الفصل الحادي عشر

نشر كتاب «تأثيرات التلقيح المتبادل والتلقيح الذاتي في المملكة النباتية»

١٨٧٦

[يُشكِّل هذا الكتاب، كما وَرَد في فصل «سيرة ذاتية» في الجزء الأول من هذا الكتاب، تكملةً لكتاب «تلقيح السحلبيات»؛ لأنه يُظهر مدى أهمية نتائج التلقيح المتبادل التي تضمنُ حدوثها الآلياتُ الموصوفة في ذلك الكتاب. فمن خلال إثبات أن ذرية التلقيح المتبادل أقوى وأكثر حيويةً من ذرية التلقيح الذاتي، أوضحَ أن أحد الظروف التي تُؤثِّر في مصير النباتات الصغيرة السن في الصراع من أجل البقاء هو درجة تكيُّف أصلها الأبوي لحدوث التلقيح المتبادل. ومن ثمَّ فقد اقتنع بأن شدةَ الصراع (الذي كان قد أظهر، في مواضعَ أخرى، وجوده بين النباتات الصغيرة السن) مقياسٌ لقوةِ تأثيرٍ انتقائي لا يكفُّ عن تصفية التعديلات واستبعاد كل تعديل في بنية الزهرة يُمكن أن يُؤثِّر في قدراتها على التلقيح المتبادل.

ويُعَد الكتاب قيِّمًا أيضًا من ناحية أخرى؛ إذ يُلقي الضوء على المشكلات الصعبة المتعلِّقة بأصل النشاط الجنسي. فالحيوية الزائدة الناجمة عن التلقيح المتبادل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأفضلية المُكتسَبة من تغيُّر الظروف. وهذا صحيح جدًّا، إلى حد أن التلقيح المتبادل في بعض الحالات، لا يُقدِّم للذُّرِّية أيَّ أفضلية، إلا إذا كان الأصل الأبوي قد عاش في ظروفٍ مختلفة قليلًا. لذا فالمهم حقًّا هو تزاوج فردَين تعرَّضا لظروفٍ مختلفة، لا تزاوج فردَين من «أصلٍ أبوي» مختلف. وهذا يدفعنا إلى أنْ نرى النشاط الجنسي بصفته وسيلةً لغرس الحيوية في الذُّرِّية من خلال التِحام عناصرَ متمايزةٍ معًا، وهي أفضليةٌ لا يمكن أن تَنتُج إذا كانت عمليات التكاثر بأكملها لا جنسية.

ومن اللافت للنظر أن هذا الكتاب، الذي يُعَد نتاجَ أحد عشر عامًا من العمل التجريبي، كان يَدين بأصله لملاحظةٍ عابرة. ذلك أن والدي قد ربَّى أزهارَ الكَتانية الشائعة في حوضَين؛ أحدهما كان يضم ذريةَ التلقيح المتبادل، والآخر كان يضم ذريةَ التلقيح الذاتي. وقد عمل على إنبات هذه النباتات من أجل إجراء بعض الملاحظات على الوراثة، دونما أيِّ صلة بالتهجين على الإطلاق، وذُهل عندما لاحظ بوضوح أن ذرية التلقيح الذاتي كانت أضعفَ وأقل حيويةً من الذرية الأخرى. رأى أنه من المستحيل أن تكون هذه النتيجةُ بسبب أيٍّ من تأثيرات التلقيح الذاتي، لكن هذه المسألة لم «تسترعِ كامل» انتباهه إلا في السنة التالية عندما تحقَّقت النتيجةُ نفسها بالضبط في حالةِ تجرِبةٍ مشابهة على الوراثة لدى نباتات القَرنفل الشائع، ومن ثمَّ قرَّر إجراء سلسلة من التجارب المصمَّمة خصوصًا لمعالجة تلك المسألة. وتُقدِّم الخطابات التالية تقريرًا عن العمل المقصود:]

من تشارلز داروين إلى آسا جراي
١٠ سبتمبر [١٨٦٦؟]

