كشف المحجوب» لعلي بن عثمان الهجويري (المتوفَّى تقريبًا عام ١٠٧٥).85

كل هذه الكتيبات كتبها مؤلِّفون في خراسان أو من خراسان. ونظرًا لأنَّ أوضح السمات المشتركة لهذه الكتيبات كانت شرعيةَ الصوفيِّين المؤكدة من خلال التركيز على موافَقة مُعتقَداتهم وممارساتهم للقرآن والسنَّة؛ فقد كان من المألوف وصْفُها بالأعمال «الدفاعية»، التي كان أكبر إنجازاتها إقناع حرَّاس العقيدة الإسلامية الحنيفة بأن الصوفيين ليسوا زنادقة. أصبح هذا الدفاع يُنظَر إليه على أنه أكثر إلحاحًا بعد إعدام الحلَّاج عام ٩٢٢. إلا أنَّ وجهة النظر تلك خاطئةٌ على الأرجح؛ لأنَّ الصوفيين أنفسهم كانوا في أغلب الأحيان هم علماء الحديث والمدافعين عن الشريعة. لكنْ بالرغم من ذلك، فإن هذه الكتب الجديدة وأغراضها المميزة تحتاج إلى تفسير. في هذا الصدد، تتأكَّد قيمة معرفتنا السياقية بالحركات المنافسة والإنتاج الديني الوافر، خاصةً عندما يتضافَر ذلك مع حداثة عهد الصوفيين في خراسان وعدم معرفة الناس بهم في القرن العاشر على الأقل مقارَنةً بالكرَّامية والملامتية الأكثر شيوعًا والأكثر رسوخًا. وبسبب ما قدَّمَتْه تلك الكُتيبات من خطابٍ مُدافِع، وشروحٍ وافرة للمُعتقَد الصوفي، وتفسيراتٍ مفصلة للممارسة؛ فمن الأفضل على الأرجح اعتبارها إعلانات وبيانات عامة موجَّهة إلى علماء المسلمين في خراسان، الذين كانوا لا يَعرفون الوافدين الجدد الصوفيين، ويتوخَّوْن الحذرَ منهم أيضًا.

ربما شجَّعت نية الدعوة تلك على حدوث تطوُّر مهم آخَر في نقل الصوفية، نشهده في آخر الكتيبات التي ذكرناها سالفًا، وهذا التطور هو استخدام الهجويري الفارسيةَ بدلًا من العربية في كتابه «كشف المحجوب». بالإضافة إلى ذلك، فإن علاقة الصوفيِّين بحركة الحِرفيين الحضريين المغمورة المُسمَّاة حركة «الفُتُوَّة»، من المُمكن اعتبارها استراتيجيةٍ ذات صلة مَعْنيةٍ باستيعاب المنافسين في المنطقة، لعبَ فيها إنتاجُ النصوص دورَ «تغيير المظهر» الذي يُشبه الدورَ الذي رأيناه في حالة «كتاب الفُتُوَّة» الذي كتبه السُّلمي الصوفي النيسابوري.86 وكما هو الحال في التوجُّه نحو إضفاء الطابع الاجتماعي على زهَّادِ الحدودِ المُحاربين والكرَّامية الزاهدين في الدنيا؛ ففي محاولة الصوفيين إعادة توجيهِ عنفِ الطبقة الدنيا الخاص بالفتوة وعصابات «العيارين» المُرتبطة بهم في مدن وريف خراسان، يُمكن أن نرى انعكاسًا للحل الوسط المتمثِّل في الدعوة للأخلاق التي سعى لها صوفيُّو بغداد، وهذا الانعكاس يتلاءم جيدًا مع حقيقةِ أن كثيرًا من كبار الصوفيين في خراسان كانوا أعضاء في الطبقة الحاكمة الحضرية الفقهية وصاحبة الأملاك.87
النوع الآخَر المُهم من الكتب التي ظهرت في هذه الفترة كان ما يُعرَف باسم «كتب الطبقات».88 وسواء أكان هذا النوع من النصوص في صورة كتاب منفصل، أم في صورة جزء من كتاب أكبر، فقد شهدنا فيه أخيرًا ظهور «تقليد» صوفي كامل التطور، محدَّد بالوعي الذاتي التاريخي لأفراده؛ إذ كانت تلك الكتب وسيلةً نصيَّة اكتسبت من خلالها الأنواع الحاضرة مِن المعرفة الصوفية ومُمارسيها الشرعيةَ والمكانة؛ من خلال تقديمهم باعتبارهم وَرَثة لتقليد تسلسُلي يَصل بسلسلة غير مُنقطعة عبر الأجيال إلى النبي محمد. مِن الناحية النصية، تضمَّنت تلك الكتب تجميعًا (وفي بعض الأحيان، يُمكن أن نقول اختلاقًا) لأخبار الشخصيات التي تَربط كل «طبقة» (جيل). في هذا الصدد، كان يوجد عملية ابتكارٍ لتقليدٍ تطلَّبت تقديمَ الزهاد والصالحين شبه الأسطوريين المُنتمين للقرنين السابع والثامن على أنهم صوفيون، وإظهارَ أنَّ التعاليم الصوفية نفسها هي المُعتقَد الأصلي للنبي محمد، المنقول عبر العصور.
