الفصل الثاني

البحث عن معنًى: التفسيرات السيكولوجية في الأفلام

ما معنى «ساحر أوز»؟

هذا سؤال يُضايِق بعض الناس؛ فيحدِّقون إليك، وينظرون شذرًا ثم يجيبون: «ماذا تعني بقولك: «ما معناه؟»؟! إنه فيلم للأطفال، ولا «يعني» أي شيء!» هذا النوع من الأشخاص سوف يَكرَه هذا الفصل.

وهناك نوع آخَر يُحبون مثل هذه الأسئلة؛ فتلمع عيونهم عندما يسمعون عبارات مثل «المعنى المستتر» و«المغزى الأعمق». وهذا النوع من الناس سوف يُعجِبهم هذا الفصل.

شئنا أم أبَيْنا، كان «ساحر أوز»، على مدار السنوات، موضوعًا لتأمُّلات ذهنية كثيرة، رفيعة ومتواضعة المستوى. ولأن للفيلم دائمًا تأثيرًا سحريًّا عليَّ، فقد احتفظتُ بسجلٍّ ذهني للأشياء المختلفة التي قالها الناس عنه. أحد أوَّل تلك التعليقات كان في المرحلة الثانوية عندما قُدِّمتْ عبارة: «لا يوجد مكان مثل المنزل» باعتبارها نموذجًا لتيمة أو مبدأ أخلاقي. وكان هذا منطقيًّا، لكن عندما فكَّرتُ فيه بدأتُ أتساءل عمَّا إذا كانت تلك هي الرسالة «الحقيقية». وأتذكَّر أنني فكَّرتُ أن دفاع الفيلم عن المكانة الرفيعة «للمنزل» كان ضعيفًا نوعًا ما. فقد قدَّم الفيلم «كانساس» بألوان بُنيَّة باهتة كمكانٍ مُوحِش للكَدِّ والتَّعَب، في حين عجَّتْ «أوز» بالألوان الزاهية، والفانتازيا، والمغامرة؛ فالسؤال عن أيِّ المكانَيْن أفضل من الآخَر كان محسومًا بالنسبة إليَّ.

fig6
شكل ٢-١: راي بولجر، وجاك هالي، وجودي جارلند، وبيرت لار في فيلم «ساحر أوز» ١٩٣٩ (حقوق النشر محفوظة لبكتوريال بريس (شركة ذات مسئولية محدودة)/آلمي).

بَيْد أن عملية البحث عن معنًى لم تتوقَّف عند هذه التأملات العابرة؛ ففي المرحلة الثانوية، علمتُ أن إل إل بوم في كتابه (بعنوان: «ساحر أوز العجيب») استخدم «طريق القرميد الأصفر» كدفاع رمزي عن معيار الذهب. لم أكن أفْقَه شيئًا في السياسات الاقتصادية لمطلع القرن (وبالكاد كنتُ مهتمًّا بها)، لكن التفسير أوضح إمكانية وجود استعارة حيث لم أكن أتوقَّعها. وبعد سنوات قليلة، علمتُ بالشائعة المتكرِّرة التي تقول إنه لو تزامن فيلم «ساحر أوز» مع ألبوم بينك فلويد الكلاسيكي «الجانب المظلم من القمر»، لظهرت كل أنواع الإحالات (على سبيل المثال: التزامن بين دَقَّة القلب التي تُسمَع في نهاية «الخسوف» ووَضْع دوروثي يدَها على صَدْر رجل الصفيح). ورغم أن علاقة هذا ﺑ «معنى أوز» ليستْ واضحة على الإطلاق، فإن هذا التزامن الرمزي دفع بالفيلم إلى مناطق أبعد غورًا في ملكوت العمق.

والنُّقَّاد بدَوْرهم قَضَوْا بعض الوقت في تفسير «ساحر أوز». فيفسِّر أحد المحلِّلين رحلة دوروثي في الفيلم باعتبارها مجازًا للانتقال الأنثوي إلى طَوْر المراهَقَة.1 ويمد كاتب آخَر هذا التحليل إلى المجال الثقافي ذاهبًا إلى أن الفيلم يُصوِّر حدثَ البلوغ.2 ثم يتحوَّل هذا التركيز على النوع إلى القول بأن تجربة دوروثي تجسِّد عملية تكوُّن السمات الشخصية لدى الذَّكَر المِثْلي، بما في ذلك تجربة مواجهة المجتمع.3 في حين يذهب مراقِب آخَر إلى أن شخصيات الفزَّاعة، ورجل الصفيح، والأسَد الجبان، تمثِّل جميعُها محاولة دوروثي تحقيق التوازن عبر إدماج سمات ذكورية.4 وأخيرًا، يرى معالِج نفسي أن حبكة الفيلم تُصوِّر بطريقة ممنهجة سماتٍ مرتبطةً بالعلاج النفسي (بناء صلات داخل النفس البشرية، وتطوير سيطرة ملموسة).5

يتبنَّى هذا الفصل وجهة نظرٍ مَفادُها أن الأفلام «نوافذ» على — أو «مرايا» تعكس — عالَم السلوك البشري، وطرائق عمل الذهن، والطبيعة البشرية ذاتها؛ حيث يمكننا، عبر الاندماج «في» الأفلام، رؤية التطور الفردي أثناء حدوثه؛ أي عمل الآليات الدفاعية اللاواعية، والعمليات الاجتماعية النفسية، إلخ. هنا يُصبِح الفيلم مسرحًا تُعرَض عليه الكينونات النفسية.

عبر عملية «قراءة» أو «تفسير» الفيلم باعتباره نوعًا من «النص» الرمزي (والأنواع الأخرى تشمل الروايات، والقصائد، والصور الفوتوغرافية، والتماثيل، إلخ)،6 بإمكاننا الوصول إلى رؤية أكثر نفاذًا للأفراد والمجتمع. وقد حَظِيتْ هذه المقارَبة التفسيرية بشعبية واسعة فيما يتعلَّق بالأفلام، ليس في مجال الدراسات الأكاديمية للأفلام فحسب، بل أيضًا من جانب الباحثين في المجالات الأخرى، ونُقَّاد السينما الذين يكتبون للصحف والمجلَّات، فضلًا عن عشاق السينما الذين يستمتعون بعملية البحث عن المعاني الأكثر عمقًا.
وبينما يحاول المنظِّرون باستمرار الإشادة بالأفلام بسبب واقعيتها، كان هناك مَيْل طويل الأمد بين المعلِّقين السينمائيين للنظر إلى الأفلام باعتبارها أحلامًا.7 فهي تمتلك خاصية غامضة تجعلها تُوحي بأنها ليست كما تبدو عليه من الظاهر؛ ومِن ثَمَّ تُطالِب بتفسير أكثر إرضاءً مما يستطيع الفهم الحرفيُّ أن يقدِّمه.
إذا كان ثمة دافع مشترك يدفع الناس جميعَهم إلى فهْم معنى فيلم ما، فإن هناك القليل من المعتقدات المشترَكة بين الجميع حول الطريقة الواجب اتِّباعُها في تفسير الأفلام. وهنا يأتي دَوْر «النظرية»: فعندما يتناول المفسِّرون فيلمًا ما، تكون لديهم عادةً أفكار محدَّدة سلفًا عن جوهر الفيلم، أو المجتمع، أو الطبيعة البشرية، توجِّههم في عملهم في إنتاج المعنى.8 فتاريخ دراسات الفيلم حافل بالعديد من المقارَبات النظرية المميَّزة — بدرجة تزيد أو تنقص — تتضمَّن التفسير النصي.9

فلو ركَّزنا على واقع أن العقول البشرية تصنع الأفلام (يقوم أناس باختيارات تتعلَّق بالأزياء، والإضاءة، والحوار، إلخ)، لأمْكَنَنا النظر إلى كل الأفلام باعتبارها انعكاسات للذهن البشري؛ ومن ثَمَّ تستحيل مناقشتُها إلَّا إذا شُوهِدت بواسطة كائنات بشرية تُفكِّر وتشعر. فعند تحليلِنا لأحَدِ الأفلام، فإننا نقوم، جزئيًّا على الأقل، بتحليل الذهن «من خلال» الفيلم. ومن هنا، سأركِّز في هذا الفصل على العديد من مقاربات تفسير الفيلم القائمة «بوضوح» على نظريات سيكولوجية عن الطبيعة البشرية، والمتجسِّدة في عبارات مثل «أنماط السلوك»، و«الرغبات المكبوتة»، و«الجهاز النفسي».