… بدأتُ للتو إجراء سلسلةٍ كبيرة من التجارب على إنبات البذرة، وعلى نمو النباتات الصغيرة السن في حالةِ نموها من مدقةٍ مُلقَّحة بحبوب لقاح من الزهرة نفسها، وفي حالة تلقيحها بحبوب لقاح من نبات مختلف من الضرب نفسه أو من ضربٍ آخر. صحيح أنني لم أُجرِ تجاربَ كافيةً لأدلي بُحكم مؤكَّد، لكني وجدتُ أن الفرْق في نمو النباتات الصغيرة السن لافت جدًّا في بعض الحالات. أخذت كل أنواع الاحتياطات في الحصول على البذرة من النبات نفسه، وفي إنبات البذرة على رف مدفأتي، وفي زراعة الشتلات في أَصِيص الأزهار نفسه، وفي ظل الخضوع لهذه الظروف المتماثلة، وجدت أن طول الشتلات الصغيرة التي نبتت من البذرة المُلقَّحة تلقيحًا متبادلًا يكاد يبلغ ضِعف طول الشتلات التي نبتت من البذرة المُلقَّحة ذاتيًّا، مع العلم أن كلتا البذرتَين قد نبتت في اليوم نفسه. إذا استطعتُ إثبات هذه الحقيقة (لكنها ربما قد تتحطَّم تمامًا) في خمسين حالة أو ما شابه، في نباتات من مراتبَ مختلفة، أظن أنها ستكون مهمةً جدًّا؛ لأننا حينئذٍ سنتيقَّن من السبب في أن بِنية جميع الأزهار تسمح بين الحين والآخر بتلقيحٍ متبادل مع زهرة مختلفة، أو تتيح الظروف المواتية لهذا التلقيح أو تُحتِّم حدوثه. لكنَّ ذلك بمثابة احتفالٍ في وقتٍ أبكرَ من اللازم. بالرغم من ذلك، فأنا أسعدُ جدًّا بإخبارك بما أُوشك على فعله. مع أصدق تحياتي يا عزيزي جراي.

لك بالغ إخلاصي وخالص الشكر من صميم قلبي
سي داروين

من تشارلز داروين إلى جي بينثام
٢٢ أبريل ١٨٦٨

… أُجري تجاربَ موسَّعةً جدًّا على الفرْق في قوة النمو بين النباتات التي تُنمَّى من بذور مُلقَّحة ذاتيًّا وتلك التي تُنمَّى من بذورٍ مُلقَّحة تلقيحًا متبادلًا، ويُمكنني القول دون مبالغة إن الفرْق في النمو والحيوية أحيانًا ما يكون عجيبًا حقًّا. لقد رأى لايل وهكسلي وهوكر بعضًا من نباتاتي، وذُهلوا، وأودُّ بشدة أن أُريك إياها. دائمًا ما كنت أفترض حتى وقتٍ قريب أن التأثيرات الضارة لن تظهر إلا بعد أجيالٍ عديدة من التلقيح الذاتي، لكني أرى الآن أن جيلًا واحدًا أحيانًا ما يكون كافيًا، وصرتُ أفهم تمامًا وجودَ النباتات الثنائية الشكل، وكل وسائل التلقيح المبتكرة العجيبة لدى السحلبيات.

مع خالص الشكر من صميم قلبي على خطابك الذي غمرني بسعادةٍ ببالغة.

لك بالغ إخلاصي
تشارلز داروين

[الفقرة التالية مقتطَفة من خطاب إلى الدكتور جراي (بتاريخ ١١ مارس ١٨٧٣)، ويَرِد فيها ذِكر لتقدُّم سير العمل:

«عملت بجدٍّ في الصيف الماضي على جنس الندية، لكني لم أستطِع الاستمرار حتى الحصول على نباتات جديدة؛ ولذا بدأت دراسةَ تأثيرات التلقيح المتبادل والتلقيح الذاتي لدى النباتات، وقد أثار هذا الموضوع اهتمامي بشدة إلى حدِّ أن جنس الندية لا بُد أن يُنحَّى جانبًا ريثما أنتهي من هذا الموضوع وأنشره، وحينها سأستأنف العمل على هذا الجنس الذي أُحبُّه، وأعتذر من صميم قلبي على أنني اضطُررت إلى تنحية هذا النبات الغالي جانبًا ولو لحظةً واحدة.»

تُوضِّح الخطابات التالية انطباعَ المؤلِّف عن كتابه الذي ألَّفه بنفسه.]

من تشارلز داروين إلى جيه موراي
داون، ١٦ سبتمبر ١٨٧٦
سيدي العزيز

تلقَّيتُ للتو بروفات الطباعة في خمس ورقات؛ لذا سيتعيَّن عليك أن تُقرِّر قريبًا عدد النسخ التي يجب أن تُطبَع. لا أعرف بِمَ أنصحك. فالجزء الأكبر من الكتاب يسرُد حقائقَ رتيبة، والكتاب كله عن موضوع خاص. بالرغم من ذلك، فأنا مقتنع بأن الكتابَ قيِّم، ومقتنع بأن نُسخه ستُباع من حينٍ إلى آخر على مدار سنوات «عديدة». فاستنادًا إلى مبيعات كتبي السابقة، وبافتراض أن بعض الأشخاص سيشترونه لإكمال مجموعةِ أعمالي، أقترح أن عدد النسخ المبيعة سيكون ١٥٠٠ نسخة. لكنك يجب أن تسترشد بخبرتك الكبرى. سأكتفي بتكرار أنني مقتنع بأن الكتاب يحمل قيمةً دائمة …

من تشارلز داروين إلى فيكتور كاروس
داون، ٢٧ سبتمبر ١٨٧٦
سيدي العزيز

أُرسلُ إليك ضِمن الدُّفعة البريدية لصباح اليوم أولَ أربع ورقات مكتملة من كتابي الجديد، الذي سترى عنوانه على الصفحة الأولى، والذي سيُنشر في أوائل نوفمبر.

