الفصل الثاني عشر

تأثير التواصل غير المباشر

من المألوف جدًّا أن يُعمينا «محتوى» أي وسيلة إعلامية عن طبيعة الوسيلة نفسها.

مارشال ماكلوان
«فهم وسائل الإعلام» (١٩٦٤)

في الفصل السابق، ذكرنا أن العاطفة بمثابة حارس على القرارات، وأنها يمكن أن تؤثر على أي قرارات تتخذها دون أن تدرك ذلك. وقد تكون على استعداد لأن تتقبَّل فكرة أن المحتوى العاطفي في الإعلانات قد يؤثر على مشترياتنا اليومية من السلع والبضائع التي نشتريها من المحلات التجارية، بل ربما تكون على استعداد حتى لأن تتقبَّل فكرة أن المحتوى العاطفي في الإعلانات يمكن أن يُغريك ويجذبك إلى معرض سيارات. لكنني أشك في أن لديك استعدادًا لأن تتقبَّل فكرة أن هذا المحتوى العاطفي ذاته يمكن فعلًا أن يلعب أي دور في القرار النهائي المتعلق بنوعية السيارة التي تشتريها. بالتأكيد قرار مهم مثل هذا القرار من شأنه أن يكون مدفوعًا من الجزء المرتبط بالتفكير العقلاني في دماغك، أليس كذلك؟

قد يتفق العديد من الأكاديميين والمُعلِنين معك، فقد أظهرتِ الأبحاث — على سبيل المثال — أنه على الرغم من أن صناعة الإعلان تَعتَبِر الإعجاب بإعلان ما أحد أهم مؤشرات نجاح هذا الإعلان عند اختبار الإعلانات، فإن تأثيره يكون في الواقع ضئيلًا إنْ وُجد (بيركفيست وروسيتر، ٢٠٠٨). وقياسًا على القول المأثور: «تستطيع أن تأخذ الحصان إلى النهر ولكن لا يمكنك أن تُجبِره على الشرب»، تُشير هذه الدراسة إلى أن المحتوى العاطفي في إعلان ما يمكن أن يجذب الناس إلى المعرض، غير أنه لا يمكن أن يُجبرهم على الشراء.

أم إنه يمكن أن يجبرهم على ذلك؟ بالتأكيد لا توجد أدلة على أن مجرد الإعجاب بإعلان ما يمكن أن يقنعك بشراء السلعة التي تحمل العلامة التجارية المُعلَن عنها. ولكن ثمة أدلة قوية تشير إلى أن الشعور بالمَيْل على نحو إيجابي تجاه شركة ما قد يدفعك لشراء منتجاتها؛ وكما نعلم قد يدفعك «عدم» الإعجاب بشركة ما إلى «عدم» شراء منتجاتها. أيضًا، تعتبر أي شركة سيارات — في الواقع — بمثابة علامة تجارية، ويوجد أدلة تثبت أن المحتوى العاطفي في الإعلان يمكن أن يجعلك تشعر بالإعجاب تجاه علامة تجارية. وينبع هذا الدليل من علم النفس السلوكي وسيكولوجية العلاقات بين الناس (فلدويك، ٢٠٠٩).

التواصل العاطفي والعلاقات مع العلامات التجارية

يهتم علم النفس السلوكي في الأساس بالعلاج النفسي والسلوك المرتبط بالعلاقات بين الناس، ويلقي بعضًا من الضوء المهم للغاية على كيفية تفاعل التواصل العاطفي مع العلاقات. ويعتبر عمل بول فاتسلافيك أحد النصوص المؤسِّسة التي يستخدمها أولئك الذين يدرسون التواصل بين الأشخاص، حيث رسخ فاتسلافيك وآخرون (١٩٦٧) خمس بديهيات أو قواعد للتواصل؛ تُعتَبَر الثلاثة البديهيات الأولى منها الأكثر انطباقًا على الإعلان.

تنص بديهية فاتسلافيك الأولى على أن التواصل بين الأشخاص يحدث دائمًا حيث يقول: إنه «لا يمكن للمرء عدم التواصل» (فاتسلافيك وآخرون، ١٩٦٧). وقد أثبت فاتسلافيك أنه حتى مع عدم تحدث أي شخصين بعضهما إلى بعض، يكونان منخرطين في عملية تواصل عبر لغة جسديهما كما أن احتفاظهما بالصمت يُعَدُّ شكلًا من أشكال التواصل. والشيء نفسه يمكن أن يُقال عن صفحة فارغة في صحيفة تحمل اسم علامة تجارية؛ فحقيقة أن الصفحة فارغة هي في حد ذاتها جزء من التواصل.