وكما هو متوقَّع، فقد مال كُتاب كتب الطبقات هذه إلى إنهاء سلسلة التلقِّي عند شيوخهم ومِن ثَمَّ أنفسهم. ومنذ ابتكار هذا النوع الأدبي أخذت تتكرَّر تلك العملية في كل مرة تُكتَب فيها نُسَخ جديدة من تلك النصوص. وهذا الإجراء المتكرِّر جعل التقليدَ يمثِّل نوعًا من رأس المال الرمزي المنقول، الذي يستطيع ربط النبي محمد والصوفيين الأوائل في بغداد بخراسان في القرن الحادي عشر، بالسهولة نفسها التي يربطهما بها بالهند في القرن التاسع عشر، أو بأي زمان ومكان يكتب فيه شخصٌ عن سيرة التقليد. إلا أنه في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، عندما كتب أبو عبد الرحمن السلمي في خراسان وأبو نُعيم الأصفهاني (المتوفَّى عام ١٠٣٨) في وسط إيران أقدمَ كتبِ طبقاتٍ خاصة بالصوفية باقية، قامت كتب الطبقات بعمليتَين أساسيتين؛ أولًا: نتيجةً لمعرفة الصوفيين بأساليب تعلُّم النصوص الدينية، فقد اقترضوا مِن علماء الحديث الطريقةَ التي من خلالها تحقَّقوا من المعرفة الموثوق فيها بكلام محمد، من خلال «سند» الرواة الذي يعود للنبي محمد نفسه. وقد استنسخ الصوفيون هذا السند في سلاسل السند التي استخدموها لتوثيق كلمات أسلافهم، وفي تصوُّرهم عن «سلسلة» تضمُّ قائمةً بشيوخِ كلِّ طريقة. ثانيًا: كانت تلك الكتب حلقةَ الوصل بالماضي المبجَّل للتطور الأحدث عهدًا لروابط الولاء والالتحاق بين الشيوخ والمريدين. ومن خلال تكوين سلاسل سِيَر تربط الصوفيِّين في الأزمان اللاحقة والأماكن البعيدة بالرجال الذين يَعتبرونهم أسلافهم الأتقياء، طمأنت كتبُ الطبقات الصوفيين على أن مُعتقَداتهم وممارساتهم هي تلك التي وصَّى بها النبي محمد بنفسه، لا أحد غيره. وبين النبي محمد في مكة وأمثال السلمي في نيسابور، كان هناك أمثال الجنيد في بغداد قبل بضعة أجيال، الذين أضحَتْ سِيَرهم وكتُبهم المُتذكرة الآن مصادرَ لتكوين التقليد الصوفي.89
في هذا الإطار أيضًا، وبالكتابة في خراسان التي كان الملامتية فيها ما زالوا يَحظون بقدر كبير من الاحترام، أمكن دمج ذكريات الملامتية المحلية المُمتعة في هذا الماضي المُتذكَّر، الذي طُمِست فيه المنافسة بين الحركات المختلفة. ونتيجةً لذلك، أُضِيف شيوخُ الملامتية في سلاسل الصوفية، وأُسقِط تاريخهم المميَّز؛ حيث أصبحت النصوص لا ترى الملامتية إلا كمجموعة فرعية مُنبثِقة عن الصوفية.90 وحتى في حالة عدم القراءة الكاملة لنصوص السِّيَر، كان الصوفيُّون يحفظون عن ظهرِ قلبٍ الهيكلَ الأساسي لسلاسل المَعرفة والتحقُّق خاصتهم، التي أصبحت بدورها تُعتبَر موصلات مُهمة لا تنتقل خلالَها المعرفةُ المُدرَكة فحسب، بل أيضًا قوة البركة الغامضة من النبي محمد لشيوخ الصوفية في كل جيل. من خلال هذه الوسائل الخطابية، فإن هذا التطوير في الخلفية لتقليد مُتخيَّل جزئيًّا على الأقل سمح بالتطوير الفعلي لأشكال تقليد ملموسة أكثر عن طريق تطوير سلاسل النسب، التي سوف نشهد تكوُّنَها الكامل في الفصل الثاني عندما نتناول الطرق الصوفية. يُعدُّ الارتباطُ بمذهب فقهي صاعد، وطرحُ أفكارهم بطرُق جديدة، وترويجُ الأفكار من خلال أنواع جديدة من الكتب، ومحاولةُ ربط الأنصار الأحياء بماضي مبجَّل؛ بعضًا من الطرق «المعنوية» أو الخطابية التي حاز من خلالها الصوفيون على أتباعٍ في خراسان. وساعَدَ الصوفيِّين في عملية التوسُّع والدمج هذه حقيقةُ أنه في ذلك الوقت أصبح يوجد «كيان» اجتماعي صوفي ملموس أكثر، يُمكن أن يَندمج فيه الأتباع الجدد عن طريقة المدرسة أو الخانقاه. ويجب أن نَلتفت الآن إلى هذا الجانب «المادي» المتمثِّل في تكوين المؤسَّسات الصوفية.
لا تقتصر الإثارة في هذا الصدد على اكتساب وتكوين هذه المساحات الملموسة المميزة المُخصَّصة للنشاط الصوفي في خراسان، وحدوث ذلك من خلال اقتباس المؤسَّسات التي ابتكرها مُنافسوهم الكرَّامية، بل تكمن أيضًا في أنه مع الانتشار غربًا فيما بعدُ، كانت هذه المساحات بمنزلة قوة مُوازنة مؤسَّسية لحركة المُعتقدات والأشخاص القادمة من الشرق منذ جيل أو جيلَين. هذا يعني أننا يُمكننا أن نرى نسقًا من التداول؛ فالصوفية التي بدأت في العراق أصبحت شيئًا مختلفًا بعد انتقالها إلى خراسان، قبل أن تعود بعد ذلك إلى موطنها في الغرب في صورةٍ مُعدَّلة إلى الأبد. أولى هذه المؤسسات الجديدة لا تُعتبَر عادةً مؤسسة صوفية على الإطلاق. وإنْ كانت المدرسة ليست على الإطلاق مؤسَّسة صوفية على نحو مميَّز، فقد كانت مؤسَّسةً عمل من خلالها الصوفيون منذ أول ظهورٍ لها في القرن الحادي عشر وحتى يومنا الحاضر. وعلى الرغم من أنه يبدو أنَّ أقدم المدارس كانت مرتبطة بالكرَّامية؛ حيث كانت أماكن لدراسة «العلوم الإسلامية»، فإن المدارس تدين فعليًّا بانتشارها إلى توافُق طبقة علماء المسلمين مع الأتراك السلاجقة البدو، الذين شنُّوا غزوًا مُنتظمًا في منتصف القرن الحادي عشر لمدن خراسان، قبل أن يُسقِطوا بغداد عام ١٠٥٥ في نهاية المطاف.91 ونظرًا لحاجةِ دولة السلاجقة العِظام (١٠٣٧–١١٥٧) إلى بيروقراطية متعلِّمة وعالِمة بالشريعة لإدارة الأراضي الشاسعة التي استولوا عليها، وللحصول على الشرعية التي تأتي من الدعم العام للأعراف الاجتماعية الإسلامية، فقد خصَّصت جزءًا من مواردها المادية لإنشاء شبكة كبيرة من تلك المدارس في أنحاء أراضيها؛ ومن ثَمَّ ضمُّوا أنفسَهم إلى تقليدٍ دينيٍّ عبر إقليمٍ كوَّنوه بأنفسهم إلى حدٍّ كبير (أو كوَّنوه من الناحية المؤسسية على الأقل).92 وعلى الرغم من أن المدارس تُعتبَر عادةً أماكنَ لدراسة القرآن والشريعة، فقد كان الصوفيون البارزون أنفسهم يُعتبَرون خبراء في هذين المَجالين، وذلك كما رأينا بالفعل في معظم الحالات. مرةً أخرى، إن وصف الصوفيِّين ﺑ «المتصوِّفين» يسلبهم العديدَ من المهارات التي ساعدتهم في النجاح.
