الرجل الخفي

في ضوء الغسَق الأزرق البارد، وعند ملتقى شارعَين شديدَي الانحدار في حي كامدن تاون، كان المحل الموجود هناك، وهو محل حلواني، يتوهَّج مثل عُقْب سيجار، بل قُل مثل عُقب عصَا ألعابٍ نارية؛ فقد كانت أضواؤه مُصطبِغةً بالعديد من الألوان، ومُتشابِكة بعض الشيء، تُشتِّتها مرايا عديدةٌ، وتتراقص فوق العديد من الكعكات وقِطَع الحلوى الملوَّنة باللون الذهبي والألوان المبهِجة. وعلى زجاج تلك الواجهة المثيرة الْتصقَت أنوفُ عدة أطفال مُشرَّدين؛ فقد كانت قطع الشوكولاتة كلُّها ملفوفة في تلك الأغلفة ذات اللون الأحمر والأخضر والذهبي، التي تكاد تكون أجملَ من قطع الشوكولاتة ذاتِها، وكانت كعكة العُرْس البيضاء الضخمة في الواجهة تبدو بطريقةٍ ما بعيدةَ المنال، ومشبِعةً في الوقت نفسه، كما لو كان القطب الشمالي بأكمله صالحًا للأكل. يمكن، بطبيعة الحال، أن تجذب تلك المثيراتُ المتنوعة فِتيانَ الحي حتى عمر عشر سنوات أو اثنتَيْ عشْرة سنة. لكن تلك الزاوية كانت تجذب أيضًا فِتيانًا أكبرَ عمرًا، ووقف شابٌّ يافع، عمره لا يقل عن الأربع والعشرين سنة محدِّقًا نحو واجهة ذلك المحل نفسِها. كان المحل له سحرٌ أخَّاذ عليه هو أيضًا، لكن ما كان يجذبه لم يكن الشوكولاتة وحدها، مع أنه كان يحبها كثيرًا.

كان شابًّا طويلًا قويَّ البنية، أحمر الشعر، وجهه حازم، لكن أسلوبه يعكس فُتور همَّة. كان يتأبَّط حافظةَ أوراق مفرودة بداخلها رسومات بالأبيض والأسود، كان قد لاقى نجاحًا نوعًا ما في بيعها للناشرين منذ أن حرَمه عمُّه (الذي كان أميرالًا) من الميراث بسبب الاشتراكية؛ حيث ألقى محاضرة هاجم فيها تلك النظرية الاقتصادية. كان اسمه جون ترنبول أنجوس.

بعد أن دخل أخيرًا، مشى داخل محل الحلواني إلى الغرفة الخلفية، التي كانت بمثابة مطعم لطاهي الفطائر، وما كان منه إلا أن رفع قبعته للنادلة الشابة. كانت فتاةً سمراء أنيقة، يقظة، ترتدي ملابسَ سوداء، ولها وَجْنتان متورِّدتان وعينان سوداوان لَمَّاحتان؛ وبعد مرور المدة المعتادة تبعَتْه إلى الغرفة الداخلية كي تُدوِّن طلبه.

كان من الواضح أن طلبه ذلك كان معتادًا، فقد قال بدقة: «من فضلك، أريد فطيرةً محلَّاةً صغيرةً، وفنجانًا صغيرًا من القهوة دون حليب.» وقبل أن يتسنى للفتاة أن تُدير ظهرها، أضاف قائلًا: «وكذلك أريد منكِ أن تتزوجيني.»

تسمَّرت الشابة العاملة بالمحل فجأة في مكانها ثم قالت: «أنا لا أقبل بهذا النوع من المزاح.»

رفع الشاب ذو الشعر الأحمر عينَيه الرماديتَين اللتَين حمَلَتا نظرةً جدِّية غير متوقَّعة.

وقال: «حقًّا وصدقًا، أنا أطلب ذلك بجدية مثل جدية طلبي للفطيرة المحلاة الصغيرة. فهو مكلِّف ويدفع المرء ثمنه، مثل الفطيرة المحلاة الصغيرة. وهو عسير على الفَهم، مثلما أن الفطيرة المحلاة الصغيرة عسيرةُ الهضم. وهو مؤلم.»

لم ترفع الشابة السمراء عينَيها السوداوَين عنه على الإطلاق، بل بدا أنها كانت تتفحَّصه بتمعُّنٍ كاد أن يكون بائسًا. بعدما انتهت من تفحصه، لاح على وجهها شيءٌ مثل شبح ابتسامة، وجلست في كرسي.

علق أنجوس، بذهنٍ شارد، قائلًا: «ألا تظنين أن أكل تلك الفطائر المحلاة الصغيرة أمرٌ قاسٍ إلى حدٍّ ما؟ فقد كان من الممكن أن تكبر لتصير فطائرَ كبيرة. سوف أتخلَّى عن تلك الأنشطة القاسية عندما نتزوج.»

نهضت الشابة السمراء من كرسيها واتجهت إلى النافذة. كان من الواضح أنها في حالة تأملٍ عميق لكنه لا ينمُّ عن الرفض. عندما الْتفتَت أخيرًا مجددًا وقد بدا أنها حسمت أمرها، أربكها أن رأت الشاب يرصُّ على المائدة بحرص عدةَ أغراض من تلك المعروضة في واجهة المحل. كان من بينها هرم من قطع حلوى ملونة بألوانٍ زاهية، وبضعة أطباق من الشطائر، وقنينتان تحويان ذلك النبيذ الأحمر الغامض وخمر الشيري الإسبانية، المشروبَين المميزَين لدى طُهاة المعجَّنات. ووسط تلك الأغراض المرتَّبة بعناية، وضع بحرص كعكة العرس الضخمة المزينة بالسكر الأبيض، التي كانت تمثل أكبر المعروضات التي تزين الواجهة.

سألته: «ماذا تفعل بحق السماء؟»

قال: «واجبي يا عزيزتي لورا.»

صاحت: «بحق الإله توقف للحظة، ولا تخاطبني بتلك الطريقة. أعني، ما هذا كله؟»

«وجبةٌ احتفالية يا آنسة هوب.»

سألت بنفاد صبر وهي تشير إلى جبل السكر: «وما ذاك؟»

قال: «كعكة العرس يا سيدة أنجوس.»

مشت الفتاة تجاهها وحملتها مُحدِثة بعض الجلَبة، ووضعَتها مرةً أخرى في واجهة المحل، ثم عادت وجلسَت مُسنِدة مرفقَيها الرشيقَين إلى الطاولة، ونظرت إلى الشاب نظرة لا تحمل استنكارًا وإنما حنقًا ملحوظًا.

وقالت: «أنت لا تمنحني أي وقت لأفكر في الأمر.»

قال: «لستُ مغفلًا لأفعل، فأنا مسيحيٌّ متواضع.»

كانت لا تزال تنظر إليه، ولكن خلف ابتسامتها، كانت تزداد جدية.

قالت بحزم: «قبل أن تستمر دقيقةً أخرى في ذلك الهراء، يجب أن أخبرك أمرًا عني باختصار شديد يا سيد أنجوس.»