إن السبب في حدوث التواصل — حتى مع عدم التفوُّه بأي شيء — يبدو واضحًا في بديهية فاتسلافيك الثانية التي تنص على أن «لكل عملية تواصل محتوًى وجانبًا علائقيًّا بحيث يصنف الجانب العلائقي المحتوى؛ ومن ثم يكون ضربًا من ضروب التواصل غير المباشر.» (فاتسلافيك وآخرون، ١٩٦٧) وفي رأيه، «التواصل» هو ما يقال، ولكن نبرة الشخص المتواصل ولغة جسده تغيِّران وتعدِّلان من طبيعة هذا التواصل؛ وهذا ما أطلق عليه فاتسلافيك «التواصل غير المباشر». وبالطريقة نفسها تمامًا، يمكن أن يكون لكل إعلان رسالة أو رأي مكتوب أو شفهي، بَيْدَ أن الحالة المزاجية والنبرة وغيرهما من العناصر التي يتألف منها الإبداع في الإعلان تغيِّر هذه الرسالة؛ لذلك فإن الإبداع — في مجال الإعلان — هو الذي يتضمن تواصلًا غير مباشر.

يمثِّل هذا الأمر أهمية كبيرة إذا أردنا فهْم الكيفية التي تؤثر بها الإعلانات فهمًا واضحًا، فليس من غير المألوف في هذه الصناعة أن تسمع عملاءَ يقولون أشياء من قَبِيل «أريد فقط إعلانًا يوصل الحقائق، وليس أكثر من ذلك». وما لا يُدركونه هو أن المرء لا يمكن أن يوصل الحقائق فحسب؛ فلكل إعلان — مهما بلغت بساطته — تواصل مباشر وغير مباشر.

فلنأخذ الصفحة الفارغة التي تتضمَّن اسم العلامة التجارية مثالًا، هنا عملية التواصل دون شك معنية في الأساس باسم العلامة التجارية، ولكنَّ وضْع اسم العلامة التجارية في صفحة فارغة يوصل «رسالة خفية» مفادها: «لا يوجد شيء أكثر من ذلك تحتاج لمعرفته عني»، ويوصل أيضًا رسالة أخرى غير مباشرة مفادها: «إنني أتمتع بما يكفي من الثقة والثراء لشراء صفحة كاملة في هذه الصحيفة دون أن أذكر شيئًا فيها.» لذا، كما ذكرتُ في وقت سابق، لا يمكن أن يخلو الإعلان من رسائل خفية أو غير مباشرة.

وفي البديهية الثالثة له، عقد فاتسلافيك مقارنة بين هذين النوعين من التواصل ومفهوم المحتوى «الرقمي» مقابل المحتوى «التماثلي»، حيث يرى فاتسلافيك «التواصل» رسالةً رقميةً عقلانيةً واضحةً ولا لبس فيها، كما يمكن تحليلها وتصنيفها بسهولة، وغالبًا ما تفتقر إلى القِيَم العاطفية. وفي المقابل، يرى أن التواصل الخفي أو غير المباشر يكون عاطفيًّا جدًّا في طبيعته، وغالبًا ما يكون غامضًا وخفيًّا، كما يكون من الصعب تصنيفه بل يصعب حتى في بعض الأحيان التعرف عليه. ولا يحتاج الأمر منَّا سوى القليل من التخيُّل لنرى أن وصْف فاتسلافيك للتواصل بين الأشخاص يُشبِه المصطلحات التي يستخدمها محترفو الإعلان عند وصف الإعلان: حيثما يتحدث فاتسلافيك عن «التواصل الرقمي العقلاني»، يتحدث محترفو الإعلان عن «الرسالة»؛ وحيثما يصف فاتسلافيك «التواصل العاطفي غير المباشر»، يتحدث محترفو الإعلان عن «الإبداع».

حتى الآن، يبدو الأمر جيدًا للغاية. ولكن ما علاقة هذا بكيفية تأثير المحتوى العاطفي الذي تتضمنه الإعلانات على سلوكنا الشرائي؟ يكمن تفسير هذا الأمر في الطريقة التي يتم بها بناء العلاقات، والطريقة التي يتم بها تفكيك هذه العلاقات.

ركز بحث فاتسلافيك على الطريقة التي نبني بها العلاقات، حيث رصد في الأساس أزواجًا كان لديهم مشكلات، ودرَّبهم على استخدام طرق مختلفة للتغلب على هذه المشكلات. وفي أثناء القيام بهذا، اكتشف شيئًا مهمًّا جدًّا: وجد أنه عندما كانتِ العلاقات بين الزوجين على وشك الانهيار، كان مستوى «التواصل» غالبًا معقولًا ومقبولًا على نحو مثالي، بَيْدَ أن التواصل غير المباشر هو الذي كان سببًا في الانهيار. بعبارة أخرى، كان الناس يقولون أشياء جيدة، ورغم ذلك، كانت «الطريقة» التي تُقال بها هذه الأشياء هي التي تسبِّب النزاع والسلبية؛ لذلك فإن مجرد تحسين «الأشياء» التي يقولها الناس بعضهم لبعض ليس له تأثير كبير على العلاقة فيما بينهم.