نتيجةً للكتب والرسائل التي تضمَّنها «علم الصوفية» في القرن الحادي عشر، أصبح من الممكن اعتباره الآن في حد ذاته أحدَ العلوم الدينية إلى جانب النحو العربي، وتفسير القرآن، والأساليب الفقهية. وعلى هذا النحو، أصبح هذا العلم قادرًا على أن يجد مكانًا بين قراءات المُرتبطين بهذه المدارس الجديدة، وإنْ كان على الأرجح لا يُدرَّس رسميًّا داخلها. بطبيعة الحال، كانت هذه النسخة الأستاذية من الصوفية من النوعية المُعتمِدة على الكتب اعتمادًا كبيرًا، إلا أنه من خلال الارتباط بطبقة رسمية من البيروقراطيين والعلماء الذين يتقاضَون رواتب، اكتسبت طريقةُ المعرفة الصوفية المحترمة هذه (لقد أصبحت محترمةً الآن بسبب مكانتها باعتبارها «تقليدًا») الزخمَ الذي سيُمكِّنها في النهاية من دمج منافسيها أو قمعهم.93 كان أبرزُ روَّاد هذه «الصوفية المدرسية» أبا حامد الغزالي (المتوفَّى عام ١١١١)، ذلك المفكِّر العام الذي أوصَلَه تمكُّنُه من العلوم السياسية الأكاديمية والاتجاهات الفكرية إلى أن يكون العالِمَ الأول بالمدرسة النظامية الكبيرة التي تأسَّست عام ١٠٦٥ في بغداد.94 وإذا لم يَعُد من الضروري اعتبار الغزالي الرجل الذي أدخَلَ الصوفيةَ أخيرًا في «التيار السائد» — كما لو أنها كانت من قبلُ في أي مكانٍ آخَر — فإنه يُعدُّ مثالًا للقوة التي أتَتْ من ارتباط الصوفيِّين بمؤسسات التعليم الجديدة المدعومة من الحكومة. وعلى الرغم من أن كتابه الرائع «إحياء علوم الدين» ليس أكثر كتب الصوفية أصالةً، فقد أدَّى وظيفةً مهمة تتمثَّل في التنظيم المنهجي لكثير من الأفكار التي كوَّنها الصوفيون الأوائل في شكل مُتماسِكٍ ومُمكنِ الفهم. نتيجةً لذلك، أصبح الكتاب مقروءًا لعدة قرون بعد وفاته وحتى يومنا الحاضر. ومن ضمن مؤلَّفاته الأخرى الكثيرة (التي تضمَّنت رسالة قصيرة مؤثِّرة وافَقَ فيها بين آيةِ النور في القرآن — الآية الخامسة والثلاثين من سورة النور — وأفكارِ الصوفيين حول النور المحمدي الكوني)، كان أكثرَ هذه الأعمال فاعليةً في ترويج الصوفية سيرةٌ ذاتية بديعة مكتوبة بالعربية، وصَفَ فيها هذا العالِمُ، الأكثر شهرةً في زمنه، رحلتَه إلى الحقيقة بأنها رحلة جرَّب فيها كل فروع الفلسفة والتعلم من الكتب قبل أن يدرك في النهاية أن الصوفيين هم مَن يملكون المفاتيح الحقيقية للحكمة.95
بينما كانت «المدرسة» بالتأكيد منطقةً مهمة للتأثير الصوفي، فقد كانت الخانقاه (أيِ المكان الذي يقيم فيه الصوفيون) هي المؤسسة الصوفية الأشد تميُّزًا، والتي تشكَّلت في خراسان خلال هذه الفترة، وسيَدعمها لاحقًا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر السلاجقةُ أيضًا. وعلى الرغم من أنه في كلٍّ من الحدود الشرقية والغربية للحكم الإسلامي، سكن في السابق زهَّادُ الحدود في أماكن محصَّنة عُرِفت باسم «الرباطات» (وهو مُصطلح سوف يُستخدَم لاحقًا أيضًا في بعض المناطق للإشارة إلى مساكن الصوفيِّين)، ففي أغلب الأحيان كان الصوفيون الأوائل في العراق وخراسان يَتقابلون في منازل شيوخهم أو في الجوامع العامة.96 تكوَّنت تجمعاتهم — التي تُشبه تجمعات علماء الدين، الذين لم يختلفوا عنهم اختلافًا واضحًا — من خلال مفهوم «الحلقة» المجتمعة حول عالَم معيَّن. وكما رأينا، فإنه يبدو أن معظم الصوفيِّين الأوائل كانت لديهم وظائف نهارية، سواء أكانوا حرفيِّين أم علماء. وعلى الرغم من أن بعض الصوفيين الأوائل (مثل الحكيم الترمذي) كانوا أثرياء، فإنهم لم يكونوا أثرياء بسبب تعاليمهم أو بسبب مَزاعم مكانتهم الروحانية. وعلى مدار القرون، ما بين القرن الحادي عشر والقرن الرابع عشر تقريبًا، تغيَّرت هذه الصورة جذريًّا، وأول خطوة في هذا الاتجاه كانت تكوين مؤسسات مخصصة تحديدًا للنشاط الصوفي. وعلى الرغم من أننا سنشهد النتائج الأكمل لهذه التطورات في الفصل الثاني، فإن أُسُسها وُضِعت بالفعل قبل القرن الثاني عشر.