يؤسفني القول إنه أقصر ببضع صفحات فقط من كتابي «النباتات الآكلة للحشرات». الكتاب كله جاهزٌ للطباعة الآن، مع أنني لم أنتهِ إلا من تصحيح نصف المجلد. لذا ستتلقَّى البقيةَ قريبًا. الكتاب رتيبٌ جدًّا. فالفصول من الثاني إلى السادس، مُتضمَّنة هذَين الفصلَين، مجرَّد تدوين للتجارب. غير أنني أعتقد (وإن كان لا يُمكن للمرء أبدًا أن يحكم على كتبه التي ألَّفها بنفسه) أن الكتاب قيِّم. سيتعيَّن عليك أن تُقرِّر ما إذا كان يستحق أن يُترجَم أم لا. آمُل أن تجده جديرًا بالترجمة. لقد بذلت فيه قدرًا هائلًا من الجهد المضني، وأرى النتائج لافتةً ومُؤسَّسة جيدًا.

إذا اعتزمتَ ترجمته، فستجد عونًا كبيرًا في ترجمة الفصول من الثاني إلى السادس؛ لأنها مليئة بتكرارٍ لا ينتهي، لكني أراه ضروريًّا. سأكون مُتلهِّفًا لمعرفة قرارك …

أرجو من صميمِ قلبي أن تكون قد قضيت هذا الصيف بصحةٍ طيبة تمامًا.

لك بالغ إخلاصي يا سيدي العزيز
سي داروين

من تشارلز داروين إلى آسا جراي
داون، ٢٨ أكتوبر ١٨٧٦
عزيزي جراي

أُرسلُ ضمن هذه الدفعة البريدية كلَّ بروفات الطباعة المُنقَّحة التي طُبعت إلى الآن، وآمُل أن أُرسل البقية في غضون أسبوعَين. أرجو أن تلاحِظ أن الفصولَ الستة الأولى ليست سهلة القراءة، والفصول الستة الأخيرة رتيبة جدًّا. بالرغم من ذلك أعتقد أن النتائجَ قيِّمة. إذا اعتزمتَ كتابة مقالٍ نقدي عن الكتاب، فسأكون مُتلهِّفًا جدًّا لمعرفة رأيك فيه؛ لأنَّ رأيك أهمُّ عندي من رأي أي أحد آخر تقريبًا. وأعرف أيضًا أن رأيك سيكون صادقًا صريحًا، سواءٌ أكان مُؤيِّدًا أم معارضًا. لن يتكبَّد عناءَ قراءة الكتاب سوى قِلة قليلة، ولستُ أتوقَّع أن تقرأه كله، لكني آمُل أن تقرأ الفصول الأخيرة.

… إنني ضجرٌ جدًّا من تصحيح الأوراق استعدادًا لطباعتها، ومن تحويل صياغتي السيئة البشعة إلى عبارات إنجليزية مفهومة.

[نُشر كتاب «تأثيرات التلقيح المتبادل والتلقيح الذاتي في المملكة النباتية» في ١٠ نوفمبر ١٨٧٦، وبيعت منه ١٥٠٠ نسخة قبل نهاية العام. ويُشير الخطاب التالي إلى مقالٍ نقدي له في دورية «نيتشر»:]١

من تشارلز داروين إلى دبليو ثيسلتون داير
داون، ١٦ فبراير ١٨٧٧
عزيزي داير

يجب أن أُخبرك بمدى شعوري البالغ بالسعادة والتشريف بمقالك الوارد في دورية «نيتشر»، الذي قرأته للتو. أنت بارعٌ في قولِ ما يُسعِد أيَّ مؤلِّف، وهذا لا يعني أنني أظن أنك كتبت المقال من أجل هذا الغرض خصوصًا. سأكون سعيدًا للغاية إذا كنتُ أستحق مثقالَ ذرة من ثنائك. علاوةً على ذلك، فقد أثارت حجَّتك التي طرحتها عن انفصال الجنسَين بالغَ اهتمامي، وهذا الشعور أفضلُ من السرور الخالص فقط. يمكنني القول إنني مخطئ، ومن الآن فصاعدًا سأُعالج ما تقوله بمزيد من العناية، لكني لا أستطيع الآن أن أُخرج من رأسي أن الجنسَين قد نشآ بالتأكيد من اقتران فردَين، مختلفَين قليلًا. لكني أعي أن بعض حالات الاقتران تتعارض مع مثل هذه الآراء.

لك جزيل الشكر من صميم قلبي
مع بالغ إخلاصي
تشارلز داروين

هوامش

(١) كان هذا المقال بتاريخ ١٥ فبراير ١٨٧٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