وجد فاتسلافيك أنه إذا كنتَ قادرًا على تصحيح التواصل غير المباشر، يمكنك حينها بسهولة نسبيًّا رأب الصدع الذي أصاب العلاقة. في الواقع، كان تحسين التواصل غير المباشر ناجحًا لدرجة مكَّنتِ العلاقة من الاستمرار والبقاء حتى عندما كان يتفوَّه الزوجان بأشياء مدمِّرة وسلبية.

وقد خلص فاتسلافيك من هذا الأمر إلى أن هذا الجانب من التواصل غير المباشر هو المحرك الرئيسي للعلاقات. وبعبارات بسيطة، ليستِ «الأشياء» التي تقولها هي التي تبني العلاقات، بل «الطريقة» التي تقولها بها.

هذا يعني الكثير بالنسبة لمجال الإعلان. فما يُشير إليه بحث فاتسلافيك هو أن الرسالة العقلانية في الإعلان ليستْ هي ما يبني ارتباطًا أو علاقة بعلامة تجارية معينة، ولكن الإبداع العاطفي الذي يُحِيط بتلك الرسالة هو ما يبني تلك العلاقة. وهذا يعني أن توصيل الرسالة في الإعلان — الذي يشغل ٩٠٪ من وقت وجهد المعلنين والمسوِّقين — قد لا يكون له في واقع الأمر سوى أهمية ضئيلة نسبيًّا فيما يتعلق بالاحتفاظ بنجاح العلامة التجارية على المدى الطويل. وعلى النقيض، قد يصبح الإبداع — الذي يُتْرَك عمومًا وبالكلية لأهواء المبدِعين الذين يعملون بحماس في وكالاتهم الإعلانية — الشيء الوحيد البالغ الأهمية الذي يرتبط بنجاح العلامة التجارية على المدى الطويل. وبعبارة أخرى، قد تنقلب عملية صنع الإعلانات برمتها رأسًا على عقب.

كانت لدى مارشال ماكلوان — الذي افتُتح هذا الفصل بمقولته — الفكرة نفسها إلى حدٍّ كبير. أشهر ما قاله ماكلوان هو: «أحيانًا ينتابنا إلى حد ما نوع من الصدمة عندما يتم تذكيرنا بأن الوسيلة الإعلامية — في الواقع العملي والتطبيقي — هي الرسالة» (ماكلوان، ١٩٦٤). وهذه المقولة تُلمِح إلى فكرة أن ناقل الرسالة يكون أكثر تأثيرًا من الرسالة نفسها. ولكنْ عندما يقول ماكلوان: «من الشائع جدًّا أن يُعمينا «محتوى» أي وسيلة إعلامية عن طبيعة هذه الوسيلة نفسها» (ماكلوان، ١٩٦٤)، فمن الواضح جدًّا أنه يتحدث عن التواصل الذي يُعمينا عن التأثير الذي يمارسه التواصل غير المباشر علينا. هذا هو ما يحدث في الإعلان في كثير من الأحيان؛ نلحظ الرسالة ونعارضها، ولكن، عند القيام بذلك، ينسحب انتباهنا بعيدًا عن التواصل العاطفي غير المباشر للإبداع ويدخل هذا دون أن ندري في عقلنا الباطن. ولأننا لسنا على دراية به، لا يمكننا تقديم حُجَج معارضة له؛ ومِن ثَمَّ، نكون غير قادرين على تخفيف تأثيره فيما يتعلق بعلاقتنا مع العلامة التجارية.

قد تبدو فكرة إقامة «علاقة» مع علامة تجارية مستبعَدة إلى حدٍّ ما لدى البعض منكم، فالشركات والعلامات التجارية ما هي إلا أشياء جامدة. وبالتأكيد، لا نُكِنُّ لها النوع نفسه من المشاعر التي نُكِنُّها لأزواجنا وآبائنا وأطفالنا وأصدقائنا.