fig12
شكل ١-٤: أولى المؤسسات الصوفية: رباط في جواردامار، إسبانيا (تصوير: نايل جرين).
على الأرجح، توجد أقدم النسخ الباقية لأحد هذه المساكن الصوفية في أقصى غرب العالم الإسلامي في فترة العصور الوسطى في إسبانيا؛ وذلك بفضل الاكتشافات القائمة على المصادفة الخاصة بعمليات الحفظ والبحث الأثري أكثر من أي أولوية تاريخية كامنة. هذا هو الرباط الذي يعود للقرن العاشر، والذي استُخرِج في أواخر ثمانينيات القرن العشرين من الكثبان الرملية الساحلية في جواردامار في المقاطعة الإسبانية المعاصرة فالنسيا، التي كانت جزءًا من الخلافة الإسلامية في قرطبة وقتَ إنشاءِ ذلك الرباط.97 تأسَّس هذا الرباط عام ٩٤٤ وفقًا للكتابة العربية المكتوبة على حجر الأساس خاصته، وكان يتكوَّن من مسجد للصلاة، ومنطقة استقبال كبيرة، وغُرَف لإقامة الزائرين، وثلاث عشرة صومعة للزهاد المقيمين.98 وفي إشارة للمُمارسات الدينية التي كانت تُقام في هذا الرباط، كانت تحتوي كل صومعة على محرابِ صلاةٍ خاص بها، وبقيَت الكتابة العربية على الجدران التي تعود إلى أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر، والتي طلب فيها الزائرون الدعوةَ لهم.99 يوجد كثير من الجدل حول مدى انتشار هذه الرباطات في الأندلس ومناطق شمال أفريقيا وجنوب صحراء أفريقيا الكبرى، التي كانت الأندلس متصلةً بها.100 على الرغم من ذلك، تشير مصادر عربية من الأندلس إلى وجود شبكة واسعة من الرباطات بحلول القرن الحادي عشر، تمتدُّ من دانية والمرية على الساحل الشرقي وصولًا إلى طليطلة وبطليوس في الداخل، وحتى شِلب على الأطراف الغربية لشبه الجزيرة الإيبيرية.101 وعُثِر أيضًا على رباط يعود إلى القرن الحادي عشر في جزر البليار المعروفة حاليًّا بكونها مكانًا تُقام فيه حفلات حمام الشمس الصاخبة، وليس كمُعتزل للزهاد. وقد عُثِر على رباط ثالث في صقلية.102
وفقًا لبعض الباحثين، فقد كانت الرباطات مُرتبطة بروحانية عسكرية كانت تميِّز الأندلس، على الرغم من أننا أشرنا بالفعل إلى وجود مثل هؤلاء الزهاد المُحاربين على الحدود البيزنطية المسيحية الشرقية، وعلى حدود آسيا الوسطى البوذية المتاخمة للدولة الإسلامية.103 وما زال من غير الواضح إلى أيِّ مدًى كان مرتبطًا جهادُ الرباطات الحدودي هذا بالتيارات الدينية الأخرى في الأندلس، بما في ذلك الصوفية. بالرغم من ذلك، تشير معاجم السِّيَر العربية الخاصة بالأندلس على نحوٍ مُتكرِّر إلى الرباطات بوصفها أماكنَ للزُّهاد وما شابههم، وشكَّلت هذه الأماكن على نحوٍ واضح الحياةَ اليومية للمقيمين فيها، حتى في حالة اشتراكهم في بعض الأحيان في الجهاد.104 وكما كان الحال في خانقاوات خراسان الناشئة، فقد كانت الأدبيات الدينية تُنتَج أيضًا في الرباطات، كما في حالة شعر الزهد الذي كتبه ابن طاهر الزاهد (المتوفَّى عام ٩٨٨).105 في صدًى آخَر لما سنَراه بعد قليل فيما يتعلَّق بالروابط التجارية للرباطات التي ظهَرت في إيران في نحو ذلك الوقت، قيل أيضًا إنَّ الرباطات الساحلية في إسبانيا والمغرب كانت مؤسَّسات مُتعدِّدة الأغراض خدمت التجار البحريِّين وكذلك الزهاد.106 وفي الغالب، فإن ما نراه في رباطات الأندلس هو مؤسَّسة دينية إقليمية، أصبحت — بالرغم من ارتباطها بالمحاربين المُجاهِدين على الحدود البيزنطية الشرقية — مُميِّزةً للغرب الإسلامي وكوَّنت ثقافةً فرعية دينية خاصة بها هناك. يعكس هذا حقيقةَ أن الصوفية انتهجت نسقًا مختلفًا في الأندلس في العموم؛ حيث تَعرَّض مُنظِّروها هناك للهجوم بسبب الابتعاد الشديد عن الفهم الحرفيِّ للنصوص الدينية الذي انتهجه المذهب المالكي. بالرغم من ذلك، وحتى في حالة عدم القدرة على التأكد من مدى الارتباط الوثيق بين «الروحانية العسكرية» لهذه الرباطات القديمة وبين الصوفيِّين الكُثُر في الأندلس؛ فإن اكتشاف رباط جواردامار يُمَكِّننا من أن نفحص بالتفصيل على المستوى الأثري كيف كان يبدو مأوى الزهاد المسلمين الأوائل (وربما يكونون صوفيين بالاستدلال). والسبب في ذلك يرجع إلى أنه مع مرور الزمن فقدت الرباطات أبعادها العسكرية القديمة، وأصبحت في الغالب أماكنَ لتعبُّد الصوفيِّين. وحتى إنْ لم نتمكَّن بسهولة من ربط الأجيال الأولى من ساكني الرباطات بالصوفيين في الأندلس، فإنَّ رباط جواردامار يظل اكتشافًا قيِّمًا على نحوٍ هائل في تقديم أقدم آثار مادية لمساكن جماعية للصوفيين — أو أشباه الصوفيين — متاحة في أي مكان آخَر في العالم، في فترة كانت تَظهر فيها لأول مرة هذه المساكنُ المبنية لغرضٍ مُعين في عدة أماكن إسلامية.