ردَّ أنجوس بجدِّية: «سيسعدني ذلك؛ فقد تخبرينني شيئًا عن نفسي أيضًا في الأثناء.»

قالت: «أَمسكْ لسانك واسمعني. ما سأقوله لك ليس أمرًا أخجل منه، ولا آسَفُ عليه حتى بأي حال من الأحوال. لكن ماذا تقول إن أخبرتك أن ثمة أمرًا، مع أنه لا يَعنيني، يُطاردني في كوابيسي؟»

قال الرجل بجدية: «في تلك الحالة، سأقترح أن تعيدي الكعكة إلى هنا.»

قالت لورا بإصرار: «حسنًا، يجب أن تسمع القصة أولًا. بداية، يجب أن أخبرك أن أبي كان صاحب النُّزُل الذي يُدعى «ريد فيش» في لَدبري، وكنت أنا أقدم طلبات الزبائن في حانته.»

قال: «لقد تساءلتُ كثيرًا لمَ يتَّسم محل الحلواني ذاك بالتحديد بطابَعٍ مسيحي نوعًا ما؟»

«لَدبري بلدةٌ صغيرةٌ هادئةٌ مُعشِبة في المقاطعات الشرقية، ونوعٌ واحد فقط من الناس كانوا يرتادون «ريد فيش» ألا وهم التجار المتجوِّلون غير المنتظمين، أما البقية فهم أسوأ نوع من الأشخاص يمكن أن تقابله، مع أنك لم تقابله من قبلُ، أعني رجالًا ضئيلي الحجم عاطلين، كان معهم بالكاد ما يكفيهم للعيش، ولم يكن لديهم ما يفعلونه سوى الاتكاء في الحانات والمراهنة على سباقات الخيول، مرتدين ملابسَ غير متناسقة لا يستحقونها. حتى هؤلاء الأرذال البائسون اليافعون لم يكونوا معتادين كثيرًا في نُزلنا، لكنَّ اثنَين منهم كانا معتادَين أكثر من اللازم؛ معتادَين بكل الطرق. كلاهما كان يعيش بأموال لم يَكسَبها بعرقه، وكلاهما كان عاطلًا على نحوٍ مملٍّ، ومتأنقًا على نحوٍ زائد. لكني كنت رغم ذلك أشعر بشيء من الأسى تجاههما؛ لأني أظن أن ما كان يدفعهما للتسلُّل إلى حانتنا الصغيرة الخاوية هو أن كلًّا منهما كان يعاني عاهةً بسيطة من النوع الذي يكون محلَّ سخرية بعض السُّذج. لم تكن عاهة بالتحديد بقدر ما كانت أمرًا شاذًّا؛ فأحدهما كان ضئيل الجسد على نحوٍ يدعو للاستغراب، كالقزَم أو على أقل تقدير كخَيَّال محترف، لكنه لم يكن يشبه الخيَّالين في مظهره على الإطلاق؛ فقد كان له رأسٌ مدوَّر ذو شعرٍ أسودَ ولحيةٍ سوداءَ مشذَّبة، وعينان لامعتان كعينَي طائر، وكان يُصلصل بالقطع النقدية المعدنية في جيبه، ويخشخش بسلسلة ساعته الذهبية الضخمة، ولا يأتي إلا وهو مُتشبِّه في ملابسه بالنبلاء على نحوٍ مبالَغ فيه يجعله لا يبدو كواحد منهم. غير أنه لم يكن أحمق؛ فقد كان عاطلًا عديم النفع، إلا أنه كان ماهرًا بشدة في كل الأمور التي لا جدوى لها على الإطلاق، مثل الخدع السحرية الارتجالية، كأن يجعل خمسة عشر عود ثقاب يشعل أحدها الآخر مثل الألعاب النارية العادية، أو أن يقطع موزة أو ما شابه بحيث يصنع منها دميةً راقصة. كان يُدعى إسيدور سمايث. وما زال بوسعي أن أذكره في مخيلتي، وكأني أراه، بوجهه الصغير الأسمر وهو يأتي ناحية طاولة الحانة ويصنع كنغرًا قافزًا من خمس سجائر.

أما الآخر فكان شخصًا أكثر صمتًا، وطبيعيًّا أكثر، لكنه لسببٍ ما كان يثير خوفي أكثر بكثير من سمايث الضئيل المسكين؛ كان طويلًا للغاية ونحيفًا، وشعره فاتح اللون، وقصبة أنفه بارزة، يكاد يكون وسيمًا بالمعنى الفضفاض للكلمة، لكنه كان يعاني حَوَلًا مُخيفًا لدرجة لم أرها أو أسمع عنها من قبل. فعندما كان ينظر إليك مباشرة، لم تكن تدري أين تقف أنت نفسك، فضلًا عمن ينظر هو إليه. أعتقد أن تلك العاهة كانت تنغِّص على الشاب المسكين قليلًا، فبينما كان سمايث على استعداد لاستعراض خُدعِه السخيفة في أي مكان، كان جيمس ويلكن (ذلك هو اسم الرجل الأحول) لا يفعل شيئًا على الإطلاق سوى الجلوس طويلًا في رَدْهة حانتنا، والخروج للتمشِّي مسافاتٍ طويلة وحده في جميع أنحاء الريف الممل الكئيب. ومع ذلك، أعتقد أن سمايث أيضًا كان حساسًا تجاه كونه ضئيل الحجم جدًّا، رغم أنه كان يتعامل مع الأمر بأسلوبٍ أكثر ذكاءً؛ لذا انتابتني الحيرة، وأيضًا الدهشة، والأسف الشديد، عندما عرض كلاهما عليَّ الزواج في الأسبوع نفسِه.

في الواقع، أتيت حينها شيئًا أظن منذ ذلك الحين أنه ربما كان غبيًّا. لكن في النهاية، كان هذان الرجلان الغريبا الأطوار صديقَيَّ نوعًا ما، وخشيت أن يظنا أني أرفض الزواج منهما للسبب الحقيقي، وهو أنهما كانا قبيحَين على نحو لا يُصدَّق؛ لذا اختلقت حجةً واهية من نوعٍ آخر وهي أني لا أنوي الزواج أبدًا من رجل لم يشقَّ طريقه بنفسه في الحياة، وقلت إنها مسألة مبدأ عندي ألا أعيش بأموالٍ موروثة كأموالهما. بعد مرور يومَين من حديثي بتلك الطريقة الحسنة النية، بدأت المشكلة كلها. أول ما سمعته كان أن كلَيهما خرَجا يسعَيان وراء حظهما، كما لو كانا بطلَين في قصةٍ خياليةٍ غبية.

في الحقيقة، منذ ذلك الحين، لم أرَ أيًّا منهما حتى يومنا هذا. لكني استلمت خطابَين من الرجل الضئيل الحجم الذي يدعى سمايث، وقد كانا مثيرَين بحق.»

