المقالة التاسعة والستون

الدفن والمدافن وعلامات الموت

الناس في كل العصور مفتونون بما يئول إليه أمرهم بعد موتهم، والأكثرون على أن النفوس بواقٍ، أما الجسوم الفانية فلا يبتُّون فيها قولًا. ولو أن الشرائع جميعها تقول بالحشر وقيامة الأجساد. والمصريون القدماء أشدُّ من كان في عمله مُتفقًا مع مُعتقده، فكانوا يعتنون بالأجساد بعد الموت اعتناءً خاصًّا يحفظها من الدثور على مدى الدهور، ليُسهلوا على النفوس الاجتماع بأجسادها عند الحشر. فكانوا يأتون فيها عملًا تمثيليًّا بالتحنيط يقيها من البِلى، ولكنه يجعل ارتداد الحياة إليها — بعد الموت الظاهري — أمرًا مُمتنعًا.

أما الذين لم يكونوا يلجئون إلى التحنيط الديني أو الإحراق الديني، كما يفعل المجوس حتى اليوم؛ فكانوا يُعولون لتقرير الموت الحقيقي والدفن على علامات قد لا تصدق. فيبقى الميت المدفون معرَّضًا لأن تعود الحياة إليه، ولكنها تعود إليه ليقضي بعدها بالعذاب الشديد بين جدران القبر وتحت تراب اللحد. ومن يستطيع أن يتصور هول الدقائق أو الساعات أو الأيام التي تمرُّ على المدفون حينئذٍ قبل أن يعود ثانية ويموت الموت الحقيقي؟ وقد يستطيع ذلك بعض الشيء أصحاب أمراض ضيق التنفس، كالداء المعروف بالربو.

ولا يخفى أن العبد الفقير مُحتكر لهذا الداء منذ حداثته، وقد كان له أوفى صديق حتى اليوم، ولا أذكر أني جزعت في كل أطوار حياتي من كل أنواع الموت مثل جزعي عند تصوُّر هذا الدفن، وما ذلك مني من تلك «الغفوة» التي لا تُحَب، بل من تلك «اليقظة» التي تُرهَب، حتى إني قلت ذات يوم في مرضٍ عرض لي منذ بضع سنين الأبيات الآتية، وهي تُعبر عن هذا الشعور بي أصدق تعبير، وإني مُورِدها هنا، ولكن بعد أن أستأذن هذه المرة من كلية الأساتذة ومن أستاذ الاثنين. والأبيات هي:

ادفنوني في القبةِ الزرقاءِ
إن قدرتم فذاك أقصى رجائي
لا بقبر في الأرض لا كان قبرٌ
ضيق النقب ضيق الأرجاءِ
أودِعوني المنطاد ينقل جسمي
في فسيح الخلا وصافي الهواءِ
ولأنلْ في الممات ما لم أنَله
في حياتي من بعد طول العناءِ
سعةً في البقا ولو بتُّ فيها
أكل وحش الفلا وطير السماءِ

والعلامات المعروفة التي تُرافق الموت، والتي يُعول عليها الناس حتى اليوم، هي همود الجسم وبرده، وانقطاع التنفس، وانقطاع النبض، ووقوف دقات القلب، ويزيد الأطباء عليها علاماتٍ أخرى يُحاولون استكشافها كل يوم، وكلها علامات مشكوك فيها.

وفي المجتمعات المُنحطة التي لا تُشدد الحكومات فيها مُراقبة أحوال الدفن، لا تلبث هذه العلامات أن تظهر على الجثة حتى يُبادروا إلى إخراجها إلى المدفن، ومُواراتها التراب مُسرعين قائلين: «ستر الميت دفنه.» وأما في المجتمعات الراقية فينتظرون ساعاتٍ معلومةً قبل الدفن، ويُعولون خصوصًا على شهادة الطبيب.

والحق يُقال إن الطب مهما دقَّق في التحري للتأكد من الموت الحقيقي، فلا يسعه إلا الاعتراف بأن كل العلامات المعوَّل عليها قد تُخطئ، ما عدا علامةً واحدة هي «التعفُّن». فيجدر بالناس والحكومات والحالة هذه ألا يُعولوا في إجازة الدفن على علامةٍ أخرى. ولأجل ذلك يجب أن يكون في كل مدفن محلٌّ مُعدٌّ لهذا الغرض، تُنقل الجُثث إليه، وتُحفظ فيه الوقت الكافي حتى تظهر فيها هذه العلامة الصادقة، ثم تُدفن.