بالعودة إلى الشرق الأوسط، سنجد أن أقدم الشخصيات البارزة التي يمكن ربطها بتطوُّر المساكن الجديدة الصوفية على نحوٍ واضح، عاش في جنوب إيران، التي بسبب قُرْبها الكبير من بغداد كوَّنت على مدار القرن العاشر شكلًا من الصوفية يشترك في كثيرٍ من الصفات مع الوعظ الأخلاقي، القائم على فكرة الصحو الخاص بالجنيد.107 هذه الشخصية هي أبو إسحاق الكازروني (المتوفَّى عام ١٠٣٥)، الذي سُمِّي بهذا الاسم نسبةً إلى مدينة كازرون — الموجودة جنوب إيران — التي عاش فيها، ودُوِّنت أفعاله في سيرة باللغة الفارسية ألَّفها ابن خليفته.108 وفي حين أنَّ الكازروني، مثل بقية الصوفيِّين الأوائل في إيران، يبدو أن تعاليمه تركز أكثر بعض الشيء على موضوع الحب بين البشر والله؛ فقد كان أيضًا مهتمًّا بالوعظ الأخلاقي على نحو كبير. بَيْدَ أنه فيما يخصُّ أغراضنا الحالية، فإنَّ أهمية الكازروني تَكمُن في أنه أسَّس شبكةً مكوَّنة مما لا يقل عن خمسة وستين مَسكنًا صوفيًّا عبر جنوب إيران. وفي حين يبدو أن مجموعة صغيرة من مُريديه الأساسيين كانوا يسكنون على نحوٍ دائم في هذه المساكن، فإنَّ هذه المباني كان الهدف الأساسي منها أن تكون ملاجئ خيرية للمسافرين والفقراء. وعلى هذا النحو، يجب اعتبارها تطوُّرًا مميَّزًا نسبيًّا عن نموذج الرباط الذي تطوَّر في وقتٍ أبكر في الغرب الإسلامي، وعن نموذج الخانقاه الذي تطوَّر في خراسان في الوقت نفسه تقريبًا؛ إذ إن الخانقاوات كانت في الأساس مساكن تربوية للصوفيين، كان يتعهَّد المقيمون فيها بالالتزام بمجموعة قواعد للإقامة بها، والتي كانت معقَّدة على نحوٍ متزايد. لم يترك الكازروني مثل هذا النوع من نظام القواعد، إلا أن شبكة المساكن التي تركها تشير إلى تطوُّر مهم في علاقة الصوفيين بالمجتمع الأوسع نطاقًا؛ حيث نرى واحدة من أوائل عمليات المبادلة الكثيرة التي تفاوَضَ من خلالها الصوفيون مع مجموعات اجتماعية مختلفة، من أجل تحقيق فائدة متبادلة. فنظرًا لوقوع مساكن الكازروني على بعض من أهم طرق التجارة في الشرق الأوسط، كان كثيرٌ من ضيوفه المسافرين من التجار (وهذا يُحاكي الوضع في إسبانيا)، وهؤلاء بدورهم قدَّموا نظير ضيافته لهم تبرعاتٍ جعلت التوسع الإضافي في شبكة المساكن مُمكنًا. وخلال فترة قصيرة، امتدَّت مساكن الكازروني من وسط إيران حتى مدن الموانئ في شرق الصين. ومع الكازروني، كان الصوفيون يَجذبون لأول مرة استثمارًا ماليًّا كبيرًا لأنفسهم كصوفيين، ذلك الاستثمار الذي موَّل بدوره مزيدًا من الدعاية لحركتهم. ونظرًا للوعظ الأخلاقي المميَّز للكازروني ونشأته بين وعَّاظ مسلمين للزرادشتيين المحليِّين، فإنه يبدو من المعقول اعتبار شبكته نوعًا من المساعدة الاجتماعية التي يُقدَّم فيها الطعام مقابل ترديدِ بعض الأدعية. ومع تراجُع الحاجز الثقافي، برزت هنا حركةُ دمجٍ داخلي أخرى عمَّقتْ بدورها الالتزاماتِ الإسلاميةَ للسكان الريفيين والتجار العابرين في صحاري وجبال إيران.