(١) السلوك البشري في الأفلام

في حين أنه يوجد عدد لا نهائي من مجالات السلوك البشري التي يمكن تجسيدها في الحَبْكات والشخصيات ومواقع الأفلام، فإن كل تلك السلوكيات لا تتطلَّب نظريات معقَّدة لفهمها. وقد توغَّل علماء الاجتماع بالتفصيل في دراسة عدد كبير من الموضوعات السلوكية التي تَظهَر في الأفلام؛ مثل الجنس، والعنف، والسياسة، والمقامرة، والنوع، والأمومة، والتدخين، وتعاطي الخمور، والرياضة، والكلية، والجريمة، وجنوح النشء، والأحلام، والفقر، والثروة، والغراميات، والغضب، والعنف الأسري، والشيخوخة، والعلاج النفسي، والمرض النفسي.10 والدراسات التي تركِّز على نوع معين من السلوك أو الأشخاص تهتمُّ عادةً باتجاهات مشتركة بين عدد من الأفلام. وفي حين أن تلك التجسيدات السينمائية لا تَصِف بالضرورة الواقع الموضوعي بدقَّة، يمكننا أن نفترض أنها تضع يدها على تصورات شائعة حول سلوكيات معيَّنة، بل وحتى على توجُّهات المشاهِدين حيال تلك السلوكيات.11
ثمة مقارَبة حدسية الطابع نسبيًّا لتصنيف السلوكيات المعروضة في الأفلام؛ حيث يقوم المحلِّل ببساطة بتحديد نمطٍ سلوكيٍّ معيَّن، ثم يختار مجموعة مُنتَقَاة من الأفلام والشخصيات والأنواع الفنية التي تجسِّد هذه الاتجاهات تجسيدًا نموذجيًّا. فقد أصبح من الشائع بين نُقَّاد السينما في مطبوعات مثل «تايم» و«إنترتينمينت ويكلي» الإشارة إلى ظاهرة «الرجل-الطفل» في الأفلام الكوميدية في التسعينيات والعَقْد الأول من الألفية الثالثة، وهي شخصيات غير ناضجة عاطفيًّا، كثيرًا ما يؤدِّيها آدم ساندلر، أو ويل فاريل، أو سيث روجين، وتعكس تردُّدَ الجيلَيْن إكس وواي (المولودَيْن ما بين ستينيات القرن العشرين وتسعينياته) في أن «يصبحا رجالًا» ويتحملا المسئولية. كذلك تظهر المقارَبات الحَدْسية أيضًا في الدوريات الأكاديمية؛ فثمة مقالة اهتمَّت بدراسة الأفلام منذ بداية السبعينيات التي تُصوِّر المسيحيين الإنجيليين على أنهم منافقون، أو سُذَّج، أو ذُهانيون.12
أما تحليل المضمون، فهو مقارَبة أكثر منهجيةً لدراسة السلوك البشري في وسائل الإعلام؛ ويمكن تطبيقُها على الأشكال الأدبية المكتوبة (الرواية والشعر)، أو السمعية (الموسيقى)، أو المرئية (إعلانات المجلَّات والأفلام).13 وثمة مكوِّنان أساسيان لهذه المقارَبة: إنتاج «عيِّنة» أفلام بطريقة ممنهجة تَخضَع للتحليل، وفي الوقت نفسِه تطبيق «خطَّة تشفير» صريحة تطبيقًا متَّسقًا على كل فيلم من أفلام العيِّنة. ويمثِّل تحليل المضمون تحالفًا بين مقاربات العلوم الاجتماعية السائدة والمقاربات النَّصِّية/التفسيرية. ولأن خطة التشفير مصمَّمة بحيث يمكن تطبيقها بواسطة أيِّ أحدٍ كان مع إعطاء النتائج نفسِها، فهي تؤسِّس لدرجة من «الموثوقية» يمكن البرهنة عليها (ملاحظات أحد المراقبين تتمُّ مشاركتُها مع المراقبين الآخرين). وهكذا، من شأن تحليل محتوًى يتمُّ إجراؤه بحرص أن يؤكِّد على أن تحليلًا معيَّنًا ليس مجرد توهُّمات شاذَّة لناقد بارع.14
وتمامًا مثل موسيقى الروك آند رول، كان أكثر الموضوعات التي اهتمَّ بها تحليل مضمون الفيلم شيوعًا؛ العنف، والجنس، والمخدِّرات (وغيرها من السلوكيات غير الصحية).15 فبالنسبة إلى العنف، هناك دراسة كثيرًا ما يُشار إليها شَمِلت القُطْر بأكمله، وثَّقت لحقيقة أن برامج الأطفال كانت أكثر عنفًا بكثير من برامج الكبار، بمعدل بلغ ثلاثين فعلًا عنيفًا في الساعة الواحدة.16 غير أن العديد من تلك الوقائع كان أقلَّ شبهًا بالواقع وأكثر هزليَّةً من عنف الكبار. وربما كان بالإمكان تطبيق هذا النموذج على أفلام الأطفال أيضًا. وفي حين يعتقد البعض أن العنف غير الواقعي أقلُّ إزعاجًا للأطفال، يشير المؤلِّفون إلى أن مثل تلك التجسيدات يمكن أن يكون لها تأثير أقوى نسبيًّا على سلوك الأطفال؛ ذلك لأن «العواقب» السلبية للعنف يتم التقليل من شأنها.
كما ركَّز الباحثون أيضًا على «العنف العلائقي»، الذي يمثِّل أفعالًا غيرَ مباشرة لكنها مؤذِية؛ من قَبِيل ترويج الشائعات، والإقصاء، والمعاملة الصامتة التي تمَّ تصويرُها في فيلم «فتيات لئيمات» (مين جيرلز).17 وقد وُجِد أن أفلام الرسوم المتحركة من إنتاج ديزني تتضمَّن مشاهد عنف غير مباشر بمعدل تسع مرات في الساعة.18 ومن اللافت أيضًا أن شخصيات ديزني «الطيِّبة» و«الشريرة» على حدٍّ سواء تتورَّط في ممارسة العنف العلائقي. بَيْدَ أن أفعال الشخصيات الطيِّبة تجنح إلى العنف بدرجة قليلة (إيماءة تحدٍّ أو عُبُوس، على سبيل المثال)، بينما تكون أفعال الشخصيات الشريرة أكثر إيذاءً للآخرين (ممارسة ضغوط، أو إنزال لعنات، أو تآمُر، مثل تلك المؤامرة التي دبَّرها جاستون ضد الوحش في فيلم «الجميلة والوحش» (بيوتي آند ذا بيست)، على سبيل المثال).
حظي الجنس أيضًا بقَدْر كبير من الاهتمام في وسائل الإعلام، ليس في أفلام السينما السائدة فحسب، بل أيضًا في المجلَّات النسائية، والتليفزيون، والفنون الإباحية. غير أن الواقع العملي للطريقة التي يتمُّ بها إجراء هذه الدراسات سيرياليٌّ بعض الشيء: طلَّاب جامعيون في معامل بائسة، محاطون بأكوام من الأعمال الفنية الإباحية، يتفرَّجون على أناس يمارسون الجنس، وهم يحملون على أرجلهم حواسب محمولة ويدوِّنون ملاحظات حول تغيير شركاء الجنس واختلاف الأوضاع. وفي بعض الأحيان، تَجِيء نتائج هذه الممارَسة العَجِيبة لتؤكِّد على ما قد يستطيع معظم الناس تخمينَه عن طريق الحَدْس، لكنها تتحدَّى تلك الافتراضات أحيانًا أخرى.19 فاستنادًا إلى عينة من الأفلام المصنَّفة ضمن فئة «محظور» من حقبة الثمانينيات، وجد الباحثون أن العَلاقات الجنسية بين غير المتزوِّجين تم تصويرُها عادةً أكثر من تلك التي بين المتزوِّجين. وفي حين أن هذا قد لا يكون صادمًا في حدِّ ذاته، فإن معدَّل تَكرار ذلك النمط كان صادمًا: ٣٢ ممارَسة جنسية بين غير المتزوجين مقابل ممارسة واحدة بين المتزوجين. فإما أن هوليوود تعتقد أن المتزوِّجين لا يُمارِسون الجنس، أو أن الجنس داخل نطاق الزواج لا يُثِير اهتمام كُتَّاب السيناريو.
تميل تحليلات الأفلام/الفيديوهات الإباحية إلى التركيز على تصنيف أزواج من النوعين، وأنماط الممارسات الجنسية.20 وتقدِّم مثل تلك الدراسات لوحة لأنواع الصور السائدة التي تشكِّل جزءًا من الجوِّ الثقافي العام. فإحدى النتائج الصادرة عن تحليل واسع النطاق ﻟ ٤٤٣ فيديو من الثمانينيات، ذات محتوًى جنسيٍّ صريح، ركَّزتْ على «علاقات القوة» في تصوير الممارَسات الجنسية.21 وقد وَجَدت أن ثُلُث المَشاهد فقط أظهر بوضوح أن طَرَفَيِ العلاقة لدَيهِما القَدْر نفسُه من الرغبة. وبالمقابل، فإن معظم الممارسات الجنسية بدأت انطلاقًا من الهيمنة الجسدية (للرجل عادةً)، أو استغلال من أحد الطرفين للطرف الآخر (على سبيل المثال: استغلال رئيس للمرءوس).
لقد بَرهَن مزيج الجنس «و» العنف في الأفلام على أنه موضوعُ بَحْثٍ لا يُقاوَم. ففي منتصف التسعينيات، اندلع جدال بحثي غير متوقَّع بين فصيلين اثنين في ميدان العلوم الاجتماعية حول النسبة بين الجنسين في الميتات العنيفة فيما يُسمَّى بأفلام «سلاشر» (وهي أفلام رُعْب يقوم فيها قاتل مهووس بمطاردة وقَتْل سلسلة من الضحايا).22 فقد ذهبت مجموعة من الباحثين إلى أن فُرَص التعرُّض للقتل في أفلام سلاشر متساوية بين الجنسين، بينما أكَّدتِ المجموعة الأخرى على ارتفاع معدل العنف ضد النساء، ودرجة الارتباط بين النشاط الجنسي للشخصيات النسائية ومَوْتِهنَّ المحتوم. فالنموذج الذي بموجبه تنجو «الفتيات الطيبات» بينما تهلك «الفتيات الشريرات» يُسلَّم به خارج المجال الأكاديمي؛ فالشخصيات في فيلم «الصرخة» (سكريم) الذي حقَّق نجاحًا مدوِّيًا تتأمَّل تأمُّلًا واعيًا في مصائر الشخصيات الأخرى بناءً على سلوكهم الجنسي. وقد أكَّدت أحدث التحليلات لهذه القضية بالفعل أن احتمال نجاة الشخصيات النسائية النشطة جنسيًّا في أفلام سلاشر ضئيل، وأن مَشَاهِد موتِهنَّ من المرجَّح أن تتم إطالة مدَّتها.23 هذا مثال جيِّد على أنه كيف يمكن لأبحاث العلوم الاجتماعية أن تتقاطع مع ملاحظات صادرة من جمهور ونقَّاد يَقِظين.
إن السلوكيات المتعلِّقة بالصحة (أو السلوكيات «غير الصحية» بوجه أخص) في الأفلام؛ مثل تعاطي الخمور/المخدِّرات، واستخدام الواقي الذَّكَري وممارسة الرياضة، هي موضوعات متواترة بكثرة في تحليل المضمون. يتوافق هذا الاهتمام مع التوسع الذي شهده مؤخَّرًا عِلم نفس الصحة، وهو مجال تطبيقي فرعي مخصَّص للمساعدة في الوقاية من المشاكل الصحية ومعالجتها باستخدام تقنيات نفسية.24 وحيث إن أحد أهم تطبيقات علم نفس الصحة هو الوقاية من التدخين والإقلاع عنه، فلا غرابة إذن أن يكون التدخين في الأفلام هو أحد الميادين التي حَظِيتْ بالاهتمام.
إن الصور الساحرة بالأسود والأبيض لنجوم هوليوود الكلاسيكيين؛ مثل همفري بوجارت ولورين باكال، وهم يَنفُثون دُخَان سجائرهم بطريقة مُغوِيَة، فيما حلقات الدخان تحوم حولهم، لا تزال منطبعة في المخيِّلة العامة إلى اليوم. وبالنظر إلى التغيُّر في المواقف الاجتماعية، يمكننا أن نفترض أن نسبة ممارسة التدخين في الأفلام قد انخفضت. بَيْد أن العديد من تحليلات المضمون يُشير إلى أن الأمر خلاف ذلك؛ فمعدل التدخين في الأفلام في ٢٠٠٢ هو نفسُه الذي كان في ١٩٩٥، رغم الانخفاض الهائل في نسبة عدد المدخنين بين سكان الولايات المتحدة.25 وتكشف الدراسات نفسُها عن فروق هائلة في «كيفية» تصوير ممارسة التدخين. ففي السنوات الأخيرة، أصبح معدل ممارسة التدخين بين الشخصيات «الثانوية» في الأفلام أعلى منه لدَى النجوم. أضِفْ إلى ذلك أن التدخين يتمُّ تقديمه في سياق أكثر سلبيةً (بالارتباط مع السلوك العدواني أو تقليل التوتر، على سبيل المثال).26 وهذا مثال مُثِير للاهتمام يوضِّح كيف أن هوليوود تريد أن تَحصُل على الكعكة/السجائر (أن تستمر في تصوير سلوك مثير بصريًّا) وأن تأكلها/تدخِّنها أيضًا (أن تعكس القِيَم الراهنة بقدْرٍ من التعاطُف).