في الواقع، هناك الكثير من الأدلة التي تثبت أننا لا نتعامل مع الشركات والعلامات التجارية باعتبارها «جزءًا من عائلتنا»، فمقدار التعلُّق بها أقل كثيرًا من مقدار تعلقنا بالناس، لكن تربطنا بها مشاعر مع ذلك. حسنًا، لا يدَّعي أحد أنك قد تَقَع في غرام منظف المرحاض الخاص بك، ولكنْ ألَا نشعر بالارتباط عاطفيًّا بسياراتنا ودرَّاجاتنا البخارية التي هي من الجمادات؟ يكفيك أن تدخل على شبكة الإنترنت لتَجِد مجموعات هائلة من الناس يكرِّسون حياتهم بالكامل لعلامات تجارية مثل ألفا روميو وفولكس فاجن وهارلي ديفيدسون ودوكاتي وغيرها. في الواقع، هذه العلامات التجارية مؤثِّرة جدًّا لدرجة أن هؤلاء الهواة أصبحوا هدفًا لنشاط تسويقي كبير (وغير ناجح في أغلبه). ويمكن أن نجد النوع نفسه من التعلق في أسواق متنوعة مثل أسواق المزلجات والأحذية الرياضية والخمور والملابس والفيتامينات والمشروبات الغازية وأجهزة الكمبيوتر. تحدَّثْ فقط مع أحد المتحمِّسين ﻟ «آبل» لبضع دقائق وستجد في الغالب أن لديه ارتباطًا عاطفيًّا فعليًّا بأجهزة آبل. ويمكن أن نجد هذا الارتباط العاطفي نفسه بين أولئك الذين يشترون مساحيق الغسيل الحيوية مثل إيكوفر، حتى وإن بدا حماسهم غير واضح نسبيًّا؛ لذلك فنحن «نرتبط» — على مستوًى ما — بكل العلامات التجارية التي نشتريها بانتظام، على الرغم من أننا لا ندرك دائمًا وجود هذه العلاقات.

ولكن حتى إن قبلتَ فكرة أنك قد تشعر بالتعلق بعلاماتك التجارية المفضَّلة، فما هي الأدلة التي تُثبِت أن نظريات فاتسلافيك تنطبق عليها؟ بالتأكيد، إذا كان لدينا تعلُّق بشيء ما، فقد يكون هذا التعلق عقلانيًّا ومستمدًّا من أداء المنتج وليس مستمدًّا مما نشعر به حيال ذلك المنتج. وقد يؤثر التواصل غير المباشر الذي يحدث في سياق التواصل الإنساني على علاقاتنا الشخصية بعضنا مع بعض، ولكن ما الدليل على أنه يمكن للتواصل غير المباشر في الإعلانات التأثير على علاقاتنا مع العلامات التجارية؟ الجواب المختصر هو أنه لم يكن هناك الكثير من الأدلة حتى قررتُ أنا واثنان من زملائي اختبار ذلك بأنفسنا. وإليكم ما توصلنا إليه.

اختبار نظرية فاتسلافيك

من أجل اختبار ما إذا كانت نظرية فاتسلافيك تنطبق على الإعلانات أم لا، كنَّا بحاجة إلى القيام بأمرين: الأمر الأول أنه كان علينا أن نجد طريقة ما مِن أجْل القياس الكمِّي لقوة العلاقة — أو التعلق إذا كنتَ تفضل أن تُطلِق عليه ذلك — التي تنشأ بين الناس والعلامات التجارية. والأمر الثاني أنه كان علينا أن نجد طريقة ما لقياس التواصل المباشر وغير المباشر.

من السهل نسبيًّا قياس العلاقات مع العلامات التجارية، ويُعتَبَر المقياس البسيط للتعلق هو مقدار الاستحسان الذي يعبِّر عنه شخص ما حيال العلامة التجارية. ولا يعتبر هذا الاستحسان مقياسًا يمكن تطبيقه على المستخدمين وغير المستخدمين على حد سواء فحسب، بل يمكن أيضًا قياسه بسهولة باستخدام مقياس دلالي موسع. وقد استخدمنا مقياسًا بسيطًا يتكون من ١٠ نقاط تبدأ من «مستحسَن للغاية» وتنتهي ﺑ «غير مستحسَن تمامًا».

كان القياس الكمي للتواصل المباشر وغير المباشر في الإعلان أكثر تعقيدًا نوعًا ما، ووصف فاتسلافيك ورفاقه التواصل المباشر بأنه عقلاني في الأساس، كما وصفوا التواصل غير المباشر بأنه في الأساس عاطفي في طبيعته؛ لذلك فإن مستوى التواصل في إعلان ما سوف يعكس حجم «الرسالة» العقلانية التي يُرى أنها وردت فيه. وعلى النقيض، سوف يعادل مستوى التواصل غير المباشر الكم المُدرَك من المحتوى العاطفي أو الإبداع الموجود في الإعلان. والمشكلة الوحيدة هي أنك لا تستطيع في الواقع أن تسأل شخصًا ما مباشرة عن حجم الرسالة أو كمِّ الإبداع الذي يعتقد أنه يوجد في إعلان معين حيث إنه قد ينظر إليك حينها كما لو كنتَ مجنونًا.