كان أبو سعيد بن أبي الخير (المتوفَّى عام ١٠٤٩) من الشخصيات الأخرى التي لا تقلُّ أهميةً، والتي ساهمت في هذه التطورات المؤسسية «المادية»، وهو شيخ خراساني أقام لبعض الوقت في نيسابور، لكنه قضى معظم حياته في مكان شبه ريفي في ميهنة، فيما يعرف الآن بتركمانستان.109 وفي ذلك المكان أسَّس خانقاه، لكن على النقيض من خانقاوات الكازروني، كانت التربية الروحانية للنزلاء هي هدفها الأساسي؛ ولهذا الغرض أعَدَّ أبو سعيد قائمةً من عشر قواعد يتوجَّب على مريديه النزلاء الالتزام بها. لم تكن هذه القواعد جديدة في حد ذاتها على الإطلاق — فقد تضمَّنت على سبيل المثال: الحفاظ على الطهارة، وأداء كل الصلوات المفروضة، وأداء صلوات إضافية ليلًا، وتلاوة القرآن وأداء الذكر يوميًّا — لكن اجتماعها معًا أشار إلى التحوُّل إلى مؤسَّسة «التربية» الصوفية الأكثر رسميةً التي شهدنا تطوُّرَها بالفعل. كان هذا التحول مهمًّا؛ لأنَّ قواعد التربية هذه مع أبي سعيد أصبحت مرتبطة أيضًا بمؤسسة سكنية. ولم يكن أبو سعيد حالةً فريد من نوعها في خراسان حتى في ذلك الوقت؛ ففي أقصى الجنوب في مدينة هراة الموجودة فيما يُعرَف اليومَ بأفغانستان، حدَّد معاصره عبد الله الأنصاري (المتوفَّى عام ١٠٨٩) مجموعةَ قواعد مُشابِهة باللهجة الفارسية المحلية، كان الهدف منها — على ما يبدو — أن تكون سهلةَ الحفظ على أتباعه.110 بالرغم من ذلك، كان أبو سعيد شخصيةً مثيرة أكثر من الأنصاري أو الكازروني؛ فهو لم يكن رجلًا ثريًّا فحسب (إذ إنَّ هذا الأمر لم يكن فريدًا في حدِّ ذاته مقارَنةً بالخلفية الخراسانية التي تضمُّ شخصيات مثل الترمذي)، بل كان رجلًا لا يرى تعارُضًا بين التباهي بهذه الثروة مع الاستمرار كصوفي. وهو يرى أنَّ «الفقر» الذي منحه الصوفيون السابقون أهميةً كبيرة كان حالةً داخلية ورمزية؛ ومن ثَمَّ فإن امتلاك الأصول المادية، بل والاستمتاع بها، ليسا عقبة أمام التقدم الروحاني. في هذا الصدد، يوضح أبو سعيد التناقضات الأخلاقية والمُجابَهات الاجتماعية التي كانت لا تزال تميِّز الإسلام كثيرًا في خراسان في هذه الفترة.
في حين كان أبو سعيد سعيدًا باقتراض مؤسسة الخانقاه من الكرامية، فإن استمتاعه بالحياة الطيبة كان مناقضًا على نحوٍ مباشِر لتركيزِهم الشديد على الفقر. وعلى الرغم من أنه بوضع مجموعة قواعد دينية لنُزلاء الخانقاوات كان يعكس الامتثالية الظاهرية مع الاتجاه السنِّي، التي رأيناها بين الصوفيين في نيسابور وفي بغداد، فإن اهتمامه بالعروض الموسيقية وحفلات العشاء الفاخرة أكسَبه سمعة سيئة بين كثيرٍ من معاصريه. وعلى الرغم من أن بعضًا من القصائد الماجنة عن الخمر وحب الغلمان والأغاني قد يكون منسوبًا إليه زيفًا، فإنه بلا شك أَولى اهتمامًا كبيرًا بممارسة «السماع»، التي تضمَّنت في هذا الصدد أغانيَ حبٍّ مُنشَدة بمصاحبة الطبول والنايات، التي تجعل الجمهور يَشعرون بنشوة يُعبِّرون عنها بالرقص الجامح. ويُمكننا أن نرى في هذه الممارسات دمجًا مهمًّا يحدث بين الكلمات وما تشير إليه، توسَّعَ من خلاله — مع انتقال الكلمات إلى مواقع اجتماعية جديدة — المدى الدلاليُّ للمصطلحات الفنية القديمة المحترمة التي تطوَّرت في العراق، ليشير إلى الممارسات التي من المحتمل أنها لم تخطر قطُّ على بالِ المستخدمين الأصليين لهذه الكلمات؛ ومن ثَمَّ، يُكسِب تلك الممارسات الاحترام. على سبيل المثال: على الرغم من مناقشة كلمة ومفهوم السماع في بغداد منذ وقت طويل، فإنَّ الممارسات الفعلية التي شهدنا تطوُّرَها حول أمثال أبي سعيد في خراسان القرن الحادي عشر، لم تكن على الأرجح مُقترَضة من صوفية العراق على الإطلاق، بل كانت مقترَضة من الهوايات العلمانية للطبقة الأرستقراطية الريفية في خراسان، الذين كان يُشبههم أبو سعيد كثيرًا في أسلوب الحياة والمكانة.111 إن هذه العملية الخاصة بإضفاء بنية فوقية لغوية ومفاهيمية على الهياكل الاجتماعية الأكثر عمقًا للحياة في بيئات مختلفة؛ ساعدت الصوفيةَ في ترسيخ نفسها في المجتمعات الجديدة التي انتشرت فيها منذ القرن العاشر، في خراسان أولًا، ولاحقًا في الهند والأناضول وغيرهما من الأماكن.
توجد أنشطةٌ على نحوٍ وافر في السيرتَين اللتَين تناوَلَتا أبا سعيد وكُتِبتا في القرن الذي تلا وفاته؛ منها: الإقامة في مسكن صوفي كان هو السيد فيه، والعيش وسط مجموعة من الرجال الذين أقسموا على طاعةِ كل أوامره، وحماية الفقراء الذين سعوا للعيش تحت مظلَّته، واستقبال عِلْية القوم والأمراء كما لو كان واحدًا منهم، والاستمتاع بمُتَع بلاط الملوك المتمثِّلة في الموسيقى والشعر.112 من ناحية، في القصص الكثيرة الموجودة في السيرتين، التي تروي المساعدة الشديدة للفقراء، نجد أن الصوفية — أو الصوفيين الأقوياء على الأقل — قد اكتسبوا استحسانًا جديدًا من قِبَل الجماعات الاجتماعية الريفية. ومن الناحية الأخرى، نرى الصوفي باعتباره مؤسِّسًا لمسكن سيتوارثه خلفاؤه (من عائلته في الغالب)، ويبقى حتى الأجيال المستقبلية عندما يموت الصوفي ويتحوَّل إلى ولي. لقد رأينا بالفعل تكوُّن مفهوم «أولياء الله»، وفي هذه الفترة كان هذا المفهوم يكتسب رأسَ المال المؤسسي الذي سوف يحوِّله من الفئة الخطابية إلى الفئة الاجتماعية؛ بحيث يصبح الوليُّ الحي أرستقراطيًّا روحانيًّا، ويُبجَّل الولي الميت لدرجة التقديس.