سأل أنجوس: «هل سمعتِ أي أخبار عن الرجل الآخر؟»

قالت الفتاة بعد لحظة من التردد: «لا، لم يكتب لي قط. خطاب سمايث الأول كان لمجرد أن يخبرني أنه انطلق مع ويلكن إلى لندن سيرًا على الأقدام؛ لكن ويلكن كان متمرسًا في المشي لدرجة أن الرجل الضئيل الحجم تخلَّف عنه، وأخذ راحةً على جانب الطريق. وكان من قبيل المصادفة أنه انضم إلى عرضٍ ترفيهيٍّ متجوِّل؛ من جانب لأنه يكاد يكون قزمًا، ومن جانب آخر لأنه كان وغدًا ماهرًا حقًّا. وتقدم تقدمًا طيبًا جدًّا في مجال العروض الترفيهية، وما لبث أن أرسلوه إلى حوض الأحياء المائية، كي يُؤدِّي بعض الخدع التي نسيتُ ماهيتها. كان ذلك محتوى الخطاب الأول. كان خطابه الثاني أكثر إذهالًا، وقد تلقيتُه لتوِّي الأسبوع الماضي.»

أنهى الرجل الذي يُدعى أنجوس كوب قهوته، ونظر إليها بعينَين حانيتَين صبورتَين. ارتسمت على شفتَيها ضحكةٌ صغيرة وهي تتابع قائلة: «أظنك شاهدتَ اللوحات الإعلانية في كل مكان عن «خدمات سمايث الصامتة»، أليس كذلك؟ إن لم تكن قد رأيتها فلا بد أنك ستكون الشخص الوحيد الذي لم يفعل. أنا لا أعرف الكثير عنها، غير أنها اختراعٌ أوتوماتيكيٌّ ما لأداء كل الأعمال المنزلية بواسطة الآلات. أنت تعرف، أشياء من قبيل: «بضغطة زر تحصل على رئيس خدم لا يسكر أبدًا.» أو «أديري مقبضًا وستحصلين على عشر خادمات لا يُغازَلن أبدًا». لا بد أنك رأيت تلك الإعلانات. حسنًا، أيًّا كانت طبيعة تلك الآلات، فهي تحصد أموالًا طائلة، تحصدها لصالح ذلك العفريت الصغير الذي عرفته في لودبري. لا يسعني إلا أن أشعر بالسعادة لأجل ذلك الشاب الضئيل المسكين الذي سقط واقفًا، لكن الحقيقة المجردة هي أنني في رعب من أن يظهر أمامي في أي لحظة ليخبرني أنه قد شقَّ طريقه في الحياة، وقد فعل حقًّا.»

كرر أنجوس بهدوءٍ عنيد نوعًا ما: «والرجل الآخر؟»

هبَّت لورا هوب واقفةً فجأة، وقالت: «أظنك عرافًا يا صديقي. أجل، أنت محق. لم يكتب لي الرجل الآخر ولو سطرًا واحدًا، وليس لديَّ أدنى فكرة عما صار إليه ولا إلى أين ذهب؟ لكن هو مَن أخاف منه، هو مَن أشعر به حولي في كل مكان، هو من يكاد يُفقِدني صوابي، بل أظن أنه قد أفقدني صوابي فعلًا؛ فقد شعرتُ بوجوده حيث لا يمكن أن يكون موجودًا، وسمعتُ صوته حين لا يمكن أن يكون قد تكلم.»

قال الشاب ببشاشة: «يا عزيزتي، ولو كان هو الشيطان نفسه، فقد انتهى أمره لأنكِ الآن أخبرتِ أحدًا بشأنه؛ فالمرء يُجنُّ إن تُرِك لنفسه يا فتاتي. لكن متى تصورتِ أنك شعرتِ بوجود صديقنا أحول العينين ذاك، وسمعتِ صوته؟»

قالت الفتاة بثبات: «لقد سمعت جيمس ويلكن يضحك بوضوح كما أسمعك الآن. لم يكن ثمة أي أحد حيث سمعته؛ إذ كنتُ واقفةً خارج المتجر عند الناصية، حيث كان بإمكاني رؤية الشارعَين في الوقت نفسه. كنتُ قد نسيت ضحكته، مع أنها كانت ضحكةً غريبة، تمامًا كحوَلِ عينَيه. لم أكن قد فكرت فيه لقرابة العام. لكن الحقيقة المؤسفة هي أني بعدها ببضع ثوانٍ، تلقيتُ الخطاب الأول من منافسه.»

سأل أنجوس باهتمام: «هل نجحت في جعل شبحك ذاك يتكلم، أو يزعق، أو يفعل أي شيء؟»

انتابت لورا فجأةً قُشَعريرة، ثم قالت بثبات: «أجل. بمجرد أن فرغت من قراءة خطاب إسيدور سمايث الثاني الذي يخبرني فيه بنجاحه. في تلك اللحظة، سمعت ويلكن يقول: «لكنه مع ذلك لن يحظى بكِ.» كان صوته واضحًا تمامًا، كما لو كان معي في الغرفة. ذلك مريع، أعتقد أنني جننت لا محالة.»

«لو كنتِ مجنونة حقًّا، لكنتِ اعتقدتِ أنك عاقلة. لكن بالتأكيد هذا لا يمنع أن ثمة أمرًا غريبًا بعض الشيء بخصوص ذلك السيد الخفيِّ. عقلان أفضل من عقلٍ واحد؛ سأُعفيك من التلميحات إلى أي أعضاءٍ أخرى، وإن تفضلتِ، فاسمحي لي حقًّا، باعتباري رجلًا عمليًّا ثابتًا على موقفه، أن أعيد كعكة العرس من الواجهة.»

بينما كان يتكلم، دوَّى صريرٌ حادٌّ في الشارع خارج المتجر، واندفعت سيارةٌ صغيرة منطلقةً بسرعةٍ جنونية تجاه باب المتجر وتوقفَت عنده، وفي نفس اللحظة الخاطفة، كان رجلٌ ضئيل الجسد يرتدي قبعةً عاليةً لامعة قد دخل إلى الغرفة الخارجية ووقف يدق الأرض بقدمَيه.

فضح أنجوس، الذي ظل حتى تلك اللحظة محافظًا على هدوئه المرح النابع من نوازع سلامته العقلية، توترُه الداخلي بأن اندفع فجأة بخُطًى واسعةٍ خارجًا من الغرفة الداخلية مواجِهًا القادم الجديد. كانت نظرةٌ خاطفة إليه كفيلةً تمامًا بتأكيد الظنون العنيفة عن رجلٍ واقعٍ في الحب. فهذا الرجل الأنيق رغم قِصَر قامته، بذقنه المدببة السوداء البارزة بوقاحة، وعينَيه النبيهتَين المتوترتَين، وأصابعه المنمَّقة والمرتعشة، لا يمكن أن يكون سوى الرجل الذي كانت قد وصفَته له توًّا؛ إسيدور سمايث، الذي كان يصنع الدمى من قشر الموز وعلب الثقاب؛ إسيدور سمايث الذي جنى الملايين من بيع رؤساء الخدم الذين لا يسكرون، والخادمات اللاتي لا يُغازَلن؛ المصنوعَين من المعدن. لبرهة، وقف الرجلان، ينظر أحدهما للآخر بذلك النبل البارد الذي هو جوهر روح المنافسة، وقد فهم كلٌّ منهما، بحكم الغريزة، حسَّ التملُّك لدى الآخر.