كان حلُّ هذه المشكلة أن نستخلص هذه المقاييس من خلال طرح مجموعة من الأسئلة غير المباشِرة عن المحتوى الإعلاني. ولحُسْن الحظ، تم القيام بذلك فعليًّا عن طريق نظام متخصص في أبحاث الإعلانات يُطلَق عليه اختبار «القوة الإدراكية العاطفية».

وقد تم إعداد اختبار القوة الإدراكية العاطفية كجزء من نظام الاختبارات القبلية على الإنترنت للمساعدة في تقييم المستويات المطلقة والنسبية للمحتوى العاطفي والعقلاني في الإعلانات. فعن طريق استخدام مجموعة اختبارات تتألَّف من ١٠ عبارات، حدد اختبار القوة الإدراكية العاطفية اثنين من المفاهيم: القوة الإدراكية التي تقيس قوة الرسالة والمعلومات العقلانية الواردة في الإعلان، والقوة العاطفية التي تقيس قوة المحتوى العاطفي الموجود في الإعلان. هذان المفهومان يوازيان عن كثب التواصل المباشر وغير المباشر عند فاتسلافيك؛ لذلك إذا تمَّ تطبيق بديهيات فاتسلافيك في مجال الإعلان، ينبغي أن تكون القوة العاطفية حينها هي التي تتصل بالعلاقات القوية التي تجمعنا بالعلامات التجارية، وليس القوة الإدراكية.

أجرَيْنا عمَلَنا التجريبي في عام ٢٠٠٥ ونُشِرَ في «جورنال أوف أدفرتيزنج ريسيرش» (هيث وآخرون، ٢٠٠٦). وقد نُفِّذت أول تجربة أجرَيْناها عن طريق اثنين من الاستبيانات تمَّ نشرُهما على الإنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد اختَرْنا في الاستبيان الأول مجموعة من ٢٣ إعلانًا تليفزيونيًّا يتم بثُّها حاليًّا في الولايات المتحدة الأمريكية لعدد من الفئات المختلفة من المنتجات، وقمنا بعرض هذه الإعلانات على عينة عامة من الأفراد. وبعدها طرحنا الأسئلة الموجودة في اختبار القوة الإدراكية العاطفية، وقمنا بإعداد التقييمات الخاصة بالقوة الإدراكية والقوة العاطفية لكل إعلان.

جدول ١٢-١: معاملات الارتباط في الولايات المتحدة الأمريكية (هيث وآخرون، ٢٠٠٦).
إدراكي عاطفي التحول في الأفضلية
القوة الإدراكية ارتباط بيرسون ١
ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل)
ن ٢٣
القوة العاطفية ارتباط بيرسون ٠٫٤٠٣ ١
ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل) ٠٫٠٥٧
ن ٢٣ ٢٣
التحول في الأفضلية ارتباط بيرسون ٠٫٢٩١ ٠٫٥٣٢* ١
ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل) ٠٫١٧٨ ٠٫٠٠٩
ن ٢٣ ٢٣ ٢٣
الارتباط ملحوظ عند مستوى ٠٫٠١ (اختبار ثنائي الذيل).

ومن أجْل قياس مدى تأثير كل إعلان على العلاقات التي تتم إقامتها مع العلامات التجارية، تم توظيف عينة عامة أخرى من الأفراد على الإنترنت. في البداية، لم يكن المشاركون قد شاهدوا الإعلانات ولم يُطلَب منهم سوى تقييم كل العلامات التجارية الواردة على أساس الأفضلية، وذلك من خلال استخدام مقياس عشر النقاط. وبعد ذلك، عُرِضَ عليهم بعض من المقاطع المختارة من كل إعلان من الإعلانات وسُئلوا عمَّا إذا كانوا قد شاهدوا هذه الإعلانات من قبل على شاشة التليفزيون أم لا. وهذا يعني أنه بإمكاننا الآن تقسيم درجات أفضلية العلامات التجارية بين أولئك الذين تعرفوا على الإعلانات، وأولئك الذين لم يتعرفوا عليها. وقد أحدث هذا الأمر «تحولًا» في الأفضلية؛ الأمر الذي أظهر إلى أيِّ مدًى حسَّنتِ الإعلانات درجة التعلق بالعلامات التجارية لدى هؤلاء المشاركين عندما كان الإعلان يُعرَض على الهواء. وقد تم التحكم في مستويات الاستخدام لضمان عدم وجود أي تحيُّز قد يحدث بسبب زيادة عدد المستخدمين بشكل كبير في عيِّنات مَن تعرفوا على العلامة التجارية ومَن لم يتعرفوا عليها على حدٍّ سواء.