مرة أخرى، كان التفاعل بين النصوص والمصادر المادية لسياقاتها ضروريًّا جدًّا لهذا التطور؛ ففي السِّيَر التي كتبها مَن ورث رأسَ المال والمكانةَ من مؤسِّسي مساكن الصوفية، كان الصوفيون أمثال أبي سعيد والكازروني يحظَوْن بالتبجيل من حيث وَصْفهم بأولياء الله، وأوضحَتْ هذه السِّيَر أن مكانتهم الروحانية وقدرتهم على صنْع المعجزات تُورثان بالإضافة إلى أملاكهم. وإذا كانت هذه التطورات لم تكتمل بعدُ بنجاحٍ في القرن الحادي عشر نفسه، عندما كان كل ما نراه فحسب هو تأسيس مساكن الصوفية لأول مرة؛ فمن المهم أن ندرك من هذه المرحلة المبكِّرة العلاقاتِ الخفيةَ والسببيةَ بين تأسيس المساكن وتأسيس الأضرحة. لم تصبح المساكن أضرحةً للأولياء من خلال عملية تدهور و«أزمة روحانية» طويلة الأمد مثلما اعتقد جيل سابق من المؤرِّخين، بل كانتا — أيِ المساكن والأضرحة — منذ بدايتهما مظاهرَ مرتبطةً للمؤسسات نفسها.113 فلقد دُفِن رجال مثل أبي سعيد والكازروني والأنصاري في المساكن التي أسَّسوها، وحتى أثناء حياتهم في القرن الحادي عشر وصَف مُعاصِرُهم الهجويري زياراته التي قام بها لقبور الصوفيين الأوائل في كُتيِّبه — المحافظ على نحوٍ حَذِر — عن المُمارسة الصوفية.114 إذًا فما نراه في إنشاء المساكن هو مزج مُثير بين رأس المال الرمزي المُتمثِّل في الوِلاية، ورأس المال المادي المتمثِّل في المساكن الصوفية. في الفصول القادمة، سوف نتتبَّع التَّبِعات الهائلة لهذا التطور مع انتشار هذه المساكن والأضرحة من خراسان إلى كل أرجاء العالم الإسلامي.

ملخص

ما لدينا منذ القرون الأولى للتاريخ الصوفي هو تقريبًا أدلة نصية فحسب، معظمها غامض للغاية ولا يشير إلا يسيرًا إلى السياقات المحدَّدة التي كُتِبت فيها. وفي سعينا لإيجاد طرق يمكننا من خلالها ربط تلك الأدلة المكتوبة بالعالَم الذي نشأت فيه، كانت مهمَّتنا إلى حدٍّ ما تتمثَّل في محاولة فهم جاذبية الكتابات التي سمحت للصوفية بالتطور والانتشار بعيدًا عن أتباعها الأوائل. ومن أجل فعْل ذلك، تتبَّعنا على مدار الصفحات السابقة سلسلةً من التطوُّرات التي ما بين مُنتصَف القرن التاسع والقرن الثاني عشر، ضمنت أن مصطلح «صوفي» كان يُشير إلى نطاق من الأشخاص والأفكار والأنشطة والمؤسَّسات، بحلول القرن الثاني عشر، يفوق كثيرًا ما كان يشير إليه عند استخدامه لأول مرة من قِبَل المسلمين قبل ذلك بثلاثة قرون.

أول هذه التطورات الكبرى التي شهدناها يُمكن أن نصفه بأنه خطابي، ومن خلاله استخدم الصوفيون الأوائل المصادرَ النصية المتمثِّلة في القرآن والسُّنَّة من أجل تطوير مصطلحات صوفية مُبجَّلة يَصفون بها الأفكار والأنشطة التي روَّجوها. وسواء أشارت هذه المصطلحات الصوفية إلى أشخاص معيَّنين مثل «أولياء الله»، أم إلى أنشطة محدَّدة مثل «الذِّكْر»، أم إلى توجُّهات اجتماعية معينة مثل «التوكل على الله»، فإنها ربطت الصوفيِّين منذ بدايتهم بالتطورات الأوسع نطاقًا في الاتجاه السائد في الفكر الإسلامي. وبالإضافة إلى كون هذه المصطلحات مبجَّلة، يجب أيضًا أن نستنتج أن الأتباع الذين التفُّوا على نحوٍ مُتزايد حول الشيوخ الصوفيين وجدوا هذه المصطلحات مفهومة ومفيدة؛ مما سمَحَ لهم بفهم تجاربهم الخاصة أثناء التأمل والصلاة؛ ومن ثَمَّ تعميق التزامهم بالرؤى النفسية والاجتماعية الأوسع نطاقًا، التي كان يُكوِّنها المسلمون في هذه القرون. وكما رأينا، فإن هذه المصطلحات وأنواع النصوص المختلفة التي استخدمتُها لشرح المعتقدات المتعلقة بالطريقة الصوفية والأولياء كانت مفهومة في كلٍّ من خراسان والعراق؛ مما ساعد في اكتساب الحركة — العراقية الأصل — أتباعًا في المناطق الشرقية التي قد كوَّنت في السابق حركات دينية خاصة بها. وفي هذه المناطق الشرقية وجدنا أكملَ الأدلة النصية على تحوُّل الصوفية من فكرة إلى تقليد، وهذه عملية رأينا فيها دورًا محوريًّا في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر لأعمال السِّيَر التي استخدمت إطارًا من النسب، لتوضِّح أن المعتقد الصوفي توارَثَتْه الأجيال (الطبقات) منذ وقت النبي محمد وحتى وقت كاتب السيرة. وفي هذا الصدد، نشهد عمليةً كانت فيها الكتاباتُ والسِّيَر المُتذَكَّرة للصوفيين الأوائل في العراق (بالإضافة إلى الزهَّاد شبه التاريخيين في فترة سابقة) بمنزلة «ماضٍ قابلٍ للاستخدام»؛ أيْ تاريخ يُمكن توظيفه استراتيجيًّا لبناء تقليد مرموق وشرعي.