غير أن السيد سمايث لم يأتِ على ذكر السبب الأساسي لعداوتهما، بل قال ببساطة واندفاع: «هل رأَتِ الآنسة هوب ذلك الشيء الموجود على زجاج الواجهة؟»

كرَّر أنجوس وهو يحدِّق فيه: «على زجاج الواجهة؟»

قال المليونير الضئيل الجسد باقتضاب: «الوقت لا يسمح بشرح أي شيءٍ آخر. ثمة أمرٌ سخيف يجري هنا يجب التحقيق فيه.»

وأشار بعكازه المصقول إلى الواجهة، التي كانت قد جُرِّدتَ مؤخرًا من محتوياتها نتيجة لتحضيرات العرس التي قام بها السيد أنجوس؛ الذي دُهِش لرؤية ورقةٍ طويلةٍ ملصقة على امتداد زجاج الواجهة من الخارج، والتي كان متأكدًا أنها لم تكن موجودة على الواجهة عندما نظر عَبْرها منذ وقت قليل. عندما تبع سمايث المفعم بالنشاط إلى الشارع خارج المتجر، وجد ورقةً مدموغة طولها ياردة ونصف، ملصقة بعناية على الزجاج الخارجي، ومكتوب عليها بأحرفٍ مبعثرة: «إن تزوجتِ سمايث، فسيموت.»

قال أنجوس وهو يدفع رأسه الكبير ذا الشعر الأحمر داخل باب المتجر: «لورا، أنت لستِ مجنونة.»

قال سمايث بفظاظة: «ذلك الرجل ويلكن هو من كتب ذلك. أنا لم أره منذ سنوات، لكنه يزعجني على نحوٍ دائم. خلال الأسبوعَين الماضيَين ترك خمسة خطابات تهديد أمام شقتي، ولا يمكنني حتى أن أكتشف الشخص الذي يتركها، فضلًا عن احتمال كونه هو ويلكن بنفسه. يُقسِم حارس البناية أنه لم يرَ أي أشخاص مثيرين للريبة، وها هو يلصق عريضة على واجهة متجرٍ عام، بينما كان من بداخله …»

قال أنجوس بتواضع: «تمامًا، بينما كان من بداخله يحتسون الشاي. أؤكد لك، يا سيدي، أني أُقدِّر حسن تقديرك في التعامل مع الأمر بذلك الوضوح. يمكننا مناقشة الأمور الأخرى فيما بعدُ. لا يمكن أن يكون الرجل قد ابتعد كثيرًا، وأقسم لك أن تلك الورقة لم تكن موجودة في آخر مرة ذهبتُ فيها إلى الواجهة منذ حوالي عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة. لكنه، على الجانب الآخر، ابتعد مسافة لا تسمح لنا بمطاردته؛ نحن لا نعرف حتى في أي اتجاه ذهب. إن قبلتَ نصيحتي يا سيد سمايث، فأنا أنصحك بأن تضع ذلك الأمر بين يدي محقِّقٍ نشيط؛ محققٍ خاص وليس محققًا رسميًّا. أعرف رجلًا بارعًا براعةً فائقة، سيستغرق الذهاب إليه بسيارتك من هنا خمس دقائق. اسمه فلامبو، ومع أنه كان طائشًا قليلًا في شبابه، فهو الآن رجل نزيه جدًّا، ويمتلك ذكاءً يستحق أن تدفع مقابله المال. إنه يسكن في بناية «لاكناو مانشونز» بمنطقة هامبستيد.»

قال الرجل الضئيل الجسد مقطِّبًا حاجبَيه الأسودَين: «هذا غريب، فأنا أسكن في بناية «هيمالايا مانشونز» القريبة جدًّا منها. ربما تود أن تأتي معي؛ يمكنني أن أصعد إلى شقتي وأجهز تلك الأوراق الغريبة التي تركها ويلكن، بينما تذهب أنت لإحضار صديقك المحقِّق.»

قال أنجوس بدماثة: «هذا لطف منك. كلما أسرعنا في التصرف كان ذلك أفضل.»

وبحيادية غريبة جاءت وليدةَ اللحظة، ودع كِلا الرجلين السيدة بنفس الأسلوب الرسمي المتكلَّف، ثم ركب كلاهما السيارة السريعة الصغيرة. قاد سمايث السيارة، وبينما كانا ينعطفان مع ناصية الشارع الواسعة، ضحك أنجوس لرؤية ملصَقٍ دعائي ضخم للإعلان عن «خدمات سمايث الصامتة» عليه رسم لدميةٍ حديديةٍ كبيرة بدون رأس، تحمل إناء وتحته التعليق: «طاهية لا تتذمر أبدًا».

قال الرجل الضئيل ذو اللحية ضاحكًا: «أنا أستعين بهم في شقتي، من ناحية للدعاية، ومن ناحيةٍ أخرى للمنفعة الحقيقية. بكل صراحة ودون أي مواربة، تلك الدمى الأوتوماتيكية التي أصنعها تُحضِر لك الفحم أو النبيذ الأحمر أو جدول المواعيد أسرع من أي خادمٍ حقيقي رأيته في حياتي، إن عرفتَ على أي زر تضغط. لكني لا أُنكر أبدًا، وهذا فيما بيننا، أن لها عيوبها أيضًا.»

قال أنجوس: «حقًّا؟ أيوجد ما لا تستطيع فعله؟»

رد سمايث ببرود: «نعم، لا تستطيع أن تخبرني من ترك تلك الخطابات التهديدية أمام شقتي.»