وقد جَعَلَنا كلٌّ مِن هذين الاختبارين قادِرِين على دراسة العلاقة بين التحول في الأفضلية فيما يتعلق بالعلامات التجارية والقوة العاطفية والقوة الإدراكية في الإعلان. وما خلصنا إليه هو وجود علاقة إيجابية متواضِعة، ولكنَّها ذات مغزًى، بين القوة العاطفية والتحول في الأفضلية. ولكن لم يكن ثمة أي علاقة ذات دلالة بين القوة الإدراكية والتحول في الأفضلية. وتَظهَر هذه الإحصاءات في الجدول ١٢-١ أعلاه.

أظهرت هذه النتائج — كما توقَّعنا — أن القوة العاطفية وحدها في الإعلانات هي التي ارتبطت بتحسين أفضلية العلامات التجارية. وكما أظهر بحث فاتسلافيك، كان للقوة الإدراكية (أو الرسالة) تأثير ضئيل، إنْ وُجد من الأساس.

ومن أجْل معرفة إذا ما كانت النتائج تنطبق فقط على الولايات المتحدة الأمريكية أم لا، أُجريت تجربة مماثلة أخرى في المملكة المتحدة تم فيها استخدام مجموعة من الإعلانات التليفزيونية بلغ عددها ٢٠ إعلانًا تليفزيونيًّا يجري بثُّها حاليًّا في المملكة المتحدة. ويُظهِر الجدول ١٢-٢ النتائج.

وكما هو واضح، أظهرت البيانات البريطانية وجود علاقة إيجابية ذات دلالة أكثر وضوحًا بين القوة العاطفية والتحول في الأفضلية. وفي هذه الحالة، تم العثور على علاقة «عكسية» ضئيلة بين القوة الإدراكية والتحول في الأفضلية، وهذا يعني ضمنيًّا أنه كلما كانت الرسالة أكثر وضوحًا في الإعلانات البريطانية، قلَّتِ «احتمالات» تأثيرها على الأفضلية تجاه العلامة التجارية؛ لذلك على الرغم من الاختلافات في الأساليب الإعلانية بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، جاءت النتائج متَّسقة بشكل ملحوظ، وأظهرتِ القوة العاطفية وجود علاقة خطية ذات دلالة مع التحول في الأفضلية في حين لم تُظهِر القوة الإدراكية وجود علاقة ذات مغزًى.

توضح هذه النتائج أن نظرية فاتسلافيك يمكن تطبيقها في مجال الإعلان؛ حيث يبدو أنه ليس للرسالة العقلانية في الإعلان سوى تأثير ضئيل — إنْ وُجد أصلًا — على علاقاتنا بالعلامات التجارية تمامًا مثلما أن التواصل العقلاني بين الناس ليس له سوى تأثير ضئيل — إنْ وُجد أصلًا — على العلاقات الشخصية بين الأفراد. وعلى النقيض، يبدو التواصل غير المباشر العاطفي «الإبداعي» في الإعلان قادرًا على بناء علاقات قوية بالعلامات التجارية مثلما أن هذا التواصل العاطفي غير المباشر في التواصل بين الأفراد قادر على بناء علاقات شخصية قوية؛ لذلك فإن الأفكار الإبداعية الغريبة التي ناقشناها في الفصل الثاني — والتي غالبًا ما يبدو أنه ليس بينها وبين ما يتم الإعلان عنه أي علاقة — تَبَيَّنَ فجأة أنه ربما يكون لها تأثير مباشر على مدى تعلقنا وارتباطنا بالعلامات التجارية.

جدول ١٢-٢: معاملات الارتباط في المملكة المتحدة (هيث وآخرون، ٢٠٠٦).
إدراكي عاطفي التحول في الأفضلية
القوة الإدراكية ارتباط بيرسون ١
ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل)
ن ٢٠
القوة العاطفية ارتباط بيرسون −٠٫٢٤١ ١
ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل) ٠٫٣٠٧
ن ٢٠ ٢٠
التحول في الأفضلية ارتباط بيرسون −٠٫٢٧٥ ٠٫٥٨٧* ١
ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل) ٠٫٢٤٠ ٠٫٠٠٦
ن ٢٠ ٢٠ ٢٠
الارتباط ملحوظ عند مستوى ٠٫٠١ (اختبار ثنائي الذيل).

ولكن هل هناك أي دليل يُثبت أن هذا النوع من الإبداع الإعلاني له أي تأثير على السلوك أكثر من مجرد تأثير بسيط؟ حسنًا، تذكر دراسة الحالة الخاصة بتلما نودلز التي نوقشت في الفصل الثالث. لقد ذكرنا في السابق هذا الإعلان الذي لم تكن له رسالة على الإطلاق، ومع ذلك نتج عنه بطريقة أو بأخرى علامة تجارية حققت نجاحًا مذهلًا. ونضع الآن بين يديك دراسة حالة أخرى أكثر شهرة شهدتْها المملكة المتحدة قبل أكثر من ٣ أعوام مضت.