ساعدت هذه المكانة المرموقة والشرعية الصوفيين على كسبِ المزيد من المؤيدين وحمايتِهم من إمكانية انتقادهم بسبب ابتداعهم المنحرف. وبالإضافة إلى ذلك، وضعتا طرُقَهم مباشَرةً في إطار معرفي سائد اعتُبِر فيه التقليد والوحي أعلى مكانةً من الابتكار والعقل.115 إن محاولات الصوفيِّين المتكرِّرة لربط أنفسهم بالماضي الموثوق فيه — سواء أكان ذلك من خلال استخدامهم للقرآن والحديث أم من خلال أنساب شيوخهم — تشير مرةً أخرى إلى خطرِ فكرةِ رؤية الصوفيِّين باعتبارهم «متصوفين» يهتمُّون في الأساس بالسعي وراء التجربة. وعلى الرغم من أن السعي وراء التجربة — الذي أصبح يشير إليه كثير من الصوفيين في نهاية هذه الفترة باسم «الذَّوق» — كان سِمَةً مهمة في النشاط الصوفي، فإننا يجب أن نتذكر أن الصوفيين كانوا منهمكين في صراع دائم لربط هذه التجارب بمفاهيم التقليد المشروعة، التي تعبِّر عنها المصطلحاتُ القديمة. هذا لا يَعني أن الصوفيين أصبحوا «عالِقين» بعض الشيء في هذه المصطلحات وهذا التقليد؛ لأننا في الفصول القادمة سوف نرى أنه على الرغم من بقاء المصطلحات القديمة، فإن معناها وما تُشير إليه قد توسَّعا كثيرًا على يد الكُتاب المتأخِّرين؛ فالتقليدُ في النهاية مصدرٌ قابل للتعديل.

في أثناء عملية التنافُس والدمج، التي من خلالها توسَّعَ الصوفيون من ساحتهم الأولى في العراق، ساعَدَهم أيضًا اندماجُهم في الأُطُر المؤسَّسية الأوسع نطاقًا للتيار السُّنِّي (مثل: المذهب الشافعي والمدارس)، وكذلك تطويرهم لآلياتٍ مؤسسية خاصة بهم (مثل: العلاقة السلطوية بين الشيخ والمريد والخانقاوات). ومقارنةً بمتطلبات المتصوفين القاسية مثل الزهاد والكرامية، فإنَّ جاذبية الرسالة الصوفية ربما ساعَدَها أيضًا الاهتمام بالامتثال الاجتماعي والاعتدال؛ إذ على الرغم من أنه كان هناك بالتأكيد صوفيون زهَّاد اكتسبوا شهرةً في هذه الفترة، بين أوساط العلماء وبين العوام، فقد كانت مواءمة الصوفيين لتعاليمهم الروحانية مع الهياكل الدنيوية للحياة الاجتماعية والاقتصادية والأُسَرية؛ هي ما منَحَهم الدعمَ اللازم للاستمرار والانتشار على نحوٍ يَفوق حركات الزهد والحركات الباطنية الأخرى التي ازدهرت في وقتهم واضمحلَّت.

في نهاية الفترة ما بين مُنتصف القرن التاسع والقرن الثاني عشر، نرى أيضًا أن فكرةَ كونِ الصوفيين أولياءَ لله، يَستطيعون بصفةٍ خاصة التمتُّعَ بقوة الله، قد مكَّنتهم من اكتساب طيفٍ أكبر من الأتباع بين صفوف العوام، الذين كانت التدخُّلات الإعجازية في حياتهم العادية ذات أهمية أكثر إلحاحًا مِن رؤيتهم المُباشِرة لله. إن هذا الانتشار للفكر الصوفي — الذي شهدْناه في سِيَر رجالٍ مثل أبي سعيد الميهني — خارجَ دائرة العلماء والحضر ليصلَ إلى الأميِّين والريفيين؛ يجب ألَّا نَعتبره عملية «تدهور»، بل شهد ذلك الانتشار النتائج الاجتماعية لأفكار الوِلاية التي استعرضها بعض المُنظِّرين الصوفيين الأوائل. وكما سنرى في الفصل الثاني، فعلى الأرجح كان إطلاق العِنان الكامل لهذا الانتشار للفكر الصوفي هو التطور الأهم في التاريخ الصوفي. وعلى الرغم من أننا لم نصل بعدُ إلى نهاية القصة، نتيجةً لما سلف ذكره، فإنَّنا يُمكننا في الوقت الحاضر على الأقل القول في العموم إنَّ الفترة ما بين مُنتصَف القرن التاسع والقرن الثاني عشر شهدت تطورَ الصوفية من مجرد لفظة مُستخدَمة محليًّا للإشارة إلى «لابسي الصوف»، إلى طريقة معرفية مُفصلة في عدد مُتزايد من النصوص، وأخيرًا إلى تقليدٍ حازَ على التمكين من خلال الآليات المؤسَّسية المتمثِّلة في الانتساب الجماعي وإعادة الإنتاج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١