كانت سيارة الرجل صغيرة وسريعة مثله، وفي الواقع، كانت من ابتكاره، تمامًا كخدمه المنزليِّين. ولو أنه كان من المعلنين المخادعين، فهو مُخادِع يؤمن حقًّا بمنتجاته. تضاعف إحساسه بجودة السيارة الصغيرة الحجم السريعة وهما يمرَّان بسلاسة على منحنيات الطريق البيضاء في ضوء النهار الواهن الذي يوشك على الانقضاء وحلول المساء. وسرعان ما أصبحت تلك المنحنيات البيضاء أكثر حدةً وإثارةً للدوار؛ وكأنهما كانا يصعدان سلمًا حلزونيًّا، كما يقال في الديانات المعاصرة. فقد كانا، بالفعل، يصعدان إلى قمة منطقة في لندن تكاد تُقارِب إدنبرة في انحدارها، غير أنها تفتقر إلى جمالها. كانت الشرفات إحداها فوق الأخرى، لكن البرج السكني الذي كانا يقصدانه والذي يكاد يقارب في ارتفاعه أبنية قدماء المصريين؛ كان أطول منها جميعًا، وكان ضوء الغروب الموازي له في الارتفاع يكسوه باللون الذهبي. عندما انعطفا عند الناصية ودخلا إلى المجمع السكني الهلاليِّ الشكل الذي يُدعى «هيمالايا مانشونز»، كان التغير مباغتًا كانفتاح نافذة؛ فقد وجدا تلك الشقق المتراصَّة تقف فوق لندن كما لو كانت تقف فوق لوحٍ أخضرَ شاسع. قبالة البناية السكنية، وعلى الجانب المقابل من الشارع الهلالي المفروش بالحصى، كانت هناك حديقة مُسيَّجة، سِياجها أقرب إلى سدٍّ أو حاجز منه إلى سور حديقة، وعلى مَقرُبة منه، كان يمتد مجرًى مائيٌّ صناعي، يشبه القناة، كان بمثابة خندقٍ مائي يحيط بذلك الحصن المُعَرَّش. بينما كانت السيارة تقطع ذلك الشارع الهلالي، مرت عند منعطفٍ أمام عربة بائع كَسْتَناء متجول، وأمام الطرَف الآخر من المنعطف مباشرة، رأى أنجوس رجل شرطة يرتدي زيًّا أزرق داكنًا يسير على مهل. كان هذان الرجلان هما البشَريَّين الوحيدَين في ذلك المكان المنعزل في ضواحي المدينة؛ لكنه شعر على نحوٍ غير منطقي أنهما يعكسان سحر لندن الأخَّاذ. شعر وكأنهما شخصيتان في رواية.

انطلقت السيارة الصغيرة بسرعة كرَصاصة، حتى وصلت إلى المنزل المنشود، فاندفع صاحبها خارجها بسرعة مثل قذيفة مدفع. وعلى الفور سأل بوابًا طويل القامة يعلق جديلةً لامعة في ملابسه، وحارس بناية قصير القامة لا يرتدي زيًّا رسميًّا عما إذا كان أي شخص أو أي شيء قد جاء قاصدًا شقته. وبعد أن اطمئن أن أحدًا أو شيئًا لم يمر بهذَين العاملَين منذ آخر مرة استعلم فيها، ركب هو وأنجوس المرتبك قليلًا المصعد الذي انطلق صاعدًا بسرعة الصاروخ حتى وصل بهما إلى الطابق الأخير.

قال سمايث لاهثًا: «تفضل بالدخول لبرهة. أريد أن أريك خطابات ويلكن تلك. بعدها يمكنك أن تذهب لتحضر صديقك الذي يسكن قريبًا.» ثم ضغط زرًا مخفيًّا في الحائط؛ فانفتح الباب من تلقاء نفسه.

انفتح الباب لتظهر وراءه غرفة انتظار فسيحة، كان كل ما يميزها بوجهٍ عام هو صفوف الدمى الميكانيكية الطويلة شبه الآدمية التي ارتصَّت على جانبَيها مثل دُمى الخياطين التي يستخدمونها في عرض الأزياء. ومثل دمى الخياطين، كانت بلا رأس، وكذلك كان بأكتافها نتوءٌ ضخم غير ضروري، وكانت صدورها منتفخة جدًّا كصدور الحمام، لكن فيما عدا ذلك، لم تكن هيئتها أقربَ للبشر من أي ماكينة أوتوماتيكية في محطة، ويقارب طولها الطول البشري. كان لكل منها خطَّافان كبيران مثل الذراعَين لحمل الصواني، وكانت مطلية باللون الأخضر البازلائي أو القرمزي أو الأسود؛ لسهولة التمييز بينها، وفيما عدا ذلك، كانت مجرد ماكينات لن يلتفت إليها أحد مرتَين. على الأقل تلك المرة لم يفعل أحد. فبين صفَّي تلك الدمى المنزلية كان يوجد شيءٌ أكثرُ إثارةً للاهتمام من معظم آلات العالم. كان ذلك الشيء هو قطعة ورق بالية مكتوبًا عليها بالحبر الأحمر، التقطها المبتكِر الخفيف الحركة فور أن انفتح الباب تقريبًا، وناولها لأنجوس دون أن ينطق بكلمة. لم يكن الحبر الأحمر قد جفَّ عليها بعدُ، وكان نَص الرسالة: «إن كنت قد ذهبت للقائها اليوم، فسأقتلك.»

ساد الصمت لبرهة، ثم قال إسيدور سمايث بهدوء: «أترغب في القليل من الويسكي؟ أشعر بأنني بحاجة إليه.»

قال أنجوس عابسًا: «شكرًا لك؛ ولكني أشعر أنني بحاجة إلى فلامبو. يبدو لي أن هذا الأمر يزداد خطورة؛ سأذهب على الفور لآتي به.»

قال الآخر ببشاشة تثير الإعجاب: «أنت محق. أحضره هنا بأسرع ما في وسعك.»

لكن بينما كان أنجوس يغلق الباب الأمامي وراءه، رأى سمايث يضغط أحد الأزرار، فتحركت إحدى الدمى الميكانيكية من مكانها خلال شق في الأرضية حاملة صينية عليها زجاجة صب الصودا وقارورة. كان ثمة أمرٌ غريب بعض الشيء بشأن ترك الرجل الضئيل وحده وسط هؤلاء الخدم الهامدين الذين دبَّت فيهم الحياة بينما كان الباب ينغلق.

على بُعد ست خطوات من بسطة درج شقة سمايث، كان الرجل الذي لا يرتدي الزيَّ الرسمي يفعل شيئًا باستخدام دلو. توقف أنجوس كي يأخذ منه وعدًا بأن يظل مكانه حتى يعود بصحبة المحقق، وأن يلحظ أي غريب يصعد تلك السلالم، ودعَّم ذلك الوعد بأن أمَّلَه برِشوةٍ منتظرة. ثم اندفع نازلًا إلى الردهة الأمامية، وهناك أخذ وعدًا مماثلًا بالتيقظ من البواب الواقف عند الباب الأمامي، والذي عرف منه حقيقة أن المبنى ليس له باب خلفي. لم يَكتفِ بذلك، فاستوقف الشرطي المتجوِّل وحثَّه على الوقوف قبالة المدخل ومراقبته، وأخيرًا توقَّف قليلًا كي يشتري ببنس كستناء، وسأل البائع: كم من الوقت يُحتمَل أن يمكث في الحي.

أخبره بائع الكَستَناء وهو يرفع ياقة معطفه بأنه من المحتمل أن يتحرك بعد قليل؛ لأنه كان يظن أن الثلج يوشك أن يتساقط. وفي الواقع، كان المساء يزداد كآبة وبرودة، لكن أنجوس، بلباقته، شرع في إغراء بائع الكستناء بأن يبقى مكانه ولا يبارحه.

فقال بجدية: «تدفَّأ بكستنائك. كُلْ مخزونك من الكستناء كلَّه وسأُعوِّضك عنه؛ سأُعطيك جنيهًا ذهبيًّا إن انتظرتَ هنا لحين عودتي، وأخبرني إن كان أي رجل أو امرأة أو طفل قد دخل إلى ذلك المنزل الذي يقف عنده البواب.»