دراسة حالة: إعلان غوريلا كادبوري

أطلقت الوكالة الإعلانية الجديدة لشركة الشوكولاتة البريطانية «كادبوري» إعلانًا تليفزيونيًّا غريبًا لشوكولاتة كادبوري ديري ميلك في ٣١ أغسطس ٢٠٠٧. ويُظْهِر الإعلان ما يبدو أنها غوريلا (كانت في الواقع الممثل جارون مايكل مرتديًا رِدَاءً مكلِّفًا للغاية تم تفصيله على شكل غوريلا تشبه كثيرًا الغوريلا الحقيقية) تقرع الطبول في أغنية فيل كولينز الناجحة «في الهواء الليلة». وقد تم إطلاق هذا الإعلان في أحد الفواصل الإعلانية في المسلسل التليفزيوني الشهير جدًّا «الأخ الأكبر»، وصحب ذلك نشاط واسع النطاق للعلاقات العامة. وفي غضون بضعة أيام من عرضه للمرة الأولى، قلَّما وُجد شخص لم يسمع بإعلان غوريلا كادبوري.

وعندما نحاول وصف ذلك الأمر، لا يبدو الإعلان رائعًا أو لافتًا للنظر. في الواقع، أعتقد أن معظم الناس سوف ينظرون إلى هذا الإعلان على أنه ليس أكثر من هراء مسلٍّ؛ حيث تمرُّ نحو ٦٠ ثانية من الإعلان الذي تبلغ مدته ٩٠ ثانية في لقطات مقربة من الغوريلا وهي تترقب اللحظة التي يمكنها فيها قرع الطبول، وينتهي الإعلان بعد وقت قصير من بدء اللازمة المميزة التي تتكون من ١٠ ضربات. ولا تَظهَر الرسالة الوحيدة إلَّا في آخر ٥ ثوانٍ، عندما ترى على الشاشة عبارة «كوب ونصف من البهجة». وهذا كل ما في الإعلان.

من الصعب أن نفهم ما الذي يريد هذا الإعلان توصيله حول المنتج. إذا كنتَ واحدًا من كبار السِّنِّ من المشاهدين مثلي، فقد تتذكر أن كادبوري ديري ميلك طالما زعمتْ أنها تحتوي على «كوب ونصف من اللبن كامل الدسم» ولكن يَظَلُّ من الصعب جدًّا معرفة كيفية ارتباط ذلك بالغوريلا التي تقرع الطبول. قد تكون وكالة الإعلان (فالون لندن) نفسها تعتقد أن الناس سوف تعتبر هذا «دقيقة ونصفًا من السعادة» تقدمها لهم كادبوري، ولكن لأنه ليس هناك أي إشارة على الإطلاق لمدة الإعلان البالغة ٩٠ ثانية، لا يجب أن تأخذ هذا على محمل الجد. إن هذا الإعلان من كافة النواحي إعلان بلا رسالة مثله مثل إعلان تلما نودلز.

ومع ذلك، كان تأثير الإعلان هائلًا. ووفقًا ﻟ «ويكيبيديا»:
رغم التحفظات من أن فكرة الحملة قد تكون بالغة التجريد وليس لها سوى تأثير ضئيل، ذكرت كادبوري أن مبيعات ديري ميلك قد زادت بنسبة ٩٪ عن الفترة نفسها من عام ٢٠٠٦. وقد أظهرتْ قياسات الإدراك الحسي العام للعلامة التجارية والتي أجرتْها شركة «يوجوف» لأبحاث السوق أن نسبة مَن ينظرون إلى العلامة التجارية باستحسان زادت بمقدار ٢٠٪ بعد طرح الإعلان مقارنة بما كان عليه الحال في الفترة السابقة.1

يبدو كل ذلك مدهشًا، لكن الأمر في الواقع لم يقف عند هذا الحد؛ ففي وقت لاحق، تبيَّن أن تأثير الإعلان على مبيعات كادبوري ديري ميلك لم يكن استثنائيًّا نظرًا لأن هذه العلامة التجارية خضعت لدعم تسويقي واسع النطاق سبق إطلاق الحملة الجديدة. ولكن ما كان مثيرًا حقًّا هو أن كادبوري شهدت زيادة في مبيعات «جميع» منتجاتها؛ زيادة لا يمكن أن تعزوها إلا إلى إعلان ديري ميلك.

لذلك، فإننا أمام إعلان ليست له رسالة حقيقية أحدث زيادة في مبيعات جميع العلامات التجارية لشركة يبلغ عمرها ١٨٦ عامًا. يبدو أن التفسير الوحيد لهذا الأمر أن تعلُّق الناس بالعلامة التجارية ﻟ «كادبوري» قد تأثر بالإعلان، وتدعم نتائج استطلاع يوجوف — الذي أظهر زيادة بنسبة ٢٠٪ في تفضيل العلامة التجارية ﻟ «كادبوري» — هذا الاستنتاج.

