ثلاثة أدلة

عندما التقى المغامرون الخمسة في صباح اليوم التالي، كان عند كلٍّ منهم حديث هام يُريد أن يقوله … دون أن يعرف ماذا عند الآخر … «لوزة» تُريد أن تحكي قصتها مع «حسنية» وكيف هربت منها، و«نوسة» تُريد أن تتحدَّث عمَّا حدث مع «صفية»، وزوج «علية» الذي لا يُريد أحد أن يتحدَّث عنه، و«عاطف» و«محب» يُريدان الحديث عن «حسنين» صديق «عبده»، و«تختخ» أيضًا عنده حديث عن الشخص الأسمر القادم من «نيجيريا» … ولم يكادوا يلتقون، حتى بدأ كلٌّ منهم يتحدَّث بحماس عمَّا شاهده وعمَّا سمعه … وبدا كأنهم مجتمع من العصافير الصغيرة، انطلقت جميعًا تُزقزق في وقتٍ واحد … وفجأةً كما بدأ الحديث توقَّف … فقد اكتشفوا جميعًا في لحظة واحدة أنهم لا يسمع أحدهم الآخر.

وقال «محب»: ماذا حدث لكم؟ … هل جننتم؟

ردَّت «لوزة»: وأنت أيضًا … لقد شاركتنا لحظة الجنان هذه.

واتفقوا على أن يروي كلٌّ منهم حكايته وحده … ويستمع الباقون … وبدأت «لوزة» فروت كيف ذهبت إلى «حسنية»، وكيف رأتها تخرج مندفعةً من منزلها باكية، ثم تركب تاكسيًا بسرعة … وحكت «نوسة» حكايتها مع «صفية» الصغيرة، وهرب الفتاة، وصمت البائع عندما طلبت منهما معلومات عن زوج «علية» …

ثم جاء الدور على «عاطف» و«محب»، فروى «عاطف» ما جرى عندما ذهب للسؤال عن «عبده» وصديقه «حسنين».

قال «تختخ» معلِّقًا: لقد ذهبتم للحصول على معلومات تكشف غموض اللغز، فإذا بكم تعودون بألغاز أخرى!

نوسة: وماذا فعلت أنت؟

تختخ: لقد ذهبتُ إلى العمارة التي يسكن بها الشاب الذي أظن أنه نيجيري، واسمه «إيبو». وعلمت أنه يُدخِّن «البايب» فعلًا. وفي ليلة السرقة خرج من مسكنه في الساعة العاشرة تقريبًا، ولم يرَه أحد يعود إلى مسكنه بعد ذلك. وقد استطعت الحديث مع بواب العمارة التي يسكن بها، ومع المكوجي أيضًا … وهناك مفاجأة.

وسكت «تختخ» قليلًا، ثم عاد يقول في كلمات بطيئة: لقد سألتُ المكوجي هل أرسل «إيبو» له ملابس لكيِّها، فقال إن عنده بضعة قمصان و«جاكت» صيفي، واستطعت أن أرى هذه الملابس.

وسكت «تختخ» مرةً أخرى، وتعلَّقت أبصار الأصدقاء به، فقال: وقد اكتشفت أن «الجاكت» ينقصها زرار … لا أشك لحظةً أنه نفس الزرار الذي وُجد في مكان السرقة؛ فبقية الأزرار التي في «الجاكت» تُشبهه تمامًا!

هبط صمت ثقيل على الأصدقاء جميعًا؛ فلا شك أن هذا دليل خطير على قيام «إيبو» بالسرقة … ولكن «تختخ» بدَّد الصمت قائلًا: أرجو ألَّا تعدوا هذا دليلًا على اتهام «إيبو» بالسرقة؛ فهو مثلًا لم يكن يعلم أن السيدة «كريمان» قد أحضرت هذه النقود والمجوهرات من البنك.

محب: إلا إذا استطعنا إثبات أنه كان يعلم!

تختخ: نعم … في هذه الحالة ستكون هذه الشبهات قويةً حقًّا.

عاطف: بل يكون هو اللص.

تختخ: إن الشبهات وحدها لا تكفي، ودليل واحد لا يكفي … خاصةً وهناك أدلة أخرى مثل ورقة الكوتشينة مثلًا.

لوزة: وهناك دليل آخر ضده … «البايب» الذي وُجد في مكان الحادث.

نوسة: فعلًا إن هذا دليل آخر.

محب: وقطعة النقود الصادرة من «نيجيريا» أيضًا.

لوزة: هذه ثلاثة أدلة وهي كافية جدًّا.