ثم ألقى نظرةً أخيرة على البرج المحصَّن قبل أن يمشي مُبتعِدًا بخطًى سريعة محدِّثًا نفسه:

«لقد صنعتُ طوقًا حول تلك الشقة على كل حال. لا يمكن أن يكون الرجال الأربعة جميعُهم متواطئين مع السيد ويلكن.»

كانت بناية «لاكناو مانشونز»، إن جاز القول، على مستوًى أقلَّ ارتفاعًا في تل البيوت ذاك الذي كانت بناية «هيمالايا مانشونز» بمثابة قمته. كانت شقة السيد فلامبو شبه الرسمية في الطابق الأرضي، وكان ثمة تباينٌ ملحوظ من جميع النواحي بينها وبين شقة الخدم الصامتين بآلاتها ذات الطابع الأمريكي ورفاهيتها الفندقية الباردة. استقبل فلامبو، الذي كان صديقًا لأنجوس، ذلك الأخير في غرفةٍ خاصة خلف مكتبه لها طابعٌ فني على طراز الروكوكو، كانت تزينها السيوف الضالعة، والبنادق القديمة، والتحف الشرقية، وقنينات الخمر الإيطالي، وأواني الطهي البدائية، وقطٌّ شيرازي ذو فراءٍ كثيف، وكان بها قسٌّ ذو مظهر مُغبرٍّ من كنيسة الروم الكاثوليك، كان يبدو في غير محله.

قال فلامبو: «هذا صديقي الأب براون. طالما أردتك أن تقابله. الطقس رائع اليوم، لكنه بارد قليلًا بالنسبة لشخص من الجنوب مثلي.»

قال أنجوس وهو يجلس في مقعدٍ عثمانيٍّ شرقي مُقلَّم باللون البنفسجي: «نعم أعتقد أن السماء ستظل صافية.»

قال القس بهدوء: «كلا، فها قد بدأت الثلوج تتساقط.»

وبالفعل، بينما كان يتكلم، بدأت أولى نُدفات الثلج، الذي تنبأ بائع الكستناء بهطوله، تنزلق على زجاج النافذة المعتِم.

قال أنجوس بجدِّية: «حسنًا، يؤسفني القول إنني أتيت بخصوص عمل، وعملٍ عاجلٍ جدًّا. في الواقع يا فلامبو، على مرمى حجَر من منزلك، يوجد شخص بحاجةٍ ماسة إلى مساعدتك؛ فهو يتعرض لتهديد وملاحقة مستمرَّين من عدوٍّ خفي؛ من محتال لم يره حتى أيُّ أحد.» وبينما شرع في سرد حكاية سمايث كلها، بدءًا من رواية لورا، مرورًا بروايته هو، والضحكة الخارقة للطبيعة التي سمعَتْها عند ناصية الشارعَين الخاوِيَين، والكلمات الغريبة المميزة التي سمعتْها في الغرفة الخاوية، كان اهتمام فلامبو يتنامى بوضوح، وأُهمِل القس الضئيل كأنه قطعة أثاث. عندما وصل إلى الحديث عن الورقة المدموغة المكتوب عليها والملصقة على زجاج الواجهة، نهض فلامبو فبدا وكأنه قد ملأ الغرفة بأكملها بكتفَيه الضخمتَين.

قال: «إن لم تمانع، أعتقد أنه من الأفضل أن تخبرني بقية تفاصيل القصة ونحن نسلك أقصر طريق إلى منزل ذاك الرجل. يتراءى لي، بطريقةٍ ما، أن لا وقت لدينا لنضيعه.»

قال أنجوس وهو ينهض: «بكل سرور. لكنه بأمان في الوقت الحالي؛ فقد وكلت أربعة رجال بمراقبة المدخل الوحيد لجحره.»

خرجا إلى الشارع يتبعهما القس الضئيل بوداعة كلبٍ صغير، وقال بابتهاج من يفتعل حديثًا: «أعجب كيف تتكوَّم الثلوج فوق الأرض بتلك السرعة!»

بينما كانوا يسلكون طريقهم عبر الشوارع الجانبية المنحدرة التي كانت قد اكتست بالفعل باللون الفضي، أنهى أنجوس قصته، وقُبيل وصولهم إلى البناية الشاهقة، كان لديه الوقت لأن يحوِّل اهتمامه للحراس الأربعة. أقسم بائع الكستناء بإصرار، قبل أن يأخذ الجنيه الذهبي وبعد أن أخذه، أنه قد راقب الباب ولم يرَ أي زوار يدخلون منه. كان رجل الشرطة أكثر جزمًا؛ فقد قال إنه قد تعرض لجميع أنواع المحتالين من ذوي القبعات العالية، ومن ذوي الثياب الرثة، وأنه ليس ساذجًا كي يعتقد أن الأشخاص المثيرين للريبة يكون مظهرهم مثيرًا للريبة بالضرورة؛ لذا كان منتبِهًا لقدوم أي شخص، لكنه أقسم أن أحدًا لم يأتِ. وعندما تجمع الرجال الثلاثة حول البواب ذي الجديلة الذهبية، الذي كان لا يزال واقفًا مبتسِمًا مباعِدًا بين ساقَيه في الرواق، تأكد الأمر أكثر.

قال العملاق البشوش ذو الضفيرة الذهبية: «يحق لي سؤالُ أي شخص يخطو داخل تلك البناية، دوقًا كان أم عامل نظافة، عمن يقصد داخلها. وأقسم لكم أن أحدًا لم يأتِ لأسأله منذ أن خرج ذلك السيد.»

تجرَّأ الأب براون، الذي لم يكن يعبأ به أحد، والذي ظل واقفًا خلفهم ينظر بتواضع إلى الرصيف، وسأل بوداعة: «ألم يصعد أحد الدرج أو ينزله إذن منذ أن بدأ الثلج يتساقط؟ لقد بدأ يتساقط ونحن في شقة فلامبو.»

قال العامل بلهجةٍ سلطويةٍ مبتهجة: «لم يأتِ أحد إلى هنا يا سيدي، أؤكد لك ذلك.»

قال القس، وهو يحدِّق في الأرضية بنظرةٍ خاوية من أي تعبير: «إذن ما هذا يا تُرى؟»

نظر الآخرون جميعهم أيضًا لأسفل؛ وأطلق فلامبو صيحة تعجب قويةً مصحوبة بإيماءةٍ فرنسية؛ فقد كان مما لا شك فيه أنه، في منتصف المدخل الذي كان يحرسه الرجل الذي تزين ملابسه جديلةٌ ذهبية، بل في الواقع بين ساقي ذلك العملاق المتباعدتين، كانت تمتد آثار أقدام متصلة مطبوعة فوق الجليد الأبيض.

تلقائيًّا صاح أنجوس: «يا إلهي! إنه الرجل الخفي!»

