اللحظة التي أنهى فيها الجلاد مهمَّته

وها هو الآن — بعد أن حاول هدم جدار الصمت، الذي احتمى وراءه بلا فائدة — يرقُد فوق الرمال، يُحاول جاهدًا إقناع نفسه، أن كلَّ ما مرَّ به حدث في عصرٍ آخر.

لكن الأيام تسرَّبت من بين أصابعه الدامية، ولم يستطِع استرجاع حديث القُبَّرة، أو مشهد البقرة، فقد كان الجلاد طويلًا كالنخلة، له أذرُع كالصواري وأسنان كالمداري؛ واقفًا يسدُّ الأفق بصدرِه الأملس الصخري، يُخيف الطيور، ويجعل السُّحب تعبُر إلى أوطانٍ أخرى. ولم يعُد هناك مَفر … العصر أصبح عصرًا آخَر، والناس لم يعودوا كما عرفهم قديمًا، ولا بدَّ أن تُحمَل رأسه إلى السلطان. ولن يعرف أحد حقيقة ما حدث له أبدًا … وعليه أن يستسلِم وأن يغفر للجميع حتى للأحدب، فإن أحدًا لم يُسلِّمه، وهو وحده المسئول، هو الذي أراد وكان له ما أراد تمامًا؛ الذين أحبهم لم يريدوا حُبه، والذين وهبَهم عمرَه سخِروا منه!

لكن الأحدب كان يبكي، وابنة عمِّه كانت صادقة في جزَعِها عليه! نعم.

رأسه يكاد أن ينفجِر، وهو لا يريد أن يُلاحظ أحد من رفاقه المُنتشرين على وجه الصحراء، لحظة ضعفٍ عارضة تبدو عليه … أكثرهم لن يفهم أسبابًا، وبعضهم سوف يؤكد أنه كان يتنبَّأ له منذ البداية، بما عرفه عنه الآن فقط.

إن موته الآن لن يضير أحدًا، وعليه وحده تقع مسئولية جعلِه ذا مغزًى لأطفاله، ولمن سوف يأتي بعدَه. تذكرتُ كيف أراحت جذور البوص ذلك الحلاق من القلق، وأعفتْه من الفزع إن هو أفشى سِرَّ مولاه السلطان، الذي كانت له أُذنَي حمار.

أخذ يزحف في بطءٍ وهو يبذل جهدًا خارقًا، بسبب جراح جسدِه الخارج توًّا من غرفة التجهيز، وهو يُدير عينَيه بحثًا عن بعض شُجيرات البوص، ليحفر إلى جوارها ثم يهمِس إليها بما يملأ صدرَه مثلما فعل الحلاق.

وخُيل إليه أن كلَّ ما مضى من حياته يُساوي تلك اللحظة، التي عثر فيها على دغل بوص خلف عين الماء، يصلُح بشكلٍ كاف مُبررًا لفرحته الأخيرة.

كاد الحلاق يموت بالسكتة القلبية، من ثقل السِّرِّ الذي يركز كالحديد المصهور على صدرِه، لولا أن همس به للجذور والطين الصامت.

وصحيح أنه قُتل بعدها بحد السيف، وقُتل معه عدد كبير من الصبية الذين صنعوا صفافير من ذلك البوص، أذاعت السِّرَّ عندما نفخوا فيها. ولكن ماذا يساوي ذلك وقد عرف الناس أيامها وتيقنوا أن لسلطانهم أُذنَي حمار.

أسرع يحفر بجوار سيقان البوص، كمن يحسُّ أنه لم يعُد في العمر بقية، وقد تعلقت كل آماله وأحلامه بأطراف أصابعه، وأخذ يهمس للجذور بكل ما يُثقل صدره، وكلما حفر حفرةً مدَّ رقبته وأفرغ فيها ما عذَّبه من أفكار وأحداث ورؤًى، وأخذ يتنقل بسرعة ويحفُر بجنون، وقد ذابت روحه كلماتٍ وأشعارًا يسكبها في الجذور … وأخذ يحلم بأول طفلٍ سيأتي إلى هذا المكان، ليصنع صفارة من هذه السيقان المُقدَّسة، مؤمِّلًا أن تُذيع عنه ما أودعها من أحلام رحلته العجيبة.

•••

ظنَّ الجلاد الذي كان يُراقبه من بعيد، أنه يحفر الأرض محاولًا الهرب، فأسرع إليه وانتهز فرصة استطالة رقبته داخل الحفرة الأخيرة، فأهوى بالبلطة في قوة.

وتدفَّق دمه يشخب في دفقاتٍ ملأت الحفرة، وأخذت تصعد في بطءٍ خلال عروق البوص الخضراء، فتشيع فيها حُمرة وردية.

وعندما رفع الجلاد الرأس المقطوع عاليًا تأوَّهت جذور الشعر الكثيف تحت وطأة أصابعه، فصاح مُنتصرًا مُعلنًا إنهاء المهمة … ساعتها لمحت العينان المفتوحتان جوقة من (المُغنِّين الشعبيِّين) مُقبلة عليهم من بعيد، في طريقها للاحتفال بتنصيب السلطان الجديد … وسمعت الأذنان الداميتان بكل وضوحٍ طلبهم الإذن من الجلاد، بالسماح لهم بالحصول على بعض سيقان البوص الوردي، ليصنعوا منها ناياتٍ جديدة تليق بحفلة التتويج.

وعندما سمح لهم الجلاد، خُيل إليه أن ابتسامةً عريضة ارتسمت على مُحيَّا الرأس المقطوع، الذي كان في مواجهة وجهه تمامًا، وهو يُثبته فوق رأس حربته، استعدادًا لكي يتقدَّم به الرَّكْب الملكي.

كُتبت في النصف الأول من عام ١٩٧٢م،
وتمَّت في يناير عام ١٩٧٩م، القاهرة

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