(٢) الصراع اللاواعي في الأفلام

يمثِّل تحليل المضمون ببساطة، في نظر بعض النُّقَّاد، طريقةً لتناول الأفلام بصورة سطحية وحسب. فلكي يفهم المحلِّل الإشارات النفسية في الأفلام بحقٍّ، عليه أن يأخذ في اعتباره «المغزى الأعمق»، «المعنى المجازي»، «المعنى الضمني»، «الرسالة المستَتِرة»، «الرمزية المضمَرة»، إلخ. ويعرِّف بول ريكور الرمز بأنه أيُّ شيء له — في آنٍ واحد — معنًى «حرفي، أساسي، مباشر» ومعنًى «مجازي، ثانوي، غير مباشر».27 فلو أننا فهمنا الفيلم باعتباره رمزيًّا في جوهره، وله عِدَّة مستويات للمَعْنى، لاكتسبت عندئذٍ الأفلام خاصية سحرية تبدو معها «حُبْلَى» بالمغزى وملتبسة المعنى في الوقت نفسه. وبحسب ريكور، تأثَّر تفكير القرن العشرين حول الطبيعة البشرية تأثُّرًا عميقًا بثلاثة باحثين — ماركس، ونيتشه، وفرويد — أُطلِق عليهم «أبطال (فلاسفة) الشك».28 فقد وَجَد كلُّ واحد من هؤلاء المنظِّرين أن الميادين الرئيسية للدافع البشري (المال، والقوة، والجنس، على التوالي) تُوجَد على مستوَيَيْن اثنين على الأقل؛ المرئي وغير المرئي. والقُوى في المستوى غير المرئي لها تأثير هائل على أنشطة الحياة اليومية، لكنها بحكم طبيعتها، تستعصي على الفهم المباشر. وتتميَّز مثل تلك النظريات بدرجة عالية من «التشكُّك» المتأصِّل الذي لا يَثِق بالمستوى السطحي؛ فالحقيقة على الدوام مطمورة ومراوِغة.
من بين فلاسفة الشك هؤلاء — كما يُطلَق عليهم — فإن فرويد هو صاحب التأثير الأكبر على نظرية الفيلم.29 إن النظرية الفرويدية (التحليل النفسي) معقَّدة للغاية؛ فهي تُسرِف في استخدام المصطلحات، وذات تاريخ متجزِّئ وفروع عديدة (مثل شجرة عائلة ممتدة أو تاريخ الكنيسة البروتستانتية). لقد كان فرويد دائمًا شخصية مُثيرة للجَدَل، وبالإمكان توجيه نَقْد شديد لمناهجه واستخلاصاته. ومن هنا، عندما يتعرَّف الناس إلى التحليل النفسي للمرة الأولى، فإنهم كثيرًا ما يُصابون بالارتباك ويَمِيلون أحيانًا إلى نَبْذِه؛ بناءً على انطباعهم الأول عن مَلامِحِه الشديدة الغرابة. ومع ذلك، لا يزال هناك عدد كبير من علماء النفس (بمَن فيهم أنا) يعتقدون أن الكثير من أطروحات فرويد الأساسية صحيحة، وأنه حتى تلك الأفكار التي يبدو أنها تُجانِب الصوابَ لا تخلو من إثارة.30
لقد سَعَيْتُ، في إطار عملي بالتعليم الجامعي، إلى تدريس فرويد بطريقة سهلة، لكن متوافِقة مع أفكاره. فجوهر الفكر الفرويدي يُمكِن فهمُه من خلال الإحاطة ببعض الافتراضات الأساسية عن الطبيعة البشرية،31 وجميعها لها آثار ضمنية شديدة الأهمية على الطريقة التي يتم بها تفسير الأفلام.
  • (١)

    تتحرك الكائنات البشرية، منذ الميلاد، «مدفوعة» برغبات أنانية (مثل الجوع، والجنس، والعنف) بهدف جلب المُتْعة وتجنُّب المعاناة. «والبحث الأناني عن المتعة هو مما يَكثُر وجودُه في الأفلام.»

  • (٢)

    نحن نُولَد بدوافع أساسية، بطاقاتنا الحيوية الأولية (اﻟ «هُوَ»). وحقائق الحياة القاسية تُعلِّمنا أنه لا سبيل لإشباع رغباتنا كلِّها إشباعًا كاملًا؛ ومن ثَمَّ نتعلَّم القيام بالمساومات الضرورية في الحياة اليومية (اﻟ «أنا»). وفي نهاية المطاف، نكتسب من والدينا حسًّا مدموجًا بالصواب والخطأ (اﻟ «أنا العليا»). بَيْد أنه ما لم «يتطور» هذا التنظيم الداخلي بطريقة سليمة، يبدأ الناس في الوقوع في المتاعب. «وكثيرًا ما تتبنَّى الأفلام الاعتقاد بأهمية عملية التطور في السنوات الأولى من العمر من خلال توظيف حبكات تغطِّي حياة الفرد بأكملها، أو الفلاش باك، أو الإحالات إلى أحداث هامة في فترة الطفولة من خلال الحوار.»

  • (٣)
    ولأن اﻟ «هُوَ»، واﻟ «أنا»، واﻟ «أنا العليا» ترغب جميعها في أشياء مختلفة، فإن تلك البِنَى النفسية الثلاث تنخرط في «صراع» لا نهاية له بعضها ضدَّ بعض. ويحدِّد فرويد مركز ساحة هذه الحرب في اﻟ «أنا»؛ «كائن مسكين يَدِين بالطاعة لأسياد ثلاثة ومن ثم يتعرَّض لتهديد أخطار ثلاثة؛ العالم الخارجي، وغُلمة (ليبيدو) اﻟ «هُوَ»، وقسوة اﻟ «أنا العليا».»32 «وجميع السرديات السينمائية تقوم على صراع من نوع أو آخر.»
  • (٤)

    جزء كبير من صراعنا النفسي لا واعٍ. فرغم أن وَعْيَنا يشعر بذلك الألم الناتج عن حربنا الداخلية، إلَّا أن الهجمات المعقَّدة والمناورات المضادة ذاتها (الآليات الدفاعية) تظل مستَتِرة إلى حدٍّ بعيد. وبينما لا ينكشف اللاوعي أبدًا في صورته الخالصة، فإنه بإمكاننا أن نقتنص لمحاتٍ وظلالًا منه عبر «الرموز». «ولأن الأفلام موضوعات رمزية، فهي تُضارِع تلك العمليات (تفسير الأحلام، على سبيل المثال) ذات الأهمية الحاسمة في العلاج بالتحليل النفسي. فمغزى الفيلم الذي نُحيط به من خلال ملخَّص الحبكة هو مجرد سطح؛ أما السَّبْر الرمزي فيَقُودنا إلى تلك المناطق المستترة.»

عدد كبير من المشاهدين سوف يُقِرُّون بأن الروائع الهذيانية المعقَّدة لهيتشكوك ولينش وأرنوفسكي تستكشف الدوافع والصراعات البشرية الأساسية، لكن من وجهة نظر ديناميكية نفسية،33 فإن «كل الأفلام» (وفي الحقيقة، كل القصص) هي انعكاسات للاوَعْيِنا. يقترح برونو بيتلهايم في كتابه «استخدامات السحر» (١٩٧٥) أن القصص الخيالية الخاصة بالأطفال تكشف عن صراعات لا واعية ذات طابع عام. فقصة «هانسل وجريتل» — من وجهة نظره — ليست مجرد حكاية خيالية؛ فهي ذات خصائص رمزية تتوافق مع رغبات ومخاوف الحياة النفسية اليافعة للأطفال. فالْتِهام هانسل وجريتل النَّهِم لمنزل كعكة الزنجبيل يمثِّل ذلك النزوع نحو الإشباع الفموي الكامل. والزجُّ بهما في السجن يَعكِس المخاوفَ المرتبِطةَ بتفعيل تلك الرغبة. أما الساحرة فهي تجسيد رمزي «للأم الشريرة»، وقلق الطفل/الطفلة من أن أُمَّه/أُمَّها قد لا تكون فقط غير قادرة على إشباع رغباته/رغباتها، بل مصدر خطر أيضًا.
تتضمَّن الأفلام قصص جِنٍّ وساحرات شريرات خاصة بها. وإحدى القراءات الفرويدية النموذجية ﻟ «ساحر أوز» تنظر إلى مغامرة دوروثي باعتبارها مجازًا لرحلة المراهَقة، وهي المرحلة المميَّزة الأخيرة في النظرية التطورية الفرويدية.34 ويشار إليها، بمفردات التوجُّه الجنسي، باعتبارها «المرحلة التناسلية» التي تنصبُّ فيها اهتمامات الفرد الشهوانية على إتمام الجِمَاع الجنسي. ويتمثَّل البُعْد الاجتماعي لتلك النقلة في أن الفتاة، قبل أن تتمكَّن من تطوير حسٍّ قوي — على نحو كافٍ — بنفسِها كفرد جدير بالحب، ينبغي عليها أن تُدرِك أوجُهَ القصور لدى والدَيْها. وهو احتمال مروِّع جدًّا في بداية الأمر، لدرجة أن «صراعات الطفولة نصف المدفونة ينبغي أن تنبعث من مرقدها لكي تتم تسويتُها، وإلا فإنها ستظلُّ تَسكُنُنا إلى الأبد.»35 وكان أوَّل ردِّ فعلٍ لدوروثي هو التمرُّد على حارسَيْها الأمينَيْن العطوفَيْن — غير أنهما ليسا مثاليين — عبر النكوص إلى عالَم الخيال. وهو عالَم تتَّسِم فيه الشخصيات الأبوية بالاستقطاب من حيث طبيعتها الخَيِّرة (جليندا الساحرة «الطيِّبة» وأوز «القوي والمهيب»)، أو الشريرة (الساحرة «الشريرة»). ينبغي على دوروثي أولًا أن تواجِه الساحرة الشريرة وتتغلَّب عليها، وهي الصورة الخيالية المتسلِّطة للأبوَّة التي تخشاها. لكن ينبغي عليها أيضًا أن تنزع القناع عن الساحر الكُلِّيِّ القدْرة؛ لكي تُدرِك أن قُدْرتها على الرجوع للمنزل تكمُن بداخلها. وفي اللحظة التي تعود فيها إلى كانساس، تكون قد أنجزت حالة اﻟ «أنا» للشابَّة الراشدة المُهيَّأة لمواجَهة حقائق عالَمِها اليومي ذي الألوان البُنيَّة الباهتة.