ودون أن ينطق بكلمةٍ أخرى استدار واندفع صاعدًا الدرج، يتبعه فلامبو؛ لكن الأب براون ظل واقفًا ينظر حوله في الشارع الذي يكسوه الجليد كما لو كان قد فقد الاهتمام بسؤاله.

كان من الواضح أن فلامبو على استعداد لخلع الباب بكتفَيه العريضتَين؛ لكن الاسكتلندي، بدافع المنطق لا الغريزة، تحسَّس إطار الباب حتى وجد الزرَّ الخفيَّ؛ فانفتح الباب ببطء.

وظهر وراءه بقدرٍ كبير نفس المشهد الداخلي المكتظ، لكن الردهة كانت قد صارت أكثر ظلامًا، وإن كان لا يزال آخر بقايا أشعة الشمس الغاربة القرمزية يسقط على أماكن متفرقة منها، وكانت واحدةٌ أو اثنتان من تلك الآلات العديمةِ الرأس قد تحركَت من مكانها لغرض أو لآخر، ووقفت هنا أو هناك في ذلك المكان الذي لا ينيره إلا ضوء الغسق الواهن. عتَّم وهن ضوء الغسق طِلاءها الأخضر والأحمر؛ وازدادت شبهًا بالبشر جراء عدم وضوح معالمها. لكن في وسطها جميعًا، وفي نفس المكان الذي وُضعت فيه الورقة المكتوبة بالحبر الأحمر، استقرَّ شيء كان يبدو وكأنه حبرٌ أحمر انسكب من زجاجته. غير أنه لم يكن حبرًا أحمر.

وبمزيج من المنطق والحدة الفرنسيَّين، قال فلامبو ببساطة: «جريمة قتل!» ثم اندفع إلى داخل الشقة وفي غضون خمس دقائق كان قد فحص كل ركن وكل خِزانة فيها. لكن إن كان توقع أن يجد جثة، فقد خاب توقُّعه؛ فلم يكن إسيدور سمايث موجودًا في المكان، حيًّا كان أو ميتًا. وبعد بحث سريع جدًّا، تقابل الرجلان في الردهة الخارجية، بوجهٍ متعرق وعينَين محدقتَين. قال فلامبو، متحدثًا بالفرنسية من فرط انفعاله: «يا صديقي، قاتلك لم ينجح في إخفاء نفسه فحسب، بل في إخفاء القتيل أيضًا.»

جال أنجوس بناظرَيه في الغرفة المعتمة المليئة بالدُّمى، وسَرَت في الجانب السلتي من روحه الاسكتلندية رعشة؛ فقد كانت إحدى الدمى ذات الحجم البشري تقف مباشرة إزاء بقعة الدماء؛ إذ ربما يكون القتيل قد استدعاها قبل أن يسقط صريعًا بلحظات. وكان أحد خطافَيها المثبتَين في كتفَيها البارزَتين اللتَين تستخدمهما كذراعَين مرفوعًا قليلًا؛ فخطرت فجأة لأنجوس فكرةٌ مخيفة، وهي أن سمايث قد قُتل على يد طفله الحديدي ذاك. ربما انقلب السحر على الساحر، وقتلَت تلك الآلاتُ سيدها. ولكن حتى إن كان ذلك قد حدث، فماذا فعلت به؟

ردَّ الخاطر المخيف هامسًا في أذنه: «هل أكَلَتْه؟» واشمأزت نفسه للحظة عندما تصور وجود بقايا أشلاء آدمية امتصتها تلك الآلات العديمة الرأس، وانسحقت بداخلها.

بذل مجهودًا خرافيًّا كي يستعيد رشده، وقال لفلامبو: «حسنًا، ذلك ما حدث؛ لقد تبخَّر الرجل المسكين كالسراب تاركًا وراءه بقعةً حمراء على الأرضية. هذه حكاية لا تنتمي إلى عالمنا هذا.»

قال فلامبو: «سواء كانت تنتمي إلى عالمنا هذا أم إلى العالم الآخر، ليس أمامي سوى أمر واحد، وهو أن أنزل وأتحدث مع صديقي.»

نزلا معًا، ومرَّا في طريقهما بالرجل الذي يحمل دلوًا، والذي أكد بحسم مرةً أخرى أنه لم يسمح لأي دخيل بالمرور، ثم بالبواب وبائع الكستناء المتجوِّل اللذَين أكَّدا بشدة يقظتَهما مرةً أخرى. لكن عندما نظر أنجوس حوله بحثًا عن تأكيده الرابع، لم يره، فصاح بصوت يحمل بعض التوتر: «أين رجل الشرطة؟»

قال الأب براون: «معذرة، فهذا خطئي. لقد أرسلته للتو إلى مكانٍ قريب كي يتحرى أمرًا بدا لي يستحق التحري.»

قال أنجوس باقتضاب: «نريده أن يعود بأسرع وقتٍ ممكن؛ فالرجل البائس الذي يسكن بالأعلى لم يُقتَل فحسب، وإنما مُحي من الوجود.»

سأل القس: «كيف؟»

قال فلامبو بعد أن ظل صامتًا لبرهة: «عجبًا! أعتقد أيها الأب أن هذا الأمر يقع في مجال اختصاصك لا في مجال اختصاصي. فلم يدخل صديق أو عدو ذلك المنزل، لكن سمايث اختفى، وكأنما خطفَته الجنِّيات. إن لم يكن ذلك أمرًا خارقًا للطبيعة، فأنا …»

وبينما كان يتكلم، استوقفهم جميعًا مشهدٌ غير معتاد؛ فقد كان رجل الشرطة الضخم ذو الزي الأزرق قادمًا يجري من عند ناصية الشارع الهلالي، واتجه مباشرة إلى براون.

قال لاهثًا: «أنت محق يا سيدي؛ لقد عثروا على جثة السيد سمايث في تلك القناة هناك.»

أمسك أنجوس رأسه بيدَيه بعنف، وسأل: «هل نزل إلى هناك وأغرق نفسه؟»

قال الشرطي: «لم ينزل البتة، أقسم لك على ذلك، ولا غرق أيضًا؛ لقد توفي جراء طعنةٍ نافذة في القلب.»

قال فلامبو برصانة: «ومع ذلك لم ترَ أحدًا يدخل؟»

قال القس: «لنمشِ في ذلك الشارع قليلًا.»

بمجرد أن وصلوا إلى الطرف الآخر من الشارع الهلالي، أبدى ملاحظة فجأة: «يا لغبائي! لقد نسيت أن أسأل رجل الشرطة عن أمر. أتساءل إن كانوا قد وجدوا كيسًا بنيًّا فاتحًا.»

سأل أنجوس متعجبًا: «ولمَ كيسٌ بنيٌّ فاتح بالتحديد؟»

قال الأب براون: «لأنه لو كان كيسًا بأي لونٍ آخر، فسيتعين عليَّ أن أعيد النظر في القضية من البداية، لكن إذا كان كيسًا بنيًّا فاتحًا، فقد حُلَّت القضية.»

قال أنجوس بسخريةٍ شديدة: «يسعدني سماع ذلك. ولكن من وجهة نظري، القضية لم تبدأ بعدُ.»