بعد مرور ستة أشهر، أطلقت فالون إعلانًا آخَر تمَّ بثُّه في أحد الفواصل الإعلانية للمسلسل نفسه، ولكن هذه المرة مع مزيد من الدعاية. وقد تضمن هذا الإعلان الجديد مجموعة من شاحنات المطار تتسابق على مَدْرَج الطيران على أنغام موسيقى أغنية كوين الناجحة «وقتًا ممتعًا». ولكن هذا الإعلان باء بفشل ذريع؛ حيث لم تشهد مبيعات العلامة التجارية والشركة أي زيادة وأُوقف عرض الإعلان تمامًا.

إذن ما هو السبب الحقيقي في نجاح إعلان الغوريلا؟ فالون نفسها — كما يبدو — لم تكن تعلم؛ حيث اتصلوا بي في عام ٢٠٠٨ ليسألوني إذا ما كان بإمكاني مساعدتهم في فهم سبب فشل الإعلان الثاني؛ فمن وجهة نظر الشركة عَرَض كِلَا الإعلانين أمورًا غير متوقَّعة، وتضمَّن كلاهما موسيقى البوب المميزة، كما تم إطلاق كلا الإعلانين على حدٍّ سواء مع وابل من الدعاية. ومع ذلك، حقق أحدهما نجاحًا منقطع النظير في حين فشل الأخر فشلًا ذريعًا.

استنادًا إلى ما تعلمناه حتى الآن، من الممكن تكوين تفسير معقول جدًّا عن سبب نجاح الإعلان الأول وفشل الآخر. لا بد من الاعتراف بأن الكثير منَّا لا يُضمِر في نفسه رغبة لقيادة شاحنة على مَدْرَج الطيران متسابقًا مع مجموعة من شاحنات المطار الأخرى؛ وحتى لو كنَّا نضمر في أنفسنا رغبة في ذلك، لا نستطيع أن نرى قائدِي السيارات الفعليين في الإعلان؛ لذلك لا توجد تعبيرات وجهية يمكن أن نستخدمها لتحريك الخلايا العصبية المرآتية وخلق مشاعر الإثارة التي يمكن أن نربطها بالإعلان. فعليًّا، لم تكن الأشياء التي وردت في الإعلان سوى مركبات متحركة، وليس من السهولة بمكان أن تشعر بأي نوع من أنواع التقارب مع شاحنة كرتونية متحركة إلا إذا كنتَ طفلًا صغيرًا.

من ناحية أخرى، يحمل معظمنا بداخله جزءًا ضئيلًا يتُوق إلى التصرف مثل الحيوانات البرية، كما أنه يوجد داخل عدد ليس بالقليل منَّا جزء آخَر ضئيل يتوق لقَرْع الطبول مثلما فعل فيل كولينز في أغنيته في الهواء. وبوضع هذين الطُّموحَيْن المحبَّبين إلى قلوبنا بعضهما بجانب بعض، يكون إعلان الغوريلا قد جمع بالفعل بين اثنتين من أعمق الرغبات الأساسية التي نتوق إلى بلوغها. علاوة على ذلك، وُجِّهت التعبيرات الوجهية للغوريلا توجيهًا جيدًا لدرجة مكَّنت خلايانا العصبية المرآتية من استخدامها لتحريك الشعور نفسه بالترقب والإثارة الذي كانت تشعر به الغوريلا. ويمكن للمرء أن يتوقع لأي شركة تتمتع بما يكفي من الذكاء لأخذ كل هذا في اعتبارها أن تكون شركة جديرة بالاحترام والإعجاب.

أود أن أقول إن هذا الاحترام والإعجاب المتزايد ﻟ «كادبوري» وما ترتَّب عليهما من تحسُّن ملحوظ في علاقة الناس بالشركة سيكون كافيًا جدًّا لرفع مبيعات المنتجات التي غالبًا ما يتم شراؤها باندفاع. وكما نعرف، تأثرت الشركة بأكملها إيجابيًّا بالإعلان حيث ارتفعت مبيعات جميع منتجات كادبوري.

وبطبيعة الحال، لو سألني شخص ما عمَّا إذا كان إعلان الغوريلا قد زاد من مستوى الأفضلية عندي تجاه كادبوري وجعلني أشتري المزيد من منتجاتها، لسخرتُ منه وأنكرتُ ذلك بشدة؛ فرغم كل شيء، مهما كانت الغوريلا التي تقرع الطبول مسلِّية، لا أرغب في أن يُنظَر إليَّ على أنني تأثرتُ بمثل هذا الهراء التافِه.

هوامش

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