لا يقتصر تقليد تفسير الفيلم انطلاقًا من التحليل النفسي على أفلام الأطفال وحسب. كان كتاب المؤلِّفَيْن فلفنشتاين وليتس «الأفلام: دراسة سيكولوجية» الذي نُشر في الخمسينيات من أُولَى المحاولات المبذولة لبَلْوَرة تيمات وثيقة الصلة بعلم النفس في أفلام السينما الأمريكية السائدة باستخدام افتراضات ديناميكية نفسية. إحدى تلك التيمات — الاعتداءات غير المبرَّرة التي يتعرَّض لها بطل لم يقترف أي ذنب — يتم تسليط الضوء عليها في فيلم «النوار» الكلاسيكي «النوم الكبير» (ذا بيج سليب). فالمُخبِر السِّرِّيُّ فيليب مارلو (همفري بوجارت) يتعرَّض لاعتداءات وتهديدات بلغت من الكثرة حدَّ أنه يعلِّق عليها ساخرًا بقوله إن كل شخص يقابله يبدو أنه سيُشهر السلاح في وجهه. ولأن التحليل النفسي يفترض أن جميع الناس تُحرِّكهم دوافع ملوَّثة وأنانية، فإن فكرة «البراءة» ذاتها تُوضَع موضع شك. فالاعتداء الذي يتعرَّض له مارلو يُفسَّر على أنه إسقاط لميوله العدوانية إزاء العالم الخارجي. فالاعتقاد بأن العالَم مُعادٍ لنا يمكن أن يجعل منه مكانًا مخيفًا، لكن بحسب المنطق الفرويدي، فإن هذا الاحتمال أسهل من تقبُّل تحمُّل المسئولية والشعور بالذنب الناجم عن ميولنا العدوانية.

باستطاعة التحليلات الديناميكية النفسية للأفلام أن تستفزَّ القارئ فيما تُولِيه من عناية لتفاصيل غير مهمة في الظاهر، وأن تفتنه بمحاولاتها لتفسير الظواهر الغامضة. قبل عدة سنوات، جذب انتباهي تحليلٌ نُشر في إحدى دوريات التحليل النفسي لاقتباس كوبريك لرواية «البريق» (ذا شايننج)،36 وهو الفيلم الذي طالما وجدتُه مروِّعًا وفاتنًا على نحو فريد. كان فرويد سيقول إنَّ ردَّ فعلي هذا مثال على الشعور الغامض المثير للأعصاب الذي يبعث فينا القشعريرة عندما نواجه على نحو غير متوقَّع محفِّزًا عاديًّا في ظاهره لكنه يحمل أصداءً تتردَّد على مستويات أكثر عمقًا بداخلنا. وفرويد بالطبع لديه تفسير لذلك؛ إنه ما يحدث عندما يتمُّ تذكيرُنا بطريقة لا واعية بشيء كنا قد كبتناه (يرقد هناك في المهاجع المُظلِمة لعقولنا). تلك المواد المكبوتة يتم الكشف عنها للحظة خاطفة، مخلِّفة لنا شعورًا بعدم الارتياح، لكن يصاحبه الفضول والإثارة أيضًا.

يقترح التحليل النفسي أن السبب وراء إتياني بردِّ فعلٍ لافت هكذا هو أن فيلم «البريق» يستثير، عبر إشارات تلميحية ورموز خفية، ذلك الدافع المنتشر في الذكورية الغربية تجاه الإبادة الجماعية. ففرويد يذهب إلى أن غريزة الموت موجودة لدى الناس جميعهم، وعندما تشتدُّ قوَّتُها أكثر مما ينبغي وتبدأ تمثِّل تهديدًا للذات، فإنه يتم توجيهها نحو الآخرين. والإبادة الجماعية هي شكل متطرِّف من أشكال هذا الدافع تجاه الموت. ويستدعي الفيلم فكرة الإبادة الجماعية، خاصةً في ألمانيا النازية، من خلال إشارات تلميحية ورموز خفية: فالكاتب المنكوب، جاك تورينس (جاك نيكلسون) يذهب إلى فندق منعزل في سيارة فولكس فاجن؛ والسيارة الصفراء (وغيرها من الأشياء الصفراء البارزة التي تَظهَر فيما بعدُ) تُشبِه نجمة داود التي كان اليهود مُجبَرِين على ارتدائها أثناء الحرب العالمية الثانية؛ كما يقوم جاك بكتابة مذكراته الملتاثة على آلة كاتبة ألمانية تعود إلى الحقبة النازية؛ وثمة أشكال أخرى لاستخدام الرقم ٣٩ (كما في ١٩٣٩، عام بداية الحرب) يمكن رؤيتها على الصناديق في مشهد مخزن الطعام، وهكذا.

بالإمكان توجيه انتقادات لا حصر لها إلى تحليل كهذا؛ فأولًا: يبدو من غير المحتمل أن هذه الرموز كانت مقصودة من جانب صُنَّاع الفيلم؛ وبالفعل، لا يوجد دليل واحد على أن الأمر هكذا.37 غير أن «المقاصد الواعية» للكتَّاب والمخرجين لا تضع قيودًا على التفسيرات الديناميكية النفسية؛ ذلك لأن «الارتباطات اللاواعية» يمكنها دائمًا أن تؤثِّر على عملية الإبداع الفني. وبإمكان المتشكِّكين أيضًا أن يحتجُّوا بأنَّ تفسير تفاصيل تافهة مثل الأرقام التي على الصندوق ينال من مصداقية عملية التفسير. بَيْد أنه في عُرْف التحليل النفسي الكلاسيكي، ما من شيء غير مُهمٍّ؛ حيث يقوم العقل اللاواعي بإدراك وعَقْد الصلات مع تلك التفاصيل الرمزية التي لا ندركها عن وعي.38 من الصعب البرهنة على هذه الأنواع من المزاعم، لكن بمجرد أن يبدأ الناس في مشاهدة الأفلام بهذه الطريقة، يكون من الصعب عليهم أن يتوقَّفوا.

(٣) الأنماط الأوَّلية في الأفلام

نظرية كارل يونج عن الأنماط الأولية هي مقارَبة سيكولوجية أخرى قدَّمت إسهامًا كبيرًا في مجال تفسير الفيلم.39 ورغم أنها ترتكز بالمثل على مفهومَيِ الرمزية واللاوعي، فإنها تنْأى بنفسها عن فرويد بطُرق لافتة للنظر.40 يفهم يونج — بصفة خاصة — اللاوعي على أنه أكثر من مجرد مجموعة من الدوافع الأولية والعُقَد الشخصية غير المحلولة. فقد قام بدراسة صور وقصص تنتمي لثقافات من جميع أرجاء المعمورة على مدار التاريخ، وخَلَصَ إلى أن هناك تيماتٍ وأنماطًا «عامة». ثم طرح فكرة مؤدَّاها أن اللاوعي به منطقة تُسمَّى «اللاوعي الجمعي»، وهو نطاق نفسي يتقاسمه جميع البشر، ورأى أن هذا اللاوعي الجمعي يعجُّ بتيمات عامة (أو صور للفكر) يسمِّيها الأنماط الأولية. وتكشف تلك الأنماط عن نفسها في صورة شخصيات مألوفة؛ مثل الأم، والأب، والحكيم، والبطل، إلخ.41

وفي حين أنه ما من سبيل لبلوغ الأنماط الأولية في صورتها الخالصة، فإن الناس يعيشونها ويفهمونها من خلال الرموز. فنحن محاطون بكل أنواع الرموز (التي تمسُّها الأنماط الأولية) في مجرى حياتنا اليومية؛ في الأحلام، وعلى القمصان القصيرة الأكمام، وفي الروايات، وعلى لوحات الإعلانات، وبالطبع في الأفلام. وعندما نركِّز انتباهنا بحق، نكتشف أن رموز الأنماط الأولية تلك تكون محمَّلة برنين، بل وببريق مثير للمشاعر. ومن هنا، يشدِّد يونج على أن رموز الأمومة هي أكثر من مجرد تمثيلات لواقعة المَخَاض؛ فهي تساعد الناس على فَهْم معنى احتضان ورعاية غيرهم من البشر. فالرموز لا تتعلَّق فقط بفهمنا لأنفسنا كأفراد، أو حتى بفهمنا لثقافتنا، إنما تربطنا بعالم أكبر، عالم يقع فيما وراء حدودنا، عالم الحياة النفسية «للغير».

بوسعنا أن نختار تفحُّص الرموز، وبوسعنا أن نتجاهلها (أو على الأقل نحاول أن نتجاهلها، فبعض الرموز، شأن بعض الأفلام، تبدو وكأنها تَسكُننا كالأشباح). فهي ليست مجرد وسيلة للكشف عن العناصر المُقْلِقة في لاوعينا؛ لكنها، بالأحرى، مُتْرَعة بإمكانات النمو الشخصي وفَهْم أعمق للكون. وبإمكان تحليل الأفلام من هذا المنظور أن يكون ذا طابع أكثر مرحًا مقارنةً بالعمل البوليسي الشديد الجدية الذي كثيرًا ما نجده في التحليل الفرويدي. هذا لا يعني أن التحليل اليونجي للأفلام يقود دائمًا إلى مشاعر إيجابية. فالأنماط الأولية ليست صديقة لنا؛ من حيث إنها لا تأخذ بالضرورة في اعتبارها أفضل نوايانا. فهي تقدِّم، بدلًا من ذلك، إمكانية مجهولة تقع بين نقيضين حدِّيَّيْن. فالاحتضان بالرعاية، على سبيل المثال، ليس هو الوجه الوحيد لنمط الأم؛ فالوجه الآخر هو الهلاك؛ حيث تُهدِّد الأم بسَحْق أطفالها وخنقهم. ويمكننا الاستشهاد في هذا الصدد بأفلام تتضمَّن أمَّهات قديسات مثل «زيت لورينزو» (لورينزوس أويل)، و«أيضًا» بأفلام تجسِّد أمَّهات مُخِيفات مثل «ماما أعز الأحباب» (مامي ديريست). إن عملية فحص رموز الأنماط الأولية في الأفلام يمكن أن تكون مُبهِجة أحيانًا، غير أن الرحلة سوف تكون، من حين لآخر، مُخِيفة ومروِّعة.