تختخ: بل أرى أنها ليست أدلة إثبات … إنها أدلة نفي.

لوزة: ماذا تقصد بهذا؟

تختخ: إن أدلة الإثبات ضد متهم هي الأدلة التي تُثبت ارتكابه الحادث، وأدلة النفي هي التي تنفي التهمة.

لوزة: هذه أدلة إثبات كلها!

تختخ: معكِ حق … ولكن ألَا يُدهشكم أن يقوم لص مهما بلغ غباؤه بترك ثلاثة أدلة واضحة ضده في مكان الحادث؟ لقد قال «محب» هذا الكلام قبلًا.

نظر الأصدقاء أحدهم إلى الآخر، ثم هزَّ «عاطف» رأسه قائلًا: إلا إذا كانت الأدلة قد وقعت منه دون أن يدري.

تختخ: تمامًا … فهل يمكن أن يُسقط من «إيبو» ورقة كوتشينة … و«بايب» وقطعة نقود، وزرارًا من «الجاكت» … مرةً واحدة؟

نوسة: إن اللص مهما كان ذكيًّا لا بد أن يترك أثرًا يدل عليه.

تختخ: فعلًا … ولكن لا يترك ثلاثة أدلة مرةً واحدة.

محب: إنني أميل إلى اعتبارها أدلة نفي.

تختخ: علينا أن نُثبت أن هذه الأشياء تخصُّه فعلًا … وأنه كان يعلم بوجود النقود والمجوهرات، إذا أردنا أن نُحوِّلها إلى أدلة إثبات.

لوزة: وكيف نُثبت هذا؟

تختخ: اتركوا لي هذه المهمَّة … وأكملوا أنتم أبحاثكم عن بقية المشتبه فيهم.

نوسة: وما الداعي إلى هذا وعندنا مُتهم واضح؟!

تختخ: أُفضِّل أن نتحرَّى كل شيء … من يدري؟ إن بعض الألغاز حلَّتها كلمة، أو دليل غير واضح.

محب: نسينا أحد المشتبه فيهم.

تختخ: من هو؟

محب: هذا الموسيقار «منير» الذي قالت السيدة «كريمان» إنها شكَّت فيه؛ لأن تركيبة جسمه وحركاته وصوته تُشبه اللص.

تختخ: نستطيع أن نتركه جانبًا فترة.

عاطف: على العكس … إن في إمكاني أن أُتابعه أنا؛ فليس هناك داعٍ لأن أذهب أنا و«محب» معًا لمتابعة «حسنين» صديق «عبده»، ويكفي أن يذهب «محب».

تختخ: لا أمانع، ولكن ماذا تفعل؟

عاطف: إن أمامي فرصةً ذهبيةً للتعرُّف به … فقد كنت أُريد أن آخذ بعض دروسٍ في الموسيقى، وأنتم تعرفون هوايتي لها، وفي إمكاني أن أتفق مع والدي، وأذهب لتلقِّي بعض الدروس على يدَي الأستاذ «منير» في منزله، وهناك أستطيع أن أعرف كل شيء عنه.

تختخ: خطة بارعة … عليك بتنفيذها.

ومرةً أخرى افترق الأصدقاء … كلٌّ يُحاول بسرعة أن ينتهي من مُهمَّته، بعد أن اتفقوا جميعًا على أن يكون من له صلة بالحادث موضع بحث دقيق.

وكان «عاطف» سعيدًا بالمهمَّة الموكولة إليه … فسيأخذ دروسًا في العزف على الكمان، وفي الوقت نفسه يشترك في حل اللغز … إذا كان «منير» له علاقة به. واستطاع فعلًا أن يُقنع والده، وسرعان ما أخذ طريقه إلى منزل الأستاذ «منير» القريب من قسم الشرطة … وعندما دقَّ جرس الباب فتحه شاب كان يبدو أنه يقوم بتنظيف البيت. ولمَّا سأله «عاطف» عن الأستاذ «منير» قال: لقد خرج منذ قليل إلى السوق، وسيعود بعد لحظات، فإذا أردت انتظاره فتفضل.

فكَّر «عاطف» لحظات، ثم دخل وتأمَّل المكان حوله … كانت شقةً صغيرة … مُكوَّنةً من صالة وغرفتَين … فجلس «عاطف» في الصالة وأخذ ينظر إلى ما حوله … كانت إحدى الغرفتَين مفتوحة، وبدا في داخلها فراش ودولاب، وكان واضحًا أنها غرفة نوم، أمَّا الغرفة الأخرى فكانت مغلقة.