والغريب أن الناس مع علمهم ذلك وشدة حرصهم على حياتهم وراحتهم، مُقصرون في هذا الأمر حتى في أرقى المجتمعات اليوم، مع أنه أهم وألزم وأوجب وأرحم من بناء القبور الفخيمة، وإقامة المآتم العظيمة التي يتباهى بها الأحياء على ظهور الموتى. وأغرب من ذلك تحكُّم الأحياء في مُعاملة جُثَثهم، وكيفية دفنهم بعد موتهم. والمؤمن معذور إذا طلب أن يُدفَن دينيًّا؛ لأن ذلك داخل في فروض دينه، وأما غير المؤمن فما عذره إذ يتحكم ويطلب ألا يُدفَن إلا مدنيًّا، وهو ينفي كل معتقد؟ أيريد أن يتبجح بقوله للناس بعد موته إنه لا يعتقد بسلطةٍ روحية؟ وهو عمل في مُنتهى السخافة، وتعصُّبٌ بارد — خلافًا لما توهَّمه بي صاحب «الزهور» من أني مُتعصبٌ حارٌّ، ولكن ضد الإيمان — أم هو يريد أن يقول للناس بعمله هذا أن اقتدوا بي أن الكفر سمة العقول الراجحة؟ كأنه «الغرض» من بحثه لا «نتيجةٌ لازمة» له، خلافًا لجميع الذين توهَّموا بي من كتابي أني أقصد مقاومة الإيمان لأنصر العلم، والتأليف بين البشر بإزالة كل العقبات من طريقهم، والإرشاد إلى الوسائل التي تُسرع ارتقاءهم. ولعل بعضهم لا يتذرع بقولي هذا إلى أني هنا أيضًا «أنقض نفسي بنفسي» لأني قلت إن الأديان ذات معد واسعة لا يضيق بها شيء، لكيلا تقوم كل مرة وتقف حجر عثرة في سبيل العلم، ولكن العقل كما قلت أيضًا «خِزانة كثيرة الأدراج»، والمنازع أهواء غالبًا تدور حول العلم إذا هي لم تستطع شيئًا ضده.

•••

وإذا جاز لي أن أطلب شيئًا بعد موتي ممن بيدهم حينئذٍ أمري، فلا أطلب منهم سوى شيء واحد معقول أستعطفهم فيه شفقةً عليَّ، وألتمسه منهم رحمةً بي، فأنا لا أخاف الموت، ولا أخاف ما بعد الموت، ولا يهمُّني أُحرقت في النار، أم دُفنت في التراب، وصلَّى عليَّ قسيس أو شيخ أو حاخام، أم لم يُصلِّ عليَّ أحد، أو صلوا كلهم مُجتمعين يستمطرون لي غيوث الرحمة، أو يستنزلون عليَّ سيوف النقمة، يرفعونني إلى السماء، أو يدفعونني إلى جهنم. فأنا ليس لي أدنى مطمع بما هنالك، ولا أخاف شيئًا من كل ذلك، ولا أخاف إلا «يقظة» القبر! فأنا لا أطلب إلا أن أُدفن ميتًا حقيقيًّا لا يجوز أن تُردَّ إليه الحياة، ولو في أقل الاحتمالات.

ولا يُنكر أن هذه اليقظة من تلك الغفوة نادرة جدًّا، إلا أن ندورها لا يجعلها مُمتنعة. فإذا حصلت مرة في الألف، أو العشرة الآلاف، أو المائة الألف، أو المليون؛ فذلك كافٍ لوجوب أخذ الحيطة منها ما دام للحياة قيمة. وهي لها ذلك باعتراف الأفراد أنفسهم لأنفسهم، وإن لم يكن لها ذلك حتى اليوم باعتبار الجموع، من دون أن يرى صاحب «الهلال» في قولي هذا تذمرًا من الرئاسات ﻟ «هدمها»، لا ﻟ «تقييدها» بما يكون أصلح لمصلحة الجمهور. ولعل ذلك ليس حلمًا أيضًا لا ينطبق على العمل. ولولا «حمزة» الجريدة، وقوله إني «أحاول التأثير بقوة الألفاظ لا بمتانة البرهان»؛ لعوَّلت هنا أيضًا على أحكام المُقابلة، وقلت كم من أمثال هذه الأحلام في الماضي صار حقائق اليوم.

على أني لا أريد أن «أدفن» الكلام في هذا الموضوع — الذي جرى هنا على القلم من غير تعمُّد — قبل أن أُقدم كلمة شكر مُفعَمة لجميع الذين لم يثنهم حرج الموقف عن بذل الوقت عن سخاء للكلام عن كتابي، سواء بالإذاعة أو بالإطراء أو بالانتقاد. ومجال القول هنا قد يكون ذا سعة، وربما جرَّدت مني شخصًا آخر، وانتقدت نفسي بنفسي، ولكن لا لأستمسك بالعرَض لأقتل الجوهر، وأقلب الأشياء عن كيانها في سبيل الغرض، فلا أرى في البراهين الآخذ بعضها برقاب بعض برهانًا راجحًا، ويا ليت شعري بما يُجيبون لو قيل لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. كلمة شكر أزفُّها إلى جميع هؤلاء الأفاضل ممَّن ذُكروا هنا أو لم يُذكروا، حيث نظروا جميعهم إلى كتابي اليوم بغير العين التي نظرت إليه في الماضي، وهو ارتقاء في التساهل، وتحوُّل في المذهب، عسى أن يتصل الإنسان يومًا ما بالعلم إلى «دفن» أوهام كم غمَّت على الحقائق فأذابتها فيها، كأنها هي نفسها الحقيقة المنشودة، يدفنها جُثثًا هامدة تولَّاها موتٌ حقيقي لا مبعث بعده، لعل الإنسان «الكلي» يستطيع حينئذٍ أن يقضي عمره القصير على هذه البسيطة بأكثر أنواع التعاون، وأقل أنواع الشقاء، ولا يكون الخاسر في الحالَين.

والذي حارت البرية فيه
حيوانٌ مُستحدث من جمادِ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١