ربما كان «حرب النجوم» هو أكثر فيلم حَظِي باهتمام المفسرين، الذين يعتنقون نظرية الأنماط الأولية.42 فعملية حصر شخوصه أشبه بعملية جرد لشخصيات الأنماط الأولية: أوبي وان كينوبي (الحكيم)؛ لوك سكاي ووكر (البطل)؛ هان سولو (المارق)؛ الأميرة ليا (فتاة في وَرْطة)؛ دارث فيدر (الظل)، إلخ. فثمة استخدام واضح للرموز اليونجية في «الإمبراطورية تُعيد الضربات» (ذا إمباير سترايكس باك) في المشهد الذي يتدرَّب فيه لوك مع يودا. ففي كهْفٍ غامض يلفُّه الضباب، يَجِد لوك نفسَه وجهًا لوجه مع دارث فيدر. ثم تنشب معركة خاطفة بالسيوف، تنتهي، على ما يبدو، بقيام لوك بذبح فيدر. لكن عندما يفتح لوك الجزء الأمامي من قناع فيدر، يرى وجهه هو شخصيًّا. يستدعي هذا المشهد إلى الذهن فكرة يونج عن الشخصية المظهرية (أو البيرسونا)، وهي القناع الذي نرتديه في العَلَن ويقِف على طرف النقيض مما نحن عليه في الحقيقة. أضِفْ إلى ذلك أن لوك يُدرِك أنه يتقاسم جزءًا من هُويته مع فيدر؛ جانبه المظلم أو «الظل». لقد رأى العدوَّ، وهذا العدوُّ هو نفسُه شخصيًّا.
وقد تطوَّر استخدام شخصيات الأنماط الأوَّلية في «حرب النجوم» بما يتجاوز حضور شخصياته المألوفة ومشاهد معينة منه. فرحلة لوك في الجزأين الرابع والسادس، على سبيل المثال، يمكن أن ننظر إليها كسَرْد ممتدٍّ يركِّز على مواجهاته مع سلسلة من صور الأب.43 ففي بداية الأفلام، يبدو لوك أنه لا أب له، ولا مرشد. ورغم أن عمَّه بِن ذا النوايا الطيبة يقترب من أن يكون بديلًا للأب، لكن بتصدِّيه لرغبة لوك في المشاركة في ثورة المَجَرَّة، فإنه يَحُول بينه وبين اقتفاء مصيره الفردي، وسرعان ما يصبح أوبي وان كينوبي بديلًا للأب. فيساعد لوك على القيام برحلته لاكتشاف «القوة» (رمز تحقيق الذاتية المتسامية). حتى في موته، يصبح أوبي وان مرشدًا داخليًّا للوك. لكنه في الوقت نفسه، لا يملك كل الإجابات، حتى إنه يكذب على لوك بشأن أصوله.

يواجه لوك صورة أخرى للأب في شخص يودا، الذي يبدو، بمظهره الغريب الضئيل وسلوكه الأخْرَق، أنه لا يَمُتُّ للأبوَّة بصِلَةٍ. غير أنه يتكشَّف في نهاية المطاف عن واحد من أقوى وأحْكَم فرسان الجيداي؛ وهي جماعة تقوم بدَوْرٍ أبويٍّ تجاه المجرَّة. بَيْد أن يودا عاجز هو الآخر عن مساعدة لوك، لكن في اللحظة التي يقضي فيها نَحْبَه، يكشف عن حقيقة كَوْن لوك ابنَ دارث فيدر من صُلْبه. إن طبيعة فيدر الشرِّيرة (النَّهَم للسلطة، وعدم القدْرة على الحب) تجعل هذا الكشف في البداية يبدو وكأنه إحدى ألعاب القَدَر القاسية. لكن، عبر مواجهة حاسمة مع الإمبراطور، يرفض لوك الاستسلام لدوافع الغضب والثأر تجاه فيدر. وموقفه الرحيم هذا يوقِظ في نفس أبيه مشاعر التعاطُف الدفينة، وتكون النتيجة أن يُضحِّي بحياته لكي يُنقِذَه؛ فيَقضِي فيدر نحبَه، بَيْد أن هذا الفعل الأبوي الأخير يُتِيح للوك اكتساب هُويته الفردية والتسامي في رحلته صوب الذاتية. فالتطور الذاتي له ثمنه على الدوام.

وبينما تُفصح أفلام الفانتازيا عن أصولها الخرافية؛ ومن ثَمَّ تحتفي بالتحليل اليونجي، فإن النظرية تؤكِّد على أن جميع القصص تأتي من المكان نفسه: اللاوعي الجمعي. فحتى فيلم ذو موضوع محلي مثل «الخرِّيج» (ذا جرادويت)، الذي يتم تحليله عادةً بوصفه انعكاسًا للثورة الثقافية في حقبة الستينيات، بالإمكان تحليله من منظور يونجي من أجْل الكشف عن أبعاد أخرى.44 وعلى وجه التحديد، يمكن النظر إلى السيدة روبنسون (آن بانكروفت) على أنها أحد أنواع النمط الأوَّلي للأم، مع تشديد قوي على الجانب المُخِيف والمدمِّر للأمومة. يشير يونج إلى وجود عدد كبير من رموز الثقافات القديمة التي تصوِّر إِلَهاتٍ (كالي في الخرافات الهندية، وهكتي في الخرافات الإغريقية) يجسِّدْنَ أنوثةً ليست حاضنة وحانية، بل متسلِّطة نَهِمة، ومدمِّرة. فالسيدة روبنسون لا تُعطَى أبدًا اسمًا أوَّلًا للإشارة إليها على الإطلاق؛ والتأكيد يكون دومًا على لقب «السيدة». المعنَى المضمَر هنا ساخر وكاشف في آنٍ واحد عندما تقوم بإغواء بنجامين (داستن هوفمان)، الطالب الجامعي عديم الخبرة. أضِفْ إلى ذلك أن مَلابِسَها يَبرُز فيها اللون الأسود بوضوح، حتى إنها في أحد المشاهد الرئيسية، تَظهَر مرتدية مِعْطَفًا من جِلْد النمر؛ مما يربطها بالقطة البريَّة وأسطورة «سيدة الوحوش». يتمثَّل الاستبصار اليونجي الجوهري في أن ما يبدو معاصرًا هو، في حقيقة الأمر، يضرب بجذوره في رموز أوَّلية، موغِلة في القِدَم.

(٤) الأيديولوجيا في الأفلام

يصطفي بول ريكور، إضافةً إلى فرويد، كارل ماركس باعتباره واحدًا من فلاسفته «الشكوكيين».45 وبالإمكان رؤية هذه الصفة في الفكرة المركزية لدى ماركس عن الأيديولوجيا؛ أي القُوَى الثقافية التي تَحُول بين الأفراد في المجتمع (خاصة المجتمع الرأسمالي) وبين رؤيةِ حقيقة ظروفهم الخاصة. فتَحْتَ النظرة المشوِّهة للأيديولوجيا، لا يعود المعنى الحقيقي للمنتجات الاجتماعية — مثل الأفلام — بأي طريقة من الطرق واضحًا بذاته؛ فالمعاني الواضحة والمقبولة التي يمكن عزْوُها للأفلام بطريقة انعكاسية، هي في حقيقة الأمر الاتجاه السياسي للحزب لا غير، ممَّا يُعمي أبصار الجماهير بوعي زائف.
وفي حين أن هذا النوع من اللغة كثيرًا ما يرتبط بالتفسيرات الماركسية، لا تحتاج جميع التحليلات الأيديولوجية أن تكون على هذا القَدْر من التعالي. فمِن الممكن تعريف الأيديولوجيا بأنها «نسق … من التمثيلات (صور، خرافات، أفكار، أو مفاهيم، حسب الأحوال) يتمتع بدور ووجود تاريخيَّيْن في مجتمع ما.»46 والمشكلة هي أنه في حين يكون أفراد المجتمع منغمسين في تلك التمثيلات، فإن الشفرات الاجتماعية ذاتها لا يُصرَّح بها جهرًا؛ ومن ثَمَّ قد تكون غير ظاهرة في الحياة اليومية. وبالإمكان فَهْم هذه العملية باعتبارها صورةً للَّاوعي الاجتماعي؛ وبدلًا من أن تنبع من الداخل (القوى الفرويدية)، فإن القُوى المشوِّهة التي تمنعنا من رؤية الحقيقة تأتي من الخارج. وهكذا، تَعِدُنا التحليلات الأيديولوجية بحلحلة تلك الشفرات وتزويدنا بمسار يقود إلى نوع آخَر من المعنى المستتر في الفيلم.
يُصنَّف ماركس عادةً كعالِم اقتصاد وفيلسوف اجتماعي. غير أن الحدَّ الفاصل بين الاجتماعي والنفسي ليس واضحًا البتة. فبينما يُعنَى علماء الاجتماع بالظواهر والأنماط الاجتماعية العامة، فإن تلك الأنماط تكشف عن نفسها في تفكير الأفراد وأفعالهم وخبراتهم. وعلم النفس الثقافي (وأحيانًا يُسمَّى علم النفس الثقافي الاجتماعي) هو فرع من علم النفس يركِّز اهتمامه مباشرةً على التداخل القائم بين علم النفس وعلم الاجتماع.47 ويهتم معظم المشتغلين بعلم النفس الثقافي بأفعال الأفراد، لكنهم يفترضون أن تلك الأفعال تتشكَّل بفعل الظروف الاجتماعية المحيطة بهم. والدراسات الثقافية، بما في ذلك التفسيرات الأيديولوجية في مجال دراسات الفيلم، هي مجال بحثي متعدِّد الاختصاصات يَستخدم التفسيرات النصية للمنتجات الثقافية بهدف الوصول إلى استبصارات بشأن ما يحدث في مجتمعٍ ما في لحظة تاريخية معيَّنة (القِيَم، الاتجاهات، المخاوف، إلخ).48
إن تحليل منتجات الثقافة الجماهيرية بوصفِها صورًا فنية وترفيهية ذات طبيعة رمزية ثرية يشكِّل جزءًا حيويًّا من الدراسات الثقافية.49 وتمثِّل تلك التحليلات النَّصِّية، من منظور علم النفس الثقافي، طريقةً لاستجلاء الأبعاد الاجتماعية للحياة البشرية. والأمثلة على القراءات التي تَستخدم الفيلم لفهم البشر من خلال ظروفهم الاجتماعية كثيرة، وتأتي من اتجاهات مختلفة عديدة.

كتاب «من كاليجاري إلى هتلر» (١٩٤٧)، هو دراسة سيكولوجية اجتماعية كلاسيكية للأفلام؛ إذ يحاول فيه سيجفريد كراكاور فَهْم الذات الألمانية في الفترة التي سبقت صعود هتلر عبر تحليل أفلام من هذه الحقبة. ففي مطلع الثلاثينيات، أكَّدت أفلام ألمانيَّة بعينها على موقف مناهض للسلطوية، لكنها لم تقدِّم بديلًا اجتماعيًّا بنَّاءً. وفي المقابل، قدَّمتْ أفلام أخرى صورة بَطَلٍ فذٍّ يجسِّد سمات القوة والزعامة والعزيمة، وهي صفات كانت تَرُوق لأمَّة جريحة جرَّاء الهزيمة التي مُنِيَتْ بها في الحرب العالمية الأولى. وبالنسبة إلى كراكاور، كان «مقصورة الدكتور كاليجاري» (ذا كابينت أوف دكتور كاليجاري) فيلمًا مميَّزًا بصفة خاصة؛ حيث تدور قصته حول منوِّم مغناطيسي يقوم بدفْع شاب، تحت تأثير التنويم المغناطيسي، إلى ارتكاب جريمة قَتْل، ما يمثِّل صورة مجازية مثالية للتأثير الساحر الذي كان يُمارِسه هتلر على رفاقه النازيين.