بعد دقائق وصل الأستاذ «منير»، وكان شابًّا طويلًا نحيلًا … يرتدي ملابس داكنةً برغم الصيف … ولمَّا رأى «عاطف» الذي وقف احترامًا له، نظر إليه في دهشة، فأسرع «عاطف» يقول: آسف لإزعاجك … ولكني حضرت لتلقِّي بعض دروسٍ في العزف على الكمان … إذا كان عندك وقت.

جلس الأستاذ «منير» ومدَّ ساقَيه إلى الأمام، ووضع رأسه على يده، وأخذ ينظر إلى «عاطف» نظرةً طويلةً متأمِّلة، وإن أحسَّ «عاطف» أنه لا ينظر إليه … وظل الصمت بينهما لحظات، ثم رفع «منير» حاجبه في كسل وقال: هل أخذت قبل الآن أي دروس في الموسيقى؟

عاطف: للأسف إنني أستمع فقط، وإن كنت أعرف كيف أعزف على «الهارمونيكا» …

مطَّ «منير» شفتَيه إلى الأمام وعاد يسأل: هل لك هوايات أخرى؟

ردَّ «عاطف»: نعم إنني أهوى الرسم أيضًا.

عاد «منير» إلى الصمت مرةً أخرى، وأخذ ينظر متأمِّلًا خارج النافذة التي كانت بالصالة، ثم اقترب منه الشاب الذي يُنظِّف المنزل قائلًا: لقد انتهى كل شيء يا أستاذ، هل تفتح هذه الغرفة لأُنظِّفها أيضًا؟

ردَّ «منير» مسرعًا: لا داعي لذلك.

ثم مدَّ يده في جيبه وأخرج نصف جنيه أعطاه للشاب، الذي شكره ثم قال: هل أعود في نفس اليوم من الأسبوع القادم؟

ردَّ «منير»: سوف أُرسل لك؛ فإنني قد أُسافر بعض الوقت.

انصرف الشاب، وقام «منير» واقفًا وذهب إلى الشرفة، ثم عاد مرةً أخرى بعد لحظات فقال «عاطف»: هل ستتفضَّل بإعطائي الدروس؟

ردَّ «منير»: آسف جدًا، كنت أتمنَّى أن تكون تلميذي، ولكنني قد أُسافر قريبًا في رحلة فنية إلى الخارج … فأنا أيضًا أُريد أن أُكمل دراسة الموسيقى في الخارج.

عاطف: شكرًا … وآسف إن لم تتَح لي فرصة التلمذة عليك؛ فقد سمعت أنك عازف ممتاز.

منير: من أين علمت؟

عاطف: من والدة صديقي «توفيق»؛ فهي صديقة للسيدة «كريمان».

بدا على «منير» بعض الاضطراب، ثم قال: السيدة «كريمان» … مسكينة هذه السيدة. لقد سرق لص منزلها، وللأسف الشديد ظنت أنه أنا … هل تتصوَّر أن أسرق سيدةً أحسنت إليَّ؟! شيء غير معقول!

عاطف: على كل حال لقد أكَّد الشاويش أنك كنت تجلس في شرفة منزلك عندما وقع الحادث …

منير: هذا صحيح؛ فمنزلي كما ترى يقع في مواجهة قسم الشرطة، وقد ظلِلت طيلة المساء وحتَّى الواحدة صباحًا أجلس في الشرفة أعزف بعض المقطوعات التي أُحبُّها.

عاطف: لقد كان مجرَّد وهم أن تصوَّرت السيدة «كريمان» أنك …

وخجل «عاطف» من إكمال الجملة فقال «منير»: لا بأس … إن كل إنسان يُخطئ.

ثم وقف، فوقف «عاطف» مستأذنًا في الانصراف، فقال «منير»: اترك اسمك وعنوانك، وإذا لم أُسافر فسوف أستدعيك ونبدأ الدروس معًا.

وتلفَّت «عاطف» حوله باحثًا عن ورقة وقلم فلم يجد، ولاحظ الأستاذ «منير» ذلك فقام مسرعًا لإحضار الورقة بعد أن أعطاه قلمه … وعاد «عاطف» ينظر حوله، وابتسم عندما وجد على رفٍّ صغير في الحائط «نبلة» ممَّا يستعمله الأولاد في صيد العصافير … وفكَّر أن الفنانين لهم عادات مضحكة.

وعاد الأستاذ «منير» … ومعه الورقة، وكتب «عاطف» اسمه وعنوانه ورقم تليفونه، وانصرف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