قال فلامبو ببساطةٍ شديدةٍ مُستغرَبة، كما لو كان طفلًا صغيرًا: «يجب أن تخبرنا كل شيء عن ذلك الأمر.»

ودون وعي، كانوا يسارعون الخطى في الشارع الطويل الواقع على الجانب الآخر من المجمع السكني المرتفع الهلالي الشكل، يقودهم الأب براون بسرعة، ولكن في صمت. وأخيرًا قال بغموض يكاد يكون مؤثرًا: «يؤسفني القول إنكما ستجدان الأمر عاديًّا جدًّا. دائمًا ما نبدأ بالخلاصة من الأمور، وهذه القصة بالتحديد لا يمكن أن نبدأها إلا بذلك.

هل لاحظتم من قبلُ أن الناس لا يجيبون عما يقوله المرء في سؤاله؟ فهم يجيبون عما يقصده، أو ما يظنون أنه يقصده. لنفترض مثلًا أن سيدة سألت أخرى في منزلٍ ريفي قائلة: «هل يسكن معك أحد؟» لن تجيبها بقولها: «أجل، يسكن معي رئيس الخدم، والوصفاء الثلاثة، والخادمة، وما إلى ذلك»، مع أن الخادمة قد تكون معها في الغرفة نفسها، أو قد يكون رئيس الخدم واقفًا خلف كرسيها. بل ستقول لها: «لا يسكن معنا أحد.» بمعنى لا أحد من النوع الذي تَعنيه بسؤالك. لكن لنفترض أن طبيبًا يستعلم عن تفشي وباء سأل: «من يسكن في المنزل؟» حينها ستتذكر السيدة رئيس الخدم، والخادمة، والباقين. جميع مفردات اللغة تُعامَل بتلك الطريقة؛ لا أحد يجيبك حرفيًّا عن أي سؤال تسأله، حتى وإن كانت الإجابة صادقة. وعندما قال هؤلاء الرجال الأربعة الصادقون تمامًا أن أحدًا لم يدخل المجمع السكني، لم يعنوا أن أحدًا لم يدخله فعليًّا. كانوا يعنون أحدًا يمكن أن يشكُّوا في أنه الرجل المقصود؛ فقد دخل رجل بالفعل إلى ذاك المنزل، وخرج منه، لكنهم لم يلحظوه.»

تساءل أنجوس رافعًا حاجبَيه الأحمرَين بتعجب: «رجلٌ خفي؟» قال الأب براون: «رجلٌ خفي ذهنيًّا.»

تابع بعد لحظات بالصوت المتواضع نفسه كما لو كان رجلًا يتأمل حاله: «بالطبع لا يمكنك أن تفكر في وجود مثل ذلك الرجل، إلا بعد أن تفكر فيه هو نفسه. وهنا يأتي دور مهارته. لكن ما دفعني للتفكير فيه هو عدة نقاط صغيرة ذكرها السيد أنجوس في قصته التي رواها لنا. أولًا، ثمة حقيقة مفادها أن ويلكن هذا كان يخرج في رحلاتٍ طويلة سيرًا على الأقدام. ثم لدينا أمر الورقة المدموغة الضخمة الملصقة على زجاج الواجهة. وأخيرًا، وهو الأهم، لدينا أمران ذكرَتْهما السيدة الشابة؛ أمران لا يمكن أن يكونا حقيقيَّين.» وأضاف قائلًا بسرعة عندما لاحظ حركة رأس الاسكتلندي المباغتة: «لا تغضب؛ فقد حسبَت هي أنهما حقيقيان. لا يمكن أن يكون المرء وحده تمامًا في الشارع قبل لحظات مِن تسلُّمه خطابًا. لا يمكن أن تكون في الشارع وحدها تمامًا وهي تقرأ خطابًا تلقته للتوِّ. لا بد أن يوجد شخص بالقرب منها، لكنه شخصٌ خفي ذهنيًّا.»

تساءل أنجوس: «لماذا يتعيَّن أن يكون شخص ما موجودًا بالقرب منها؟»

قال الأب براون: «لأنه، باستثناء الحمام الزاجل، لا بد أن شخصًا ما قد أحضر لها الخطاب.»

سأل فلامبو بحماس: «أحقًّا تقصد أن تقول إن ويلكن حمل خطاب خصمه إلى السيدة؟»

قال القس: «أجل، حمل ويلكن خطاب خصمه إلى السيدة. لا بد أن يكون قد فعل ذلك.»

قال فلامبو بانفعال: «لا يمكنني أن أتحمل المزيد من ذلك الغموض؛ من هو ذلك الشخص؟ وكيف يبدو؟ ماذا يرتدي الرجل الخفي ذهنيًّا في العادة؟»

أجاب القس على الفور بدقة: «يرتدي زيًّا أنيقًا باللون الأحمر والأزرق والذهبي، وبذلك الزي المميز، بل واللافت للنظر، دخل بناية «هيمالايا مانشونز» تحت بصر الرجال الأربعة، وقتل سمايث بدمٍ بارد، ثم خرج إلى الشارع مجدَّدًا حاملًا الجثة على ذراعَيه!»

صاح أنجوس: «يا سيدي المبجَّل، مَن منا المجنون تمامًا، أنا أم أنت؟»

قال براون: «أنت لست مجنونًا، بل فقط ضعيف الملاحظة قليلًا. فأنت، مثلًا، لم تلحظ رجلًا كهذا.»

ثم خطا ثلاث خطواتٍ واسعةً سريعة للأمام، ووضع يده على كتف ساعي بريد عادي، كان قد مرَّ من أمامهم مسرعًا تحت ظلال الأشجار دون أن يلاحظه أحد.

وقال بتأمل: «بطريقةٍ ما، لا أحد يلاحظ سُعاة البريد مطلقًا، لكنهم، كسائر الرجال، لديهم أهواء، كما أنهم يحملون أكياسًا كبيرة يمكن إخفاء جثةٍ صغيرة الحجم بداخلها بكل سهولة.»

وبدلًا من أن يلتفت على نحوٍ طبيعي، انفلت رجل البريد متفاديًا يده، لكنه تعثر بسور الحديقة. كان رجلًا هزيلًا له لحيةٌ شقراء ومظهرٌ عاديٌّ جدًّا، لكن عندما التفت لينظر وراءه بوجهٍ مذعور، حدَّق الرجال الثلاثة كلهم في عينَين حولاوَين شيطانيتَين!

•••

عاد فلامبو إلى سيوفه الضالعة، وبُسُطه الأرجوانية وقطته الشيرازية؛ إذ كان لديه أمورٌ عديدة ليهتم بها. وعاد جون ترنبول أنجوس إلى السيدة التي تعمل في المتجر، والتي يخطط ذلك الشاب المتهوِّر لأن تعيش معه في هناءة. أما الأب براون، فسار مع القاتل لساعاتٍ طويلة تحت النجوم في تلك التلال التي تغطيها الثلوج، ولن يعلم أحد أبدًا ما دار بينهما من حديث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١