ويقدِّم كتاب «الأفلام: دراسة سيكولوجية» — من تأليف كلٍّ مِن فلفنشتاين وليتس — نموذجًا آخر لتحليل الأفلام الذي ينطلق من علم النفس الثقافي. فإضافةً إلى منظورهما التحليلي النفسي، يقدِّم المؤلِّفان تحليلًا عابرًا للثقافات للأفلام الأمريكية والبريطانية والفرنسية، التي أُنتجت بعد الحرب العالمية الثانية بقليل، يتناولان من خلاله التيمات التي تضمَّنتْها تلك الأفلام بوصفها انعكاسات للشخصية الوطنية لبلدانها.

فبالمقارنة بينها وبين الأفلام البوليسية الأمريكية مثل «النوم الكبير» التي يتم فيها تصوير البطل كشخص بريء يُسقِط دوافعَه العدوانية على التهديدات الخارجية، كانت الأفلام البريطانية من تلك الحقبة مَعنيَّة أكثر ﺑ «خطورة» الميول العدوانية النابعة من الداخل. فهؤلاء الأبطال يخوضون صراعًا ضد الشك الذاتي حتى عندما يكونون أبرياء (على سبيل المثال، «أصبحتُ مجرمًا» (آي بيكيم أ كريمينال)). أما الأفلام الفرنسية من فترة ما بعد الحرب، فقد تميَّزت بموقفها الساخر تجاه العنف؛ حيث العدالة لا تتحقَّق دائمًا والكون تسوده العشوائية؛ ويفسِّر المؤلِّفان هذا الموقف على أنه انعكاس للشعور بالعجز من جرَّاء الاحتلال النازي أثناء الحرب.

أما كتاب «من التبجيل إلى الاغتصاب»، فهو نقد سيكولوجي اجتماعي للأفلام، تتتبَّع فيه مولي هاسكِل صورة المرأة في أفلام السينما الهوليوودية السائدة في مطلع السبعينيات. فهي تذهب إلى أن الافتراضات المعرفية للحضارة الغربية تتسم ﺑ «الكذبة الكبرى»؛ دونيَّة المرأة بالنسبة إلى الرجل. وتعتقد أن هذه الكذبة تتسلَّل إلى كافة المنتجات الثقافية، بما في ذلك الأفلام. وفي أغلب الأحوال، لا يتم التعبير عن هذه الكذبة صراحةً، لكن ثمة فكرة مشوَّهة عن الدونية الأنثوية تكشِف عن نفسِها تحت السطح. فصورة النساء بوصفِهِنَّ مخلوقات (أشياء) جديرة بالتبجيل هي من الصور الشائعة في هوليوود. وتُقدَّم نجمات هوليوود الكلاسيكيات — مثل إنجريد برجمان — على الشاشة كإلَهات، من خلال تقنيات إضاءة تجعلُهنَّ يتوهَّجْنَ، حرفيًّا، بالفتْنة والتألُّق. كما تُقدَّم ممثِّلات أُخرَيَات — بتبجيل — كأمهات نبيلات؛ مثل دالاس (كلير تريفور)، المومِس ذات القلب الذهبي في فيلم الغرب النموذجي «عربة الجياد» (ستيدج-كوتش).

كثيرة هي التناولات التي تُبجِّل النساء في تلك الحقب التي يسود فيها الاعتقاد بأن النساء لديهنَّ عدد أقلُّ من الخيارات مقارنةً بالرجال. ففي ظل هذه الحالة الذهنية، يُفترض أن ثمة حاجة ماسَّة للرجال من أجْل الارتقاء بالنساء إلى مرتبة سامية؛ ذلك لأن هذا أمرٌ لا يستطِعْن القيام به بأنفسهن. وبحسب هاسكِل، تمَّ قلب هذه الصيغة في أفلام الستينيات والسبعينيات، عندما أخذت الحركات النسائية تَقْوَى شوكتُها؛ فقد تحوَّلت هوليوود من تصوير النساء كمخلوقات بريئة، وأمومية، و/أو فاتنة، إلى تصويرهن ككائنات مَعِيبة جدًّا — وذلك بتصوريهنَّ عاهرات، وأشباه عاهرات، ومحظيَّات منبوذات، وعاجزات عن التعبير عن مشاعرهن، وسكِّيرات، وساذجات حمقاوات، ولَعُوبات، وغريبات الأطوار، وعوانس جائعات للجنس، وذُهانيات، وباردات عاطفيًّا، وغافلات كسولات، ولحوحات لا تنقطع مطالبهن.50 وتنظر هاسكِل إلى مشاهد الاغتصاب في الأفلام (على سبيل المثال: ذلك المشهد سيِّئ الذِّكْر من فيلم «كلاب من القش» (سترو دوجز) لسام بيكنباه) بوصفها تعبيرًا متطرِّفًا عن الرغبة في الإبقاء على النساء في مكانهن في وجه التيارات الثقافية المتغيِّرة.
تنطلق معظم الأمثلة على التفسيرات الأيديولوجية للأفلام التي استعرضتُها حتى الآن، من تمثيلات لأنماط معينة من الشخصيات؛ ومن ثَمَّ تعمد إلى استخلاص نتائج عن الشخصية الوطنية. أتلك هي الطريقة التي تريدها هوليوود؟ إن هذه المقارَبة تضع الدافع للفعل على عاتق الفرد، وكما ذهب روبرت راي، فإن إحدى أهم السمات الثقافية والسيكولوجية الكاشفة في سينما هوليوود هي تشجيعها لخرافة النزعة الفردية التي لا تعرف حدودًا مَهْمَا يكن الثمن: «تقضي المسلَّمة المضمَرة [لهوليوود] بوجوب تحويل جميع المعضلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى ميلودراميات شخصية.»51 فقلق أمريكا بشأن التدخل في الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، يتم احتواؤه في تردُّد ريك (همفري بوجارت) في مساعدة فيكتور لازلو (بول هنريد) في فيلم «كازابلانكا». وتقريبًا كل الأفلام الأمريكية يجب أن تنبني حول عدد قليل من النجوم الذين يُحدِّدون حركة الأحداث في الفيلم بأكمله.

وبينما يصعب على الكثير من الأمريكيين أن يتخيلوا أيَّ بديل لهذه الصيغة، فإن الأفلام الروسية المبكِّرة مثل فيلم «المدرَّعة بوتمكين» (باتلشيب بوتمكين) لآيزنشتاين، الذي يبني حبكته حول حدث تاريخي وليس حول شخصيات معينة، تقدِّم نغمة مغايرة. وعندما عُرض الفيلم في الفصل الدراسي المخصَّص لاستطلاع الآراء، الذي كنتُ أقوم بتدريسه لطلاب الجامعة، كان الأمر مختلفًا على نحوٍ مُذْهِلٍ عن بقية الأفلام؛ حيث سادت حالة أقرب إلى النفور بين الطلاب؛ ليس لاستيائهم من السياسة السوفييتية، لكن لأنهم وجدوا افتقار الفيلم لوجود بطل أمرًا غير مقبول تقريبًا.

(٥) المشاهِدون في الأفلام

بينما استحوذتِ السينما منذ انطلاق التكنولوجيا على اهتمام الدارسين، فإن السنوات الخمسين الأولى من الأبحاث السينمائية أنْتَجَها أفراد تلقَّوْا تدريبًا في تخصُّصات أخرى (الأدب، علم النفس، فلسفة الجمال، إلخ) قرَّروا أن يركِّزوا اهتمامهم على الأفلام باعتبارها موضوعَ دراسة متميِّزًا. وهذا المَيْل لدَى الباحثين لاتِّخاذ السينما ﮐ «عمل إضافي» مستمرٌّ إلى يومنا هذا؛ فالعديد من نماذج التفسير التي استعرضناها أنتجها علماء نفس، أو محلِّلون نفسيون، أو نُقَّاد ثقافيون من خارج المجال الأكاديمي. وفي المقابل، ظهر مجال بحثي خاص بدراسات الفيلم يحتلُّ فيه الفيلم مكان الصدارة.52 ويُشير العديد من النُّقَّاد إلى قيام أندريه بازان بتأسيس الدورية المؤثِّرة «كراسات السينما» في الخمسينيات باعتباره إيذانًا بمَوْلِد حقْل مستقلٍّ للدراسات السينمائية. وكما يمكننا أن نرى من عنوان أشهر أعمال بازان «ما السينما؟» وجد دارسو الأفلام بادئ ذي بدء أنه من الأهمية بمكان التمييز بين طبيعة الفيلم وما عداه من الأشكال الفنية. فأهمية الأفلام لا تكمن فقط فيما تتناوله (المحتَوَى)؛ فطرائق تصوير الفيلم (التأطير، حركة الكاميرا، المونتاج، إلخ) وإنتاجه وتوزيعه لها القَدْر نفسُه من الأهمية.

عندما بدأتُ دراستِي لمقرَّرات دراسات الفيلم في المرحلة الجامعية، كنتُ أجتهد لفهْم التوجُّه المركزي للفيلم. وباعتباري متخصِّصًا طَمُوحًا في علم النفس، أردتُ أن أتحدَّث عن الشخصيات وعمَّا تقوم به من أفعال. وبالتركيز على الجوانب الأسلوبية للفيلم، كان ما يهمُّني عادةً هو طريقة تلوُّن سلوك الشخصية بعناصر «الميزانسيه» (الأشياء التي أمام الكاميرا؛ مثل الممثلين، والأزياء، والمكياج، والديكور، والإضاءة). غير أن أساتذتي كانوا يهتمُّون بأشياء أخرى؛ الطريقة التي تتحرَّك بها الكاميرا عرضيًّا من أحد جوانب الحجرة إلى الجانب الآخَر، أو نَقْلة مونتاجية سريعة بين النهار والليل. ومن اللافت للانتباه أنه عندما كان يتمُّ التأكيد على عناصر الميزانسيه، فإنها كانت على الأرجح أشياءَ مثل مرآة، أو إطار نافذة، أو منظارين. وكثيرًا ما مررت بتجربة مشاهدة فيلم مليء بمشاهد تفيض بالمشاعر الإنسانية، غير أن الشيء الوحيد الذي كان يُثِير اهتمام أستاذي، فيما يبدو، هو لَقْطة لا تَزِيد عن ثانيتين اثنتين لشخص يُحدِّق في مرآة يدوية. وفي النهاية أدركتُ أن أشياءَ مثل المرايا وإطارات النوافذ والمناظير هي، في عُرْفهم، التي تعبِّر عن الخصائص الشكلية الأساسية للفيلم؛ «الأفلام هي مرآة الواقع»، و«الفيلم إطار لعالمنا»، و«السينما أداة للرؤية.»

لقد كانت مقارَبتي الساذجة تلك نوعًا من «الموضوعية»؛ إذ كنتُ أتعامل مع الأفلام بوصفها أشياءَ أستطيع إخضاعَها للتحليل. ومن ناحية أخرى، كان أساتذتي، بعدَ عُقُود من السوابق البحثية، يستخدمون مقارَبة أكثر «ذاتيَّةً» يحاولون من خلالها «الدخول» إلى الفيلم لتحديد الآلية الانعكاسية التي يعمل بها. وأدركتُ في النهاية أن هذه الأنواع من التحليلات كانت محاولات للرَّبْط بين المكوِّنات الأسلوبية للفيلم وبين تجربة المشاهَدة ذاتها؛ ومن ثَمَّ الاقتراب بدراسات الفيلم من علم النفس، لكن بطريقة لم أفطن لها في البداية. وفي النهاية سألتُ مرشدي في مجال دراسات الفيلم عن الصلة بين علم النفس والأفلام. وكانت الكلمة الأولى التي تَفَوَّه بها «لاكان».

جاك لاكان هو محلِّل نفسي فرنسي، كان لتركيزه على النظرية الفرويدية في فترةِ ما بعدَ الحداثة تأثير هائل على دراسات الفيلم منذ السبعينيات. فتَحْتَ قيادة كريستيان ميتز، قام العديد من دارسي الفيلم بالدَّمْج بين التحليل النفسي اللاكاني، فضلًا عن المقاربات الأيديولوجية والنِّسْويَّة والسيموطيقا (دراسة العلامات)، وبين نظريات تفسير الفيلم التي هَيْمَنتْ لعقود على دراسات الفيلم.53 وفي حين أن هناك الكثير من الاختلافات بين تلك النظريات، فإنها جميعها تَستخدم تفسيرًا نصيًّا دقيقًا للوصول إلى فَهْم أفضل لخبرة المشاهدين. وتتميَّز تلك المقارَبات باحتوائها على بُعْد سيكولوجي واضح، كما أنها تندرج جميعها تحت عنوان «نظريات المشاهدة».
ثمة عَلاقة لافتة للنظر بين العمل على نظرية المشاهَدة في دراسات الفيلم وبين المقارَبات التفسيرية التي استعرضناها في هذا الفصل. وقد تسبَّب اعتماد دراسات الفيلم على لاكان في تنظيراتها السيكولوجية في ظهور هُوَّة عميقة بين الباحثين مقارنةً بالمقاربات التحليلية النفسية التقليدية في تحليل الأفلام. فمعظم الأطباء النفسيين الأمريكيين لم يسمعوا حتى به،54 ونتيجة لذلك، نشأ لديهم مَيْلٌ لأنْ يَجِدوا نظرية الفيلم المعاصِرة عصِيَّة على الفَهْم.55 وعلى الجانب الآخر، يبدو أن وعي دراسات الفيلم بما يحدث في الطب النفسي الأمريكي المعاصر محدود للغاية. فأنا ما زلت أتذكَّر الدهشة التي اعترتْ أستاذًا في مجال دراسات الفيلم عندما أخبرتُه أن المفاهيم الفرويدية حول حَسَد القَضِيب وقَلَق الخِصاء لا تشكِّل جزءًا محوريًّا من علم النفس المعاصر (أو حتى العلاج الديناميكي النفسي)، وذلك بالنظر إلى شيوعها في التفسيرات التحليلية النفسية للفيلم.
لعلَّ السمة المميِّزة التي تستقيها نظريات المشاهَدة من لاكان هي تركيزها على الالتباس. فرغم أن نظريات فرويد وماركس يمكن النظر إليها باعتبارها مُساءلة للواقع «الظاهر»، فإن كِلَا المُنظِّرَيْن يقدِّمان تحليلاتهما الأيديولوجية والتحليلية النفسية باعتبارها «بدائل» للرؤية الساذجة للواقع. أما لاكان وغيره من منظِّري ما بعد الحداثة، فيأخذون هذه النزعة الشكوكية لخطوة أبعدَ، وذلك بالاستغناء، جوهريًّا، عن أي أساس للواقع يمكن الاعتماد عليه.56 ومن هنا، يمكن للتفسيرات التي تتم في إطار هذه التقاليد أن تكون حافلة برُوح الدعابة بصورة مُبهِجة أو مُبهَمة على نحوٍ يُثير الجنون، بحسب الحالة المزاجية للقارئ.
ورغم ما تتَّسم به دراسات المشاهَدة من تعقيدات، يمكن العثور على العديد من مكوِّناتها السيكولوجية الأساسية في أربع عمليات مقتَرَحة تشكِّل طرقَ ارتباط المشاهدين بالفيلم:
  • التماهِي: يتَمَاهَى (أو يتقمَّص) المشاهِدون مع عناصر بعينها في فيلم ما (إحدى الشخصيات، عادةً) ويعيشون عالَم الفيلم كما لو أنهم بداخله؛ لكنهم، على مستوًى آخَر، يعرفون أنهم ليسوا جزءًا من الفيلم، وأن الفيلم غير واعٍ بهم.
  • التلصُّص: لأن المشاهدين يُشاركون في الفيلم، وفي الوقت نفسِه منفصلون عنه، تنشأ مسافة بينَهم وبينَه تكون، في آنٍ واحد، مَدْعاةً للإحباط (كونها منقوصة) وللسرور (كونها محتواة وآمنة).
  • الفتيشية: تتحوَّل الخصائص التقنية للفيلم (منظر غروب مصوَّر بطريقة جميلة، أو لقطة بانورامية شاملة) إلى أشياء محبَّبة إلى النفس حتى لو كنَّا، في نهاية المطاف، عاجزين عن امتلاك ما هو معروض أمامنا فحسب (الغروب ذاته).57
  • الرفو: تقدِّم الأفلام سلسلة من فضاءات فيزيائية غير مكتملة بطريقة أو بأخرى (تشير حدود الشاشة إلى واقع أوسع غير مسموح للمشاهِد بالاطِّلاع عليه). ولكي يتمَاهَى المشاهِدون مع الفيلم، يتعيَّن عليهم قبول هذا الواقع السردي غير المكتمل باعتباره واقعَهم الخاص من خلال «رفو» (أو إكمال) العناصر المفقودة من أجْل خَلْق تجربة موَحَّدة حيث لا وجود لشيء كهذا (على سبيل المثال: مواصلة الاستغراق في فيلم ما بعد قَطعة مونتاجية تنقل الحدث بغتةً من كاليفورنيا إلى نيويورك). تحاول بعض الأفلام جَعْل عملية الرفو تلك أكثر سلاسةً بينما تتحدَّى أفلام أخرى، مثل «مضطرب العقل» (سايكو)، الجمهورَ بالإكثار من تغيير منظور الشخصية والامتناع عن تقديم أجوبة لما يبدو أن الفيلم يطرحه من أسئلة.58

تشكِّل مفاهيم التلصُّص والتماهي والفتيشية والرفو مكوِّنات استعارة مفضَّلة في مجال التحليل الأكاديمي للفيلم، تُسمَّى «التحديقة» أو «النظرة». تُشير التحديقة إلى واقع أنه عندما تقوم كاميرا الفيلم بالْتِقاط صورةٍ ما، فإنها تفعل ذلك من منظور أو زاوية نظر معينة. وهذا المنظور هو بالضرورة منظور المشاهِدين أثناءَ عملية المشاهدة. ومن هنا، يتعيَّن على الجمهور تبنِّي تلك التحديقة، التي تغدو نقطةَ استشراف لتجربتهم البصرية في مجملها. يتم إبراز أهمية التحديقة في الأفلام التي تستخدم لقطات تمثِّل زاوية نظر شخصية معيَّنة (أرجحة الكاميرا أثناء قيام إحدى الشخصيات بالعَدْو، قَطْع متبادَل بين لقطة مقرَّبة لأحد الأشياء وردِّ فعلٍ مبالَغ فيه على وجْه إحدى الشخصيات). وبهذه الطريقة، تزداد درجةُ تماهي الجمهور مع تلك الشخصيات التي تتحكَّم بالتحديقة.

تحدث تلك العملية في منطقة ضبابية من الوعي يَشعُر فيها المشاهدون أنهم يفهمون تجربة البطل، وفي الوقت نفسِه «يعرفون» أنهم غير موجودين في تلك الأرض الغريبة التي تَدُور فيها أحداث الفيلم. وتزداد تجربة الجمهور كثافةً من خلال تلك المتعة التلصُّصية المتأتِّية من التطلُّع إلى الحياة الخاصة للآخَرين. وهي متعة يُمكن تحقيقُها فقط من خلال تعليق عدم التصديق عبْرَ رفو مختلف الفجوات السردية معًا. وعندما تكون التجربة الخاطفة لفيلمٍ ما ذي مدة محدودة غيرَ كافية، يمكن للمشاهِد أن يحاول «تجميد» النظرة عن طريق المطالبة بالاستحواذ على الشيء من خلال شغف فتيشي (ملصقات الفيلم) أو إعادة مُشاهدة شبيهة بالأصل (التي أصبحت أكثر سهولةً بفضل التكنولوجيا الرقمية الحديثة).

تَظهَر تلك العلاقة المعقَّدة، والمشوَّشة أحيانًا، بين المُشاهِد والفيلم في أغنية «فتاة براونزفيل» التي شارك في كتابتها بوب ديلن (الذي قام ببطولة وكتابة وإخراج عدد من الأفلام) مع الكاتب المسرحي والسينمائي والممثل سام شيبرد:

شيءٌ ما في هذا الفيلم لا أستطيع إخراجه من رأسي،
لكني لا أستطيع أن أتذكر لماذا كنتُ فيه، أو أيَّ دور من المفترض أن أكون قد لعبته،
كلُّ ما أتذكَّره هو جريجوري بيك، والطريقة التي كان الناس يتحركون بها،
والكثير منهم بَدَوْا كأنهم يحدِّقون فيَّ.
«فتاة براونزفيل»، كلمات بوب ديلن، حقوق النشر محفوظة لسبيشيال رايدر ميوزك ١٩٨٦. جميع الحقوق محفوظة. حقوق النشر محفوظة دوليًّا. أُعيدت طباعة الأغنية بإذن
لقد بَرهَنَتِ التحديقةُ على كونها أداةً تحليلية فعَّالة، وأحد تطبيقاتها الأساسية كان في مجال النقد النِّسْوي. ففي مقالٍ كان له تأثير واسع، ترى لورا مولفي أن هوليوود استخدمت التحديقة، إجمالًا، بطريقة منحازة لأحد الجنسين؛ فالشخصيات الذكورية هي التي تتحكَّم في التحديقة، ومن ثم تتحكَّم في سرد الفيلم،59 بينما الشخصيات النسائية موجودة في المقام الأول لكي تكون محلًّا لتحديق الشخصيات الذكورية. ومن ثَمَّ، ينطلق تماهي المتفرِّج مع الفيلم من منظور ذكوري. وتَستخدِم مولفي فكرة فرويد عن قلق الخِصاء لتذهب إلى أن التحديق في المرأة يُثِير القلق؛ حيث تمثِّل بطلة الفيلم، بالنسبة إلى المشاهِدة الأنثى، تذكِرة بما فقدتْه هي، وبالنسبة إلى المشاهِد الذَّكَر، تذكِرة بما يُمكن أن يفقده (حرفيًّا: القضيب. مجازًا: القوة). والسينما السائدة تُسايِر هذا القلق التلصُّصي إما بإنزال العقاب بالمرأة («فتيات سيئات» و«عاهرات») أو تحويلها إلى الفتيشية، وذلك بجعلها نجمة فوق العادة لا تُمَسُّ.60
تدعم مولفي أطروحتَها تلك بأمثلة مأخوذة من العديد من أفلام هيتشكوك التي تعبِّر في آنٍ واحد عن الفتيشية والسادية تجاه النساء. ففيلم «دوار» (فيرتِجو) يخصِّص النصف الأول منه لمتابعة لسكوتي (جيمي ستيوارت) وهو يقتفي أثر الفاتنة المتأنِّقة مادلين (كيم نوفاك). ويستخدم هيتشكوك لقطات تتبُّع طويلة تَلتقط، برِقَّة، جمالَ الشقراء الرائعة ومدينة سان فرانسيسكو. ويتتبَّع النصف الثاني من الفيلم محاولات سكوتي السادية لتحويل جودي، شبيهة مادلين السوقية (تقوم بدورها نوفاك أيضًا)، إلى مادلين نفسها. وبالنظر إلى المتعة التي يستمدُّها المشاهِدون من تلاعُب هيتشكوك بالتحديقة، تذهب مولفي إلى أن هدف أطروحتها هو «تدمير المتعة» عبر الكشف عن الأيديولوجيا المضمَرة المنحازة جنسانيًّا التي تقف وراء الفيلم.61

(٦) لقطات ختامية: مزايا وعيوب التفسير

ركَّز هذا الفصل على تفسير الأفلام بوصفها نصوصًا؛ أوعية رمزية يمكن تفريغها والكشف عمَّا تحوِيهِ من معنًى. وقد ذهب بعضُ النقاد إلى أنه من الخطأ التركيز على أي شيء عدا النص، وأن التركيز على صُنَّاع الفيلم يُخاطِر بحصر التفسير في حدود ما عساهم كانوا يقصدونه، وهو ما لا سبيل إلى معرفته في الأغلب، وأحيانًا ما يكون مبهمًا وخاليًا من المعنى (المغالطة القصدية). ومن ناحية أخرى، يخاطر التركيز على المشاهدين بالوقوع في فخِّ تجربة شعورية مؤقَّتة تأخذ المحلِّل بعيدًا عن الحقيقة الفعلية التي ينطوي عليها النص (المغالطة الشعورية).62
ثمة عدد قليل للغاية من التفسيرات التي استعرضناها في هذا الفصل، إنْ وُجد، ينجح بالكامل في استبعاد صنَّاع الأفلام والمشاهدين. فبعضها يُحيل إلى دوافع صنَّاع الفيلم (خاصة الدوافع اللاواعية)، والعديد منها — خاصة في القسم المخصَّص لنظرية المشاهدة — يتطرَّق إلى مناقشة تجربة المُشاهد. وحتى عندما لا يكون هناك إحالات واضحة إلى المشاهدين، فإن استخدام مفردات متعلِّقة بميدان علم النفس يقترح وجود «مشاهد ضمني».63 فعندما يُشير النقاد إلى فيلم ما باعتباره «مثيرًا للانزعاج»، يكون من المنطقي أن نفترض أنهم قد شعروا بالانزعاج، أو أنهم يعتقدون أنه من المحتمل أن يصيب بعض المتفرِّجين على الأقل بالانزعاج. فربما يمكن النظر إلى «كل» ما يُعرَض على الشاشة باعتباره انعكاسًا لصناع و/أو جمهور الفيلم.

ورغم إمكانية التفسيرات السيكولوجية، فإن بعض علماء النفس ينظرون إلى عملية التفسير السيكولوجي بعين الشك لكونها ليست طريقة تجريبية؛ فالتفسيرات النَّصِّية لا تدرس السلوك البشري؛ ذلك لأنها لا تتضمَّن جَمْع بيانات عن الواقع المادي. بَيْد أن هذه الفكرة عن التجريبية ضيِّقة ولا تصمد أمام النقد. فالأفلام هي منتجات مادية للنشاط الاجتماعي؛ ومن ثَمَّ فإن عملية تفسير الفيلم تتضمَّن ملاحظة المنتج البشري وتحليله عن قرب.

ثمة عدد من الفروق التقليدية بين تحليل الأفلام والطُّرق المستخدَمة في أبحاث الاتجاه السائد في العلوم النفسية والاجتماعية (التجريب، على سبيل المثال)، وهذه الفروق تتمثَّل في: (١) «البيانات» وثيقة الصلة (الأفلام) لا يتم جمعُها بدقة في ظل بيئة متحكَّم بها (وبدلًا من ذلك، فهي تظهر كجزء من عملية فنية تعاونية حُرَّة لا تخضَع لأي قواعد محدَّدة بوضوح). (٢) يقوم الناقد عادةً بتحليل عدد محدود من الأفلام؛ ومن ثَمَّ تُثار أسئلة حول مَدَى قابلية النتائج «للتعميم» (فربما كان تحليل الناقد وثيق الصلة بفيلم بعينه فقط، ولا علاقة له بأي جانب آخَر من جوانب الواقع). (٣) ثمة أسئلة حول المدى الممكن «للوثوق» بالنقاد (إمكانية أو احتمال وجود العديد من التفسيرات لفيلم ما تُلقِي بظلالها على أي محاولة لإسناد معنًى محددٍ له).64 وعليه فإن ذلك الهدف المثالي المتمثِّل في معرفة «معنى» فيلم ما، ومن ثم التوصُّل إلى حقيقة وحيدة عن العالَم، يغدو في مهبِّ الريح.65
بَيْد أن الالْتباس المتأصِّل في المقاربات التفسيرية للأفلام ليس سببًا كافيًا لتجاهُلِها. ومن هنا، يرى علماء النفس، مثل جيروم برونر، أنه لا سبيل للهروب من عملية إنتاج المعنى في العلوم الاجتماعية، وأنه من الضروري العثور على مقاربات بديلة للطرق التجريبية.66 فبالنسبة إلى برونر، ينبغي على علم النفس السعيُ «لاكتشاف ووصف تلك المعاني — التي يخلقها البشر في مواجهاتهم مع العالم — بطريقة شكلية»، والتركيز على «النشاطات الرمزية التي يوظِّفها البشر، ليس في فهْم العالَم فحسب، بل في فهْم ذواتهم أيضًا.»67 ويرى أنه بينما تلعب الطرق «المنطقية» للرياضيات والعلوم الطبيعية دَوْرًا مؤكَّدًا في عملية صناعة المعنى، فكذلك هي الحال أيضًا بالنسبة إلى الطرق «السردية» في العلوم الإنسانية. فالمنطق والحَكْي هما، على حدٍّ سواء، انعكاسان للذهن البشري.68 وكثيرًا ما يتعيَّن على البشر فهْم معنَى ملاحظات معيَّنة، في مواقف معينة، مع فاعلِين معيَّنين. وهذا بالضبط ما يفعله الأطباء النفسيون عندما يجلسون مع مرضاهم ويحاولون فهْم ما يحدث في حياتهم؛ وهو أيضًا ما يفعله نقَّاد الأفلام عندما يحاولون فهْم فيلم معين. فالموضوع الرئيسي للعلوم الاجتماعية والإنسانية واحد في جوهره، وكِلَا الاتجاهين سيفيدان من التحرُّك أحدهما في اتجاه الآخر. ولا يمكن تحقيق فهمٍ نفسيٍّ كاملٍ للأفلام دون تبنِّي مقاربات تفسيرية/رمزية.

في الوقت ذاته، بإمكان التفسير النصي أن يُفيد من أخذ استبصارات العلوم الاجتماعية في الاعتبار. والتحدِّي المحدَّد أمام دراسات الفيلم يتمثَّل في التعامل بجدية مع التجربة الفعلية للمشاهدين وصنَّاع الفيلم. فالانتقال بين تفسير الفيلم وتفسير المشاهِدين يتمُّ بسرعة وسلاسة أكثر مما ينبغي. والتقييد الواضح (على الأقل بالنسبة إلى أي شخص حصل على تدريب في العلوم الاجتماعية) بالاعتماد على مُشاهِد ضمني يتمثَّل في أن دارسِي الأفلام نادرًا ما يُشيرون إلى تجربة شخص حقيقي (مُشاهِد، عامِل تشغيل ماكينة العرض، مُخرِج، ممثِّل أو حتى ناقِد حقيقي).

وأنا أذهب إلى أن المعرفة المتحصِّلة من تفسير أحد النصوص تتقاطَع مع تلك المتحصِّلة من الدراسات التي تتناول المشاهِدين بطريقة مباشرة. ويمكن لمصدَرَيِ المعرفة كلَيْهِما أن يزدادا ثراءً من التفاعل عمدًا أحدهما مع الآخر، بما يتيح الفرصة للمقاربات النصية وتلك التي تعتمد على المشاركة أن تُضيف إلى أسئلة وإجابات المقاربات الأخرى.

(٧) قراءات إضافية

  • Casetti, F. (1999) Theories of Cinema: 1945–1995. University of Texas Press, Austin, TX.
  • Greenberg, H. R. (1993) Screen Memories: Hollywood Cinema on the Psychoanalytic Couch. Columbia University Press, New York, NY.
  • Iaccino, J. F. (1998) Jungian Reflections Within the Cinema: A Psychological Analysis of Sci-Fi and Fantasy Archetypes. Praeger, Westport, CT.
  • Metz, C. (1982) The Imaginary Signifier: Psychoanalysis and the Cinema. Indiana University Press, Bloomington, IN.
  • Mulvey, L. (1986) Visual pleasure and narrative cinema, in, Narrative, apparatus, ideology, P. Rosen (ed.). Columbia University Press, New York, NY, pp. 198–209.
  • Wolfenstein, M. and Leites, N. (1971) Movies: A Psychological Study. Hafner, New York, NY.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